عن السياسة والسياسي والنظرية: تأملات في السجال بين المنهج والنظرية في وظيفة العلوم السياسية
الملخّص
تعرض الدراسة لإشكالات التسييس البنيوي في المعالجات السياسية، وخطر تحوّل السجالات المنهجية إلى مواجهات سياسية، وهو وضع تكرر في السجال المستمر بين دعاة العلموية وخصومهم. وبيّنت الدراسة أن لزوم البعد السياسي، و/ أو التوابع السياسية لكل تناول "علمي" للسياسة، لا يعني بالضرورة القبول بالتسييس الفج. فمن الممكن الاعتراف بالمحتوى السياسي للمعالجة من دون الانزلاق نحو التسييس. من هذا المنطلق، لا يمكن انتقاد التسييس الكامن أو البنيوي، كما في نقد إدوارد سعيد الاستشراق والمركزية الغربية، أن يقارن بالتسييس الفج لأنصار إسرائيل في معركتهم لإخضاع دراسات الشرق الأوسط الأميركية لمصالح إسرائيل واليمين المتطرف. ومن المنطلق نفسه، تتناول الدراسة نقديا الرأي الذي يسم "دراسات المناطق" في العلوم السياسية بالفقر النظري والدونية العلمية، وتميل إلى دعم الرأي القائل إن ما يُسمّ ى "معالجات نظرية" هي بدورها "دراسات مناطق" تتخذ من الغرب مبتدأ وخبر التجارب السياسية، وتسعى لتعميم تجاربه على شكل "نظريات" ذات صلاحية كونية. كلمات مفتاحية: مناهج البحث، التنبؤ، دراسات المناطق، العلوم السياسية عربيًا. The study presents the problems of structural politicization in political studies, and the danger of methodological debates transforming into political confrontations, a situation that has been repeated in the ongoing debate between the advocates and opponents of Scientism. The study demonstrated that the necessity of the political dimension, and/or the political dependencies of every "scientific" approach to politics does not necessarily mean acceptance of unrestricted politicization. It is possible to acknowledge the political content of treatment without slipping into politicization. From this standpoint, criticism of underlying or structural politicization, as in Edward Said's criticism of Orientalism and Western Centralism, cannot be compared to the way that Israel's supporters crudely politicize US Middle East studies in their battle to hold it hostage to the interests of Israel and the extreme right. In the same vein, the study critically addresses the opinion that "area studies" in political science is marked by theoretical poverty and academic inferiority. The study itself leans towards the opinion that so called "theoretical studies" are in fact "area studies" that take western countries as the testing ground for political experiences and seek to generalize the results in the form of "theories" that enjoy universal validity. Keywords: Methodology, Forecasting, Area Studies, Arab Political Science.
On Politics, the Political, and Theory: Reflections on the Debate between Method and Theory in the Function of Political Science
مقدمة
