التبعية الأكاديمية وأزمة توطين المنهجية في المجتمع العلمي العربي: علم "القانون" حالة للدراسة
الملخّص
تسعى هذه الدراسة للبحث في الطرق المعرفية والمناهج العلمية التقليدية في المجتمع العلمي العربي، وتعنى بدراسة حالة "علم القانون"، لبيان إجابات عن أسئلة الدراسة، وهي: هل يعاني المجتمع العلمي في مجاله تبعية أكاديمية؟ وما أشكالها وأسبابها؟ وكيف يمكن التخلص منها في ضوء الاتجاهات الكبرى للنهضة العلمية وتجاربها المختلفة؟ وأين تقع مسألة مراجعة الأطر النظرية، أو المفهومية، لعلم القانون؟ تركز هذه الدراسة على القانون بوصفه وسيلة الضبط الاجتماعي للأزمة المنهجية التي تمر بها العلوم الاجتماعية، والميدان الأوسع لأزمات المنهجية التي اعترت هذه العلوم. تشير الدراسة إلى أزمتين يعانيهما علم القانون في الوطن العربي، هما أزمة هوية وأزمة وظيفية، يوضحهما مؤشران رئيسان، هما الفجوة بين التنامي الكمي لعدد دارسي القانون وضعف إنتاج المعرفة البحثية القانونية، والفجوة بين التنامي الكمي لمؤسسات تعليم القانون وتكلس الأبنية القانونية. كلمات مفتاحية: المجتمع العلمي العربي، التبعية الأكاديمية، علم القانون، العلوم الاجتماعية. This study conducts research on the traditional academic methods used in the Arab scholarly community. Specifically, it employs the case of legal science when addressing the following questions: Is the Arab academy in its field suffering from academic dependency? What forms does this take and what are the reasons behind it? Where does reviewing theoretical or conceptual frameworks of legal science fall in this? This study focuses on law as a method of social control in the methodological crisis undergone by the social sciences. This study refers to two crises examined by Arab legal science: identity crisis and functional crisis. These are illustrated by two main indicators: The gap between the quantitative growth of the number of law students and the weak production of legal research knowledge, the gap between the quantitative development of the educational institutions of law and of legal structures. Keywords: Arab Scientific Community, Academic Dependency, Legal Science, Social Sciences.
Academic Dependency and the Problem of Nationalization of Methodology in the Arab Scholarly Community: Law as a Case Study
مقدمة
في عام 2010، أصدرت منظمة اليونسكو تقريرها العشري عن العلوم الاجتماعية1، وأوضح التقرير ملامح العلوم الاجتماعية في دول الخليج العربي وشمال أفريقيا، إضافة إلى سورية والعراق، وانتهى إلى أن عددًا كبيرًا من الطلبة والجامعيين العرب الموهوبين لا يكاد يوجد لديهم أهداف محددة لبحوثهم ودراساتهم، وأكد أن حالة دراسة العلوم الاجتماعية ليست جيدة، بأي مقياس، وفسَّ كل ذلك بخضوع المجتمعات العربية لأنظمة استبدادية. لا يخفى أن الأبنية الاجتماعية في البلاد العربية تعاني مشكلات كثيرة وكبيرة، وهي ناشئة، في الأساس، من الأزمات المنهجية التي تمرّ بها العلوم الاجتماعية؛ إذ ترتب عليها عدم القدرة على استيعاب واقع المجتمع العربي. لذا، كانت دراسة القانون، بوصفه وسيلة الضبط الاجتماعي لهذه الأبنية، إحدى أهم الدراسات الاجتماعية، وغير مُنبتّة عن مشكلاتها وأزماتها، بل إنها أوفرها خللً وأشدها مأزقًا. فعلم القانون علم إنساني معياري، يستهدف بحث ما يجب أن يكون عليه الإنسان، ويحدد معيارًا لسلوكه؛ لذلك، فهو يُبنى أساسًا على دراسة القاعدة سسها؛ لكشف جدارتها والمراد منها القانونية، ومعناها ومداها وأ، عن طريق عددٍ من النظريات العلمية المؤسسة على معطيات واقعية وعقلية، مثل: الأوضاع الظاهرة والقوة القاهرة، والظروف الطارئة وغير ذلك. لذلك، تؤدي الأفكار الفلسفية والاجتماعية دورًا كبيرًا في تحديد جوهر القانون وغاياته. وفي هذا الصدد يمكننا أن نلمس أزمتين كبيرتين يعانيهما علم القانون في البلدان العربية: أزمة هوية، وأزمة وظيفية، يوضحهما مؤشران رئيسان، أولهما الفجوة بين التنامي الكمي لعدد دارسي القانون وضعف إنتاج المعرفة، متمثلً في ضعف الجودة النوعية للبحوث ونتائجها العلمية. وثانيهما الفجوة بين التنامي الكمي لمؤسسات التعليم القانوني وتكلس الأبنية القانونية. تهدف هذه الورقة إلى دراسة الطرق المعرفية والمناهج العلمية التقليدية في المجتمع العلمي العربي، وتُعنى بحالة "علم القانون"2، على وجه الخصوص لبيان: هل كان المجتمع العلمي يعاني في مجاله تبعية أكاديمية؟ وما أشكالها وأسبابها؟ وكيف يمكن التخلص منها في ضوء الاتجاهات الكبرى للنهضة العلمية وتجاربها المختلفة؟ وأين تقع مسألة مراجعة الأطر النظرية أو المفهومية لعلم القانون، وتحديد دوائر الاتفاق والتضاد، والاحتواء والاشتباك، والصلاحية وعدم الصلاحية التي يمكن الاستفادة منها أو يلزم تغييرها؟ وذلك في سبيل إبراز الذاتية الثقافية للمجتمع العلمي العربي، ومحاولة التوصل إلى توطين المفاهيم والمناهج العربية الأصيلة بالكيفية التي تحقق التواصل مع الموروث العلمي العربي في العلوم الاجتماعية والإنسانية، بتمثل علم القانون، بوصفه نموذجًا يمكن تقريب تصورات الأزمة/ الحل من خلاله.
أولا: إشكاليات تدريس علم القانون في البلاد العربية
نكاد لا نخطئ إذا ما قلنا إن أهمية كليات القانون في بلادنا العربية تُختزل في دراسة القانون لدخول عالم القضاء وأروقة المحاكم فحسب، وهذا، بلا شك، يمثل مصادرة كبيرة على أهمية القانون، من جهة الدراسة ذاتها وآثارها. فبغضّ النظر عن السمت العام الغربي الوضعي لهذه النوعية من الدراسات، فالحقيقة أن القانون والاقتصاد السياسي والفلسفة السياسية وما يُكملها ويجري مجراها من العلوم الاجتماعية عامةً تقدم رؤية كبيرة شاملة لما يحدث في العالم، وتُنظم أفكار المُتلقّي في شأن حركة التاريخ، وتبي حقيقة الصراع، وكيفية بناء الدول، وسيرها وتفكيكها، وطبيعة النُظم التي تعمل في العالم، وفهم الفلسفة الغربية لهذه النُظم، والاستفادة مما يمكن الاستفادة به منها، أو رد ما يتعين رده منها، وغير ذلك من نواحٍ لا توفرها غيرها من التخصصات. هذا فضل عن التأثير في جوانب مهارية مهمة جدًا، تتعلق بالبحث والجدل والتنظير والقراءة التحليلية، وطرح الأسئلة والاستنتاج والمعيارية، ولا تكاد توجد دراسة نظامية توازي دراسة علم القانون في تدريب الدارس على هذه المهارات التي تُحدث الفارق في العقلية الجادة المستعدة. وعلى قدر الأهمية السابقة، يمكن أن ندرك التأثير العكسي الذي يمكن أن يحدثه هذا النوع من العلوم عندما يعتريها الخلل في الهوية والمرجعية، أو التوظيف والتوجيه، وهما الجانبان اللذان مثلّا أزمة حقيقية في دراسة العلوم السابقة في الوطن العربي، وهو ما نحاول إيضاحه في هذا المحور من الدراسة.
