"سياسة الولايات المتحدة وإدارة الأزمات الدولية: إيران، العراق، سورية، لبنان، أنموذجًا"
عنوان الكتاب: سياسة الولايات المتحدة وإدارة الأزمات الدولية (إيران - العراق - سورية - لبنان أنموذجًا) المؤلف: عبادة محمد التامر. سنة النشر:.2015 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة/ بيروت. عدد الصفحات: 287 صفحة.
"US Policy and International Crisis Management (The Cases of Iran, Iraq, Syria and Lebanon)"
مقدمة
من نافلة القول إن الوحدات الأساسية في النظام الدولي (الدولة، والمنظمات، والفرد) تتأثر بالأزمات الدولية. في المقابل، تسهم بنية النظام الدولي، سواء كان أحادي القطبية أو ثنائي القطب أو متعدد الأقطاب، في تحديد طبيعة الأزمات الدولية ومساراتها على نحو محوري؛ لذا اهتم منظّرو العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالبحث في الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للأزمات الدولية، وقد حاولوا تحليلها ودراستها وفق مقاربات عقلانية Rationalism أو تأملية Reflectivism في العلاقات الدولية. لقد سادت المقاربة العقلانية (الواقعية، والليبرالية، والماركسية) في تحليل الأزمات الدولية خلال فترة الحرب الباردة 1989-1945() عبر مجموعة من الأكاديميين الذين حاولوا دراسة دور وتأثير توازن القوى في النظام الدولي في الحد من الأزمات، كما درس آخرون الأسباب التي تقف خلف اندلاع الأزمات بين الدول التي قد تفضي في نهاية المطاف إلى اندلاع الحروب المدمرة. وقد استمرت دراسة الأزمات الدولية حتى بعد انتهاء الحرب الباردة، وانهيار النظام الثنائي القطب، حيث تفجرت أزمات من نوع جديد، صعد معها مفاهيم جديدة ساهمت في تغيير مقاربات القوى الدولية - على رأسها الولايات المتحدة الأميركية - للأزمات الدولية، نذكر منها التدخل الإنساني ومحاربة الإرهاب اللذين وظفتهما الولايات المتحدة لتبرير تدخلاتها العسكرية في مناطق مختلفة من العالم بذريعة حماية المدنيين، وحماية أمن الولايات المتحدة وحلفائها. وقد دفع هذا الأمر عددًا كبيرًا من الباحثين إلى التركيز على دور الولايات المتحدة في التعامل مع المشكلات والأزمات الدولية؛ باعتبارها القوة العظمى التي تحاول الحفاظ على استمرار الوضع الدولي على ما هو عليه، من خلال إدارة الأزمات و/ أو بالأزمات الدولية1. في هذا الصدد، صدر عن المركز العربي كتاب سياسة الولايات المتحدة وإدارة الأزمات الدولية (إيران - العراق – سورية - لبنان أنموذجًا)، إلى جانب عدد من الكتب التي عالجت السياسة الخارجية للولايات المتحدة في المنطقة العربية. تكمن القيمة المعرفية المضافة للأدبيات الأكاديمية التي تتناول تعامل الولايات المتحدة مع الأزمات الدولية في كونها تقدم مدخلً لدارسي العلاقات الدولية، بهدف فهم آليات عمل السياسة الأميركية في مناطق عديدة من العالم. وفي هذا السياق، يأتي هذا الكتاب ليكمل ما توصلت إليه المشاريع البحثية الأخرى في تحليل الأزمات في منطقة الشرق الأوسط، والمعالجة الأميركية لها، وتأثير التركيبة الثقافية والفكرية ل دإإارات الحاكمة في الولايات المتحدة (الجمهوريون، والديمقراطيون) وممارساتها السياسية؛ ما يسهم في التقليل من عدم اليقين التحليلي في