قطر والولايات المتحدة الأميركية: تحولات العلاقة وحدود التوافق والاختلاف

Marwan Kabalan مروان قبلان |

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في جذور العلاقات القطرية - الأميركية، والأسس التي قامت عليها، والضوابط التي تحكمها. وتنطلق الدراسة في بحثها هذه العلاقات من سبعينيات القرن المنصرم إلى فترة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ترى الدراسة أن حاجة قطر إلى ضمانات أمنية أميركية لم تمنعها من تبني سياسات مستقلة وأحيان ا متعارضة مع السياسات الأميركية. وقد خضعت بناء عليه العلاقات القطرية - الأميركية لمدٍ وجزر، وتعرضت لأزمات بسبب تباين المصالح والاهتمامات والتحديات التي تواجه البلدين. لقد نحت قطر في علاقاتها الإقليمية والدولية إلى تبني سياسة خارجية مستقلة عن واشنطن، إلا أنها حرصت في الآن نفسه على البقاء قريبة منها، وجعلت من نفسها حاجة حيوية للمصالح الأميركية، سواء فيما يخص حضورها العسكري في المنطقة، أو الأدوار الفريدة التي تضطلع بها في تهدئة التوترات والنزاعات وعمليات الإغاثة الناتجة من احتفاظها بعلاقات مع جميع الأطراف في المنطقة، وخصوصًا تلك التي لا تستطيع واشنطن التواصل معها إلا عبر وسيط. هذه الاعتمادية المتبادلة أسهمت في تجاوز العلاقات القطرية - الأميركية كل التحديات والصعوبات التي واجهتها، على مدى العقود الثلاثة الماضية، وبلغت ذروتها في عهد إدارة ترامب. كلمات مفتاحية: قطر، الولايات المتحدة، الخليج العربي. This study explores the origins of Qatari-US relations, the foundations on which they are based, and the rules that govern them. It begins by examining relations between the two countries from the 1970s up until the Trump era. The paper finds that Qatar's need for US security assurances did not prevent it from adopting independent policies that occasionally contradicted US strategy. Accordingly, the Qatari-US relations have been upended, and exposed to crises due to diverging interests, concerns and challenges. While Qatar has embraced a foreign policy independent of Washington, it has also tried not to alienate it and has established itself as an asset for the US, both in terms of the military facilities it provides and the unique role it plays through maintaining ties with parties that the US cannot communicate with directly. Mutual dependency has enabled Qatari-US relations to overcome all the challenges they have faced over the past three decades, including those that emerged under the Trump administration. Keywords: Qatar, United States, the Gulf.

Qatari-US Relations: Limits of Compatibility and Differences

مقدمة

تُعدّ الولايات المتحدة الأميركية الفاعلَ الأبرز في السياسات الإقليمية لدول المنطقة، انطلاقًا من أنها قوة عظمى، ونظرًا إلى علاقاتها التاريخية الوثيقة بحلفائها الخليجيين ووجودها العسكري القوي في منطقة الخليج. وزادت أهمية دورها بسبب تبنّيها مقاربات غير تقليدية في سياستها الخارجية في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب. ويمكن القول إن الولايات المتحدة أدّت دورًا مهمً في اندلاع أزمة الخليج في عام 2017؛ ذلك أن وصول رجل الأعمال ترامب إلى السلطة في انتخابات الرئاسة في عام 2016، أدّى إلى تغير كبير في السياسة الأميركية عمومًا، وتجاه منطقة الخليج خصوصًا، حيث شرع الرئيس الجديد الذي قدّم نفسه خلال الحملة الانتخابية باعتباره نقيض سلفه، في محو إرث الرئيس باراك أوباما 2017-2009() وتغيير سياساته كلها. وبناء عليه، أنهى وصول ترامب إلى السلطة توترًا مكتومًا في العلاقات الأميركية - السعودية، نتج بصورة رئيسة من مواقف إدارة الرئيس أوباما من ثورات "الربيع العربي"، في مصر خصوصًا، والاتفاق النووي مع إيران 1+5() الذي ساهم في إخراج إيران من عزلتها وفك العقوبات الدولية عنها1. أما العلاقات مع قطر، فقد تدهورت في بداية عهد الرئيس الجديد، قبل أن تعود وتتحسن لاحقًا. أظهرت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، اللتان ساءتهما سياسات إدارة أوباما في المنطقة، ارتياحًا لوصول ترامب إلى السلطة، وشرعتا بمجرد إعلان فوزه بالانتخابات الرئاسية في بناء علاقة وثيقة به، على الصعيدين الشخصي والرسمي، على الرغم من أن إدارة أوباما باعت دول الخليج أكبر كميات أسلحة في تاريخ العلاقات الخليجية - الأميركية، حيث وصل ثمن مبيعات السلاح الذي أبدت السعودية اهتمامًا بشرائه خلال ثمانية أعوام من حكم أوباما إلى 115 مليار دولار2. وكُشف عن اجتماعات عدة عُقدت بين فريق الرئيس الجديد وممثلين عن الإمارات والسعودية، منها زيارة لولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، غير معلنة إلى نيويورك، ولم تُبلّغ إدارة أوباما المنصرفة بها، حيث اجتمع خلالها بفريق الرئيس ترامب3، كما كُشف عن اجتماع آخر، رتّبه مستشار بن زايد، الأميركي من أصل لبناني جورج نادر، بين ممثل عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس شركة بلاك ووتر Blackwater للخدمات الأمنية أريك برنس Prince Erik، الذي عُيّنت شقيقته وزيرةً للتعليم في إدارة الرئيس ترامب4. أما السعودية، فقد عمد، ولي عهدها، محمد بن سلمان، إلى بناء علاقة شخصية قوية مع صهر الرئيس جاريد كوشنر5، الذي أنيط به مهمة الإشراف على ترتيبات زيارة ترامب إلى السعودية، والتي كانت زيارته الخارجية الأولى. وقبل ذلك دعا كوشنر بن سلمان إلى زيارة البيت الأبيض في منتصف آذار/ مارس 2017، التقى خلالها الرئيس الأميركي الجديد. من جهة أخرى، لم يساعد موقف الرئيس أوباما المعارض سياسات دول الحصار (السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، ومصر) في الذهاب إلى أبعد من سحب سفرائها من الدوحة في أزمة عام 2014-2013 بين دولة قطر والسعودية والإمارات، بينما بدا ترامب أكثر استعدادًا لتفهّم مواقف الدول التي فرضت الحصار على قطر، بل خططت للقيام بعمل عسكري ضدها6، كما كشف عن ذلك أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الذي تولّت بلاده القيام بدور الوساطة في الأزمة الخليجية7. من هذا المنطلق يمكن القول إن الموقف الأميركي كان حاسمً في تحديد طبيعة العلاقات بين دول الخليج عمومًا، وبين قطر ودول الحصار (السعودية والإمارات خصوصًا)، ما يبرر أهمية تناوله من خلال دراسة العلاقات القطرية - الأميركية ومحاولة سبر حقيقة الأهداف والسياسات الأميركية تجاه قطر وعموم منطقة الخليج، خاصة في عهدي الرئيسين أوباما وترامب.

أولا: جذور العلاقات القطرية - الأميركية

لم ترتبط قطر وباقي إمارات الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية، أو ما كان يُعرف بريطانيًا ب "إمارات الساحل المتصالح" Coast Trucial، بعلاقات تاريخية مميّزة مع الولايات المتحدة. كما لم يكن لهذه الأخيرة، على الرغم من مصالحها الكبرى في المنطقة، أيّ حضور أو وجود عسكري فيها، حيث اقتصر اهتمام الغرب بهذه المنطقة تاريخيًا على الأوروبيين، نظرًا إلى وقوعها على طريق الهند التي كانت أولً مستعمرة برتغالية، اعتبارًا من عام 1505، قبل أن تتحوّل ملكيّتها إلى بريطانيا ابتداء من

  1. مروان قبلان، "العلاقات السعودية – الأميركية: انفراط عقد التحالف أم إعادة تعريفه؟ "، سياسات عربية، العدد 6 (كانون الثاني/ يناير 2014)، ص.18-5
  2. William D. Hartung, "U.S. Arms Transfers to Saudi Arabia and the War in Yemen," Security Assistance Monitor , 9/7/2016, accessed on 8/9/2019, at: https://bit.ly/2Ulxf2c; Yara Bayoumy, "Obama Administration Arms Sales
  3. Adam Entous, "Israeli, Saudi, and Emirati Officials Privately Pushed for Trump to Strike a "Grand Bargain" with Putin," The New Yorker , 9/7/2018, accessed on 8/9/2019, at: https://bit.ly/2L73g91
  4. Adam Entous, Greg Miller, Kevin Sieff & Karen DeYoung, "Blackwater Founder Held Secret Seychelles Meeting to Establish Trump-Putin Back Channel," The Washington Post , 3/4/2017, accessed on 8/9/2019, at: https://wapo.st/2QlabT2
  5. Bob Woodward, Fear: Trump in the White House (New York: Simon & Schuster, 2019), pp. 118-120. 6  Dexter Filkins, "A Saudi Prince's Quest to Remake the Middle East," The New Yorker , 2/4/2018, accessed on 8/9/2019, at: https://bit.ly/2pVdLng
  6. Offers to Saudi top $115 Billion: Report," Reuters , 7/9/2016, accessed on 8/9/2019, at: https://reut.rs/2y3ENL5
  7. Remarks by President Trump and Emir Sabah al-Ahmed al-Jaber al-Sabah of Kuwait in Joint Press Conference," Foreign Policy , The White House, 7/9/2017, accessed on 8/9/2019, at: https://bit.ly/2Fexkkg

عام 1661. وحتى عام 1971 بقيت الولايات المتحدة تعتمد على الوجود العسكري البريطاني في الخليج لضمان الأمن فيه. وهناك من اعتبر أن واشنطن كانت تُعدّ راكبًا مجانيًا بهذا المعنى8، بمقدار ما أصبح، بعد ذلك، باقي القوى الدولية راكبًا مجانيًا يعتمد على واشنطن التي تولّت مسؤولية الأمن جزئيًا في الخليج، بعد سقوط نظام الشاه في إيران والغزو السوفياتي لأفغانستان في عام 1979، وإعلان مبدأ كارتر 1981-1977() في عام 1980، ثم على نحو كلي بعد الغزو العراقي للكويت في عام 1990، وصعود مبدأ كلينتون 2001-1993() الذي تبنى سياسة الاحتواء المزدوج Containment Dual تجاه العراق وإيران ابتداء من عام.1993 واقع الحال، على الرغم من الاهتمام الكبير الذي تبديه الولايات المتحدة لمنطقة الخليج، منذ اكتشاف النفط فيها في ثلاثينيات القرن العشرين، فإن التركيز الأميركي بقي منصبًّا على الدول الكبرى فيها (السعودية وإيران.) وازدادت أهمية هاتين الدولتين بالنسبة إلى الولايات المتحدة مع الحرب الباردة، حيث اكتست المنطقة أهمية جيوسياسية إضافة إلى أهميتها الاقتصادية (القائمة على امتلاكها أكبر احتياطي نفطي في العالم) في إطار الصراع بين القوتين العظميين. وكرّست الولايات المتحدة وجودها على ضفتي الخليج، الغربية، من خلال تفاهم "الأمن في مقابل النفط" الذي أبرمه الرئيس فرانكلين روزفلت 1945-1933() مع الملك عبد العزيز آل سعود الذي غدا ملك المملكة العربية السعودية 1953-1932() في اجتماعهما الشهير على ظهر السفينة كوينسي Quincy في البحيرات المرة (مصر) في شباط/ فبراير 1945 (حين كان روزفلت عائدًا من مؤتمر يالطا في شبه جزيرة القرم، حيث حضر قمة الحلفاء المنتصرين في الحرب، إلى جانب تشرشل وستالين)9. أما على ضفة الخليج الشرقية، حيث إيران، فنجحت الولايات المتحدة في دفع روسيا وبريطانيا بداية إلى الانسحاب منها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، قبل أن تتحوّل إلى القوة الخارجية الوحيدة المهيمنة فيها بعد إطاحة حكومة رئيس الوزراء محمد مصدق 1953-1951() وإعادة الشاه في عام 1953 10. سلّمت واشنطن مرحليًا بالنفوذ البريطاني على السواحل الشرقية لشبه الجزيرة العربية، على الرغم من أنها اجتهدت في طرد بريطانيا من مناطق مختلفة في الشرق الأوسط11، بما فيها إيران. ومع إعلان رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت، هارولد ويلسون Wilson Harold (تولى رئاسة الوزارة مرتين، 1970-1964 و 1976-1974)، في مطلع عام 1968 عن رغبة حكومته في الانسحاب من المنطقة12، تركزت الاستراتيجية الأميركية لملء الفراغ، في ضوء انشغالها في فيتنام، على الاعتماد على السعودية وإيران لمنع الاتحاد السوفياتي من استغلال الفرصة واختراق المنطقة، وشكلت هذه الاستراتيجية جوهر مبدأ نيكسون 1974-1969()، الذي أعلن وزير الخارجية الأميركي في ذلك الوقت هنري كيسنجر 1977-1973() عن ترجمته في المنطقة عبر سياسة الدعامتين Twin Pillars التي تشمل تقديم كل أشكال الدعم والمساندة لتعزيز قدرات السعودية وإيران، من أجل القيام بدور الحامي للمنطقة نيابة عن الولايات المتحدة13. حتى خروج البريطانيين من الخليج في عام 1971، كانت إمارات الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية، بما فيها قطر، تعتمد أمنيًا على الحماية البريطانية، وكانت تدفع إيران، ولاحقًا السعودية، في الوقت نفسه، في اتجاه خروج البريطانيين من المنطقة. وما إن خرج البريطانيون حتى سارعت إيران في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1971 إلى ضم جزر الإمارات الثلاث (طنب الصغرى، وطنب الكبرى، وأبو موسى)، وكان لها مطالب في البحرين. أما السعودية، فكان لها مطالب في أراضي عمُان (واحة البريمي) والإمارات (العين، وخور العديد) والكويت (المنطقة المحايدة) وفي قطر أيضًا14. وحُلّ النزاع الحدودي بين قطر والسعودية بعد التوصل إلى اتفاقية ترسيم الحدود البرية بينهما في عام 1965 15. لكن، أُثير هذا الملف من جديد، عندما هاجمت السعودية مركز الخفوس الحدودي مع قطر واحتلته في أيلول/ سبتمبر 1992 16. وفي آذار/ مارس 2001، توصّل البلدان إلى اتفاقية لترسيم الحدود البرية والبحرية بصفة نهائية، وأُغلق بموجبها ملف خلاف دامَ نحو 35 عامًا17. أما بخصوص النزاع بشأن واحة البريمي والعين، وخور العديد، فجرى التوصل في اتفاقية جدة في عام 1974، إلى حصول السعودية على خور العديد وحقل الشيبة النفطي،

  1. Gary Sick, "Amercia: The Hesitant Hegemon," Unpuplished Paper Presented At The Fifth Annual Meeting of the Gulf Studies Forum, Doha,
  2. Amitav Acharya, U.S. Military Strategy in the Gulf: Origins and
  3. Kermit Roosevelt, Countercoup: The Struggle for the Control of Iran
  4. Bassam Tibi, Conflict and War in the Middle East, 1967-91: Regional
  5. F. Gregory Gause, "British and American Policies in the Persian Gulf, 1968–1973," Review of International Studies , vol. 11, no. 4 (1985), pp. 247-273.
  6. Acharya.
  7. للمزيد عن الخلافات الحدودية بين السعودية وجاراتها، ينظر: مشاري النعيم، 14 الحدود السياسية السعودية: البحث عن لاستقرار، (بيروت: دار الساقي،.)1999 15  Anthony H. Cordesman, Saudi Arabia: National Security in a Troubled Region (Washington D.C.: Center for Strategic and International Studies; Praeger Security International, 2009), pp. 36-37. مروان قبلان، "سياسة قطر الخارجية: النخبة في مواجهة الجغرافيا"، 16 سياسات عربية، العدد 28 (أيلول/ سبتمبر 2017) ص.16 17  " قطر والسعودية توقعان على اتفاقية نهائية لترسيم الحدود"، الجزيرة نت، 2001/3/21، شوهد في 2019/9/8، في https://bit.ly/2SjxZ66:
  8. Evolution under the Carter and Reagan Administrations (London/ New York: Routledge, 1989).
  9. (New York: McGraw-Hill, 1979).
  10. Dynamc and the Superpowers, Clare Krojzl (trans.) (Hampshire/ London: Macmillan Press Ltd., 1993), p. 93.