1. أزمة الهوية
إذا أخذنا القانون، بصفة خاصة، نجده لا ينفصل عن الذات الإنسانية التي كوَّنها المكان عبر الزمن؛ لهذا، كان العُرف دومًا مصدرًا مهم من مصادر القانون، بل عَرّف بعض الفلاسفة القانون بأنه ما هو إلا عادات تنمو بين الناس وتتطور حتى ترسخ في المجتمع، وتنشأ الحاجة إلى تقنينها، وهذا يُ ثل وجه ارتباط الماضي بالحاضر فيه. فالقانون ثمرة تطور الجماعة؛ لذا، فالبحث فيه، في الأصل، عصي على الاستيراد والنقل من بيئة إلى أخرى. إن تدريس علم القانون في أي أُمة تحترم شعبَها، يجب أن يتناسب، في مناهجه وموضوعاته، مع تاريخ هذه الأمة وتطوراتها الأنثروبولوجية. لكن الواقع الجامعي العربي عانى حالة انفصام شبه تام بين العلوم العربية التراثية، وأهمها العلوم الشرعية، والمناهج والمقررات التي تُدرَّس في الجامعات العربية، وهو ما ترتب عليه انفصاله، ليس عن الموضوعات التي يحتاجها المجتمع والقضايا التي يهتم بها، بل عن القيم والرؤى المعرفية، ومنهجيات البحث التي تكوّنت إبان النهضة الإسلامية والعربية. وإذا اعتبر أصحاب الاتجاه الوضعي العلموي أن أزمة العقل العربي تكمن في عدم استطاعته استيعاب المقولات المعرفية والمنهجية للعلوم الاجتماعية، نتيجة تكلس بناه المعرفية، وعجز أدواته المنهجية بسبب هيمنة التراث عليه3، فإن واقع علم القانون ينفي هذه الفرضية، فقد انتقل علم القانون في الغرب بمناهجه ومقرراته ووسائله، وحتى أساتذته، في أغلب الأحيان، في عهود نشأته الأولى في البلاد العربية من الجامعات الأوروبية إلى الجامعات العربية4، واختزلت النظرة إلى التراث الفقهي في كونه مُخلفًا من مخلفات التاريخ الإسلامي، ولم يُوظّف في المناهج الجامعية إلا بقدر ضئيل جدًا، لم يصل إلى حد اعتباره حتى مدونة من مدونات القانون المقارن. وما استُخدِمَ من العلوم التراثية، كعلم "أصول الفقه"5، لم يُوظَّف توظيفًا جيدًا، لا في فهم القانون وتفسيره ولا صوغه، ولعل سبب ذلك يرجع إلى: عدم تعرض علم الأصول، في جملة العلوم الشرعية، لأي حركة تجديد، إلا بقدر محدود نتيجة بعض أوجه الجهد الفردي، كجهد مصطفى الزرقا وغيره. ويرجع ذلك، كما يقول عدنان الإمام، إلى الخلط الواقع في الوعي الجماعي للأمة بين ما هو نتاج الوحي ولا يقبل الزيادة أو النقصان، وما هو نتاج الاجتهادات البشرية؛ إذ أضفيت هالة من القداسة إلى العلوم الشرعية برمّتها، واعتبرت كأنها كل لا يتجزّأ يمثل الدين. وكأن الاجتهادات الفقهية حول أصل مشترك أسفرت عن قبول عامّ لدى الإسلام السني منذ عدة قرون، يحصر كلَّ النشاط المستقبلي في شرح الدين وتطبيقه وتأويله، كيفما وقع تحديد مضمونه، وبصفة نهائية من جانب الفقهاء، بحيث لم يعد الناس يرجعون مباشرة إلى الكتاب والسُّنة لاستنباط الأحكام الشرعية. وقد تضافرت عدة عوامل اجتماعية وسياسية وفكرية لإرساء عقلية التقليد الفكري والعقائدي، وبدأ، بسبب ذلك، في ما بين أواسط القرن الرابع للهجرة وحدود انهيار الخلافة العباسية، العصر الذهبي لكتب المذاهب المدرسية، فتحولت قابلية الفقه الإسلامي للتطور إلى تصلّب تام، مفضية إلى ما أطلق عليه ألفريدو مورابيا "كلاسيكية قانونية"، فذلك الجمود وسّع الهوة بين نظرية جامدة متحجرة، وواقع حي متغير6.
النظر المعاصر إلى علم أصول الفقه، باعتباره يُ ثل خطابًا عَقديًا خالصًا، فدُرس في كثير من الأحيان كما لو أنه امتداد لعلم أصول الدين، والواقع أنه بذلك يرد إلى خطاب ذي علاقة ضعيفة بالفقه (القانون)، وذي علاقة بوسائل إيضاح الممارسة القضائية (القانونية) أشد ضعفًا، وليس ثمة شك عميق في أن الطبيعة التجريدية لعلم أصول الفقه، فضلً عن المسائل الكلامية واللغوية التي يخوض فيها، قد أفضت إلى تعزيز هذه المقاربة. لكن لا يُ كن عدّ هذا وحده مسؤولً عن ذلك؛ فالباحثون المُحْدَثون تبنّوا مقاربة مغايرة، مفادها أن الشريعة الإسلامية، حتى في جانبها العملي (الفقه)، منبتّة الصلة عن الواقع الاجتماعي والسياسي، وهو مذهب بحثي قديم، تطور في أعقاب الاستعمار7. والحقيقة أن الوظيفة الأساسية لعلم الأصول كانت أشد تعقيدًا؛ لأنها تجاوزت الوظيفة التفسيرية لعلوم القانون التفسيرية، كعلم أصول القانون، وعلم القانون العام في العلوم الجنائية، وغيرهما، إلى وظيفة أدق توجيهًا وبناءً؛ لذلك، فالفقه التراثي (الشرعي) يختلف جذريًا عن الفقه القانوني (المعاصر) في طرائق الاستدلال والحجاج؛ إذ يتضمن الأول مجموعة من الموجهات النشطة التي تسمح باتساع النص القانوني إلى مجموعة أرحب من التطبيقات، وبمرونة تحرره من كل جمود يناقض الطبيعة الاجتماعية للظاهرة القانونية، فنراه أكثر مرونة فيما يتعلق ببنية الأدلة الثبوتية ومسالك الاجتهاد في التعليل والتفسير والموازنة بين التنافرات المتوقعة في البنى القانونية، فيقدم منهجًا حقيقيًا للاستنباط قابلً لتشييد نظم قانونية متعددة، ومتنوعة بتنوع البنى المجتمعية واختلاف السياقات الاجتماعية، بالإفادة من موارد نصية أولية، كنصوص دينية، أو عادات وأعراف، أو حتى سوابق وضعية، ونحوها8. وجود فجوة كبيرة بين الشرعيين والقانونيين في الجامعات العربية، سواء من حيث مصدر التعلم والمرجعية، أم من حيث الموازنة بين العلوم القانونية وعلوم الشريعة. أدت هذه الفجوة إلى نتيجة أشد تطرفًا، تمثلت في نبذٍ واسع المدى للكتابات الأساسية في مناهج الاستنباط والتفسير، ومعها استُبعد عدد كبير من القواعد الكلية والخطوط العريضة للألفاظ الفقهية، وعدد لا متناهٍ من التفاصيل الجزئية في السياق نفسه، لمصلحة طرق جديدة ليس لها خط ناظم منهجيًا للاستنباط والتحليل، وتبع ذلك التخلي عن القواعد التقليدية التي تحكم المجمل والمبين، والمطلق والمقيد والخاص والعام، والتخلي عن نظريات النسخ والإجماع، وقياس الفرع على الأصل، وغيرها، فبُنيت الثقافة القانونية على أساس التشريع الحكومي والسوابق القضائية، وليس الصوت الجماعي للآراء المستقلة للمجتهدين في الجماعة العلمية، وما وُظّف من الكتابات الأصلية، إذا ساغ تسميتها بذلك، في البناء العلمي القانوني وُظف توظيفًا هامشيًا عشوائيًا، وأدى هذا أيضًا إلى جمود تطوير المناهج التفسيرية الموروثة تمامًا، واقتصار العمل فيها على التخيّ والتلفيق. وكان الأجدر أن يُنظر إلى العلوم الشرعية ذات الطابع التفسيري، كعلم أصول الفقه وعلوم اللغة العربية ومصطلح الحديث ونحوها، على أنها حصيلة الاجتهاد البشري، قامت به الجماعة العلمية قديمًا في إطار القيم الموروثة، وأنها مصدر غني بمناهج البناء الفكري، واستخراج الأحكام، والترجيح بين طرق الاستدلال عند تعارضها؛ بسبب أن وظيفة هذه العلوم صون الاجتهاد من العبث والزلل والتلاعب بالنصوص. ويرتبط هذا، بلا شك، بعدم إخضاع العلوم الشرعية للتحديث والتجديد، من جهة المصطلح والقواعد ومنهجيات التلقّي والطرح؛ إذ اعتبُرت من علوم الماضي البعيد الذي لم يعد مناسبًا للحاضر، على الرغم من أن تجديد هذه العلوم ووظائفها العملية هو من المأمورات الدينية؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله يبعثُ لهذه الأ مة على رأس كُلِّ مائة سنةٍ مَنْ يُجدِّدُ لها دِينَها"9. والحقيقة أن الابتعاد بعلم القانون عن مناهج الدلالات اللغوية، وأصول الفقه، تسبّب في الوقوع في مشكلات منهجية وعملية كبيرة، منها: عدم الإحاطة بالمصادر الأساسية للقانون في البلاد العربية، وبالظروف التي نشأت فيها، وبتطورها وتنزيلها على الواقع التاريخي، وبكيفية الاستفادة منها في الواقع المعاصر. تغريب المصطلحات، وإضعاف القُدرة على استعمالها، حتى في الجوانب التي يُحيل فيها القانون الوضعي على التراث الفقهي والأحكام الشرعية، في مجال الأحوال الشخصية أو المدنية. اح القانون وأساتذته، حول تفسير النصوص إذكاء الصراع بين شُ، وتحميلها أكثر من مقاصدها.