تواجه دراسة السياسة تحديات ذات طبيعة بنيوية، تشترك في بعضها مع باقي العلوم الاجتماعية، وتنفرد ببعضها الآخر؛ إذ تواجه العلوم الاجتماعية ما وُصف بأنه "أزمة هوية" بسبب طبيعتها التفاعلية، وتداخلها مع موضوعها، في الوقت نفسه الذي يتطلّب طموحها "العلمي" وجودًا موضوعيًا مستقلً عن هذا الموضوع. وهذا يتطلب مراجعات مستمرة لموضوع هذه العلوم، وإعادة صياغة توجهاتها، بل هويتها، أثناء تفاعلها مع التحديات المعرفية والعملية التي يطرحها التأثر المتبادل بينها وبين موضوع الدراسة1. لكن تنفرد العلوم السياسية، بحسب بعض الدارسين، بأنها لم تنجح في إيجاد مسافة كافية بينها وبين موضوعها، كما فعلت تخصصات أخرى أعادت توصيف موضوع دراستها بصورة كرّست استقلاله، مثل "الثقافة" (الأنثروبولوجيا) أو "المجتمع" (علم الاجتماع) أو "الاقتصاد" (علم الاقتصاد.) في المقابل، نجد "السياسة" باعتبارها مجالَ دراسة، تطرح تحدّيًا مزدوجًا للتخصص. فمن جهة، هناك فهم مقصود عند البعض وضمني عند الغالبية، بأن لدراسة السياسة في حد ذاتها بعدًا سياسيًا وسعيًا للتأثير في السياسة. لكن من جهة أخرى، يرى التخصص ضرورة عزل نفسه عن الساحة السياسية، والتمترس في أبراج الأكاديمية حتى ينسب إلى نفسه استقلالية و"سلطة علمية"2. وتعني هذه "الاعتزالية" أن التخصص يفقد تأثيره العملي بسبب هذا التنزه المقصود عن المجال السياسي، لكن من دون أن يدرك مقام "العلم"، تحديدًا لأنه يبقى عملً سياسيًا بقصد أو من دون قصد، إن نجح في أن يكون ذا تأثير. يقود هذا إلى سجال آخر لا يزال محتدمًا داخل التخصص بشأن دعوى "العلمية" المرتبطة باسمه، التي يتمسك بها البعض بصورة متشددة تقترب من التنطع. وتجلّى ذلك في الولايات المتحدة، بدءًا من مطلع الخمسينيات في ظهور المدرسة السلوكية Behavioralism التي انتقدت الطابع الوصفي والتاريخي للدراسات السياسية، وتركيزها على المؤسسات، ونادت بأسلوب أكثر علمية في تناول السياسة. واستلهمت هذه المدرسة التوجهات السلوكية في العلوم البيولوجية وعلم النفس، وركّزت على دراسة السلوك الإنساني في الأفراد والجماعات، مفترضةً وجود قوانين تحكم هذا السلوك وتفسّره، ويمكن استخلاصها عبر دراسات علمية متجردة (تفصل بوضوح بين القيم والواقع التجريبي.) وينبغي أن تعتمد هذه الدراسات الدقة في تسجيل الوقائع، مستخدمة المنهج الكمي ما أمكن، مع استصحاب فرضية وحدة العلوم، حيث تتكامل نتائج البحث في السياسة مع ما كشفت عنه العلوم الأخرى3. لكن، واجهت سيادة المدرسة السلوكية ردة فعل مضادّة في منتصف الستينيات، بقيادة مجموعة سمّت نفسها "التجمع من أجل علوم The Caucus for a New Political Science، سياسية " جديدة أعلنت تمرّدها على ما وصفته بالتنطع و"العلموية" Scientism. ومثّلت هذه الحركة ثورةً مزدوجةً؛ إذ كانت من جهة ثورة منهجية ضد ما وصفته بأنه نهج علموي عقيم، صرَف النظرَ عن الدراسة الحقيقية للسياسة، وتخفّى خلف التقنيات من مواجهة القضايا السياسية. أما من جهة أخرى، فكانت ثورة سياسية "تقدمية" ضد ما وصفته بالتوجهات المحافظة، والخالية من كل توجه نقدي تجاه السياسات الرسمية السائدة، ومراكز الهيمنة القابضة. وهناك ترابط بين المشكلتين؛ حيث يرى الناقدون أن مزعم النأي عن الأحكام الأخلاقية اتُّخذ في الواقع ستارًا لإخفاء تحيّزات قيمية وسياسية تدعم مشروعية الأيديولوجيات المهيمنة والنظم القائمة والسياسات الرسمية4. ويدخل في ذلك اعتبار الديمقراطية الأميركية النموذج المثالي الواجب احتذاؤه، والخالي من كل عيب.
