"عطب الذات: وقائع ثورة لم تكتمل، سورية 2011 - 2012 "
عنوان الكتاب: عطب الذات: وقائع ثورة لم تكتمل، سورية 2011 - 2012 المؤلف: برهان غليون. سنة النشر:.2019 الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت. عدد الصفحات: 526 صفحة.
"The Shortcomings Within Chronicles of an Unfulfilled Revolution Syria 2011 - 2012 "
مقدمة
يقدم كتاب عطب الذات: وقائع ثورة لم تكتمل، سورية 2011 - 12 20 شهادة شخصية لمؤلفه برهان غليون، الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري، على أحداث الثورة السورية بمجرياتها وتطوراتها والفاعلين فيها، ويصوّر فيها ما جرى من موقعه فاعلً سياسيًا في الحدث. تكمن أهمية الكتاب في كونه مراجعة لشِقٍّ هُمِّش دورُه أو لم تركز الدراسات عليه، مقارنةً بالتركيز على الدور الخارجي للقوى المتدخلة في الملف السوري؛ هذا الشق هو الشق السوري، وبالأخص المعارضة السورية. فتأتي هذه الشهادة لتضع فاعلً داخليًا رئيسًا تحت المجهر، وتفكك منطلقاته وتحلل ممارساته، لرصد دور هذا الفاعل في مسار الأحداث ومآلاتها على نحو يتكامل مع دور العامل الخارجي. يقول غليون، في إجابة عن سؤال وجّهه الكاتب لأغراض هذه المراجعة، عمّ إذا كان موضوع الكتاب يدور، أساسًا، حول وقائع الثورة أم المعارضة: "الإشكالية الرئيسية التي يعالجها ويسعى إلى دراستها وتفسيرها هي الكارثة، أي أن يجيب على سؤال يجسد خصوصية الثورة السورية وهو كيف تحولت ثورة شعبية وسلمية تحررية إلى كارثة إنسانية وبيئية تسببت في قتل أكثر من مليون إنسان وتدمير نصف العمران السوري وتشريد نصف السكان، في داخل البلاد وخارجها وتهجير الملايين إلى الخارج؟"1. ومن أبرز ما يقدمه الكتاب استعراض أحداث الثورة خلال عامي 2011 و 2012 على أنها من الأسباب الرئيسة لفشل الثورة، حيث فشلت المعارضة السياسية لأسباب عديدة في التقاط اللحظة التاريخية وامتلاك زمام المبادرة وإمساك الدفة وقيادة السفينة إلى ميناء الحرية. تقدم هذه المساهمة مراجعة نقدية للكتاب وتنقسم إلى جزأين، يقدم الجزء الأول مراجعة لفصول الكتاب بأهم ما جاء فيها من طروحات وتحليلات. في حين يبتعد الجزء الثاني عن التفاصيل والموضوعات المسهبة في الكتاب، لتناول مساهمته المعرفية والاشتباك معها نقديًا. ويطرح أربع مسائل إشكالية، إما أنها تغيب في الكتاب أو تُطرح جزئيًا من منظور ضيق.
الجزء الأول: الكتاب في مضمونه
قدّم غليون كتابه بأسلوب جزل، تتدفق عباراته بغزارة، شارحة أفكارًا وأحداثًا بإسهاب كبير، حتى إن السرد يبدو في مواقع كثيرة أطول من اللازم؛ ما يضطر القارئ إلى أن يعيد القراءة أكثر من مرة حتى يتيقن من الهدف. ويكثر الكاتب من إعادة التقييم والتحليل لوقائع وأحداث وشخصيات ودول وأحزاب، مرات عدة في أماكن مختلفة، منها مثلً: اختلاف المعارضة الإسلامية والعلمانية، والإسلامية فيما بينها، والعلمانية فيما بينها، وذكره صفات الأسد الأب والابن، وتسلط الأمن، ودور إيران وروسيا، من دون هدف واضح من ذلك، في تقديري، سوى غرسها في وعي القارئ. ويتسم الكتاب بنوع من جلد الذات كما هو واضح من العنوان، وشبه إقرار بفشل الثورة؛ ما جعل الصدق في السرد ووضوح الصورة سمة غالبة، لأنه لم يعد هناك من داع غير التسجيل للتاريخ. ويلاحظ أيضًا أنه لا يوجد ادعاء للحكمة بأثر رجعي، مع أن النقد يغيب عن ذات الكاتب وهو فاعل مهم في المعارضة وجزء منها. وكل ذلك لم يعدم بعض الأخطاء، هنا وهناك، في إيراد بعض الوقائع. يتناول الفصل الأول تشكّل شخصية الكاتب السياسية، وكيفية ذلك، بدءًا بعمله رئيسًا للجمعية العربية لحقوق الإنسان، وقبلها من خلال عمله مع المنظمات الفلسطينية في الستينيات من القرن الماضي، ثم يتناول