وإلى جانب الموقف المرتبك من مناهج العلوم الشرعية، ثمة موقف آخر لا يقل ارتباكًا من المناهج التاريخية والفلسفية؛ إذ تكاد تختفي من معالجات سائر العلوم القانونية في البلاد العربية، فلا يكاد الناظر يجد لهذه المناهج انعكاسًا في الكتب القانونية، لا من حيث النصوص ذاتها، أو من حيث تفسيراتها والنظريات التي تستند إليها، بحيث ينطبع في ذهن المطلع والقارئ أنها "لقيطة"، بلا أي امتداد تاريخي أو فلسفي في المجتمعات العربية؛ ما يُ كن معه القول بألّ هوية واضحة لعلم القانون في البلاد العربية، وليس في ذهن أعضاء المجتمع العلمي العربي، والحكم للغالب، تصور واضح لدور علم القانون في تطوير المجتمع والنهوض به؛ لذلك، لا يوجد ربط كافٍ بين دراسته والمجتمع. ونجد المقارنات بين القوانين العربية والقوانين الغربية، ولا سيما القانون الفرنسي، كثيرة جدًّا، من دون نظر في ما إذا كانت هذه القوانين تصلح للبيئة العربية، أم لا، أو البحث في ظروف إصدارها وملابساتها في البلاد التي صدرت فيها.
2. أزمة الوظيفة
والأزمة الثانية التي يُعانيها علم القانون هي أزمة وظيفية؛ فالقانون الذي كان يجب أن تكون وظيفته تحقيق سعادة المجتمع، بات أكبر وسيلة استبدادية لجأت إليها الدولة الحديثة لإخضاع المجتمع وتسويغ قراراتها القمعية، ولعل أهم مظاهر هذه الأزمة تقلص مبدأ سلطان الإرادة لحساب تدخل الدولة. وفكرة الخضوع في القانون طالما كانت، تاريخيًّا وفلسفيًّا، فكرة أساسية وحاسمة. لكن الخضوع المقصود خضوع لنظام اجتماعي، يُعتقد بأنه كيان فوق المجتمع، وفوق الدولة أيضًا، نظام يقدم المصلحة العامة على كل مصلحة، وفي الوقت ذاته، يُوازن بين المصالح الفردية والمؤسسية، بحيث لا يحدث بين أي منها تصادم. لذلك، يفرض نفسه ابتداءً من التزام أدبي بضرورته، من دون أي اعتبار لعنصر القوة، وهذا هو جوهر فكرة العقد الاجتماعي الذي يُعد أساس قيام الدولة الحديثة، ويعبّ عنها الفلاسفة تعبيرًا صريحًا وواضحًا بأنها "دولة القانون." وعلى الرغم من بساطة هذه الفكرة ومثاليتها، فإنها شديدة الإيهام، ونتيجتها المؤكدة هي إخضاع المجتمع لمصالح الدولة وحدها، واستخدامها القانون ومؤسساته المختلفة لتبرير قمعها المصالح الأخرى10. من هنا يُ كن أن نفهم الأزمة الوظيفية لعلم القانون؛ فالقانون يجب ألا يُشكل القيم والمعتقدات والقيم النهائية، بقدر ما ينبغي له أن يحميها؛ لذلك، تأتي أهمية الممارسات المقبولة في الماضي بمعايير موضوعية، بوصفها مصدرًا مهمً من مصادر القانون، لا مصدرًا هامشيًّا؛ إذ هي جوهر العلاقات الاجتماعية التي يواجهها القانون. وإذا جئنا إلى التعليم القانوني، أو تشكيل الثقافة القانونية في البلاد العربية، نجد مناهجهما في هذا الإطار تُعاني خللين أساسيين: أولهما غياب العلاقات البينية بين القانون والمجتمع، عبر مداخل الماضي المتمثلة في التراث والمعتقدات والتقاليد والأعراف والقيم الكلية الموروثة، وتفسير هذه العلاقات وتحليلها، وهو ما يُثير مشكلات فلسفية معقدة، وغائبة تمامًا عن مناهج علم القانون في البلاد العربية. وثانيهما حضور قيمة الدولة وعلاقاتها بمؤسساتها من خلال منظومة هائلة من الأفكار والمفاهيم والنظريات، وعقد صلات قاطعة بين القانون، بوصفه علمً وقيمة الدولة، بحيث يُ كن اعتبار هذه القيمة تعبيرًا مباشرًا عن فلسفة القانون وجوهره. إن هذه الحركة المعاكسة (الغياب/ الحضور) لعلاقات علم القانون جعلته سياقًا معزولً عن الحياة الاجتماعية، وبالقدر نفسه، لكن في الاتجاه المضاد (مندمجًا) في الحياة السياسية، فضل عما أدت إليه من هشاشة القيم المعرفية للعلم ذاته، وأضحى السؤال القائم: أيكون الدرس القانوني عملية علمية تستهدف صناعة ملكة علمية أو فكرية ذات خصوصية منهجية، أم عملية سياسية تستهدف تكوين عقلية وظيفية لمهن الدولة القانونية، على اختلافها؟
ثانيًا: تأثير أزمت ي الهوية والوظيفة في المنهجية العلمية لعلم القانون
الملمح الأكبر الذي يمكن تلمّسه من أزمتَي الهوية والوظيفة هو "التبعية"، وهي بمدخلين متميزين: الأول تبعية خارجية غربية، متعلقة باعتماد المجتمع العلمي العربي على الرصيد الغربي في التعليم القانوني والممارسة، ولا سيما القانون الفرنسي، وإلى حد ما الإنكليزي والأميركي؛ والثاني تبعية داخلية سياسية، متعلقة بالتأثير السُّلطوي في مناهج تدريس القانون، ومسار حركته العلمية.