أولا: بين العلم والسياسة
كان لهذه السجالات أصداء متفاوتة في أنحاء العالم الأخرى، خصوصًا على الساحة الأوروبية، حيث تزامنت هذه الانتفاضة الأولى ضد "العلموية" والانصرافية، مع ثورات الطلاب في أوروبا، والاحتجاجات الأميركية ضد حرب فيتنام، وحركة الحقوق المدنية ضد العنصرية والتمييز هناك، كما رافقتها تطورات سياسية أخرى صاخبة لم تكن العلوم السياسية بمنهجها التقليدي أو المحدث (المدرسة السلوكية)، قادرة على التعامل معها. ووضع هذا السجال خطوط تماس لا تزال قائمة، بين أنصار النهج العلمي الصارم من جهة، وأنصار التعمّق النظري من جهة أخرى. يُعطي أنصار المنهج "العلمي" الأولوية لتقفّي آثار العلوم الطبيعية في استخدام المنهج التجريبي والاعتماد على المعلومات المحسوسة والإحصاءات. وتؤمن هذه الفئة بإمكان اكتشاف قوانين مطّردة تحكم السلوك السياسي وقابلة للتعميم، وكذلك للإثبات والتوثيق تجريبيًا. في المقابل، يرى الطرف الآخر
أنّ مثل هذا النهج يُضيّق مجال الدراسة، ويورد استنتاجات هامشية عن جوانب محدودة من الحياة السياسية. ووصف ألفريد كوبان Copin Alfred في عام 9531 هذا التوجّه عند السلوكيين بأنه "أسلوب ابتدعه أساتذة الجامعة لتجنّب ذلك الموضوع الخطر، السياسة، لكن من دون بلوغ درجة العلم"5. في مداخلة أخرى، وصف المنظّر السياسي الأميركي البارز شيلدون وولين هذا الخلاف بصراع بين المنهجوية Methodism من جهة، والتنظير السياسي من جهة أخرى. وبحسب وولين، تنزع المنهجوية إلى ترجمة الأفكار الكبرى في شكل فرضيات جزئية بشأن قوانين قابلة للاختبار تجريبيًا وإحصائيًا. وينتج من هذا أمران: أولهما، أن اكتساب المهارات اللازمة لإتقان المنهجية يأخذ وقتًا وجهدًا كبيرين على حساب التعمق في دراسة السياسة نفسها، كما أن التركيز على اكتساب هذه المهارات يكون على حساب "الحكمة" أو "المعرفة السياسية الضمنية" التي تكتسب خلال فترات طويلة من التأمل الذي لا تسمح به المنهجيات الجديدة6؛ وثانيهما هو نتاج التفاعل بين المنهجوية والنظام البيروقراطي القائم الذي يستلهمها بدوره، حتى يكاد يصبح من صنعها، ويسهل استخدامها. ويتجلّى هذا خصوصًا في الفترات العادية، حيث يدأب النظام في توليد الانتظام والتواتر بطبيعته؛ إذ إن التركيبة البيروقراطية المتعاظمة التي تستلهم نهج التفكير نفسه مصممة كي تنتج السلوك المطّرد القابل للتنبؤ به، ما يعطي الانطباع بصحة فرضيات المنهجوية7. وهذا بدوره يشجع التعامي عن أوجه الخلل في النظام السياسي، بل قد يدفع إلى إغفال ظواهر مهمة ومشاهدة، مثل الفساد السياسي المرتبط بتأثير الجريمة المنظمة (المافيا... إلخ) في العملية السياسية. فلا يكاد المرء يجد (في ذلك الوقت) دراسة سياسية بشأن هذا التأثير، على الرغم من أنه يبقى جزءًا ملموسًا من الواقع السياسي الأميركي الماثل للعيان. وبالقدر نفسه، نجد المدرسة السلوكية تغفل تمامًا حقلً مهمًا من حقول السلوك المرتبطة بالسياسة، ألا وهو نظام الضرائب وتأثيره المباشر في سلوك الأفراد وإعادة توزيع الموارد8. ويطرح وولين ما وصفه بالنظرية الملحمية Theory Epic، بديلً من فقر المنهج العلموي السائد ونظرته الجزئية الغافلة عن تحيزاتها. ويجمع هذا التوجه البديل بحسب وولين بين رؤية توماس كون kahn Thomas للعلوم فوق العادية، والمنتجة للتغير البراديغمي، والالتزام الواعي بالشأن العام والواجبات المتعلقة