شأن دوافع سياسة الولايات المتحدة وأدواتها في إدارتها للأزمات في المنطقة. وتتجلى إشكالية الكتاب من خلال دراسة الأبعاد الاستراتيجية والسياسية لسلوك الولايات المتحدة في إدارة الأزمات الدولية في منطقة الشرق الأوسط، وذلك بتناول نموذج محدد لأزمات دولية في المنطقة تعاملت معها إدارتان أميركيتان، واحدة جمهورية (إدارة جورج بوش الابن)، وأخرى ديمقراطية (إدارة باراك أوباما.) ينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول. حاول الباحث في الفصل الأول وضع إطار نظري لدراسة الأزمات الدولية، وتطور الممارسة السياسية الأميركية في إدارة الأزمات الدولية. أما الفصل الثاني، فقد خصصه لدراسة الأزمات الدولية في الشرق الأوسط، واستعرض خلاله مجموعة من العوامل المساعدة على نشوء الأزمات في هذه المنطقة، منها الديموغرافي والإثني والديني، وتطرق إلى محددات الرؤية الأميركية لأزمات منطقة الشرق الأوسط. في حين سلط الفصل الثالث الضوء على الأزمة العراقية وتطوراتها، وتعامل الولايات المتحدة مع الملف النووي الإيراني، وكذلك الأزمة السورية والأزمة اللبنانية في إدارة الرئيسين أوباما وبوش الابن.
الأزمات الدولية والرؤية السياسية الأميركية
أرست الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية 1945 أسس نظام دولي جديد، يقوم على مجموعة من القواعد التي تنظم العلاقات في ما بينها، نصّت، من بين ما نصّت عليه، على الأسلوب الدبلوماسي والتفاوض والحوار، لحل الأزمات والمشكلات والقضايا الدولية الناشبة في ما بينها، والحفاظ على سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحل الأزمات بالطرق السلمية. لكنّ النظرة المثالية التي سادت مع نهاية الحرب العالمية الثانية، التي تبشر بمرحلة جديدة تقوم على السلام والاستقرار والازدهار الاقتصادي، لم تدم طويلً، ولم تضع حدًا للنزاعات والصراعات والأزمات الدولية. وهو ما دفع السياسيين والباحثين في العلاقات الدولية نحو التعمق في بحث الأزمات وأسبابها وطبيعتها، والعوامل التي تقف وراء اندلاعها بين الدول.
لقد ربطوا في دراسات وبحوث عديدة بين وقوع الأزمات وبنية النظام الدولي؛ حيث يشكل التنافس بين القوى الفاعلة فيه، وفقًا لمدرسة "النسق الدولي"، على المصالح والنفوذ عاملً في ازدياد تورط تلك القوى في الأزمات الدولية، سواء كانت أطرافًا مباشرة أو غير مباشرة فيها2. لذا ينطوي تعريف الأزمة الدولية على أهمية علمية وعملية في آن، ويفرض تحديدُ تعريف دقيق للأزمة الدولية عدمَ الخلط بينها وبين مصطلحات أخرى مثل المشكلة والنزاع والكارثة والصراع، والتي تصف ظواهر سياسية لا تعد في حقيقتها أزمات دولية. ويساعد وضع تعريف دقيق ومحدد للأزمة الدولية في وضع استراتيجيات واضحة للتعامل معها، و/ أو وقف تداعياتها. في هذا الصدد، استعرض الباحث مجموعة من التعريفات التي تناولت مفهوم الأزمة الدولية. وقد اعتمد على تعريفين قد يؤشران على نحو ما إلى وجهة النظر الأميركية للأزمات الدولية وإدارتها. التعريف الأول هو للمفكر الاستراتيجي الأميركي، هنري كيسنجر Kissinger Henry، الذي عرّف الأزمة بأنها مجرد عرَض Symptom لوصول مشكلة ما إلى المرحلة السابقة مباشرة على الانفجار، ما يقتضي ضرورة المبادرة بحلها