وحصلت أيضًا على منفذ على الخليج العربي لتفصل من خلاله بين الإمارات وقطر. في المقابل اعترفت السعودية بسيادة الإمارات على العين. لكن الإمارات لم تصدّق أبدًا على هذه الاتفاقية18. كما لم تكن قطر جزءًا منها، على الرغم من أن التغيير لحق حدودها مع الإمارات التي ما عادت تملك حدودًا برية مع قطر. نأت الولايات المتحدة بنفسها عن الخلافات الحدودية بين دول الخليج، على الرغم من أهمية المنطقة بالنسبة إليها، وبقي اهتمامها منصبًّا على الحفاظ على أمن المنطقة لمنع التغلغل السوفياتي فيها، وضمان استمرار تدفّق النفط منها، وخصوصًا بعد الحظر النفطي العربي في عام 1973. أما بعد نهاية الحرب الباردة، فالتركيز الأميركي أصبح على منع العراق و/ أو إيران من الهيمنة على الخليج، بموجب سياسة الاحتواء المزدوج التي وضع أسسها مساعد وزير الخارجية والسفير الأميركي الأسبق في إسرائيل مارتن إنديك19.

لم تتطور العلاقات الثنائية الأميركية - القطرية كثيرًا خلال العقدين التاليين، على الرغم من أن الولايات المتحدة أقامت علاقات دبلوماسية مع قطر في عام 1973 وافتتحت سفارة لها فيها. ولم تغير فيها كثيرًا التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال هذه الفترة، بما فيها سقوط نظام الشاه في إيران والغزو السوفياتي لأفغانستان، ثم اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية في عام 1980؛ إذ بقيت الولايات المتحدة تركز على علاقاتها بالسعودية، خصوصًا بعد إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية في عام 1981، باعتبارها قائدته. لم تتطور العلاقات الأميركية - القطرية كثيرًا خلال السبعينيات والثمانينيات، ليس هذا فقط، بل، وللمفارقة، تعرّضت لأزمة خطرة في عام 1988، حينما زوّدت الولايات المتحدة البحرين بسبعين صاروخًا مضادًا للطائرات، محمولً على الكتف من طراز "ستينغر"، الأمر الذي أثار مخاوف قطر وامتعاضها، فاشترت في المقابل 12 صاروخًا من النوع نفسه من السوق السوداء، في محاولة منها لتعديل موازين القوى؛ فطالبتها واشنطن بإعادة الصواريخ والكشف عن الجهة التي باعتها، لكن قطر رفضت تسليمها، ما حدا بالكونغرس إلى فرض حظر على تصدير السلاح إلى قطر، حتى تقوم بإعادة الصواريخ20. ولم تسلّم قطر واشنطن الأرقام التسلسلية للصواريخ المذكورة إلا في عام 1992، عندما وقّع البلدان اتفاقية دفاعية. وكانت قطر والبحرين خلال هذه الفترة متورطتين بالنزاع على مناطق حدودية بحرية، واستفحل هذا الخلاف في عام 1986، وكادت تقع حرب بينهما بسبب ذلك21.

ثانيًا: العلاقات القطرية - الأميركية بعد غزو الكويت

شهدت العلاقات القطرية - الأميركية بعد ذلك تحسنًا كبيرًا؛ ففي كانون الثاني/ يناير 1991، شاركت قوة قتالية قطرية إلى جانب قوات التحالف الدولي في ما عُرف بحرب الخليج الثانية 1991() من أجل صدّ هجوم عراقي على منطقة الخفجي السعودية. لم يكن الشيخ خليفة بن حمد 1995-1972() يُحبذ حتى تلك الفترة السماح بإنشاء قاعدة جوية للقوات الأميركية في بلاده، إلا أنه، في المقابل، سمح لها بالتزوّد بالوقود، كما سعى لإقناع شركات أميركية بالاستثمار في مجال تطوير صناعة الغاز السائل وإشراك المصارف الأميركية في إدارة الأصول المالية القطرية التي تجاوزت في حينه ملياري دولار22. بعد عملية تحرير الكويت، تعمّقت العلاقات القطرية - الأميركية، بالتوازي مع ازدياد حدّة التوتر في العلاقات القطرية - السعودية، خصوصًا بعد أن هاجمت السعودية مركز الخفوس الحدودي مع قطر واحتلته. وردّت قطر على ذلك بإعادة علاقاتها الدبلوماسية مع العراق

  1. Saudi Arabia and United Arab Emirates: Agreement on the Delimitation of Boundaries (with exchange of letters and map). Signed at Jeddah, Saudi Arabia, on 21/8/1974," United Nations, Treaty Series no. 30250, 9/9/1993, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2lY4ZWy
  2. بشأن هذه السياسة، ينظر:
  3. Elaine Sciolino, "Qatar Reject U.S. Demand For Return of Illicit Stingers," The New York Times , 28/6/1988, accessed on 8/9/2019, at: https://nyti.ms/2m6fnvC
  4. الأمم المتحدة، 21 تقرير محكمة العدل الدولية، 1 آب/ أغسطس 31-2000 تموز/ يوليو 2001، الملحق رقم 4 (6ِ4/A/5)، ص 19-18، شوهد في 2019/9/17، في: http://bit.ly/2lXLA88؛ حميد نجيب شهاب، "الترسيم النهائي للحدود السياسية آداب الكوفة، مج بين قطر والبحرين ومستقبل العلاقة بينهما"، 1، العدد 5 2009()، ص 103؛ "تسوية النزاع الحدودي بين قطر والبحرين"، الجزيرة نت، 2001/3/23، شوهد في 2019/9/8، في: http://bit.ly/2lY6kg2؛ "نزاع حدودي استمر 60 عامًا: محكمة العدل الدولية: جُزر 'حوار' للبحرين والزبارة و'فشت الدبل' لقطر"، 17/3/2001،swissinfo.ch، فh يttp://bit.ly/2kAzXnj: 22  Brahim Saidy, "Qatari-US Military Relations: Context, Evolution and Prospects," Contemporary Arab Affairs , vol. 10, no. 2 (2017), pp. 286-299.
  5. F. Gregory Gause, "The Illogic of Dual Containment," Foreign Affairs , vol. 73, no. 2 (March-April 1994), pp. 56-66.

ومحاولة تحسين علاقاتها مع إيران؛ الأمر الذي أثار قلق واشنطن من تأثير الخلافات الخليجية في أهدافها في المنطقة، حيث بدأت مع وصول بيل كلينتون إلى الحكم في مطلع عام 1993 بتنفيذ استراتيجية الاحتواء المزدوج ضد إيران والعراق23. وقّعت قطر قبل ذلك، في 23 حزيران/ يونيو 1992، اتفاقية تعاون دفاعي مع الولايات المتحدة، وكانت أول اتفاقية دفاعية توقّعها قطر خارج إطار مجلس التعاون، وجُدّدت الاتفاقية القطرية - الأميركية مدة عشرة أعوام 2013() بعد إدخال بعض التعديلات عليها24. تمحورت الاتفاقية حول ثلاث قضايا رئيسة: تنظيم الوجود العسكري الأميركي في قطر، وتحديد نطاق استخدام الولايات المتحدة المنشآت العسكرية القطرية، وتدريب القوات المسلحة القطرية وتأهيلها25. مع ذلك وحتى تحول دون اعتمادها كليًا على الولايات المتحدة التي قد تجد صعوبة في تحدي الرياض في أي نزاع معها، خصوصًا بعد حادثة الخفوس، وقّعت قطر اتفاقية دفاع مشتركة مع فرنسا في عام 1994، شبيهة بالاتفاقية التي وقّعتها مع الولايات المتحدة قبل ذلك بعامين، ثم مع بريطانيا في عام 2006 26. بعد وصول الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى السلطة في حزيران/ يونيو 1995، وبسبب ارتفاع وتيرة التوتر مع السعودية إثر ضلوعها في محاولة انقلابية في الدوحة (شباط/ فبراير)199627، حاولت قطر التقرّب أكثر من الولايات المتحدة، ورأت أن تطبيع العلاقات مع إسرائيل يمكن أن يُساهم في تعزيز روابطها مع واشنطن ورفع مستوى الالتزام الأميركي بأمن الدوحة التي كانت تواجه تهديدات جدّية من السعودية، المتحالفة مع مصر والإمارات. وكانت مواقع هذه الدول الثلاث قد تعزّزت في المنطقة، بعد هزيمة العراق في حرب تحرير الكويت، وفرض واشنطن سياسة الاحتواء المزدوج ضد العراق وإيران ابتداء من عام 1993 28. لكنّ الدوحة لم تلبث أن تخلّت عن هذه السياسة مطلع عام 2009، وأغلقت مكتب التمثيل التجاري الإسرائيلي الذي سمحت بفتحه عام 1998، مع بروز ملامح سياسة خارجية أكثر دينامية قائمة على التوازن والتشبيك، حيث راحت توثق علاقاتها العسكرية مع واشنطن، وتقاربت أكثر مع خصومها في المنطقة، وفق استراتيجية تقوم على إبقاء الخطوط مفتوحة مع الجميع وموازنتها29. أدت الاستقلالية المتنامية في سياسة قطر الخارجية إلى ارتدادات سلبية على علاقاتها بواشنطن؛ إذ تزايدت التلميحات الأميركية ضد التغطيات الناقدة لقناة الجزيرة لحربها في أفغانستان وفي أثناء غزوها العراق، بل إن مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى، بمن فيهم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد (2001-2006) Rumsfeld Donald، اتهموا القناة صراحة بأنها "لسان حال تنظيم القاعدة وزعيمها أسامة بن لادن")2011-1957(30. كما أدّى السلوك القطري في أروقة مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة خلال عضويتها غير الدائمة في المجلس 2007-2006()، هو الآخر، إلى تشنّج مكبوت في العلاقة بين البلدين، ذلك أن واشنطن كانت تراهن على مواقف قطرية أكثر إيجابية تجاه سياساتها، أو على الأقل محايدة، لكنها كانت بعيدة ممّ كانت تتوقعه أو تتمنّاه من حليف يرفض مواقفها ويحافظ على صداقتها، وكانت قطر الدولة الوحيدة في مجلس الأمن التي صوتت في نهاية تموز/ يوليو 2006 ضد القرار 1696 الذي أمهل إيران حتى 31 آب/ أغسطس من ذلك العام لتعليق كل نشاطات تخصيب اليورانيوم، مع التهديد بفرض عقوبات عليها في حال عدم الامتثال31. وفي حين أبدت واشنطن رفضها المعلن لوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية التي شنّتها على لبنان في صيف 2006، طالبت الدوحة بوقف فوري لإطلاق النار32.

ثًالث ا: الركن العسكري في العلاقة مع واشنطن

شهدت العلاقات القطرية - الأميركية تطورًا كبيرًا ومتسارعًا بعد هجمات سبتمبر 2001، بالتوازي مع التدهور الذي أصاب العلاقة بين واشنطن والرياض بسبب هذه الهجمات، ووجود 15 سعوديًا بين الانتحاريين

  1. Christopher M. Blanchard, Qatar: Background and U.S. Relations , Congressional Research Service, Washington, D.C. 4/11/2014, p. 4.
  2. Kenneth Katzman, Qatar: Governance, Security, and U.S. Policy , Congressional Research Service, 13/6/2018, p. 14, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2koyKzH
  3. Ibid.
  4. Emma Soubrier, "Shifting Lines of Qatar's Relations with World Powers: The Strategic Partnership with France in Focus," paper presented at the 2nd ed. Annual Meeting of the Gulf Studies Forum, 6-8/12/2014, Doha, Qatar.
  5. في شباط/ فبراير 1996، كشفت قطر عن مؤامرة لإسقاط أميرها ونظام حكمه، عبر انقلاب عسكري، شارك فيه ضبّاط قطريون، كان جلّهم يقيم في الرياض وأبوظبي والمنامة. وبحسب شهادات لأبرز الأسماء المشاركة في المخطط، فإن الرياض كانت ستتولى مهمة إدخال
  6. مروان قبلان، "صعود تنظيم الدولة الإسلامية وتحولّات النظام الإقليمي في المشرق سياسات عربية، العدد العربي"، 12 (كانون الثاني/ يناير 2015)، ص 10-9
  7. شاع عن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أنه كان يُردّد دائمًا مقولة: "إذا كان صديقك قريبًا فاجعل خصمك أكثر قربًا." 30 " Al Jazeera Encouraging Terrorists, Says Rumsfeld," The Irish Times , 4/6/2005, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2m75RZd
  8. كتيبة عسكرية من مدخل أبو سمرة على الحدود القطرية للسيطرة على المنشآت الحيوية واعتقال الشخصيات الرئيسة في الدولة، بينما يقوم المشاركون الموجودون في الداخل بمهمات الاشتباك إذا واجههم أي تهديد. لكن وصول معلومات استخبارية إلى الدوحة بشأن الانقلاب، إضافة إلى الارتباك الذي دبّ بين الانقلابيين، أدّى في نهاية المطاف إلى إفشال العملية واعتقال الضالعين فيها ومطاردتهم. وبعد فشل العملية الانقلابية، قبلت الدوحة وساطة الملك عبد
  9. قطر دفاعًا عن تصويتها ضد القرار 1696: لا نريد بركان آخر يثور في المنطقة"، وكالة الأنباء الكويتية (كونا)، 2006/7/31، شوهد في 2019/9/8، في: https://bit.ly/2SvR5Gg 32  " بوش يُحرّض على حزب الله وأمير قطر يزور بيروت"، الجزيرة نت، 2006/8/21، شوهد في 2019/9/8، في https://bit.ly/2L2kGEy:
  10. الله بن عبد العزيز بشأن السجناء الذين تم ترحيلهم إلى السعودية، ينظر: "ما خفي أعظم"، قناة الجزيرة، يوتيوب، 2018/3/4، شوهد في 2019/9/8، في: http://bit.ly/2k64PvM