به. وهذا يختلف تمامًا عن مقولات المنهجويين بأنهم غير مسؤولين عن العواقب الاجتماعية لأبحاثهم السياسية، وهو موقف يراه وولين أقرب إلى السخف منه إلى أنه مدعاة للملامة والإدانة9. على الرغم من أهميته، فإن الموقف الذي عبّر عنه وولين لا يزال رأي الأقلية في أروقة التخصص، خصوصًا في الولايات المتحدة. فعلى الرغم من أن المدرسة السلوكية اندثرت وتراجعت منذ الستينيات، فإن مدارس "علموية" أحدث حلّت محلها، من أبرزها نظرية الخيار العقلاني Theory Choice Rational، وهي مدرسة سعت لاستلهام النظريات الاقتصادية في تفسير السياسة. تفترض هذه النظرية أن كل فاعل سياسي (فردًا أم جماعة)، يسعى لتحقيق أقصى قدر من المكاسب، ما يجعل في الإمكان فهم السلوك السياسي وقياسه عبر استباق حسابات الفاعلين، وتقديراتهم المفترضة لما يدرّه موقف سياسي معيّن من مكاسب، أو يجرّ من خسائر10. إلا أن قضية التجاذب بين علمية التخصص من جهة، وقدرته على التعمق في فهم موضوعه من جهة أخرى، لا تزال موضع تجاذب، ومعها الاعتقاد أن كل تقدم في مجال منهما، لا بد من أن يكون على حساب الآخر. وبحسب أحد أصحاب هذا الرأي، فإن طبيعة المجال السياسي تجعل من المستحيل تحقيق حلم مراكمة نتائج دقيقة، كما يدّعي بعض أقطاب مدرسة الخيار العقلاني، حيث يكون لدينا ما يكفي لمعالجة القضايا الكبرى. وبناء عليه، تقتضي النزاهة العلمية - وهي لب رسالة العلم - الاعتراف بحدود القدرة على إنتاج معرفة دقيقة باستخدام مناهج صارمة، تُمكّن من تقديم استنتاجات موثّقة بشأن أمور سياسية مهمة. وهذا يستدعي التركيز على المناهج التي تتناول القضايا التي تهم القطاع الأوسع من الناس، وبلغة يفهمونها، ولأهداف مصلحية، بدلً من الانشغال بدقّة علمية متوهّمة تصرف الدارسين عن القضايا الحقيقية11. في الولايات المتحدة، اكتسب هذا الموقف بعدًا جديدًا بعد اندلاع "انتفاضة" أخرى ضد سيادة المنهج العلموي الذي تمثّله نظرية الخيار العقلاني، وضدّ تبني رابطة العلوم السياسية ودورياتها الأهم هذا المنهج على حساب غيره، وإقصاء من لا يتّبعه إلى درجة حرمانه من النشر في الدوريات الكبرى. وسُمّيت هذه الحركة
التي اندلعت في خريف 0002 (أو سمّت نفسها) "بيريسترويكا"، وهو اسم مستعار لأكاديمي متخصص في العلوم السياسية، لا تزال هويته مجهولة حتى اليوم. وكان "السيد بيريسترويكا" قد أرسل رسالة إلكترونية شنّ فيها هجومًا حادًّا على رابطة العلوم السياسية الأميركية ونظرتها العلموية المهيمنة إلى التخصص. ولا يخفى هنا تشبيه وضع التخصص في الولايات المتحدة الأميركية بالاتحاد السوفياتي السابق، وقبضته الحديدية التي زعزعتها إصلاحات "البيريسترويكا"، وأدّت في النهاية إلى انهيار المنظومة. وخلال شهور تحوّلت هذه المبادرة إلى حركة دعمتها ثلّةٌ من كبار علماء السياسة، واستمرت في انتقادها ما وصفته بعزلة التخصص وانغلاقه على ذاته، وهوسه بالتقنيات الكمية، وخصوصًا الإحصاءات ونظرية المباراة Theory Game، مع تجاهل كثير من الاهتمامات والتخصصات والمناهج المتعلقة بالسياسة بمعناها الأوسع12. وطبع هذا الخيار المعالجات السياسية السائدة بتجرد مفرط، عزله عن كل سياق سياسي واجتماعي، بل جعل هذه المناهج لاإنسانية في تركيزها على الأسباب والمسببات بصورة ميكانيكية13. وبدوره، أدّى التركيز على البحث عن تعميمات مجردة ومنقطعة عن سياقها إلى إقصاء وإهمال كثير من مجالات