الحركتان الاحتجاجيتان في السودان والجزائر وآفاق التغيير الديمقراطي
The Two Protest Movements in Sudan and Algeria and Prospects for Democratic Change
نظم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في الدوحة، ندوتين تناولتا واقع الحراك الشعبي وآفاقه ومآلات الانتقال الديمقراطي في السودان والجزائر، وذلك في إطار سلسلة الندوات التي تعقدها وحدة الدراسات السياسية في المركز. عقدت الندوة الأولى في 16 نيسان/ أبريل 2019، بعنوان"الحركة الاحتجاجية وآفاق التغيير الديمقراطي في السودان"، أما الندوة الثانية فعقدت في 20 نيسان/ أبريل 2019، وكان عنوانها "آفاق الحركة الاحتجاجية ومستقبل التحول الديمقراطي في الجزائر."
أولا: الحركة الاحتجاجية وآفاق التغيير الديمقراطي في السودان
افتتح منسق مشروع التحول الديمقراطي في المركز العربي، عبد الفتاح ماضي، الندوة بالإشارة إلى أن ما يجري في السودان حراك شعبي، نجح في إسقاط رأس النظام خلال عدة شهور، وهذا الأمر غير جديد على الشعب السوداني، الذي انتفض مرات عدة خلال العقود الماضية، شأنه شأن الشعوب العربية، ولا يزال يناضل من أجل الاستقلال الوطني ومن أجل حياة ديمقراطية ودستورية.
1. بنية النظام السوداني وتناقضاته
في مداخلته، يفكك التجاني عبد القادر، رئيس قسم العلوم الاجتماعية في مركز ابن خلدون في جامعة قطر، النظام السوداني السابق، الذي وصل إلى الحكم مدفوعًا بظروف سياسية وإقليمية معينة، تحالفت فيه مجموعة عسكرية مع أخرى مدنية، وعُرف في حينه بنظام الإنقاذ. ويرى أن النخبة السياسية التي قادت الانقلاب عام 1989، أتت من خارج الدولة الرسمية ومؤسساتها، وقد لوحظ في حينه أن جل أولوياتها تركز على التحكم في مؤسسات الدولة الرسمية ثم التحكم في المجتمع. ويضيف عبد القادر أن هذه المجموعة عملت على ضبط المجتمع والتحكم فيه، مستفيدة من سيطرتها على مؤسسات الدولة. لكن هذه المؤسسات، وإن استجابت لرغبة المجموعة الحاكمة، فإنها لم تنفذ القرارات المُلزمة بها، أو على الأقل لم تنفذها بالسرعة المطلوبة. ويذهب عبد القادر إلى أن هذه القوى العسكرية تحاول أن تبني مشروعيتها عند السيطرة على مفاصل الحكم من خلال سرعة الإنجاز، ولذلك تُقيم مؤسسات بديلة/ موازية للمؤسسات الرسمية، عسكرية، أمنية، أو اقتصادية، وينتج من ذلك ازدواجية بين المؤسسات التقليدية للدولة والمؤسسات الموالية للنظام، وبطبيعة الحال تكون المؤسسات الموازية هي الأقوى والأشد ولاءً للمجموعة الحاكمة. ويذهب عبد القادر إلى أن النظام القائم يعمل، من خلال هذه المؤسسات الرسمية والموازية، على اختراق المجتمع والتحكم فيه، لكن بما أن الصراع يدور حول الإشكاليات الاقتصادية والقانونية الكبرى، فإن أول من يدخل في صراع مع هذه المنظومة هو مجموعات المصالح الاقتصادية/ التجارية، لتجد مسالك في مؤسسات الدولة الرسمية أو غير الرسمية. ونتيجة هذا الصدام، يحدث نوع من التفاهم/ التواطؤ بين هذه القطاعات؛ الأمر الذي يُقوي الدولة إلى حين. ويعتقد عبد القادر أن نظام الإنقاذ جاء في ظروف عسكرية ضاغطة، فكان النظام الحاكم مشغولً بالحروب التي تدور في أطراف السودان، وأشرسُها حرب الجنوب تحت قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان. ولذلك كان يستهلك الموارد الاقتصادية لتغطية أعباء الحرب؛ على نحو رفع تكلفة الضغط على المجتمع ومجموعات المصالح ومؤسسات الدولة، فلم يستطع النظام توفير الموارد اللازمة، ولا المتطلبات الحياتية العادية للمواطنين. وفي المقابل، فإن مجموعات المصالح استطاعت تحقيق مصالحها من خلال الالتفاف على مطالب المواطنين، أما المجموعات الأخرى، فهي التي تتمرد على النظام رأسًا، وتتسلح وتخرج، فتُشكل ضغطًا واستنزافًا مُستمرَّين للنظام، ومن ثمّ يكون على المجموعة الحاكمة ضغوط من عدة جوانب؛ ضغط عسكري، لا تقوى على التخلي عنه، وضغط اقتصادي، لا تقدر على إيجاد موارد أو إحداث تنمية بالصورة المطلوبة. وعن عوامل ظهور الثورة في السودان، يذهب عبد القادر إلى أنه نظرًا إلى كون النظام جاء بطريقة عسكرية، فقدْ جوبِهَ بمقاطعات ومحاربات من الخارج، فافتقد الدعم الخارجي، على نحو جعله مُحاصرًا داخليًا وإقليميًا. فأدى هذا الأمر إلى تململ في