التسعة عشر الذين نفذوها. ونددت قطر بالهجمات، معلنةً تضامنها مع أسر الضحايا، وساندت العملية العسكرية الأميركية التي أطاحت نظام طالبان في أفغانستان في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2001. وفي عام 2003، وبعد طلب سعودي بخروج القوات الأميركية المتمركزة في قاعدة الأمير سلطان في الظهران33، عرضت قطر استضافة القوات الأميركية الخارجة من السعودية، وشكّل هذا العرض نقطة تحول في العلاقات بين الدوحة وواشنطن34. اعتبارًا من عام 2003، باتت قطر موطنًا لأكبر قاعدتين أميركيتين خارج الأراضي الأميركية: الأولى هي قاعدة العديد الجوية التي تضم أكثر من 11 ألف جندي أميركي ونحو 120 طائرة مقاتلة، وتستضيف القيادة العسكرية المركزية للمنطقة الوسطى CENTCOM، والمركز المشترك للعمليات الجوية والمراقبة الفضائية Combined Air and Space للطلعات الجوية. 379 والسربOperations Center, CAOC والثانية هي السيلية التي تعتبر من أكبر القواعد خارج الأراضي الأميركية لتخزين الأسلحة35. تقع قاعدة العديد على بعد 30 كم تقريبًا جنوب غرب الدوحة، شُيّدت في أواخر التسعينيات، بتكلفة تجاوزت المليار دولار؛ ما جعل من قطر محورًا لوجستيًا لا غنى عنه للعمليات الإقليمية للجيش الأميركي في منطقة الخليج والشرق الأوسط36. لوجستيًا، اتخذت الطائرات المقاتلة من طراز F-16 وطائرات المراقبة E-8C Joint Stars هذه القاعدة مقرًا لها خلال الحملة العسكرية الأميركية على أفغانستان، ومحطةً رئيسة لإعادة التزوّد بالوقود. وفي عام 2016، استُخدمت القاعدة نقطة انطلاق لضربات القصف الجوي التي نفّذتها طائرات B-52 ضد أهداف تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق وسورية. وشاركت القوات البرية الأميركية الموجودة في معسكر السيلية، التي يُقدر حجمها بلواء مدرع في غزو العراق في عام 2003 37. تشارك الولايات المتحدة في تدريب القدرات العسكرية للقوات المسلحة القطرية وبنائها، التي يُقدّر عددها بنحو 12 ألف مقاتل 8500(في القوات البرية، و 1800 قوات بحرية، و 1500 لسلاح الجو.) ومنذ عام 2014 فرضت قطر الخدمة الإلزامية مدة أربعة شهور (ثلاثة شهور للطلاب) للذكور بين 18 و 35 عامًا، والاحتياط حتى 40 عامًا، وعُدّل القانون في عام 2017 لتصل مدة الخدمة الإلزامية إلى عام كامل38. ومنذ انتقال القوات الأميركية إلى قطر، قدّمت قطر نحو ثمانية مليارات دولار لدعم عمليات القوات الأميركية في قاعدة العديد، ووجودها فيها39. في آذار/ مارس 2018، صدّقت وزارة الخارجية الأميركية على صفقة لبيع قطر تجهيزات بقيمة 200 مليون دولار لتطوير مركز العمليات الجوية في العديد40. وخلال الحوار الاستراتيجي القطري - الأميركي طلق في كانون الثاني/ يناير الذي أ 2018، أعلنت قطر أنها بصدد تمويل توسعة قاعدة العديد بما يسمح بوجود عسكري أميركي دائم في قطر، يشمل إنشاء 200 وحدة سكنية لضباط القوات الأميركية وعائلاتهم، كما أنها بصدد إنشاء قاعدة بحرية لمهمات استضافة عمليات البحرية الأميركية في حال قررت الإقامة في قطر41. وبالفعل افتُتحت في تموز/ يوليو 2019 قاعدة الظعاين البحرية، وهي أكبر قاعدة بحرية في قطر، على بعد 30 كيلومترًا شمال الدوحة، وتغطي مساحة تصل إلى 640 ألف متر مربع42. ويُرجّح أن تزيد هذه القاعدة من إمكانات التعاون البحري بين قطر والولايات المتحدة خلال الفترة المقبلة. على صعيد التسليح، بقيت قطر حتى مطلع التسعينيات تعتمد اعتمادًا شبه كلي على العتاد الفرنسي؛ إذ اقتصر تسليحها على 30 دبابة فرنسية من طراز AMX، كما حصلت في عام 2015 على عدد من دبابات Leopard2 الألمانية، وحتى نهاية عام 2018 لم تكن قطر تملك أي دبابة أميركية43. أما القوة الجوية القطرية، فبقيت أيضًا تعتمد على التسليح الفرنسي، وحتى نهاية عام 2018 كان سلاح الجو القطري يتكوّن من 18 طائرة، 12 منها مقاتلة خفيفة من طراز ميراج 2000 الفرنسية. وفي أيار/ مايو 2015 وقّعت قطر عقدًا بقيمة سبعة

  1. Eric Schmitt, "After Effects: The Pullout; U. S. to Withdraw all Combat Units From Saudi Arabia," The NewYork Times , 30/4/2003, accessed on
  2. Saidy.
  3. Degang Sun, "The US Military Bases in the Gulf Cooperation Council States: Dynamics and Readjustment," Journal of Middle Eastern and Islamic Studies (in Asia) , vol. 4, no. 4 (2010), p. 52.
  4. Christopher Blanchard, Qatar: Background and U.S. Relations , D.C., Washington, Service, Research Congressional pp. 8-9, 11-12.
  5. Jeff Wilkinson, "U.S. Base in Qatar Is Nerve Center for Command of Iraq War," McClatchy DC Bureau , 11/3/2003, accessed on 8/9/2019,
  6. بوابة الشرق تنشر نص قانون الخدمة الوطنية الجديد"، 38 الشرق، 2018/4/4، شوهد في 2019/9/8، في https://bit.ly/2Iv0ybY: 39  Qatar to Upgrade Al-Udeid Air Base, Qatar-America Institute, 24/7/2018, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2k5QeAt; Adam Taylor, "As Trump Tries to End 'Endless Wars,' America's Biggest Mideast Base is Getting Bigger," The Washington Post , 21/8/2019, accessed on 8/9/2019, at: https://wapo.st/2k90vvV
  7. 8/9/2019, at: https://nyti.ms/2m5252r
  8. Katzman, p. 15.
  9. الحوار الإستراتيجي الأميركي القطري: رسائله وأبعاده"، تقدير موقف، - المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018/2/8، شوهد في 2019/9/8، في: http://bit.ly/2lNpzJ3
  10. قطر تُدشّن قاعدة الظعاين البحرية: الأكبر من نوعها"، الجزيرة نت، 2019/7/15، شوهد في 2019/9/8، في https://bit.ly/2NSEX4x: 43  Katzman, p. 15.
  11. at: http://bit.ly/2k9e52k

مليارات دولار لشراء 24 طائرة فرنسية مقاتلة متعددة المهمات من طراز رافال  Rafale 44. كما وقّعت عقدًا مبدئيًا لشراء 24 طائرة مقاتلة بريطانية متعددة المهمات من طراز تايفون  Typhoon 45، وذلك بعد تأخر واشنطن في الموافقة على طلب تقدمت به قطر في عام 2013 لشراء 72 طائرة من طراز إف 15 أس، بقيمة 21 مليار دولار، بسبب معارضة اللوبي المؤيد لإسرائيل، والتزام الولايات المتحدة بتفوق إسرائيل النوعي على الدول العربية كلها، ومواقف قطر التي تتعارض أحيانًا مع التوجهات الأميركية46. في حزيران/ يونيو 2017، وقّع وزير الدولة لشؤون الدفاع القطري خالد العطية اتفاقية مع نظيره الأميركي جيمس ماتيس James Mattis لشراء 36 طائرة من طراز إف 15 أس، تمثل نصف عدد الطائرات في العقد القديم الذي تقدمت به قطر في عام 2013، لكن رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي في ذلك الوقت، بوب كروكر، رفض إعطاء الإذن لإتمام أي صفقة بيع سلاح لدول الخليج حتى يتم حل الأزمة الخليجية بين قطر ودول الحصار، بيد أنه عاد ورفع الفيتو في شباط/ فبراير 2018، ما سمح لقطر بطلب شراء 36 طائرة إضافية، على أن يبدأ تسليمها في عام 2022 47. كانت أول صفقة أسلحة كبرى توافق الولايات المتحدة على بيعها لقطر في عام 2012، بقيمة 6.6 مليارات دولار، تضمنت طائرات مروحية هجومية من طراز أباتشي AH-64 وطائرات بلاك هوك حوامة من طراز UH-60 وطائرات سي هوك حوامة طراز MH-60. ومثّلت طائرات الأباتشي نصف قيمة الصفقة. وفي نيسان/ أبريل 2018، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية موافقتها على صفقة أسلحة لقطر، تضمّنت خمسة آلاف صاروخ موجّه، عبارة عن ذخائر لطائرات الأباتشي بقيمة 300 مليون دولار48. ومثّل التعاون العسكري الركن الأهم في العلاقات القطرية - الأميركية والرافعة الرئيسة لها، وبدا تأثير هذه العلاقة واضحًا في الموقف الأميركي من أزمة حصار قطر في صيف.2017

رابعًا: تحالف مع واشنطن وخصومها

أعطى الوجود العسكري الأميركي في قطر، والتعاون الأميركي في تسليح القوات المسلحة القطرية وتدريبها، قطر نوعًا من الطمأنينة، سمحت لها بالتحرك بدينامية أكبر لتحقيق أهداف سياساتها الخارجية، إلا أن قطر استفادت من هذه العلاقات العسكرية الوثيقة مع واشنطن أيضًا في تنفيذ سياسة خارجية مستقلة عنها، ومتعارضة معها أحيانًا. منذ منتصف التسعينيات، تعمل السياسة الخارجية القطرية وفق سياسة متعددة المداخل ومتوازية المسارات؛ فهي تحاول الوفاء بالتزامات التحالف مع واشنطن، بما في ذلك منحها قواعد عسكرية على أراضيها والتعاون معها في محاربة الإرهاب، لكنها في الوقت نفسه تنتهج سياسة خارجية ناشطة ومستقلة، تثير أحيانًا امتعاض واشنطن49. ووصفت السفارة الأميركية في الدوحة السياسة الخارجية القطرية في خريف 2009 بأنها "شخصية جدًا"، مع "ميل إلى الوسطية"، مشيرة إلى أن: "قطر تستمر في اتّباع سياسات تقليدية خاصة بالدول الصغرى، وتهدف إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع أكبر عدد ممكن من الأطراف، وفي حال تعذّر ذلك، تحاول موازنة الضغوط الناجمة عن محاولتها الاستقلال بسياستها الخارجية واستيعابها. لذلك، نحن نتوقّع من قطر الاستمرار في دعم لاعبين مثل [حركة المقاومة الإسلامية] (حماس) وحزب الله وسورية، حتى ولو بقيت تحاول تمتين علاقتها مع الولايات المتحدة وجيرانها في مجلس التعاون. ونحن نتوقّع أن تستمر قطر في استخدام قناة الجزيرة وسيلة غير رسمية للحفاظ على سياسة خارجية مستقلة"50. بالفعل، خلال الفترة بين انتقال القوات العسكرية الأميركية من السعودية إلى قطر وانطلاق ثورات الربيع العربي في 2011-2003، نحت قطر إلى تبني سياسة خارجية تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية، بعد أن تمكّنت من ضمان درجة أعلى من الأمن، وذلك من خلال اتّباع استراتيجيات مختلفة، راوحت بين مساعدة الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها الإقليمية، وفي الوقت نفسه الاحتفاظ لنفسها بمسافة عنها، وتنفيذ سياسات متعارضة معها، تخدم مصالح قطر في الدرجة الأولى. وبناء عليه، لا يصح وصف علاقة قطر بالولايات المتحدة بأنها علاقة تبعية مطلقة، على الرغم من اعتماد قطر الكبير على واشنطن، وخصوصًا من الناحيتين الأمنية والدفاعية. من الواضح أن وجود قواعد عسكرية أميركية على أراضي قطر سمح لها بانتهاج سياسات خارجية أكثر استقلالً، وخصوصًا بعد الغزو الأميركي للعراق؛ حيث طوّرت علاقاتها مع ما يسمى "محور المقاومة" (إيران، وسورية، وحزب الله، وحماس)، في وقت كانت علاقتها بحلفاء واشنطن في المنطقة، وخصوصًا السعودية تنتقل من أزمة إلى أخرى. كانت العلاقات القطرية مع السعودية قد بدأت في التدهور منذ انتهاء حرب الخليج في عام 1991، مرورًا بحادثة الخفوس، ودعم السعودية

  1. قطر تشتري 24 طائرة رافال فرنسية"، بي بي سي، 2015/5/4، شوهد في 2019/9/8، فh يttps://bbc.in/2kq1dFh:
  2. قطر تشتري 24 طائرة مقاتلة من طراز تايفون من بريطانيا"، بي بي سي، 2018/9/18، شوهد في 2019/9/8، في https://bbc.in/2lFZYBV:
  3. Katzman, p. 15.
  4. Ibid.
  5. Ibid.
  6. US Embassy Cables: Qatar Using al-Jazeera As Bargaining Tool, Claims US," The Guardian , 19/11/2009, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2kozp48
  7. Ibid.

المحاولة الانقلابية التي استهدفت حكم الشيخ حمد، وصولً إلى مقاطعة السعودية مؤتمر القمة الإسلامية الذي عقد في الدوحة في عام 2000، ثم سحب السفير السعودي من الدوحة في عام 2002، بعد أن تعرض ضيوف في برنامج "الاتجاه المعاكس" على قناة الجزيرة في أثناء النقاش لمؤسس السعودية الملك عبد العزيز آل سعود. وبقيت السفارة السعودية في قطر من دون سفير مدة ستة أعوام (حتى عام 2008)، وهو تاريخ إنهاء الدوحة والرياض خلافاتهما بعد التوصل إلى اتفاقات مشتركة، بخصوص بعض الخلافات، بما فيها الخلافات الحدودية51. في وقت كانت تتدهور علاقات الدوحة في منطقة الخليج مع السعودية حليفة واشنطن الأساسية، كانت علاقاتها تتوثّق مع خصومها في المنطقة ككل؛ إذ تطوّرت علاقات قطر مع سورية التي وقفت ضد الاحتلال الأميركي للعراق ودعمت المقاومة ضده، ومع إيران التي ضمّتها واشنطن إلى محور الشر، مع العراق وكوريا الشمالية، بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وكذلك أقامت قطر علاقات قوية مع حماس وحزب الله المصنّفين تنظيمين إرهابيين لدى واشنطن. بالتوازي مع انهيار العلاقات مع السعودية، حليف واشنطن، كانت علاقات قطر مع طهران، عدو واشنطن، تتطوّر باطراد. ففي عام 1998، حضر الشيخ حمد بن خليفة مؤتمر القمة الإسلامية في طهران. وفي أيار/ مايو من العام التالي، زار الرئيس الإيراني محمد خاتمي 2005-1997() قطر، ووقع خلالها سبعة اتفاقات تعاون في مجالات مختلفة، كما دعم مساعي قطر لاستضافة القمة الإسلامية في عام 2000 وهي القمة التي قاطعتها السعودية52. وفي عام 2000، زار الشيخ حمد طهران رسميًا، بدعوة من الحكومة الإيرانية. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2007، دعت قطر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد 2013-2005() لحضور القمة الخليجية الثامنة والعشرين التي عقدت في الدوحة، وهي أول قمة خليجية على الإطلاق يُدعى إليها رئيس إيراني53. عارضت قطر خلال العامين السابقين جهودًا سعودية برعاية أميركية لإنشاء معسكر اعتدال "سُنّي" لمواجهة إيران. وأنشأت علاقات وطيدة مع محور المقاومة، وكجزء من هذا المحور، دعمت مواقف لبنان وحزب الله في مجلس الأمن من خلال العمل على تحسين بنود القرار 1701 حين كانت قطر عضوًا غير دائم في المجلس 2007-2006(.) كما زار الشيخ حمد بيروت، بعد أيام على انتهاء الحرب الإسرائيلية ضد حزب الله، في آب/ أغسطس 2006، وأشاد بالمقاومة في لبنان التي "حققت انتصارًا عربيًا طال انتظاره منذ زمن بعيد"54. وفي نهاية تموز/ يوليو 2010، جال الشيخ حمد على المدن والبلدات الجنوبية اللبنانية، ودشّن عددًا من المشروعات التي أعادت قطر إعمارها بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان55. بخلاف دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأخرى، رفضت قطر إدانة قيام حماس بإحكام سيطرتها على قطاع غزة في حزيران/ يونيو عام 2007، بعد محاولة السلطة الفلسطينية إطاحة الحكومة التي تشكلت بعد فوز حماس بانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في عام 2006. وبذلت قطر جهودًا واضحة من أجل منع عزل سورية، بعد اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري في شباط/ فبراير 2005؛ إذ امتنعت بصفتها عضوًا غير دائم عن التصويت على قرار مجلس الأمن 1757 الذي صدر في أيار/ مايو 2007 وأسس المحكمة الدولية الخاصة بمعاقبة قتلَة الحريري، وذلك إلى جانب روسيا والصين وإندونيسيا وجنوب أفريقيا56. في نهاية عام 2008، دعت قطر إلى عقد قمة عربية طارئة للرد على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. وبذلت دول "الاعتدال" العربية (مصر والسعودية خصوصًا) جهودًا كبيرًا لمنع اكتمال النصاب في القمة، وضغطتا على دول عربية أخرى للامتناع عن الحضور، بحجة أن القمة الاقتصادية العربية الأولى التي تعقد في الكويت في آخر الشهر نفسه سوف تناقش هذا العدوان57 لكن القمة عُقدت بالفعل في 16 كانون الثاني/ يناير 2009 باسم "قمة غزة"، ودانت العدوان الإسرائيلي على القطاع ودعت إلى وقف أشكال التطبيع كلها مع العدو الإسرائيلي. وكانت قطر قد قررت قبل القمة بيوم واحد تجميد علاقاتها بإسرائيل، وأعلنت عقب إعلان البيان الختامي للقمة أنها قرّرت إغلاق مكتب التمثيل التجاري الإسرائيلي الذي كانت قد سمحت بفتحه في عام 1998، كما طلبت من العاملين في المكتب ضرورة مغادرة البلاد في أقرب وقت. وكان لافتًا أن الإمارات قاومت ضغوطًا سعودية - مصرية للمقاطعة، وحضرت قمة الدوحة، لكنها اشترطت عدم دعوة إيران58. خلال الأعوام التالية تمكّنت قطر، على الرغم من غياب أي شرط من شروط الندّية، من جعل نفسها حاجة أميركية، بدلً من أن تكون تابعًا لها، بل يمكن القول إن العلاقة بين قطر وواشنطن تحوّلت من علاقة