البحث القيمة، وعوّق إنتاج المعرفة ذات المغزى والصلة بالواقع14. وفي المقابل، دعا ناشطو البيريسترويكا إلى سعة أفق تقبل تعددية المناهج وتكرس الوعي بالسياق السياسي والإنساني الأشمل، مع التركيز على دراسة الحالة والمعرفة المحلية، وخصوصًا تلك التي تنتج من الأسفل إلى أعلى، وتسمح بتحدي السلطات والتمرد15. وباختصار، ينبغي أن تطرح العلوم السياسية عن نفسها الهوس بإثبات أنها علم، وتنشغل بدلً من ذلك بإنتاج معرفة تنفع الناس. في مقابل ذلك أكد أنصار التوجه "العلمي" ضرورة الاستمرار في السير في اتجاه مزيد من التجريد والتعميم واستخدام المنهج الإحصائي، والبناء على ما تحقق خلال القرن ونيّف من عمر التخصص. ولا يرى هؤلاء بأسًا في الاستمرار في اتّباع المنهج العلمي، بما في ذلك الاعتماد على المنهج الكمي والفرضيات القابلة للاختبار والدحض. لكن، يعترف بعضهم بأن الإشكال هو أن العلوم السياسية، على الرغم مما حققته من تقدم علمي، لا تمتلك بعد نظرية كلّية مثل نظرية نيوتن التي نقلت الفيزياء من أشتات من المعلومات إلى علم متكامل. وهو ما تحتاج إليه العلوم السياسية حاليًا، ولا توفّره النظريات القائمة، بما فيها نظرية الخيار العقلاني16. ذهب بعض أنصار هذا التوجه أبعد من ذلك في سياق دعم مبدأ وحدة العلم، حيث دعم بعضهم استخدام نظريات البيولوجيا الاجتماعية من أجل تقصّي طبيعة الدوافع الإنسانية17. وكان البيولوجي الأميركي المعروف إدوارد ويلسون قد أثار ضجة كبرى عند نشره كتابًا في عام 9751، اقترح فيه استخدام مبادئ التطور في دراسة السلوك السياسي والاجتماعي الإنساني. واحتفل بعض مؤيديه بذلك، مؤكدًا أن معظم العلوم الاجتماعية ستصبح عما قريب فروعًا من البيولوجيا الاجتماعية18. عاد ويلسون إلى الواجهة مجددًا في 2 بكتاب جديد بعنوان الفتح الاجتماعي للكرة الأرضية عام 012، حيث استخدم أبحاثه في عالم الحشرات الاجتماعية (النحل، والنمل... إلخ) لتفسير التطور الاجتماعي للبشرية، وهيمنتها على كوكب الأرض، مركّزًا على الجانب الاجتماعي في الكائنات البشرية. وخالف ويلسون في كتابه الجديد النظريات السائدة بشأن "أنانية الجينات"، مؤكدًا أن الانضمام إلى الكيانات الاجتماعية والتماهي معها هو أحد عوامل البقاء19. وفي هذه المرة جاء الهجوم عليه من بعض كبار المنظرين في علم الأحياء، وعلى رأسهم ريتشارد دوكنز Dawkins Richard؛ إذ اتّهموه بأنه شوّه آراءهم ولم يفهمها الفهم الصحيح20. لكن، بغضّ النظر عن هذه السجالات، لا تزال مثل هذه الطروحات بعيدة من مخاطبة أسئلة الواقع السياسي المهمة، لأن الحديث عن مسبّبات جينية للسلوك الإنساني لا تُفسر السلوك الواعي للأفراد والجماعات، وتواجه أزمة كل التفسيرات الاختزالية الأخرى.
ثانيًا: عن السياسة والسياسي والمسيّس
يُلقي هذا الخلاف العميق بشأن المنهجية ظلالً كثيفة على تخصص علم السياسة ومادّته. ذلك أن غياب التوافق على منهج يوحّد المتخصصين، يحيل إلى موضوع السياسة باعتباره ما يعرف باهتمام التخصص. لكن هنا نكتشف، بدورنا، استمرار الخلاف بشأن ما يمكن أن يطلق عليه "السياسة" موضوعًا للتخصص. ففي مقابل توجه غالبية تُفضّ ل تعريف السياسة بمؤسساتها، وعلى رأسها الدولة، وبما يرتبط بممارسة السلطة على مستوياتها الأشمل في الجماعة السياسية21، تجادل تيارات سياسية ومنهجية مهمة أن مفهوم السياسة ينبغي أن يتّسع إلى أبعد من ذلك. ويمكن