النواة القيادية الحاكمة نفسها، وفي ذلك، انشقاق وخلاف في الأولويات والسياسات، وفي الأيديولوجيا ذاتها؛ لأن المجموعة الحاكمة ليست مجموعة متجانسة واحدة، إنما تتكون من عناصر مدنية وعسكرية وإسلامية عقائدية. وإزاء هذه الضغوط العسكرية والاقتصادية، حدث انشقاق عام 1999، بقيادة حسن الترابي، أما المجموعة الأخرى (نظام الإنقاذ) فواصلت المسير. وبخروج مجموعة الترابي، ازدادت الضغوط على النظام، حيث زادت على الضغوط الاقتصادية والعسكرية ضغوط فكرية؛ كون الترابي معارضًا شرسًا للنظام، وقد سعى مرارًا لتقويضه، على اعتبار أنه انحرف عن الاتفاقية الأساسية. وخلقت هذه الضغوط المتوالية داخل النظام مراكز قوى بصورة غير متوقعة، فما توافر للمؤسسات الموازية من موارد جعلها مركزًا من مراكز القوى، وأصبح في داخل الدولة مؤسسات مستقلة إلى حدٍ بعيد، مناوئة ومنافسة للمؤسسات الموازية، وكل واحدة من هذه المؤسسات حاول رأسها توسيع نفوذه وإمكانياته، وحشد الموالين والدعم له، باستقلالية عن الإدارة المركزية للدولة؛ فنشأت عدة رؤوس متصارعة للنظام، سواء على المستوى الاقتصادي أو العسكري؛ فهناك مؤسسة الدفاع
الشعبي وما تقوم به من عمليات، ومؤسسة القوات المسلحة التي تُ ثل الجيش النظامي، وقوات أخرى بديلة كالدعم السريع والقوات الصديقة، إضافةً إلى قوات جهاز الأمن. وهذه النزاعات بين الرؤوس المختلفة لا يمكن أن تُحل، إلا عن طريق لجوء رأس كل فريق إلى استرضاء رأس النظام، فيكون هو من يُحتكم إليه، وفي هذه الحالة هو الرئيس عمر البشير، ومن ثمّ تحوّل النظام من الطبيعة العسكرية، أي من حكم المجموعة، إلى حكم الفرد الذي يستمرئ هذه الشِقاقات، حتى يعزز من مكانته بصفته حكمً أخيرًا في اللعبة السياسية. ولا يكون هذا الأمر في مصلحة النظام، بصورة مستمرة؛ كون هذه التصادمات على المدى الطويل تُضعف النظام، مما يحفز القوى الشعبية التي لم تحظَ بشيء من التنمية، ودفعت تكلفة الحرب والنزاعات، وبالنتيجة تتولد انشقاقات داخل المجتمع ذاته، وهي ما تشكل بوصف التجاني الكتلة الحرجة، التي ترجح كفة الميزان، بتجميعها للسخط، مشكلةًالثورة الشعبية التي تُضعف المجموعة الحاكمة، وتُسقطها. ورغم بلوغ رأس النظام درجة عالية من التسلط، فإنه غير قادر على إحكام قبضته على أطراف النزاع، ولا يتمكن من العودة إلى المجتمع؛ بسبب اهتزاز ثقة قطاعات المجتمع به، وبذلك يكون قد مهد النظام الطريقَ لسقوطه، وقد سقط بالفعل.
2. تجارب الانتفاضات السودانية: التحديات والدروس المستفادة
يطرح أحمد إبراهيم أبو شوك، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في كلية الآداب والعلوم في جامعة قطر، سؤال: لماذا التغيير؟ ويجيب عنه من خلال بُعدين، الأول زمني متحرك، والآخر موضوعي. أما البعد الزمني، فيبدأ عام 1953، عندما بدأ السودان بعد الاستقلال بحكومة ديمقراطية، وينتهي عام 2019. فبالنظر إلى نظام الحكم، يلاحظ أن النظام الديمقراطي عاش مدة خمس سنوات، أما النظام العسكري الأول فست سنوات، والنظام الديمقراطي الثاني خمس سنوات، وفترة الرئيس جعفر النميري ست عشرة سنة، والديمقراطية الثالثة أربع سنوات، أما نظام الإنقاذ فاستمر مدة ثلاثين سنة. ويستنتج من هذه القراءة الرقمية أن نظام الحكم، الذي حكمَ السودان، في حاجة إلى تغيير، وفي ذلك العودة إلى نقطة صفر، وإعادة بنية الدولة. وبالنسبة إلى عدد الأحزاب السياسية، يجد أبو شوك أن النظام الديمقراطي في السودان بدأ بستة أحزاب سياسية؛ وفي الديمقراطية الثانية، بلغَ عددها خمسة عشر حزبًا؛ أما في الديمقراطية الثالثة، فأصبح العدد ستة عشر؛ أما الآن، فيبلغ عدد الأحزاب في السودان ثلاثة وثمانين حزبًا مسجلً. وفي ذلك دلالة على أن البنية الحزبية فشلت كذلك في أن تحقق أي نجاحات. ويذكر أبو شوك عددًا من المشتركات بين الانتفاضات السودانية الثلاث، ويبدأ بانتفاضة عام 1964، ويمر على انتفاضة عام 1985،، ويقرأُوينتهي بانتفاضة عام 2019 هذا الخط الزمني من زوايا مختلفة. أما عن مساهمة القطاع الشبابي في هذه الانتفاضات، فيرى أبو شوك أن الذين ولدوا عام 1953، كانت أعمارهم أحد عشر عامًا، والذين ولدوا نهاية الحكومة العسكرية، لما جاءت انتفاضة عام 1985، كانت أعمارهم واحدًا وعشرين عامًا، وفي الفترة 1985 - 2019، أصبحت أعمارهم أربعة وثلاثين عامًا. وعن المشتركات أيضًا التي برزت بين هذه الانتفاضات، يرى أن جميعها كانت تسعى للعودة إلى الديمقراطية، وإزالة آثار النظام العسكري وأعوانه، وبناء دولة القانون والمؤسسات. وفي سياق المشتركات بين هذه الثورات الثلاث، يرى أبو شوك أنها تتسم بثلاث نقاط، هي: عدم وجود رؤية إستراتيجية واضحة لهذه الانتفاضات؛ فهي لا تملك برمجة رصينة لتنفيذ أجندة التغيير والتحديث، بدليل أن الشاغل إلى هذا اليوم، من رئيس الوزراء؟ وما الحكومة المدنية؟ غياب الثقافة الديمقراطية؛ الأمر الذي قاد إلى نزاعٍ داخلي، في أوساط من قاد هذه الحراكات الشعبية، وانتهى بتشرذم أفسحَ المجال لعودة المؤسسة العسكرية مرةً أخرى. عدم التجانس بين قوى التغيير، سواء جبهة الهيئات، أم التجمع النقابي، والآن تجمع المهنيين. ويلُاحظ ذلك في نيسان/ أبريل 1985 وتشرين الأول/ أكتوبر 1969؛ إذ فشلت قوى التغيير في المساهمة بتحقيق تجانس الخطاب وبقيت حبيسة هذه المنظومة التاريخية، ولم تنظر أبعد منها، لإحداث تغيير يلبي احتياجات التحول الديمقراطي. يرى أبو شوك عددًا من الاختلافات بين الثورات الثلاث؛ ففي الانتفاضة الأولى، ارتبطت قوى التغيير بالأجهزة النقابية والقطاع الطلابي، وكانت محصورة في الخرطوم وفي بعض المدن. أما القوى التي واجهت القطاعات المنتفضة، فتمثلت في الأمن النظامي، سواء الشرطة أم الأجهزة الأمنية، ومدة الانتفاضة لم تزد على أسبوع واحد، واستطاعت أن تسقط نظام الفريق إبراهيم عبود، ونشأ عن ذلك حكومة مدنية، سُميت حكومة الهيئات ذات التركيبة النقابية. واستمرت الفترة الانتقالية مدة عام واحد، وكانت القطاعات التقليدية المستفيدة من التغيير؛ لأن الحزب الشيوعي كان على رأس القوى المؤثرة، الذي يرى ضرورة تفكيك الدولة التقليدية، وقطع العلاقة بين المؤسسات الطائفية والمؤسسات القبلية. وأسفرت الانتفاضة الثانية في نيسان/ أبريل 1985، والتي استمرت أسبوعين، وتصدت لها الشرطة والأجهزة الأمنية، عن مجلس عسكري وحكومة مدنية
للتجمع الوطني للنقابات، تسلمت زمام السلطة مدة عام واحد. ويرى أن السلطة إثر هذه الانتفاضة انشغلت بمشكلات جانبية، مثل قضية الجنوب. أما الانتفاضة الثالثة عام 2019، فتتميز بشمولها في مدن وأرياف؛ فقد امتدت أفقيًا ورأسيًا، وكذلك ساهمت منصات التواصل الاجتماعي، والقنوات الفضائية، والسودانيون في الخارج، في تنوير الوعي. ولم تكن الأجهزة الأمنية وحدها تتصدى للثورة، بل ظهرت كتائب الظل، وهي أجهزة من خارج الدولة حاولت القضاء على المظاهرات، لكنها فشلت. وعن مسار التغيير والآفاق المقترحة، رأى أبو شوك أنه يبدو محفوفًا بالمخاطر؛ فبقراءة الثورة الحالية، يتبين غياب الرؤية الإستراتيجية التي تخدم شعار الثورة، إضافةً إلى وجود قوى خارج هذه المنظومة التي تتبنى التغيير، فالحركات المسلحة لم تنضم إلى فيلق التغيير. هذا فضلً عن غياب الثقافة الديمقراطية؛ حيث لا يوجد نقد ذاتي في أوساط الأحزاب السياسية، ولا بناء قواسم مشتركة لتجاوز الصراع التقليدي بين الإسلاميين والشيوعيين. يضاف إلى ذلك عدم وجود نخبة سياسية يلتف حولها الشعب، وعدم تجانس خطاب تجمع المهنيين لإعلان الحرية والتغيير. وأما عن المسارات المتاحة، فيرى أبو شوك ضرورة إعلان حكومة مدنية لها برنامج واضح، خلافًا لخطاب تجمع المهنيين الذي ينادي بحكومة كفاءات. كما يجب عدم التقوقع داخل التجارب التاريخية، فلماذا يجب أن يكون مجلس عسكري بدلً من مجلس سيادي، يجمع بين المدنيين والعسكريين، ومهمته تكون سياسية، مع وجود حكومة تنفيذية؟ ويرى أيضًا أن برنامج قوى التغيير يجب أن يكون واضحًا، ويتصدر الشعارات المطروحة؛ فيجب عدم حصر الثورة في محاسبة النظام الفائت، فإجراء المحاسبة القانونية ينبغي له أن يتم عبر مؤسسات عدلية، وهذا يستوجب وجود سياسة لتحقيق العدالة الانتقالية. وكما يتأكد إعادة هيكلة الدولة وفق أسس علمية، ومعالجة المشكلات الاقتصادية؛ لكون الإشكال ليس سياسيًا فحسب، إنما هناك مشكلة اقتصادية معقدة. وأخيرًا، لا بد من الإعداد للتحول الديمقراطي من خلال فتح النقاش حول الدستور وقانون الانتخابات، وتأسيس لجنة وطنية محايدة تساعد عملية التحول الديمقراطي.