قبل أن تتفاقم عواقبها (ص. 41) أما التعريف الثاني الذي يعكس مفهومًا آخر للأزمات الدولية وإدارتها أميركيًا، فيستمد فحواه من خاصتي "الخطر" و"الفرصة"، وقد تلقف هذا المفهوم ريتشارد نيكسون Richard Nixon في كتابه نصر بلا حرب، حيث يعبر الخطر عن الأزمة ذاتها، بينما الفرصة عن إدارتها؛ فالخطر يتمثل في التهديدات التي تتعرض لها مصالح الولايات المتحدة وأمنها، وينظر إليها على أنها عمل ناشط وفاعل تقوم به دول ما للتأثير في سلوك دولة أخرى. وتتمثل التهديدات، بحسب الفهم الأميركي، في العوامل الخارجية كلها التي قد تخفض مستوى تحقيق أي مصلحة إلى ما دون المستوى المقبول، كما أن لها صفات وخصائص متعددة، حيث تختلف حدة وطريقة مواجهتها وفق هذه الخصائص. أولى هذه الخصائص الخطورة أو الضخامة التي تترتب عليها درجة الخطر الذي يمكن توقعه إذا تبلور التهديد. أما الخاصية الثانية فهي الاحتمال، أي أن يقع التهديد فعلً. والخاصية الثالثة هي النية لدي الخصم في التأثير في مصالح الولايات المتحدة (ص. 42-43) وقد استخلص الباحث، اعتمادًا على التعريفين السابقين للأزمة الدولية، عدة مؤشرات تؤسس للفهم السياسي الأم كيرر لمفهوم الأزمة وإدارتها: عمومية النظرة إلى الأزمات الدولية، واعتبارها إحدى حالات الشؤون الخارجية، فهي حالة ما قد تعرض المصالح الأميركية للخطر أو التهديد. ينبغي ألا يخرج التعامل مع أي أزمة عن المحددات العامة التي بنيت على أساسها استراتيجية الشؤون الخارجية الأميركية. يجب استباق الأزمات بالفعل المبادر قبل انفجارها، وخلال مراحلها الأولى، لأن نضوج أي أزمة يستلزم وجود تهديد مادي ملموس. استخدام الوسائل كلها التي تملكها الولايات المتحدة للتعامل مع أي أزمة دولية، حيث تدفع الخطر وتحقق الفرصة. والملاحظ أن تعاريف الأزمة الدولية التي استخلص الباحث منها تلك المؤشرات قد صيغت في فترة الحرب الباردة، وعكست رؤية كيسنجر ونيكسون الثقافية وتكوينهما الفكري ونظرتهما إلى الصراع مع الاتحاد السوفياتي؛ فقد أدارت الولايات المتحدة أزمات المنطقة خلال تلك الفترة اعتمادًا على محددات أساسية في سياستها الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط3، يمكن تلخيصها في: منع التغلغل السوفياتي، وحماية إسرائيل وضمان استمرار تفوقها العسكري والتكنولوجي على الدول العربية، وتأمين إمدادات نفط كافية ورخيصة لضمان حسن أداء الاقتصاد الأميركي4. والجدير بالذكر أنه بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة باتت تواجه الولايات المتحدة أزمات تتسم بالتعقيد والتداخل؛ فلم تعد الوحدة الأساسية في النظام الدولي، وهي الدولة القومية State Nation ذات السيادة، هي التي تتحكم في الظواهر الدولية، بل ساهمت العولمة في تسرب سيادة الدول القومية وتأثيرها في رسم السياسات الدولية إلى الشركات العابرة الجنسيات من خلال الدمج المتزايد لاقتصادات العالم، بحيث تطور تدريجيًا سياق التدفق الحر لعوامل الإنتاج مثل رؤوس الأموال والسلع والتقانة والأفراد إلى عملية عالمية النطاق، ولم تعد الدولة القومية قادرة على التحكم فيها، فضلً عن أن المؤشرات أعلاه قد تتبعها أي دولة في التعامل مع الأزمة الدولية، سواء كانت الدولة قوة إقليمية أو قوة دولية.