كيف وصل الأسد الأب إلى السلطة باقتضاب، وكيف أجرى تحويلً في الحياة السياسية وفي المجتمع، وكتمه الحياة السياسية في البلد، ثم وصول الأسد الابن إلى الحكم، وكيف بدأ نوعًا من النشاط في الحياة السياسية رغم الضغوط الأمنية التي ساهمت في الحد منها، وهيمنة الأسرة الحاكمة على الاقتصاد؛ ما مهد لبداية الثورة في عام 2011، ثم تشكّل المجلس الوطني الذي هال الكاتب ما فيه من مساوئ، حيث يقول: "لكن ما إن وطئت قدماي قاعة المؤتمر حتى تراجعت، وانسحبت، لما شاهدته من طغيان تيار واحد على الحضور، وبعد مفاوضات طويلة قبلت، مراعاة للداعين والمدعوين، أن أدخل القاعة كضيف" (ص. 76) يبدأ الكاتب هنا التمهيد للصورة المأساوية التي سيرسمها لتطور الأحداث فيما بعد، وما سببته للثورة من مشكلات وأعباء ترتبت عليها، من دون أن يؤثر ذلك في المعارضة أو يدفعها لتحسين أدائها، بما يتلاءم مع تضحيات الناس وآلامهم. يصور الفصل الثاني العمل ضمن المجلس الوطني، وكيف أن المعارضة بشقيها الإسلامي (الإخوان المسلمون) والعلماني وحتى المثقفين، كانت تهتم فقط بالحصول على المغانم وتراكم الأرصدة، من دون الاهتمام بالثورة تخطيطًا وإرشادًا وقيادة، وكأنّ الأمر لا يعنيهم، وكيف كانوا يختلفون حيث تكون الامتيازات حتى في التصويت، فيقول: "فعلمت والدموع تغلبني إلغاء التصويت الأول والثاني" (ص. 141)
ثم يتحدث كيف دخل العسكر المعمعان وبروح المعارضة السياسية نفسها، وكيف كانت الامتيازات والغنائم هي الشغل، وأن من يحصل على شيء لا يتنازل عنه مهما كانت العوائد والفوائد. فالعقيد الأسعد يقول: "أنا من بنى الجيش الحر وما بنيته لأعطيه لأحد" (ص. 123) ويصل في نهاية هذا الجزء إلى بداية فشل المعارضة السياسية في امتلاك زمام المبادرة وأخذ دورها في قيادة الثورة وتقديم نفسها بديلً من النظام يمكن التعامل معه؛ ما يؤدي إلى مزيد من الدعم الدولي وعزلة النظام وزيادة الضغوط عليه لانتزاع ما اغتصبه. فيقول: "فخسرت الثورة المعارضة والرهان الاستراتيجي الأهم" (ص. 150) إن هذه الخسارة تعني عدم الحصول على القدر الكافي من الشرعية الدولية للمعارضة، وتفاقم عنف النظام، وانغلاقه على الحل العسكري فقط من دون أي مجال للسياسة. يناقش الفصل الثالث كيف تفاقم الانقسام بين المعارضة واستفحل النزاع على المصالح بدافع الأنانية غير المسؤول، حتى يئس الكاتب من التوصل إلى خطة عمل وأجندة موحدة للمعارضة. وهذا ما دفعه إلى إعلان الفشل داخل المجلس فيقول: "وما منينا به من فشل، داخل المجلس الوطني وعموم المسار الوطني، وجعلنا نخسر قضيتنا هو انهيار هذه الأجندة كما سيظهر لاحقًا" (ص. 161) ثم يبين الكاتب أسباب الفشل، فيصور ولادة معارضة داخل المعارضة، تعارض المعارضة، وهو ما قامت به هيئة التنسيق في رأيه. ثم يأتي الانشقاق الكردي، رغم وجود تناقضات بين مكونات الكرد في سورية. ويجعل الكاتب من عدنان العرعور أحد الأسباب الرئيسة للفشل، ويطيل في شرح ذلك، مركّزًا على إمكانياته المادية والشخصية، غير أن هذا لا يبدو مقنعًا للقارئ، فهل فعلً تمكن شخص واحد في قناة إعلامية واحدة من أن "يتحول إلى مفتي الثورة وقائدها الفعلي"؟ (ص. 188) عرض الكاتب في الفصل الرابع العنف الذي بدأ به النظام بالتصدي للمدنيين السلميين والإفراط فيه؛ ما مهّد لقبول الناس بتدخل خارجي رغم معارضتهم له في البداية. وأوضح أن المجلس الوطني، حين اقتنع بعدم وجود إرادة دولية للتدخل، ظل يعلل نفسه بدعم نوعي للتصدي للنظام، وهذا ما دفع لعسكرة الثورة. وبيّ الكاتب كيف أن ضعف الإمكانات في دعم الجيش الحر أدى إلى أسلمة العمل المسلح، الذي وجد في الإسلاميين والجهاديين ما يحتاج إليه من دعم، وكيف بدا ذلك ملائمًا للنظام. وهكذا يبيّ الكاتب