3. خلفيات الحركة الاحتجاجية السودانية وآفاقها
ركزت ناهد حسن، الناشطة في مجال حماية المرأة والطفل، على بنية الحركة الاحتجاجية وقواها الاجتماعية في السودان، وأبرز القوى الفاعلة فيها، وموقف المعارضة السودانية، ومستقبل الحركة الاجتماعية في السودان. وترى الباحثة، في حديثها عن ثورة 2019، وهي ثورة الشباب، أنّ الشعب السوداني لم يتوقف لحظةً عن النضال ضد هذا النظام منذ عام 1989، وقدم الضحايا بأشكال مختلفة، سواء داخل المعتقلات أو في حركات احتجاجية متقطعة، يأتي حراك 2019 ضمنها. ولفهم بنية الحركة الاحتجاجية، تشير الباحثة إلى أنه يجب العودة إلى نشأة بنية النظام الحالي، الذي هو تحالف بين "الإخوان المسلمين" والعسكر؛ فهذا التحالف أعطى فرصة جيدة للسودانيين، حتى يعوا فشل هذا النظام وفشل شعاراته والقيم التي دعا إليها، كما يقدم فرصة للمهتمين بدراسة الأحزاب السياسية في المنطقة والتحولات التي تطرأ عليها. ولفهم الإشكالات الأساسية التي أدت إلى الوضع الحالي، تناقش الباحثة فكر الحركات السياسية - الأيديولوجية في السودان، بالتركيز على بنية هذه الحركات وانتمائها وعلاقاتها بالخارج، وعلى كونها حركات مركزية. وتشدد الباحثة على أنه عند مقارنة الحركة الإسلامية السودانية بالحركات الإسلامية الأخرى في المنطقة، نجد أنها حركة متقدمة جدًا، فبالاطلاع على كتابات حسن الترابي مثلً، في السبعينيات والثمانينيات، نجد الحديث عن إمامة المرأة للصلاة، وغيرها من الموضوعات. لكن عند الحديث عن التحولات التي طرأت على هذه الحركة نجدها غير مبدئية في تقاطع السياسي مع الديني، وهنا المرحلة المفصلية في تاريخ هذه الحركة. وترى أن ذلك يعود للضغوطات التي تعرضت لها عند وصولها إلى السلطة، وفي مثال على ذلك، تناقش قانون الطفل لعام 2010، الذي عملت عليه المنظمات الحقوقية في السودان، وتشير إلى أن الموقف من حقوق الإنسان كان يتأرجح لدى النخبة السياسية وفقًا لمصالحها. وتوضح ناهد حسن أن الرئيس عمر البشير، منذ وصوله إلى السلطة، عمل على تكميم أفواه الناس والإع ماا؛ على اعتبار وجود سلطة مطلقة بلا رقابة، ومن ثم انتقل للعمل على مشروع "إعادة صياغة الإنسان السوداني"، الذي يتضمن جانبًا أيديولوجيًا وآخر سياسيًا، وكذلك سلطويًا، لتمكين هذا النظام من كسر النقابات، وإحلال مؤسسات بديلة منها؛ على نحوٍ جعل السيطرة على القطاعين العام والخاص لمنسوبي هذا النظام، وحتى الترقي في المناصب كان يتم وفقًا للعلاقة بالنظام. وبذلك، سيطر على كل مفاصل الدولة، وبدأ في عزل الأحزاب الأخرى، إلى فترة طويلة. في مقابل ذلك، تستنتج الباحثة أن البشير بهذه التصرفات كان يعزل نفسه، ويعزل الحزب، عن التفاكر والنقد الذي يوجهه إليه الآخرون، فذلك يؤدي إلى التأخر والتراجع. وتروي عن تجربتها الشخصية أنها كانت تعمل في مشروع "إيقاف العقوبة البدنية في المدارس السودانية"؛ فأثناء عملها في المشروع، كانت مطالبة بأن تحصل على موافقة من لجنة في وزارة التربية
والتعليم، فرضت عليها ترك مشروعها والعمل على بحث آخر. وتذكر أيضًا أن جزءًا من سياسة النظام كان موجهًا ضد الأشخاص المحرومين؛ وهذا ما يفسر أن ذوي الإعاقة قوة فاعلة، ومن أكثر الشرائح خروجًا ضد النظام في الحراك الحالي، وتقتبس نصًّا كُتب في وصف صورة أحد ذوي الإعاقة، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يقول: "كم يعاني حين يخطو خطوتين، لكنه يمضي بإصرار وشكيمة. لم نرَ وجهه، لكن رأينا وجهته والعزيمة.. ماذا لو هرولت هذه الجموع، لا يفكر بالرجوع، لا يبالي بالخضوع. لِمَ خرج؟ نصيرًا للحق، وعلى عكازته اتكأ. هل يا تُرى ذاق طعم الذّل يومًا، فبكى؟." وتقول أيضًا إن الأطفال كانوا من أيقونات الثورة؛ فهم لم يخرجوا لأنه جرى تلقينهم، بل خرجوا يهتفون بصوتٍ عالٍ وشكيمة شديدة، ضد سياسات هذا النظام. وتختم بالقول بأن هذا النظام خلق عداءً مع المرأة، ولهذا فقد ناضلت المرأة السودانية ضده منذ عام 1989؛ فالفتيات في الجامعات كن يحتججن بطريقتهن الخاصة. ولهذا فبنية الاحتجاجات، تحمل رغبةً في التعافي، والانتصار للذات من القهر والتسلط، وهذا ما يميزها من غيرها من الاحتجاجات، إذ كانت تُعبر عن نفسها بأشكال عديدة وبمشاركة فئات واسعة من الشعب.