تلخيص هذا التباين في الخلاف بشأن ما إذا كان تعريف السياسة يدور حول الساحة السياسية من جهة، أو العملية السياسية من جهة أخرى. فبحسب الموقف الأول، ما يُعرّف السياسة هو الساحة العامة التي تدور فيها، متمثلة في مؤسسات السلطة والحكم وأدواتهما، والقوى الفاعلة على هذه الساحة، من حكومات وإدارات مركزية ومحلية، وأحزاب وزعماء ومنظمات... إلخ. ذلك أن هذه الساحة هي التي تحدّد وتصدر القرارات التي تحكم المجتمع ككل. أما الساحة شبه الخاصة، مثل المدارس والشركات والأندية وغيرها، فهي لا تلزم ولا تخص في الغالب سوى المنخرطين فيها. وفي المقابل، فإن من يرى السياسة عمليةً، يركز على ساحات أخرى، بما فيها الساحات الخاصة، مثل الأسرة. على سبيل المثال، رفعت التيارات النسوية شعار "الشخصي سياسي"، في إشارة إلى تجليات السلطة الذكورية في المجتمع والأسرة. بالقدر نفسه، تؤكد التيارات الماركسية البعد السياسي لعلاقات الإنتاج والاستقطاب الطبقي الناتج منها، بل ترى أن هذا هو لب السياسة. وينتج من هذا خلاف بشأن توسيع مجال السياسة أم تضييقه. فمن يحصر السياسة في ساحة محددة، يميل إلى تضييق مفهوم السياسة، وحصرها في القضايا المتعلقة بالمؤسسات العامة. أما من يرى السياسة عمليةً تتخلل مسامات المجتمع كلها، فيميل إلى توسيع مجالها ليشمل كثيرًا مما يعتبره الناس ساحة خاصة22. يرتبط بهذا سجال آخر بشأن العلاقة بين السياسة والعنف والإكراه. فمن جهة، نجد أن حصر السياسة في ما يدور في الساحة العامة المرتبطة بالدولة، يشير ضمنًا أو صراحة إلى احتكار الدولة للعنف، وهو ما يُعطي قراراتها طابعًا إلزاميًا قهريًا، بخلاف ما يدور في الأندية والأسَر والتجمعات الأخرى. لكن، يرى منظرون، من أبرزهم حنة أرندت Arendt Hannah 1906( - 975)1، ضرورة الفصل بين السلطة (ومعها السياسة) والعنف. وبحسب أرندت، تنبع السلطة من العمل التواصلي المشترك بين الفاعلين السياسيين، ولا وجود لها خارج مجال التواصل (الطوعي والتضامني) هذا23. وعلى المنوال نفسه، ينسج برنارد كريك الذي يُعرّف السياسة بأنها مجال التداول العقلاني بشأن السياسات العامة بين أصحاب مصالح متعددة، ويخرج منها حالات الحروب والثورات والصراع العنيف، التي تعبّر في نظره عن فشل السياسة، ولا يمكن أن تكون أحد تجلياتها24. وعلى الرغم من أن هذه الرؤية ليست محل إجماع، فإن معظم المراجع الأساس في العلوم السياسية يميل إلى تعريف السياسة بأنها "الاستخدام المنضبط للسلطة"25. ويذهب أميتاي إتزيوني إلى أن السياسة تتعلق بتجسير علاقات السلطة/ القوة بين المجتمع والدولة، وتفترض التمييز بين الاثنين. وهو بهذا يرفض ما يصفه باختزال السياسي في الاجتماعي، والخلط بين الدولة والمجتمع، كما يميل الكثيرون. وفي المقابل، فإن للسياسة بعدًا أخلاقيًا لا مهرب منه، فحتى القرارات التي تبدو "تقنية" (مثل الخيارات حول أنواع الطاقة، أو بنود الميزانية) لها بعد أخلاقي واضح26. في المقابل، هناك من يرى أن في هذه الرؤية تغييبًا للسياسة بمعناها الحقيقي؛ حيث إن السياسة يجب أن تكون بالتعريف مجالَ صراعٍ. وينتقد أصحاب هذا الموقف الإجماع الليبرالي الراهن، ومزاعمه بأن عالمنا يعيش "عصر ما بعد السياسة"، وما بعد الأيديولوجيات، مع تقارب اليمين واليسار، بل ما يشبه تلاشي هذا الاستقطاب الاجتماعي والسياسي. ويتبع من هذا أن تحديات العصر تتمثل في الإدارة التقنية للمجتمعات وتعميق الديمقراطية عبر التواصل السلمي البعيد من كل صراع. وترى هذه الفئة من المنتقدين أن تصوير السياسة المعاصرة باعتبارها حصرًا مجال إجماع وتصالح، لا يمثل خطًا في المفاهيم فحسب، بل هو العلّة وراء تدهور الديمقراطيات الحديثة27. وترى شانتال موف، وهي
