الشعبوية والأزمة الدائمة للديمقراطية

Azmi Bishara عزمي بشارة |

الملخّص

تنطلق الدراسة من أنّ ما يُعدُّ أزمة تمر بها الديمقراطية الليبرالية المعاصرة الناتجة من تناسج تقليدَين هما التقليد الديمقراطي والتقليد الليبرالي مع انتشار الشعبوية اليمينية في الغرب ليس ظاهرة جديدة، بل هو من تجليات ما يمكن تسميته أزمة دائمة للديمقراطية في ظروف جديدة. تميز الدراسة بين الشعبوية والحركات الأيديولوجية الشمولية التي تكتسب تأييدًا شعبيًا عبر استخدام الديماغوجيا، والتحريض ضد الآخر. وتستعرض التوترات القائمة في بنية الديمقراطية الليبرالية؛ أولها البعد المتعلق بالمشاركة الشعبية والحرية المتمثلة بالحقوق والحريات، وثانيها البعد المتعلق بفكرة حكم الشعب وتمثيله، وثالثها البعد المتعلق بالتمثيل بالانتخابات. وترى الدراسة أن الخطاب الشعبوي ينفذ من خلال التوترات القائمة في بنية الديمقراطية الليبرالية فيترجم الغضب الاجتماعي إلى نقد النظام الديمقراطي نفسه، عبر تبن ي مكوّن من مكوّنات النظام الديمقراطي المركب ضد مكوّن آخر. كلمات مفتاحية: الشعبوية، الديمقراطية، الليبرالية. The premise of this study is the belief that there is a crisis in contemporary liberal democracy resulting from the tension between two traditions: one democratic and the other liberal. The spread of right-wing populism in the West is not a new phenomenon, but rather a new manifestation of what may be called a permanent crisis of democracy. The study distinguishes populism from totalitarian ideological movements that gain popular support through demagogy and incitement against the other and reviews existing tensions in the structure of liberal democracy. The paper finds that populist rhetoric is channeled through tensions in the structure of liberal democracy and translates social anger into criticism of the democratic system itself, by using one component of a complex democratic system against another. Keywords: Populism , Democracy, Liberalism.

Populism and the Permanent Crisis of Democracy

مقدمة

الدافع إلى هذه الدراسة هو محاولة تفسير ظاهرة الشعبوية والإسهام في تطوير مفهومها. وقد أصبحت موضوعًا ملحًّا في الآونة الأخيرة، مع رواج استخدام مصطلحها في الإعلام والأوساط الأكاديمية، ولا سيما في وصف حركات يمينية نشأت وانتشرت خارج الأحزاب المعروفة وسياسيين جدد برزوا وصعدوا من خارج المنظومات الحزبية في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وسؤال العديد من المهتمين عن معناه، وهل من مفهوم محدد للظاهرة؟ ومن ضمن الإشكاليات التي لا يواجهها الباحث فقط، بل أيّ مواطن مهتم بالشأن العمومي نتيجة لعدم تحديد معنى الشعبوية هو احتمال أن تُطلق هذه التسمية على أي حركة شعبية تنتقد المؤسسة الحاكمة. ينصبّ الاهتمام البحثي والسياسي الراهن، ولا سيما الأكاديمي منه، بالظاهرة عادة على الديمقراطيات الليبرالية في الغرب، وغالبًا ما يناقَش في سياق أسئلة عن مصيرها والقلق حوله. وكان اهتمام الباحثين بالظاهرة في خمسينيات القرن الماضي وستينياته منصبًّا على الدول النامية، بما فيها البلدان العربية، فهي ليست ظاهرة غربية حصرية. فقد استُخدم مصطلح الشعبوية في وصف أنظمة وقادة في أميركا اللاتينية بعد الحرب العالمية الثانية وتصنيفها، ولا سيما ظاهرة بيرون والبيرونية في الأرجنتين وغيره وصولً إلى هوغو تشافيز في فنزويلا. كما استُخدم المصطلح في الماضي في وصف قادة أنظمة عربية سلطوية وخطابهم السياسي، وكذلك في وصف بعض الأحزاب العربية التي هيمنت في خمسينيات القرن الماضي وستينياته على المجال السياسي في المشرق العربي، وما لبث أن ندر استخدامه بعد أن تجاوزت سلطوية هذه الأنظمة وسياساتها حدود الشعبوية، ولم يعد المصطلح يفي بالغرض. ويبدو لي أنه سوف يكتسب راهنية في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية في الوطن العربي. ويأتي اهتمامي بالظاهرة في سياق التفكير في الديمقراطية والانتقال إليها. فقد أتممتُ مؤخرًا كتابًا حول دراسات الانتقال وراهنيتها عربيًا (قيد الإعداد للنشر)، حاولت فيه أن أقدّم إسهامًا نظريًا انطلاقًا من التجارب العربية. ويمكن اعتبار هذه الدراسة الموجزة ملحقًا بذلك الكتاب الذي سينشر قريبًا. وفيما عدا تناول الظاهرة ومفهومها بوصفها خطابًا سياسيًا يجمع بين المخاطبة والممارسة ويستثمِر في غضب فئات شعبية على المؤسسة الحاكمة والنخب السياسية، وذلك في سياق ما أسميته في هذه الدراسة ب "الأزمة الدائمة للديمقراطية" والناجمة عن توتراتها البنيوية. تنفرد هذه الدراسة أيضًا بالفصل بين ظاهرة الشعبوية في الديمقراطيات حيث يظهر تميّزها بوضوح على نحو مبيّ لحدودها ودرجاتها من جهة، وحالها في البلدان غير الديمقراطية حيث يصعب التمييز بين الشعبوي والشعبي في المعارضة، بينما يمكن تمييز نظام سلطوي شعبوي من نظام سلطوي آخر. كما تتعامل الدراسة مع خطر الشعبوية على الديمقراطية مميزةً بين تهديدها لديمقراطية ليبرالية راسخة قادرة عمومًا على احتوائها، وخطرها في الديمقراطيات الوليدة، ولا سيما تلك التي نشأت بالانتقال من نظام سلطوي ولم تتطوَّر بالتدريج عن ليبرالية سابقة عليها؛ أي لم تترسَّخ فيها الحقوق والحريات بعد. فالشعبوية في هذه الحالة يمكن أن تشكِّل خطرًا حقيقيًا. تنطلق هذه الدراسة من أن الديمقراطية في عصرنا هي الديمقراطية الليبرالية، ولا يستحق غيرها هذه التسمية. وتبدأ الدراسة بتوترات الديمقراطية البنيوية، فمن هذه التوترات يتزوّد خطاب الشعبوية بمفرداته، ومنها يستمد شرعيته في الإطار الديمقراطي، وتنتهي إلى تناول أطروحات أكاديمية تنتشر مؤخرًا حول فقدانها جاذبيتها، ولا سيما أنّ أبحاث الشعبوية تعتبرها من عوارض مأزقها وفقدانها جاذبيتها. وتناقش الدراسة مصادر الشعبوية في الخطاب الديمقراطي نفسه، والتوتر البنيوي مع الليبرالية، ووجود درجات من الشعبوية في خطاب الأحزاب الرئيسة ذاتها، وكذلك المصادر الثقافية والسوسيو-اقتصادية للمزاج السياسي الشعبوي، بما في ذلك مسائل الهوية في عصر العولمة، وتحوّلها إلى أداة احتجاج للقطاعات المتضررة من العولمة ومن التطور المطّرد في الدول الصناعية المتطورة والمغتربة عن ثقافتها الجديدة وتنوعها الثقافي مع تغير بنيتها السكانية. كما تناقش انزلاق الشعبوية من الخطاب إلى الأيديولوجيا، ومخاطر ذلك في نشوء انقسام "نحن" و"هم"، يلحق ضررًا بالديمقراطية، ولا سيما حين تصبح "هم" شاملة للنخبة السياسية في الديمقراطيات والمثقفين الليبراليين.

توترات الديمقراطية بين المساواتية والحرية

ظاهرة الشعبوية السياسية نمط من الخطاب السياسي، يتداخل فيه المستويان الخطابي والسلوكي بشكل وثيق. وقد يتفاعل هذا الخطاب مع عفوية تقوم على مزاج سياسي غاضب لجمهور فقد الثقة بالنظام والأحزاب السياسية القائمة والنخب الحاكمة، كما يوظّف بوصفه استراتيجيةً سياسية في مخاطبة هذا المزاج هادفةً إلى إحداث تغيير سياسي عبر الوصول إلى الحكم. ويتحول هذا الخطاب إلى أيديولوجيا في الحالات المتطرفة.

ويقدّم حمَلةُ الخطاب أنفسهم بوصفهم الممثلين "الحقيقيين" للشعب، باعتبار ما عداهم ممثلين زائفين للشعب أو أعداء له. وتأتي شعبوية الخطاب على درجات؛ فلا يعتمد كل خطاب يهدف إلى تحقيق مقبولية شعبية المبالغة والكذب وشيطنة الخصم. وغالبًا ما تخاطب حتى الأحزاب والقيادات السياسية غير الشعبوية عاطفة الناس، وليس عقولهم فحسب، لاستثارة تعاطفٍ وتضامن أو خوفٍ ونفور. فالقضايا التي يتمحور الخطاب الشعبوي وغضب الجمهور حولها، تشغل الأحزاب المركزية أيضًا بخطاب ديماغوجي يجاري مزاج جمهور الناخبين، وإن كان ذلك بدرجة شعبوية أقل. فمن الصعب التمييز بين خطاب بعض الأحزاب اليمينية في الحكم والحركات الشعبوية المعارضة لها في موضوع الإرهاب، مع انتشار الشعور بالتهديد منه إلى درجة الهستيريا الجماعية. وفي إسرائيل يصعب التمييز بين خطاب الأحزاب المتطرفة والمركزية بشأن الأمن والتهديد الوجودي، وبشأن تقديس الجيش ويهودية الدولة والصهيونية، إلى درجة القول إنّ الخطاب الشعبوي هو السائد هناك في البرلمان فأصبح مسرح التيارات الشعبوية هو البرلمان نفسه وليس الفضاء العمومي خارجه.

كما تستخدم الأحزاب خلال تنافسها الحزبي الذي قد يكون ضاريًا أنواعًا مختلفة من الديماغوجيا، ويمكن أن تقوم بذلك قوى تسخّر الديماغوجيا الشعبوية لخدمة قضايا تحررية تتبناها، أو قوى أخرى تسخّرها للتحريض العنصري والتعبئة العدوانية، والتشكيك في المؤسسات الديمقراطية. وليست كل استراتيجية شعبية شعبوية، ولكنها قد تتضمن عناصر شعبوية. ويمكن النظام الديمقراطي القائم أن يستوعب في أطره المؤسسية بعض الحركات الشعبوية السياسية ذاتها ويحتويها، فيؤثر هذا الاحتواء في تعديل خطابها، لكنها ليست الوحيدة التي تتغير خلال احتواء النظام الديمقراطي لها، بل يتغير النظام الديمقراطي نفسه في عملية احتوائه لها. لا شك في أن المشكلة تكمن في الأغراض التي يخدمها الخطاب الشعبوي، ولكن لا يجوز تجاهل مشكلة الأسلوب الشعبوي في حد ذاته. تكمن المشكلة في التعبئة الشعبوية لتوجيه الغضب ضد المؤسسات الديمقراطية وليس ضد السياسات فحسب؛ لكن الأسلوب نفسه يصبح مشكلةً للنظام الديمقراطي إذا زاد منسوب الكراهية وشيطنة الآخر فيه؛ والأخطر هو تحوّل الأسلوب الذي يقسم المجتمع إلى "نحن" متخيلة يدّعي المنتمون إليها أنها الشعب من جهة، و"هم" متخيلة من أعداء الشعب، ومؤلفة من النخب والسياسيين والمثقفين والأحزاب عمومًا، إلى أيديولوجيا. هنا لا تعود الظاهرة مجرد استراتيجية في العمل السياسي بل تدخل في مجال الأيديولوجيا. وهي ظاهرة معادية للديمقراطية، إذا اتفقنا على أن الديمقراطية في عصرنا هي الديمقراطية الليبرالية، وأنه لا يمكن تصور المشاركة السياسية للشعب من دون الحريات، كما لا يمكن تصور ديمقراطية مباشرة غير تمثيلية على مستوى الدولة ذاتها، ولا يمكن تصوّر ديمقراطية تمثيلية من دون نخب تؤلف أجسامًا ومؤسساتٍ وسيطة مع المجتمع من جهة، ومؤسسات أخرى قضائية ورقابية خارج المؤسسات التمثيلية من جهة أخرى. وتفصل الديمقراطية الليبرالية بين سيادة الشعب وتمثيله؛ بمعنى أنّ الشعب مصدر شرعية النظام يمارس سيادته في الانتخابات، لكن تمثيله عملية منفصلة؛ إذ يقوم بها مؤسسات وسياسيون محترفون1. وهذه المسافة هي عند جوزيف شومبيتر -1883(1950) مسافة ضرورية لكي يقوم السياسيون بعملهم. صحيح أن هذه المسافة تنتج سياسيين محترفين وخطر اغتراب الناخبين عن "حكم القلة المنتخبة"، لكنها أيضًا في رأيي، فضاء يسمح بتوسط الأحزاب والمؤسسات المدنية، ويمكّن من التقييم والحوار والمناقشة. وثمّة رقابة متبادلة وثمّة مؤسسات تراقب المنتَخبين، مثل المحاكم والإعلام وأجهزة الرقابة وغيرها. تنطلق هذه الدراسة من أنّ ما يُعدُّ أزمةً تمر بها الديمقراطية الليبرالية المعاصرة الناتجة من تناسج تقليدَين هما التقليد الديمقراطي والتقليد الليبرالي مع انتشار الشعبوية اليمينية في الغرب ليس ظاهرة جديدة كليًا، بل هو من تجليات ما يمكن تسميته أزمة دائمة للديمقراطية في ظروف جديدة. وتتمثل عناصر هذه الأزمة الدائمة في ثلاثة توترات بنيوية: 1. الأهم بينها هو التوتر بين أ. البعد الديمقراطي المتعلق بالمشاركة الشعبية القائمة على افتراض المساواة الأخلاقية بين البشر، وافتراض المساواة في القدرة على تمييز مصلحتهم، التي تقوم عليها المساواة السياسية بينهم، ويقوم عليها أيضًا حقهم في تقرير مصيرهم؛ وب. البعد الليبرالي الذي يقوم على مبدأ الحرية المتمثلة في الحقوق والحريات المدنية، وصون حرية الإنسان وكرامته وملكيته

  1. Josheph A. Schumpeter, Capitalism, Socialism and Democracy (London/ New York: Routledge, 1996), pp. 294 - 295.

الخاصة من تعسّف الدولة، ويتعلق بتحديد سلطات الدولة2؛ 2. توتر آخر داخل البعد الديمقراطي ذاته بين فكرة حكم الشعب لذاته من جهة، وضرورة تمثيله في المجتمعات الكبيرة والمركبة عبر قوى سياسية منظمة ونخب سياسية تتولى المهمات المعقدة لإدارة الدولة عبر جهازها البيروقراطي3، من جهة أخرى؛ 3. توتر ثالث بين مبدأ التمثيل بالانتخابات الذي يقود إلى اتخاذ قرارات بأغلبية ممثلي الشعب المنتخبين، أو بأصوات ممثلي الأغلبية من جهة، ووجود قوى ومؤسسات غير منتخبة ذات تأثير في صنع القرار، أو تعديله، وحتى عرقلته مثل الجهاز القضائي والأجهزة البيروقراطية المختلفة للدولة، من جهة أخرى. لا تؤدي هذه التوترات ذاتها تلقائيًا وبالضرورة إلى غضب قطاعات اجتماعية أو إلى نشوء خطاب شعبوي، فغالبًا ما لا يفكر الناس في هذه التوترات. ولكن ما يسمح به هو توترات وصراعات اجتماعية اقتصادية أخرى قائمة في أي دولة ونظام حكم (والديمقراطية في النهاية نظام حكم فيه حاكمون ومحكومون)، مثل التفاوت بين المساواة الاجتماعية والمساواة السياسية، وفجوات توزع الدخل وتشوّهه، وإشكالية الحرية في غياب المساواة الاجتماعية، ومسألة الهويات والحقوق الجماعية، والثقافة والتقاليد السائدة. هذه التناقضات والصراعات هي مصدر التهميش ووجود فئات متضررة وأخرى مستفيدة من النظام، ولكن الخطاب الشعبوي ينفذ من خلال التوترات الثلاثة المذكورة أعلاه فيترجم الغضب الاجتماعي إلى نقد النظام الديمقراطي نفسه، عبر تبنّي مكوّن من مكوّنات النظام الديمقراطي المركب ضد مكوّن آخر. فهذه التوترات قائمة في بنية الديمقراطية الليبرالية ذاتها، وحتى في نظريتها، حتى لو كان النظام الديمقراطي يرفل في "ظروف مثالية" من ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية. وقد تجلت هذه التوترات في أزمات دورية تخلّلت تاريخ الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، وانتهت هذه غالبًا إلى الإسهام في تطويرها بسبب مرونتها في التكيّف وتعديل ذاتها، أو إلى انهيارها وعودة النظام السلطوي في حالات الديمقراطيات الوليدة، أو نشوء نظام سلطوي جديد كما في حالتَي الفاشية والنازية في إيطاليا وألمانيا. وسبق أن استفاد النظام الديمقراطي الليبرالي بعد الحرب العالمية الثانية من تجربة الانهيار أيضًا في تطوير النظام التمثيلي النيابي ووضع مبادئ دستورية يُعتبر احترامُها شرطًا للمشاركة السياسية البرلمانية، واستقلال القضاء، والقيود على حكم ممثلي الأغلبية، وأيضًا في نشوء دولة الرفاه التي تجمع بين اقتصاد السوق والتخطيط، والتدخل في السوق وحماية منجزات العاملين النقابية. وقد عرف تاريخ الديمقراطيات بعد الحرب العالمية الثانية اندماجًا متكرّرًا لحركات شعبوية في إطار النظام الديمقراطي في البرلمانات وحتى الحكومات، فتغيّ ت تلك الحركات بذلك، وتغيّ معها النظام الذي احتواها بتعديل نفسه من خلال عملية الاحتواء ذاتها باتجاه تقوية مكون المساواة والعدالة الاجتماعية، وبتعزيز الطابع الإثني القومي في حالات أخرى. في سياق معالجة الصراعات الاجتماعية المؤدية إلى الثورات كتب أرسطو الذي اهتم بسلبيات الديمقراطية والمخاطر المحدقة بها. وهي عنده تقوم على فكرة مفادها أن الناس المتساوين في أي جانب أو مجال هم متساوون في جميع الجوانب والمجالات. فإذا كانوا متساوين في الحرية لكونهم مواطنين أحرارًا يجب أن يكونوا متساوين في كل شأن آخر. أمّا الأوليغاركية فمتولدة من فكرة مفادها أنّ الناس إذا كانوا غير متساوين في الثروة أو بأمرٍ آخر يجب أن يكونوا غير متساوين في كل شيء بلا حد4. إلى هذين القطبين يشد التوتر بين الحرية والمساواة، الذي بدأنا به هذه الدراسة. وأرسطو شديد الحذر من مخاطر الشعبوية، التي يسميها "ديماغوجيا"، والتي تستخدم مظانّ الناس أنهم إذا كانوا متساوين في الحرية فيجب أن يكونوا متساوين على وجه الإطلاق. ما يعني بطلان أيّ قيود على "سلطة الشعب"، ورفض التمايز حتى على أسس مثل الأهلية والكفاءة، وأيّ تراتبية تنظيمية في الدولة. ولا مكان للديماغوجيين حين يسود القانون في الديمقراطيات، بحسب تعبير أرسطو، فهم يظهرون حيث يفقد القانون سيادته. و"حينئذ يكون الشعب ملكًا حقًّا، واحدًا وإن يكن مؤلّفًا من الأكثرية التي لا تحكم فرادى بل بجملتها[...]وإذ يكون الشعبُ هو الملك فإنّه يعمد إلى أن يفعل فعل الملك لأنّه يلقي عن عاتقه نير القانون

  1. سبق أن تناولت موضوع التوتر بين البعدين الديمقراطي والليبرالي في كتابين هما: المجتمع المدني و المسألة العربية، ولكن ما أود أن أشير إليه هنا هو فقط مقال سابق على هذه الدراسة يتعلق بموضوع الشعبوية مباشرة، نشر بعد انتخاب دونالد ترامب وتناولت فيه ظاهرة انقسام المجتمع الأميركي بين ثقافتين سياسيتين، إحداهما مناهضة لليبرالية، وبينت فيه الفارق في مستوى التعليم والوضع الطبقي والقيم ومكان السكن (ضواحٍ وأرياف ومدن رئيسة منفتحة، وشاطئ غربي وشرقي من جهة، والغرب الأوسط من جهة أخرى) بين المنتمين إلى المعسكرين، وأن هذا الانقسام يتخذ شكل هويات. ينظر: عزمي بشارة، "صعود اليمين واستيراد صراع الحضارات نحو الداخل: حين تنجب الديمقراطية نقائض الليبرالية"، سياسات عربية، العدد 23 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)، ص 7 - .19
  2. تتخذ أثناء كتابة هذا النص إجراءات في الكونغرس الأميركي لعزل الرئيس ترامب بتهم إساءة استخدام السلطة بناء على شهادة موظفين كبار في الخارجية الأميركية وبيروقراطية الدولة. وينقسم الرأي العام بين من يشيد بأمانتهم ووطنيتهم، ومؤيدي ترامب الذين يعتبرونهم مجرد بيروقراطيين منقلبين على رئيس منتخب.
  3. أرسطو، السياسة، ترجمة عن الإغريقية جول بارتلمي – سانتهيلير، تعريب أحمد لطفي السيد (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، الكتاب الثامن، الباب الأول، ص 461 - .462 Aristotle, "Politics," in: Jonathan Barnes (ed.), The Complete Works of Aristotle: The Revised Oxford Translation , Benjamin Jowett (trans.), vol. 2 (Princeton, New Jersey: Princeton University Press, 1984), Book V, Part I, p. 2066.