ثانيًا: آفاق الحركة الاحتجاجية ومستقبل التحول الديمقراطي في الجزائر
افتتح مدير وحدة الدراسات السياسية في المركز العربي، مروان قبلان الندوة، بالإشارة إلى أن الجزائر تواجه اليوم مسارين رئيسين. أولهما المسار الدستوري الذي يدفع به الجيش والمؤسسة العسكرية، ويتخوف منه الكثيرون بأن يتحول عائقًا أمام التحول الديمقراطي. أما المسار الثاني، فهو المسار السياسي الذي تدفع به الحركة الاحتجاجية، على أمل أن يساهم هذا المسار في تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي. وأضاف أن الجزائر اليوم تضطلع بدور مهم ومعاكس، فسابقًا كانت تمثل لدى الشعوب العربية فزاعة بسبب حادثة "العشرية السوداء"، أما الآن فقد باتت نموذجًا فريدًا من نوعه في تحقيق التغيير؛ فحراكها تميز بسلميته وحضاريته من أجل تحقيق التحول الديمقراطي.
1. ديناميات الحركة الاحتجاجية: بنيتها وأهم القوى الفاعلة فيها
ناقشت الجلسة الأولى ديناميات الحركة الاحتجاجية في الجزائر، وقدم فيها المؤرخ ناصر الدين سعيدوني مداخلة عنوانها "الخلفية التاريخية للحراك الشعبي في الجزائر." ركز سعيدوني على ثلاث نقاط، هي موقع الجزائر من خلال الخلفية التاريخية، والثورة الجزائرية والثورة المضادة، وطبيعة الحراك وآفاقه وموقع النخب السياسية الجزائرية. قرأ سعيدوني سيرورة التاريخ الجزائري وموقعه عبر عدة محطات تاريخية، وأشار إلى أن تاريخ الجزائر يسير في دورات مغلقة، تبدأ، بتراكم لمشكلات، ثم انغلاق في الرؤية، ثم انسداد، ثم انفجار. وهذا ما يميزها من تونس أو مصر أو غيرها، إذ تفقد الجزائر من خلال سيرورتها التاريخية مسألة "الاستمرارية"، وهذه الدورة المغلقة عاشتها الجزائر في أعوام 1830، 1871، 1945، 1954، 2019. ويرى أن هذه الظاهرة الغريبة جعلت تاريخ الجزائر يعيش في انفجارات ثورية دائمة. ويضيف في حديثه عن موقع الجزائر، أن الشعب الجزائري لديه القدرة على الاختزال، فهو شعب صامت، إذا ما قورن بشعوب أخرى تتحدث بالسياسة. يضاف إلى ذلك أنه شعب يختزن قدرات هائلة، وعندما ينفجر، لا يمكن أن نتنبأ بذلك. ويرى الباحث، من خلال تحليل السلوك الفردي لهذا الشعب، أنه يذهب دومًا إلى حلول قسرية، ويعزى ذلك إلى مجموعة من الترسبات التاريخية التي عاشها الشعب الجزائري منذ الاستعمار. ويختتم سعيدوني حديثه حول تجربة الجزائر التاريخية بتجارب سابقة، مثل مجازر 8 أيار/ مايو 1945، والثورة التحريرية 1954، وأحداث 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1988، وتجربة العشرية السوداء في التسعينيات. ويلخص سعيدوني تجربة الجزائر التاريخية، بالقول إنها تجربة مقاومة وثورة، وأن تاريخها تاريخ مقاومة وثورة، وهذه الجدلية في الواقع طبعت تاريخ الجزائر وموقعه. انتقل سعيدوني إلى الحديث عن الثورة الجزائرية والثورة المضادة، ورأى أن المعضلة لم تكن أبدًا في النخبة؛ فالقضية في الجزائر ليست قضية نخبة سياسية، فالحقيقة أن الشعب الجزائري يتسم بالوعي السياسي. ويستقرئ الباحث ذلك من ثورة عام 1954، ويرى أنها انطلقت بتحرك وإرادة شعبية تجاوزت النخب الجزائرية، وكانت النتيجة الحتمية في حينه أن النخبة أصبحت تابعة ومستخدمة من جانب الثوار الجزائريين. وعن هذه الثورة، يرى أنها كانت حلمً عاشه الشعب الجزائري الذي صنعه، والذي استشهد من أجله، وكانت حلمً يراود جميع الجزائريين والعرب الذين نظروا إلى هذه الثورة على أنها تحمل طموحات الشعوب العربية وآمالها. ولكنها في النهاية انتهت؛ فمنذ استقلال الجزائر، أصبح نظام الحكم فيها نظامًا عسكريًا، وهذا إلى جانب إدارة بيروقراطية، وهنا وجد الجزائريون أنفسهم أمام ثورة مضادة. ويستدل سعيدوني على ذلك بظاهرة "الفرنسة" التي اجتاحت النظام البيروقراطي والعسكري في الجزائر. ويرى أن الثورة المضادة طرحت قضايا لم تكن موجودة على أجندة الجزائريين، مثل الأمازيغية، وعملية التعريب، واختلاف الرأي.