  1. السعودية تنهي أعوامًا من القطيعة مع قطر"، ميدل إيست أونلاين، 2008/2/28، شوهد في 2019/9/8، في http://bit.ly/2lCSmQM:
  2. 57  " مواقف الدول العربية من القمة الطارئة بالدوحة"، الجزيرة نت، 2009/1/15، شوهد في 2019/9/8، في https://bit.ly/2EtmAOr:
  3. 58  " قمة غزة بالدوحة تدعو لوقف التطبيع وإعمار القطاع"، الجزيرة نت، 2009/1/16، شوهد في 2019/9/8، في https://bit.ly/2HkFN1y:
  4. بوش يُحرّض على حزب الله."...
  5. أمير قطر يجول على بلدات الجنوب اللبناني"، فرانس 24، 2010/7/31، شوهد في 2019/9/8، في https://bit.ly/2E5e6Me:
  6. مجلس الأمن يصوت لصالح إنشاء محكمة دولية لمقاضاة المسؤولين عن مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري"، أخبار الأمم المتحدة، 2007/5/30، شوهد في 2019/9/8، في http://bit.ly/2kq1kkb:
  7. 52  " السعودية تقاطع القمة الإسلامية"، بي بي سي أونلاين، 2000/11/8، شوهد في 2019/9/8، في https://bbc.in/2m3pb9z:
  8. 53 2007"بقطر: قمة خليجية بمشاركة إيران وانفراج مع السعودية"، الجزيرة نت، 2007/12/31، شوهد في 2019/9/8، في https://bit.ly/2UoYDw7:

تبعية إلى علاقة اعتمادية متبادلة؛ حيث غدت الولايات المتحدة تعتمد على الأدوار التي تؤدّيها قطر بصورة مستقلة عن واشنطن، كما حصل حين استضافت الدوحة مكتبًا لطالبان ورعت حوارًا أميركيًا معها، بلغ مرحلة متقدمة في أيلول/ سبتمبر 2019 مع ارتفاع مستوى مشاركة الطرفين فيه59؛ إذ أوفدت واشنطن زلماي خليل زاد، مبعوث الرئيس الأميركي الخاص للمفاوضات ومسؤول الملف الأفغاني، فيما أوفدت طالبان رئيس مكتبها السياسي ونائب قائد الحركة الملا عبد الغني بردار60. لقد سمح انفتاح قطر على بعض الجماعات التي تعارضها الولايات المتحدة وتصنّفها إرهابية، مثل حركة حماس الفلسطينية، أو تحاربها، مثل حركة طالبان الأفغانية، بجعل قطر وسيطًا فريدًا ومميّزًا من خلال قدرتها على الحديث مع جماعات لا يستطيع آخرون الحديث معها، من دون أن يؤثر ذلك في طبيعة العلاقة التحالفية الوثيقة مع واشنطن. في برقية صادرة عن السفارة الأميركية في الدوحة في حزيران/ يونيو 2009، تتضمن تقويمًا للدبلوماسية القطرية، في ضوء نجاح قطر في حل الأزمة السياسية في لبنان التي تسبب فيها الفراغ في منصب رئاسة الجمهورية، إلى جانب مبادرات أخرى (دارفور)، جاء فيها: "إن إسناد دور محدّد إلى قطر لتقوم به هو أفضل طريقة لإشراكهم. قطر دولة صغيرة ذات طموحات عالمية، وهي ترغب في أن تظهر لاعبًا أساسيًا في السياسات والدبلوماسية الإقليمية. حين طلبنا من قطر مساعدتنا - مثلً في التوسّط مع الليبيين لوضع قضية لوكربي خلفنا، عمل القطريون على طلبنا بمنتهى الهدوء والفاعلية61. وأثنت البرقية نفسها على الدبلوماسية القطرية في حل الأزمة اللبنانية: "إن لدى قطر سياسة الأبواب المفتوحة مع مختلف الأطياف الأيديولوجية في المنطقة"، وهي سياسة "مهمة لتعزيز الاستقرار في المنطقة." وخلص الدبلوماسيون الأميركيون في الدوحة إلى أن السياسة المكّوكية، التي نفّذتها قطر في لبنان، تُفضي إلى الاستنتاجات الثلاثة المهمة الآتية: إن دولة صغيرة تتماشى مع الجميع، يمكنها أن تُنجز ما لا تستطيع الدول الأكبر إنجازه (مصر والمملكة العربية السعودية في مثال الحالة اللبنانية.) إن إنشاء علاقات جيّدة مع لاعبين إشكاليين (في هذه الحالة سورية وإيران)، يمكن أن تؤدّي إلى نتائج مربحة وملموسة للمنطقة والعالم. إن حلّ النزاع اللبناني زاد من الاستقرار الإقليمي وحقّق عوائده على وضع قطر الإقليمي ومكانتها العالمية62.

خامسًا: العلاقة مع واشنطن في عصر الربيع العربي

تفاجأت قطر، مثل غيرها، باندلاع ثورات الربيع العربي63، على الرغم من أن قناة الجزيرة ساهمت في فتح باب النقاش بشأن قضايا لم تكن مطروقة في المجال العربي العام قبل ذلك، بسبب هيمنة الإعلام الرسمي وسيطرة النظم السياسية العربية على وسائل الاتصال وتدفّق المعلومات، وساهمت بذلك بصورة غير مباشرة في تثقيف الشارع العربي وتوعيته بقضاياه، وذلك منذ تأسيسها في عام 1996 64. لمّا اندلعت ثورة تونس، قدمت القناة، مثل باقي القنوات الإخبارية العربية، تغطية مباشرة للاحتجاجات التي أدت إلى إطاحة نظام الرئيس زين العابدين بن علي 2011-1987()، لكن الوضع أخذ منحى أكثر استقطابًا وجدّية مع انتقال الثورة إلى مصر في كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير 2011. وكانت العلاقات المصرية - القطرية قد اتّسمت بالبرودة، منذ وصول الشيخ حمد بن خليفة إلى السلطة في عام 1995، حيث تضامنت مصر مع السعودية والإمارات في معارضة حكمه، وكشفت معلومات عن تورط مصر في المحاولة الانقلابية التي جرت في شباط/ فبراير 1996 66. مثل النظم العربية الأخرى، لم تُخفِ مصر امتعاضَ ها من تغطية قناة الجزيرة الشأن المصري والعربي والدولي، والأدوار الإقليمية التي تقوم بها قطر67. وحين زار الرئيس حسني مبارك 2011-1981() قطر، في كانون الأول/ ديسمبر 1999، أول مرة بعد المحاولة الانقلابية التي استهدفت أميرها 1996()، طلب زيارة قناة الجزيرة، عبّ خلالها عن موقفه منها بالقول: "كل هذا الضجيج يصدر عن علبة الكبريت هذه"، في إشارة إلى صغر المبنى، في مقابل قوة تأثيرها68. ساءت العلاقات القطرية - المصرية أكثر بعد غزو العراق في عام 2003، حيث اقتربت قطر من مواقف تركيا وإيران وسورية.

  1. Pamela Constable & Paul Sonne, "U.S.-Taliban Talks Appear Closer to Pact after Marathon Negotiations in Qatar," The Washington Post , 26/1/2019, accessed on 8/9/2019, at: https://wapo.st/2H5t1Y9
  2. Bianca Britton, "Afghanistan Peace Talks Resume in Doha
  3. 67  Diane Singerman & Paul Amar (eds.), Cairo Cosmopolitan: Politics, Culture and Urban Space in the New Globalized Middle East (Cairo: American University Press, 2009), p. 163.
  4. Ibid.
  5. نستخدم تعبير "الربيع العربي" هنا مجازًا لوصف الانتفاضات والثورات العربية التي بدأت في تونس، في منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2010، وما زالت مستمرة في بلدان عربية عدة.
  6. علي الصالح مولى، '"الجزيرة' والأزمة الخليجية: الخلفيات والتأريخ"، سياسات عربية، العدد 27 (تموز/ يوليو 2017)، ص.74-66 65 ينظر: "ما خفي أعظم." " زيارة الرئيس المصري لقطر تدشن مرحلة جديدة من التعاون"، 66 الحياة، 1999/12/22، شوهد في 2019/9/8، في https://bit.ly/2QsCu1K:
  7. with Taliban Co-founder," CNN , 25/2/2019, accessed on 8/9/2019, at: https://cnn.it/2EyTI61
  8. 61  Bernd Kaussler, "Tracing Qatar's Foreign Policy and its Impact on Regional Security," Paper Research , Arab Center for Research and Policy Studies (2015), accessed on 14/10/2019, at: https://bit.ly/2VEpi9m

وخلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز/ يوليو 2006، اتخذت قطر موقفًا أقرب إلى "محور المقاومة" في مواجهة ما كان يُسمّى في حينها "محور الاعتدال" المكوّن من مصر والسعودية والإمارات والأردن. ووصلت هذه العلاقات بينهما إلى مرحلة القطيعة، لمّا دعت قطر إلى عقد قمة عربية لبحث العدوان الإسرائيلي على غزة، في كانون الثاني/ يناير 2009، وهي القمة التي عارضتها مصر والسعودية69 وحاولتا إفشالها70. كانت مصر تحاول احتكار ملف غزة، باعتبارها الدولة العربية الوحيدة التي تتصل بحدود مع القطاع. ولمّا فازت حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية في عام 2006، ثم استولت على السلطة في غزة في حزيران/ يونيو 2007 في عملية وقائية استهدفت إجهاض محاولة إسقاطها من السلطة الفلسطينية بالتنسيق مع "محور الاعتدال" العربي، ازدادت علاقة مصر سوءًا مع الحركة وفرضت حصارًا على القطاع. وعلى خلاف ذلك، أقامت قطر علاقات وثيقة مع حماس ودعمت سلطتها في غزة، وقدّمت مساعدات مالية وعينية كبرى إلى سكان القطاع، بما في ذلك دفع رواتب الموظفين وتقديم شحنات من الوقود لتشغيل محطة الكهرباء الرئيسة في القطاع. وهو ما فسّته مصر بأنه محاولة من قطر لمنافستها على نفوذها في غزة. وكان للدوحة أيضًا علاقات مع قوى إسلامية، على رأسها الإخوان المسلمون الذين كان نظام الرئيس مبارك يعتبرهم خصمً رئيسًا له71. كما كانت علاقة قطر مع حكم الإسلاميين في السودان قوية (ممثلً بالثنائي حسن الترابي وعمر حسن البشير الذي جاء إلى السلطة في حزيران/ يونيو 1989)، ما أثار حفيظة مصر. إضافة إلى ذلك، مثّلت استضافة قطر الشيخ يوسف القرضاوي الذي يُعدّ ناقدًا رئيسًا لنظام الرئيس مبارك، عامل توتر أيضًا، ودرجت الجزيرة على استضافته في برنامج أسبوعي (الشريعة والحياة) واستضافة معارضين مصريين آخرين، مثل أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأميركية في القاهرة ومدير مركز ابن خلدون، سعد الدين إبراهيم الذي كان يُعدّ معارضًا شرسًا أيضًا لنظام الرئيس مبارك. وأدّى ترشيح قطر في عام 2010 ممثلً عنها لرئاسة جامعة الدول العربية في مواجهة مرشح مصر، بعد انتهاء ولاية عمرو موسى 2011-2001() في أيار/ مايو 2011، دورًا أيضًا في زيادة التوتر بين البلدين؛ إذ اعتبرت القاهرة أن تقدم قطر للحصول على المنصب (الذي احتكرته مصر تاريخيًا منذ نشأة الجامعة العربية في عام 1945، باستثناء فترة القطيعة بعد كامب ديفيد 1989-1978()، حيث انتقل مقر الجامعة إلى تونس بموجب قرار قمة بغداد العربية في عام 1978 وتحوّل المنصب إلى التونسي الشاذلي القليبي 1990-1979()، محاولة لإضعاف دورها من دولة عربية صغيرة. وصفت برقية صادرة عن السفارة الأم كررية في القاهرة، في حزيران/ يونيو 2010، الإحباط المصري إزاء جهود قطر باعتبارها طرفًا ثالثًا في الوساطة في القضايا الإقليمية، لذا أصرّ الرئيس مبارك على إفشال جهود الدوحة في هذا الخصوص، حيث تقول برقية السفارة الأميركية: "إن مصر تعتزم إحباط أي مبادرة تقترحها قطر خلال رئاستها الحالية القمة العربية، حتى لو كانت هذه الاقتراحات تصبّ في خالص المصلحة الوطنية لمصر[...]وصرح نائب رئيس البعثة المصرية في جامعة الدول العربية أن تدخّل قطر في السودان وفلسطين والهجوم الشديد الذي تشنّه قناة الجزيرة ضدّ مصر، يثير غضبًا شديدًا في مصر، وخصوصًا عند الرئيس مبارك. وحين تمّ تحدّيه لذكر الأعمال التي قامت بها قطر ضدّ مصلحة مصر في السودان، اعترف نائب البعثة المصرية من دون تردّد بعدم وجود تلك الأفعال. وأشار إلى أن الإساءة التي ارتكبتها قطر ناتجة من مجرّد وساطتها من خلف ظهر مصر"72. لذلك حين قامت ثورة 25 يناير 2011، لم يكن لدى الدوحة أي سبب يمنعها من دعمها، وسرى الأمر نفسه على الثورة في ليبيا. حين انطلقت الثورة الليبية في شباط/ فبراير 2011، سارعت قطر، إلى جانب جامعة الدول العربية، إلى المطالبة بتفعيل مبدأ "مسؤولية الحماية"، وأخذت خطوة غير مسبوقة في دعم الحملة العسكرية لحلف شمال الأطلسي (الناتو.) إضافة إلى هذا، كان لقطر دور فاعل في تأمين الدّعم داخل جامعة الدول العربية لإصدار قرار يدعو إلى التوجه إلى مجلس الأمن الدولي لطلب فرض منطقة حظر للطيران فوق ليبيا، حيث كانت قوات العقيد معمر القذافي 2011-1969() تقصف مواقع المعارضة في الشرق الليبي وتستعدّ للزحف على بنغازي، ومهّد ذلك الطريق أمام الحملة العسكرية التي نفذها "الناتو." مع صدور قرار مجلس الأمن رقم 1973 الذي دعا إلى حماية المدنيين، أرسلت قطر ست طائرات ميراج للمشاركة في دعم فصائل المعارضة الليبية، إلى جانب قوات "الناتو" في العمليات العسكرية ضد قوات النظام الليبي، وكان هذا أول تدخّل عسكري فاعل تقوم به قطر على الإطلاق73. وتضمّن الدعم العسكري الذي قدّمته الدوحة إلى الثوّار الليبيين شحنات أسلحة، بما فيها صواريخ MILAN الفرنسية المضادة للدبابات، وبنادق هجومية من طراز FN البلجيكية الصنع، كما أجرت القوات الخاصة القطرية دورات المشاة التدريبية الأساسية للثوّار الليبيين في قطر. وكان