باختصار، لا يمكن فهم طبيعة الأزمات الدولية في الوقت الحاضر، إذا اكتفينا بالنظر إلى الخرائط الكلاسيكية للجغرافيا السياسية، أو اعتمدنا على التحليلات الاستراتيجية. يجب أن نتعلم كيف نخطو خطوةً إضافية، لنأخذ في الحسبان بروز المجتمعات في المجالات التي بقيت حتى هذا الوقت حكرًا على العمل الدبلوماسي وحده. كما يأتي الباحث على ذكر أداتين رئيستين لإدارة الأزمات، وهما أداتا الضغط والمساومة (ص. 45) اللتان تستخدمهما الدولة على نحو رشيد؛ ففي الأولى تمارس الدولة (أ) ضغطًا على الخصم (ب) كي يقبل مطالبها ويمتثل لإدارتها، في حين المساومة تعبّ عن رغبة الدولة (أ) في تخفيف الأزمة مع الدولة (ب) والاتجاه بها نحو التسوية، وتستخدم هاتان الأداتان معًا في إدارة أي أزمة. كما أن التنسيق بين هذه الأدوات وربط بعضها ببعض بغية الوصول إلى الإدارة الرشيدة للأزمات الدولية يستند إلى نظريات محددة، تنظر إلى الظاهرة من وجهة نظر التحليل الكلي Macro Analysis أو وجهة نظر التحليل الجزئي Analysis Micro أو كلتيهما معًا (ص. 46) ويخلص الباحث إلى أن السياسيين والأكاديميين الأميركيين قد اعتمدوا على النظرية الواقعية، باعتبارها إحدى نظريات التحليل الكلي للظاهرة الدولية، ونظريتي صنع القرار والمباراة في إطار التحليل الجزئي للأزمات الدولية، وذلك في ضوء رؤيتهم ونظرتهم إلى الشؤون الدولية. قد أختلف منهجيًا مع الباحث من ناحية تناوله للواقعية، على اعتبارها العدسة التي يستخدمها السياسيون الأميركيون في إدارة الأزمات الدولية، وذلك أن الواقعية عدسة الباحثين في العلاقات الدولية، فهم يعتمدون المقاربات الواقعية في العلاقات الدولية بشقيها (الكلاسيكي - البنيوي) و(الهجومي - الدفاعي) بهدف فهم الظاهرة الدولية، في حين تتوافر لدى صانع القرار في الإدارات الأميركية قاعدة بيانات واسعة عن الأزمات الدولية، وتقديرات موقف مبنية على حقائق ومعلومات استخباراتية، ويُتخذ القرار ببيروقراطية معقدة، وهو نتاج تفاعل مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية. هذا إضافة إلى إسهامات مؤسسات الفكر والبحث Think Tanks في التأثير في السياسة الخارجية الأميركية، وتقديم الأفكار والمشورة الجديدة لصانع القرار تجاه العديد من الأزمات المحلية والدولية؛ إذ تمثل الإطار المؤسساتي للتنظير في توظيف القوة الأميركية في إدارة التغيير في النظام الدولي وضبطه5. ومن ثمّ فإن تحليل تعامل السياسيين الأميركيين مع الأزمة الدولية يشمل كل المقاربات العقلانية في العلاقات الدولية: مثل الواقعية، Rationalism والواقعية الجديدة، والليبرالية، والليبرالية الجديدة، ولا يقتصر فقط على النظرية الواقعية.