ويضيف بات الجزائريون أمام ثورة فجرتها ثورة مضادة وانتهت إلى تحقيق الاستقلال السياسي وإقامة الدولة، بينما الاستقلال الحقيقي - وهو الاستقلال الثقافي والعلمي الذي يمهد للديمقراطية والمواطنة الحرة - لم نجده. وهنا يشير إلى أن الجزائريين أنجزوا حرب التحرير من الاستعمار ولم ينجزوا الثورة، فمن دون إنجاز الديمقراطية والمواطنة يصعب الحديث عن ثورة؛ فالثورة موجهة من أجل تحطيم ميكانيزمات المجتمع، بينما حرب التحرير موجهة إلى التحرر من الاستعمار الخارجي. عرج سعيدوني في الحديث عن مفهوم النخبة والنخبة الجزائرية، وطرح سؤاله: هل هناك نخبة جزائرية؟ وفي تعريفه النخبة يقول إنها جماعة مستقلة بذاتها، ولها إطار تنظيمي ولو نسبيًا، وإمكانية للتواصل مع المجتمع، والقدرة على التعامل مع الدولة. لهذا فهي أقلية فاعلة ذات قوة مؤثرة وسلطة أدبية تجعل أفرادها مؤهلين للتعامل مع السلطة معنويًا أو ماديًا؛ ما يسمح لها بالارتقاء إلى أعلى الهرم الاجتماعي. بهذا المفهوم، يجد سعيدوني أن استخدام النخبة في السياق الجزائري هو تجاوز للمفهوم. إذ نجد في الجزائر العديد من خريجي الجامعات وحاملي الشهادات ومؤلفي الكتب، ولكن أين هم من المثقف الحقيقي، وهو المثقف الذي يرصد ضمير الأمة؟ ويضيف أننا ننتظر من النخبة الجزائرية أن تفهم الواقع الاجتماعي، وتستوعب الحراك الشعبي، وتنتج أفكارًا جديدة، وهذا ما نجده غائبًا في هذه النخبة التي تعيش مأزقًا تاريخيًا لا يمكن التهرب منه. ذلك أن النخب الجزائرية نخب ظرفية واستهلاكية مرتبطة بدوائر الحكم، ثم إنها نخبة هشة عاجزة عن إجراء نقد ذاتي لواقعها؛ فهي متغربة عن المجتمع وتعيش العزلة والنفي الثقافي، ثم أنها نخبة متوترة وقلقة وناقدة وكأنها غريبة عن المجتمع وتنضم إلى مجتمع غير موجود ونظرتها إليه سطحية. ويختتم الباحث بأن الشعب الجزائري انتفض ضد فشل مشروع الدولة الوطنية، وضد إهدار رصيد الثورة الجزائرية - وهو أهم رصيد للعرب والجزائريين - وضد حكمٍ عسكري بيروقراطي استهلك مقدرات الجزائريين وثرواتهم وأغلق أمامهم الآفاق. ويضيف أن هذه الثورة سواء نجحت أو فشلت، فقد أسهمت في تجاوز العمل السياسي الحزبي والطرح الأيديولوجي الضيق الذي يعول عليه النظام، وأسهمت في تشكيل إجماع وطني يخاطب جميع الجزائريين ويحطم أطرهم التقليدية، وأسهمت في بلورة رد فعل على ممارسات النظام وقمعه من أجل الكرامة، وأسهمت في إبراز نخبة شبابية، فهذا الحراك عماده الشباب الجزائري. وقدم الأكاديمي نور الدين بكيس مداخلة بعنوان "بنية الحركة الاحتجاجية في الجزائر"، عرج فيها على ثلاثة عناصر رئيسة، هي دينامية الحراك، والفضاءات الموازية، والرهانات الجديدة. وأشار بكيس إلى أن حراك عام 2019 غير منفصل عن الحركات الاحتجاجية التي بدأت في الجزائر منذ عام 2011. فقد أسهمت هذه الحراكات في صياغة واقع سياسي غير مسبوق في الجزائر، يتم فيه انتزاع تنازلات من السلطة الحاكمة بالاحتكام إلى الشارع. ولهذا يشدد على أن الجزائريين أمام لحظة لم تولد الآن، فقد كان لهذه الاحتجاجات تحضيرٌ مسبق، من دون أن يعي الجزائريون تاريخه وطبيعته وديناميته. وأشار بكيس في معرض حديثه عن دينامية الحركة الاحتجاجية منذ عام 2011، إلى أن الجزائر شهدت قبل هذه الأحداث قرابة 10 آلاف حركة احتجاجية سنوية، وفي السنة الماضية تحديدًا، شهدت الجزائر العاصمة وحدها أكثر من ألف حراك احتجاجي. ويرى بكيس أن هذه الاحتجاجات تختلف عن احتجاج عام 2019، إذ كانت غالبيتها تتخذ المنحى الراديكالي. وبيّ أن حراك 5 كانون الثاني/ يناير 2011 المتزامن مع الثورة في تونس ومصر، شهد انتشارًا واسعًا، وفي 32 ولاية، وعلى مدار ثلاثة أيام، كما شارك فيه محتجون من أعمار مختلفة، وإن كانت أغلبيتهم من فئة الشباب. ويذهب بكيس إلى أن هذا الحراك فرض على الجزائريين نمطًا جديدًا من الانفتاح السياسي؛ إذ كان غير مسبوق من حيث استهداف رمزية المؤسسات الوطنية، مثل البلديات، ومؤسسات جباية الضرائب، وبعض المؤسسات الخدماتية، فضلً عن استهداف بعض المؤسسات التعليمية، والقضاء، والمؤسسات الأمنية. ويضيف أن هذا المسار الاحتجاجي صنعه المحتجون المنتفضون ضد السلطة، لكنه لا ينفي أن السلطة هي أيضًا قررت احتواء الحراك حتى لا يرتقي إلى أكثر من ذلك. وهنا يشير إلى اتفاق ضمني عقدته السلطة، وهي التي سمحت للجزائريين بالاحتجاج لتحقيق المطالب السوسيواقتصادية، على ألّ ترتقي مطالبهم إلى مطالب سياسية. ويشدد على أن احتجاج عام 2011 له مطالب واضحة ومساحة واضحة، وإن كانت أدواته راديكالية، فإنه أسس فعلًاحتجاجيًا غير مسبوق في الجزائر. وعن طبيعة تعامل السلطة، يرى بكيس أن الوعود التي قدمتها السلطة للمحتجين في عام 2011 تضاءلت في عام 2014؛ إذ أصبح من الصعب المحافظة على الصفقة الاستبدادية الناعمة التي احتوى بها النظام احتجاجات عام 2011، بسبب أزمة النفط العالمية. ثم انتقل الباحث إلى الحديث عن الفضاءات الموازية التي أنتجت هذه الحراكات، واستدل في ذلك على أهمية "ملعب كرة القدم" وهو الذي يشير إلى أن الملعب أصبح موطنًا للمحاكمة السياسية. فسوسيولوجيا الملعب باتت مصنعًا لإنتاج الشعارات. ويرى هنا، أن الجزائريين وجدوا أنفسهم أمام رهانات كبيرة جدًا. واختتم حديثه بأن احتجاجات 22 شباط/ فبراير 2019 نتيجة حتمية للخبرة التي
حصل عليها الشارع من الاحتجاجات المتراكمة منذ عام 2011، الذي بات لديه خبرة في التعامل مع السلطة الحاكمة؛ فالشباب المحتجون الذين يقودون الحراك يؤدون دورًا متمايزًا يظهر تحديدًا في الطابع السلمي، فهم حريصون على تفادي انزلاق الثورة.