كيف غدت الثورة إسلامية بعكس ما بدأت به، يقول: "لم يكن الإسلاميون يتبوؤون أي موقع في الأشهر الأولى من الثورة ولم تحتل شعاراتهم أي مساحة في أعلام الثورة أو شعاراتها" (ص. 274) يعود الكاتب في الفصل الخامس للحديث عن المعارضة؛ فيبدأ بالإخوان المسلمين، ويبين قدرتهم على التنظيم والعمل بسبب تجربتهم الطويلة وخبرتهم، وكون قياداتهم تملك هامشًا من الحرية بسبب وجودها في الخارج. أما المعارضة العلمانية، فيصفها بالضعف والتقصير الشديدين، وينسب إليها دورًا سلبيًا جدًا في العمل الثوري؛ إذ يقول: "لم تنجح النخب العلمانية خلال الثورة في أن تبني أي مؤسسة لها ولكنها ساهمت مساهمة كبيرة في تخريب مؤسسات المعارضة التي تكونت في ظروف استثنائية" (ص. 320) وهذا التصور هو استمرار لما كان الكاتبُ قد قدّم به عن المعارضة العلمانية السورية. وفي الفصل السادس، يعرض الكاتب دور القوى الإقليمية والدولية في الثورة السورية، فيبدأ بموقف القوى الغربية، التي يرى أن الديمقراطية لا تعنيها إلا في دولها فقط، وأنها تستخدمها للهيمنة على دول العالم، الذي لا يعني الغرب منه سوى المصالح؛ لذا فقد كان تخليه عن الثورة السورية لا يرافقه أي وخزة ضمير. أما الموقف الروسي، فيرى الكاتب أنه لا يقوم على مطمع محدد، بل إن روسيا تستخدم "الأزمة السورية من أجل تركيع الغرب وإذلاله وإظهار عجزه وحيرته أمام تحدي روسيا له في سورية" (ص. 338) أما تركيا التي لا بد من أن تكون أول المتأثرين بالأحداث بسبب الروابط التاريخية والجغرافية الموجودة أصلً، ثم الأعداد الكبيرة للاجئين إليها، فقد بدأت موقفها بنصح النظام، ثم تطور إلى العداء. ولا يغفل الكاتب حساسية تركيا من الوضع الكردي وتأثيره البالغ فيها. أما بالنسبة إلى دور إيران، فيبدأ الكاتب بسرد العلاقة بإيران ومراحل تطورها خلال حكم الأسد الأب، ثم يبين أنها أخذت بعدًا جديدًا أشد وأمتن خلال حكم الأسد الابن، وكيف ساندت إيران النظام منذ بداية الثورة مساندة مطلقة. ويقتبس الكاتب تصريح رجل الدين الإيراني مهدي طائب، ليلخّص من خلاله المدى الذي ستبلغه إيران في دعم الأسد، إذ يقول: "سورية هي المحافظة رقم 35، وهي تعد محافظة استراتيجية بالنسبة لنا، فإذا هاجمنا العدو بغية احتلال سورية أو خوزستان، الأولى بنا أن نحتفظ بسورية" (ص. 409)، والهدف من ذلك استراتيجي: "الاستثمار السياسي والعسكري والديني الأكبر والأهم في تاريخها" (ص. 410) ويتطرق الكاتب إلى دور حزب الله بأنه ليس أكثر من كونه أداة إيرانية وحسب. أما الدول العربية والخليج، فقد حاولت الحل السياسي والنصح أولً، ثم أخذت خيارًا آخر سبّب جملة من التناقضات، فهي لا تريد دولة عربية ديمقراطية، وهي لا تطيق الأسد الذي طالما وصفهم بأنصاف الرجال، كما أن تناقض أجندتهم وتهيبهم
من الولايات المتحدة الأميركية يؤخذ دومًا في الاعتبار، إضافة إلى أن مقاومة المد الإيراني في سورية جزء من أمنهم القومي، فما عسى أن تفعل هذه التناقضات إلا جملة من التناقضات العملية والأخطاء الكارثية؟ يقول الكاتب: "في النهاية وقع الخليجيون في الأخطاء ذاتها التي وقع فيها الثوار السوريون وللأسباب ذاتها وهي تعدد الأهداف والغايات وتباينها" (ص. 432) يعود غليون، في الفصل السابع، إلى النظام، فينسب إليه ما حدث في البلاد من كوارث أولً، ثم تأتي أهداف إيران وروسيا، وتردد الغرب في التدخل، وكارثية فشل المعارضة في الاتحاد والفعل الإيجابي، معلل هذا الفشل بالظروف الموضوعية التي نمت فيها هذه المعارضة ضمن حكم آل الأسد. وينهي الكاتب كتابه بخاتمة يعرض فيها ما رمى إليه في كل فصل من فصول الكتاب، ليخلص إلى نتيجة أساسية، وهي: إن الثورة هي الخطوة الأولى التي لا بد منها لبناء الدولة.