  1. قمة الدوحة تتعثر بالنصاب وقطر تنفي 'شرخ' عربي.. وموسى يعلن: الصورة سيئة الشرق الأوسط جدًا"،، 2009/1/15، شوهد في 2019/9/8، في: http://bit.ly/2lCTjIQ
  2. مواقف الدول العربية من القمة الطارئة بالدوحة"، الجزيرة نت، 2009/1/15،
  3. David B. Roberts, "Qatar and the Muslim Brotherhood: Pragmatism
  4. شوهد في 2019/9/8، في http://bit.ly/2m62NfT:
  5. or Preference?" Middle East Policy , vol. 21, no. 3 (2014); David B. Roberts, "Qatar and the Brotherhood," Survival , vol. 56, no. 4 (2014). 71  Hugh Ekin, "The Strange Power of Qatar," The New York Review of Books , 27/10/2011, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2lEXd3M 72  David Roberts, "Behind Qatar's Intervention in Libya," Foreign Affairs , 28/9/2012, accessed on 8/9/2019, at: https://fam.ag/2k58ABB

للجهود والذخائر والمؤن القطرية دور فاعل في قلب الموازين العسكرية لمصلحة المعارضة74. وخلال الهجوم الأخير على معقل القذافي في باب العزيزية، في 24 آب/ أغسطس 2011، ظهرت القوات الخاصة القطرية في الصفوف الأمامية للمعركة75. في أثناء الفترة الانتقالية نحو حكومة جديدة، كان المجلس الوطني الانتقالي يعاني نقصًا في الموارد اللازمة لتسديد أجور موظّفي القطاع العام وتوفير الدعم الحكومي على السلع الاستهلاكية الأساسية، بناء عليه، سوّقت شركة "قطر للبترول"، مليون برميل من النفط الخام بالنيابة عن المجلس الوطني الانتقالي، وسلّمت أربع شحنات من المنتجات النفطية (ديزل، ونفط، وغاز) إلى مرفأ بنغازي الذي كان تحت سيطرة المعارضة في ذلك الحين76. وحملت مبادرة قطر هذه لتسويق النفط الخام، ثقلً سياسيًا أكثر منه اقتصاديًا؛ إذ إنها أقرّت بشرعية المجلس الوطني الانتقالي. وبعد مرور شهر، أي في 28 آذار/ مارس، غدت قطر أول دولة في الشرق الأوسط، وثاني دولة بعد فرنسا، ضمن المجتمع الدولي، تمنح الاعتراف الدبلوماسي الكامل للمجلس الوطني الانتقالي، باعتباره الحكومة الليبية الجديدة. وحين أخذت قطر على عاتقها مهمة الدفاع عن مبدأ "مسؤولية الحماية"، أصبحت الرافعة الرئيسة لتغيير الوضع القائم في العالم العربي. في سورية، وفّرت قطر كل أشكال الدعم السياسي والعسكري والمالي للثورة في سورية، بعد فشل محاولاتها دفع الرئيس السوري بشار الأسد إلى إصلاحات تمنع خروج الحركة الاحتجاجية عن السيطرة، حيث قادت الدوحة، باعتبارها رئيس اللجنة الوزارية العربية بشأن الأزمة السورية77، الحملة التي جمّدت عضوية سورية في جامعة الدول العربية بعد رفضها المبادرة العربية للحل في أواخر عام 2011 78. كما استضافت الاجتماع الذي أدّى إلى إنشاء الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 79. وخلال القمة العربية العادية التي عقدت في الدوحة، في آذار/ مارس 2013، منحت قطر مقعد سورية في الجامعة للمعارضة السورية، وانتزعت اعترافًا من الجامعة بوصفها ممثلً وحيدًا للشعب السوري، كما أغلقت الحكومة القطرية السفارة السورية في الدوحة وافتتحت سفارة لائتلاف المعارضة باعتبارها ممثلً للشعب السوري بدلً من ذلك80. ولمّا تحوّلت الثورة السورية إلى العمل المسلّح، اعتبارًا من مطلع عام 2012، وفّرت قطر كل أشكال الدعم العسكري لفصائل من المعارضة عبر غرفة عمليات الموك Military Operations Center في تركيا. وقدّمت "قناة الجزيرة" تغطية مستمرة ومكثفة داعمة للثورة. التقى الموقف القطري في دعم ثورات الربيع العربي في مصر وليبيا وسورية مع الموقف الأميركي الذي بدا داعمً لها أيضًا، مع شيء من الارتباك. حين وصل الرئيس أوباما إلى السلطة، كان يسعى لإصلاح العلاقة مع العالم الإسلامي التي أفسدها سلفه جورج بوش الابن 2009-2001() بغزو العراق والحرب على الإرهاب، باعتبارها أقصر الطرق التي تسمح للولايات المتحدة بالانسحاب من العالم الإسلامي (العراق وأفغانستان) ووقف حالة الاستنزاف المالي الأميركي التي تفاقمت في ضوء الأزمة المالية في عام.2008 بدأ الرئيس أوباما نشاطه السياسي الخارجي مع العالم الإسلامي بزيارة تركيا، حيث حضر ملتقى الأمم المتحدة لتحالف الحضارات 2009() وألقى كلمة في البرلمان التركي، عبّ فيها عن إعجابه بالنموذج الديمقراطي الذي تقدمه تركيا باعتبارها بلدًا إسلاميًا تمكّن من تحقيق "مصالحة بين الإسلام والحداثة"81. وعبّ عن اعتقاده أن الولايات المتحدة وتركيا يمكن أن تُقدّما نموذجًا إلى العالم في التنمية والديمقراطية82. وعلى الرغم من أن أوباما زار القاهرة بعد ذلك بشهرين وألقى كلمة في جامعتها، عبّ فيها عن تطلّعه إلى طيّ صفحة الصراع مع العالم الإسلامي، ورفضه فرض أي نموذج حكم عليه83، فإن رهانه الكبير بقي على النموذج التركي، فأقام علاقة قوية مع رئيس الوزراء التركي في ذلك الوقت رجب طيب أردوغان84.

  1. Ibid.
  2. Florence Gaub, "From Doha with Love: Gulf Foreign Policy in Libya," in: The New Politics of Intervention of Gulf Arab States , LSE Middle East Center, Collected papers, vol. 1 (April 2015), p. 56.
  3. Qatar Undertakes to Sell Libyan Oil," The Economist , 9/5/2011, accessed on 28/7/2014, at: http://bit.ly/2kozQeK; Steven Sotloff, "Why the Libyans Have Fallen Out Of Love With Qatar," Time , 2/2/2012, accessed on 28/7/2014, at: http://bit.ly/2kzG3V8
  4. تشكلت اللجنة بموجب قرار من مجلس وزراء خارجية الدول العربية في اجتماع عُقد في مقر الجامعة في القاهرة، في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، ونصّ على "تشكيل لجنة عربية وزارية برئاسة وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني وعضوية الجزائر والسودان وسلطنة عمُان ومصر وأمين عام الجامعة العربية نبيل العربي، تكون مهمتها الاتصال بالسلطة السورية وبالمعارضة لبدء الحوار بينهما"، ينظر: "تشكيل لجنة وزارية عربية
  5. الجامعة العربية تُعلّق عضوية سورية وتفرض عقوبات سياسية واقتصادية"، بي بي سي، 2011/11/12، شوهد في 2019/9/8، في: https://bbc.in/2MZYQ4g
  6. اتفاق الدوحة: تأسيس 'الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة"'، 78 الخليج، 2012/11/12، شوهد في 2019/9/8، في https://bit.ly/2SIYBNZ:
  7. منح مقعد سوريا للمعارضة: روسيا وطهران تنتقدان قرار الجامعة"، بي بي سي، 2013/3/27، شوهد في 2019/9/8، في https://bbc.in/2RV4is9:
  8. President Obama's Remarks in Turkey," The New York Times , 6/4/2009, at: https://nyti.ms/2CbvoG7
  9. Turkey and Barack Obama: Friends by the Bosporus," The Economist , 8/4/2009, accessed on 8/9/2019, at: https://econ.st/2UCz5fc 82 " Obama's Speech in Cairo," The New York Times , 4/6/2009, accessed on 8/9/2019, at: https://nyti.ms/2FhL890
  10. الأنباء، الكويت برئاسة قطر لإجراء حوار بين الحكومة السورية والمعارضة"،، 2011/10/17، شوهد في 2019/9/8، في https://bit.ly/2Be888U:
  11. George Packer, "Two Speeches and a Tragedy," The New Yorker , 1/10/2014, accessed on 8/9/2019, at: https://bit.ly/2rxRAUT

مع ذلك، مثّلت ثورات الربيع العربي وإفرازاتها التحدّيَ الأبرز لإدارة أوباما؛ إذ أربك تحوّل السياسة من نشاط نخبوي إلى نشاط وسلوك يُقرّره الشارع العربي دوائرَ صنع القرار الأميركي. وما زاد الموقف الأميركي إرباكًا هو أنّ الثورات العربية جاءت في وقت كانت إدارة أوباما مهتمّة أكثر بتحقيق الاستقرار الإقليمي الذي يُفسح المجال أمام انسحاب قواتها بيسر من المنطقة، لكنها لم تكن في موقع تستطيع فيه الوقوف إلى جانب قمع تحرك المجتمعات العربية التي جاءت على شكل انتفاضات سلمية تسعى للحرية والكرامة الإنسانية، وخصوصًا أن قوى التغيير المنظمة في المنطقة، أي القوى الإسلامية، كانت تتّخذ من تركيا نموذجًا، وهو النموذج الذي استثمرت فيه إدارة أوباما. وفي المحصلة، قررت واشنطن مجاراة التغيير حتى لا تكرِّر الأخطاء التي ارتكبتها مع إيران خلال الثورة 1979-1977()، لمّا تمسّكت بالشاه وخسرت إيران. وحتى تتمكن من ضبط مسارات التغيير، راحت تنسج علاقات مع القوى الصاعدة، ولذلك كان لزامًا عليها أن تتخلّ عن القوى الآفلة85. بناء عليه، مع اجتياح رياح التغيير معظم المنطقة العربية، أبدت الإدارة الأميركية استعدادها للتعامل مع التيارات الإسلامية الديمقراطية المعتدلة، مثل نموذج حزب العدالة والتنمية في تركيا، لذا لم تُعارض وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر عن طريق صناديق الاقتراع، في إطار ما اعتبره بعض أركان إدارة أوباما مصالحة تاريخية بين المصالح الأميركية والقيم الديمقراطية86. وعزّزت إعادة اكتشاف إدارة أوباما تصنيفات إدارة بيل كلينتون وجورج بوش الابن للتيارات الإسلامية – معتدلة ومتشددة87 - الاقتناع بأن لا ديمقراطية ممكنة في المنطقة العربية بمعزل عن قوى المعارضة الرئيسة فيها، وهي الحركات الإسلامية التي أخذت تقدِّم نفسها باعتبارها البديل الديمقراطي للأنظمة العربية التي أفرزت سياساتها التطرف والعنف والفساد، بحسب وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس Rice Condoleezza 2009-2005() في خطاب القاهرة في عام 2005 88. التقى الموقف الأميركي من الربيع العربي، خصوصًا في مصر، مع الموقفين القطري والتركي اللذين دعما بقوة الثورة المصرية وسعيها لإطاحة نظام الرئيس مبارك. على العكس من ذلك، أثارت هذه السياسة قلقًا شديدًا في السعودية التي أصبح بعض دوائر واشنطن ينظر إليها باعتبارها من قوى الماضي، في حين يجري النظر إلى التيارات الإسلامية الحاكمة في تركيا ومصر باعتبارها قوى المستقبل التي يمكن الولايات المتحدة العمل معها89. ومن المفارقات التي فرضتها أوضاع الربيع العربي أن تحوّلت السعودية إلى داعم رئيس لبقايا التيارات العلمانية في المنطقة العربية التي وقفت في معظمها مع قوى الثورة المضادّة. كانت قطر خلال الربيع العربي تقود معسكر التغيير، في حين كانت السعودية تقود معسكر مقاومة التغيير، لذلك بدت قطر وواشنطن في معسكر واحد. وكان طبيعيًا أن تثير السياسات الأميركية قلق الرياض التي نظرت بالكثير من الشك إلى الموقف الأميركي من الثورات العربية؛ ففي وقت رفضت واشنطن دعم التدخل السعودي – الخليجي في البحرين في مطلع عام 2011 لقمع الانتفاضة هناك، تخلّت إدارة أوباما عن واحد من أوثق حلفائها في المنطقة وهو الرئيس المصري حسني مبارك. واعتبرت السعودية مطالبة إدارة أوباما الرئيس مبارك بالتنحي عن الحكم، مؤشرًا سلبيًا على سلوك واشنطن إزاء حلفائها في أوقات الأزمات90؛ إذ طالب أوباما الرئيسَ المصري بالتنحي بعد مرور نحو أسبوع على انطلاق ثورة 25 يناير 2011 91، وبلغ الأمر حدّ اتهام الملك السعودي عبد الله الأميركيين بالمسؤولية عن الأزمة العميقة التي وصلت إليها مصر في حقبة ما بعد الثورة92. شكّل ما عدّته الرياض دعمً أميركيًا لوصول الإسلاميين إلى السلطة في دول الربيع العربي أحد أهم مظاهر الخلاف السعودي - الأميركي في سياق الثورات التي شهدتها المنطقة عمومًا، ومصر بصفة خاصة؛ إذ بدأت واشنطن تبدي ميلً إلى حكم "إخواني" يُحقّق لها جملة من المصالح في إطار سياسة جديدة طموحة للتأقلم مع التغيّ ات الاستراتيجية التي تشهدها المنطقة93. في ليبيا أيضًا، بدت السياسات الأميركية والقطرية في حالة تناغم شبه كامل، حيث شكّلت قطر جزءًا من التحالف العسكري الذي أطاح القذافي