واحدة من أبرز أصحاب هذه الرؤية، ضرورة التفريق بين "السياسة" Politicsو"السياسي "، باعتبارهما The Political مصطلحين منفصلين، يُحدّد أوّلهما السياسة بممارستها اليومية والواقعية، بينما يشير الآخر إلى معنى فلسفي وجودي للسياسة باعتبارها مجالً وأداة لحسم صراعات الهيمنة. وتستند موف جزئيًا إلى مقولات المنظّر الألماني (المتعاطف مع النازية) كارل شميت Schmitt Carl 985-1888()1، ونقده الحاد لليبرالية، حيث يرى أن أحد أهم مركبات "السياسي" هو التناقض والتفرقة بين العدو والصديق، مع وجود خلافات غير قابلة للحسم عبر التفاوض و"العقلانية"، كما تدّعي الليبرالية28. ويجعلنا هذا التحليل أمام مستويين للمجال السياسي، أحدهما مجال السياسة اليومية العادية، حيث يمكن إدارة الأمور والخلافات بالحوار والتوافق في إطار جماعة سياسية، والثاني هو "السياسي"، وهو مجال الصراع والتناقض والحسم. وعلى الرغم من أن موف لا تقول ذلك صراحة، فإن ما يستوحى من تحليلها (الذي يستصحب كذلك الرؤية الماركسية لصراع الطبقات)، هو أن السياسي هو مجال فرض هيمنة إطار سياسي معيّن، كما يحدث في الثورات، وأن السياسة هي ما يجري في إطار النظام السياسي الجديد بعد إنشائه، وإقصاء معارضيه وتثبيت أنصاره. تذكر أطروحات موف التي تجمع بين بعض جوانب النظرية الماركسية مع جانب من نقد اليمين المتطرف لليبرالية، بما سلفت الإشارة إليه، من أن دراسة السياسة هي في حد ذاتها عمل سياسي، على الرغم من إصرار قطاع كبير من الدارسين على حيادهم تجاه التوجهات والتحيّزات السياسية، وتجرّدهم العلمي عند دراسة الظواهر والمواقف. ومرّ بنا أعلاه نقد وولين وآخرين دعاوى السلوكيين وغيرهم بشأن التجرد العلمي والحياد تجاه القيم، في إشارة إلى أن مثل هذا الحياد الظاهري هو في حقيقته انحياز فعلي إلى المصالح المهيمنة. وتضيف كيري هال النقطة أخرى، هي احتمال أن يكون اللجوء إلى لغة العلم والأرقام ضربًا آخر من التهرب من اتخاذ المواقف، مستشهدة بمقولة ثيودور بورتر Porter M. Theodore إن اتّباع المنهج الكمي هو وسيلة لاتخاذ القرار من دون أن يبدو أن القرار قد اتُّخذ29. في مقابل هذا الاتهام بإفراغ السياسة من محتواها ومضمونها، تُلقي تهمة التسييس التي تتكرر في الواقع وفي مجال الدراسة بدورها ظلالً مهمة على المفهوم. فمصطلح "تسييس" يحمل ظلالً سالبة في الغالب، حيث يقصد به إقحام السياسة في ما ليس منها، أو استغلال قضية يجب أن تكون بعيدة من السياسة لأهداف سياسية، كما في الحديث عن تسييس الدين، أو تسييس الفن أو الرياضة أو العلاقات الشخصية. لكن المفارقة هي أن الحديث عن "تسييس" أمر معيّن يشير سلفًا إلى أن الأمر المعني اكتسب بعدًا سياسيًا، والشكوى من تسييسه لا تُخرِجه من ميدان السياسة، بل تزيده تسييسًا. فعندما تُحظَر الأحزاب الدينية مثلً بدعوى أنها سيّست الدين، فإن هذا يعتبر بدوره تسييسًا إضافيًا للدين، لأن الدين أصبح موضوع صراع، وسيبقى كذلك حتى يحسم الخلاف بشأنه. وعندما تصبح الرياضة ميدان صراع قومي أو ديني عرقي، فإن السيف يكون قد سبق العذل. ما