ويصير مستبدًا. ومن أجل هذا يصبح المتملقون عمّ قريب في مرتبة الشرف"5. ثمّ يضيف: "هذه الديمقراطية هي في نوعها ما هو الطغيان بالقياس إلى الملوكية"6. في الجهتين تسود الرذائل عينها واضطهاد المواطنين الأخيار نفسه. كما أنّ الديماغوجيين يشبهون متملقي الطغاة في أنّهم يتملقون الأمة التي عمّها الفساد. ولأجل أن يستبدلوا الأوامر الشعبية بسيادة القانون، يرجع الديماغوجيون "في جميع الأعمال إلى الشعب[...]الذي يتصرّفون هم أنفسهم في أمره تصرّفَ السيّد بواسطة الثقة التي يغتالونها منه. ومن جهة أخرى كل أولئك الذين يظنّون أنّ لديهم ما يشتكون منه من الحكام لا يترددون من الاتجاه إلى حكم الشعب وحده، وإن الشعب ليُ حّب بالطلب وحينئذ تنهار السلطات القانونية كلّها"7. أي إن الديماغوجيين يصادرون ثقة الشعب ويستخدمونها لحكمه بوصفهم أسياده الجدد، ولكن من دون قوانين تقيّدهم لأنهم يتصرفون باسم الشعب. هكذا تقلب الشعبوية8 (ولا سيما الأيديولوجيّة منها) في عصرنا حكمَ الشعب غير المقيّد إلى حكمٍ مطلق مستبد باسم الشعب. ثمة في مقال أرسطو عناصر مهمة تنطبق على إشكاليات معاصرة، مثل اللقاء بين الديماغوجيا (بوصفها بلاغة متملقة للجمهور، وهي بذلك تسهم في تحويل قطاع من الشعب إلى جمهور) من جهة، والشعبوية التي تنطلق من عناصر مثل حكم الشعب جملةً كأنه ملك، والتصرف فوق القانون باسم الشعب، ورفض التمايزات الداخلية والتشكيك في الحاجة إلى المؤسسات الوسيطة (بما في ذلك رفض فكرة النخبة بتعابير عصرنا) من جهة أخرى. هكذا تكون الشعبوية للديمقراطية مثل الطغيان للملوكية، وإن كان أرسطو قد كتب عن نظام حكم وليس عن حركة. لكنني أعتقد أنه أمسك بتناقضات النظام الديمقراطي في حالته الأولية البسيطة، ولا سيما عنصرَي المساواة والحرية، إذا سِيقا إلى حدّهما الأقصى. انطلق إدوارد شيلز في بحثه المبكر في الشعبوية من أهمية سيادة القانون للحفاظ على الديمقراطية، إذ رأى في الشعبوية تهديدًا لسيادة القانون. وتكمن نواتها الصلبة في الإيمان بأن الشعب ليس فقط مساويًا للحكام بل هو أفضل من حكامه. وهو تحديد مبكر للشعبوية سنعود إليه لاحقًا. ويُسمّي شيلز الشعبوية ب "الديمقراطية المفرطة" Democracy Hyper المعادية لأي صورة من عدم التجانس، بما في ذلك التفاوت الطبقي والثقافي. ويهدد هذا النوع من الديمقراطية، وفق شيلز، والذي يُسمّيه في موقع آخر بالديمقراطية الشعبوية، جميع مراكز السلطة والقوة في المجتمع، وأهم أضراره أنه يشكّل خطرًا على استقلالية حكم القانون والقضاء التي تمثّل العمود الفقري لشرعية الأنظمة الديمقراطية في رأيه9. كان شيلز، بحسب رأي الباحث جون. بي. ألكوك، يفكر في المكارثية وخطرها لأنه اعتقد أنها استمرار لتقليد شعبوي في الليبرالية الأميركية، وهو التقليد المساواتي القادم من الطبقات الدنيا، والذي تجلى في حركات ريفية مساواتية في التاريخ الأميركي. يعني تفسير الشعبوية عند شيلز، وبعض المفكرين الآخرين، أنها تضخيم مشوّه ومتطرف لتقليد المساواة الأخلاقية10؛ أي مدّ عنصر المساواة إلى حدوده/ نهايته القصوى. وهو ما سبق أن حذّر منه فلاسفة يونانيون مثل أفلاطون وأرسطو في مراحل ميلاد الديمقراطية. ولاحقًا في عام 1959 كتب سيمور مارتن ليبسيت 2006-1922() الإنسان السياسي، الذي نشُر في عام كتابه 1960، وحدّد فيه الشعبوية بوصفها حركات جماهيرية معادية للديمقراطية بالمعنى الواسع. واعتمد ليبسيت في كتابه هذا على دراسة لمارتين ترو 2007-1926() حول مصادر الدعم لمكارثي في نيوإنغلند في الشمال الشرقي للولايات المتحدة، استنتج فيها أن القاعدة الاجتماعية للمكارثية تتشكل من رجال أعمال صغار يتبنون الأيديولوجيا الليبرالية الكلاسيكية من القرن التاسع عشر، ومحاورها تحديد سلطة الدولة والحفاظ على الملكية الخاصة والحريات. وربما يمثلها حاليًا في رأيي جماعة حزب الشاي Party Tea الليبرالي الأصولي، بمعنى التمسك بحرفية الدستور. ولم تكن لهذه الفئة مؤسسة تُ ثّلها في الولايات المتحدة، وكان تمثيلها محدودًا داخل الأحزاب الرئيسة. ووجد المنتمون إليها في مكارثي معبّ ا عن مخاوفهم وعدم ثقتهم بكل ما هو كبير، وبالأفكار الهدامة والمشبوهة التي تُنتجها المدن الكبرى والتي تُهدّد نمط حياتهم ومعتقداتهم. ورأى ليبسيت أنّ قاعدة الحركات التي سمّ ها شعبوية مؤلفة من فئات برجوزاية صغيرة مُهمّشة، وأيديولوجية ترفض كل ما

  1. أرسطو، الكتاب السادس، الباب الرابع، ص 384؛ Aristotle, Book VI, Part IV, p. 2050.
  2. أرسطو الكتاب السادس، الباب الرابع، ص 384؛ Aristotle, Book VI, Part IV, pp. 2050 - 2051.
  3. أرسطو، الكتاب السادس، الباب الرابع، ص 385؛ Aristotle, Book VI, Part IV, p. 2051.
  4. أقصد هنا الشعبوية الأيديولوجية التي تتجاوز مجرد الخطاب والاستراتيجية إلى افتراضات أيديولوجية من النوع المذكور في اقتباسات أرسطو، وكذلك افتراضات ذكرتها في
  5. John B. Allcock, "'Populism': A Brief Biography," Sociology , vol. 5, no. 3 (September 1971), pp. 372-373, accessed on 12/11/2019, at: http://bit.ly/2rEqOO1; See: Edward A. Shils, "Populism and the Rule of Law," University of Chicago Law School Conference on Jurisprudence and Politics, April 1954, Conference Series no. 15, p. 103. 10  Allcock, p. 373; Shils, p. 107.
  6. بداية الدراسة مثل أنّ الشعب طيب وطاهر عمومًا والنخب فاسدة.

هو قادم من المدن الكبرى11. وقبل ليبسيت انتشر الاهتمام بعوامل توسع اليمين الشعبوي لدى البرجوازية الصغيرة التي تُهددها الحداثة في تحليلات ماركسية وغير ماركسية لنشوء الفاشية والنازية في أوروبا في النصف الأول من القرن الماضي، واستنتج كثيرون أن هذه القوى التي تُهددها الحداثة والتحديث السريع يمكن أن تلجأ إلى التشبث بالتقاليد والنظرة الرومانسية للهوية القومية، وتتعرض بسهولة لتأثير الأيديولوجيا الفاشية. بالنسبة إلى ليبسيت، فإن رابط الجماهير مع الشعبوية هو رابط نفسي-اجتماعي لحرمان نسبي؛ أي لناس مُهمّشين. أما وليام كورنهاوزر) الذي نشر كتابه بعنوان السياسة في مجتمع جماهيري -1925(بعد مقالات شيلز بمدة قصيرة، فقد اتفق مع الأخير في أن الشعبوية هي من أعراض المجتمع الجماهيري وليست، خلافًا لرأي ليبسيت، مجرد حركات اجتماعية متنوعة. ولذلك استخدم أيضًا مصطلح "ديمقراطية شعبوية" في وصف الظاهرة، وذلك في إطار فهمه للمجتمع الجماهيري، فكتب: "حين تتم الدمقرطة من دون حماية مناسبة للحريات، فإنها تترك الأفراد عُراة أمام نخب ذات توجه جماهيري يمكن أن تُسيطر عليهم. إذا لم تكن عمليات الدمقرطة مجتمعة مع سلطة مستقرة ومحدودة الصلاحيات، فإن هذه العمليات ستصب في صالح الحركات الجماهيرية المعادية للحرية وللديمقراطية ذاتها"12. تتطور الديمقراطية الشعبوية حيث توجد أشكال للديمقراطية التمثيلية من دون تطوّرٍ كافٍ لحكم القانون. وبهذا، تُقابَل الديمقراطية الشعبوية بالديمقراطية الليبرالية التي لا تستند إلى حكم قانون متطور فقط، وإنما أيضًا إلى استمرارية أنماط تقليدية من الشرعية13. ولكن مشكلة الباحثين الليبراليين هؤلاء الذين شخصوا الخطر في تشويه تقاليد المساواة بتحويلها إلى قيم مطلقة تكمن في أنهم لم يمنحوا الاهتمام الكافي لمخاطر غياب المساواة، والذي أصبح من أهم مصادر الشعبوية المعاصرة. فمكافحة الشعبوية لا تكون بالتحذير من مخاطرها، ولا بسيادة القانون فحسب، بل أيضًا بمعالجة مصادرها الاجتماعية والثقافية. تميزت الديمقراطيات التاريخية التي بدأت بنظام ليبرالي يضع حدودًا على السلطة التنفيذية وحماية الملكية الخاصة والحريات وحق اقتراع حصري، ثم توسع هذا الحق بالتدريج عبر تطبيقه على فئات أوسع فأوسع من المواطنين برسوخ الحريات والحقوق المدنية. وتمكّنت من احتواء الحركات الشعبوية المناهضة عمومًا لمكوّنها الليبرالي من دون أن يلحق ضرر بالحريات. لكن الديمقراطيات التي لم تمر بمرحلة ليبرالية كانت أشد هشاشة وأقل مقاومة للخطاب الشعبوي ومضاره. وهذا هو حال الدول التي انتقلت إلى الديمقراطية الشاملة من دون المرور بمرحلة ليبرالية سابقة على تعميم حق الاقتراع. ففيها يمكن أن تتعرض الحريات المدنية إلى خطر حقيقي مع رفع الشعبوية قيمة المشاركة السياسية وحكم الأغلبية فوق قيمة الحريات. ومن هنا تتخذ مهمة ضبط هذا الخطاب والتصدي له أهمية كبرى، قد لا يدركها الديمقراطيون في الغرب. منذ القرن التاسع عشر ومع نشوء حق الاقتراع وتوسعه إلى حق الاقتراع العام، نشأت بيئة سياسية من التلاعب بالرأي العام والعبث بتوزيع المناطق الانتخابية بحسب مصلحة الحزب الحاكم، وشراء الأصوات بواسطة مقاولي أصوات من قادة الجماعات المهنية أو الطوائف المحلية أو غيرها. ونشأ منذ تلك الفترة رد فعل يشبه إلى حد بعيد مخاوف الليبراليين الأوائل ضد توسيع حق الاقتراع، بظهور تيارات ثقافية محافظة تنتقد الديمقراطية وتعارض تدخّل العامة في السياسة بحجج تسقِط مبادئ "الاختيار الطبيعي" و"البقاء للأصلح" الداروينية على الفوارق الاجتماعية باعتبار الفقراء والأميين غير مؤهلين، وكأنهم عرق أدنى، والنجاح هو عملية اختيار طبيعية للأفضل، أي النجاح للأفضل مثل البقاء للأفضل. وهذا ينطبق على الغنى والفقر والقيادة السياسية وغيرها. ولم يكن هذا منطلق الليبرالية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر حين تخوفت من حق الاقتراع الشامل، وفضَّ لت حصره في دافعي الضرائب (من المالكين والمتعلمين)، أو تعميم حق الاقتراع مع توزيع التمثيل بحيث تكون الأكثرية مضمونة لهم سلفًا، بل كان منطلقها الحرص على الحريات والحفاظ على الملكية الخاصة. لكن النقد الشعبوي المعاصر للديمقراطية الليبرالية مناقض لليبرالية الكلاسيكية، ومناقض تمامًا لتحفّظ الداروينية الاجتماعية عليها. فهو ينطلق من أن الشعب طيب وخيّ، ودائمًا على حق، وأنّ النخب هي الفاسدة. ولا يستبعد أن يبدّل نخبوي صاحب موقف عنصري من الطبقات الفقيرة والمهمشين خطابَه إلى شعبوي يتملق الجماهير، وذلك لأغراض التعبئة السياسية ضد نخب منافسة، تخالفه أو تنبذه وتحتقره، كما هو حال العديد من السياسيين الناقمين الذين "يلجؤون إلى الشعب"، مثلما فعل ترامب الذي لا يخفي أفكاره العنصرية

  1. Allcock, p. 373; See: Seymour Martin Lipset, Political Man: The Social Bases of Politics (New York: Doubleday and Co., 1960), pp. 167-170; Martin Trow, "Small Businessmen, Political Tolerance, and Support for McCarthy," American Journal of Sociology , vol. 64, no. 3 (November 1958), p. 276, accessed on 13/11/2019, at: http://bit.ly/33IDIbN
  2. Allcock, p. 374; See: William Kornhauser, The Politics of Mass Society (Glencoe, Ill.: The Free Press, 1959), p. 129.
  3. Allcock, p. 374.

وتبنّيه لأفكار من نمط "النجاح للأفضل" في الوقت الذي يحرّض فيه الشعب ضد المثقفين والسياسيين والإعلام. والكثير مما في جعبة الساسة الشعبويين المعاصرين من طعون ضد البرلمانات هو في الحقيقة كلام موسمي مكرّر، ولكنه يصبح خطيرًا في الأزمات التي يخفق النظام الديمقراطي في حلّها، والتي تؤدي إلى عدم الاستقرار والخوف من المستقبل كما في حالة الأزمة الاقتصادية والركود الكبير في نهاية عشرينيات القرن الماضي. وسبق أن قدّم كارل شميت 1985-1888() أستاذ القانون الذي نظّر للنازية واحتفى بها، طعونًا شبيهة؛ فعلى الرغم من أنه يُعتبَر محافظًا فإن نقده للبرلمانات مختلف تمامًا عن النقد المحافظ الكلاسيكي، فهو أقرب إلى الشعبوية. وإذا كانت الديمقراطية وفق تعريفاته المقتضبة والمطلقة والصارمة، ومن ثم المسطّحة في رأيي، هي تماهي الحكام والمحكومين، بحسب اللاهوت السياسي كتابه)1934(14، فإن الأحزاب تشوّه هذا التماهي في الصفقات في الغرف البرلمانية (المختنقة بدخان السجائر كما صوّرها في حينه)، وبالأكثرية والأقلية، و"الليبرالية المحايدة." لذلك أيضًا انتقل شميت بسهولة من ضرورة وجود من يحسم ويأخذ القرار إلى تمثيل الشعب وإرادته عبر الدكتاتور صاحب السيادة. فإذا كان مجموعة من النواب يمكنهم أن يمثلوا الشعب، مع أنهم في الحقيقة يعيقون القرارات الحاسمة بمكْلَمَةٍ تنتهي بصفقات ومساومات، يصحّ بدرجة أكبر أن يمثله شخص واحد قادر على الحسم. وإذا كانت سيادته (وسيادة أيّ حكومة) تتجسد في قدرته على إعلان حالة الطوارئ (الاستثناء) التي يسمح له فيها بتجاوز القانون، وفق شميت في تعريفه الحَدّي للسيادة15، فيمكن أن يفعل ذلك شخص غير منتخب يمثّل إرادة الشعب. وتمثيل إرادة الشعب عنده هو الديمقراطية المباشرة فعل16. لم يكن شميت شعبويًا، بل نخبويًا، لكن أفكاره سهلة التسويق شعبويًا في مراحل الأزمات الاقتصادية والسياسية، فقد نظّر عمليًا لتيار شعبوي يقوم على سيادة الشعب والتأكيد على وجود تناقض لا يمكن جسره بين المبدأ الديمقراطي والمبدأ الليبرالي. من الصحيح أنّه نشأت في الديمقراطيات طبقة سياسيّة من الأحزاب الكبرى تتبادل السلطة فيما بينها، وترتبط بعلاقات مع الشركات الكبرى والمؤسّسات الاقتصاديّة والإعلاميّة المهيمنة، حيث تبدو الديمقراطية غطاءً إجرائيًا لحكم قلة امتهنت السياسة وأتقنت استخدام هذه الإجراءات، فتتبادل فيما بينها القوة والنفوذ والسلطة في لعبة داخلية، ما يعمق اغتراب الناس عن السياسة، ويشعرهم بأنّ مشاركتهم في عملية الاقتراع هي مشاركة وهمية في الحكم لأنّها تقتصر على انتخاب أوساط من داخل النخبة لتتعاقب على الحكم. لكن في المقابل، تزداد الرقابة القضائية والشعبية على المنتَخَبين، وتترسخ حقوق الناس وحرياتهم؛ كما أن التعددية التنافسية الملتزمة بإجراءات الديمقراطية، بغض النظر عن طبيعة السياسيين، تحدّ من تعسّف الدولة وتسمح بمحاسبة السياسيين؛ والأهم من ذلك أنها تحمي المواطن وحقوقه وحرياته. وهذا في نظري إنجاز الديمقراطية الأهم وليس هوية الحكام. والشعبوية تهدّد هذا الإنجاز بالذات؛ ولا تهدّد المفاسد التي تعبّئ جمهورها ضدها، والتي لا تلبث أن تمارسها نخبها الجديدة. وغالبًا ما يقوم الديماغوجيون، الذين يغازلون الغضب الشعبي لغايات لا علاقة لها بمنطلقاته، بالتحريض ضد السياسيين ومهاجمة الآليات التي تراقبهم وتضبط سلوكهم وتحاسب على الفساد في الوقت ذاته، ولا سيما تدخّل القضاء في العملية السياسية؛ أي إنهم يقولون الشيء ونقيضه. ويبدو الخطاب مع ذلك منسجمً، فالمهم أنه يتصدى للنخب عمومًا. وهذا من النتائج الوخيمة لانقسام "نحن" و"هم"، إذ إنّ أيّ هجوم ضد "هم" يصبح مقبولً باعتباره "منسجمً مع ذاته" حتى لو كان متناقضًا داخليًا. فالقضاء والحريات المدنية هي قيود على النخب السياسية، ولا يمكن فصلها عن آليات النظام التمثيلي بما في ذلك الانتخابات، التي لا تضمن نزاهتها من دون الحريات واستقلالية جهاز القضاء، الذي يمكن اللجوء إليه في حالات التزوير والخداع، مثلما في حالات فساد السياسيين أو تجاوزهم مبادئ دستورية. يضاف إلى ذلك جرس الإنذار الذي تقرعه الأزمات وتجبر النظام على إصلاح ذاته. ينطبق هذا على الأزمة التي تتجلى بصعود حركات شعبوية، أو شخصيات تنجح في الانتخابات على الرغم من قدومها من خارج الأحزاب التقليدية والطبقة السياسية، وينبهها إلى أزمتها، كما تحقق هبّات الغضب الشعبي غالبًا نتائج في تجديد الرقابة الذاتيّة للديمقراطية، ولا سيمّا علاقة السياسيين بمؤسسات غير منتخبة ترفض وصايتها عليهم (رجال أعمال وبنوك، ومؤسسات إعلامية، ولوبيات أصحاب المصالح.) وهذا يؤدّي إلى لجان تحقيق وابتكار آليات وحتى قوانين جديدة تُراقب مداخيل السياسيين، وتقيّد التبرعات للأحزاب، وتوسّع حرية التعبير، وغيرها. ولكنّ تصوير

  1. Carl Schmitt, Political Theology, Four Chapters on the Concept of Sovereignty , George Schwab (trans.) (Chicago: University of Chicago Press, 2005), p. 5; اللاهوت السياسي، تعريب رانية الساحلي وياسر الصاروط (بيروت/ الدوحة كارل شميت،: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.23
  2. التعريف الأصدق في نظره هو التعريف الحدّي، أي الذي يميز الظاهرة بحدودها القصوى. وهكذا تعرف الحكومة السيادية بقدرتها على تجاوز القانون.
  3. كارل شميت، أزمة البرلمانات، تعريب فاضل جتكر (بيروت: معهد دراسات عراقية، 2008)، ص 126 - 127؛ Carl Schmitt, The Crisis of Parliamentary Democracy , Ellen Kennedy (trans.) (Cambridge, MA: MIT Press, 1985), pp. 16 - 17.

