مصالحات غير مكتملة: قراءة نقدية في كتاب "ثورات لم تنتهِ: اليمن وليبيا وتونس بعد الربيع العربي"

Marwa Fekry مروة فكري |

.Unfinished Revolutions: Yemen, Libya, and Tunisia after the Arab Spring عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: ثورات لم تنتهِ: اليمن وليبيا وتونس بعد الربيع العربي المؤلف: إبراهيم فريحات. سنة النشر:.2016.Yale University Press الناشر: عدد الصفحات: 304 صفحة.

Incomplete Reconciliation: Critical Review of "Unfinished Revolutions: Yemen, Libya, and Tunisia after the Arab Spring"

مقدمة

بعد مرور ثماني سنوات على ثورات الربيع العربي، نجد أنفسنا أمام واقع مشكل. فبخلاف التجربة التونسية، نجد أن مسار التحول الديمقراطي في دول الثورات العربية قد تعثر تعثرًا كبيرًا، ونتجت منه حالة من التفكك والاستقطاب المجتمعي التي تراوح درجة العنف المصاحب لها من حالة إلى أخرى. ولذلك، يجب أن نتوقف ونتساءل عما حدث من خطأ، والأهم هو التساؤل عن الكيفية التي يمكن بها تصحيح المسار؛ وهنا تظهر المصالحة بوصفها قضيةً أساسية لتعديل المسار، وتحقيق الأهداف الأساسية التي قامت من أجلها الثورات. وعلى الرغم من أهمية هذه القضية، فإنها معقدة ومتشابكة، وخلافية في الوقت ذاته.

ومن هنا، يناقش الكتاب المصالحة من خلال التركيز على حالات ثلاث أساسية من دول ثورات الربيع العربي، هي: تونس، وليبيا، واليمن. ويقدم مادة ثرية لاعتماده على عدد كبير من اللقاءات مع الأطراف الفاعلة في كل حالة من الحالات المدروسة، وهو الأمر الذي يمكِّن القارئ من فهمٍ أفضل لكيفية تفكير الأطراف المختلفة في المعاني المرتبطة بالمصالحة. يُعد مفهوم المصالحة من المفاهيم التي تتعدد تعريفاتها وتتداخل مع مفاهيم أخرى، إضافة إلى تعدد الاقترابات منه. وهنا يضع الكتاب تعريفًا محددًا للمصالحة بأنها "العملية التي يتم من خلالها التعامل مع مظالم أطراف الصراع بهدف إعادة تعريف علاقاتها وإقامة عقد اجتماعي جديد" (ص. 7) ولدراسة ذلك، قسم الكاتب دراسته إلى ثلاثة أجزاء فرعية تتعلق بقضايا المصالحة (تحديدها ومناقشتها في الحالات الثلاث المذكورة)، والاقترابات المختلفة للمصالحة، وأخيرًا وكلاء المصالحة. وتنقسم مراجعتنا للكتاب إلى ثلاثة أقسام: نتناول في القسم الأول عرضًا سريعًا للنقاط الأساسية التي تناولها كل جزء من أجزاء الكتاب، ثم نفرد في الجزء الثاني مجموعة من الملاحظات الخاصة بكل جزء، والأسئلة التي قد يثيرها، وأخيرًا، نختتم بمجموعة ملاحظات عامة على أطروحة الكتاب والاقترابات المستخدمة فيه. تتلخص الأطروحة الأساسية للكتاب في أنه "يجب على المجتمعات العربية، إذا ما أرادت الانتقال بنجاح من الثورة إلى استقرار وسلام مستدامين، أن تنخرط في مصالحة قومية شاملة وجامعة. حيث يمكن لهذه المجتمعات من خلال المصالحة الوطنية أن تتجنب الصراع وتحافظ على الوحدة الوطنية أو تستعيدها" (ص. 2) ويبرر الكاتب اختياره التركيز على هذه الحالات الثلاث على اعتبار أنها قد نجحت بالفعل في إزاحة حكامها الأوتوقراطيين، ولا تزال تحاول الانتقال من السلطوية إلى نظم أكثر شمولً وتمثيلً. وهنا توجد علامة استفهام كبيرة متعلقة بانطباق ذلك التوصيف على حالتَي اليمن وليبيا، خاصةً أن الكاتب نفسه وصف الوضع في اليمن بأنه تجديد للنظام وليس تغييرًا له. كما أنه - على خلاف ما أورد الكاتب حين قال إن "مسار التحول الآن يتراوح من التدعيم الناجح للديمقراطية في تونس، إلى تجدد الصراع المدني في ليبيا" (ص. 7) - من المبكر الحديث عن تدعيم الديمقراطية في تونس consolidation Democratic؛ إذ لا تزال يحفها كثير من المخاطر الداخلية والخارجية كذلك. ويفصل الكتاب مكونات عملية المصالحة، على هذا النحو: حوار وطني موسع يضم كل أصحاب المصلحة الرئيسين، والسعي للحقيقة والوقوف على حقيقة ما حدث في الماضي، ثم التعويضات للمتضررين، والمحاسبة والتطهير من خلال التعامل مع عناصر النظام السابق الذين تورطوا في الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، والإصلاح المؤسسي لهيكلة مؤسسات الدولة بطريقة تحمي حقوق الإنسان، وتضمن عدم تكرار الانتهاكات، أو ما يمكن أن نطلق عليه "إقامة حكم القانون."