1. التبعية الغربية
نقصد بها اعتماد المجتمع العلمي العربي، في فهم وتفسير الأ طر العامة للقانون التي تُبلور المفاهيم وتُحدد الإجراءات، على الرصيد الغربي؛ إذ استبطنت التصورات الغربية اعتقادًا بصلاحيتها المُطلقة وتفوّقها، على الرغم من تخلص المنظومة الغربية من عدد كبير من موروثاتها العلمية. وأوضح مثال على ذلك المبادئ التي قام عليها القسم العام من القانون الجنائي، ومبادئ الإثبات الجنائي، والإجراءات الجنائية، بل امتدّ ذلك حتى إلى فرع تاريخ القانون وفلسفته الذي هو أسير، كليًّا، للمركزية الأوروبية. ولعل هذه المركزية تبدو، أول ما تبدو، في الرتابة الشديدة للمعالجات المنهجية للعلوم القانونية، من حيث السباق المحموم في السرد لأسماء فقهاء القانون الغربي ومفاهيمهم، بوصفه نوعًا من المباهاة في العرض، من دون أدنى إعمال للنظر في تفسيرها، أو حتى إفساح المجال لنقدها أو محاكاتها، وإبداع وجهات النظر، وبناء نظريات خاصة، كما تبدو في الترجمات الحرفية للنظريات القانونية وشرحها، فضلً عن النصوص القانونية ذاتها وتفسيرها. يقول عبد الوهاب خلاف: "إنه ليس من السائغ قانونًا ولا عقلً أن يسن الشارع قانونًا من القوانين بلُغة،ٍ ويطلب من الأُمة أن تفهم ألفاظه ومواده وعباراتها على مقتضى أساليب وأوضاع لغة أخرى، لأن شرط صحة التكليف بالقانون قُدرة المكلفين به على فهمه، ولا يكون أيُّ تشريع - شرعي أو وضعي - حجةً على أصحابه إلا إذا كان وفقًا لمعهودهم في التعامل"11، فاللغة هي السمة الأولى للانتماء إلى الثقافة، وعليها تقوم وحدة الهيئة الاجتماعية، والسلوك اللغوي إنما هو جزء من السلوك العام للفرد، من خلاله يتضح مدى انتمائه إلى الثقافة والمجتمع. ونستطيع أن نفهم التأثيرات الأوروبية، ولا سيما الفرنسية منها، في علم القانون في الجامعات العربية، لا كما قد يتصور بعضهم من واقع التاريخ الاستعماري للمنطقة العربية فحسب، فأبسط استدراك على هذا التبرير هو أن التاريخ الاستعماري الفرنسي لمصر لم يكن على المستوى نفسه من التاريخ الاستعماري الإنكليزي لها، لا من حيث المدة الزمنية، ولا من حيث التأثير الوظيفي. ولا كما يصور بعضهم من واقع التفوق الأوروبي في العلوم القانونية، فأوروبا نفسها طورت من نظمها القانونية ومناهجها في تدريسها تطويرًا كبيرًا، تجاوز تقسيم نظمها القانونية إلى لاتينية حرة، وأنكلوسكسونية مُقيدة ومختلطة، تجمع بين النظامين، ولا سيما مع تطور الجريمة، وتطور المعاملات، وتطور أدلة الإثبات، وهو ما أدى إلى خروج الاتجاهات التشريعية الحديثة عن دائرة صيغ النظم القانونية المعروفة التي كانت تدور في فلكها، ولم تعد متقيدة أو متأثرة بما يأخذ به هذا النظام أو ذاك، بحيث يُ كن القول إن العالم الغربي بات يتبنى نظمً ومبادئ قانونية شديدة الاختلاط والتداخل والتعقيد12. والثابت الذي يمكن معه فهمُ التأثيرات الأوروبية في علم القانون العربي هو الأُلفة القديمة، منذ نهاية القرن التاسع عشر، التي ربطت القانونيين والأكاديميين العرب بالنماذج القانونية الفرنسية. إن هذا الارتباط لم يكن على المستوى التشريعي فحسب، بل على المستوى الوظيفي أيضًا؛ إذ كانت المحاكم في بيروت ودمشق، ومعظم بلاد شمال أفريقيا، بما فيها مصر الراضخة للاحتلال الإنكليزي، تقوم على أغلبية من القضاة الفرنسيين، وكان من أوائل المعينين في هذه المحاكم، فضلً عن كليات القانون، رجال قانون تلقوا دراسة جامعية في باريس، إلا المحاكم الشرعية، بطبيعة الحال، حتى منتصف القرن العشرين تقريبًا. وكان تعليم القانون، من الناحية الشكلية، في الجامعات العربية يمارَس بأسلوب تربوي شبيه بذلك الذي كانت تأخذ به الكليات الفرنسية13. وفي شأن ذلك كتب جميل بيام في ثلاثينيات القرن المنصرم، يقول: "لقد تخرج من مدرسة حقوق بيروت أساتذة كانت معارفهم قاصرة على القانون الفرنسي واللغة الفرنسية، اعتمدت السلطة الحاكمة عليهم وعينتهم تدريجيًّا في الوظائف القضائية، وعمدوا بدورهم إلى نشر معارفهم بين زملائهم من المحامين الذين اعتمدوا على القانون الفرنسي واللغة الفرنسية"14. وعلى الرغم من أن حال المحاكم في هذا الشأن تغيّ كثيرًا بدخول النصف الثاني من القرن العشرين، فإن الجامعات العربية ظلت كما هي حتى سنوات قريبة؛ يذكر برنارد بوتيفو Botiveau Bernard أن من بين 27 عضوًا في هيئة تدريس كلية الحقوق في جامعة المنصورة المصرية، في عام 1985، كان منهم 24 حاصلً على درجة الدكتوراه
من كلية حقوق فرنسية، ومثلهم تقريبًا في جامعة القاهرة في عام 1980، فضلً عن عدد كبير حصل على درجة الماجستير من جامعات فرنسية وأميركية. ولا يختلف الوضع كثيرًا في سورية، بل في عام 1980 لم يحصل أحد على درجة الدكتوراه من جامعة سورية، من بين 21 عضوًا في هيئة التدريس، أكثرهم حصل على الدكتوراه من جامعات فرنسية ومصرية15. إن العلوم الاجتماعية أكثر من سواها، في ما تحمله من ثقافة مُنشئيها، وفي تأثيرها في عقلية حامليها، وفي العوامل التي تأخذها من الهوية والمرجعية ومنظومة القيم وأنماط السلوك، ومن ثمَّ يتكثف احتياجها إلى النموذج الإرشادي الخاص. والنماذج الإرشادية السائدة الوضعية وما بعد الوضعية، بأصولها الغربية اليونانية والرومانية، ثم امتداداتها أو انقلاباتها الحداثية وما بعد الحداثية، مهما تدّعي العمومية والعالمية والكونية، لا تستطيع أبدًا أن تُلبي الحاجات المعرفية الوصفية والتفسيرية التي يُنتظر استيفاؤها من التناول العلمي الممنهج للظواهر الإنسانية الخاصة، وهو ما يجعل الحاجة ملحة إلى نموذج إرشادي موائم ومطابق لطبيعة الظاهرة في الحضارة المعنية، وحامل لخصوصياتها وما يُ يزها16. إن عجز الباحثين في العلوم الاجتماعية، خارج المنطقتين الأوروبية والأميركية، عن إبداع نظريات ومناهج أصيلة في البحث، أو تأسيس مدارس علمية جديدة لها ذاتية ثقافية، مثّل مشكلات حقيقيةً للعلوم الاجتماعية، ليس للوطن العربي فحسب، بل في العالم الآسيوي أيضًا. لكن الأخير استطاع أن يقطع شوطًا كبيرًا في تجاوز هذه المشكلات، متخلصًا على نحو أساسي من مشروعية هيمنة الإبستيمولوجيا الغربية، وكان لعلم القانون نصيب وافر من هذا المسلك، فقد اهتم كثير من الباحثين الآسيويين بدراسة تاريخ القانون وفلسفته من منظور وطني، واهتموا بإنشاء مؤسسات علمية وأكاديمية ومراكز أبحاث لدراسة علوم القانون وفروعه وتطويرها، في ضوء علوم الاجتماع والتاريخ والسياسة والاقتصاد، وظواهرها الوطنية، بحيث مثّلت مع بعضها شبكة ذات خطوط مشتركة في المنطلقات والمناهج والنتائج، أو بعبارة أدق، لا تنافر بينها أو تضاد كما كان موجودًا من قبل؛ نتيجة اختلاف مصادرها في التبعية. فعلى سبيل المثال، بُنيت النظم القانونية الحديثة لليابان وكوريا والصين في الماضي باستيراد النماذج القانونية الغربية، الألمانية تحديدًا، بدرجات متفاوتة وبطرق مختلفة. لكن تراث النظام القانوني الألماني لاقى مصيرًا مختلفًا في كل من البلدان الثلاثة؛ فبينما واصلت كوريا والصين التزامها بمنهج النظام القانوني الألماني، فإن الإصلاحات اليابانية في المجال القانوني أحرزت من التقدم نحو المنهج العلمي ما هو أكثر رحابة من موروثاتها الأوروبية، ففي ما يتعلق برقمية المعلومات أوجدت قواعد جديدة تحكم التوقيعات والعقود الإلكترونية، والتسجيل عبر الإنترنت للأموال غير المنقولة، وأرباح السندات المالية، ولم يغي هذا من الهيكل الأساسي للقانون المدني، بل جعل القانون المدني أكثر مرونةً وتنوعًا، ومن ثمَّ، أخذ القانون الياباني يطوّر هويته تدريجيًّا بما يناسب نهضته وثقافته الحديثة، وإيجاد طريقه الخاص نحو المستقبل. وهذه التطورات، والنهضة التي شهدتها اليابان، ما كانت لتتمكن من التعامل مع المسائل الحاسمة من دون أن تشتمل على مجموعة من المواد القانونية أكثر مما كانت تشتمل عليه التشريعات السابقة، وأخذت في الشكل ما يُعرف بالقانون المرن Soft Law، عبر معايير أخلاقية، وقواعد تكنولوجية وإدارية واقتصادية وغيرها17.