محددات الرؤية الأميركية لأزمات الشرق الأوسط
ساهمت مجموعة من العناصر التاريخية والدينية والسياسية والاجتماعية في صوغ هوية الشرق الأوسط المعقدة؛ ما أكسبه ثراءً ثقافيًا أثار مطامع الدول الكبرى، إلى جانب الثراء المادي المتمثل بمنابع الطاقة والموقع الجيوسياسي. واليوم، تمثل منطقة الشرق الأوسط إحدى أبرز الساحات التي تتنافس فيها القوى الدولية الصاعدة في النظام الدولي (الاتحاد الأوروبي، والصين، وروسيا)، على المصالح والنفوذ، وتبني الولايات المتحدة استراتيجياتها في مناطق عديدة من العالم، ومنها منطقة الشرق الأوسط، استنادًا إلى دور ومصالح تلك القوى، على نحو تحافظ فيه على وضعها الدولي بصفتها قوة عظمى ذات وجود عسكري في المنطقة العربية. ويُرجع الباحث في الفصل الثاني من الكتاب أزمات الشرق الأوسط إلى عنصرين أساسيين (ص. 96): ينبع الأول من عوامل داخلية تتأثر بتركيبة المنطقة الديموغرافية والإثنية والدينية، وعدد آخر من العوامل المرتبطة بالإصلاح السياسي، والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية المرافقة لها. أما الآخر، فيتعلق بالتدويل العميق للمنطقة، والظاهرة الأبرز المرافقة لهذا التدويل، وهي العسكرة المتنامية للمفاهيم التي تتعامل مع أزماته الموجودة أصلً أو التي يُتوقع نشوؤها؛ فالتدويل المترافق مع النظرة المستمدة من العنف لإدارة الأزمات أدى إلى تعمق أزمات المنطقة وتمددها إلى خارج مناطق نشوئها، وعبّ عن ذلك ما رافق أحداث 11 سبتمبر 2001 من حرب على الإرهاب، أصبحت عرضًا من أعراض فيض الأزمات خارج حدود المنطقة. وبناء على المشهد أعلاه، حاول الباحث أن يحدد جملة من محددات السياسة الخارجية للإدارات الأميركية (الجمهورية، والديمقراطية) (ص. 117) وهي: استمرار الوضع الدولي للولايات المتحدة بصفتها قوة عظمى مؤثرة في السياسة الدولية، وصياغة إطار استراتيجي لاستيعاب التوترات والصدامات والأزمات وإدارتها في مختلف مناطق العالم، وأمن إسرائيل وأمن الطاقة واستمرار إمداداتها، ودفع خطر الإرهاب المهدد لمصالح الولايات المتحدة. وبناء عليه، يحاول الباحث إبراز الجوانب التي ساهمت في تكوين القرارات الأميركية لإدارتي الرئيسين بوش وأوباما في ما يخص الأزمات موضوع البحث، وذلك عبر إسقاط الأساس النظري للمفهوم الأميركي
للأزمات الدولية والنظريات الكلية والجزئية التي تدخل في التأسيس النظري للممارسة الأميركية في إدارة أربع أزمات شغلت السياسة الأميركية في المنطقة في العقد الحالي، وهي:
1. الأزمة العراقية
تعاملت إدارة جورج بوش مع الحرب على العراق كما لو أنه جزيرة معزولة، متجاهلة واقعه الجغرافي وتركيبته الديموغرافية، إذ كانت الإدارة واثقة بقدرتها إلى حد أنها تجاهلت جميع النصائح الأخرى. نظريًا، اعتمدت إدارة بوش الابن، التي تقلد فيها المحافظون الجدد غالبية المناصب القيادية، في تنفيذ مشروعها في احتلال العراق على مرحلتين: الردع المتمثل بالانتصار الحاسم والسريع في العراق، والتهديد بحملات انتقامية، الأمر الذي يرعب الجيران ويشل حركتهم. والمرحلة الثانية، يصبح العراق بعد ذلك دولة في الفلك الأميركي قاعدة أو محطة لتعميم التأثير في الجيران، بفعل التقليد أو باللجوء