تقسيم أفكار الكتاب

يحدد الكاتب في الجزء الأول الخاص بقضايا المصالحة ثلاث قضايا أساسية تحول دون المصالحة في ليبيا، هي: شيوع ثقافة المنتصر، والحرب الأهلية، ونزع السلاح. ثم ينتقل إلى الحالة اليمينة مناقشًا تحدياتها الأساسية المتعلقة بمطالب انفصال الجنوب، وتمرد الحوثيين في الشمال، والحرب الأهلية في عام 2015. أما فيما يتعلق بتونس، فيركز الكاتب على إشكاليتين: لجان حماية الثورة، والاستقطاب السلفي - الليبرالي. ويخلص الكاتب من مقارنة قضايا المصالحة في الحالات الثلاث إلى أن هناك مجموعة من القضايا التي تمثل تحديًا للمصالحة والسلم والاستقرار، مع اختلاف درجاتها من حالة إلى

أخرى: نزع السلاح، وقوة الدولة العميقة، وقدرة النظم القديمة على شن ثورة مضادة. في الجزء الثاني "(صلب الكتاب" وفقًا للكاتب نفسه)، يتناول الكاتب الاقترابات المتعددة لتحقيق المصالحة؛ مثل المحاسبة والتطهير، ولجان تقصي الحقائق، وغيرها من الأساليب التي يتم توظيفها لتحقيق هذا الهدف، ويشدد في هذا الجزء على أهمية البدء بحوار وطني شامل وجامع، أخذًا في الاعتبار مجموعة من الأمور المتعلقة ب: اختيار المشاركين الملائمين، وضمان تمثيل المشاركين لدوائرهم وتمتعهم بالشرعية، وتطوير آلية لترجمة الاتفاقيات إلى أفعال على الأرض، والتوقيت الملائم (على اعتبار أنه من الصعب أن تتحاور الأطراف حول أهداف مشتركة في الوقت الذي يستمر فيه العنف.) ويخلص الكاتب من استعراض الحالات الثلاث إلى أن كلًّ منها تبنّى اقترابًا مختلفًا للحوار الوطني، وأن هذه الاقترابات من المحتمل أن تؤثر (وفي بعض الحالات أثرت بالفعل) في عملية الانتقال بأكملها (ص. 78)، فهو يرى أن "الارتباط بين الانتقال الديمقراطي الناجح واستخدام الحوار الوطني، مثل ما حدث في تونس، وإلى حد ما في اليمن، ليس صدفة ولا يمكن، ولا يجب، تجاوزه" (ص. 98) أما الجزء الثالث فيركز فيه الكاتب على "وكلاء المصالحة"، وقد تم تحديدهم في ثلاثة فاعلين أساسيين: المجتمع المدني، والنساء، والقبيلة. ويلاحظ هنا اقتصار الكاتب في هذا الجزء الحديث على حالتين فقط في كل فصل، وهو الأمر الذي قد أثر، إلى حد ما، في استخلاص النتائج والملاحظات العامة من عملية المقارنة. أما المجتمع المدني، فقد أكد الكاتب أنه لا يفهم هذا المجتمع بوصفه كتلة واحدة أو حتى موحدة. ولكنه تبنّى تعريفًا ضيقًا له، يشير في الأساس إلى المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية. وعن دور النساء، أكد الكاتب ضرورة تضمينهن في عملية الانتقال لضمان التمثيل الصادق للأطراف المعنية الأساسية. ويلاحظ هنا التشابه الكبير في مناقشة الأدوار المنوطة بالمجتمع المدني وتلك الخاصة بالنساء. أما عن الدور الذي يمكن أن تؤديه القبيلة في موضوع المصالحة، فهو على العكس من النظرة السائدة حول الأثر السلبي للقبيلة ومعادتها للدولة المركزية، وعدم توافقها مع مقومات الدولة القومية الحديثة؛ إذ يفرد الكاتب حديثًا عن دور إيجابي للقبيلة في تحقيق الأمن، يراه شرطًا ضروريًا لنجاح الانتقال. ويرى فريحات أن الطبيعة غير الأيديولوجية، وغير السياسية للقبائل، يجعلانها في موقع قوي للتوسط بين الدولة والمعارضة، كما يمكِّنها ذلك، بحسب رأيه، من مساعدة الدولة في التعامل مع الخلافات المذهبية والطائفية من خلال قانونها العرفي. ويتوقف أثر القبيلة في عملية الانتقال، وفقًا للكاتب، على الطريقة التي تدرجها بها السلطة السياسية، فإما أن تكون عاملً مفسدًا، وإما أن تكون عاملً مساعدًا في عملية الانتقال. بعد هذا العرض الموجز للأفكار والموضوعات الأساسية في الكتاب، ننتقل إلى بعض الملاحظات التفصيلية المتعلقة بأجزائه الثلاثة، تمهيدًا لبلورة مجموعة من الملاحظات العامة بخصوص تناول الكتاب لقضية المصالحة على نحو عام.