الغضب الشعبي ذاته وكأنه هو "الديمقراطيّة الحقيقية"، غالبًا ما يقود إلى تقبّل أنماطٍ سلطوية. إن حل مشكلة الاغتراب عن السياسة يكون بزيادةٍ ذات معنى للمشاركة الشعبية، وتوسيع مفهوم الحقوق لتشمل الحقوق المدنية والسياسية وأيضًا الاجتماعية، واقتناع الناس بأن الديمقراطية تحمي حقوقهم، بما في ذلك حقوقهم الاجتماعية، وتتوفر على آليات تمنع تعسف النظام إلى جانب آليات لضبط الحملات الانتخابية والمال السياسي.

سوف تعيش الديمقراطية الليبرالية دائمًا هذا التوتر بين مبادئ الليبراليّة التي تُعنى بحماية الحقوق والحريات الفردية، والمشاركة الشعبيّة الواسعة، والتي قد ينجم عنها انتشار سياسات الهوية، ومخاطبة الغرائز، وكذلك نشوء تيارات تخوض غمار العمل السياسي من منطلقات معادية للسياسة والمؤسسات السياسية والنخب القائمة. وأخطرها تلك التي تأتي في صورة يمين شعبوي غير تقليدي. النظام الديمقراطي الليبرالي هو نظام حكم في الدولة. وحدته الأساسية هي المواطنة. ويقوم حق المشاركة السياسية على مكوّن المساواة الأخلاقية السياسية فيها بين جميع المواطنين، أي حقهم في صنع الخيارات التي تمس حياتهم يتعلق بالدولة، فهي ليست مؤسسة طوعية يمكن لمجمل المواطنين حلّها أو مغادرتها متى شاؤوا، أو إذا لم تعجبهم التشريعات والسياسات. ولأن القرارات التي تتخذ على مستوى الدولة تمس الجميع، فمن حق الجميع المشاركة فيها، ولا سيما في اختيار الحكام، والسياسات أيضًا، نظريًا على الأقل؛ إذ يفترَض أن يختار الناخبون الحكام بناءً على سياساتهم وبرامجهم. هذا حقهم، سواء أمارسوه أم لا. ولكن من الطبيعي أن تمتد الديمقراطية وثقافتها إلى مساحات أخرى غير الدولة، مع أن هذا ليس جزءًا من تعريف الديمقراطية. وهنا أيضًا تنشأ بعض المخاطر. فالديمقراطية هي أولً وآخرًا نظام حكم في دولة، لكن إذا اعتُ فَ بمساواة الأفراد في المشاركة في صنع الخيارات الجماعية المؤثرة في حياة الجماعة والفرد، تتضاءل الحدود الداخلية لمثل هذه المشاركة في صنع الخيارات. ومثل أرسطو وأفلاطون اللذَين انتقدا الديمقراطية، وإن بدرجات متفاوتة، خشي مفكرون متنورون عديدون من سلبياتها، ومنهم مفكرون ليبراليون مثل ألكسيس دو توكڨيل 1859-1805() من سيادة مبدأ المساواة وتغلّبه على الحرية، التي اعتبرها أساس النظام الديمقراطي العادل، وأدرك أنه إذا ما قبلت القواعد التي تُنتج هذه الاحتمالات فإنها لن تقتصر على البرلمان والحكومة، بل قد تنتشر في اتجاهين آخرين: 1. تغلغل مبدأ المساواة في مؤسسات اجتماعية خاصة، 2. صعود مطلب عدم قصر الديمقراطية على المساواة في الفرص، وإنما أن تكون المساواة جوهرية في المنافع17. والحقيقة أن الديمقراطية الليبرالية لا تستقيم من دون الجمع بين مبدأَي الحرية والمساواة، وأيّ محاولة لعزل بعد عن الآخر، تنتهي إلى إفراغه من مضمونه. فالحرية من دون أي نوع من المساواة الاجتماعية تفقد معناها، ولا تمكن ممارستها ليس فقط بسبب انتقال عدم التكافؤ في الفرص من المجال الاقتصادي الاجتماعي إلى المجال السياسي، ما يجعل المشاركة السياسية بلا معنى، بل أيضًا لأن الحرية في حياة الفرد تصبح نظرية فقط في ظل شح الخيارات المتوافرة لديه. ويصبح الإنسان "عبدًا" لحاجاته المادية ليس بسبب تشوّه في الوعي كما في المجتمع الاستهلاكي، بل بسبب ضرورة تخصيص جل الوقت لتوفيرها، وهو ما من شأنه أن يبتعد بالمواطن عن الاهتمام بالشأن العمومي. ومن ناحية أخرى، لا توجد مشاركة سياسية حقيقية في ظروف مساواة اجتماعية من دون حرية، فالمشاركة وهمية من دون توافر خيارات. والنظام القادر على حجب الحريات يكرّس في النهاية امتيازين للحاكمين على حساب المحكومين ويقوّض مبدأ المساواة الذي يقوم عليه. وكما تتحول الحرية إلى نقيضها من دون مساواة اجتماعية تُثبت التجربة في "دول الرفاه الاجتماعي" وفي "الدول الاشتراكية الواقعية" أنّ المساواة المتجلية في توفير الخدمات وتوفير المنافع من دون حريات تنتهي إلى نظام استبدادي ينتج أنماطًا جديدة من عدم المساواة. كما أنها لا تشجع دائمًا على مشاركة مواطنية أكبر، وقد تقود إلى موقف متلقٍّ سالب، وتبلور بُنى زبائنية، واعتماد في إدارة شؤون الدولة والمجتمع على الخبراء والإداريين. وتنتهي في الحقيقة إلى تحكّم

  1. Guillermo O'Donnell & Philippe C. Schmitter (eds.), Transitions from Authoritarian Rule: Tentative Conclusions about Uncertain Democracies , vol. 4 (Baltimore/London: Johns Hopkins University Press, 1986), p. 12.

فئة قليلة في السياسة والاقتصاد بقدر أكبر بكثير من قدرة النخب في النظام الديمقراطي الليبرالي على التحكم. وفي المقابل، فإن "مستويات أعلى من المشاركة في مؤسسات معينة، بواسطة هيئات ومؤسسات مثل مجالس العمال ومنتديات الشركات يمكن أن تزيد من اللامساواة لا أن تُقللها، لأن كل قطاع في هذه الحالة يبحث عن المردود الأعظم لنفسه على حساب الآخرين"18. لا توجد علاقة حتمية بين المشاركة والمساواة من دون توافر مبدأ الحرية، فالأمر يعتمد على درجة وعي المشاركين، وطبيعة القوى السياسية وبرامجها. وكان رأي دو توكڨيل (مثل أرسطو، كما سنرى) أنّ التطلع إلى المساواة هو المحرك الرئيس للثورات، وأنّ حركة المساواة في التاريخ مستقلة عن حركة الحرية19، وهي تتعايش مع الديمقراطية والاستبداد على حد سواء، وأنها تحدّ من الفردية والإبداع وتدفع نحو المتوسطية ومحاكاة الفرد رأي الأغلبية20. ربما يصح رأي دو توكڨيل حينما يتعلق الأمر بالمساواة المطلقة التي سبق أن انتقدها أرسطو، ولكنه لا يصح بشأن العدالة الاجتماعية التي يهدّد غيابها أيّ نظام، وخصوصًا النظام الديمقراطي، الذي تفقد فيه الحرية معناها في ظروف الحرمان. ومثلما تقيّد الليبرالية عنصر المشاركة في الديمقراطية السياسية والقائم على مبدأ المساواة الأخلاقية والمساواة في العقل بين المواطنين (قدرتهم على التمييز بين الصواب والخطأ كما بين الخير والشر)، كذلك يفترض أن تقيّد مبادئ أخرى عملية المشاركة في صنع القرارات في مؤسسات اجتماعية مختلفة، مثل الجمعيات والمجالس المحلية والشركات، إضافة إلى حماية الحريات. فاحترام حق الملكية وحرية اختيار المهنة يضبط الديمقراطية الاجتماعية التي تشمل دخول عنصر المساواة ليس فقط في الفرص بل أيضًا في توزيع المنافع. لا شك في أن منطق الديمقراطية القائم على المساواة السياسية يقود إلى التطلع إلى المساواة في مجالات مختلفة. ولكن بعد توفير متطلبات العيش الأساسية والمساواة في الفرص، وتوسيع الخيارات، تصبح المساواة مبدأ موجّهًا وليس مطلقًا. وهو في المجال السياسي ليس مطلقًا أصلً. كما أن المساواة السياسية بين المواطنين في حق الاقتراع لا تُسقَط على عملية اتخاذ القرار في كل مجال. قد يصوّت قضاة محكمة عليا بالأغلبية عند إصدار الحكم، ولكن تُشترَط فيهم الكفاءة، فليس التصويت في هذه الحالة من حق أي مواطن راشد، ولا حتى أيّ قاضٍ أو موظف في جهاز القضاء، كما أنهم مقيدون بالقانون. وقد يصوت أساتذة كلية بالأغلبية على إجراءات إدارة البرنامج الدراسي إذا سمحت قوانين الجامعة بذلك، وقد يشرّك ممثل عن الطلاب أيضًا، وليس جميع الطلاب. وصلاحية التصويت محصورة في مجالات محددة. فلا الأساتذة ولا الطلاب يمكنهم التصويت لحسم النقاش حول صحة نظرية علمية أو خطئها.

في مسألة عدم الرضا والشعبوية المعاصرة

يؤدي تفاقم عدم الثقة بالأحزاب في ديمقراطيات الدول المتطورة والنامية، وتزايد وزن العنصر الشخصي في السياسة مع تصاعد دور الإعلام المرئي ووسائل الاتصال الشبكية إلى صعود سياسيين غير حزبيين أو متنقلين بين حزب وآخر، يعتمدون على النجومية، والديماغوجيا الإعلامية وغيرها. ويتسلل إلى السياسة رجال أعمال فاسدون، ولكنهم في نظر الجمهور مؤهلون لأنهم جمعوا ثروتهم خارج المنظومة السياسية، ولأنهم يتكلمون لغة البسطاء (ليس بسبب بساطتهم بل بسبب قلة ثقافتهم و/أو ديماغوجيتهم: برسلكوني وترامب نموذجان)، كما ينجذب إليها نجوم الرياضة والسينما. شعبوية السياسي هنا لا تنبع من انتمائه إلى الشعب، بل من تكلّمه "لغة الشعب" وتنزيل مستواها من خلال ذلك، لأنه لا يتكلم لغة الشعب في الحقيقة، بل "لغة الشارع" كما يتصوَّرها، وكما يجري تكريسها في الإعلام والسياسة. فيبرز السياسي الهاوي المُعتمِد على العلاقات العامة والنجومية (الشهرة غالبًا بسبب النجاح في حد ذاته بغض النظر عن مصدره، وأحيانًا تصبح الشهرة هي النجاح ذاته، فيصبح "النجم" مشهورًا لأنه نجح أن يصبح مشهورًا)، ما يؤدي إلى إضرار كبير بالمؤسسات الديمقراطية. وطبعًا لا ينجح هؤلاء في إعادة الثقة، بل يعمّقون عدم الثقة بالمؤسسات الديمقراطية. وفي عصرنا، أسهمت شبكات الإنترنت ومنصّات التواصل الاجتماعي في إلغاء المسافات وأضفت على هذه النزعات لونًا خاصًا بالتواصل اليومي المباشر مع النشطاء وقادة الأحزاب، ما يجعل السياسة شخصية أكثر مما كانت عليه في أي يوم من الأيام. وهذا لم يلغ الاغتراب كما تعتقد الحركات الشعبوية ومنظرون آخرون لها، بل أنتج وهْم القرب من الساسة الشعبويين، بثمن محاصرة الحوار العقلاني القائم في مؤسسات مثل الأحزاب والمحاكم والإعلام التقليدي وتضيق مساحته، وإضعاف آليات ضبط تصرُّف الحُكّام باسم الأغلبية. ثمّة وَهْم عند الحركات الشعبوية للتمثيل المباشر؛ ففي الحقيقة لا يوجد شيء اسمه تمثيل مباشر، إذ إن كل تمثيل هو غير مباشر. ولكن ثمّة أنواع

  1. Ibid.
  2. Editor's note in: Alexis De Tocqueville, Democracy in America , Eduardo Nolla (ed.), James T. Schleifer (trans.), vol. 1 (Indianapolis: Liberty Fund, 2012), p. cxvii.
  3. Ibid., vol. 1, p. 22; vol. 2, p. 718.

من التمثيل غير المباشر تزعم أنها وحدها الناطقة باسم الشعب، وتدّعي لنفسها سلطات لا يستحقها غيرها ممن لا يمثلون الشعب مباشرة، وفق المنظور الشعبوي. فهذا التواصل المباشر بين القائد والقاعدة الشعبية دون أجسام وسيطة هو تواصل خطير، لأنه يقود في النهاية إلى منع التعددية أو اعتبارها فائضًا عن الحاجة. "إذا كان المبدأ الذي يحكم الديمقراطية التمثيلية هو الحرية – ومنه إمكانية المعارضة والتعددية والتسويات – فإن مبدأ الشعبوية الحاكمة هو وحدة الجمهور الذي يدعم القائد في قراراته"21.

في السياق ذاته يتراجع اليمين المحافظ، ويصعد يمين جديد يستغل الثقافة الشعبوية ووسائل الاتصال ويتّهم اليمين المحافظ بأنه يقدم تنازلات لليبراليين واليسار، وبأنه بذاته أصبح نخبويًا لا ينصت لصوت الشعب. واشتهر منه عشية انتخاب ترامب نماذج مثل رئيس الحملة الانتخابية لترامب وكبير مستشاريه للشؤون الاستراتيجية فترة قصيرة (كانون الثاني/ يناير - نيسان/ أبريل 2017) ستيف بانون Stephen في الولايات المتحدة ودومينيك Bannon كومنغز Dominic Cummings في بريطانيا قبل حراك بريكزيت Brexit للاستفتاء في الخروج من الاتحاد الأوروبي في بريطانيا. وينتشر استخدام وسائل الاتصال الاجتماعي ويزداد تأثير ال "نيوميديا" عمومًا، كما ترتفع نسبة التعليم ومعها عدم الرضا الشعبي عمومًا في الدول السلطوية والدول الديمقراطية على حد سواء نتيجة لازدياد حاجات الناس وتنوعها عدا مشاعر الإحباط بسبب المظالم المختلفة وعدم الرضا عن السياسات. ومع ارتفاع نسبة التعليم وتطور التكنولوجيا والاقتصاديات التي تقوم على المعرفة، تتعمق الفجوة بين خرّيجي الجامعات وغير الخرّيجين لناحية موقعهم الاجتماعي ومداخيلهم وانفتاحهم على الثقافات الأخرى وقابليتهم للتنقل. وفي بعض الحالات، تعكس زيادة المشاركة الشعبيّة عبر تأييد شعبويين يمينيين من خارج أُطر النظام ومؤسساته أولً، انتشار الشعور بالاغتراب عن السياسيين، والشعور العام بعدم المشاركة في الحكم وعدم تعبير الحكام عن هويّة الناس؛ و ثانيًا، الخوف على مستوى المعيشة القائمة من تهديده عبر تصدير الصناعات إلى الخارج، وتقلبات البورصة والأزمات المالية، وعدم القدرة على سداد قروض السكن والتعليم، وزيادة الدفعات الثابتة للسكن والطاقة والاتصالات والتعليم التي لا تبقي كثيرًا من الراتب في مرحلة تعاظم الحاجات والاستهلاك المفرط بسبب التنافس التجاري في العرض والدعاية؛ و ثالثًا، الخوف على نمط الحياة ومستوى المعيشة من الهجرة التي تعرض بأنها مصدر للمتاعب الاقتصادية والصرف من ميزانية الدولة على حساب دافع الضرائب، كما يشوه الإعلام المهاجرين عبر عدّهم زورًا مصدر تصاعد الجريمة؛ وفي بعض الحملات مصدر تهديد الهوية. و رابعًا، التعرّض لدعاية قوى ديماغوجية تطرح حلولً سهلة وشعبوية تعبّ عن ضيقٍ ببطء إجراءات الأنظمة الديمقراطية، وتُخاطب الغرائز ضدّ الآخر المختلف، ولا سيما المهاجرين. تعالج الديماغوجيا الشعبوية ببراعة مشاعر القلق والجزع والغضب، وتحوّلها جميعًا إلى غضب سياسي، يعدّه أصحابه، بغض النظر عن عددهم، غضب الشعب، حتى لو كانوا أقلية. كما يضيق المواطن المعرَّض للدعاية الشعبوية ذرعًا ب "الصواب السياسي" Correctness Political باعتباره إرهابًا فكريًا نخبويًا يقيّد حرية الكلام عن "الآخر" ويردع عامة الناس عن "التعبير الصادق" و"الصريح" عن مشاعرهم الحقيقية تجاه الأجانب واللاجئين والمثليين والخطاب النسوي. ولهذا أيضًا يظهر الشعبويون بوصفهم معبّ ين حقيقيين (أو أصيلين بمعنى غير منافقين) عمّ يدور في خلد الناس ولا يتجرّؤون على قوله. ويوهمون الناس أنهم بقدرتهم على التعبير الصريح، سواء أكان عنصريًا أم ذكوريًا أم غيره، يسترجعون السيطرة على أنفسهم ومصائرهم بعد أن صادرتها منهم الأقليات، والسياسيون الفاسدون؛ ويسترجعون السيطرة على هوية البلاد التي يهدّدها المهاجرون والأقليات والعولمة. إنّ أحد أهم خصوم النظام الديمقراطي هو انتشار عدم الثقة بالأحزاب والبرلمانات وغيرها من الأجسام الوسيطة بين المواطن وعملية صنع القرار، التي يفقد التداول العقلاني الذي يدور فيها في شؤون سياسات الحكومة والسياسات العامة معناه، إذ تصبح في نظر الجمهور مسرحًا للمساومات وائتلافات المصالح والصفقات الحزبية وطبخ القرارات بناء على المصالح الحزبية والشخصية، وحلبة للمتسلّقين الذين يبيعون مواقفهم وولاءاتهم مقابل

  1. Nadia Urbinati, Me the People: How Populism Transforms Democracy (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2019), p. 12.

منصب. وتزداد فيها قوة البيروقراطية التي تحافظ على استمرارية وتقدّم مشاريع القرارات والقوانين بناء على "الصالح العام" ويخضعها السياسيون لامتحانات مثل مصلحة لوبيات الضغط أو مصلحة ناخبيهم، أو مدى إضرارها بشعبيتهم أو إسهامها فيها واحتمال انتخابهم مرة أخرى. ويخلق تآكل الثقة بالسياسيين المنتخبين بيئة حاضنة للخطاب الديماغوجي، الذي يبدو موجهًا ضد السياسيين وكأنّ أصحابه يأتون من خارج السياسة. وهو في الحقيقة خطاب سياسي لمصلحة سياسيين شعبويين من خارج الأحزاب أو من داخلها. ولكن البرلمانات بأحزابها التقليدية نفسها لا تخلو من الخطاب الديماغوجي، ولا سيما منذ فتح مداولاتها لوسائل الإعلام والبث المباشر. فالخطاب الشعبوي ليس جوهرًا ثابتًا، إمّا أن يحضر أو يغيب، بل يأتي على درجات؛ وحتى القوى التي تعتبر وسطية تستخدم البلاغة الشعبوية في قضايا مختلفة تتناولها الحركات الشعبوية بحسب المرحلة مثل الهجرة والإرهاب والمناعة القومية وحقوق العاملين، وتتملق أيضًا "أصالة الشعب" وتشيد ب "بساطته" و"فطرته السليمة." ربما لهذا السبب عدّ بعض الباحثين الشعبوية أمرًا طبيعيًا وليست نوعًا من اللاعقلانية، بل قد تكون استراتيجية عمل عقلانية تستخدمها فئات متضررة. وينفي ديفيد غودهارت فكرة منتشرة بين الليبراليين مفادها أنّ الشعبوية ظاهرة متقادمة رجعية ترفض الآخر، ويراها ظاهرة حديثة: فمنذ زوال الاشتراكية أصبحت هي الأداة التي يستخدمها الأقل نجاحًا لتقليد الأكثر نجاحًا والتنافس معهم، وربما مكافحتهم، ولا سيمّا النخب المعرفيّة من المثقفين والمتعلمين في المجتمعات الغنية المتطورة22. في حين عدّها آخرون غير عقلانية تعبّ عن خواف الغرباء، ورد فعل على عالم أكثر انفتاحًا، ويمكن حتى اعتبارها مرضًا سياسيًا تُسبِّبه قيادات كاريزمية في زمن الأزمات، وهؤلاء يتوجهون إلى مصوتين خائفين. ثمة هامش ينطبق عليه هذا الوصف، بالتأكيد، وهو عنصري وعنيف ومُعادٍ للسامية وغيره، وتُحرِّكه نظريات المؤامرة. لكن كاس ميود يقول إن أمورًا ثلاثة تُعرِّف التيار الشعبوي الراديكالي اليميني، وهي: المحلوية والسلطوية وعدم الثقة بالنخب (الحملة على الفساد.) وهذه الصفات موجودة في سياسات التيارات المركزية بصيغ أخفّ. ولذلك، فإن ثالوث السياسات الشعبوية في المجتمعات المتقدمة يجمع بين أحزاب كثيرة في أوروبا. ولذلك تصبح الشعبوية غير مختلفة نوعيًّا عن التيار المركزي، وإنما بالدرجة. عمليًّا هي نوع من المزاج السياسي؛ بمعنى أنها أفكار سائدة بالمركز لكنّ السياسيين الشعبويين يُعبّ ون عنها ويحشدون أولئك الذين يؤمنون بها بحدّة ومرارة. فمثلً، تقوم المحلّوية على فكرة أولوية مصالح السكان الوطنيين المحليين، لكن جميع الأحزاب المركزية تتحدث عن مصالح الشعب والمصلحة الوطنية، ولو نُزعت منها المحلوية الإقصائية الإثنية لن يبقى سوى وضع مصالح المواطنين قبل القضايا العالمية. وتعني السلطوية أيضًا مجتمعًا منظمً بشكل صارم بحيث يُعاقب من يخالف السلطة، أحيانًا بشكل حاد (وهذا التعريف للسلطوية غير صحيح.) لكن ميود عرّفها هكذا ليبيّ أن التيارات السياسية المركزية لا تخلو منها. فغالبية المواطنين تؤيد إنزال عقوبات أشدّ صرامة بمرتكبي الجرائم، وأكثر انضباطًا في المدارس، لكن عدم الثقة بالنخبة هو التيار الأكثر انتشارًا في التيارات المركزية في المجتمع. فالاعتقاد أنه إذا ما مُنحت للناس الحرية والسلطة فسوف يسيئون استخدامهما ويفسدونهما منتشر في المجتمعات الغربية. وعمليًّا يقوم مبدأ فصل السلطات ومراقبة السلطات على هذه الفكرة، أي يجب مراقبة النخب ومن لديهم السلطة23. ولكن غضب الحركات الشعبوية موجَّه أيضًا ضد الفصل بين السلطات، وما هذا إلّ واحد من تناقضاتها الكثيرة. وفي حالة رسوخ النظام الديمقراطي قد يؤدي الاحتجاج الناجم عن الاغتراب عن السياسيين وتراجع الثقة بالبرلمانات إلى إصلاحه وإصلاح النظام الحزبي. في مثل هذه الحالات تفيد الأزمات الناجمة عن التوتر بين النظام التمثيلي والمشاركة الشعبية، وبين تفسيرات القوى السياسية للمساواة وتفسيراتها للحريات، وبين الخطاب الديمقراطي والواقع في تطوير النظام الديمقراطي24. وثمة حالات أخرى أسهمت فيها في وصول عناصر إلى الحكم تسعى إلى تقييد الحريات، أو التعبير عن المشاركة الشعبية بالتشديد على الخطاب القومي الشوفيني والتشريعات ضد الأجانب. في دراسته المقارنة للشعبوية في بريطانيا، يُشدّد غودهارت على مسائل الهوية والانتماء والثقافة ويبني تحليله على تمييز بين ثقافتين لمجموعتين سكانيتين من المواطنين البريطانيين البيض، وفي أوروبا عمومًا، وإلى حدٍ ما في الولايات المتحدة؛ الأولى يعبّ عنها مصطلح Somewheres في وصف المنتمين إلى جماعة هوية أو ثقافة