الجزء الثاني: ما بين عطب الذات وأسباب الفشل
يسلط هذا القسم من المراجعة الضوء على أربع مسائل مهمة في تقديري، أغفلها الكتاب، أو تناولها بشكل جزئي ومن منظور ضيق، وهي ترتبط مباشرة بالذات الاجتماعية التي يستعرضها. المسألة الأولى هي عدم كفاية تبرير الإخفاق المأساوي للمعارضة بالعطب الأخلاقي الذي تعانيه بحسب افتراض الكاتب، ومن ثم، عدم كفاية تبرير ذلك العطب بانعدام مفترض للوعي السياسي والوعي بالشأن العام، نتيجة تاريخ من الحرمان السياسي والقمع. والمسألة الثانية هي عدم الحديث عن المرحلة التي ينتقل منها المثقف إلى العمل السياسي، وهي المرحلة التي مرّ بها الكاتب وفي مرحلة تاريخية حرجة، فهو الأولى بمثل هذه المراجعة وتشخيصها. أما المسألة الثالثة، فهي عدم وجود خطة بديلة، أو خط رجعة على الأقل، لتكون مواجهة واقعية لحتمية الفشل في لحظات حاسمة. والمسألة الرابعة هي تصوّر مختلف لإخفاق المعارضة، يتساءل عن الإخفاق على مستويات أبسط في العمل السياسي. ولا بد من الإشارة إلى أن المسألتين الثالثة والرابعة تحيلان إلى المسألة الثانية الغائبة عن المراجعة النقدية في شهادة الكاتب.
1. عطب الذات: تفسير مطوّل غير مكتمل
في تقديري، إن موضوع الكتاب الرئيس هو تفسير فشل المعارضة على مختلف الصعد، والذي يُرجعه الكاتب إلى أسباب ذاتية واجتماعية، يربطها بانعدام الثقة والأنانية والابتعاد عن المسار الذي يفترض بالمعارضة أن تسلكه، معللً ذلك بالقول: "أنه لم يكن في سورية شعب بالمعنى السياسي للكلمة" (ص. 515)، وإنما شعبٌ "حُطّمت أشكال وعيه الموضوعية والعقلانية في مدارس عبادة الشخصية وكتاتيبها" (ص. 519) وهذا بدوره أفرز، في رأيه، نخبًا اجتماعية منزوعة السيادة، يعدّها الكاتب: "نخبة بدون هوية ولا ذات" (ص. 501) ويعزو ذلك إلى سلب النظام السيادة من الشعب والدولة، لتتحول الدولة إلى بلاط تتنافس فيه "الحاشية" - ويقصد بها النخب الاجتماعية - على التفكير في المصلحة الخاصة وفق ما يحدده لها النظام ويسمح به. من خلال تحليل الظروف التاريخية للعقم السياسي الذي عاشه الشعب والنخب في سورية على مدى عقود، يخلص غليون إلى أن النخبة السياسية في الثورة كانت "بقايا من ثقافة العبودية" (ص. 509)، شكّلت بدورها، لدى مختلف النخب السياسية التي نشطت في بدايات الثورة، حالة من "انعدام الوعي بمعنى خدمة الشأن العام، وغياب الشعور بالمسؤولية" (ص. 507) ويوحي الكاتب بتوقّع ما ستؤول إليه الأمور نتيجة لذلك، فيقول: "ما كان من المتوقع أن ينجح شعب، جُرّد من هويته السياسية، وعُقّم سياسيًا ومدنيًا[...]في إنتاج ممارسة اجتماعية وسياسية وطنية وعقلانية ومدنية من العدم" (ص. 519) وبهذا الشكل يقدم غليون الشعب بوصفه ضحية النظام التي استلب منها الوعي السياسي، لتنتج نخبًا اجتماعية وسياسية عقيمة وطنيًا وعاجزة عن الوعي بالشأن العام ومصالحه، لتتحمل المعارضة، وفقًا لهذا التحليل، وزرًا كبيرًا في مآلات الثورة السورية. ينطوي هذا التحليل التاريخي للظروف الثقافية والاجتماعية والسياسية، التي أدت إلى