  1. Walter Russell Mead, "The Failed Grand Strategy in the Middle East," The Wall Street Journal , 24/8/2013, accessed on 8/9/2019, at: https://on.wsj.com/2lY7Bnk
  2. Ibid.
  3. في ما يتعلق بهذه التصنيفات، ينظر: Edward P. Djerejian, "The U.S. and the Middle East in a Changing World," Address at Meridian House International, Washington, D.C., 2/6/1992, accessed on 17/9/2019, at: http://bit.ly/2lTcSww; Edward P. Djerejian, "North African Countries: U.S. Relations and Assistance," a Statement before the Subcommittee on Africa of the House Foreign Affairs Committee, Washington, D.C. 12/5/1993, at: http://bit.ly/2BczWus
  4. Secretary Condoleezza Rice, " Remarks at the American University in Cairo," U.S Department of State, Archive, 20/6/2005, accessed on 8/9/2019,
  5. Stephen Kinzer, Reset Middle East: Old Friends and New Alliances: Saudi Arabia, Israel, Turkey, Iran (London: I. B. Tauris Limited, 2011).
  6. مصدر: الأمير بندر يقول إن الرياض ستبتعد عن أمريكا"، 89 رويترز، 2013/10/22، شوهد في 2019/9/8، في http://bit.ly/2k62Esd:
  7. Karen De Young, "Obama Presses Mubarak to Move 'Now'," The Washington Post , 2/2/2011, accessed on 8/9/2019, at: https://wapo.st/2lDSdMQ
  8. Bruce Riedel, "Saudi Arabia Blames America for the Turmoil in Egypt," Daily Beast , 19/8/2013, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2m6I6Ak 92  Mead.
  9. at: https://bit.ly/2AEDlCo

بقيادة الولايات المتحدة، في حين نأت السعودية عن المشاركة، وإن لم تُبد أسفًا على رحيل القذافي الذي كثيرًا ما اتّهمته بالتآمر ضدّها. في وقت تسبّب الموقف الأميركي في دعم الربيع العربي، خصوصًا في مصر، في شرخ في العلاقات مع السعودية التي صدمها الموقف الأميركي من التخلّ عن حليفها مبارك، اقتربت قطر أكثر منه، حيث اعتبرت واشنطن أن انتشار الديمقراطية ووصول قوى إسلامية إلى السلطة عبر الممارسة الديمقراطية، على شاكلة النموذج التركي، يُ كن أن يُساهم في نشر الديمقراطية94. وبلغ الخلاف السعودي  - الأميركي ذروته حين دعمت السعودية الانقلاب العسكري الذي قاده القائد العام للجيش ووزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي 3(تموز/ يوليو 2013) والذي عارضته قطر بشدة وأطاح الرئيس محمد مرسي 2013-2012() وحكم الإخوان في مصر. وفي وقت قررت واشنطن قطع بعض المساعدات عن القاهرة احتجاجًا لا بد منه، بسبب وقف المسار الديمقراطي والانقلاب على حكومةٍ منتخبة95، عبّت السعودية عن دعمها الكامل للانقلاب، ورفضها كل الضغوط الممارسة على القيادة المصرية الجديدة، وتعهّدت بتقديم بديل لجميع المساعدات الغربية التي يمكن قطعها عن مصر96. لذلك لمّا دعمت السعودية الانقلاب الذي أطاح حكم الإخوان في مصر، واتّجهت نحو عزل قطر لحماية الانقلاب، لم تجد حماسة في واشنطن، على الرغم من أن إدارة الرئيس أوباما كانت قد بدأت تبتعد عن موقفها الإيجابي من وصول إسلاميين إلى السلطة في المنطقة العربية، بعد الهجوم الذي قامت به عناصر إسلامية ضد السفارة الأميركية في بنغازي في أيلول/ سبتمبر 2012 وأدّى إلى مقتل السفير الأميركي هناك97. هنا بدأ الموقف الأميركي يتغيّ، وبدأ يرتفع منسوب التباين بين قطر وواشنطن. في هذه الأجواء، رأى جيرمي شابيرو المستشار السابق لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، أن إدارته وجّهت تحذيرًا شديد اللهجة إلى حكومة دولة قطر، أكدت فيه أنه على الرغم من وجود قاعدة أميركية هي الأكبر على أرضها في المنطقة، فإنها تعمل ضد المصالح الأميركية من خلال دعمها حركة الإخوان المسلمين في مصر وليبيا وسورية، وأنه شخصيًا حمل رسالة بهذا المضمون إلى القيادة القطرية، مشيرًا إلى أن بلاده "لا تعتبر قطر عدوّة لها وليست صديقة كذلك"98. مع ذلك، وعلى الرغم من الخلافات، فإن الطرفين يعتبران أن لا مناص من استمرار التحالف بينهما. وكانت زيارة أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الأولى إلى واشنطن بعد توليه السلطة في 24 شباط/ فبراير 2015، مناسبة لتأكيد استقلالية السياسة الخارجية القطرية دونما تفريط بتحالفها مع الولايات المتحدة، وفي مقالة له عنوانها: "رسالة قطر إلى أوباما"، نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، رأى الشيخ تميم أن "الحلول العسكرية غير كافية لدحر الإرهاب ومواجهة التحديات الاستراتيجية التي تواجه الشرق الأوسط والعالم"، مشدّدًا على ضرورة وضع هذه الظاهرة ضمن سياقها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بما يسمح بمعالجتها من جذورها وليس مظاهرها فحسب، قائلً: "إن الرصاص والقنابل وحدهما لن يكسبا الحرب على الإرهاب، وأن معالجة أسبابه الجذرية تتطلّب مقاربة أكثر عمقًا وأطول مدى، وأكثر استراتيجية." وأشار الشيخ تميم إلى "أن هذه الحرب تقتضي من القادة السياسيين أن يكون لديهم الشجاعة للتفاوض على حلول تعدّدية وشاملة للنزاعات الإقليمية، إضافة إلى تقديم الطغاة للمحاسبة"، مختتمً مقالته بالتحذير من "أنه إذا لم تحقق أحلام الشباب في العالم العربي نحو الحرية والعدالة والأمن الاقتصادي، فإن التطرف سيعيد إنتاج نفسه"99. وخلال هذه الزيارة اعترف الرئيس الأميركي بأهمية الدور الذي تضطلع به دولة قطر ضمن التحالف الدولي في الحرب على تنظيم الدول الإسلامية "داعش"، مشدّدًا على أن العلاقة "ستبقى صلبة ووثيقة ومفيدة للطرفين"100. لم تُؤدِّ التباينات السياسية بين قطر والولايات المتحدة في قراءة واقع المنطقة، خصوصًا الموقف من التيارات الإسلامية، إلى تقارب مع السعودية؛ إذ بقيت الفجوة بين الرياض وإدارة الرئيس أوباما تتسع،

  1. Ibid.
  2. في الوقت الذي كانت ترفض إدارة الرئيس أوباما توصيف ما حصل في مصر في 3 تموز/ يوليو 2013 بأنه انقلاب، نشب خلاف كبير داخل الإدارة بشأن طريقة التعامل مع الانقلاب العسكري. وبرز تياران داخلها: الأول كان يقوده وزير الخارجية جون كيري ويؤيده وزير الدفاع تشاك هيغل الذي يرى أنّ مصلحة الولايات المتحدة تقتضي التعامل مع النظام الجديد في إطار سياسة واقعية تراعي فيها موقف حلفائها السعوديين الذين نجحوا على ما يبدو في قيادة الثورة المضادة، ويحافظ على مصر حليفًا في إطار سياسة التعامل مع من يحكم بغض النظر إن كان ذلك يقود إلى القضاء على المسار الديمقراطي. أما التيار الثاني فكانت تقوده مستشارة الأمن القومي سوزان رايس، ويرى أنّ مصالح الولايات المتحدة تقتضي تأكيد المسار الديمقراطي؛ لأنّ الموقف المغاير سيعيد المنطقة والسياسة الأميركية إلى المربع الأول حين كانت واشنطن تدعم الدكتاتوريات، وتتحمّل ثمن هذا الموقف انتقادات وهجمات عليها وعلى مصالحها في المنطقة وحتى داخل الولايات المتحدة، كما حصل في الحادي عشر من سبتمبر 2001. من هنا ظهر التناقض في السياسة الأميركية تجاه مصر؛ فمن جهة فرضت واشنطن عقوبات على حكومة الانقلاب، ومن جهة أخرى بدت كأنها تدعم خريطة الطريق التي وضعها عبد الفتاح السيسي، ينظر: Josh Rogin, "John Kerry Defies the White House on Egypt Policy," Daily Beast , 18/11/2013, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2lDCBZM; Michael Higgins, "Tensions between John Kerry and Susan Rice May be at Core of
  3. 99  Taimur Khan, "Qatar's Emir Meets Obama in First Visit to White House," The National , 24/2/2015.
  4. Mead.
  5. ينظر: Jeremy Shapiro, "The Qatar Problem," Foreign Policy , 28/8/2013. 98  Tamim Bin Hamad Al-Thani, "Qatar's Message to Obama," The New York Times , 24/2/2015.
  6. Muddled' U.S. Policy on Egypt," National Post , 22/11/2013, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2lCTEv6
  7. سعود الفيصل: العرب مستعدون لتعويض المساعدات الغربية لمصر"، 95 الحياة، 2013/8/19، شوهد في 2019/9/8، في http://bit.ly/2m50o58:

إلى درجة اضطرت معها الرياض إلى توجيه إنذار إلى واشنطن بعدم معارضة الانقلاب في مصر101، وأدى عدم وجود موقف أميركي داعم بهذا الخصوص، واتجاه أوباما إلى التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران (دعمته قطر) إلى اكتفاء الرياض وحلفائها بسحب السفراء من الدوحة في شباط/ فبراير 2014 لإجبارها على تغيير موقفها من الانقلاب العسكري في مصر، ثم إعادتهم في أواخر عام 2014 مع التئام القمة الخليجية الدورية في الدوحة، بعد توقيع اتفاق الرياض التكميلي في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 الذي سمح بحل الخلاف مع قطر، في انتظار فرصة جديدة لتصفية الحساب معها102.

سادسًا: صعود ترامب

مثّل وصول رجل الأعمال ترامب إلى السلطة في البيت الأبيض المتغيَّ الرئيس الذي سمح باندلاع أزمة عام 2017 التي تميّزت بإجراءات غير مسبوقة اتخذتها دول الحصار، خصوصًا السعودية ودولة الإمارات، التي وجدت في إدارة الرئيس الجديد الدعم الذي افتقدته في إدارة الرئيس السابق لتصفية حسابات مع قطر يمتد عمرها إلى نحو عقدين؛ إذ جرى تحميل قطر مسؤولية كل ما جرى في المنطقة العربية بسبب تغطية قناة الجزيرة وعلاقات قطر مع القوى والتيارات الإسلامية والديمقراطية، على السواء، وتحوّلها إلى قوة تغيير في المنطقة وقطب إقليمي مهم. وبدأت جهود السعودية والإمارات في العمل على كسب ترامب والتأثير في مواقفه قبل شهور من انتخابات الرئاسة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، وعرضتا المساعدة في وصوله إلى البيت الأبيض103. ما إن صدرت نتائج الانتخابات الأميركية واتّضح فوز ترامب بها، حتى بدأت الإمارات تنسج علاقة خاصة معه ومع طاقم مساعديه104. وكان لدى ترامب وصهره جاريد كوشنر الذي عُيّ مستشارًا خاصًا للرئيس ومبعوثه إلى الشرق الأوسط، الاستعداد المطلوب لموافقة دول الحصار على سياساتها تجاه قطر105. وكان كوشنر ووالده، تشارلز، قد حاولا الحصول على دعم مالي من قطر للحيلولة دون إفلاسهما بعد أن اشتريا عقارًا في نيويورك لم يحقق العائد المأمول منه، لكن قطر لم تتحمّس للأمر106. إلى جانب الاعتبارات الشخصية المرتبطة بترامب وصهره، أدّت توجّهات الإدارة الجديدة ورؤيتها للعالم ودور الولايات المتحدة فيه إلى افتراق في الرؤية بين قطر وواشنطن. فبعكس إدارة أوباما التي ساندت الانتفاضات العربية في ليبيا ومصر، ودعمت المعارضة السورية ضد نظام بشار الأسد، ونظرت إلى النموذج التركي باعتباره مثالً للتصالح بين الإسلام والديمقراطية، على الأقل خلال ولايتها الأولى، وسعت لحل قضية البرنامج النووي الإيراني عبر المفاوضات، واصطدمت بحكومة بنيامين نتنياهو في محاولاتها إحياء عملية السلام على أساس حل الدولتين، جاءت إدارة الرئيس ترامب رافعة شعار "أميركا أولً "، وتبنّت سياسات مناقضة لسياسات الإدارة السابقة كلها، بما في ذلك إشهار عدائها للتيارات الإسلامية على توجهاتها، لا بل اعتبارها الإسلام دينًا يحضّ على العنف والكراهية107. فكان قرار ترامب الأول لدى دخوله إلى البيت الأبيض هو فرض حظر على دخول مواطني سبع دول ذات غالبية مسلمة إلى الولايات المتحدة، كما بدا مُعجبًا بنماذج القادة "الأقوياء"، مثل الرئيسين المصري السيسي والروسي بوتين. وكان ينظر إلى دول الخليج العربية على أنها دول غنية جدًا وعليها أن تدفع لواشنطن ثمن حمايتها لها108. أما بخصوص الصراع العربي -الإسرائيلي، فكان ترامب ميّالً بالمطلق إلى التوجهات الإسرائيلية لكيفية تحقيق السلام في المنطقة، فاعترف قبل أن يمضي عامه الأول في السلطة بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، وأمر بنقل السفارة الأميركية إليها في الذكرى السبعين لاحتفالات إسرائيل بتأسيسها في الرابع عشر من أيار/ مايو 2018. أما بخصوص إيران، فكان لديه، على عكس سلفه أيضًا، حالة عداء شديدة تجاهها، واستعداد للدخول في مواجهة معها بسبب سياساتها، ونفّذ وعده الانتخابي، أي الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في أيار/ مايو 2018، وأعاد فرض العقوبات الاقتصادية عليها، بما فيها حظر تصدير النفط الإيراني الذي دخل حيّز التنفيذ في مطلع، وأُتشرين الثاني/ نوفمبر 2018 تبِع ذلك بسلسلة من العقوبات الأخرى التي أصابت الاقتصاد الإيراني بضرر بالغ ورفعت من احتمالات المواجهة معها بعد أن عزّزت واشنطن وجودها العسكري في منطقة الخليج في أيار/ مايو 2019،

  1. قبلان، "العلاقات السعودية - الأميركية."....
  2. ما الثمن الذي دفعته قطر لعودة سفراء خليجيين إلى الدوحة؟" بي بي سي، 2014/11/18، شوهد في 2019/9/8، في https://bbc.in/2lC6Dx9:
  3. Mark Mazzetti, Ronen Bergman & David D. Kirkpatrick, "Trump Jr. and Other Aides Met With Gulf Emissary Offering Help to Win Election," The New York Times , 19/5/2018, accessed on 8/9/2019, at: https://nyti.ms/2x1zWhY
  4. Manu Raju, "Rice Told House Investigators Why She Unmasked Senior Trump Officials," CNN , 19/9/2017, accessed on 8/9/2019, at: https://cnn.it/2NupEv4
  5. David D. Kirkpatrick, et al. "The Wooing of Jared Kushner: How the Saudis Got a Friend in the White House," The New York Times , 8/12/2018, accessed on 8/9/2019, at: https://nyti.ms/2E6G5Lz
  6. Michael Kranish & Karen De Young, "Kushner Companies confirms meeting with Qatar on financing," The Washington Post , 19/3/2018, accessed on 8/9/2019, at: https://wapo.st/2IHp1j5
  7. Jenna Johnson & Abigail Hauslohner, "'I Think Islam Hates Us': A timeline of Trump's Comments about Islam and Muslims," The Washington Post , 20/5/2017, accessed on 8/9/2019, at: https://wapo.st/30ASSy2; Anthony Zurcher, "What Trump Team Has Said about Islam," BBC , 7/2/2017, accessed on 8/9/2019, at: https://bbc.in/2kyWHnO
  8. Tamara Qiblawai, "Trump Says Saudi King Wouldn't Last 'Two Weeks' without US Support," CNN , 7/10/2018, accessed on 8/9/2019, at: https://cnn.it/2lDTR0Y