المصالحة ومعضلاتها

في ما يتعلق بالجزء الأول الخاص بقضايا المصالحة، هناك مجموعة من الملاحظات المرتبطة بكل حالة على حدة، وأخرى منطبقة على الحالات الثلاث محل الدراسة عمومًا. ولنبدأ بالحالة الليبية، حيث أفرد الكاتب حديثًا لشيوع ثقافة المنتصر، والحرب الأهلية، بوصفهما قضيتين منفصلتين تعرقلان المصالحة، وهو الأمر الذي يثير لدى القارئ التساؤل حول صحة هذا الفصل؛ نظرًا إلى العلاقة الارتباطية الواضحة بين الأمرين. فالحرب الأهلية هي في جزء منها نتاج لتفكير متعلق بالأطراف المختلفة مفاده أن البديل من الفوز هو الخسارة، وأنه لا يمكن الوصول إلى وضع تكون فيه جميع الأطراف فائزة. ويرتبط ذلك بنقطة أخرى خاصة بعدم مناقشة الكتاب لأسباب انتشار "ثقافة المنتصر:" هل هي أسباب متعلقة بطبيعة القوى السياسية الموجودة؟ أم ميراث النظام القديم؟ أم طبيعة نمط التحول الذي حدث في ليبيا؟ أم هي جزء من الثقافة السياسية السائدة عمومًا؟ ويُ ثِّل الوقوف على هذه الأسباب الخطوة الأولى لتقديم الحلول المتعلقة بالمصالحة، وتحديد الآليات الأكثر مناسبة للتعامل مع هذه القضايا. يلُاحَظ أيضًا، في أكثر من موضع، استخدام الكاتب مصطلح "الدولة الليبية" كطرف مقابل طرف الثوار، وهنا يُطرح السؤال: هل يمكننا بالفعل، الآن، الحديث عن كيان يسمى الدولة الليبية؟ وما مقوماتها في ظل حالة الانقسام في تمثيل الدولة ذاتها؛ سلطتان تنفيذيتان وبرلمانان يتنازعان الشرعية، ومجموعات مسلحة يدعي كل منها تمثيل "الشعب الليبي"؟ كذلك، لم يتم التعرض للنقطة الخاصة بشكل هذه الدولة المستقبلية. وعلى سبيل المثال، هل أن سيناريو الفيدرالية من السيناريوهات التي تفكر فيها الأطراف المتنازعة أم أنه غير محل اتفاق؟ ننتقل إلى الحالة اليمنية، حيث تبدو التحديات الثلاثة التي أوردها الكتاب كأنها تحدٍّ واحد مرتبط بالتمزق المجتمعي، وغياب اللحمة الوطنية. ولكن ماذا عن الأسباب التحتية لدعوات الانفصال أو

التمرد؟ إذا كنا نريد بالفعل الدفع في المصالحة، فعلينا فهم المسببات للتعامل معها على نحو صحيح. ومن ثم تصبح هذه الأسباب التحتية هي التحديات الأساسية للمصالحة (أساس المرض)، أما غيرها (رغبة الجنوب في الانفصال، أو تمرد الحوثيين في الشمال) فهي بمنزلة أعراض لهذه الأسباب. فإذا ما ركزنا على حل الأعراض، وليس على المرض نفسه، ينبغي أن نتوقع عودة المرض أو تحوره وإفرازه لأعراض أخرى. أما الملاحظات العامة المتعلقة بالجزء الأول، فتتمثل فيما يلي: لم يكن واضحًا من الكتاب ما إذا كانت الإشكاليات محل المناقشة في هذا الجزء قد تم تحديدها من قِبل الأطراف السياسية المختلفة في كل حالة من الحالات الثلاثة خلال اللقاءات المتعددة، وتوافر قدر من الإجماع حولها، أم كانت بمنزلة الاستخلاصات العامة للكاتب من مجمل هذه اللقاءات. وهل كان الترتيب الذي تم اعتماده في عرض هذه التحديات مقصودًا بما يعكس الأهمية التي أولتها الأطراف المختلفة للتحديات المذكورة، أم لا؟ كما أن الكاتب أورد في نهاية هذا الجزء ثلاث قضايا يرى أنها بمنزلة التحديات الأساسية للمصالحة والسلم، على اختلاف درجاتها في الحالات الثلاث المدروسة: نزع السلاح، وقوة الدولة العميقة، وقدرة النظم القديمة على شن ثورة مضادة. وبغض النظر عن أن التحديين الأخيرين هما بمنزلة تحدٍّ واحد، فإنه كان من الأفضل في هذا الجزء تناول الحالات الثلاث من خلال إطار مقارن يتخذ من التحديات المذكورة أساسًا للمقارنة مبينًا اختلاف تجلياتها، أو حدتها، من حالة إلى أخرى. فعلى نحو عام، كلما تم التعبير عن المفاهيم والقضايا بطريقة أكثر تجريدًا، زادت إمكانية تطبيق المقارنة بحالات أخرى ومختلفة، ومن ثم المساعدة في الوصول إلى نتائج أكثر تعميمً. وعلى سبيل المثال، أشار الكاتب عند مناقشته الحالة اليمينة إلى أن اليمن يواجه قضايا صعبة تتعلق بالإصلاح الأمني والحكم الرشيد والتنمية، وهي القضايا التي لا يعانيها اليمن وحده، ولكنها قضايا مجردة يشترك فيها معظم دول الربيع العربي، إن لم يكن كلهم. هناك غياب لمناقشة دور العامل الخارجي تمامًا في الحالة الليبية والتونسية، وتهميشه إلى حد ما في الحالة اليمنية؛ وذلك على الرغم من أن هذا العامل والسياق الإقليمي من أهم التحديات المشتركة الأساسية التي تواجهها الدول الثلاث، والتي لا يمكن تجاهلها. وتشير الخبرات التاريخية إلى أنه كلما كانت هناك أطراف أخرى منخرطة في الصراع، تعقدت عملية المصالحة. وتكشف تطورات الأحداث في دول الثورات كيف أن العامل الإقليمي والعامل الدولي كانا حاضرين بقوة، منذ البداية، ومارسَا تأثيرهما في عرقلة الانتقال الديمقراطي، وتعزيز مشاعر الانقسام بين الأطراف المنخرطة.