2. التأثر السلطوي
أقصد بالتأثر السلطوي تحوّل المؤسسة العلمية القانونية إلى إحدى أدوات تبرير أوامر السّلطة وممارساتها، بدلً من أن تقوم بدورها في الرقابة عليها، من خلال تقييم أدواتها وتقويمها، وتصويبها وتوجيهها. وقبل هذا، وبدلً من أن تقدّم هذه المؤسسةُ تفسيرات لظاهرة الدولة وتطوراتها، ومؤشرات تحولاتها البنيوية الراهنة؛ اختزلت فكرة القانون في تبرير طاعة الأفراد للسّلطة، بوصفها الضمانة الوحيدة للنظام الاجتماعي. وهكذا، تحولت العلاقة بين العلم والسّلطة إلى علاقة ضرورية، لتكون – من ثم - عائقًا أساسيًّا أمام استقلال المؤسسة العلمية والمجتمع العلمي. فكما أن القانون كان أفضل الوسائل لتوجيه إرادة الأفراد نحو الأغراض السياسية التي نشدتها الدولة، فإن دراسة القانون كانت أفضل الوسائل لمنْطَقة سلوك الدولة وأغراضها. ومن منظور آخر يُ كن القول إنه حين تولّت المحاكم إنفاذ إرادة الدولة عبر قوانينها، عزّزت كليات القانون هذه الإرادة، عبر تدريس هذه القوانين وتفسيرها، باعتبارها عملية منصبّة على المعايير. فلا غرابة أن نجد، بعد ذلك، واحدًا من أبرز أساتذة القانون المدني، في منتصف القرن العشرين، يطرح سؤالً حول المقدار الذي يجب أن يُساهم به الفقيه القانوني في الحياة السياسية، ثم
يُجيب عنه بقوله: "الجواب عن هذا يتوقف على المهمة الموكولة إلى الفقيه، فإن كان يقوم بدور المشرع، وذلك عندما يوكل إليه وضع تشريع جديد أو تعديل تشريع قائم فهذا عمل سياسي، وعندئذ لا يجوز أن يكون الفقيه بمنأى عن الوسط السياسي الذي يزاول عمله فيه، فلا يجوز له أن يضع التشريع على نقيض ما تقتضيه الحياة السياسية التي يشُرع لها وإلا كان خائنًا لواجبه. ولا كذلك الحكم عندما يزاول الفقيه عمله الآخر وهو شرح قانون قائم؛ إذ إن عمله عندئذ يكون عملً فنيًّا وليس عمل سياسيًّا، ومن ثمَّ يجب أن يتقيد بالقانون القائم لا يحيد عنه، أي أنه في هذه الحدود لا يجوز أن يكون الفقيه رجل سياسة، صحيح أنه يجوز له أن ينقد القانون القائم، ولكن صحيح ذلك أنه لا يجوز له أن يخرج على ذلك القانون ما دام أنه لا يزال قانونًا معمولً به"18. ولعل من عوامل هذا التزاوج بين الدولة والمجتمع العلمي العربي، في مجال القانون، غياب المنهج النقدي، واختفاء المدرسة النقدية عن ميدان علم القانون تمامًا، وانخراط جمهور المشتغلين بالقانون والمتخرجين في مدارس القانون ومؤسساته التعليمية في هياكل الدولة وبُناها التحتية الإدارية والسياسية وانصهارهم في أنظمتها الشمولية19. لكن العامل الأبرز، من وجهة نظرنا، هو عدم تغلغل القانون من حيث هو "علم" في أعماق الكيان الاجتماعي، من حيث المصدرية والاعتبار والتأثر والتأثير والفاعلية. ولذلك توجد ظاهرتان بارزتان في التأليف القانوني: أولاهما التكرار الشديد في الموضوعات والمعالجات، والإسهاب والتطويل في شرح القوانين وتفسيرها، مع عدم إضافة أي جديد علمي يُذكر. ولا تكاد دائرة الاهتمام حيالها تتجاوز المشتغلين في العمل القانوني، من القضاة والمدعين العموميين (أعضاء النيابة) والمحامين وأساتذة القانون، بل حتى في مؤلفات مداخل القانون وأصوله، على الرغم من أنها مجال رحب للإبداع العقلي، بوصفها ميدانًا فلسفيًّا في الأساس. وثانيتهما غياب الكتابة في طرق البحث القانوني، وفلسفة القانون، والأساس الفلسفي الذي يرتكز عليه القانون، وتمحيص طبيعة القانون ومصادره، وعلاقته بالعلوم الاجتماعية الأخرى20. وهاتان الظاهرتان إن دلتا على شيء، فإنهما تدلان على أن القانون لم ينشأ في البلاد العربية، أو يتطور، بوصفه ثمرة للحياة الاجتماعية وتطورها، وإنما هو قواعد تُ ثل إرادة الدولة. ولا يكاد يُخطئ من يعتبر المجتمع العلمي العربي في مجال علم القانون، عمومًا، امتدادًا لمدرسة "الشرح على المتون"، أو مدرسة "التزام النصوص" الأوروبية التي نشأت في فرنسا أوائل القرن التاسع عشر، واندثرت في أوروبا تمامًا في بدايات القرن العشرين21. لكنها حافظت على امتدادات نشطة في كثير من الجامعات العربية والمجتمع العلمي العربي22، ولا سيما المجتمع المصري الذي كان له أثره البالغ في نشر الثقافة القانونية، وتصدير القانونيين إلى سائر البلاد العربية، خاصةً في دول الخليج العربي. ولذلك، انصرف أتباع هذه المدرسة، جيلً بعد جيل، إلى شرح النصوص وتوضيحها، غير خارجين حتى على الترتيب الشكلي للقانون، فتقيدوا بترتيب أبواب التقنينات ونصوصها، وهو ما يعكس الاعتقاد الراسخ بقدسية هذه النصوص، وتضمّنها، في الجملة، ما يلزم من قواعد لمواجهة كل أمور الحياة، بوقائعها وأحوالها، ونستطيع أن نُلخص أهم مبادئها في: ارتباط العلم القانوني بالنصوص القانونية وألفاظها، على أساس أنها مصدر المعرفة. الالتزام التام بإرادة المشرع عند التفسير، وتحديد وظيفة الشارح بالبحث عن هذه الإرادة، والكشف عنها، أو بعبارة أدق، حصر مصادر القانون في إرادة المشرع. عدم إقامة أي وزن لتطور المجتمع، وتغير ظروفه. وعلى حد تعبير حسن كيرة، أحد أكبر أساتذة القانون في الوطن العربي، فإن: "القانون عندهم هو إرادة الدولة ولا شيء غير إرادتها"، وهو ما أدى إلى قسر النصوص لاستخلاص حلول ومبادئ ونظريات،