وأطلقت محاولات لإنشاء تحالف دولي لحماية الملاحة في الخليج والتصدي لمحاولات إيران عرقلة تدفّق النفط عبره. كانت هذه السياسات التي أطلقتها الإدارة الجديدة متوافقة أكثر مع مواقف دول الحصار، خصوصًا السعودية والإمارات، التي لم تكن راضية عن الاتفاق النووي الإيراني، لأنه يخفف الضغط عن إيران، ويوفر لها الموارد المالية لتمويل سياستها الخارجية109، لذلك كانت هذه الدول ترغب في إلغاء الاتفاق وإعادة فرض الحصار على إيران، وتدفع إلى مواجهتها ومواجهة قوى الإسلام السياسي بعد أن صنّفت غالبية قواه قوى إرهابية، بما في ذلك تنظيم الإخوان المسلمين الذي يشارك في الحياة السياسية في عدد من الدول العربية، منها دول خليجية (الكويت والبحرين)110، وشجّعت ترامب على فعل الشيء نفسه، وتصنيف التنظيم منظمة إرهابية111. كما كانت السعودية والإمارات تسعيان لإلغاء كل مفاعيل الانتفاضات العربية وتحاولان الحدّ من دور تركيا ونفوذها، باعتبارها "نموذجًا" للديمقراطية والتنمية في المنطقة. من هذا الباب، بدأت الحملة على قطر على شكل محاضرات ومقالات في وسائل إعلام أميركية مختلفة، تناولت دورها خلال الربيع العربي، وعلاقتها بقوى الإسلام السياسي، بما فيها تلك التي تصنّفها واشنطن إرهابية، مثل حماس. وظهر ما لا يقل عن 13 مقالة رأي في وسائل الإعلام الأميركية خلال الأسابيع القليلة التي سبقت اندلاع أزمة الخليج في حزيران/ يونيو 2017، هاجمت قطر واتّهمتها بدعم الإرهاب وتمويله واتّباع سياسة مزدوجة في علاقتها بواشنطن112. وشكّلت هذه المقالات والنشاطات الإعلامية والفكرية والثقافية مقدمة للأزمة التي ذرت بقرنها في قمة الرياض العربية - الإسلامية - الأميركية التي مثّلت البداية الفعلية لحصار قطر.

1. قمة الرياض

كانت القمة العربية - الإسلامية - الأميركية التي عُقدت في الرياض، في الحادي والعشرين من أيار/ مايو 2017، مناسبة لإدارة ترامب لإعادة صياغة علاقتها بالعالم العربي والإسلامي، انطلاقًا من اهتماماتها المتصلة بمواجهة تهديدين كبيرين لمصالحها في المنطقة: إيران والإرهاب. ففي الخطاب الذي ألقاه في القمة التي حضرها نحو خمسين زعيمً عربيًا ومسلمً، دعا ترامب إلى توحيد الصفوف لمحاربة "الإرهاب"، وما سمّ ه مااي "التطرف الإس"113. وافتتح، بمشاركة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، "المركز العالمي لمكافحة التطرّف" في الرياض، الذي أُنشئ بهدف "تتبّع التطرّف عبر الإنترنت ومراقبة القنوات التلفزيونية التي تتبنى خطابًا متشدّدًا"114. من جهة أخرى، سعى ترامب لحشد العالمين العربي والإسلامي وراء جهود عزل إيران واحتوائها، حيث اعتبرها "رأس حربة الإرهاب العالمي"115. واجتمع ترامب بقادة دول مجلس التعاون الست في مسعى لتشكيل قوة عربية مشتركة، على غرار "الناتو" لمواجهة إيران. وتعهد بتقديم الأسلحة كلها التي ترغب دول الخليج في شرائها من الولايات المتحدة لتعزيز دفاعاتها في مواجهة إيران، بما فيها صفقات سلاح مع السعودية بقيمة 110 مليارات دولار116. مثّل خطاب ترامب وزيارته الرياض التي كانت أول عاصمة إسلامية يزورها بعد وصوله إلى الحكم، تحوّلً كبيرًا في السياسة الأميركية تجاه العالم العربي والإسلامي، مقارنة بسياسة سلفه أوباما، الذي اختار إسطنبول أول عاصمة إسلامية يزورها. في ذلك الوقت شدّد أوباما على قضايا الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية. وفي خطابه الذي ألقاه في القاهرة في حزيران/ يونيو 2009، اعتبر أن فشل الدول العربية في تحقيق التنمية وقمع الحريات وطموحات شعوبها تمثل عوامل زعزعة لاستقرار المنطقة والأمن العالمي. في هذا السياق، مثّل مجيء ترامب إلى السلطة بأجندته المختلفة عن أجندة سلفه واستعداده لتفهم مواقف السعودية والإمارات وسياساتهما التي تتفق مع رؤيته لإيران والإسلام السياسي، ورفع شعار أميركا أولً وإعطاء الأولوية لمصالح بلاده الاقتصادية والتجارية، عاملً رئيسًا في اندلاع الأزمة الخليجية. وبناء عليه، وبعد يومين فقط من زيارته السعودية ومشاركته في قمة الرياض، بدأت السعودية والإمارات والبحرين حملة إعلامية شديدة ضد قطر، مثّلت مقدمة لفرض حصار بري وجوي عليها. وأكد ترامب وجود علاقة بين زيارته المنطقة وتفجّر الأزمة الخليجية؛ إذ كتب في حسابه على تويتر بعد يوم واحد من إعلان الدول الخليجية الثلاث، إضافة إلى مصر، قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر: "خلال زيارتي الأخيرة إلى الشرق الأوسط، قلت إنه لا يمكن أن يستمر تمويل الفكر المتطرف. فأشار الزعماء إلى قطر. انظر"117. ونشر ترامب تغريدات

  1. مستشار سعودي: اجتماع ولي ولي العهد وترامب نقطة تحول تاريخية"، 108 رويترز، 2017/3/15، شوهد في 2019/9/8، في http://bit.ly/2WnUmZO:
  2. السعودية: حزب الله والإخوان وداعش جماعات إرهابية"، العربية نت، 2014/3/7، شوهد في 2019/9/8، في https://bit.ly/2URnQTP:
  3. إدارة ترامب تعمل على تصنيف الإخوان المسلمين 'منظمة إرهابية"'، بي بي سي، 2019/4/30، شوهد في 2019/9/8، في https://bbc.in/2MrF1GX:
  4. وزير الخارجية القطري: الاخ اررق جريمة سنلُاحق مرتكبيها"، الجزيرة نت، 2017/7/18، شوهد في 2019/9/8، في https://bit.ly/2BTM2tq:
  5. President Trump's Speech to the Arab Islamic American Summit," Foreign Policy , The White House, 21 /5/2017, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2klTBUd
  6. Peter Baker & Michael D. Shear, "Trump Softens Tone on Islam but Calls for Purge of 'Foot Soldiers of Evil'," The New York Times , 21/5/2017, accessed on 8/9/2019, at: https://nyti.ms/31vbalg
  7. President Trump's Speech to the Arab Islamic American Summit."
  8. Jared Malsin, "The Big Problem with President Trump's Record Arms Deal with Saudi Arabia," Time , 22/5/2017, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2lK1DWZ
  9. Donald J. Trump, "During my recent trip to the Middle East I stated that there can no longer be funding of Radical Ideology. Leaders pointed to Qatar - look!" Twitter, 6/6/2017, accessed on 10/9/2019, at: http://bit.ly/2kDAfKf

أخرى جاء فيها: "من الجيد أن نرى أن زيارة المملكة العربية السعودية واللقاء مع الملك و 50 دولة بدأت بإعطاء نتائجها. قالوا إنهم سيتبنّون موقفًا أكثر حزمًا في التعامل مع تمويل التطرّف، وكانت التلميحات كلها تشير إلى قطر. ربما هذا الأمر سيكون بداية نهاية الإرهاب"118.

2. خلاف داخل الإدارة

جاءت تغريدات ترامب المؤيدة لحصار قطر مخالفة لمواقف وزارتي الخارجية والدفاع اللتين دعتا إلى التهدئة وعدم التصعيد وإيجاد حل سلمي للأزمة119. وعلى الرغم من محاولات البيت الأبيض نفي أي خلاف بين الرئيس ووزير الخارجية ريكس تيلرسون (شباط/ فبراير 2017 – آذار/ مارس 2018) الذي كان يعرف قطر جيدًا ويتمتع بعلاقات طيبة مع قادتها منذ أن كان رئيسًا لشركة إكسون موبيل Exxon Mobil التي أدّت دورًا مركزيًا في تطوير صناعة الغاز القطرية في التسعينيات120، فإن استمرار التناقض في المواقف بين ترامب ووزير خارجيته ووزارة الدفاع، كان واضحًا. وتجلّ التعبير الأبرز عن ذلك حين ألقى تيلرسون في التاسع من حزيران/ يونيو 2017 كلمة مقتضبة، في مقرّ وزارة الخارجية الأميركية، دعا فيها كل أطراف الأزمة الخليجية إلى حلّ خلافاتها من خلال المفاوضات121. لكن، لم تمض بضع ساعات حتى كان ترامب، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الروماني، كلاوس أوهانس، في حديقة البيت الأبيض، يكيل الاتهامات لقطر من جديد، معتبرًا الإصرار على عزلها انتصارًا لموقفه الداعي إلى وقف كل أشكال الدعم لمن وصفهم ب "المتطرفين"122. في نهاية المطاف، دفع تيلرسون ثمن مواقفه من أزمة قطر، حيث أقاله ترامب من منصبه بتغريدة على تويتر في 13 آذار/ مارس 2018، واستبدله برئيس "سي آي آي"، مايك بومبيو، الأكثر انسجامًا مع توجهاته123، لكن حتى ذلك الوقت كان موقف ترامب نفسه قد بدأ يتغير من الأزمة الخليجية.

3. منع التصعيد العسكري

كشف أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد، خلال زيارة قام بها إلى واشنطن في السابع من أيلول/ سبتمبر 2017، في مسعى للحصول على دعم أميركي لجهود الوساطة التي بدأها منذ الأيام الأولى للأزمة، عن أن جهود بلاده الدبلوماسية منعت تصعيدًا عسكريًا من دول الحصار ضد قطر124. وكانت الاستخبارات القطرية قد كشفت عن مخطط سعودي - إماراتي لغزو قطر في صيف 2017. وتقوم هذه الخطة، التي أبلغت بها السلطات القطرية الحكومة الأميركية، على دخول قوات برّية سعودية إلى قطر مع مساندة إماراتية، وتتقدم مسافة تصل إلى 70 كيلومترًا داخل الأراضي القطرية، متجاوزة القاعدة العسكرية الأميركية في العديد، وتسيطر على الدوحة. ودفعت الجهود التي بذلها وزير الخارجية الأميركية تيلرسون ومطالبته وزير الدفاع بالتدخل لدى السعوديين، إلى وقف تنفيذ العملية العسكرية، محذّرا من تداعياتها السلبية على العلاقات مع الولايات المتحدة125. مع ذلك، وتحسّبًا لعمل عسكري مفاجئ، وعلى الرغم من تحذير وزير الدفاع الأميركي ولي العهد السعودي من القيام بأي عمل عسكري ضد قطر، فإن القاعدة الأميركية في العديد أطلقت طائرات مسيّة لمراقبة الحدود بين قطر والسعودية درءًا لأي صدامات محتملة، بينما أبلغ السفير الإماراتي في واشنطن الخارجية الأميركية أن البيت الأبيض على علم بطبيعة التحركات السعودية - الإماراتية، وأن مستشار الرئيس كوشنر وافق على خطة الحصار126. وكان، كبير مستشاري الرئيس ترامب، ستيف بانون، قد كشف أن خطة احتلال قطر كانت جاهزة قبيل بدء الأزمة الخليجية، وتحديدًا خلال القمة العربية - الإسلامية - الأميركية في الرياض127. وهي المعلومات التي أكدها وزير الدولة لشؤون الدفاع القطري، خالد العطية، في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست؛ إذ قال إن دول الحصار خططت فعلً للقيام بعمل عسكري ضد بلاده128. أدركت قطر أن تغيير موقف الرئيس الأميركي يُعدّ حاسمً لمنع التصعيد في الأزمة وإفشال جهود دول الحصار التي كانت تطلب من قطر الاستسلام، وكانت مستندة أساسًا إلى دعمه، وبناء عليه ركزت قطر جهودها خلال

  1. Donald J. Trump, "So good to see the Saudi Arabia visit with the King and 50 countries already paying off. They said they would take a hard line on funding...," Twitter, 6/6/2017, accessed on 10/9/2019, at: http://bit.ly/2may69o
  2. Press Availability with Secretary of Defense James Mattis, Australian
  3. Exxonmobil Congradulates Qatar for Reaching Milestone of 77 MTA LNG Production Capacity," ExxonMoil, 13/12/2010, accessed on 8/9/2019, at: https://exxonmobil.co/2k1p3qq
  4. Remarks on the Middle East," U. S. Department of State, 9/6/2017, accessed on 8/9/2019, at: https://bit.ly/2zcR8zj
  5. Mallory Shelbourne, "US Ambassador to Qatar's Assignment Ends this Month," The Hill , 13/6/2017, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2maqXG3
  6. Peter Baker, Gardiner Harris & Mark Landler, "Trump Fires Rex Tillerson and Will Replace Him with C.I.A. Chief Pompeo," The New York Times , 13/3/2018, accessed on 8/9/2019, at: https://nyti.ms/2InWivF 123 " Remarks by President Trump and Emir Sabah al-Ahmed al-Jaber al-Sabah of Kuwait in Joint Press Conference," Foreign Policy , The White House, 7/9/2017, at: http://bit.ly/2lO9xP8
  7. Foreign Minister Julie Bishop, And Australian Defense Minister Marise Payne," U.S. Embassy & Consulates in China, 24/6/2017, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2ktZGy0
  8. Alex Emmons, "Saudi Arabia Planned to Invade Qatar Last Summer. Rex Tillerson's Efforts to Stop It May Have Cost Him His Job," The Intercept , 1/8/2018, accessed on 8/9/2019, at: https://bit.ly/2AvEKOb
  9. Dexter Filkins, "Saudi Prince's Quest to Remake the Middle East," The New Yorker , 2/4/2018, accessed on 8/9/2019, at: https://bit.ly/2pVdLng
  10. مستشار ترامب: خطة غزو قطر كانت جاهزة في قمة الرياض"، الخليج أون لاين، 2018/9/16، شوهد في 2019/9/8، في https://bit.ly/2YuMWVZ:
  11. Lally Weymouth, "Qatar to Saudi Arabia: Quit Trying to Overthrow our Government," The Washington Post , 2/2/2018, accessed on 8/9/2019, at: https://wapo.st/2lY83C2