يلُاحَظ في هذا الجزء غياب الحديث عن التحدي الاقتصادي، وذلك على الرغم من أن المطالب الاقتصادية كانت في قلب الثورات، وفي مقدمة مطالب المحتجين، بل يمكن القول إن تدهور الأحوال الاقتصادية هو أحد التحديات الأساسية أمام عملية الانتقال والمصالحة معًا. وهذا يثير التساؤل حول ما إذا كان العامل الاقتصادي ليس حاضرًا بقوة في تصور الأطراف السياسية التي تم اللقاء معها. لم تتم الإشارة، من قريب أو بعيد، إلى النقطة الخاصة بالإرادة السياسية، سواء في هذا الجزء أو في أي جزء آخر في الكتاب، وذلك على الرغم من أهميتها ودورها المحوري في قضية المصالحة. فغياب الإرادة السياسية - في اعتقادي - يُعد من أكبر التحديات لعملية المصالحة والانتقال في دول الثورات العربية. وترتبط الإرادة السياسية هنا بتوافر زعامة سياسية صاحبة رؤية، وهو الأمر الذي افتقدته الثورات. وحتى تفرز هذه الثورات قياداتها، سيظل حديث المصالحة حبيس التصورات الأكاديمية واللقاءات الصحفية. ويمكن هنا الإشارة إلى حالة جنوب أفريقيا التي استندت عملية المصالحة فيها إلى التفاوض والتوافق، نظرًا إلى توافر القيادة السياسية للأطراف الأساسية (نيلسون مانديلا، وفريدريك دي كليرك)، والتي كانت لديها القدرة على اتخاذ قرارات صعبة، وربما صادمة لداعميها أحيانًا، وحشد التأييد الشعبي لها. وعلى سبيل المثال، خاطر دي كليرك، آخر رئيس لجنوب أفريقيا من الأقلية البيضاء، بشعبية حزبه حينما اتخذ قرارًا ببدء المفاوضات في وقت لم يكن فيه معظم البيض مستوعبين أن

استمرار الفصل العنصري ستكون نتيجتُه حربًا أهلية طاحنة. وانعكس ذلك في حصول الحزب اليميني المحافظ على الأغلبية في انتخابات التجديد النصفي للبرلمان. وبالمثل، فإن نيلسون مانديلا قرر العودة إلى مائدة المفاوضات بعد انسحاب حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، الممثل الرئيس للأغلبية السوداء، في حزيران/ يونيو 1992، منها نتيجةً لمذابح ارتُكبت في حق بعض المواطنين السود. أخيرًا، كان يمكن أن تطور المادة الثرية التي تضمنها الكتاب إطارًا مقارنًا يساهم في الجدل الدائر حول الهيكل - الوكيل Agency-structure، ومدى مساهمة كل منهما في الحالة التي وصلت إليها هذه الدول، ومن ثم القدرة على تحديد أين تكمن مفاتيح عملية المصالحة. وقد كان من شأن هذا الإطار تعزيز فهمنا لأسباب الاختلافات في الدرجة بين الحالات الثلاث: أهي طبيعة النظام السابق؟ أم هي نتاج لاختيارات النخب؟ أم أن السياق الداخلي والخارجي يتركان بصمتهما على التطورات الحادثة؟