  1. David Goodhart, The Road to Somewhere: The Populist Revolt and the Future of Politics (London: Hurst & Co., 2017), p. 51.
  2. Ibid., p. 57; See: Cas Mudde, "The Populist Radical Right: A Pathological Normalcy," West European Politics , vol. 33, no. 6 (2010), accessed on 11/11/2019, at: http://bit.ly/2X7Focf
  3. فمثلً تفسير شانتال موف الديمقراطية الراديكالية باعتبارها دعوة لتثوير المبادئ الأخلاقية والسياسية للديمقراطية الليبرالية عبر تبنّي مفردات الديمقراطية مثل المساواة والحرية وشدها إلى حدودها القصوى، واستغلال هيمنة الثقافة الديمقراطية في الغرب للمطالبة بتطبيق مبدأ المساواة عبر إظهار الفرق بين الخطاب والواقع، يُنظر: Chantal Mouffe, For a Left Populism (London/ New York: Verso, 2019), p. 39.

محددة وحتى إلى بيئة محلية ما، بحيث تهمهم قيمها وتقاليدها. وعمومًا نشأ هؤلاء "المنتمون" في هذه البيئة، ولم يغادروها للعيش أو العمل، وإن انفتحوا على بيئات وثقافات أخرى، وبعضهم تلبرل، إلّ أنّ مسألة الانتماء والتقليد والقيم الجماعية ما زالت تعني لهم الكثير. أما الثانية فهي فئة اللامحليون Anywheres، أي الذين لا ينتمون إلى مكان محدد مع أنهم نشؤوا فيه، إذ تغلب لديهم قيم أخرى على الانتماء المحلي، وتفاعلوا مع الثقافات الأخرى، وانتقلوا غالبًا للدراسة ثم العمل في أماكن أخرى. وتُعلّق أيديولوجيا الناجحين هؤلاء أهمية كبرى على الاستقلالية الفردية والتجديد وسهولة التنقل، وأهمية أقل على الهوية الجماعية والتقاليد والرموز الوطنية، وفق الكاتب25. ومن الواضح أنّ القطاع الأول من السكان هو الأكثر تعرّضًا للخطاب السياسي الشعبوي، ولا سيما اليميني الذي يركز على هذه القضايا. لقد كان العامل الأكثر إسهامًا في توقّع تصويت الفرد مع البقاء في الاتحاد الأوروبي أو ضده هو إذا كان الفرد خرّيج جامعة أم لا؛ إذ إنّ ثلثَي خرّيجي الجامعات صوّتوا من أجل البقاء26. غالبية "اللامحليين" ليست قلقة من الهجرة والاندماج وتشريعات حقوق الإنسان، وتخفيف البعد القومي في المواطنة. هم ليسوا مُعادين للقومية، وقد يكونون وطنيين، لكن نظرتهم إلى الحياة تنطلق من الفرد وتحقيق الذات. وهم يشعرون بالارتياح في نظام الكفاءة ومجتمع الإنجازات التنافسي. حين تكون مصالحهم على المحك يسير كل شيء بسرعة، من إصلاح التعليم العالي وحتى زواج المثليين. لكن حيث لا تكون كذلك، تدور العجلة بشكل أبطأ، ما يدل على أنهم أقرب إلى المؤسسة وعملية صنع القرار. وفي المقابل، فإن "المنتمين" أكثر محافظة، وقيمهم جماعاتية عمومًا، غالبيتهم من غير المتدينين في أوروبا، ومن المتدينين في الولايات المتحدة. وهوامشهم اليمينيّة سلطوية النزعة ومعادية للأجانب. إنهم عمومًا قوميون معتدلون ومنزعجون من التغيرات الثقافية والاقتصادية، وخصوصًا بشأن الهجرة الجماهيرية والمجتمع التنافسي ومجتمع الإنجازات، وتدنّ ظروف غير المتخرجين من الجامعات. لا يمكن وصفهم بعدم الانفتاح عمومًا، فهم يريدون انفتاحًا لا يضرّ بهم. وعمومًا تهمّهم حقوق النساء وحقوق الأقليات، ويشككون في السلطة ويدعمون حرية التعبير والاستهلاك والخيار الفردي، أي إنهم تشرّبوا قيم المجتمع الرأسمالي الليبرالي27، ولكن مشكلتهم، وفق غودهارت، تكمن في الفجوة الثقافية التي تفصلهم عن النخب المؤثرة، وتغير طبيعة المجتمع وتركيبته الإثنية (بسبب تدفق المهاجرين) إلى درجة أنهم يشعرون بأنهم غرباء في بلادهم. لذلك يرى غودهارت، ومثله "المنتمون" الذين دعموا الشعبوية اليمينية، أن ما يجب حمايته في هذا المجتمع ليس حقوق الفرد وإنما حقوق الجماعة والأعراف والتقاليد28، فهذه يجب أن تصان مثلما تُحمى الحريات. وهذا يعني أنّ معركة التعددية الثقافية معركة خاسرة، وأن اليسار يجب أن يتبنى سياسات ثقافية أكثر إثنيةً لكي يجتذب هذه الفئة بعيدًا عن اليمين الشعبوي. هذا هو الاستنتاج من تحليلات هؤلاء المنظّرين المبنية على تأملات وبعض الإحصائيات. ولكن، وفيما يتجاوز السؤال حول الفرق المتبقي بين اليسار واليمين إذا تبنّى الأول سياسات هوية وتجانس ثقافي، أعتقد أنه ثمة مبالغة في التقليل من أهمية الحقوق الاجتماعية ورفع مستوى التعليم في مقابل تعظيم عنصر الثقافة على أهميته، كما أنه ثمة مبالغة في وصف فردانية الليبراليين وعبورهم للأمكنة والثقافات وعدم انتمائهم. يتبنى الناجحون من سكان العاصمة والمناطق المحيطة الذين يتولون وظائف عليا أو مهنًا ذات منزلة عالية، مثل الأطباء والمحامين وغيرهم، غالبًا، مواقف يسار أو يسار وسط، ولا يحنّون إلى بريطانيا المفقودة، ويتقبلون سلوكيات مجتمع الجدارة أيضًا بشأن الجندر والإثنية. إنهم لا يتبنون عالمًا بلا حدود لكنهم فردانيون وعالميون بهوية وطنية محلية. المسألة هنا أنهم يضعون الاستقلالية الفردية وتحقيق الذات فوق الجماعة والتقليد والأعراف. لكن "المنتمي" المتوسط هو صاحب دخل متوسط لم يتخرج من جامعة، وغالبًا يكون قد صوّت لحزب العمال في السابق، وهو ضمن الأرباع الثلاثة الدنيا على مستوى الدخل. عدد المنتمين أكبر من عدد اللامحليين لكن صوتهم السياسي أضعف. وغالبيتهم لم تترك مكان سكناها للبحث عن تعليم أو عمل في مكان آخر؛ وهم يحنّون إلى بريطانيا القديمة، وينسبون قيمة عليا للأمن والألفة، ولديهم انتماءات قوية للجماعة المحلية والوطنية، ويقبلون بالمساواة والحريات لكنهم يولون العائلة أهمية. ليسوا ذوي نزعة سلطوية صلبة Hard Authoritarians لكنهم يتأسفون على فقدان التراتبية الاجتماعية والعالم التقليدي. بحسب استطلاعات الرأي التي قرأها الكاتب في العقد الماضي كله، فقط 20 في المئة إلى 25 في المئة من البريطانيين يُ كن اعتبارهم "لامحليين." في حين أنّ "المنتمين" يُشكّلون نصف السكان، لكن ذوي النزعة السلطوية الصلبة يشكلون من 5 في المئة إلى 7 في المئة منهم، والباقي (نحو 25 في المئة) هم من في الوسط الذي يقع بين المعسكرين. في رأيه هذا التقسيم قائم في مجتمعات متطورة أخرى29.

  1. Goodhart, p. 5.
  2. Ibid., pp. 19 - 20.
  3. Ibid., pp. 4 - 6.
  4. Ibid., p. 12.
  5. Ibid., pp. 24-25, 31.

غالبية المواطنين متمسكة بالكيان الوطني، أي الدولة، لكن نظرتهم مختلفة بخصوصها؛ أهي جماعة هوية أم لا؟ وهم يتفقون على الحريات والحقوق والاقتصاد الحر ومبدأ المساواة، وعلى الرغم من ذلك فإن البريكزيت حصل لأن البريطانيين سمحوا لأنفسهم بالانقسام إلى معسكرين ثقافيين أو قبيلتين، وذلك على القضايا التي تثير الغضب السياسي لدى الناس في الغرب؛ فعندما قال نايجل فراج إنه يشعر بعدم الارتياح داخل عربة قطار في بريطانيا لا يتحدث فيها الناس بالإنكليزية، أثار ذلك غضب وسائل الإعلام بوصفه كلامًا عنصريًّا. في المقابل، يقول الكاتب إنّ نحو 60 في المئة من سكان بريطانيا لا يعتبرونه كذلك. وحين لم يُنشد جيرمي كوربين النشيد الوطني غضب معسكر "المنتمين"، في حين أنّ "اللامحليين" اعتبروا الأمر مسلّيًا30. تتضمن هذه التحليلات بالتأكيد جانبًا من الحقيقة، التي ألخّصها في تحوّل الشرخ الطبقي والتعليمي إلى شرخ ثقافي على مستوى الهوية، قد يمثّل خطرًا في حالة استغلاله من القوى الشعبوية بلا روادع أو ضوابط. واللافت أنّها تشبه كثيرًا تحليلات نظريات التحديث التي تناولت عملية التحديث في المستعمَرات السابقة وما أدت إليه من تغيّ متطرف في بنية المجتمعات وثقافتها وتضرر فئات اجتماعية تمسّ كت بالتقاليد والهوية، في حين نشأت فئة مثقفين ذات تطلعات ومشاريع تحديثية توجهت إلى الشعب ضد النخب القديمة من جهة والاستعمار من جهة أخرى، فنشأت بذور الشعبوية في تلك الدول. كما أنّ وصف دانييل ليرنر 1980-1917() الكلاسيكي للتحديث والانتقال من المجتمع التقليدي تضمّن توصيفات مشابهة لتوصيف "اللامحليين." وقد كتب صموئيل هنتنغتون 2008-1927() المتأثر به أن عملية التحديث على المستوى النفسي، تعد تحوّلً جوهريًّا في القيم والمواقف والتوقعات؛ إذ يختلف الأمر بين الإنسان التقليدي الذي يتوقع الاستمرارية ولا يؤمن بقدرة الفرد على التغيير والإنسان الحديث الذي يتقبل التغيير بل يؤمن به، إذ يكون لديه ما يُسميه ليرنر ب "شخصية متنقلة أو متحركة" Personality Mobile تُ كّنه من التكيّف مع التغيرات في بيئته. وهذا يشمل التغيرات في الولاءات وتحديد الهوية من تلك للمجموعات المباشرة، مثل العائلة والعشيرة والقرية، إلى المجموعات الأوسع مثل الطبقة والأمة. يعتمد هذا التغيير بشكل كبير على القيم العالمية أو الشمولية، وأيضًا على معايير إنجاز الفرد31. في موضوع الشعبوية في الدول النامية الناجمة عن التحديث السريع، كتب شيلز عام 1960 محلّلً لجوء المثقفين في الدول النامية إلى الشعب ضد الطبقات القديمة، وانتشار الأيديولوجيات التي تُقدّس نقاء الشعب وطهارته في مقابل فساد النخب القديمة. فمثقفو الدول النامية الذين تعرّضوا لأيديولوجيات كونية، مثل الليبرالية والاشتراكية وغيرها، والمهمشون من الاستعمار من جهة ومن القيادات المحلية من جهة أخرى، يلجؤون إلى الشعب بهذه الأيديولوجيات. وهي أيديولوجيات قومية من ناحية، وتقدّس الشعب، ولا سيما فئات الفلاحين، ضد النظام القديم والأسر التقليدية الحاكمة والإقطاع وغيره من ناحية أخرى32. وقد قام هؤلاء بدور مهمّ في بناء الدول الوطنية وتحديث الاقتصاد والمجتمع، لكن ميلهم إلى الشعبوية تحوّل في كثير من الحالات إلى سلطوية باسم الشعب، وقمع خصومهم بوصفهم خصوم الشعب والوطن. وبعده طرح هنتنغتون هذا الموضوع في كتابه النظام السياسي في مجتمعات متغيرة الذي تناول فيه عنصر التعبئة الشعبية الواسعة الذي ينطوي عليه التحديث السريع، وإدخال جماهير واسعة في السياسة بوصفه عائقًا رئيسًا أمام نشوء الديمقراطيات في دول العالم الثالث33، وهو تسمية أخرى للشعبوية. ومع تعثّ موجة التحديث الأولى في العالم الثالث، وشعور فئات واسعة بالحرمان في ضوء حاجاتها الجديدة، وتضررها من الدولة السلطوية والشعبوية القومية، ومع تفكك بنى تقليدية من دون نشوء مواطنة حاملة للحقوق الاجتماعية والسياسية والحريات المدنية نشأت بيئة جديدة لأنماط جديدة من الشعبوية الساخطة إلى جانب الحراك الشعبي من أجل الديمقراطية.

الشعبوية: الخطاب والمزاج والأيديولوجيا

11 الشعب وممثلوه

لاحقًا بما سبق افتراضه في هذه الدراسة من أنّ الأزمة دائمة وبنيوية في النظام الديمقراطي، وقد تكون محرّكًا للتغيير والارتقاء وليس بالضرورة عامل تدمير، ثمة تكرار لظاهرة توسع الفجوة بين المؤسسات المنتخبة والأحزاب المتنافسة عليها من جهة، وأوساط شعبية واسعة

  1. 32  Edward A. Shils, "The Intellectuals in the Political Development of the New States," World Politics, vol. 12, no. 3 (April 1960), pp. 329-368, accessed on 13/11/2019, at: http://bit.ly/34UiVSL 33  Huntington, pp. 35 - 36.
  2. Samuel P. Huntington, Political Order in Changing Societies , with a new foreword by Francis Fukuyama (New Heaven: Yale University Press, 2006
  3. 30  Ibid., p. 20.
  4. [1968]), p. 32.

من جهة أخرى، واحتداد أزمة الثقة بينها. كما تتكرر ظاهرة رفض فئات تدّعي أنها تمثل الأغلبية الشعبية لقيود السلطة القضائية على الأغلبية البرلمانية وتدخلها في قراراتها. ويتكرر التعبير عن الشعور الشعبي بالضيق من ثقل مؤسسات الدولة وبطئها والنفور من النخب السياسية، وفقدان الثقة بالأحزاب، وتتعدد أشكاله في سياقات مختلفة. فظاهرة دونالد ترامب على فرادتها، والتي لا يمكن فهمها من دون هذه الإشكالية، ليست الأولى التي أشغلت الباحثين لناحية خطر الشعبوية على منصب الرئاسة الأميركية. فقد انشغل باحثون أيضًا بشعبوية المرشح الرئاسي المستقل لانتخابات رئيس الولايات المتحدة 1992() روس بيرو Perot Ross، بوصفه من رجال الأعمال البارزين34، والذي ترشح من خارج المنظومة الحزبية التقليدية المحكومة بالحزبين الديمقراطي والجمهوري. كما انشغلوا في العقدين الثامن والتاسع من القرن الماضي باستنزاف الأحزاب الرئيسة في ألمانيا لصالح الخضر في اليسار وكارهي الأجانب من اليمين، وذلك قبل أن يصبح الخضر أحزابًا ممَ سسةً تدافع عن النظام الديمقراطي القائم ضد اليمين الشعبوي. في عام 2002، تغلّب جان ماري لوبان Jean-Marie Le Pen على الاشتراكي ليونيل جوسبان Lionel Jospin ووصل إلى الجولة النهائية في الانتخابات حيث هزمه جاك شيراك Jacques Chirac. وفي العام نفسه، سقطت صورة هولندا كبلد هادئ متعدد الثقافات؛ إذ حصل بيم فورتاين Fortuyn Pim على دعم كبير قبل الانتخابات الهولندية. صحيح أنه قُتل قبل الانتخابات بيومين، لكن هذا زاد من الدعم الشعبي لليمين الشعبوي المعادي للتعددية الثقافية. وتعزز توجّه السياسات الاندماجية مع صعود حزب الحرية PvdV في هولندا بزعامة غريت وايلدز Geert Wilders الذي صعد في انتخابات عام 2006، وأصبح منذ ذلك الحين واحدًا من الأحزاب الثلاثة الأولى من ناحية الدعم الشعبي. وفي سياق ثالث أثار الاهتمام استعداد الناخبين في بولندا ودول أخرى من المعسكر الاشتراكي السابق للتصويت للأحزاب الشيوعية التي أعيد تدويرها بعد انهيار النظام الاشتراكي. كما انعطف ناخبو إيطاليا نحو التصويت لتشكيلات انتخابية غير مألوفة مثل تحالف الحرية وحركات فاشية ونوادي المعجبين بمالك وسائل الإعلام سيلڤيو برلسكوني Silvio Berlusconi الذي تولى رئاسة الحكومة الإيطالية ثلاث مرات في الأعوام 1994 و 2001 و 2008 والإقليميين في شمال إيطاليا35. يضاف إلى ذلك في هذه المرحلة حزب البديل في ألمانيا، والائتلاف الشعبوي الذي دعا إلى استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. في هنغاريا، قام حزب الاتحاد المدني المجري، بعد أن نجح في انتخابات عام 2010، بمراجعة الديمقراطية بشكل منهجي، وأسس مجلسًا يهيمن عليه الحزب هدفه السيطرة على وسائل الإعلام. كما فرض قيودًا على المحكمة الدستورية وغيرها، وساعده في ذلك سيطرته على ثلثي مقاعد البرلمان. لقد قام، في الواقع، نظام يميني شعبوي يستخدم أدوات ديمقراطية في ممارسة السلطوية36. وهو ما يفعله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على نحو مثابر أيضًا، إذ أنجز خلال رئاسته عدة ترتيبات مؤسسية للسيطرة على وسائل الإعلام وعلى الاقتصاد، هذا عدا الأجهزة الأمنيّة. وقد انتشر في هذه الدول الربط بين الليبرالية والثقافة الغربيّة من جهة، وبين الديمقراطية "غير المنضبطة" وخطر الفوضى محليًّا، وتهديد الهويات من جهة أخرى. مع أن الضبط الأمتن للديمقراطية وسلوك السياسيين على حدٍ سواء، هو المبادئ الليبرالية والمؤسسات التي تقوم عليها وترعاها، والتي يستهدفها الشعبويون اليمينيون. دفع وصول ساسة شعبويين إلى قيادة دول مثل إيطاليا والنمسا وهنغاريا وبولندا، وحتى ديمقراطيات عريقة مثل الولايات المتحدة، إلى التعامل مع الظاهرة ليس بوصفها ظاهرة هامشية أو استراتيجية معارضة في أقصى الحالات، بل باعتبارها نهجًا في الحكم أيضًا، يسعى إلى تغيير طبيعة التمثيل الديمقراطي. وتقارِب ناديا أوربيناتي الشعبوية بوصفها مشروع حكم يتضمّن تحوّل الأعمدة الثلاثة للديمقراطية الحديثة، وهي في نظرها: الشعب، ومبدأ الأغلبية، والتمثيل37. فأوربيناتي تنتقل من الشعبوية بوصفها مشروع معارضة إلى التعامل معها بوصفها مشروع حكم يهدف إلى تغيير النظام الديمقراطي من داخله، أي بوسائل دستورية. ومن ثم، فهي شكل من أشكال الحكومة التمثيلية، ولكنه شكل مشوّه. إنها عملية تمثيل Representation، لكنها تمثيل للشعب بطريقتها في بناء ذاتٍ جمعيّة. وبهذا المعنى، فهي بالأصل ديمقراطية38. لكنها تقوم بعملية التمثيل على نحوٍ يشوّه الديمقراطية الوحيدة الممكنة في عصرنا وهي الديمقراطية الليبرالية.