إلى استخدام القوة من جديد. عمليًا، لم يستطع المحافظون الجدد إدارة الأزمة التي افتعلتها (الإدارة الأميركية) بعد احتلال العراق، ولم يكن منطقهم عقلانيًا Rational من خلال التفاوض أو استخدام وسائل دبلوماسية للتعامل مع الأصدقاء والخصوم في العراق. وكان منطقها الأيديولوجي هو اقتناعها بأنها تعرف الحق والصواب. وكثيرًا ما حددت دورها بأنه إعلام الآخرين وتلقينهم ما يجب عمله؛ ما أفرز إدارة غير عقلانية للأزمات الدولية، وقد انعكس على موقع الولايات المتحدة، وعلى الإدارات اللاحقة نتيجة حالة الفوضى في التفكير الاستراتيجي والانتقال غير المحسوب بين الأيديولوجيا والبراغماتية والتخطيط (ص. 173) ومنذ مطلع عام 2009، مع وصول باراك أوباما إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، اعتمدت إدارته مقاربة مختلفة تقوم على محاولة إنهاء التورط الأميركي في القضايا اليومية للأمن في العراق، والتفرغ لمواجهة خطر الإرهاب وتحديد ساحات عمل القوات الأميركية المباشر في الخارج. ففي وقت حكمت الأزمة العراقية توجهات مثالية أيديولوجية للإدارة السابقة، أتت إدارة أوباما لتعيد الأمور إلى نصابها، من خلال التوازن بين مصالح واشنطن وقيمها، أي التوازن بين ما هو مثالي، وما تفرضه الاعتبارات الواقعية. في المقابل، قادت سياسات أوباما اللاتدخلية إلى ازدياد النفوذ الإيراني في العراق وضعف مؤسسات الدولة، وهو ما عجّل في ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش."
2. أزمة البرنامج النووي الإيراني
اعتمدت إدارة جورج بوش في التعامل مع أزمة ملف طهران النووي على النهج الواقعي، من خلال الحفاظ على توازن القوى في منطقة الخليج العربي، والتلويح باستخدام القوة العسكرية ضد إيران في حال خرقت قواعد توازن القوى في المنطقة. وقد تبنت إدارة بوش سياسة الضغط على النظام الإيراني تبعًا للمرحلة والهدف من كل مرحلة، مرتكزة في ذلك على نمو التوجه الواقعي البراغماتي نتيجة تقلص دور التوجه الأيديولوجي المثالي، بعد التطورات التي شهدتها الأزمة العراقية حتى عام 2005. ويقود هذا الأمر إلى تحليل سلوك القرارات الأميركية، خلال ولايتي بوش الرئاسيتين وفق نظرية اللعب Theory Game؛ فقد بدأ هذا السلوك بطرح أميركي يقوم على تخلّ إيران نهائيًا عن تخصيب اليورانيوم، هذا السلوك يشير إلى المباراة ذات النتيجة الصفرية Game Sum Zero، وتكون المكاسب التي تحققها واشنطن في مثل هذا النوع من المباريات هي الخسائر التي تتكبدها إيران. ومع فشل هذا الطرح، اقتنعت إدارة بوش بضرورة تبنّي اللعبة غير الصفرية (ص. 206)، وهو ما طبقته إدارة أوباما التي طورت نهجًا وسطًا بين سياسة العزل وتغيير النظام وسياسة الانخراط، التي تعرف بأنها استخدام الحوافز المختلفة بهدف تغيير سلوكها من خلال المزج بين أسلوب (الانخراط والضغط)، وتحييد الخيار العسكري أو التلويح بالقوة؛ ما قاد إلى توقيع الاتفاق النووي الإيراني في عام.2015 اللافت أن الباحث لم يأت على ذكر محاولات إيران الالتفاف على الضغوط الأميركية في التعامل معها، من خلال توسيع نفوذها في العراق، وبناء شبكة تحالفات سياسية واقتصادية مع مكونات سياسية عراقية باتت حليفة لطهران.