اقترابات تحقيق المصالحة

في الجزء الثاني الخاص باقترابات المصالحة، ربط الكاتب بين نجاح الانتقال الديمقراطي واستخدام الحوار الوطني، وهو الأمر الذي فيه قدر من التعميم الذي يحتاج إلى مراجعة، ذلك أن الاقترابات المختلفة للحوار الوطني- كما ناقشها الكتاب - لم تكن في ذاتها عاملً مستقلً، بل كانت أشبه بمتغير تابع ونابع من السياق والظروف المحيطة بكل حالة؛ أي إن محك النجاح والفشل لا يكمن في الاقتراب للحوار الوطني ذاته، ولكن هناك عوامل أخرى سهلت، أو عوقت، إتمام الحوار الوطني، وهو الأمر الذي أشار إليه الكاتب نفسه في حديثه عن وجود اقترابين كشفتهما تجارب الحوار الوطني: أحدهما نابع من الداخل grown Home، وهو يتمثل في التجربة التونسية، أما الآخر فقد كان بوساطة دولية كما جاءت الحالة اليمينة. وقد أوضح الكاتب أن التجربة التونسية كانت أنجح لشعور التونسيين بأن الحوار حوارهم. إلا أنه يعود في جزء آخر ويتحدث عن افتقاد الحوثيين الجدية في الحوار في الحالة اليمينة، وهو الأمر الذي يشير إلى أن معيار النجاح لا يكمن بالضرورة في الاقتراب المتبع، وإنما يتوقف أيضًا على خيارات الفاعلين المنخرطين، وتوافر الإرادة السياسية لديهم، لتحقيق التوافق والتفاوض. وتظهر أهمية عامل الإرادة السياسية، في ظل غياب أي إشارة في الكتاب، إذا ما كان هناك اتفاق بين الأطراف على قاسم مشترك أدنى، تكشّف للكاتب من خلال اللقاءات التي أجراها. فعلى سبيل المثال، عند مناقشة ما يتعلق بالبحث عن الحقيقة، وإلى أي نقطة زمنية نبدأ من عندها هذا البحث، لم يشُر الكاتب إلى وجود توافق حول فترة زمنية بعينها تبدأ من عندها جهود المصالحة، والكشف عن الحقيقة، وما إذا كانت الأطراف المعنية تقبل بفكرة التدرج في فتح ملفات الماضي. وهذه ليست بالقضية الهينة لارتباطها بتداعيات مهمة متعلقة بالتطهير، على سبيل المثال، والحرمان من الممارسة والحقوق السياسييَن. وفي عودة إلى قضية التطهير، يوضح فريحات أنه لا يوجد دليل قوي على أنه المساهمة في الانتقال السلمي والمصالحة الوطنية، بل إنه حذر من أن المحاسبة الزائدة من خلال العدالة "الانتقامية" قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وتولد المزيد من عدم الاستقرار، وتعقد من عملية الانتقال. وهنا لا يسع المتخصص إلا التساؤل عن كيفية الربط بين هذه النتيجة وأدبيات التحول الديمقراطي، خاصة تلك المتعلقة بالتحول من خلال نمط الصفقة أو التحالفات transitions Pact. فهل تعني هذه النتيجة أن مثل هذا النمط هو الأكثر نجاحًا واستقرارًا، بدليل أن اعتماد التطهير في ليبيا من خلال تطبيق قانون العزل السياسي قد قلب العملية السياسية كلها، وكان العامل الأهم في تأجيج العنف؟ ولماذا لم نشهد نجاحًا لمثل هذا النمط بخلاف التجربة التونسية؟ وتحت أي ظروف يمكن أن تعوق المحاكمات والأشكال المختلفة للعقوبة والتطهير عمليةَ المصالحة؟ كان هناك أيضًا قدر من التعميم عند تناول الجزء الخاص بتعويضات ضحايا جرائم الماضي في الفصل السابع من هذا الجزء. فقد أشار الكاتب إلى أن الحالات الثلاث محل الدراسة تكشف عن وجود علاقة بين آلية التعويض لضحايا الماضي من جهة، والاستقرار أو الاستقطاب والسلم الأهلي من جهة أخرى. والحقيقة أن مثل هذه العلاقة لم تكن على هذا القدر من الوضوح عند مناقشة الحالات الثلاث، وكان الأوضح أن عدم الاستقرار كانت أسبابه سياسية واقتصادية في الأغلب. في نهاية هذا الجزء، يشعر القارئ بأنه كانت هناك حاجة إلى تصنيف اقترابات المصالحة من حيث المدى الزمني. فالمصالحة عملية معقدة وطويلة المدى، ولا يمكن استعجالها؛ ولذلك فإن الاقترابات التي ناقشها الكاتب، من معرفة الحقيقة والتعويضات والتطهير والعدالة التصالحية، والتي يمكن تسميتها باقترابات المصالحة ال "قصيرة المدى"، من شأنها خلق الظروف المواتية وتعزيز فرص المصالحة. ولكن لا تزال هناك حاجة إلى الاستثمار الطويل المدى. وهنا تأتي الاقترابات الطويلة المدى التي تهدف إلى تغيير التوجهات والسلوك اللذين أفرزا الصراع. ومن أبرز هذه الاقترابات التعليم، حيث تبرز أهمية صوغ المناهج التعليمية لرأب الصدع، وجمع شمل الأمة، وتشكيل ذاكرتها

الجماعية حول أحداث بعينها في الماضي، ورؤيتها نحو المستقبل؛ وهي الاقترابات التي تم تبنيها بالفعل من قِبل بعض المجتمعات التي مرت بمراحل انقسام واقتتال داخلييَن، مثل برنامج التعليم من أجل المصالحة في أيرلندا.Education for reconciliation