  1. 38  Ibid., p. 5.
  2. Charles S. Maier, "Democracy and its Discontents," Foreign Affairs , vol. 73, no. 4 (July - August 1994), p. 48, accessed on 21/5/2019, at: http://bit.ly/2DrmeWr
  3. عصام فاهم العامري، المأزق العالمي للديمقراطية: بلوغ نقطة التحول (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.146
  4. Urbinati, p. 3.
  5. 34 كان يملك شركة جنرال موتورز العملاقة ثم غيرها.

وتستهدف الشعبوية مباشرةًالأجسام الوسيطة مثل الأحزاب والمؤسسات الإعلامية ومؤسسات مراقبة السلطة وضبطها. وهدفها الوصول إلى ديمقراطية شعبوية هي اسم لشكل الحكومة التمثيلية الجديد الذي يقوم على العلاقة المباشرة بين القائد والمجتمع الذي يحدِّده القائد بوصفه شعبًا محقًا وطيبًا دائمًا. وهي تستخدم مصطلح المتفرجين أو المشاهدين Audience رديفًا للجمهور لوصف المجتمع المعاصر غير المنخرط في السياسة والأحزاب. والسياسيون في هذه المرحلة لا يمثلون أحزابًا أو جماعاتٍ منظمة بقدر ما يتحولون إلى ممثلين، ليس بمعنى Representatives وإنما بمعنى أنهم ممثلون يؤدون أدوارًا Actors، ويبحثون عن شروخ اجتماعية لاستغلالها خارج الانقسامات الحزبية. هذا النوع من التمثيل هو الشعبوية وفق أوربيناتي39. لاستعراض مراحل الحكم التمثيلي تعود أوربيناتي إلى كتاب بيرنارد مانين مبادئ الحكومة التمثيلية في الفصل الأخير بعنوان "تحولات الحكومة التمثيلية"، حيث يلخصها ب: أولً، حكومة الصفوة في ظل حق اقتراع حصريّ وبوجود دستور وميثاق حقوقي ضعيف. ثانيًا، الديمقراطية الحزبيّة في ظل حق الاقتراع العام ونظام حزبي وإعلامي تعددي ودستور ومركزية البرلمان في التشريع في مقابل مركزية السلطة ثالثًا، ديمقراطية الجمهور التنفيذية. Democracy Audience مع تحول المواطنين إلى جمهور في حالة سيولة وعلاقات شبكية أفقية مع تراجع الأحزاب والولاءات الحزبية، ووسائل إعلام مستقلة عن الانتماءات الحزبية، ومواطنين غير متورطين في وضع الأجندات السياسية والحياة الحزبية، وتنافس انتخابي ذي طابع شخصي، وعودة المركزية إلى السلطة التنفيذية وتراجع دور البرلمان40. الحالة الثالثة هي الحالة التي تنمو فيها الشعبوية والتي تعالجها الكاتبة في الفصل الرابع من كتابها41. وتتطرق أيضًا هنا إلى زيادة وزن وأهمية الإنترنت42. إنها تموضع ظاهرة الشعبوية في عملية الانتقال من ديمقراطية التعددية الحزبية إلى ديمقراطية الجمهور/ المشاهدين.Audience Democracy/ Democracy Of The Public وتقسم الكاتبة تعريفات الشعبوية نوعين؛ الأول تعريف الحد الأدنى باعتبارها استراتيجية. وهذا النوع من التعريفات يتجاهل السياقات التاريخية لكي يصل إلى أعلى درجة من العمومية، ومن ثم فلا يقول الكثير عن تميّز هذه الظاهرة43. فمثلً يقول كورت ويلاند إن الأفضل تعريف الشعبوية بوصفها استراتيجية القائد الذي يحاول الحصول على سلطات فائضة على أساس العلاقة المباشرة غير المتوسَّطة وغير الممأسسة مع جمهور واسع من المؤيدين44. والنوع الثاني هو تعريف الحد الأقصى، المكسيمالي، الذي يربط الشعبوية بالديمقراطية مباشرةً. هنا ليست الشعبوية مصطلحًا نظريًا فحسب، بل هي أيضًا برنامج عملي لحركات وحكومات يطرح مفهومًا خطابيًا تركيبيًا للشعب. ومن ثمّ، يتقاطع مع الأيديولوجيا بتشديدها على البُعد البلاغي للظاهرة. ولكن خلافًا للفهم الأيديولوجي الذي تنزلق إليه الشعبوية في رأيي عند تمييزها بين نحن/ الشعب/ الأخيار من جهة، وهم/ السياسيون/ الفاسدون، لا يؤسس التعريف النظري الأكاديمي نفسه على تمييز مانوي بين أخيار وأشرار. ولكن إرنستو لاكلو مؤسس النظرية الماكسيمالية، الذي يجعل الشعبوية رديفًا للسياسة والديمقراطية، منحاز في النهاية إلى الشعبوية اليسارية. إنها، من منظوره صيرورة تركب بواسطتها جماعة المواطنين نفسها بحرّية بوصفها ذاتًا جماعية (الشعب) تقاوم جماعة (غير شعبية) وتقاوم الهيمنة المضادة في طريقها لانتزاع السلطة45. سنعود إلى هذه النقاشات لاحقًا. ولكن لا يمكن في رأيي فهم النقد الشعبوي من اليمين واليسار، والذي يوحي بأزمة جديدة للديمقراطية الليبرالية في أوروبا من دون انهيار أو تفكك إجماع ما بعد الحرب العالمية الثانية حول طبيعة الديمقراطية الليبرالية في دول الرفاه الاجتماعي، وصعود النيوليبرالية. لقد بدأت هذه الأزمة الجديدة بعد أن بدا أن الديمقراطية الليبرالية حقّقت نصرًا نهائيًا على خصمها المعاصر، ألا وهو النظم الشمولية التي حكمت الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية بقيادة الأحزاب الشيوعية. وفي الديمقراطيات الغربية تُثقَل الديمقراطية بالتوترات والصراعات والمطالب والتوقعات، والسعي الجماهيري لتحقيق استحقاقات مباشرة وآنية على حساب المستقبل46، والجمع بين عدم الثقة بالدولة وانحسار التوقعات منها، وتوجيه غالبية المطالب إليها في الوقت نفسه. وتتغذى الأزمة بتعمّق اللامساواة مع انهيار إجماع ما بعد الحرب العالمية الثانية على دولة الرفاه وهيمنة النموذج النيوليبرالي وتضرر الطبقة الوسطى والعمال الصناعيين، الذين انتقلوا إليها في مرحلة دولة الرفاه، من العولمة وحرية التجارة والاستثمار، وهو ما أدى إلى ما يمكن تسميته بالفسخ

  1. Ibid., p. 26; Bernard Manin, Principles of Representative Government (Cambridge: Cambridge University Press, 1997), p. 226.
  2. Urbinati, p. 24. See: Manin, ch. 6, pp. 193 - 235.
  3. Urbinati, ch. 4, pp. 158 - 189.
  4. Ibid., p. 24.
  5. Ibid., pp. 30 - 31.
  6. Kurt Weyland, "Clarifying a Contested Concept: Populism in the Study of Latin American Politics," Comparative Politics , vol. 34, no. 1 (October 2001), p. 14, accessed on 25/4/2019, at: http://bit.ly/2qk1zzx
  7. Urbinati, p. 32; Ernesto Laclau & Chantal Mouffe, Hegemony and Socialist Strategy: Toward a Radical Democratic Politics , 2 nd ed. (London/ New York: Verso, 2001), pp. 149–194; Ernesto Laclau, On Populist Reason (London/ New York: Verso, 2005).
  8. Maier, p. 51.

النيوليبرالي بين الديمقراطية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، أو بين مبدأَي الحرية والمساواة. ويرافق توسع الفجوة في المداخيل الهوس الاستهلاكي وتزايد الحاجات في الوقت نفسه، ومضاربات سوق المال، وما يترتب عليه من نتائج وخيمة. ولكن من يوجّه الغضب ويقود الغاضبين؟ لم يعد اليسار يفعل ذلك خلف شعارات العدالة الاجتماعية وزيادة تدخّل الدولة في ضبط نشاط رأس المال، بل أصبح اليمين الشعبوي يعبّئ الجمهور الغاضب ويطالب الحكومة بإحقاق العدالة في إطار الثقافة الإثنية وأخوة الهوية، وقرع الطبول ضد المهاجرين، ومن دون برنامج اجتماعي47. لم يعد اليسار الذي يشدد على مكوّن المساواة في الديمقراطيات هو صوت الغاضبين، بل اليمين الشعبوي، وهو لا يقود إلى المساواة بل نحو التجانس الإثني، الديمقراطية الإثنية، وحتى تفوق العرق الأبيض.

أزمة الثقة بالسياسيين المنتخبين هي أيضًا أزمة أخلاقية بغض النظر عن الأيديولوجيا. إنها ردة فعل من المجتمع على طبقته السياسية يستغلها السياسيون. لكن لم يعد يعبّ عن عدم الثقة باتحادات وروابط مدنية تمارس نوعًا من الديمقراطية القاعدية، أو الديمقراطية من أدنى فحسب، بل أيضًا في قبليّة إثنية معاكسة لفكرة الجمعيات والاتحادات، وعلى أساسها يتحرّك المجتمع الأوروبي ضد طبقته السياسية. إذ تتجلّ الأزمة الأخلاقية الحالية في رفض الطبقة السياسية على أساس الانتماءات الإقليمية وأ مثَلَة الروابط المحلية والإثنية. وهو ما يحصل حاليًا في أوروبا الشرقية على نحو خاص48. يجري هذا كله في عصر انتشار وسائل التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الرقابة الحكومية وغير الخاضعة للتحرير المهني، وغير الآبهة بتوخي الحقيقة في الوقت ذاته، ونشوء فضاء تواصلي شبكي يتجاوز الهرمية، ويتيح التواصل مع السياسيين من دون وسائط الأحزاب والصحف الحزبية والمؤسسات الإعلامية؛ وهو في الوقت نفسه مؤاتٍ لمخاطبة الغرائز ونشر الأكاذيب. فالتواصل الجماهيري والتواصل مع الجمهور من خارج المؤسسات الإعلامية سيف ذو حدين: إنه يوسع مجال حرية التعبير والوصول إلى المعلومة، ولكنه أيضًا يشجع تحويل المزاج إلى رأي من دون معلومة، ويتيح المجال لنشر الأكاذيب والشائعات على نحو غير مسبوق، والتعبيرات الأكثر حدة عن المشاعر لإثارة ردود الفعل، بما في ذلك التعبير المنفلت عن مشاعر الكراهية، هذا عدا تشجيعه النرجسية والاستعراضية في البحث عن الإعجاب. وهو غريزة إنسانية تقوم وسائل التواصل الاجتماعي عليها، فسعي الإنسان للاعتراف والإعجاب المتلخص في Like وFollow، قد يصبح دافعًا جامحًا يتحكم في الإنسان إلى حد الإدمان، ولا سيما مع تذرير العلاقات الاجتماعية. وتتيح وسائل التواصل الاجتماعي فضلً عن التواصل الأفقي والشبكي متعدد الأطراف إحكام الرقابة والسيطرة على مستخدميها، وانتهاك الخصوصية فيما لو لزم ذلك، واستخدامها لأغراض سياسية. يخلق هذا النوع من التواصل بيئة مؤاتية لنزعة قائمة في الشعبوية هي التواصل مع القيادة السياسية التي تمثل النزعات الشعبوية وتستثمرها من دون المرور بالمؤسسات الحزبية والمؤسسات الوسيطة الأخرى التي قد تعقلن الخطاب بالحوار والتداول العقلاني، وبنزعاتها البيروقراطية البراغماتية. ويجري هذا أيضًا بعد مدة من نشوء مؤسسات إعلامية استهلاكية ربحية متنافسة على المشاهدة بالإثارة ومخاطبة الغرائز والأفكار المسبقة. فأصبحت هذه أيضًا تتنافس مع وسائل التواصل وتستخدمها في الوقت ذاته. ويلتقي هذا كله مع تيارات أكاديميّة احترفت انتقاد الأكاديمية، ومثقفين تخصصوا في نقد المثقفين، وفلاسفة احترفوا نقد العقلانية، ومؤرخين حوّلوا كتابة التاريخ من نقد الأساطير إلى صياغتها عبر صناعة الذاكرة الوطنية أو المحلية الجهوية، أو الطائفية، أو الإثنية، وذلك لإعادة خلق المزاج والمشاعر، وليس لفهم الحقيقة واكتشافها. فالشعبوية ليست مزاجًا شعبيًا فحسب، بل هي قائمة أيضًا في الإعلام والسياسة والمؤسسة الأكاديمية. وينشأ الخطر على الديمقراطية حين تلتقي هذه التيارات المختلفة، ويستثمرها سياسيون مغامرون وأيديولوجيون شموليون، ورجال أعمال فاسدون قرروا ولوج المجال السياسي مباشرة مع توافر إمكانية المخاطبة المباشرة للجمهور. ليس الناخب المتوسط مسيطرًا على القوى السياسية والاقتصادية التي تتحكّم في حياته، ولم يكن كذلك في الماضي. صحيح أنّ الديمقراطية أتاحت له التنظيم في إطار قوى يمكنها أن تؤثر في صنع السياسات، كما ضمنت حقوقه بوصفه مواطنًا، وحمته من تعسف السلطة، وهذا الأمر الأخير هو الأهم بالنسبة إلى حياته اليومية؛ لكنه أصبح يعتبر الحقوق والحريات أمرًا مفروغًا منه، فلا يعتبرها إنجازًا، أو يراها فارغة

  1. Ibid.
  2. Ibid., p. 55.

المضمون وغير ذات معنى بطغيان قضايا أخرى على حياته ولا سيما مع الصعود الانفجاري للحاجات. وهو يشعر بالاغتراب عن السياسيين الذين يتبادلون السلطة ويسعون إليها كأنها هدف قائم بذاته. ويرى أنّ الأحزاب منشغلة أساسًا بدوام وجودها في السلطة، فيتجه إلى الدفاع عن الهوية بوصفها علاقات موثوقة وتوقعًا لنتائج وردود فعل مضمونة في أمكنة وتجمعات تقصي كل ما هو غير مألوف. إذا كانت هذه شعبوية، فإنها هوياتيّة. وتتخذ مظاهر إثنية أو طائفية أو جهوية بحسب البلد. وفي مقابل توزيع عملية القرار إلى هيئات دولية ومواثيق عالميّة وتصدير المشاريع إلى الخارج Offshoring، تعِد هذه السياسة المواطن بهوية و"استعادة السيطرة" بإعادة توطين القرارات في مجتمع متماسك ومألوف. وثمّة تشابه اليوم بين هذا المزاج وبين ذلك الذي أَنتج شعارات الفاشية والنازية بعد الحرب العالمية الأولى، مع الفارق الكبير الذي يتلخص في التعلم من التجربة ورسوخ النظام الديمقراطي وتعوّد الناس الحرياتِ بوصفها مكوّنًا من نمط حياتهم. وليس صدفة أنّ اليسار لا يجد موطئ قدم في الشعبوية الهوياتية وإن صاغت بلغتها مظلومية اجتماعية طبقية. ولكن هذه ليست لغة اليسار. ويصعب أن يصبح اليسار شعبويًا في هذا السياق من دون مخاطبة الهويات، ما قد يوقعه في فخ بلاغة اليمين الشعبوي وإعادة تمثّلها وإنتاجها. وتنتج أزمة الثقة بالسياسة والسياسيين في نهاية المطاف حلولً سياسيّة زائفة49، إذ تبحث عن الثقة في الهوية المشتركة. ولا تلبث أن ترى في الآخر والغريب عائقًا أمام تطبيق هذه الحلول، فهو عائق أمام التجانس والحميمية المنشودة لهذا الحل. ويقوم اليمين المتطرف بمهاجمة إتاحة الليبرالية ل"الآخرين" القيام بدور سياسي واقتصادي، وحتى ثقافي. ولا يلبث أن يستخدم هذا الخطاب الشعبوي في نقل الهجوم إلى استهداف الديمقراطية الليبرالية ذاتها، وذلك في ظروف عجز اليسار عن القيام بهذا الدور. إنه يمين من دون يسار. واللافت في دول أوروبا الشرقيّة، في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحادي والعشرين، أن الدول التي قامت بعد سقوط المنظومة الاشتراكية خالية عمليًا من اليسار السياسي؛ فبعد التخلّص من النظام الاشتراكي لم يبق يسار سياسي ينافس اليمين أو القوميين أو غيرهم. وهو وضع يشبه الولايات المتحدة أكثر ما يشبه أوروبا الغربية50. ولكنه ينتقل بالتدريج وبسرعات ووتائر مختلفة إلى أوروبا الغربية. تثير الشعبوية مسألة المشاركة الشعبية وحق الأغلبية في الحكم في سياق نقدها الحكومة والبرلمان والقضاء بوصفها جميعًا ضروبًا من تزوير الإرادة الشعبية أو عرقلتها. إن النقاش حول المشاركة ومدى حيويتها للنظام الديمقراطي هو في صلب التنظير للديمقراطية. ويقوم حق المشاركة على مبدأ الاعتراف بالمساواة الأخلاقية بين البشر وحقّهم في تقرير مصيرهم وبالتالي المشاركة في صنع القرارات التي تمسّ حياتهم ومستقبلهم، وذلك عبر انتخاب الممثلين عنهم للتشريع وحكم البلاد، وعدم الاكتفاء بذلك وتجاوزه إلى التأثير في صناعة القرارات بين انتخابات وأخرى بالعمل من داخل الأحزاب وخارجها، والعرائض وحركات الاحتجاج والحركات الاجتماعية. ثمّة مقاربة أخرى تعلّق أهمية على المشاركة في تقرير المصير بالعمل خارج المجال السياسي الضيق، في إطار مؤسسات مواطنية غير حكومية محلية متعددة الاهتمامات، أو قطرية مختصة بمجال محدد، ومجالس أحياء منتخبة، وحركات اجتماعية توفر للمواطن القدرة على التأثير، وتشكل نوعًا من ممارسة الحرية الموجَبة المتمثلة بتحقيق الذات، كما تسهم في تعويد الناس على الحياة الديمقراطية. وتكتسب هذه الاستراتيجيات أهمية قصوى، ولا سيما أنّ رأس المال المتمثل بالشركات الكبرى يمتلك جماعات ضغط ووسائل للتأثير في الإعلام والسياسيين في ما يتعدى حق الرأسماليين في الاقتراع بوصفهم مواطنين. وليست هذه الاستراتيجيات الشعبية للتأثير في صنع القرار بالضرورة استراتيجيات شعبوية من ناحية خطابها، حتى إذا استخدمت بلاغة شعبوية في التحشيد، فهذا لا يجعل منها حركات شعبوية. وبالعكس، قد تستخدم الحكومة أيضًا الأسلوب ذاته ضدها، مثلً في إثارة المخاوف منها واعتبار مطالبها خطرًا على أمن البلاد، أو أنها تتضمن عناصر مدسوسة، وغير ذلك. إذا كانت الليبرالية قد انطلقت تاريخيًا من مطلب الحد من سلطة الدولة والتطلّع إلى حماية الأفراد والمجتمع من تعسفها، فإن الحركات الاجتماعية مثّلت في ظل النظام الديمقراطي أيضًا توجهات لتحديد سلطة الدولة من خلال إعادة الحياة لخطاب المجتمع المدني في ثمانينيات القرن الماضي، وذلك في الصراع مع النظام الشيوعي في بولندا، ومع النماذج والسياسات النيوليبرالية التي نشأت في الدول الديمقراطية المتطورة في مرحلة أزمة النموذج الكينزي في التنمية ودولة الرفاه بعد منتصف سبعينيات القرن الماضي، وعلى نحو خاص بعد انهيار المعسكر الاشتراكي. فثمة استنتاجات اجتماعية غير شعبوية مستخلصة من الاغتراب عن المؤسسات والقيادات السياسية، إذ تُطرح أفكار وصيغ من الديمقراطيّة غير المركزيّة في مجتمعاتٍ صغيرة أو في وحدات الإنتاج والبلديات والسلطات المحليّة وغيرها. وهو نوع من الديمقراطيّة القاعدية التي

  1. Ibid., pp. 61 - 62.
  2. Marc F. Plattner, "The Democratic Moment," in: Larry Diamond & Marc F. Plattner (eds.) The Global Resurgence of Democracy , 2 nd ed. (Baltimore/ London: The John Hopkins University Press, 1996), p. 39.