وأد الهوية والذات الوطنية الواعية بشأنها العام، بحسب رأي الكاتب، على إشكاليتين رئيستين. تكمن الأولى في التناقض الذي يقع الكاتب فيه، فبعد كل التمهيد لتاريخ العقم السياسي الذي عاناه الشعب ونخبه وأدّى إلى تحويلهم إلى "حاشية" للبلاط، مما أفشل الشعب والنخب في التوحد والعمل لمصلحة ثورتهم، يعود الكاتب ليقدم الشعب في بداية الثورة بوصفه شعبًا تجاوز كل أزماته الثقافية والاجتماعية والسياسية، وامتلك ما يكفي من الوعي ليندفع على نحو مثالي نحو قضية موحدة للتحرر من روح العبودية، ليتحول بذلك الشعب، بحسب قوله: "إلى طرف واحد، انصهر فيه الجميع" (ص. 517)، ثم يُتبِع هذا بقوله: "ولد الشعب السوري الجديد مرة واحدة وسقط نظام العبودية إلى الأبد" (ص. 517) وأما هذا التناقض فيطرح، في رأيي، سؤالً مهمً عن تشخيص الكاتب لوعي الشعب، فإذا كان "فشل الشعب" راجعًا إلى عقمه السياسي وعقود الحرمان التي عاشها في إنتاج ممارسة مدنية متوقعًا، فكيف ينجح في الوقت نفسه، على نحو استثنائي في لحظة تاريخية، في إنتاج ذلك؟ وسؤال مهم آخر
قد يُطرح في هذا السياق: إذا كان الشعب قد تمكن من الاتحاد والتقدم بروح وطنية صوب أهدافه، فكيف تفشل نخبه السياسية في ما هو أبسط من ذلك، في وقت تشترك مع الشعب في النشأة السياسية "العقيمة" كما يرى الكاتب؟ وهي النشأة التي يعلل بها الفشل المدوّي للنخب السياسية بمختلف تشكيلاتها. رغم هذا التناقض، يمكن القول إن خلاصة تحليل الكاتب تفضي إلى أن الشعب ونخبه الاجتماعية والسياسية كانوا محكومين مسبقًا بالفشل لافتقارهم إلى الحياة السياسية التي تشكل الوعي اللازم لإنجاح العمل الوطني المدني المتّحد. ومع ذلك ينجح الشعب في لحظة استثنائية، بينما تفشل المعارضة في اللحظة نفسها، رغم أنها نشأت في الظروف السياسية ذاتها التي نشأ فيها الشعب. وهنا تكمن الإشكالية الثانية، حيث لا تعود ظروف النشأة كافية لتفسير "عطب الذات" المفترض، فلماذا تصلح للشعب ذاته بعد عطب طويل، بينما تزداد النخب ذاتها عطبًا، رغم ظروف النشأة السياسية المشتركة واللحظة الثورية التاريخية؟ يبني الكاتب منهجه، في الاستدلال على الذات المعطوبة، والوعي السياسي المنعدم لدى الشعب والنخب، على ممارسات تلك الفواعل ونتائج ممارساتها المتمثلة بالإخفاق. ولا يفسرها إلا بتاريخ القمع الذي تشكلت فيه، ومن ثمّ فإن أي نجاح للمعارضة والنخب أو الشعب في امتلاك الوعي أو العمل الوطني المشترك سيناقض فرضية الكاتب، التي تقول: إن الذات التي نشأت في ظروف حرمان سياسي ستفشل سياسيًا ووطنيًا، بوصف ذلك نتيجةً حتمية لسيرورتها تاريخيًا، ومثال ذلك نجاح الشعب في الأشهر الأولى في امتلاك وعي سياسي مكّنه من الاتحاد في سبيل قضيته الوطنية، بحسب رأي غليون. ويُضاف إلى ذلك السؤال: أكان يشترط في الشعب امتلاك كل ما حرم منه تحت وطأة الاستبداد حتى يتمكن من النجاح في الصراع ضده، أم أنه يحتاج ذلك في مرحلة "ما بعد الاستبداد" ليتمكن من التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية؟ ومن ثمّ، هناك حاجة إلى إطار نظري وبحث علمي عند طرح مثل هذه الفرضية على الحالة السورية. في ظل الفرضيات التي يقدمها الكاتب عن فشل الشعب والنخب والأسباب الذاتية التي أدت إلى ذلك الفشل، تبرز حاجة إلى تحديد إطار مفاهيمي ل "الشعب" و"النخب" و"الذات" والفرضيات حولهم؛ فرغم التفصيل الذي يعرضه الكاتب لمختلف القوى السياسية، فإنه في النهاية يحكم على الجميع بالحكم نفسه وهو الفشل، ويعزوه إلى الأسباب التاريخية ذاتها المرتبطة بالظروف التي عاشها الشعب والنخب، وكأنه يعدّ في الخلاصة الواحد كلًّ والكل واحدًا. وعند تحليل ممارسات فواعل اجتماعية وسلوكياتها، سيكون من المهم تحديدها وتعريفها، ومن ثم تحليل أفعالها من خلال أدوات سوسيولوجية تقدّم ما هو أكثر من تعليل النتائج بأزمة ذاتية، ناتجة من سيرورة تاريخية، لم يكن هناك بد من تجاوزها، لتكون الثورة وفق ذاك التحليل محكومة بالفشل سلفًا.
2. من المثقف إلى السياسي: مرحلة الانتقال المهمّشة
في الكتاب، تغيب مراجعة مرحلة مهمة من تاريخ نخب المعارضة وتاريخ الكاتب نفسه، وهي المرحلة التي ينتقل فيها الفاعل من دور المثقف إلى السياسي. وفي تقديري، تحتاج تلك إلى تشخيص دقيق ومراجعة ذاتية صريحة. فكبرى أزمات المعارضة التي يستعرضها الكاتب تؤكد حساسية هذه المرحلة، كتلك التي يعترف فيها أن النخبة التي كان يعول عليها قبل وعند التحاقه بالمجلس الوطني رئيسًا، قد خيبّت آماله بسبب ركاكة أدائها، إلى درجة أنها أعادت الصراع التاريخي بين تيارين في المعارضة وهما في رأيه: "التطرف الأجوف" الذي يعمل بالانتقام ويعجز عن التغيير، والآخر هو "الانتهازية الرخيصة التي تشرعن التعايش مع الدكتاتورية الدموية باسم الوطنية" (ص. 134)، ليحمّل النخب الثقافية مسؤولية الفشل التام في العمل السياسي. ومما يستدعي الحاجة أيضًا إلى تسليط الضوء على هذه المرحلة مراجعة الكاتب للذات الاجتماعية السورية للمعارضة نقديًا إلا ذاته هو، ليقتصر الحديث عن ذاته في الكتاب بتفسير أفعاله وقراراته وتبريرها بظروفها المحيطة آنذاك. فلا يتناول الكاتب هذه المرحلة كما تناول باقي الأحداث والفاعلين، فيقدّم الكاتب الاختلاف بين عمل السياسي وعمل المثقف بالقول إن منطق العلم ومنطق السياسة مختلفان تمامًا، يقول: "أن ما يتطلبه كل حقل منهما من مواهب واختلافات يختلف كثيرًا عما يتطلبه الحقل الآخر" (ص. 18)، ولكنه يعود ليقدم تصورًا مختلفًا تستدعيه اللحظة التاريخية الاستثنائية ليبرر المزاوجة بين السياسة والثقافة فيقول: "كان للثورة جدليتها الخاصة التي تلغي الفوارق بين السياسة والفكر، والسياسي والمفكر أيضًا" (ص. 19)، والسياسة "هي في الجوهر فكر وثقافة" (ص. 20) إذًا، فالسياسي الطارئ، المثقف أصلً، يبقى مثقفًا، ليؤدي الدورين معًا في ذروة التقاء الفكر والسياسة "في معركة الحرية" (ص. 21) ولكن أليس من مشروطية لهذا الانتقال؟ أيكون معطى بديهيًا وثابتًا أم حالة تحتاج إلى التقييم والمساءلة؟ تبقى هذه الأسئلة في حاجة إلى إجابات وافية من خلال مراجعة نقدية لدور المثقف والسياسي وأدائهما.