ومن ثمَّ جمود القانون وعرقلة تطوره، وحصره في إرادة مفترضة، وإن تغيرت ظروف الحياة في الجماعة أيّ ا تغير23. لذلك اعتمدت مناهج هذه المدرسة على دراسة النصوص والتعليق عليها بأحكام القضاء، والدوران في مدارها كدوران الأجرام في المجموعة الشمسية. ويرجع الفضل في تلاشي هذه المدرسة تمامًا من أوروبا إلى دخول العلوم القانونية في علاقات حيوية بالعلوم الاجتماعية24؛ ما أدى إلى ميلاد علوم جديدة لا يغلب عليها الطابع القانوني، بقدر ما يغلب عليها الطابع الاجتماعي، كعلم الاجتماع القانوني، وعلم الإنسان القانوني وغيرهما. وهو السبب نفسه الذي أدى إلى استمرار هذه المدرسة في الوطن العربي، بل إلى انفرادها بنشر الثقافة القانونية، وتضخّم آثارها وتأثيراتها، ولكن من جهة معاكسة؛ إذ لم يكن للعلوم الاجتماعية أي قبول تقريبًا داخل الأوساط القانونية، أو في المجتمع العلمي القانوني. وقد أثّر هذا في المنهجية العلمية لدراسة القانون، بفروعه المختلفة، في الجامعات العربية، فيشير إمام حسين، في دراسته المسحية التقييمية لأدبيات القانون في البلدان العربية، إلى أن رسائل القانون الجامعية قد عابها غياب المفاهيم الأساسية للدراسة، ومشكلتها في ذهن كثير من الباحثين، واعتبارهم موضوع الدراسة هو ذاته الإشكالية، أو الصعوبات التي تواجه البحث على أنها إشكالية البحث، بما يعكس قلة الوعي بقواعد البحث العلمي ومدلوله ومصطلحاته، فضلً عن قصور استخدام المنهج العلمي، والقدرة على التعبير الصحيح عنه، وضعف استخدام الأساليب المنهجية25. حتى في الظواهر المستحدثة، غالبًا ما تكون الإشكالية البحثية، في معظم الدراسات والرسائل العربية، هي مدى توافق أو كفاية نصوص القوانين في مواجهتها، وسَمْتها العام يتناول الموضوعات بطريقة سطحية وغير متعمقة، ولا تطرح حلولً عملية لما تناولته من مشكلات، بل تقتصر على حلول تتعلق بتعديل التشريعات القائمة، أو وضع تشريعات جديدة، من دون أن تحدد طبيعتها والجدوى منها، وما إذا كانت تناسب ظروف ومتطلبات الحياة الاجتماعية26. ومهما أكد أساتذة القانون وشراحه، في البلاد العربية، أهمية مبادئ العدالة وقواعد القانون الطبيعي، فإن الباحث في المناهج العلمية وطرائقها في علم القانون لا يكاد يرى لذلك أثرًا في الفهم أو البحث أو التحليل. ويُ كن القول إن التأثير العلمي المنهجي في تشكيل علم القانون، ومساره في الوطن العربي، لم يكن على المستوى نفسه من التأثير السياسي فيه، بل كان أدنى بمستويات كثيرة. فلا غرابة بعد ذلك أن نجد تقرير اليونسكو في عام 1999، حول العلوم الاجتماعية في الوطن العربي، يُقرر أن ثمة اثنين من أبرز العوامل المؤثرة في تشكيل مسار العلوم الاجتماعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ووضعها الراهن، وهما المال والسياسة. ومن ثمَّ، قدّم التقرير عرضًا سلبيًّا لواقع العلوم الاجتماعية في الوطن العربي، أ عيد تأكيده في تقارير اليونسكو التقييمية في الأعوام اللاحقة.
ثالث ا: الحركة الأكاديمية العربية وتوطين الذاتية الثقافية
إن توطين الذاتية الثقافية هو الأقدر على تقديم ابتكارات ورؤى بديلة في مناهج العلوم الاجتماعية، وتفسير ظواهرها الخاصة، والأكثر صلاحيةً لحل ألغازها العلمية، ومن ثمَّ مشكلات المجتمعات، بحيث تنفي عن هذه العلوم اغترابها عن محيطها وتُحقق شخصيتها الثقافية. إن حل الأزمات التي تعانيها العلوم الاجتماعية، ومنها علم القانون، في البلاد العربية، يرجع في الأساس إلى الهدف من تعلّمها وتعليمها، فإذا كان الهدف منهما "حمل المعنييّن بالحقوق على دخول عالم النصوص القانونية وتحفيزهم على فهمها وتفسيرها في سياقات اجتماعية متنوعة من أجل تطبيق أمثل"27، فإنه لا يكون ذا معنى، ولا قيمة، إلا بقدر ما تكون نظرياته واستدلالاته متجهة نحو غاية
عملية، هي الفهم الأمثل لتطبيق القانون واستخدامه، وهذا لا يحدث إلا بما يتفق مع روح الجماعة التي يُطبّق فيها وأوضاعها. إن علم القانون، كعلم التاريخ والاقتصاد والسياسة والاجتماع، لا يُ كن أن يُدرس بطريقة مناسبة إذا اقتصرت الدراسة فيه على الجوانب النظرية البحتة للعلم، من دون أن تمتد إلى أوضاع المجتمع وظواهره الخاصة، وهذه الكيفية إفقار لهذه العلوم، وإفراغ لها من مضامينها الوظيفية.