2. الوضع الدستوري ومواقف القوى الإقليمية والدولية
قدم الخبير الدستوري فوزي أوصديق مداخلة بعنوان "المقاربة القانونية والدستورية للحراك الجزائري." وانطلق من أن حراك عام 2019 هو استكمال للمشروع الوطني الذي بدأ مع الثورة التحريرية؛ فالجزائر حصلت على الاستقلال عام 1962، والآن يعيش الجزائريون الاستقلال السياسي وفق ما تنص عليه ديباجة القانون الأساسي الذي ينص على أن الشعب الجزائري حرّ. ويضيف أن الجزائريين الآن يعيشون بين منطقين، هما الشرعية الدستورية، والمشروعية الشعبية. ويرى أن الجزائري، منذ ستينيات القرن الماضي، كان مرتهنًا للمشروعية التاريخية التي باتت طوق النجاة للشرعية الدستورية، بينما منذ اندلاع احتجاجات شباط/ فبراير 2019، نجد أن المشروعية الشعبية هي طوق النجاة للشرعية الدستورية. يرى أوصديق أن الدستور الحالي استنفد بموجب المادة 102، التي توجب على الجميع تنظيم حالة شغور منصب الرئاسة عبر انتقال السلطة إلى رئيس مجلس الأمة (الغرفة العليا في البرلمان) مدة 90 يومًا، والدعوة إلى انتخابات. وشدد على أهمية هذه المادة، واستدل عليها بمطالبات المحتجين بالعودة إلى المواد 7 و 8 و 9، التي تنص على سيادة الشعب، والتي تفيد بحرية اختيار الحكام، والفصل بين السلطات، واستقلالية القضاء. ولهذا يرى أوصديق أن الحل الدستوري يجب أن يفرض حلولً سياسية ذات طابع دستوري، وليس حلولً دستورية ذات أثر سياسي. اختتم أوصديق مداخلته مؤكّدًا أن الوضع السياسي في الجزائر يحكمه صراع يستند إلى منطقين. الأول سماه "منطق الإصلاح" ويتمثل في المسار الدستوري الذي اقترحه الجيش الجزائري في آذار/ مارس 2019 وعلى أساس تطبيق المادة 102 من الدستور الجزائري؛ فهذه المادة صممت لإدارة الظروف السياسية الطبيعية وليس لوضع استثنائي واحتجاجات ضاغطة. أما الثاني، "منطق تغيير"، فهو المنطق الذي ينادي به المحتجون الجزائريون بمن فيهم المعارضة السياسية، وهذا المنطق لا يستند إلى القواعد الدستورية المكتوبة. وشدد أوصديق في مداخلته على استنفاد الحلول الدستورية لجميع الخيارات المتاحة، وأن الاحتجاجات الراهنة في الجزائر تتطلب حلولً سياسية تنتقل بالجزائريين نحو الديمقراطية، لا حلولً دستورية. في الجلسة الثانية، قدم عمار جفال مداخلة بعنوان "مواقف القوى الإقليمية والدولية من الاحتجاجات الجزائرية"، أكد فيها أن السياسة الخارجية الجزائرية تميزت بقدر كبير من الثبات والاستمرارية، والتزمت مجموعةً من الأطر المبدئية والمصلحية؛ فهذه الأطر والمبادئ نتاج مرحلة التحرر، ونتاج مجموعة من القوانين والأعراف الدولية المنصوص عليها دوليًا، مثل حق تقرير المصير، وعدم المساس بالسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعدم المساس بالحقوق الموروثة، وحل النزاعات بالطرق السلمية. وشدد جفال على أن الخطاب السياسي الخارجي للجزائر، لطالما أبدى احترامه لهذه العبارات وهو الذي كررها، واعتبرها جزءًا من سياساته الخارجية. يقسم جفال مواقف القوى الإقليمية والدولية تجاه الجزائر والاحتجاجات الشعبية إلى مجموعتين؛ تضم المجموعة الأولى الصين، وروسيا، والمحيط الإقليمي، ويرى أن علاقات الجزائر بهذه الدول اتسمت بالاستمرارية والاحترام المتبادل. وبالنسبة إلى القوتين العظميين، روسيا والصين، يرى جفال أن ثمة علاقات عميقة جدًا تمتد إلى ستينيات القرن الماضي، تعود من جهة إلى انسجام أيديولوجي بين هذه الأطراف، ومن جهة أخرى إلى جملة من المصالح الاقتصادية؛ فمثلً تطورت العلاقات بالصين تطوّرًا هائلً وبإرادة سياسية حتى أضحت بيكين أحد أهم الشركاء الدوليين في مجال الزراعة والصناعة. والأمر نفسه بالنسبة إلى روسيا، فقد شدد جفال على أهمية العلاقة في القطاع العسكري، إذ تحرص هاتان القوتان على تمتين العلاقة لتصل إلى مستوى إستراتيجي. أما على المستوى الإقليمي، فيذهب جفال إلى أن الجزائر تحظى بعلاقة مميزة بالدول العربية والأفريقية، ويرجع ذلك إلى الرصيد