3. خط الرجعة الغائب
تغيب في الكتاب، أيضًا، مسألة مهمة، وهي عدم وجود خيار للرجوع، أو خطة بديلة، في حال فشل الخيارات المطروحة، فلم تقدّم المعارضة خطة بديلة لفشل خياراتها. والكتاب يحاجج، في أطروحته الرئيسة، بأن الثورة حُكمت بالفشل التام، من البداية وفي أول سنتين من عمرها؛ لأسباب عدة، أهمها عجز المعارضة ونخبها عن الارتقاء إلى مستوى الحدث، على نحو ما تقدّم. ومن ثم، ليس خط الرجعة حدثًا أو واقعة في الثورة، لكنه احتمال: أي التفكير في الخروج من المأزق بأقل الخسائر الممكنة عند إدراك العجز التام والفشل المحتّم. والسؤال هنا: لمَ لمْ تكن ثمة خطة بديلة للمعارضة، سواء في المجلس الوطني أو في سواه، إذا كانت الخيارات التي طرحها المجلس الوطني أو قوى المعارضة، تبدو منذ البداية، في نظر غليون، محكومة بالفشل؟ وكان فشل خيارات المعارضة يتبدى أمامها ويكبر بتسارع أيام الثورة، بل لقد فشلت خياراتها على اختلافاتها أكثر من مرة، إلا أن المعارضة سارت في خياراتها المطروحة ومضت قدمًا في ما طالبت به جماهير الثورة بداية وما فرضته موازين القوى ومعادلة الصراع، من دون اعتبار لمصيرها الذي يتبدى أمامها واضحًا بحسب رأي الكاتب وهو: الفشل في تحقيق أهدافها المعلنة. ومن ثم، كانت نخب المعارضة كمن يقف في الرمال المتحركة، حيث كل حركة نحو الأمام المجهول كانت، بالضرورة، تؤدي إلى الغرق أكثر، ومع ذلك استمرت بالتحرك قدمًا، ومن دون خطة بديلة تتعامل بواقعية مع العطب والفشل المتوقع. إذًا، لم تراع قوى المعارضة، ابتداء بالمجلس الوطني، خيار الفشل، ولم تعترف به في خطابها الرسمي، وظلت متمسكة بالخطوط العريضة نفسها والمطالب التي ظلت تبدو غير ممكنة، وعولت في خطابها على أن "صمود الشعب السوري" سيقلب الموازين. وإذا كان هناك مَن يسأل عن ماهية الخطة البديلة الممكنة، فأنا أظن أن هذا السؤال ليس السؤال الذي يجب طرحه، لسببين: الأول يكمن في عدم إمكانية تقديم إجابة واحدة عن هذا السؤال؛ فكل مرحلة من عمر الثورة كانت في حاجة إلى خطة بديلة تناسب ظروفها في لحظتها وتبحث عن مخرج في حال الفشل بدل الاستمرار بما هو محكوم أيضًا بالفشل. أما السبب الآخر، فهو أن المشكلة لا تكمن فقط في شكل الخطة البديلة ومضمونها، بل في عدم التفكير فيها أو عدم طرحها أصل، حتى إن أدركت المعارضة مسبقًا عجزها التام عن تحقيق الهدف. لقد استمرت المعارضة، بنخبها المختلفة على امتداد المراحل التي كان يظهر لها بُعد تحقيق أهدافها أو استحالته، وخاصة في البدايات عندما بدأ ملف التسليح يأخذ منحى فوضويًا متسارعًا، بمواصلة القتال إلى النهاية، بما توافر أمامها من خيارات احتجت بأنه لم يتوافر سواها، وذلك حتى إن ناقضت تلك الخيارات أهداف الثورة نفسها. وذلك يحيل، في تقديري، إلى المسألة السابقة حول انتقال المثقف إلى العمل السياسي، ليُطرح سؤال عما إذا كان لهذا الانتقال أثر فيما حصل من إقبال غير ذي حسبان للمعارضة رغم انعدام الأفق، ومن دون رسم خط للرجعة أو خطة للتوقف عندما لا يلوح في الأفق سوى حتمية الفشل للذات المعطوبة.