لقد عانت الحركة الأكاديمية العربية الحديثة ازدواجية ثقافية (علمانية - دينية)، تدافع تارةً عن العلم ضد الدين، وأخرى عن الدين ضد العلم، فانشغلت بمعارك فكرية وصراع ذاتي، كان الهدف في المقام الأول إحداث توافق بين العلم والدين، مرةً على حساب العلم، ومرةً على حساب الدين، متأثرةً بعاملين أساسيين: الأول تجربة العلم ذاته، بمركزيته الغربية؛ إذ لم يستطع في هذه التجربة أن يتلمس طريقه نحو التقدم والنهوض، إلا بعد أن تحرر من سلطة الدين وسلطة رجال الكنيسة. والثاني انقضاض الثقافة العربية المعاصرة، بانتفاضتها العلمانية، على الدين، بعد أن ظهر التيار العلماني، في حين بدا في المجتمع والأوساط الثقافية محتفيًا بقيم العلم، متشبعًا بقيم الحرية، وهو عنها أبعد ما يكون28. وكانت النتيجة أن ساهم الفكر العربي الحديث في ترسيخ فكرة تضاد العلم والدين، وتوسيع الفجوة بينهما على النسق الغربي، بدلً من محاولة خلق نماذج إرشادية (براديغمات) خاصة في العلوم، تناسب المجتمعات العربية، وتوطين منهجيتها العلمية الخاصة. إن التقدم العلمي لا يُ كن أن يُبنى من نقل العلم أو استيراده، فطريق التقدم هو توطين المنهجية العلمية الخاصة. والحقيقة لا يوجد ما يُسمى نقل العلم أو استيراده، فحتى حركات الترجمة لا يمكن أن تُؤتي ثمارها إلا من خلال عمليات تكرارها، وإعادة النظر فيها، كما جرت حركة الترجمة العربية في الحضارة الإسلامية. وحدوث هذا التوطين رهن تضافر بنى المجتمع المختلفة، العلمية والسياسية والاجتماعية. ومن دون ذلك، لن يكون هناك توطين للعلم، بل ستكون هناك مؤسسات علمية وأساتذة معلمون فحسب، ظاهرهم العلم وحقيقتهم الوهم. فالعلم لم يكن البتّة بنية معزولة عن البنى الاجتماعية الأخرى29، كما لا يتصور أن يُحدِث المجتمع العلمي تأثيره بعيدًا عن ثقافة المجتمع العامة. يبدأ دور المجتمع العلمي في أي نظام أو أُمة من تبنّي تقاليد وطنية في البحث العلمي وتكوينها، وبخاصة البحث الأساسي، وهذا لا يتطلب، فحسب، تخصيص الموارد اللازمة لإنشاء المؤسسات البحثية، ولتكوين العلماء، وكفالتهم وتأمين معايشهم، بل يتطلب في الأهم دعم الثقافة العلمية العامة وتشجيعها، بدءًا من نشر المعرفة العلمية، والبحث في تاريخ العلوم وفلسفتها وتدريسها، وحتى فسح المجال للكتابات العلمية ذات المستوى المتجاوز للنقل والترجمة. ولا يمكن الكلام عن المجتمع العلمي من دون الكلام عن البحث العلمي نفسه، فالمجتمع العلمي يكون موجودًا عندما توجد تقاليد وطنية في البحث العلمي تُ هد لإيجاد هذا المجتمع، وتُقدم له الخصائص التي تُ يزه. إذا ما انعدمت هذه التقاليد في البحوث فلا يبقى سوى كمية من المعلمين، وتَجمّع من التقنيين ذوي تكوين متساوٍ في تنافره وفي عدم تجانسه. أما إذا وجدت التقاليد العلمية الوطنية، فإنها تظهر في أسماء العلماء، وفي عناوين مؤلفاتهم، وفي المواضيع التي طوروها، والتجديدات النظرية والتقنية التي قاموا بها30. والحقيقة أن الضمانة الوحيدة لأي نظام اجتماعي هو التحرر المنهجي من التبعية بكل أشكالها، وهو تحرر معرفي في الأساس، من خلال توطين المنهجية الخاصة، وتحقيق استقلاليتها، والانطلاق منهما
لتجديد فروع العلم وتأسيسها وتطوير نظرياتها. وفي التراث العربي ما يمكن به تحقيق ذلك وأكثر، ففرع "أدب القضاء" وحده، وهو يشبه إلى حد كبير علم "المرافعات القضائية" المعروف في كليات الحقوق والقانون، وفي المجتمع العلمي القانوني المعاصر، مع استقلالية وتميز خاصين؛ لعدم انفصال دائرة العلم فيه عن دائرة القيم، يتضمن أكثر من مئة مصنف، تعد من أفضل ما قدمته الإنسانية في علم القانون، وليس كما يظن بعض الباحثين أن الحضارة العربية لم تقدم أيّ مساهمة حقيقية في هذا الشأن، أو أن مساهماتها لا تعدو سوى مساهمة بمجموعة من الواجبات الدينية والأعراف الإنسانية التي تناولها الفقه بالشرح والتعليق، وهو ما أدى إلى حسر حقل المعرفة العربية، وحصر التراث العربي في دوائر نقاش ضيقة، اختزلته موضوعيًّا في بعض القضايا الجزئية. أدب القضاء فبعنوان كَتب أبو يوسف القاضي (ت. 182 ه)، والقاسم بن سلام (ت. 224 ه)، وابن سماعة (ت. 233 ه)، والخصَّاف الشيباني (ت. 261 ه)، وابن جرير الطبري (ت. 310 ه)، والقدوري.(ت 428 ه)، والماوردي (ت. 450 ه)، والسروجي (ت. 710 ه)، وغيرهم كثير، وبعض هذه المصنفات تعاقبت عليه عشرات الشروح أدب القاضي لأبي يوسف والمختصرات، مثل: شرح، وشرح أدب القاضي للخصَّ اف الذي زاد على عشرة شروح وحده. وكذلك دونوا عددًا من المصنفات في تاريخ القضاء، رصدوا فيها تطور الوظيفة، وتجارب القضاة وخبراتهم وأحوالهم، وكثيرًا من السوابق أخبار القضاة القضائية؛ فعنوان نجد فيه أخبار قضاة البصرة لمعمر بن المثنى (ت. 209 ه)، وأخبار قضاة بغداد لابن الساعي البغدادي.(ت 674 ه)، وقرطبة لابن بشكوال (ت. 578 ه)، ودمشق للذهبي.(ت 748 ه)، ومصر لابن الملقن (ت. 804 ه)، وغيرها كثير. فضل عما كُتب في الترجيح بين البينات، وفي العقود، وفي أدب الشهود، وفي الخبرة، وفي علم الوثائق والتسجيلات، وغير ذلك عشرات الموضوعات والعلوم الفرعية. فهذه كانت علومًا قانونية صرفًا بالمصطلح الحديث للقانون، تحدوها مناهج متعددة في الفهم والتأويل، لكنها ترتبط في النهاية بمركزية الوحي التي جعلتها متحررة من كل تعسف سلطوي وتبعية غربية؛ فالمذاهب الفقهية مناهج استنباط وتأويل لقواعد قانونية من مصادرها. بل حوت هذه الذخائر مئات المعالجات الدقيقة للمسائل القانونية، حتى غدت جزءًا متميزًا أصيلً، استفاد منه الشرق والغرب، ولا أدل على ذلك مما ذكره علي حيدر، الأستاذ في مدرسة الحقوق في الآستانة، وأمين الفُتيا في العهد العثماني، في كتابه درر الحكام شرح مجلة الأحكام من قوله: "وقد استُفْتِيَتْ دارُ الاستفتاء هذه في بعض الأحوال من قبل ممالك أوروبا في بعض المسائل الحقوقية الغامضة"31. لقد تخطت المساهمات العلمية التي قدّمها التراث العربي فكرة التنظير؛ إذ تمتعت بقيمة سلطوية وفاعلية واقعية، اعتبُر فيها العلم مصدرًا أساسيًّا من مصادر التشريع، واكتسبت بموجبها مؤلفات العلماء قوة القانون، فقد كان العلم القانوني هو الضامن لاستقرار التشريع واستمراره، ففرضت سُلطة العلماء نفسها على الأفراد والدولة؛ لذلك، لم تعانِ المناهج العلمية أزمة في الفاعلية، أو أزمة وظيفية. ونزعم أنها التجربة التاريخية الوحيدة التي ارتقى فيها العلم إلى هذه المنزلة، السياسية في الأساس. وهذا الأمر، بخاصة، يمكن أن نرجعه إلى أسباب عدة، أهمها أن صناعة القواعد القانونية التفصيلية، المتمثلة في الفقه الإسلامي، كانت نابعة من الواقع وملتصقة به، فهي نظام قانوني ذو سيولة غير محدودة بمكان ولا زمان ولا أشخاص ولا موضوعات، فنجده يتضمن عبادات ومعاملات وأحوالً، ولكلٍّ منها إطارٌ تجري فيه، وخصائص، وأطراف، ترتب حقوقًا والتزامات متباينة. ولا نقصد بذلك التحول إلى عقلية ماضوية غارقة في زمن مضى، بل نعني الاستفادة من عناصر الماضي العقلانية ومنجزاته المعرفية؛ لتأسيس معرفة معاصرة وإنتاجها، بعيدًا عن تكلسات التبعية وأدواتها المنهجية الاقتباسية التي تجتر من بيئات منبتّة الصلة عن ماضي الأُمة وحاضرها (واقعها.) فالفقه الإسلامي كان ثمرة نشاط فكري وعقائدي غني امتدّ قرونًا عدة، وأخفى في نفسه كل إمكانيات الفكر المزدهر للإمبراطورية الشاسعة التي شكّلها العرب، ومن خلال هذا الفكر وُضِ عتْ معايير بلورت نموذجًا علميًّا، وإطارًا منهجيًّا للمفكرين المسلمين. في المقابل، لا نقصد قطع كل الصلات بالمعرفة الغربية، فهذا مما لا يُقبل أو يُعقل في مسار العلوم وحركتها، لكن نعني الدخول في عمليات مثاقفة حضارية حقيقية، تجمع بين الفهم والتعقل (الاستيعاب)، وبين النقد والنقض والتتميم والبناء (المشاركة)، مع إدراك تام للثوابت والمتغيرات ومراعاة للفروق والفوارق، فيؤدي ذلك إلى إعادة إنتاج المفاهيم وتطوير النظريات. بناء عليه، فحدوث التوطين المنهجي رهن أمرين: الأول إبراز الخصوصية الثقافية، وذلك من خلال آليتينِ: أولاهما التعريب الصحيح الجيد للعلوم؛ فلا يُ كن دعم العقلية العلمية والثقافة العلمية، بل