الأسابيع التالية لاندلاع الأزمة على محاولة الوصول إلى ترامب وتغيير موقفه. واستغل أمير قطر الشيخ تميم بن حمد مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لترتيب لقاء معه في البيت الأبيض، في 19 أيلول/ سبتمبر 2017، وكان اللقاء الأول بينهما ناجحًا؛ إذ وصف ترامب علاقته بالأمير ب "الصداقة الطويلة"129. وكانت زيارة الشيخ صباح الأحمد قبل ذلك بعشرة أيام قد مهّدت السبيل أمام حصول تحوّل في موقف الرئيس ترامب، حيث أكّد الصباح أن وحدة مجلس التعاون أساسية في نجاح الجهود الأميركية في مكافحة الإرهاب، في المقابل أبدى ترامب استعداده للتدخل والوساطة في حل النزاع بين قطر ودول الحصار، وشدّد على أن "قطر والسعودية والإمارات والبحرين ومصر شركاء أساسيون" في مكافحة الإرهاب، وأعرب عن اعتقاده بإمكان التوصل إلى اتفاق سريع لحل الأزمة. وقال: "إذا تسنّت لي المساعدة في التوسط بين قطر والإمارات والسعودية على الأخص، فإنني سأكون مستعدًا لفعل ذلك، وأعتقد أنه سيكون لديكم اتفاق على نحو سريع جدًا"130. بدأ ترامب يدرك أن إيران أخذت تقطف ثمار النزاع بين دول مجلس التعاون، ذلك أن قطر لم تجد، بسبب الحصار، بدًّا من تحسين علاقاتها مع إيران التي فتحت مجالها الجوي أمام الخطوط الجوية القطرية وأمدّت السوق القطرية بالمنتجات الزراعية والمواد الغذائية التي توقّف وصولها من دول الحصار، حيث كانت قطر تعتمد على السعودية والإمارات في توفير جزء كبير من حاجاتها الغذائية. وساهمت جهود وزير الخارجية الأميركي تيلرسون، ووزير الدفاع ماتيس، ومستشار الأمن القومي أتش. أم. ماكماستر، في دفع ترامب إلى تغيير موقفه أيضًا والتحوّل نحو تشجيع دول الحصار وقطر على محاولة حل الخلاف بينها عبر الحوار. بناء عليه، بادر ترامب إلى ترتيب اتصال هاتفي، بعد يوم فقط من لقائه الشيخ صباح في واشنطن، في 8 أيلول/ سبتمبر 2017، بين الشيخ تميم وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، تعهّدا فيه بالعمل على حل الخلافات العالقة بينهما على طاولة الحوار، إلّ أن السعودية عادت وتراجعت، في اليوم ذاته عن تعهداتها، ملقية باللوم على قطر ومطالِبة إيّاها بالامتثال للاشتراطات الثلاثة عشر التي وضعتها دول الحصار131.

4. الحوار الاستراتيجي الأميركي - القطري

استمرت قطر في تركيزها على إحداث تغيير نوعي في الموقف الأميركي، وخصوصًا موقف الرئيس ترامب، باعتباره مدخلً لاحتواء الأزمة وتجريد دول الحصار من أبرز أوراق القوة التي تمتلكها، أي موقفه المساند. وتمكّنت من ترتيب منتدى الحوار الاستراتيجي الأميركي - القطري الأول الذي عقد في واشنطن، في 30 كانون الثاني/ يناير 2018، برئاسة وزراء الخارجية والدفاع من البلدين. وكان هذا المنتدى الأول من نوعه بين الدولتين، اتّفق خلاله على أن يتحوّل إلى حوار استراتيجي سنوي، وكان الطرفان قد توصلّا إلى اتفاقية لمكافحة الاتجار بالبشر وحقوق العمال والطيران المدني، وهي قضايا كان يلحّ عليها الأميركيون، قبل يوم واحد من انعقاد الحوار الاستراتيجي بينهما. واعتبر البلدان أن تدشين الحوار الاستراتيجي السنوي بينهما دليل على قوة العلاقات الثنائية بينهما، و"أسس لرؤية مشتركة مستقبلية لشراكتهما الاستراتيجية"132. استأثر برنامج المبيعات العسكرية الأميركية إلى قطر، الذي بلغت قيمته 24.7 مليار دولار، والذي استخدمته قطر لشراء أحدث النظم العسكرية الأميركية، بحيّز أساسي من المباحثات، وسعت من خلاله قطر لتوثيق روابطها العسكرية وتعزيز قدراتها العسكرية في مختلف المجالات، بالتنسيق مع الولايات المتحدة. كما أعلنت عن امتلاكها "رؤية 2040" للتعاون العسكري مع الولايات المتحدة، التي تتضمّن مخططًا لتوسيع قاعدة العديد الجوية وبناء مساكن ومرافق جديدة فيها وزيادة قدرتها الاستيعابية133. كما تضمنت الرؤية بناء موانئ بحرية جديدة قادرة على استيعاب السفن الحربية الأميركية134. وبالفعل افتتحت في تموز/ يوليو 2019 قاعدة الظعاين البحرية، كما أسلفنا. خرجت قطر بنتيجة مهمة من هذا الحوار، تمثّلت في انتزاع تعهد رسمي أميركي باعتبارها شريكًا إقليميًا قويًا وموثوقًا، خصوصًا في سياق الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي ومحاربة الإرهاب. واعتبرت قطر ذلك رسالة واضحة تُعبّ عن التزام الولايات المتحدة بأمنها واستقرارها135. ومهّد هذا الحوار لأول زيارة رسمية للشيخ تميم إلى واشنطن بعد تولي ترامب الحكم.

5. القمة الأميركية - القطرية وتمتين التحالف

خسرت قطر صديقًا لها في واشنطن، بإقالة وزير الخارجية تيلرسون في آذار/ مارس 2018، إلا أنها كانت قد تمكّنت في هذه المرحلة

  1. Remarks by President Trump and Emir Tamim bin Hamad Al Thani
  2. Remarks by President Trump and Emir Sabah al-Ahmed al-Jaber
  3. 134  Krishnadev Calamur, "America Wins the Gulf Crisis: America Wins the Gulf Crisis," The Atlantic , 31/1/2018, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2WLotuj
  4. Joint Statement of the Inaugural United States-Qatar Strategic Dialogue," U.S. Embassy in Qatar, U. S. Department of State, 30/1/2018, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2kEtAQ0 132  Marcus Weisgerber, "Qatar Wants to Host US Ships, Expand Air Base for American Families," Defense One , 31/1/2018, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2lY8igq 133  Ibid.
  5. Before Bilateral Meeting," Foreign Policy , The White House, 19/9/2017, accessed on 8/9/2019, at: https://bit.ly/2IHsTki
  6. al-Sabah of Kuwait in Joint Press Conference.".
  7. 130  Zaid Sabah & Zainab Fattah, "Phone Call to Ease Saudi-Qatar Spat Causes New Problem," Bloomberg , ‎ ‎9‎/9/‎2017‎, accessed on 8/9/2019, at: https://bloom.bg/2FgYeWC

من إحداث تغيير مهم في موقف الرئيس ترامب، ومثّل لقاء القمة بينه وبين أمير قطر، في العاشر من نيسان/ أبريل 2018 في البيت الأبيض، مؤشرًا على مدى هذا التحول؛ إذ وصف ترامب قطر ب "الصديق العظيم"، وبأن العلاقات بين الدولتين تعمل "بشكل ممتاز." كما وصف الشيخ تميم ب "الشريك الكبير" في محاربة تمويل الإرهاب136. وتأكيدًا لأهمية التعاون الدفاعي والأمني ومركزيته في العلاقة بينهما، أجازت وزارة الخارجية الأميركية بيع قطر أنظمة صاروخية متطورة بقيمة 300 مليون دولار. وأبلغت وزارة الخارجية الكونغرس أنها وافقت على تلك الصفقة لأن قطر تعدّ "عاملً مهمً للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في منطقة الخليج"137. وفي القمة الرسمية الثانية التي جمعت الشيخ تميم بالرئيس ترامب، في التاسع من تموز/ يوليو 2019، تكرّس التغيير في موقف الرئيس ترامب بوضوح في البيان المشترك الذي صدر عقب محادثاتهما في البيت الأبيض، حيث أكدا "أن العلاقة الاستراتيجية والدفاعية الوثيقة تعزّزت بين البلدين"، وخلال اللقاء كشف الشيخ تميم عن أن حجم الاستثمارات القطرية في الولايات المتحدة بلغ 185 مليار دولار، وأن بلاده تخطط لمضاعفة الرقم والاستثمار في البنية التحتية الأميركية. كما وقّع الطرفان اتفاقات تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، تضمّنت طائرات شحن من طراز بوينغ 777، وأنظمة ناسام وباتريوت وغيرها.

خاتمة

على الرغم من أن لقطر علاقات استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة، خصوصًا منذ أن استضافت في قاعدة العديد في عام 2003 القوات الأميركية، وتحوّلت إلى أكبر قاعدة عسكرية للجيش الأميركي خارج الأراضي الولايات المتحدة، فإن هذه العلاقة كانت أبعد ما تكون عن علاقة التبعية، بل إنها كانت تخضع دائمًا لمدّ وجزر، بسبب اختلاف المصالح والاهتمامات والتحديات التي تواجه الطرفين. مع ذلك، بقيت المصالح المشتركة وحاجة كل طرف منهما إلى الآخر تمنع وصول اختلافهما بشأن مقاربة الكثير من قضايا المنطقة، مثل إيران وتيارات الإسلام السياسي والصراع العربي - الإسرائيلي وغيرها، إلى مرحلة الأزمة. ويمكن القول إن أزمة حصار قطر جعلت حاجة كل طرف منهما إلى الآخر تزداد، خصوصًا في ضوء حاجة الولايات المتحدة إلى الأدوار الفريدة التي تضطلع بها قطر والناتجة من رغبتها في الحفاظ على درجة من الاستقلالية وسعيها للاحتفاظ بعلاقات مع جميع الأطراف في المنطقة، خصوصًا تلك التي لا تستطيع واشنطن التواصل معها إلا من خلال وسيط.

المراجع

العربية

"الحوار الإستراتيجي الأميركي - القطري: رسائله وأبعاده." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2018/2/8. فh يttps://bit.ly/2xAuNdK: تقرير محكمة العدل الدولية الأمم المتحدة.. 1 آب/ أغسطس تموز/ 31-2000 يوليو. الملحق 2001 رقم 4). A/56/4(فh يttp://bit.ly/2lXLA88: شهاب، حميد نجيب. "الترسيم النهائي للحدود السياسية بين قطر والبحرين آداب الكوفة. مج ومستقبل العلاقة بينهما." 1. العدد 5.)2009(قبلان، مروان. "العلاقات السعودية – الأميركية: انفراط عقد التحالف أم سياسات عربية. العدد إعادة تعريفه؟." 6 (كانون الثاني/ يناير.)2014 ___­____._ "سياسة قطر الخارجية: النخبة في مواجهة الجغرافيا." سياسات عربية. العدد 28 (أيلول/ سبتمبر.)2017 ________. "صعود تنظيم الدولة الإسلامية وتحولّات النظام الإقليمي سياسات عربية. العدد في المشرق العربي." 12 (كانون الثاني/ يناير.)2015 النعيم، مشاري. الحدود السياسية السعودية: البحث عن لاستقرار. بيروت: دار الساقي،.1999

الأجنبية

Acharya, Amitav. U.S. Military Strategy in the Gulf: Origins and Evolution under the Carter and Reagan Administrations. London/ New York: Routledge, 1989. Blanchard, Christopher M. Qatar: Background and U.S. Relations. Congressional Research Service. Washington D.C. 4/11/2014.

  1. Readout of President Donald J. Trump's Meeting with Amir Tamim Bin Hamad Al Thani," Foreign Policy , The White House, 10/4/2018, accessed on 8/9/2019, at: http://bit.ly/2XVLRqo
  2. Gardiner Harris & Mark Landler, "Qatar Charm Offensive Appears to Have Paid Off, U.S. Officials Say," The New York Times , 9/4/2018, accessed on 8/9/2019, at: https://nyti.ms/2RsOygV
  3. أمير قطر وترامب يؤكدان تعزيز علاقات بلديهما الإستراتيجية والدفاعية"، الجزيرة، نت 2019/7/9، شوهد في 2019/9/8، في http://bit.ly/2kBdqXF:

_______. Qatar: Background and U.S. Relations. ‎Congressional Research Service. Washington, D.C. 16/5/2011. Cordesman, Anthony H. Saudi Arabia: National Security in a Troubled Region. Washington D.C.: Center for Strategic and International Studies; Praeger Security International, 2009. Degang, Sun. "The US Military Bases in the Gulf Cooperation Council States: Dynamics and Readjustment." Journal of Middle Eastern and Islamic Studies. vol. 4, no. 4 (2010). Djerejian, Edward P. "North African Countries: U.S. Relations and Assistance." a Statement before the Subcommittee on Africa of the House Foreign Affairs Committee. Washington, D.C. 12/5/1993. at: http://bit.ly/2BczWus Ekin, Hugh. "The Strange Power of Qatar." The New York Review of Books. 27/10/2011. at: http://bit.ly/2lEXd3M Gause, F. Gregory. "British and American Policies in the Persian Gulf, 1968–1973." Review of International Studies. vol. 11, no. 4 (1985). ________. "The Illogic of Dual Containment." Foreign Affairs. vol. 73, no. 2 (March-April 1994). Hartung, William D. "U.S. Arms Transfers to Saudi Arabia and the War in Yemen." Security Assistance Monitor. 9/7/2016. at: https://bit.ly/2Ulxf2c Katzman, Kenneth. Qatar: Governance, Security, and U.S. Policy. Congressional Research Service. 13/6/2018. at: http://bit.ly/2koyKzH Kaussler, Bernd. "Tracing Qatar's Foreign Policy and its Impact on Regional Security." Paper Research, Arab Center for Research and Policy Studies (2015). at: https://bit.ly/2VEpi9m Kinzer, Stephen. Reset Middle East: Old Friends and New Alliances: Saudi Arabia, Israel, Turkey, Iran. London: I. B. Tauris Limited, 2011. Roberts, David B. "Qatar and the Brotherhood." Survival. vol. 56, no. 4 (2014). ________. "Qatar and the Muslim Brotherhood: Pragmatism or Preference?" Middle East Policy. vol. 21, no. 3 (2014). Roosevelt, Kermit. Countercoup: The Struggle for the Control of Iran. New York: McGraw-Hill, 1979. Saidy, Brahim. "Qatari-US Military relations: Context, evolution and prospects." Contemporary Arab Affairs. vol. 10, no. 2 (2017). "Saudi Arabia and United Arab Emirates: Agreement on the Delimitation of Boundaries (with exchange of letters and map). Signed at Jeddah, Saudi Arabia, on 21/8/1974." United Nations. Treaty Series no. 30250. 9/9/1993. at: http://bit.ly/2lY4ZWy Sick, Gary. "Amercia: The Hesitant Hegemon." Unpuplished paper presented at the Fifth Annual meeting of the Gulf Studies Forum, Doha, 3-4/12/2018. Singerman, Diane & Paul Amar (eds.). Cairo Cosmopolitan: Politics, Culture and Urban Space in the New Globalized Middle East. Cairo: American University Press, 2009. Soubrier, Emma. "Shifting Lines of Qatar's Relations with World Powers: The Strategic Partnership with France in Focus." Paper presented at the 2 nd ed. Annual Meeting of the Gulf Studies Forum, 6-8/12/2014. The New Politics of Intervention of Gulf Arab States. LSE Middle East Center. Collected papers. vol. 1 (April 2015). Tibi, Bassam. Conflict and War in the Middle East, 1967-91: Regional Dynamc and the Superpowers. Clare Krojzl (trans.). Hampshire/ London: Macmillan Press Ltd, 1993. Wilkinson, Jeff. "U.S. base in Qatar is nerve center for command of Iraq war." McClatchy DC Bureau. 11/3/2003. at: http://bit.ly/2k9e52k Woodward, Bob. Fear: Trump in the White House. New York: Simon & Schuster, 2018.