وكلاء المصالحة

بالنسبة إلى الجزء الثالث الخاص ب "وكلاء المصالحة"؛ على الرغم من الثقل الكبير للمنظمات الأهلية وغير الحكومية كمكونات للمجتمع المدني، فإنه لا يمكن إغفال دور المؤسسات الدينية، ومنظمات الأعمال، والإعلام، وكذلك الشباب. وقد كان يجب أن يهتم الكتاب بهذه الفئة الأخيرة، تحديدًا، التي كانت وقود الثورة وفي القلب منها، إضافةً إلى أنها تمثل المكون الأكثر عددًا في جميع الدول العربية. كما أن فئة الشباب هي الأكثر قدرة على تخطي حواجز الأيديولوجيا، والانقسامات المذهبية، والقبلية، والطائفية بأنواعها. فمن مقومات نجاحِ المصالحة النجاحُ في خلق روابط مختلفة بين المجموعات تتمايز عن خط التقسيم الأساسي في المجتمع؛ سواء كان إثنيًا، أو جهويًا، أو فكريًا. وربما كان الشباب هم الأقدر على تجاوز خطوط التقسيم هذه المثيرة للصراعات، تمامًا كما يمكن أن يتخطى دورُ النساء الخطوطَ التقليدية للفصل بين الأطراف، مثل تجاوز الانقسام الإسلامي- العلماني، للدفع بقضايا المرأة وتعزيز دورها في النظام السياسي. وفي الإشارة إلى دور القبيلة؛ فمما لا شك فيه أن الاعتماد على مكونات الثقافة المحلية من العوامل التي تعزز عمليةَ المصالحة. إلا أن دور القبيلة في هذا الشأن يثير إشكالية أساسية: كيف يكون الأمر إذا كانت القبائل أيضًا مسيسة؟ أو أن الفواعل السياسية قبلية هي أيضًا؟ على سبيل المثال، إن جوهر الصراع في ليبيا هو صراع المناطق والقبائل في الأساس؛ إما لأنها تضررت من سقوط نظام القذافي وتحاول استعادة مكانتها، وإما لأنها عانت التهميش في ظله، ومن ثم تحاول التأكد من عدم تجاوزها مرة أخرى. لذا، كيف يمكن للفاعل نفسه مصدر الصراع (القبيلة، في هذه الحالة) أن يكون عاملً مساعدًا في عملية المصالحة؟

مناقشة أفكار الكتاب

بعد استعراض أجزاء الكتاب والتعليق عليها، هناك عدة نقاط عامة محل نقاش وتساؤل. الأولى: تتعلق بمعنى المصالحة التي عرفها الكاتب "(العملية التي يتم من خلالها التعامل مع مظالم أطراف الصراع بهدف إعادة تعريف علاقاتها وإقامة عقد اجتماعي جديد"، ص 7)، فهنا تبرز الحاجة إلى مزيد تشريح هذا المفهوم ونظرتنا إليه؛ ذلك أن "المصالحة" مصطلح معقد، وربما يكون ذلك بسبب أن المصالحة تمثل هدفًا/ غاية (شيئًا يتم السعي لتحقيقه)، وكذلك عملية (وسيلة لتحقيق الهدف)، ومن ثم فإن الكثير من الجدل يدور حول الخلط ما بين طبيعتَي المصالحة. فهي بوصفها عملية، تهدف إلى بناء، أو إعادة بناء، للعلاقة بين الجماعات والأفراد في المجتمع (مصالحة بين أطياف المجتمع)، وأيضًا بين الدولة ومواطنيها (مصالحة بين الدولة والمجتمع)، وهي بوصفها غاية، تشير إلى إعادة بناء هذه العلاقات بناءً على معايير ومبادئ محددة، أي الاهتمام بالذي نحاول إعادة بنائه من خلالها. ينعكس هذا الفرق بين الاتجاهين في تعريف المصالحة على رؤيتنا لموقع وتوقيت المصالحة. فالتوجه العام أن المصالحة بوصفها عملية، تبدأ عندما يتحقق سلام ينهي الصراع، ولو مؤقتًا. أما لو نظرنا إليها بوصفها غاية، فيمكن أن تصبح جزءًا لا يتجزأ من إنهاء الصراع ذاته. وقد انعكس هذا الخلط على موقع المصالحة كما تم التعبير عنه في أجزاء مختلفة من الكتاب. فمن ناحية، يرى الكاتب أن الانخراط في عملية مصالحة شاملة وجامعة (المصالحة كخطوة سابقة لحل الصراع) هو السبيل الوحيد لتحقيق الشعوب العربية السلم والاستقرار. ومن ناحية أخرى، عندما تحدث الكاتب عن التوقيت المناسب للحوار الوطني أشار إلى أنه لا يمكن أن يبدأ الحوار الوطني بينما العنف والقتال مستمران (المصالحة كخطوة لاحقة لحل الصراع.) الثانية: تتعلق بالترابط بين المصالحة وعملية الانتقال الديمقراطي؛ صحيح أن المصالحة تختلف باختلاف السياق وطبيعة الصراع، ولكنها أيضًا تتأثر بنمط وطبيعة الانتقال، ومن ثم لا ينبغي دراستها منفصلة عن مسار التحول الديمقراطي؛ فالمصالحة والتحول الديمقراطي متشابكان وبينهما اعتماد متبادل. فمن ناحية، تحتاج المصالحة إلى حد أدنى من العدالة الاجتماعية، والمشاركة في السلطة السياسية والاجتماعية، والبيئة الداعمة لحقوق الإنسان. ومن هنا، فإن هناك أمثلة لمجتمعات لم تكتمل فيها المصالحة Unfinished reconciliation لأن طرفًا من الأطراف لم يعترف بالحاجة إلى الديمقراطية، وتعتبر زيمبابوي من أبرز الحالات الدالة على ذلك. من ناحية أخرى، تضع المصالحة الأساس ال زاام لنجاح التحول الديمقراطي من خلال عملية إعادة الثقة والتعاون والعلاقات الصحية بين بعض الأفراد وبعضهم الآخر، وبينهم وبين الدولة. ومن ثم يمكن الحديث عن مقومات نجاح المصالحة كالآتي: توافر الإرادة السياسية،