التاريخي للثورة، ويعتقد أن البعض يعيده إلى قوة الدبلوماسية الجزائرية القائمة على عدم المساس بشؤون الغير. أما المجموعة الثانية، فتتكون من دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية. وبخصوص الولايات المتحدة، يرى جفال أن رد فعلها كان معتدلً، إذ شدد على ضرورة احترام قرار المواطنين، ويستدل على ذلك بتصريحات الإدارة الأميركية. ويرى جفال أن ذلك يعود إلى طبيعة العلاقات التي تطورت بين الطرفين خلال فترة حكم الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، ولا سيما في قطاعي النفط والتعاون الاستخباراتي في منطقة الساحل الأفريقي. أما بخصوص الاتحاد الأوروبي، فقد قسم جفال الموقف إلى مستويين. الأول هو المستوى المؤسسي، الذي أصدر بيانًا محايدًا تجاه الاحتجاجات الجزائرية. أما الثاني، فهو المستوى البيني؛ إذ يرى جفال أن علاقات الجزائر بمختلف الدول الأوروبية طيبة، عدا فرنسا، وهذا يعود إلى الرواسب التاريخية والعلاقات الاقتصادية والنخبوية. ويلاحظ جفال أن الموقف الفرنسي، ما قبل الحراك، لم يكن راضيًا عن التجديد
لبوتفليقة لعهدة خامسة، ويستدل على ذلك بإشارات غير رسمية أو شبه رسمية، مثل صورة الرئيس بوتفليقة بعد زيارة وزير الدولة الفرنسي، وتصريحات بعض السياسيين الفرنسيين بأن الرئيس الجزائري يعيش بالآلات، وهذا فضلً عن العديد من التقارير الصحافية التي وصفت بوتفليقة بأوصاف عديدة. يرى جفال أن تأييد فرنسا الرسمي لعهدة خامسة، جاء بعد أن أيقنت بأن رئيس الوزراء السابق، أحمد أويحيى، لا يحظى بالإجماع الشعبي. ويختتم جفال مداخلته مؤكّدًا أن المواقف الإقليمية والدولية لن تتغير؛ فهذه الدول كما بات واضحًا معنية بالاستقرار أكثر من حرصها على الديمقراطية.
3. مستقبل الانتقال الديمقراطي في الجزائر
ناقشت الجلسة النقاشية استشراف مستقبل الانتقال الديمقراطي في الجزائر، وتحدث فيها أستاذ الإع ماا، محمد ق اررط، فأكد أن تجاوز الانسداد السياسي القائم غير ممكن من دون أن يؤخذ في الاعتبار خمسة متغيرات رئيسة، هي المؤسسة العسكرية، والأحزاب السياسية، ومنظومة الإعلام، والقضاء والمجتمع المدني. فالمتتبع لدور المؤسسة العسكرية، يلاحظ أن رئيس الأركان الجزائري ورئيس المرحلة الانتقالية، القايد صالح، يتصدر المشهد السياسي والإعلامي في الجزائر. وهذا يستوجب وضع علامات استفهام عديدة حول دوره، فمن يضمن للجزائريين تسليم الجيش السلطة إلى قيادة مدنية. وشدد قيراط على أن التحول الديمقراطي يستوجب أيضًا دورًا حقيقيًا للأحزاب السياسية والمجتمع المدني، وهما عماد رئيس من أعمدة التغيير السياسي. وبخصوص المنظومة الإعلامية الجزائرية، يشير قيراط إلى أنها تعاني خللً كبيرًا، وبعض المؤسسات لا ترقى إلى مستوى مؤسسة إعلامية. وبخصوص القضاء، فقد أكد استقلاليته في الظروف الانتقالية التي من شأنها التأثير في مسار التحول الديمقراطي والمساهمة فيه. وفي المداخلة الثانية، استعرض الإعلامي الجزائري، حفيظ دراجي تجربته في العمل مدة عقدين في التلفزيون الرسمي الجزائري، مشددًا على التفاعل الإعلامي والسياسي في فترة حكم الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة. وأضاف دراجي أن سلمية الحراك في الجزائر ساهمت في تحقيق إنجاز كبير، وهي التي ساهمت في رفع وعي الجزائريين بأهمية دورهم وقدرتهم على تحقيق التغيير السياسي. وأوضح دراجي، من خلال الاستفادة من المقاربة الجيلية، أن ما يميز هذا الحراك هو قدرته على استقطاب أجيال مختلفة؛ فمن جهة هناك دور مهم للشباب في هذا الحراك، ومن جهة أخرى تجد الكبار أيضًا فاعلين أساسيين فيه. اختتم دراجي مداخلته بتأكيد النتائج الإيجابية التي حققها الحراك، ومن بينها استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. وشدد على ضرورة تقديم برنامج إصلاحي يقضي باحترام مطالب الجزائريين، وهم بحراكهم هذا وضعوا لبنة مهمة لتحقيق التغيير السياسي والانتقال نحو دولة مدنية وديمقراطية.