4. عطب أم إخفاق؟ إخفاق المثقفين وانعدام النخبوية
يستعرض الكاتب فشل المعارضة على المستويات المهمة، مثل العمل الوطني الموحّد، والوعي بالشأن العام، والعمل بمسؤولية، لكن المعارضة كانت تخفق في مستويات أبسط من ذلك2، فهل يمكن تفسير تلك الإخفاقات أيضًا بالذات المعطوبة لدى المعارضة نتيجة نشأتها السياسية الضامرة تحت حكم الاستبداد؟ تجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن مختلف تشكيلات المعارضة لم تقم ببناء قنوات تواصل فعالة مع القواعد الشعبية عن طريق الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي، وقد كانت هذه القواعد تبحث عن ممثلين يقودون الدفة، وهي القواعد نفسها التي ستتم عسكرتها لاحقًا، كما يستعرض الكاتب. ولئن كان من قوى المعارضة من عملت على مشروع واقعي وأنجع للعمل السياسي، فإنها أخفقت في مسألة التواصل مع الجماهير وقيادتها. كل ما سبق يستدعي طرح تساؤل حول الدور الكبير الذي أداه عدنان العرعور، بحسب استعراض الكاتب لذلك الدور، فهل تمكّن فعلً شخص واحد من استقطاب فئات شعبية وإدارة كتائب عسكرية وتقويض المعارضة السياسية بمن فيها المجلس الوطني، في حين عجزت كل قوى المعارضة السياسية ونخبها عن القيام بأي من ذلك؟
خاتمة
تملك شهادة برهان غليون عن الثورة السورية امتيازًا مؤكّدًا؛ لأنها تصدر من فاعل عايش الحدث وشارك في صناعته وتفاعل مع ما يجري في وسطه. وهذا يمكّنه من تقديم فهم أعمق، وتحليل دقيق ومترابط يراعي السياقات المختلفة للحدث وممارسات الفاعلين، ويجعل التحليل أكثر تماسكًا والحجج أكثر منطقية.
ولكن هذه الشهادة تأتي، في الوقت نفسه، من طرف فاعل في الثورة، تربطه علاقات بأحداثها وفاعليها، وله منطلقاته ومقارباته ورؤاه العامة والخاصة. ولذلك، فإن صياغة الفاعل لسردية الأحداث وفهمه وتحليله لها تبقى مؤطرة بمحددات مختلفة، ترتبط بموقعه بوصفه فاعلً في صلب الحدث. ليس القصد من ذلك أي انتقاص من قيمة المساهمة المعرفية التي يقدمها الكتاب، وإنما تأكيد ضرورة الوعي، والتذكير بأن أي حكم أو تحليل لحدث ما من الأحداث، ولا سيما المعقد منها، ينشأ وفق منظومة الكاتب التي تتفاعل بها المحددات السياسية والاجتماعية، وهي التي يقرأ وفقها الفاعل الحدث ويفهمه ويحلله، وبالتحديد، من الزاوية التي يقف فيها. قدم الكاتب صورة واضحة عن الثورة السورية خلال عامي 2011، و 2012 على نحو خاص، وصورة مقتضبة عما آلت إليه بعد ذلك حتى عام 2017. وفي الحالتين، عمد إلى شرح الأدوات التي عملت وأُعمِلت بها. وكانت الصورة رمادية متفاوتة الظلال، تعكس أسى يعتري الكاتب. ومن الطبيعي ألا تحيط الشهادة بكل ما جرى في الفترة التي تناولتها، ففي النهاية هي شهادة ما عايشه الكاتب، فلا بد من تفاصيل ووقائع أكثر حصلت حينها يمكن شهودًا آخرين أن يرووها. ولأن الكاتب يسهب في رصده وتحليله للمشكلات والأخطاء والأزمات في المعارضة، وللاشتباك مع أطروحة الذات المعطوبة، لم تسعَ هذه المراجعة إلى التعامل معها أو مع موضوعاتها تفصيليًا، وإنما تحرّت المسائل المهمة التي يطرحها استعراض كل تلك الأحداث ومآزقها على الذات المسؤولة، للبحث عما ما هو أبعد من عطب ذاتي، شكّلته النشأة التاريخية تحت القمع، في تفسير الإخفاق المأساوي في لحظة تاريخية. وتبقى أهمية مساهمة الكتاب في التكامل الذي تسعى لطرحه، بين الدور الداخلي "الذاتي" والدور الخارجي أو الدولي، على نحو يُظهر التفاعل والتأثير المتبادل بينهما؛ ما يساعد على تقديم صورة أكثر اكتمالً ووضوحًا لفهم ما جرى وكيف حصل، ويفتح الباب أمام مزيد من المراجعة النقدية والعلمية التي تحتاج إلى أن تدرس ما حصل منهجيًا، مما يمكّن من فهم الوقائع على نحو عميق ومتكامل.
المراجع
غليون، برهان. عطب الذات: وقائع ثورة لم تكتمل: سورية،.2012 - 2011 بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2019 مجموعة باحثين. خلفيات الثورة: دراسات سورية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013