ربما تخفّف من مشاعر الاغتراب ويسهم الناس من خلالها في تقرير نوعية حياتهم وبيئتهم. ولخص كلاوس أوفّه في ثمانينيات القرن الماضي مشروع المحافظين الجدد بتحديد المجال السياسي وإخراج مجالات أكبر منه، مثل السوق والعائلة، وإعادة خصخصة أكبر عدد ممكن من هذه المجالات. وعلى الرغم من التعارض السياسي والانتماء إلى معسكرات سياسية متضادة، فإنّ الحركات الاجتماعية الجديدة تشارك عمليًّا هذه الرؤية التحليلية للمحافظين الجدد من زاوية نظر معاكسة، لأنها تعتبر القضايا المعقدة التي تواجه المجتمع الصناعي المتقدم غير قابلة للحل بواسطة أدوات الدولة51. ويمكن تلخيص خطاب الحركات الاجتماعية الجديدة بمقولة "نمط الحياة" والقطع مع الماضي الذي يتمثل بإضافة صفة "جديدة." فهي حركات احتجاج جديدة، تمثل سياسة جديدة. أو تصف نفسها بأنها تمارس سياسة مضادة للسياسة Anti-politics، وغيرها من المصطلحات التي باتت تُستخدم في لغة هذه الحركات وفي وصفها52. وذلك لأن مجال الحركات الاجتماعية الجديدة هو مجال السياسة من خارج مؤسسات النظام الديمقراطي بما فيها الأحزاب. للحركات الاجتماعية جذور في قيم معينة غير جديدة، لكن يجري التشديد والإلحاح عليها على نحو مختلف، أهمها الاستقلالية والهوية مع متعلقاتها التنظيمية مثل اللامركزية، والإدارة الذاتية، والعون الذاتي، ورفض الرقابة الاتّكالية البيروقراطية والإملاء الخفي والتضليل. والحقيقة أنّ هذا أيضًا مرتبطٌ بالثقافة السياسيّة، ويبدو جذابًا على مستوى التنظير وبدايات الممارسة، ولكنّه قد يقع أيضًا فريسةً للشعبويّة والعداء للآخر. ولا سيما عندما تتحول الديمقراطية إلى التعبير المباشر لأوساط شعبيّة على مستويات محلّويّة ضيقة. وعلى أي حال لا يصلح هذا النموذج بديلً من النظام المركزي على مستوى الدولة، بل مكمّلً له. فلا بديل من وجود نخب سياسية كبيرة نسبيًا على المستوى الوطني تكتسب خبرة في الإدارة وصنع السياسات، ويمكّن حجمها من تداول السلطة فيما بينها. وهذا يتطلب أحزابًا سياسية تطرح برامج لإدارة الدولة. وإنه لأمر ذو دلالة على أنّ المنضمين إلى الحركات الاجتماعية لا يستخدمون رموزًا أو كلمات مفتاحية تقليدية، مثل يسار ويمين أو ليبرالي ومحافظ. كما أنهم لا يُعرّفون أنفسهم بموجب انتماء حزبي أو طبقي. بماذا تختلف السياسة غير الممأسسة عن أشكال النشاط الخاصّة؟ إنّ النشاط الاجتماعي غير الممأسس هو عبارة عن مبادرات خاصة تحظى بشرعية المجتمع لأهداف عامّة؛ أي إنّ هدفها تحصيل نتائج تُصبح ملزمة للمجتمع كله، إذا ما تبنّتها الدولة. وتحديد هذه الظاهرة يُقصي حركات متطرفة أو انعزالية، يسميها كلاوس أوفّه ظواهر حَدِّية، أي متطرفة قصوى، مثل الفِرَق الدينية من جهة، والحركات الإرهابية من جهة أخرى. فهي لا تُعتبر حركات اجتماعية جديدة؛ وذلك إما لأن المجتمع لا يعترف بشرعيتها، وإمّا لأنها منعزلة عن المجتمع53. كما تختلف هذه الحلول المقترحة تحت عنوان المجتمع المدني عن الشعبوية التي يستغلها اليمين الجديد، والتي تجمع أحيانًا بين شعارات يمينية ويسارية في أن هذه الأخيرة تعمل في السياسة مباشرة، وترغب في المشاركة عبر دعم سياسيين أو عبر إقامة أحزاب وحركات تخوض الانتخابات. ثمّة فرق كبير إذًا بين هذه الاستراتيجية التي قد تستخدم البلاغة الشعبوية، وتلك النزعة التي تؤدلجها فتعدّ الشعب خيّ ا في حدّ ذاته مقابل فساد النخب. فما يميّز الموقف المؤدلج هو الانطلاق من أن الشعب (في حدود الهوية) طيّب بالفطرة والبساطة، أما النخب ففاسدة. هذا هو المنطلق الأساسي، سواء أكان هذا التمييز المانوي بين قوى خير وقوى شر يشكّل تعبيرًا أصيلً عن قناعة حركات شعبية أم يستُخدم أداةً بيد نخب سياسية.

وتختلف الشعبوية أيضًا عن حركات الاحتجاج التي تجمع أصحاب أفكار سياسية مختلفة، والأهم من ذلك أنها تنجح في ضمّ أوساط لم تكن مهتمة بالسياسة وتنفر من الأحزاب، على مطالب محددة من الدولة لا تشمل تغيير نظام الحكم، بل يمكن تلبيتها في ظل النظام القائم. وقد تستخدم حركات الاحتجاج مثل الأحزاب بلاغة شعبوية في التحشيد، ولكنها ليست حركات شعبوية لأن موضوعها ليس السياسة بالمعنى الضيق ونظام الحكم، والانخراط في السياسة ليس على جدول أعمالها طالما حافظت على نفسها بوصفها حركة احتجاج.

  1. Claus Offe, "New Social Movements: Challenging the Boundaries of Institutional Politics," Social Research , vol. 52, no. 4, Social Movements (Winter 1985), p. 819, accessed on 10/6/2019, at: http://bit.ly/2WuZsro
  2. Ibid., p. 825.
  3. Ibid., pp. 826 - 827.

ويمكن تصوّر نقاش ليس فقط حول ضرر الظاهرة، بل أيضًا حول فائدتها للديمقراطية، لأنها قد تنبّه إلى عيوب متعلقة بالتوتر الذي سبق التطرق إليه بين مكوِّنَيها، الليبرالي والديمقراطي. ولكنها قد تُلح ق بالنظام الديمقراطي ضررًا بالغًا، إذا لم يكن راسخًا، ولا سيما في جوانب مثل الحريات واستقلال القضاء، أو إذا لم تتوافر نخب واسعة ذات ثقافة ديمقراطية. النظام الديمقراطي الراسخ قادر على استيعاب التيار الشعبوي داخل مؤسساته التمثيلية وتغييره من خلال ذلك، أو تهميشه وإبقائه تيارًا غير مؤثر. وسبق أن تناول كاس ميود استناد الشعبوية إلى مقولات طهارة الشعب وفساد النخب، مع إضافة التركيز على الإرادة الشعبية العامة بوصفها أساسًا للديمقراطية54. وهي تقترب إلى حدٍ ما من رؤية جان جاك روسو لمحورية الإرادة الشعبية العامة في النظام الديمقراطي وتشكيكه في النظام التمثيلي الإنكليزي الذي يكون فيه الناس أحرارًا كل بضع سنوات حين يقومون بانتخاب ممثلين عنهم. على كل حال، ثمّة تبسيط لرؤية روسو هذه التي فكر فيها بمدينة صغيرة مثل جنيف. ولكن لا شك في أنّ دعاة الديمقراطية المباشرة المتمثلة باتخاذ القرارات في الاستفتاءات وغيرها في مقابل الديمقراطية التمثيلية، يستندون إلى هذا النمط من التفكير المشكّك في المؤسسات التي تنوب عن الشعب وتمثله. وثمة علاقة بين فكرة الديمقراطية المباشرة والشعبوية اليمينية الأوروبية الداعية لاستفتاء الشعب مباشرة في قضايا مثل الاتحاد الأوروبي والهجرة وغيرها بتجاوز المؤسسات التمثيلية، ما يمكّنهم من مخاطبة مشاعر الناس وغرائزهم من دون حوار عقلاني حقيقي، بحيث لا ينتدب الناس عنهم سياسيين يستعينون ببيروقراطية في صنع القرارات، بل يوكل صنع السياسات إلى الجمهور مباشرة من دون معلومات كافية لاتخاذ قرارات في قضايا تحتاج إلى معرفة وخبرة، ليس فقط لتحديد الخطوات اللازم اتخاذها، بل أيضًا لحساب نتائج هذه الخطوات. فينتهي الأمر إلى إملاء سياسات جاهزة، معدّة سلفًا، على الجمهور بالتصويت عليها ب "نعم" أو "لا." فالجمهور لا يعدّ الخيارات التي يُستفتَى فيها. لقد طرح رئيس الوزراء البريطاني السابق، ديفيد كاميرون، مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فجأة، في وقت لم يكن يشغل فيه الموضوع الناس، ولم ينقسموا بموجبه، إذ لم يكن على أجندة الرأي العام. لكنه طرحه لحسم نقاش داخل حزبه متوقعًا أن يجيبه الجمهور ب"نعم" للبقاء. ففتحت استراتيجيته في خدمة مكانته داخل الحزب أبواب الجحيم. وتحوّل التصويت من أجل الخروج إلى مجمع لاحتجاج الناس ومظالمهم، وحرّضهم ساسة شعبيون مثل بوريس جونسون ونايجل فراج لصبّ جام غضبهم على الاتحاد الأوروبي بوصفه سببًا للبطالة والهجرة غير المنظمة، وعلى النخب السياسية المؤيدة له والمغتربة عن هموم الناس وهويتهم. وفجأة أصبح المجتمع البريطاني منقسمً بين مؤيدين للبقاء Remainers، ومؤيدين للخروج Brexiters. ويعترف الجمهور في الاستطلاعات بأنه لم يدرك فعلً نتائج تصويته ونتائج الخروج من الاتحاد بشكل عام. ولا نقول ذلك لنعلن عن تطابق عام بين الاستفتاءات والشعبوية. فنظام الاستفتاءات في سويسرا مثلً، وعلى الرغم من نتائجه المحافظة عمومًا، أصبح مقننًا ومنظمً، ويوازنه نظام الكانتونات، بحيث لا يكون مجرد حلبة لاستثارة عواطف الجمهور ومخاطبة غرائزه. من ناحية أخرى، من الضروري التمييز تحليليًا بين الظاهرة قيد البحث والحركات الأيديولوجية الشمولية التي تكتسب تأييدًا شعبيًا عبر استخدام الديماغوجيا، والتحريض ضد الآخر، على الرغم من صعوبة هذا التمييز. فالحركات الشمولية هي حركات نخبوية في نهاية المطاف؛ بمعنى أنّ النخب التي تدّعي "طليعيتها" هي التي تقودها فعليًا، والشعوب لا تتبنى أيديولوجيات كاملة وكثيفة تشتمل على إمكانية اتخاذ موقف من كل شيء. من يفعل ذلك هم المنتمون إلى "صفوة" أيديولوجية. وغالبًا ما تتخلص الحركات الشمولية من عناصرها الشعبوية بعد أن تصل إلى الحكم بحجة الانضباط والنظام. لقد عرف التاريخ الأوروبي والمشرقي استغلال حركات أيديولوجية سياسية متعددة الشمولية للشعبوية في التعبئة ضد الخصوم السياسيين، أو للتجييش ضد النظام الديمقراطي نفسه وليس فقط ضد فساد السياسيين والبرلمانيين، ولتسييد أيديولوجيا نخبوية باسم الشعب. كما حصل فعلً في حالة الفاشية والنازية. وقد عرف اليسار الماركسي في الماضي تيارات شعبوية قدّست الجماهير وراهنت على فطرتها. ومن ضمنها تيارات ماوية راهنت على "نقاء الفلاحين" وفطرتهم، وانتقلت في صيغها الأشد تطرفًا إلى معاداة النخب الثقافية والمدنية، كما حصل في حالة الثورة الثقافية في الصين، وتيار الخمير الحمر الذي حكم كمبوديا. وهذه حالة فريدة من تداخل الشعبوية والأيديولوجيا الطليعية النخبوية لتنتج نظامًا شموليًا بالغ العنف والدموية. وقد انتقلت بعض هذه التيارات إلى العالم العربي، وتبنّاها مثقفون لأنها تخلصت من دوغمائية الماركسية الأرثوذكسية في مسألة حصر الثورية في الطبقة العاملة في الصراع مع البرجوازية، في بلدان غالبية سكانها من الفلاحين. وبلغ تقديس حركة الجماهير في هذه الحالة ببعض اليساريين حدّ الرهان على

  1. Cristóbal Rovira Kaltwasser, "The Responses of Populism to Dahl's Democratic Dilemmas," Political Studies , vol. 62, no. 3 (2014), p. 478, accessed on 3/10/2019, at: http://bit.ly/2nNPUYS; Cas Mudde, "The Populist Zeitgeist," Government and Opposition , vol. 39, no. 4 (2004), p. 543, accessed on 3/10/2019, at: http://bit.ly/2mT7pGS

الثورة الإيرانية والانخراط في موجة الحركات الدينية الإسلامية بحجة الاصطفاف مع الجماهير حيثما تكون، لأن الجماهير دائمًا على حق. ومثلما يمكن أن تستغل الأيديولوجيات الشمولية المزاج الشعبوي، أو حتى الحركات الشعبوية، قد يدفع النفور من النخب السياسية عمومًا إلى انتخاب رجل أعمال فاسد عديم الأيديولوجيا همّه الثروة والسلطة وممارسة نرجسيته ويتكلم لغة "الشعب البسيط" لمجرد قدومه من خارج المؤسسات السياسية والأحزاب، مثلما حصل في حالتَي ترامب وبرلسكوني. وهو في الحقيقة يستخدم الخطاب الشعبوي إضافة إلى المال والإعلام للحصول على الأصوات، لا أكثر ولا أقل. وتتميّز الشعبوية الأوروبية التي عُرِفَت منذ سبعينيات القرن الماضي وانطلقت انطلاقة كبرى بعد عام 1989 كما أفاد أحد الباحثين55، بما يلي: أولً، التشديد على حكم الأغلبية غير المقيد بقيود ليبرالية، ونقد النخب غير المنتخبة التي تُقيِّد الديمقراطية مثل القضاة، وأيضًا المؤسسات التمثيلية التي تَحُدّ من المشاركة الشعبية. ومن هنا أيضًا تبرير دعوة اليمين الأوروبي الشعبوي المتعلقة باللّجوء إلى الاستفتاءات، والمطالبة بمنع القضاء من التدخّل في قرارات الأغلبية بحجة أنها غير دستورية. ثانيًا، نقد الأحزاب القائمة؛ إذ تتميز الحركات الشعبوية في أوروبا بتنظيم لا يُ اثل التنظيمات الحزبية من خلال الالتفاف حول شخص أو مجموعة أشخاص وبوجود شبكات شعبية رخوة التنظيم حولها، وبالطبع هنالك استفتاءات لأحزاب يمينية منظّمة تبنّت خطابًا شعبويًّا مثل حزب الحرية في هولندا وحزب فورزا إيطاليا Italia Forza، وهي حركات غير منظّمة حزبيًّا بشكل تقليدي خلافًا مثلً لحزب رابطة الشمال الإيطالي Lega Nord. و ثالثًا، ما يُ يِّز الشعبوية في أوروبا هو رفض العولمة الرأسمالية، ولا سيمّا في حالة اليسار الشعبوي وإن كانت تلتقي مع اليمين الذي يعتبر العولمة وتجاوز الحدود الوطنية خطرًا على الثقافة القومية. يترافق هذا عند اليسار مع نقد الرأسمالية، أمّا اليمين الشعبوي فيستهدف في هجومه العولمة والتفاعل الحضاري، ويُسمّي بيبين كوردوينر هذا التوجه شوفينية الرفاه Chauvinism Welfare، المسمّ ة سابقًا بالوطنية الاستهلاكية Consumer-Patriotism التي تعتبر الآخر الغريب، مهدِّدًا مستوى المعيشة ونمط الحياة، وضيفًا غير مرغوب فيه على المائدة، إذ يقلل حصة المواطنين من الكعكة. وهذه قناعة شعبية منتشرة تعبّ عن انطلاء ديماغوجيا مؤلفة من آراء مسبقة ومغالطات اقتصادية على وعي الناس اليومي. فالهجرة من أهم عناصر النمو في البلدان المستقبلة لها، ولا سيما البلدان ذات الاقتصاديات الرأسمالية المتطورة التي دخلت منذ زمن طويل في مرحلة الإحلال ديموغرافيًا. أمّا رابعًا، فتتميز الشعبوية برفضها للاتحاد الأوروبي56، لأنه يضع قيدًا إضافيًّا على حكم الأغلبية تفرضه أغلبيات أخرى غير الأغلبية الوطنية المحلية. نجد العنصرين الأوّل نن في الشعبويات عمومًا، وليس فقط في الأوروبية منها. ويجب أن نضيف خامسًا، التقاءها على استخدام الإسلاموفوبيا في أوروبا والغرب عمومًا في العقود الأخيرة، وكذلك العداء للهجرة والمهاجرين. وتنتهي عمليًّا إلى تبنّي نوع من الإثنوقراطية  Ethnocracy 57، بمعنى اعتبار الأغلبية المؤلفة من المنتمين إلى قومية إثنية محددة تُعبِّ عنها الدولة هي الأغلبية الديمقراطية المعترف بها. ومن ينتمي إلى غيرها سواء كان مواطنًا أم مهاجرًا مقيمً يبقى دائمًا أقلية. وهذا الانقسام يتغلب دائمًا على الأغلبية الديمقراطية العابرة للهويات، لأن إثنية محددة تملك الدولة، و"الآخرين" ضيوف متسامح معهم في أفضل الحالات، ويفترض أن يكونوا ممتنين لأنه يسمح لهم بالمشاركة، ويجب أن يتصرفوا على هذا الأساس، وضيوف غير مرغوب فيهم في حالة المهاجرين. سوف تتمكن الديمقراطيات الليبرالية المستقرة من احتواء الظواهر الشعبوية، وقد يكون ثمن ذلك أن تصبح أقل انفتاحًا، أو قد يكون ثمنه الابتعاد عن النيوليبرالية واتباع سياسات اقتصادية أكثر عدلً. ولكن في جميع الحالات، سيكون عليها كما يبدو أن تتعامل بجدية أكبر مع حاجة الناس إلى الهوية، ولا سيما حين يهددها التطوّر، ومثلما سبق أن توافقت الليبرالية مع فكرة الحقوق الاجتماعية قبل أن تتغلب النيوليبرالية على هذا التوافق، سوف يكون عليها أن تجدد هذه الصفقة التاريخية مع العدالة الاجتماعية، مع إضافة هي عدم الاستخفاف بالثقافة المحلية وقضايا الهوية وارتباط العودة إليها بالشعور بالحرمان، حتى لو كان هذا الحرمان نسبيًا. هذا التوافق بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية الليبرالية هو المشروع الذي يمكن للقوى الديمقراطية أن تواجه به الشعبوية اليمينية، سواء سمّت نفسها يسارًا أم لا. وسبق أن اتهمت الليبرالية بالعمى الثقافي أو بأنها غبية ثقافيًا، بما في ذلك تجاه الدين، كما صاغ ذلك ستيوارت هول، وأن الثقافة المهمشة تنتقم حاليًا من علمانية وعقلانية الحداثة. فحتى في أكثر المجتمعات

  1. Pepijn Corduwener, "Research Note: Integrating Contemporary Populism with the History of Democracy in Western Europe," European
  2. Ibid., pp. 208 - 209. 57  Kaltwasser, p. 482; Cas Mudde, Populist Radical Right Parties in Europe (Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2007), pp. 142 - 145.
  3. Political Science , vol. 16, no. 2 (June 2017), accessed on 17/9/2019, at: http://bit.ly/2misauV