التعليم الحقيقي، من دون تعريب منهجي جيد لكل ضروب التعليم. وثانيتهما تطوير النماذج المعرفية للعلوم العربية الأصيلة التي استُخدمت في فهم الحياة وتفسيرها، بأبعادها المختلفة، وأهمها، بلا شك، علم أصول الفقه الذي "نظَّم ونظَّر للتفكير البشري"، على حد تعبير خضر لشهب32. ويتمثّل الأمر الثاني في تحديث البحث الأساسي في التعليم وتطويره، وليس البحث التخصصي والتطبيقي، فحسب. فمن دون تبني هذه الأمور التي يلزم تكاملها وتضافرها، في ما بينها، لتُمثل سياسة عامة، لن يحدث توطين للمنهجية العلمية، ومن ورائه أي تقدم حضاري، ولن يُجدي عن ذلك الاهتمام بالصناعة والتكنولوجيا؛ إذ ثبت إخفاق هذا المنطق، كما أخفق منطق نقل العلم واستيراد التقنيات، والاعتماد على فتات المساعدة التي يقدمها الآخرون؛ إذ يجب الأخذ بمنطق التملك والتوطين للعلم، بعدّه بديل حضاريًا، لا مناص منه، من منطق الاتكال. وتملّك الحاضر لا يُ كن أن يحدث من دون تملّك الماضي، ماضي العلم، ولا سيما في الحضارة العربية، وهو لا يشمل تاريخه في المقام الأول، فحسب، بل لغته وفلسفته وأ سسه المنهجية أيضًا. وهذا شرط أساسي من شروط بناء الثقافة العلمية ونشرها؛ فالتراث الإسلامي، على حد تعبير رشدي راشد: "لم يكن لغةً ودينًا وأدبًا فقط، بل كان أيضًا علومًا وفلسفةً ومنطقًا، وهنا وهناك كانت أصالة هذا التراث في عالميته"33.
خاتمة
لا نبالغ إذا ما اعتبرنا علم القانون الميدان الأرحب للأزمات المنهجية التي اعترت العلوم الاجتماعية في الوطن العربي، وكما أن علاقة المعرفة بالاستعمار أضرت علم القانون، وأضرت المجتمع العلمي العربي عقودًا طويلة، فكذلك كانت علاقة المعرفة بالسّلطة؛ إذ كانت وريثة الاستعمار في التأثير والتبعية. ولا يعني هذا أننا ننكر تأثير عوامل الخلل الوافر في الخبرة التدريسية، والتأليف المدرسي، وأساليب التدريس، ومنظومة تحصيل الشهادات والدرجات العلمية، وأبنية التعليم وغيرها، في اتجاهات العلوم، وتطوير النظريات والنماذج المعرفية، وتحديد مواقعها في البناء الاجتماعي، بل كل هذا مما أثر فيها، ولا بُد منه، ويُ ثل جزءًا من مستقبل الحل. لكن تحقيق الانفصال المنهجي بين المركزية الغربية والمجتمع العلمي العربي، والتحرر المعرفي من التبعية السلطوية، يُ ثل أول رقم في رزنامة تحديات العلوم الاجتماعية، وكل التحديات التالية إنما هي فرع من أول تحد.ٍّ وإن أولى خطوات التحرر المعرفي في العلوم الاجتماعية، ومنها علم القانون، تبدأ من حيث قويت المدرسة النقدية في المجتمع العلمي، وتشعبت مساراتها، واشتد عودها. وإن كل خطوة تُتخذ، على طريق إصلاح المناهج، ورفع كفاية المجتمع العلمي، هي خطوة على طريق مة، وتوجيهها نحو النهوض والتقدم تحرير الأ.
المراجع
العربية
الألباني، محمد ناصر الدين. سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها. الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع،.1995 بوتيفو، برنارد. الشريعة الإسلامية والقانون في المجتمعات العربية. ترجمة فؤاد الدهان. القاهرة: دار سينا للنشر،.1997 بيهم، محمد جميل. الانتدابان في العراق وسورية: إنكلترا - فرنسا. صيدا: مطبعة العرفان،.1931 المدخل لدراسة العلوم القانونية حجازي، عبد الحي.. القاهرة: المطبعة العالمية،.1966 الشريعة: النظرية والممارسة والتحولات حلاق، وائل.. ترجمة كيان أحمد حازم. بيروت: دار المدار الإسلامي،.2018 يي درر الحكام في شرح مجلة الأحكام حيدر، ع.. الرياض: دار عالم الكتب،.1991 علم أصول الفقه خلاف، عبد الوهاب.. ط 8. القاهرة: مكتبة الدعوة [د. ت.].
خليل، إمام حسنين. علم القانون في البلدان العربية: دراسة في الموضوعات والمناهج. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2014 الخولي، يمنى طريف. نحو منهجية علمية إسلامية: توطين العلم في ثقافتنا. بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع،.2017 في الرياضيات وفلسفتها عند العرب راشد، رشدي.. ترجمة يمنى طريف الخولي. القاهرة: دار الثقافة،.1994 المستقبل العربي ________. "الوطن العربي وتوطين العلم.". السنة 31. العدد 354 (آب/ أغسطس.)2008 دراسات في تاريخ العلوم العربية وفلسفتها.________. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011 زين العابدين، محمد وفيق. "حجية وسائل الاتصال الحديثة والوسائط المساندة في الإثبات الجنائي: دراسة مقارنة." رسالة دكتوراه. كلية الحقوق. جامعة المنصورة،.2018 السجستاني، سليمان بن الأشعث الأزدي. سنن أبي داود. حقّقه وضبط نصه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه شعيب الأرنؤوط ومحمد كامل قروبللي. بيروت: دار الرسالة العالمية،.2009 سوبيو، آلان. الإنسان القانوني: بحث في وظيفة القانون الأنثروبولوجية. ترجمة عادل بن نصر. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2012 طاهري، بلخير. أثر القواعد الأصولية في تفسير النصوص القانونية. بيروت: دار ابن حزم،.2008 كتاب أكسفورد للقانون المقارن. ماثياس ريمان ورينهارد زيمرمان (محرران.) ترجمة محمد سراج. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2010 المدخل إلى القانون كيرة، حسن.. الإسكندرية: منشأة المعارف،.1969 مهورباشة، عبد الحليم. "أزمة العلوم الاجتماعية في العالم العربي." مجلة الدراسات والبحوث الاجتماعية. مج 2، العدد 1 (كانون الثاني/ يناير.)2014 ندوة تاريخ العلوم في الإسلام. تنسيق إدريس نغش الجابري. الرباط: الرابطة المحمدية للعلماء؛ مركز ابن البنا المراكشي،.2014 هيكوك، روجر [وآخرون] (محررون.) البحث النقدي في العلوم الاجتماعية: مداخلات شرقية – غربية عابرة للاختصاصات.. بيرزيت: معهد إبراهيم أبو لغد للدراسات الدولية،.2011
الأجنبية
Laoust, Henri. Les schismes dans l'Islam: Introduction à une étude de la religion musulmane. Paris: Payot, 1965. Morabia, Alfredo. "La notion de jihad dans l'Islam médiéval, des origines à Al-Ghazali." PhD. dissertation. Thèse présentée devant l'Universite de Paris IV. Service de reproduction des thèses. Universite de Lille III, 1975. World Social Science Report: Knowledge Divides. Paris: International Social Science Council; UNESCO Publishing, 2010.