3. الأزمة السورية
تتسم المرحلة التي وصلت فيها إدارة بوش الابن إلى الحكم في الولايات المتحدة بالحساسية في ما يتعلق بالعلاقات الأميركية - السورية، حيث تأثرت تلك العلاقة باحتلال العراق؛ فقد تصاعدت تصريحات علنية لعدد من أعضاء الكونغرس الأميركي بضرورة توسيع العمليات العسكرية في العراق لتشمل سورية، وتزامن ذلك مع تفجر الأزمة اللبنانية وتطوراتها على خلفية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، والتي أدت إلى سحب القوات السورية من لبنان في 26 نيسان/ أبريل 2005 (ص. 226)؛ لذا اعتمدت إدارة بوش على مقاربة التهديدات المتبادلة على أمل أن يقود ذلك إلى زعزعة نظام الحكم في سورية وتغيير سلوكه في الإقليم.
وقد وضعت واشنطن مجموعة محددات في التعامل مع النظام السوري، تمثّلت في: الضغط عليه لعدم التدخل في الأهداف الأميركية في العراق، ووضع حد لدعم سورية للمنظمات الفلسطينية، وعلى وجه التحديد حماس والجهاد الإسلامي، والتنسيق والتعاون مع الحكومة السورية ضد تنظيم القاعدة، وإيقاف برامج الدمار الشامل السورية، وإنهاء سيطرتها على لبنان ودعم حزب الله. استمر العمل بسياسة الضغط والعقوبات مع إدارة أوباما الذي عاود العمل بالعقوبات المفروضة على سورية بموجب قانون "محاسبة سورية واستعادة سيادة لبنان"، لكن مع اندلاع الثورة السورية في 15 آذار/ مارس 2011، قاربت الولايات المتحدة الأزمة من خلال دعم المعارضة السورية، ودفع الدول الأوروبية إلى تبنّي موقف متشدد مع نظام الحكم في سورية في مجلس الأمن، من خلال طرح مشاريع وقرارات دولية لزيادة الضغط على النظام السوري. لكنّ ذلك لم يكن له بالغ الأثر في هذا النظام الذي استمر في قمع الحركة الاحتجاجية، كما أن استخدام النظام السلاح الكيماوي وضع الإدارة الأميركية أمام نقطة محورية؛ فقد أعلن أوباما توجيه ضربة عسكرية محدودة ضد النظام السوري في 1 أيلول/ سبتمبر 2013، بعد الحصول على تخويل من الكونغرس. لكنّ ذلك الإجراء كان مجرد تلويح فقط باستخدام القوة التي أفضت إلى نجاح الوساطة الروسية التي وافق عليها النظام السوري، والتي تنص على وضع السلاح الكيماوي تحت الإشراف الدولي، وقد ساهمت سياسات أوباما في زيادة النفوذ الروسي والإيراني في سورية.
4. الأزمة اللبنانية
انطلقت إدارة بوش في تعاملها مع الأزمة اللبنانية التي تفجرت بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، في 14 شباط/ فبراير 2005، في إطار سياسة العزل والضغط التي انتهجتها أصلً ضد سورية؛ وذلك من خلال تفعيل الحراك الدبلوماسي في الأمم المتحدة ومن خلال مجلس الأمن، واستصدار عدد كبير من البيانات والقرارات، أهمها القرار رقم 1595 في ما يخص الأزمة اللبنانية. وساهمت الولايات المتحدة في إنشاء لجنة تقصي حقائق في قضية اغتيال الحريري التي حمّلت في تقرير لها الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية مسؤولية الاغتيال؛ ما ساهم في تشديد محاصرة سورية وحلفائها في لبنان، وقاد في نهاية المطاف إلى انسحاب القوات السورية من لبنان. مع وصول إدارة أوباما إلى البيت الأبيض مطلع عام 2009، اعتمدت الولايات المتحدة سياسة الابتعاد الجزئي عن الملف اللبناني؛ نظرًا إلى أهمية الملفات الأخرى المطروحة على الإدارة الجديدة. لكنّ الملف اللبناني ما لبث أن