وإقامة حوار وطني شامل لكل الأطياف، وتهيئة مناخ سياسي أكثر انفتاحًا يضمن حرية التعبير، وأخيرًا توافر رؤية وطنية أو مشروع وطني يضع تصورًا للغاية النهائية للأمة كما يراها المواطنون، أو ما يمكن تسميته ب "فلسفة المصالحة." الثالثة: تتعلق بفقدان الكتاب للإطار النظري الذي يسكن عملية المصالحة في إطارها الأشمل، وهو التحول الديمقراطي، ومن ثم تحديد أكثر لموقعها من عملية الانتقال، وهي خطوة من شأنها تطوير نظرتنا أو فهمنا لقضايا التحول والمصالحة معًا. فببساطة، لن تبدأ عملية المصالحة ما لم تسبقها خطوات جادة نحو الانتقال. كما كان يمكن تسكين الموضوع في إطار آخر يتعلق بنظريات حل الصراع، وهو الأمر الذي أشار إليه الكاتب نفسه في المقدمة عندما أوضح أن جانبًا أساسيًا في هذا البحث هو "التحدي الذي يفرضه على نظريات حل النزاعات الموجودة وكيفية تكوينها" (ص xii.) ومع ذلك لم يتطرق الكتاب فيما بعد إلى الكيفية التي تساهم بها النتائج التي توصل إليها في تطوير، أو تكوين، نظريات حل النزاعات. وأرى أن غياب الإطار النظري كان هو السبب في ارتباك بعض الأجزاء أو تكرار بعض المعلومات في مواضع مختلفة. الرابعة: تناول الكتاب كثيرًا من التحديات والمعوقات الأساسية أمام المصالحة في الدول الثلاث، وهذا بالطبع أمر مهم ومطلوب وخطوة أساسية لطرح الحلول. ولكنه لم يُلقِ الضوء على المناخ الذي تصاغ فيه آليات المصالحة، أي الشروط والسياق اللازم توافرهما لنجاح عملية المصلحة: متى تبدأ بالفعل عملية المصالحة؟ وما الشروط التي تساعد على التغلب على التحديات التي تواجهها؟ على نحو يبتعد بنا عن صيغة ما يجب أن يكون، ويكون أقرب إلى الرؤية الواقعية العملية لما يمكن تحقيقه في إطار السياق السائد. ففي حالة جنوب أفريقيا على سبيل المثال، حدثت اتفاقات CODESA على أرضية اعتراف كل طرف بأنه ليس من الممكن على المدى القصير إنهاء الصراع. وكان هذا يعني من وجهة نظر القيادة السياسية – بالنسبة إلى الجانبين - أن خيارها المفضل غير ممكن التحقق: الحل العسكري لدى الأقلية البيضاء، والثورة من وجهة نظر الأغلبية السوداء. ومن ثم كان أفضل ثاني الخيارات هو التفاوض حول إنهاء الصراع. في الحالة العربية، نجد، بخلاف تونس، أن هناك شكوكًا حول ما إذا كانت الدول الأخرى مهيأة لعملية المصالحة. وكما أوضح الكتاب، أصبحت المباراة، في غالبية الحالات، مباراةً صفرية بين الأطراف السياسية المختلفة. وهكذا، تصبح القضية الأساسية هي كيف يمكن تحويل المباراة الصفرية إلى أخرى غير صفرية؟ كيف يمكن العمل على إعادة الثقة بين الأطراف المختلفة بحيث يصبح التعاون ممكنًا، مع الابتعاد عن الخيانة؟ وذلك خاصةً في ظل نظرة الأطراف، في كل الحالات التي تمّت دراستها، إلى مناخ ما بعد الثورة على أنه الفرصة الوحيدة - وربما الأخيرة - المتاحة لها لتحقيق أي مكسب سياسي. الخامسة: لم يحظَ السياق الاجتماعي الاقتصادي لعملية المصالحة بالاهتمام الكافي في الكتاب. وقد انعكس ذلك، مثلً، على مفهوم العدالة الانتقالية عند الكاتب الذي ركز بالأساس على العدالة الجنائية المتعلقة بالتعامل مع عناصر النظام السابق؛ من خلال المحاسبة، والتطهير، ولجان كشف الحقائق. وفي المقابل، أغفل - إلى حد بعيد - عدالة إعادة التوزيع، وغيرها من الآليات التي تهدف إلى معالجة القضايا الاقتصادية الاجتماعية. ومرة أخرى، وبالعودة إلى تجربة جنوب أفريقيا، نجد أن أحد المآخذ الأساسية على لجان المصالحة والحقيقة أنها لم تتعامل مع العنف الهيكلي القائم، الأمر الذي أدى إلى تغير طبيعة العنف من عنف سياسي إلى عنف الجريمة. السادسة: تتعلق بما أشار إليه جون بول لدرتش Paul John Lederach، أستاذ بناء السلم الدولي في جامعة نوتردام بالولايات المتحدة، وأحد أشهر المتخصصين في مجال حل النزاعات؛ ففي نظره، تنطوي المصالحة على تمركز وتموضعfocus and Locus. ويقصد بالتمركز، أن تصبح إعادة صياغة العلاقات بين الأطراف المختلفة هي بؤرة الاهتمام. أما التموضع، فهو أن تمثل المصالحة المجال أو المكان أو الملتقى لأطراف الصراع. وهنا نتحدث عن مستويات للمصالحة يناسب كل منها اقترابًا أو آلية مختلفة، وتؤثر فيها مجموعات فاعلين محددة. بناءً على ذلك، هناك المستوى الأعلى للمصالحة، وهذا المستوى ينخرط فيه السياسيون والقادة والزعماء، ويرتبط بالأساس بالأبعاد القانونية والدستورية، وهناك المستوى الثاني، وهو المستوى الوسيط الذي يرتبط بدور الإعلام والتعليم ولجان كشف الحقائق، وهناك المستوى الأخير، وهو مستوى القاعدة الذي يرتبط بالعلاقات البينية في إطار المجموعات المختلفة في المجتمع، وهنا مثلً قد يأتي دور القبيلة أو المجتمعات المحلية الأخرى. ويعني هذا أن التخطيط للمصالحة لا ينبغي أن يكون عملية عشوائية بل تتكامل فيها المستويات الثلاثة. وعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤدي التسرع في المصالحة الوطنية، من دون التأهيل الكافي للأفراد، إلى الشعور بالاغتراب عن المجتمع خاصة؛ الأمر الذي قد ينعكس على المصالحة الفردية وكذلك على المصالحة بين