حداثة يحتاج الناس إلى منظومات من المعاني58، ولا بد أن تشوبها درجات من القداسة59. ولكن نقاش العقلنة والعلمنة هذا قائم حتى بين تيارات ليبرالية. ولا شك في أنّ تيارات شعبوية تستخدم بعض عناصره للتعبئة الجماهيرية في حالات الاغتراب في ظروف التعددية الثقافية في المجتمع والهجرة. يقول غودهارت إنه انفصل عما يُسميّه الليبرالية الأرثوذكسية، تحديدًا في مسألة اقتناعه بعدم إمكانية تحقيق العدالة الاجتماعية في ظروف تنوع ثقافي متطرف وأنه يجب أن تتحقق درجة من التجانس في المجتمع لكي يكون في الإمكان تحقيق اقتصاد توزيع عادل60، وذلك في إطار نقده التعددية الثقافية وسياسات استقبال المهاجرين، وتفهّمه لمشاعر الأوروبيين الذين باتوا يشعرون بأنهم غرباء في بلادهم. لكن هذه ليست الليبرالية الأرثوذكسية. إنها الليبرالية الحديثة، أو حتى ما بعد الحديثة، هي التي يقول إنه انفصل عنها. فالليبرالية الأرثوذكسية كانت منحازة تمامًا إلى التجانس الثقافي، ولم تكن معولمة. وعمومًا يُ كن القول إنها كانت قومية. إن التعددية الثقافية هي ظاهرة جديدة في الليبرالية، وليست من مظاهر الليبرالية الأرثوذكسية، ويمكن اعتبارها ثورة في الليبرالية. وبناء عليه، فإنّ نقدهم لها يتلخص في أنها تطورت أكثر مما ينبغي. لقد تقبّلت الليبرالية التي كانت متمسكة في الماضي بالتجانس الثقافي بوصفه شرطًا لممارسة الحريات الفردية، فكرة التنوع الثقافي والتعددية الثقافية في أوروبا في العقد الأخير من القرن العشرين بعد صراع طويل مع الذات. وما يبدو نقدًا حادًا يوجه لها حاليًا من طرف الحركات الشعبوية بأنها تتجاهل الثقافة المحلية يعني الحقيقة مطالبتها بالعودة إلى الانغلاق الثقافي والإصرار على التجانس كما كانت فعلً في الماضي. في خضمّ صراعها على التمثيل تُنتِج الشعبوية "نحن الشعب" بصيغة هوية إثنية ثقافية وعلى نحوٍ يتضمن موقفًا سلبيًا من النخب السياسية. في هذه الأجواء تنشأ أيضًا ظاهرة المواطن الفرد الذي يتكلم بصيغة الجمع، فلا يظهر في الإعلام أو وسائل التواصل إلّ وهو يتكلم بضمير الجمع بنبرة غاضبة: "نحن الشارع"، "نحن الشعب." وتربط ذلك بمفهوم الحقوق القديم في الديمقراطيات القديمة ما قبل الليبرالية كما فهمت في أثينا مثلً؛ أي المواطنة الناجمة عن الانتماء إلى مجموع هو هوية إثنية ثقافية. وهذه تملك الدولة. ولدى الحركات التي تزعم تمثيلها نزعة تملكيّة لمؤسسات الدولة؛ فالدولة للشعب وهي تمثله، فبالتالي من حقها تملّك الإجراءات والمؤسسات والقوانين القائمة كأنها ملكها، ما يَنتُج منه في النهاية نظام إثنوقراطي61. ويعتبر كريستوبال روفيرا كالتڨاسَ الشعبوية عمومًا أيديولوجيا محدودة/ ضامرة Ideology Thin 62، إذ ليست لديها إجابات عن جميع القضايا، بل تتناول قضايا محددة. وهو ينفي تصنيف الشعبوية بوصفها ديمقراطية أو معادية للديمقراطية، كما أنها ليست مرضًا أو حالة مرضية تصاب بها الديمقراطية، بل أيديولوجيا "تطرح أسئلة شرعية صعبة إن لم تكن مستحيلة الحل بوسائل ديمقراطيّة"63. ولا أتفق مع اعتبارها أيديولوجيا، بل أميل إلى اعتبارها خطابًا يقوم على مزاجٍ سياسي ثقافي غاضب. وقد يُستَخدَم في خدمة أيديولوجيات محدودة غير كثيفة المضمون مثل القومية، والأيديولوجيات الموسعة/ المكثفة مثل الشيوعية والفاشية وحتى الأصولية الليبرالية في حالات استثنائية، إلّ أن تعريفَي النخبة والشعب يختلفان بين الشعبويات؛ ويمكن اعتبارها جماعات متخيلة64. وما يميّز بعض حالاتها في أوروبا الغربية أنها بدأت تعتبر بعض منجزات الانفتاح الاجتماعي والتنوير جزءًا من هذه الهوية الإثنية الثقافية للشعب. ففي الصراع مع المسلم "الآخر"، يدافع أمثال مارين لوبان Marine Le Pen وماتيو سالفيني Matteo Salvini ويورج هايدر Jörg Haider وغيرهم عن الحريات الاجتماعية وحقوق المرأة، وفي بعض الحالات حقوق المثليين، ضد الإسلاميين الذين يضطهدون المرأة... إلخ. هنا يتَّخذ يمينيون شعبويون موقفًا يبدو في الظاهر تحرريًّا65. وإذا صح تصنيفي لها باعتبارها مزاجًا سياسيًا، أضيف إلى ذلك أنه مزاج سياسي غير ودود لليبرالية عمومًا، على الرغم من الدفاع عن بعض منجزات الليبرالية في الغرب لإثارة المخاوف من المهاجرين المسلمين. وقد ذكرت أعلاه احتمالات تحويل الخطاب الشعبوي إلى

  1. See: Laurie Taylor, "Culture's revenge: Laurie Taylor interviews Stuart Hall - Disillusioned but not Defeated, Stuart Hall Talks to Laurie Taylor about the Limits of Liberalism," New Humanist , 31 May 2007 [originally published in 2006], accessed on 11/11/2019, at: http://bit.ly/34VkFeF
  2. وسبق أن توسعت في مناقشة موضوع القدسية والمعنى وحاجة الفرد إليهما في الحداثة أيضًا، والأوهام المنتشرة عن أن العلمنة هي عملية استغناء عنهما، في كتاب الدين
  3. 65  Urbinati, p. 13.
  4. سبق أن تطرقت إلى ذلك بالحديث عن نوعين من المواطنة؛ المواطنة العضوية في جماعة إثنية والمواطنة القائمة بذاتها؛ أي حقوق مربوطة بالمواطنة، يُنظر: عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، ط 4 (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018 2007[)]، ص 215 - .216
  5. يصنّف مايكل فريدن الأيديولوجيا صنفين: الموسّعة (الكثيفة Thick Ideology) والأيديولوجيا الضامرة (المحدودة)، يُنظر: Michael Freeden, "Is Nationalism a Distinct Ideology?" Political Studies , vol. 46, no. 4 (1998), pp. 748-765, accessed on 3/10/2019, at: http://bit.ly/2mXVAzk
  6. Kaltwasser, p. 483. 64  Ibid., p. 477.
  7. والعلمانية في سياق تاريخي.
  8. 60  Goodhart, p. 14.

أيديولوجيا في حالات متطرفة تقوم على التصنيف التمييزي والمعياري بين نقاء الشعب وفساد النخبة، ومخاطرها على الديمقراطية.

الشعبوية وطمس الحدود بين اليسار واليمين

نشهد تجاوز التطوّر الاجتماعي السياسي تقسيم يسار ويمين إلى تقسيمات أخرى، يمكن أن نطلق عليها "يسار" و"يمين" شرط تغيير دلالة المصطلحات. فثمة تقاطعات كبيرة حاليًّا بين ما كان يسمى يسارًا ويمينًا في الموقف السلبي من العولمة ومن مؤسسات الدولة الديمقراطية ومن الأحزاب والليبرالية، وغيرها (لا بد من أن أشير هنا إلى لقائهما غير المحيِّ في رأيي في الإعجاب ببوتين والدفاع عن النظام السوري، على الرغم من الجرائم التي يتحملان مسؤوليتها، واعتبار الحراك الشعبي في سورية نوعًا من المؤامرة حتى قبل صعود الحركات الإسلامية المتطرفة وتحوّل الثورة إلى حرب أهلية دامية.) كما يلتقي طرح اليسار المعتدل والليبراليين (أقصد الليبراليين سياسيًا)66 عند ضرورة الحفاظ على الديمقراطية ودولة الرفاه الاجتماعي؛ ويفترض أن يلتقيا عند إصلاحهما، بأخذ مسائل مثل الثقافات المحلية و"هموم الناس" في الاعتبار، وذلك لانتزاع بعض هذه القضايا من اليمين. تعرِّف الشعبوية اليمينية في أوروبا الشعب إثنيًّا نحو الداخل؛ إذ تُطالب باعتبار الدولة خاصة بقومية إثنية بعينها؛ ويجب أن تقبل الأقليات بوضعها الأدنى منزلة أو تندمج ثقافيًّا ضمن هذه الإثنية وطلب المساواة من داخلها، وهي وطنية نحو الخارج برفض الاتحاد الأوروبي وإملاءاته. أما شعبوية اليسار فتقبل بالمواطنة أساسًا للانتماء إذ تقبل بالتعددية الثقافية. وعبَّ عنها عمومًا تيار الخضُر منذ ثمانينيات القرن الماضي. ولكن تيار الخضر من التيارات الشعبوية التي اندمجت في إطار الديمقراطية الليبرالية ومؤسسات الحكم فتغيرت وغيّ تها. في حين أن الشعبوية اليسارية خارج أوروبا في أميركا اللاتينية مثلً غير إثنية تُركِّز على التقسيم الطبقي بين الأغنياء والفقراء. والأمثلة على ذلك، هي فنزويلا وبوليفيا والإكوادور (قبل التغيرات عام 2019)، والنزعة إلى فرض إرادة الشعب فوق الدستور بوضع دساتير جديدة67. وفي مرحلة كتابة هذا النص يواجَه هذا اليسار الذي لم يتحالف مع الديمقراطية بصعود الشعبوية اليمينية. وقد عرفت دول آسيا وأفريقيا أيضًا بعد الحرب العالمية الثانية وتفكيك الاستعمار شعبويات يسارية من هذا النوع أنشأت غالبًا أنظمة سلطوية أو حتى شمولية باسم الشعب. ونشأت هذه النظم عن ظاهرة الانقلابات العسكرية الثورية التي عمّت العالم الثالث إثر الاستقلال. وقد وصفتها اللغة الماركسية المسَڨْيتة بدول "الديمقراطية الثورية" التي تعتمد الطريق اللارأسمالي في التنمية بالاعتماد على التعاون مع الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية. وفي المنطقة العربية عمَّت النظم الشعبوية البلدان العربية الجمهورية منذ النصف الثاني من الخمسينيات بعد الانقلابات العسكرية التي اعتبرت نفسها انقلابات ثورية تهدف إلى توطيد الاستقلاليَن السياسي والاقتصادي، وبناء الاشتراكية دون المرور بمرحلة الرأسمالية، عبر "تحالف قوى الشعب العامل" كما في الصيغة الناصرية، أو تحالف العمال والفلاحين وصغار الكسبة مع العسكريين العقائديين كما في الصيغة البعثية في سورية والعراق، وإنشاء نظام كوربوراتي نقابي يقوم على مفهوم الديمقراطية الشعبية كنقيض لمفهوم الديمقراطية (الليبرالية.) لقد تبنّت هذه الأنظمة خطابًا شعبويًا مفاده أنّ الديمقراطية الليبرالية غربية ورأسمالية ولا تلائم "ثقافتنا"، وأنّ حكم الشعب يكون بالتعبير عن مصالحه وإرادته، وقبل كل شيء تماهيه مع قيادته الطليعية والكارزمية. كما رفضت الحزبية والأحزاب باعتبارها تقسم الأمة وتبعثر إرادتها. ولم تكتف بهذا الموقف على مستوى الخطاب والتحريض على الأحزاب وحرية الصحافة، بل قامت بمنعها فعلً، وقمع أيّ معارضة. ومن ثم فقد انتقلت بسرعة من الشعبوية إلى سلطوية فاشية أو شبه فاشية. لكنها فشلت غالبًا مع تآكل إنجازاتها الأولى التي حققتها في مجال التنمية التوسعية بفضل سيطرتها على الموارد وتعبئتها لها فيما يصطلح عليه تعبئة الموارد Input-driven عبر مركزية القطاع العام في عملية التنمية، وقيامها بتحقيق الإصلاحات الزراعية التي عجزت عنها النظم الليبرالية السابقة في الحفاظ على قاعدة شعبية لأيديولوجيتها، فزاد نمطها الاقتصادي الصناعي الفتي الذي قام على دعاوى الإحلال أي التصنيع بدلً من الاستيراد للتخلص من التبعية للغرب، وتراجعت معدلات نموها بشكل مريع، وارتفعت مديونيتها الخارجية، كما نخر الفساد قطاعها العام وبيروقراطيتها المدنية والعسكرية. وهذه يمكن وصفها بمرحلة شعبوية عامة عمّت بدرجات متفاوتة العالم الثالث في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ومن المنظور الاقتصادي تمثل الضعف البنيوي الأخطر في ضعف إنتاجيتها، أو فيما يطلق عليه اقتصاديًا ضعف الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج Total Factor Productivity, TFP، حيث تقاس الإنتاجية بنوعية تحويل المدخلات إلى مخرجات (والتي تكشف عن أثر التقدم التكنولوجي والمعرفي والتنظيمي في زيادة

  1. لتمييزهم من الليبرالية السياسية.
  2. Kaltwasser, p. 480.

الإنتاج)68. وتميزت الأنظمة الشعبوية التي عرفها العالم الثالث في تلك المرحلة بتقديسها وحدة الشعب الطيب ضد الأحزاب التي تقسمه وتفسده، وترفّعها عن تصنيفات اليسار واليمين، أو تنقّلها بسهولة بينهما بموجب تغيّ التحالفات الدولية. يمكن تحديد الأنظمة السلطوية الشعبوية في العالم الثالث، فمن الممكن تمييزها من الأنظمة العسكرية المحضة والملكيات المطلقة والدكتاتوريات البيروقراطية. ولكن يصعب تصنيف المعارضات إلى شعبوية وغير شعبوية. فنمط المعارضة تحدّده الظروف، واستراتيجيات عملها حين يتاح هي عمومًا تعبوية شعبوية حتى لو كان الهدف هو الديمقراطية. وسبق أن ميّزت مارغريت كانوڨان بين الشعبوية في المجتمعات المتخلفة اقتصاديًّا والشعبوية في المجتمعات الحديثة؛ حيث إنها في المجتمعات المتخلّفة تُنتِج قادة سلطانيين Caesaristic، في حين أنها في الغرب يمكن أن تكون من غير قائد. وعمليًّا تساوي كانوڨان بين الشعبوية وما يُسمّى بالأغلبية الصامتة المُعرَّضة للأحزاب والحركات الشعبوية. لكن في الحقيقة، من الصعب تمييز القوى الشعبوية في ظل الأنظمة غير الديمقراطية أو ما قبل الديمقراطية (سواء أكانت هذه الأنظمة شعبوية أم لا.) فحدود الشعبوية تُصبح واضحة للعيان بوصفها ظاهرة مميزة في النظام الديمقراطي تحديدًا لأنها تُصارع على احتكار الحديث باسم الأغلبية في عملية تمثيل الشعب ضد أشكال تعتبرها تُزوِّر تمثيل الشعب عبر الأجسام الوسيطة مثل الأحزاب، وفي الحالات المتطرفة حتى البرلمانات. هنا تتميّز الشعبوية من الأحزاب والتيارات الأخرى الملتزمة بالنظام الديمقراطي. أما في الدكتاتوريات، فمن الصعب تمييز الشعبوية من غيرها في حالة تيارات المعارضة لأن جميع التيارات قد تجد نفسها تستخدم الشعبوية ضد نظام الحكم الدكتاتوري. لكن من السهل، كما أسلفنا، تمييز أنظمة شعبوية دكتاتورية من أنظمة ملكية ومن أنظمة دكتاتوريات عسكرية. فالنظام الدكتاتوري الشعبوي يتميّز من غيره بمخاطبة الشعب مباشرةً، والإكثار من التواصل معه، واستخدام لغة محاربة أعداء الشعب؛ أي إنه يُ ثل الشعب في السلطة ولا يمثل الجيش أو السلالة الحاكمة أو غيرهما، بل يدّعي تمثيل الشعب ومصالحه ضد نخب فاسدة، سواء أكان هو منتخبًا أم لا. وثمّة درجات بالطبع، فالقيادات الشعبوية في أميركا اللاتينية الأكثر تميزًا بدءًا بخوان بيرون ووصولً إلى هوغو تشافيز وغيره. وهم جميعًا تميّزوا من الفاشية بسياساتهم الاجتماعية لصالح الفقراء، وبأنهم أبقوا نوعًا من الانتخابات والمعارضة قائمًا، في حين أن شعبويات أخرى تجاوزت حدود الشعبوية إلى الفاشية، كما في حالة الأنظمة العربية الشعبوية. فهذه صعدت إلى الحكم باسم الشعب وضد نخب الحكم السابقة الفاسدة، ولكنها حاولت إقامة أنظمة شمولية تقمع أي صوت معارض وتمنع أي تيار سياسي من العمل وتسيطر على الإعلام والثقافة وتحتكر مصادر القوة في الدولة. صُمِّمَت المؤسسات الأوروبية الديمقراطية بعد الحرب العالمية الثانية، في ظل الفزع من تكرار تجربة الشعبوية السياسية التي مَيَّزت ديمقراطيات ما بعد الحرب العالمية الأولى التي استغلت اتفاقيات مذلّة لألمانيا والأزمة الاقتصادية العالمية 1919() وهشاشة هيمنة الديمقراطية في الشارع قبل السيطرة سياسيًا، لتقييد سلطة الأغلبية، سواء بالدساتير، أم بإتاحة المشاركة للأحزاب غير المعادية للديمقراطية، أم بدور القضاء الدستوري69، وكذلك بتدخل الدولة في الاقتصاد الذي يقيد حرية السوق للوقاية من الأزمات الاقتصادية الكبرى من النوع الذي سبق صعود النازية والفاشية. فحتى في القرن الحادي والعشرين يصعب فهم موجة الشعبوية التي اجتاحت أوروبا والولايات المتحدة من دون الأزمة الاقتصادية عام 2008، والتي ألزمت الإدارة الأميركية وغيرها بالتفكير في تشريعات جديدة تتدخل خلافًا للمعتاد في سوق الأوراق المالية، وفي أعمال البنوك. إنّ أحد مصادر جمع الشعبوية بين اليمين واليسار هو الفسخ النيوليبرالي بين الليبرالية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي أنجزت خلال مرحلة دولة الرفاه، وبروز ظاهرة العودة إلى الهويات المحلية والإثنية في مواجهة عولمة القيم وتنميطها. وهذا الفسخ أدى إلى تراجع الطبقة الوسطى وتضرّر فئات واسعة من العولمة والتجارة العالمية، وحرية تدفق الاستثمارات بحثًا عن عمالة أرخص في بلدان لم تتحقق فيها بعد منجزات نقابية وحقوق عمالية. وقد وقع فوكوياما في هذه المرحلة في فخ الرد على تصدير رؤوس الأموال استثماراتها الصناعية باللجوء إلى الشعبوية. فالأيديولوجيا الجديدة التي يحتاج إليها الديمقراطيون في نظره مركّبة من عنصرين: أولً، التشديد على السياسة الديمقراطية وأولويتها على الاقتصاد، واشتقاق شرعية الحكومة من تعبيرها عن الصالح العام. و ثانيًا، تحرير القطاع العام من الاعتماد على أصحاب المصالح، وإيجاد وسائل جديدة لتقديم الخدمات بواسطة التكنولوجيا المتطورة. وعلى هذه الأيديولوجيا الجديدة، من وجهة نظره، أن تُحاجِج لإعادة التوزيع وتقديم طريق واقعي لوقف سيطرة جماعات المصالح على السياسة70.

  1. 70  Francis Fukuyama, "The Future of History: Can Liberal Democracy Survive the Decline of the Middle Class?," Foreign Affairs , vol. 91, no. 1 (January-February 2012), p. 60, accessed on 10/6/2019, at: http://bit. ly/2VQAuDi
  2. Corduwener, p. 213.
  3. إبراهيم العيسوي، 68 لاقتصاد المصري في ثلاثين عامًا: تحليل التطورات لاقتصادية الكلية منذ 1974 وبيان تداعياتها لاجتماعية مع تصور لنموذج تنموي، منتدى العالم الثالث ومصر 2020 (القاهرة: المكتبة الأكاديمية، 2007)، ص 297؛ محمود عبد الفضيل، العرب والتجربة الآسيوية: الدروس المستفادة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص.193

قد نتفق معه حتى هنا، لكنه يضيف "أنه يجب أن تكون هذه الأيديولوجيا شعبوية" عبر الارتباط بالقومية كاستراتيجية تعبئة، وليس ب "الجماعات الهامشية التقدمية"، وأن تجمع بين اليمين واليسار "وسوف تبدأ الرسالة بنقد النخب التي سمحت بالتضحية بمصلحة الكثرة لصالح القلة ونقد السياسات المالية، خاصة في واشنطن التي تُفيد الأغنياء على وجه الخصوص"71. كيف يمكن التحكم في نتائج نشر أيديولوجيا شعبية بالتنظير لها سياسيًا بوصفها استراتيجيةً للتغيير؟ لقد أثبتت التجربة أنه يمكن استثمار الشعبوية لصالح رأسماليين فاسدين متحالفين مع نخب سياسية فاسدة باستخدام خطاب عنصري شوفيني يجمع بين العداء للأجانب والنخب الليبرالية. وبما أن فوكوياما راسخ الاعتقاد أن الطبقة الوسطى هي قاعدة النظام الديمقراطي الليبرالي، فإن ما يقلقه هو تراجع الطبقة الوسطى في الدول الديمقراطية. ولا توجد آليات واضحة لإعادة توزيع الثروة في الدول الرأسمالية المتطورة، ولا سيما أن الفوائد من آخر التطورات في التكنولوجيا تجد طريقها إلى أفراد المجتمع الأكثر موهبة والأكثر ثقافة، ما يركّز الثروة في فئات اجتماعية أصغر، ويوسّع الفجوة في الدخل. ففي عام 1974 امتلك 1 في المئة من العائلات في الولايات المتحدة 9 في المئة من الناتج القومي، وفي عام 2007 أصبح 1 في المئة من العائلات يمتلك ما نسبته 23.5 في المئة من الناتج القومي. وينطبق هذا خصوصًا على قطاعَي التكنولوجيا المتطورة والقطاع المالي. ويقدم فوكوياما ألمانيا مثالً على النجاح في الحفاظ على الأساس الصناعي الإنتاجي، في حين تحوّلت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بشكلٍ كامل إلى الاقتصاد ما بعد الصناعي القائم على الخدمات والتكنولوجيات المتطورة والقطاع المالي72. لكن الغريب أن ما طالب به فوكوياما لإصلاح الأوضاع انطلاقًا من نقد "يساري" لحرية التجارة، هو ما طبّقه ترامب، وذلك بوضع حواجز جمركية على الواردات، وإعادته النظر في اتفاقيات التجارة الحرة وإطلاقه حربًا تجارية عالمية مع الصين ونسبيًا مع أوروبا في مجال رفع الرسوم الجمركية على صادراتها إلى السوق الأميركية تترافق مع إغلاق الحدود أمام المهاجرين من الدول الفقيرة، وتلبيس هذه الخطوات بخطاب وطني شوفيني تحت شعارَي "أميركا أولً " و"أن تستعيد أميركا عظمتها." الغريب أن التدقيق في هذه الخطوات يوصل إلى نتيجة مفادها أن سياسات ترامب الشعبوية جمعت بين عناصر من سياسات اليمين واليسار. ويظهر الشكل أنّ التفاوت في الدخل في الولايات المتحدة أعلى بصورة ملحوظة من بقية الدول الغربية، وأنّ ألمانيا أقلّها تفاوتًا تليها فرنسا وثمة دعوة سابقة على دعوة فوكوياما لتبنّي الشعبوية ومؤسس لها نظريًا طوال سنوات، لكن بوصفها استراتيجية يسارية هذه المرة. تفهم شانتال موف الشعبوية اليسارية ذات الخلفية الديمقراطية الراديكالية بوصفها "استراتيجية ملائمة لاستعادة مُثُل المساواة والسيادة الشعبيّة المكونة للسياسة الديمقراطية وتعميقها"73. يأتي ذلك على خلفية ما تسمّيه "حالة ما بعد السياسة" التي نشأت نتيجةً لخضوع تيارَي اليسار واليمين المركزيَيّن في أوروبا الغربية لهيمنة النيوليبرالية بعد مرحلة مارغريت تاتشر (ويمكن القول استئنافًا لما قالته وفي الولايات المتحدة بعد وصول رونالد ريغان إلى البيت الأبيض)، ما أدى إلى غياب بدائل سياسية حقيقية مطروحة على الجمهور الأوروبي. فقد حل نوع من الإجماع على النيوليبرالية مكان الإجماع على دولة الرفاه ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتعني أوضاع "ما بعد السياسة" عمليًا "ما بعد الديمقراطية"، وذلك في غياب خيارات مطروحة على الجمهور مع هيمنة النيوليبرالية على الأحزاب المحافظة والاشتراكية الديمقراطية على حد سواء74. هكذا نشأ ما تُسمّيه "اللحظة الشعبوية" على خلفية إطلاق الحرية لقوانين السوق والتجارة الحرة والخصخصة وتقليص التحويلات الاجتماعية، والتقشف في مخصصات الخدمات الاجتماعية في ميزانيات الدولة للحفاظ على توازنها، وتفادي العجز على حساب تراجع الإنفاق العام. ومن هنا ثمة حاجة إلى تفهم شعبوية اليمين الأوروبي أيضًا بوصفها تعبيرات عن الضيق نفسه عند فئات متضررة من النيوليبرالية، وضرورة أن يتبنى اليسار خطابًا غير معادٍ للأجانب والأقليات وغيرها ليجتذب هذه الفئات بعيدًا عن شعبوية اليمين. ومع أنها تؤكد على بُعدَي المساواة والحرية، فهي في الحقيقة تصوّر الصراع بين الديمقراطية والليبرالية، أي بين الحرية والمساواة، كأنه صراع بين اليسار واليمين75. ومن الواضح أنه بموجب هذه الاستراتيجية يفترض أن تؤكد الشعبوية اليسارية على السيادة الشعبية والمساواة بوصفهما أساسَ الديمقراطية.