عاد إلى دائرة الاهتمام بعد تصاعد الأزمة السورية في عام 2011، ودخولها مستويات عنيفة عالية، ومشاركة حزب الله العلنية في مختلف أرجاء الجغرافيا السورية، وأصبح لبنان متأثرًا ومؤثرًا في تفاصيل الأزمة السورية وتداعياتها، يضاف إلى ذلك الأعداد الكبيرة من اللاجئين السوريين في لبنان. وقد استمرت الإدارة في اعتماد سياسة تدخّل أقل، وإفساح المجال للفاعلين الإقليميين في حل الأزمات، كما اعتمدت إدارة أوباما على أدوات دبلوماسية واقتصادية بهدف تحقيق اختراقات في جدار الأزمات، مبتعدة عن تكتيك الإدارة السابقة القائم على المواجهة، والدفع باتجاه سياسات حافة الهاوية التي ميّزت سياسات بوش الابن (ص. 247)
خاتمة
وبناء عليه، استطاع الباحث البرهنة على أن الاهتمام العلمي بالأزمة الدولية لا يعود إلى مجرد كونها ظاهرة تتكرر في العلاقات الدولية فحسب، بل يعزى إلى النتائج والتداعيات التي تؤدي إليها مثل هذه الأزمات، سواء على سياسات الأطراف والقوى الفاعلة المشتركة فيها أو في بنية النظام الدولي ووحداته الأخرى. وهو يتطلب عدم الاعتماد بشكل مطلق في تحليل النظام الدولي والأزمات التي تعصف به من خلال الاكتفاء بالنظريات الوضعية في العلاقات الدولية، التي تشكل ركيزة أساسية في تفسير القوى المحركة الخاصة بالسياسة الدولية، بل يتطلب الاعتماد على مداخل نظرية جديدة أو تعديل المقاربات النظرية الوضعية في فهم الظاهرة الدولية، وخصوصًا بعد أن دخلت المجتمعات في اللعبة الدولية؛ ما غيّ طبيعة وشكل الأزمات الدولية. لا شك في أن الدور الأميركي في المدى المنظور ما زال مركزيًا بالنسبة إلى حل العديد من الأزمات الدولية في مناطق عديدة من العالم، ومنها منطقة الشرق الأوسط، وهو ما قد يستنزف مصادرها المادية والنفسية إذا لم تتعلم التمييز بين ما عليها أن تفعله، وما ترغب في القيام به وهو فوق طاقتها وقدرتها6. وبالنتيجة، فإن نجاح الولايات المتحدة في التحكم في النظام الدولي، وضبط التغيير فيه، يقاسان بقدرتها على إدارة الأزمات في المناطق الجيوسياسة من العالم، واعتمادها على مقاربات مختلفة.
المراجع
العربية
سليمان، خليل عرنوس. "الأزمة الدولية والنظام الدولي: دراسة في علاقة التأثير المتبادل بين إدارة الأزمات الاستراتيجية الدولية وهيكل النظام الدولي." سلسلة دراسات وأوراق بحثية. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (تشرين الثاني/ نوفمبر 2011:.) في https://bit.ly/2JaFEBu عبد العاطي، عمرو. أمن الطاقة في السياسة الخارجية الأميركية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 كيسنجر، ه يرر. هل تحتاج أميركا إلى سياسة خارجية؟ نحو دبلوماسية للقرن الحادي والعشرين. ترجمة عمر الأيوبي. بيروت: دار الكتاب العربي،.2002 مجموعة مؤلفين. العرب والولايات المتحدة الأميركية: المصالح والمخاوف ولاهت مااات في بيئة متغيرة. الدوحة/ ب وررت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 الهرمزي، سيف. مقتربات القوة الذكية الأميركية كآلية من آليات التغيير الدولي: الولايات المتحدة الأميركية أنموذجًا. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016
الأجنبية
Hermann, Charles F. (ed.). International Crises: Insights from Behavioral Research. New York: Free Press, 1972.