الجماعات، وهي النقطة التي لم يسلط الكتاب الضوء عليها ولم يناقش كيفية تحقيق التكامل بين مستويات المصالحة هذه. السابعة: تتعلق بمعنى المصالحة في المجتمع مقارنةً بمعناها النظري الذي تم تقديمه في الكتاب. فالكاتب لم يشُر إلى رؤية الفاعلين السياسيين للمصالحة، وتصورهم لشروط إتمامها، ولا إلى نظرة المجتمع في الدول الثلاث لعملية المصالحة، وما إذا كان هناك تقبّل لها أم أن هناك حاجة إلى العمل على تصحيح مفهومها؟ فعند بعض المجتمعات، تكون المصالحة "حجة" لتناسي الماضي، ومن ثم تظهر الحاجة إلى تهيئة الرأي العام للمصالحة من خلال طرح المفهوم ومضامينه للنقاش العام (هنا يأتي دور السلطة، والمدارس، والإعلام والمجتمع المدني.) ويرتبط بهذه النقطة أيضًا ما يمكن تسميته ب "واقعية المصالحة"، وبما يتوقع المجتمع والأفراد من هذه العملية، في مقابل ما يمكن تحقيقه بالفعل. فالمصالحة في الأساس هي إيجاد طريقة للتعايش بين الأعداء السابقين؛ إذ إنها لا تنقل المجتمع بسرعة أو بسهولة إلى وضع مثالي، وهي نقطة يجب أن تكون واضحة ومعروفة لدى الرأي العام لأنها ستساعد في تقليل سقف التوقعات لدى الضحايا وعائلاتهم. الثامنة: هناك بعض المعلومات في حاجة إلى التصحيح، وإن كانت لا تؤثر في جوهر الأطروحة التي يعرضها الكتاب. فقد أورد الكاتب أن الجنرال عبد الفتاح السيسي قاد جبهة الإنقاذ (ص. 5)، وهي معلومة غير صحيحة؛ حيث إن هذه الجبهة تشكلت بقيادة محمد البرادعي، وحمدين صباحي، وعمرو موسى، والسيد البدوي. وفي دراسة حالة اليمن، هناك خطأ في التاريخ؛ حيث يتحدث الكاتب عن تصاعد الحرب الأهلية بين الرئيس السابق علي عبد الله صالح والحوثيين في عام 2015 (ص. 42)، والواقع أن صالح والحوثيين كانوا حلفاء في هذا الوقت. في النهاية، لا تتوقف قيمة أي عمل على الأسئلة التي يجيب عنها فحسب، ولكن على كم الأسئلة والإشكاليات التي يطرحها ويثيرها أيضًا، وهو ما حققه هذا الكتاب بالفعل. فمن خلال تعرضه لإشكالية معقدة - وهي المصالحة - وتقديمه تشريحًا دقيقًا لها، ورؤية للتغلب عليها، بأسلوب سهل وواضح يمكن للقارئ متابعته بكل سلاسة، يساهم الكتاب في إعادة العلاقة بين علم السياسة والمجتمع، وهو الأمر الذي نحن في أشد الحاجة إليه في ظل الأزمة التي باتت واضحة للحقل الأكاديمي واقتراباته السائدة.