  1. Ibid., p. 61.
  2. Ibid., pp. 53, 59.
  3. Mouffe, p. 9.
  4. Ibid., pp. 10 - 13.
  5. Ibid., pp. 15 - 16. وسبق أن تطرق نوربيرتو بوبيو إلى أن ما يُ يّز اليسار هو تأكيده على بُعد المساواة في مركّب المساواة والحرية في الديمقراطية الليبرالية، في حين أن سياسات اليمين تعزز عدم المساواة، وأيديولوجيته لا تعتبر المساواة (ولا سيما المساواة الاجتماعية) قيمة أصلً، يُنظر: Norberto Bobbio, Left and Right: The Significance of a Political Distinction , Allan Cameron (Trans. & Intro.) (Chicago: The University of Chicago Press; Cambridge UK: Polity Press, 1996), pp. 60-63, 65.

تُشير موف إلى صعود اليسار الشعبوي في اليونان وإسبانيا وحركة "احتلوا وول ستريت" عام 2011. كما تذكر صعود اليمين الشعبوي وتشير إلى حزب الحرية في النمسا Freiheitliche Partei FPÖ Österreichs,، بقيادة يورج هايدر الذي قاد الحزب إلى توجّه شعبوي، وصعود حزب الجبهة الوطنية National, Front في فرنسا حين شرع يقدم نفسه باعتباره صوت الشعب ضد النخب. أمّا الحراك اليساري الذي تذكره موف في اليونان فهو الحركة المناهضة للتقشف في اليونان "الحانقون" Aganaktismenoi الذي انطلق عام 2010، وحركة الشباب "المستنكرون" أو "الغاضبون" Indignados في إسبانيا عام 2011. وتشير كذلك إلى صعود ائتلاف اليسار الراديكالي "سيريزا" في اليونان الذي وصل إلى الحكومة في كانون الثاني/ يناير 2015 ولم يتمكن من تنفيذ برنامجه الرافض للتقشف بسبب ضغط الاتحاد الأوروبي والحصار الذي فُرض على الحزب، وحزب بوديموس Podemos (قادرون) الإسباني اليساري الذي تبنى برنامج اليسار الاجتماعي ووصل إلى البرلمان عام 2014 76. الشعبوية اليسارية هنا هي استراتيجية سياسية توصل إلى الدخول إلى البرلمانات بغرض الوصول إلى الحكم، أو على الأقل التأثير في السياسة. ولكن سلوكها في الحكم، كما تبين حالة اليونان، يندرج في إطار الديمقراطية الليبرالية، ولم يغيّ بناها وآليات عملها، ويتكيف مع الظروف الاقتصادية المحلية والدولية. وتُشير أوربيناتي بدورها إلى حركات شعبوية ديمقراطية تُحشِّد المواطنين ضد ما تعتبره هذه الحركات خيانة مبادئ ديمقراطية أساسية، مثل المساواة التي من المفترض أنّ المجتمع وعد باحترامها، ومنها حركة جيروتوندي Girotondi في إيطاليا عام 2002، وظاهرة "احتلال" وول ستريت في الولايات المتحدة، وحركة "الغاضبون" في إسبانيا77. هنا تلتقي عمليًّا مع شانتال موف. لكنها خلافًا لِموف، تُصنّف حركة النجوم الخمسة M5S في إيطاليا وحزب بوديموس الإسباني باعتبارهما ما بعد اليسار واليمين وما بعد السياسة الحزبية78. ترى موف، خلال دعوتها اليسار للتعلّم من اليمين التاتشري، أنّ تاتشر فهمت أنّ الصراع بين اليمين واليسار هو صراع على الهيمنة ولذلك خاضت صراعها ضد إجماع ما بعد الحرب العالمية الثانية على دولة الرفاه، وركزت على تقويض قوة النقابات وتقليص بيروقراطية الدولة. لقد استدعت تاتشر من جديد قيم اليمين الأوروبي المحافظ مثل العائلة والوطن وحرية المبادرة والنجاح (واعتبار الإثراء نوعًا من النجاح)

  1. 78  Ibid., p. 38.
  2. Urbinati, p. 16.
  3. 76  Mouffe, p. 19. الشكل التفاوت في الدخل الوطني في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا)2016-1979(بحسب معامل جيني Gini coefficient المصدر: The World Bank, “GINI Index (World Bank Estimate) - United States, France, Germany, United Kingdom, Canada, Australia,” Data, accessed on 5/10/2019, at: http://bit.ly/332E9wM

ورفض البيروقراطية التي تعيش على حساب دافع الضرائب وغيرها. ولم يدرك اليسار البريطاني في حينه أنّ المعركة هي على الهيمنة، وظلّ يراهن على تردي أوضاع الطبقة العاملة في ظل اقتصاديات تاتشر، مثل البطالة وغيرها، لتعيده إلى الحكم، ولم يخض معركة الهيمنة، ما أدى في النهاية إلى انتصار النيوليبرالية حتى داخل حزب العمال البريطاني متمثلً بصعود توني بلير وتياره. الشعبوية بهذا المعنى هي صراع على الهيمنة؛ أي الهيمنة على الشارع وأفكار الناس79. إنّ التصور الصراعي للديمقراطية Agonistic Conception of Democracy عند موف ظهر بدايةً في كتابها عودة السياسي 1993()، حيث عرّفت عودة السياسي بإدراك اليسار وجود صراع على هيمنة توجهين مختلفين في الاقتصاد والسياسة، بحيث لا يتوصلان إلى اتفاق بل ينتصر أحدهما على الآخر. هكذا تُستدعى مقولات "العدو والصديق"، لكن بصيغة مخففة؛ إذ يستخدم بدلً منها مصطلح الخصوم Adversaries. وهي لا تعتبر السياسة القائمة على انقسام "نحن" و"هم" بين خصوم (وليس أعداء) خطرًا على الديمقراطية80. ولا أعتقد أنه يمكن التحكم في مثل هذا الانقسام بعد التحشيد له. ولهذا فهو ليس محبّذًا أصلً في الديمقراطيات، كما سأبيّ لاحقًا. والهيمنة عبر استغلال العاطفة وغيرها لا يمكن أن تتحول إلى سياسات هوية. لا ضرر على الديمقراطية من تبنّي اليسار خطابًا مساواتيًا شعبويًا، كما أنّ مبدأ الحرية متجليًا في الحريات قد ترسّخ في الديمقراطيات التاريخية، ولا يؤذيها كثيرًا عدم تشديده عليها. يضاف إلى ذلك أنّ هذا النوع من اليسار سرعان ما يتبنى سياسات أكثر قربًا من التيارات المركزية التي حكمت حالما يصل إلى الحكم، كما حصل في اليونان. ولا ضرر على الديمقراطية كذلك من صعود حركات احتجاج على سياسات وأوضاع قائمة، ترفع مطالب عينية، بحيث تجمع ناشطين من مشارب أيديولوجية مختلفة، بما في ذلك من يسار ويمين، ومتدينين وعلمانيين، وليبراليين وغير ليبراليين. فمن الطبيعي أن تجمع الحركات الاحتجاجية المطلبية الناس على مطالب وليس على أيديولوجيات. تنشأ المشكلة بالنسبة إلى النظام الديمقراطي عند التقاء أفراد وحركات من مشارب وأيديولوجيات مختلفة في حراك وتجمعات، والمشترك الوحيد بينهم هو الغضب على النخب السياسية في العاصمة، والنقمة على الأحزاب والبرلمان والقضاء والمثقفين الليبراليين، والنظر إلى هؤلاء "الخصوم" بوصفهم الآخر أو "العدو"، بحيث تتشكّل "نحن" شعبوية تحتكر التعبير عن الشعب في مقابل "هم" نخبوية. هذا الانقسام بين "نحن" و"هم"، وليس بين خير وشر، أو جميل وقبيح، بل بين "نحن" و"العدو"، أي الآخر المختلف جوهريًا ووجوديًا وقابلية الانخراط ضده في صراع غير محدد بقواعد مسبقة ولا أخلاقيات مشتركة، هو جوهر المجال السياسي عند كارل شميت81. ويحوّل الصراع بين "نحن" و"هم" ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين إلى القاعدة وليس الاستثناء لأنه لا يمكن تخيّل أن يحكم التعامل مع العدو والصديق بنفس المعايير. وهو بمعنى آخر إسقاط فكرة الصديق والعدو من المجال الدولي والعلاقات بين دول سيادية على علاقات القوى السياسية في الداخل، والتي يفترض أنها تنتظم في ظل دولة سيادية تحتكر العنف الشرعي، ما ينهي أيّ احتمال لتعددية ديمقراطية. فالديمقراطية لا تحتمل انقسامًا حادًا بين "نحن" و"هم"، من دون "نحن" جامعة لجميع ال "نحن" وال "هم" الممكنة، مهما كانت هذه ال "نحن" الجامعة ضامرة. فتَحْت سقف إجماعها على الدولة/ الوطن تكون التعددية ممكنة. إنّ تعريف السياسي بتنظيم العلاقة بين العدو والصديق هو تعريف شمولي للظاهرة بحدودها، تمامًا بموازاة تعريفه السيادة بوصفها الحق في فرض حالة الطوارئ، أي الحق في القتل. لا، ليس هذا جوهر السياسة، بل حدّها الأقصى. وإذا خطونا خطوة واحدة في هذا الاتجاه سوف نجد أنفسنا خارج السياسة. فالحرب مثلً هي استمرار للسياسة بأدوات أخرى. ومعنى كلمة "أخرى" هنا "غير سياسية." إنّ الانقسام إلى "نحن" و"هم" هو انقسام هوياتي، يختزل السياسة إلى بنى غير تداولية ولاتبادلية بل محصنة في هويات. والسياسة في حالتها هي صراع قد يقود إلى إلغاء طرف لطرف آخر أو إلى المحاصصة التوافقية للدولة كأنها غنيمة من دون تغيير في مفهوم الصالح العام، أو في نهج إدارة الدولة. والحالتان تلغيان السياسة التعددية التي تتلخص في تنافس عادل ونزيه بين تصورات مختلفة للخير العام، ولكيفية إدارة الدولة. ويمكن أن تتيح السياسة التعددية الصراع على الحكم بين ساسة انتهازيين لمجرد الوصول إلى السلطة، ولكن منطق التعددية التنافسية الديمقراطية يفرض حتى على هؤلاء صياغة طموحهم بصورة برنامج متعلق بالصالح العام وإدارة الشأن العام، والخضوع لمناقشات حوله. ليست التعددية التنافسية الديمقراطية مجرد صراع بين قطاعات محصنة خلف هويات. فمثل هذا الانقسام بين "نحن" و"هم" يشبه التعددية الاجتماعية ما قبل السياسية بين قبائل وطوائف أكثر مما يشبه التعددية الديمقراطية. كما أن احتكار تمثيل الشعب، واعتبار الخصم خارج الشعب المعبّ عنه في خطاب إقصائي قد يقود إلى ممارسات إقصائية في قمع المعارضة

  1. Mouffe, p. 19.
  2. Ibid., pp. 90-93; See: Chantal Mouffe, The Return of the Political (New York/ London: Verso, 1993).
  3. Carl Schmitt, The Concept of the Political , Georg Schwab (trans.) (Chicago & London: University of Chicago Press, 2007), pp. 26 - 31.

والانزلاق من الشعبوية إلى الفاشية، ويسهل ذلك خطر الشعبوية الثاني وهو ضيقها بالمؤسسات الوسيطة مثل الأحزاب والصحف، وصولً إلى البرلمان ذاته، ووضع الثقة في قائد يتفاعل معه الشعب مباشرة من دون وسطاء، ويدّعي أنه يتمثل هموم الشعب ويمثل إرادته. يدفعنا الانقسام بين "نحن" و"هم" إذا تجاوز التنافس على فهم الصالح العام، إلى صراعات بين مصالح قطاعية فحسب، إما إلى مغادرة السياسة نحو الحرب والإلغاء، وإما العودة بها إلى القبلية الاجتماعية، التي لا تتيح سياسة تعددية تداولية، بل تقود في أفضل الحالات إلى محاصصة تتعامل مع الدولة ومواردها على نحو تهارشي (أو افتراسي) بوصفها غنيمة. وإذا كان هذا أساس الشعبوية، فلا يمكن أن تكون شعبوية ديمقراطية.

المراجع

العربية

أرسطو. السياسة لأرسطو طاليس. ترجمة عن الإغريقية جول بارتلمي – سانتهيلير. تعريب أحمد لطفي السيد. سلسلة طي الذاكرة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 بشارة، عزمي. "صعود اليمين واستيراد صراع الحضارات نحو الداخل: حين تنجب الديمقراطية نقائض الليبرالية." سياسات عربية. العدد 23 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2016 في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. ط.4 ________. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018.]2007[شميت، كارل. أزمة البرلمانات. تعريب فاضل جتكر. بيروت: معهد دراسات عراقية،.2008 ________. اللاهوت السياسي. تعريب رانية الساحلي وياسر الصاروط. ب وررت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 العامري، عصام فاهم. المأزق العالمي للديمقراطية: بلوغ نقطة التحول. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 عبد الفضيل، محمود. العرب والتجربة الآسيوية: الدروس المستفادة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2000 العيسوي، إبراهيم. لاقتصاد المصري في ثلاثين عامًا: تحليل التطورات لاقتصادية الكلية منذ 1974 وبيان تداعياتها لاجتماعية مع تصور لنموذج تنموي. منتدى العالم الثالث ومصر 2020. القاهرة: المكتبة الأكاديمية،.2007

الأجنبية

Allcock, John B. "'Populism': A Brief Biography." Sociology. vol. 5. no. 3 (September 1971). at: http://bit.ly/2rEqOO1 Barnes, Jonathan (ed.). The Complete Works of Aristotle: The Revised Oxford Translation. Benjamin Jowett (trans.). vol. 2. Princeton, New Jersey: Princeton University Press, 1984. Bobbio, Norberto. Left and Right: The Significance of a Political Distinction. Allan Cameron (Trans. & Intro.). Chicago: The University of Chicago Press; Cambridge UK: Polity Press, 1996. Corduwener, Pepijn. "Research Note: Integrating Contemporary Populism with the History of Democracy in Western Europe." European Political Science. vol. 16, no. 2 (June 2017). at: http://bit.ly/2misauV De Tocqueville, Alexis. Democracy in America. Eduardo Nolla (ed.). James T. Schleifer (trans.). vol. 1. Indianapolis: Liberty Fund, 2012. Diamond, Larry & Marc F. Plattner (eds.). The Global Resurgence of Democracy. 2 nd ed. Baltimore/ London: Johns Hopkins University Press, 1996. Freeden, Michael. "Is Nationalism a Distinct Ideology?" Political Studies. vol. 46, no. 4 (1998). at: http://bit.ly/2mXVAzk Fukuyama, Francis. "The Future of History: Can Liberal Democracy Survive the Decline of the Middle Class?" Foreign Affairs. vol. 91, no. 1 (January/ February 2012). at: http://bit.ly/2VQAuDi Goodhart, David. The Road to Somewhere: The Populist Revolt and the Future of Politics. London: Hurst & Co., 2017. Huntington, Samuel P. Political Order in Changing Societies. with a new foreword by Francis Fukuyama. New Heaven: Yale University Press, 2006 [1968].

Kaltwasser, Cristóbal Rovira. "The Responses of Populism to Dahl's Democratic Dilemmas." Political Studies. vol. 62, no. 3 (October 2014). at: http://bit.ly/2nNPUYS Kornhauser, William. The Politics of Mass Society. Glencoe, Ill.: The Free Press, 1959. Laclau, Ernesto. On Populist Reason. London/ New York: Verso, 2005. Laclau, Ernesto & Chantal Mouffe. Hegemony and Socialist Strategy: Toward a Radical Democratic Politics. 2 nd ed. London/ New York: Verso, 2001. Lipset, Seymour Martin. Political Man: The Social Bases of Politics. New York: Doubleday and Co., 1960. Maier, Charles S. "Democracy and Its Discontents." Foreign Affairs. vol. 73, no. 4. July - August 1994. at: http://bit.ly/2DrmeWr Manin, Bernard. Principles of Representative Government. Cambridge: Cambridge University Press, 1997. Mouffe, Chantal. The Return of the Political. New York/ London: Verso, 1993. ________. For a Left Populism. London/ New York: Verso, 2019. Mudde, Cas. "The Populist Zeitgeist." Government and Opposition. vol. 39, no. 4 (2004). at: http://bit.ly/2mT7pGS ________. Populist Radical Right Parties in Europe. Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2007. O'Donnell, Guillermo & Philippe C. Schmitter, (eds.). Transitions from Authoritarian Rule: Tentative Conclusions about Uncertain Democracies. vol. 4. Baltimore/ London: Johns Hopkins University Press, 1986. Offe, Claus. "New Social Movements: Challenging the Boundaries of Institutional Politics." Social Research. vol. 52, no. 4. Social Movements (Winter 1985). at: http://bit.ly/2WuZsro Shils, Edward A. "Populism and the Rule of Law." University of Chicago Law School Conference on Jurisprudence and Politics. April 1954. Conference Series no. 15. ________. "The Intellectuals in the Political Development of the New States." World Politics. vol. 12. no. 3 (April 1960). at: http://bit.ly/34UiVSL Schmitt, Carl. The Concept of the Political. Georg Schwab (trans.). Chicago: University of Chicago Press, 2007. ________. Political Theology, Four Chapters on the Concept of Sovereignty. George Schwab (trans.) Chicago: University of Chicago Press, 2005. ________. The Crisis of Parliamentary Democracy. Ellen Kennedy (trans.) Cambridge, MA: MIT Press, 1985. Schumpeter, Joseph A. Capitalism, Socialism, and Democracy. New York: Harper and Brothers, 1942. ________. Capitalism, Socialism and Democracy. London/ New York: Routledge, 1996. Taylor, Laurie. "Culture's revenge: Laurie Taylor interviews Stuart Hall - Disillusioned but not Defeated, Stuart Hall Talks to Laurie Taylor about the Limits of Liberalism." New Humanist. May 31, 2007 [originally published in 2006]. at: http://bit.ly/34VkFeF Political Businessmen, "Small Martin. Trow, Tolerance, and Support for McCarthy." American Journal of Sociology. vol. 64, no. 3 (November 1958). at: http://bit.ly/33IDIbN Urbinati, Nadia Me the People: How Populism Transforms Democracy. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2019. Weyland, Kurt. "Clarifying a Contested Concept: Populism in the Study of Latin American Politics." Comparative Politics. vol. 34, no. 1 (October 2001). at: http://bit.ly/2qk1zzx