يُخبرنا به سجال التسييس هو أن فهم السياسة الضمني يميل إلى اعتبارها مجالَ صراع (خلافًا لمفهوم حنة أرندت ويورغث هبرماس وآخرين.) ومن هذا المنطلق، هناك أشياء يجب أن تبقى فوق السياسة (مثل الدين والقيم العليا) أو خارج السياسة (مثل الرياضة)، باعتبارها ينبغي أن تكون مجالَ توافق واحترام مشتركًا مسبقًا، أو هي بطبيعتها تفقد بعض أهم خصائصها لو سُيّست. لكن هذا الأمر يتطلب اتخاذ قرار "سياسي" بعدم التسييس، وذلك بالوصول إلى توافق بشأن المسائل التي يُراد إخراجها من مجال التنازع السياسي. وعلى العكس، هناك من يرى ضرورة إدخال بعض الأمور الواقعة خارج الساحة السياسية إلى هذا المجال وتسييسها، كما رأينا من موقف الحركات النسوية بشأن الأسرة وموقف اليسار الراديكالي من الشأن الاقتصادي. يعيدنا هذا إلى التداخل الشديد بين تعريف السياسة من جهة، ومنهجيات دراستها من جهة أخرى، ويذكر أيضًا بأن المنهجية قد تتحول بدورها إلى ضرب من التسييس. وقد يكون التسييس ظاهرًا ومتعمدًا، كما هي الحال في التوجهات الماركسية والنسوية والبعد كولونيالية. وقد يكون مستترًا كما هو في النظريات الليبرالية عمومًا، والعلموية خصوصًا. وبالطبع فإن النظريات النقدية لا ترى نفسها تسييسًا، إنما على العكس، هي تفخر بأنها تكشف عن التسييس المستتر أو المتستر عليه. فالعلم هنا يصبح، بحسب أنصار هذه التوجهات، أداة تحرير بإظهار الأغلال الخفية التي تُكبّل أيدي الفئات المستضعفة وأرجلها (طبقيًا أو عرقيًا أو نوعًا أو استعمارًا.) يثير هذا بدوره أوجه انتقاد أخرى، منها أن تفسير الظواهر السياسية بمسببات اقتصادية أو اجتماعية قد يحمل طابعًا اختزاليًا يجرّد السياسة من خصوصيتها ومضمونها، بل يلغي الظاهرة السياسية، حيث يصبح الاقتصاد، أو الظواهر الاجتماعية أو البيولوجية، الأساس. ويوجّه هذا النقد بصورة أشد إلى بعض التوجهات العلموية، وخصوصًا المدرسة السلوكية ونظائرها التي تفسّر سلوك الإنسان بدوافع
نفسية أو اقتصادية أو بيولوجية. ويواجه مثل هذا التفسير الاختزالي معضلة مزدوجة؛ إذ إنه يعترف بوجود الظاهرة السياسية، بل هي مبرر وجوده. لكنه ينتهي بأن يلغي السياسة. فلو صح أن الاقتصاد أو الدوافع البيولوجية هو ما يفسّر ما يسمّى سلوكًا سياسيًا، فإن السياسة ستفقد كل معنى، وبالنتيجة نحن لا نفسّر السياسة، إنما نتحدث عن البيولوجيا أو الاقتصاد أو علم النفس، وبالنتيجة تفقد هذه النظريات دعواها في أنها تتعلق بالسياسة30. وهناك انتقاد غير متوقع لنظريات ما بعد الوضعية (النسوية، وما بعد البنيوية... إلخ) باعتبارها تساهم بصورة غير مباشرة في تعزيز دعاوى العلموية بأن العلم اليقيني القاطع الذي تمثله الرياضيات، وإلى درجة أقل الفيزياء والكيمياء، وربما البيولوجيا، هو العلم الحقيقي، وما عداه فليس كذلك. ذلك بأن هذه النظريات تبني نقدها للطروحات المرفوضة عندها عبر إثارة التشكك بشأن كل تصنيف وموقف، بدعوى أنه تحكمي لا سند له من خارجه. بل إن بعضها (الحركات النسوية) يشكك حتى في صحة تصنيف المخلوقات إلى ذكر وأنثى، بحجة عدم اكتشاف أسس جينية قاطعة لمثل هذا التصنيف. وهي بهذا تؤكد من دون أن تشعر أن العلم الحقيقي هو اليقيني، وترفع معايير إثبات صحة أيّ مقولة إلى مستوى العلوم التطبيقية، بل إلى ما هو أعلى منها. ومن ثمّ فإن هذه التوجهات تناقض نفسها، وتؤيد الاختزالية العلموية من حيث أرادت نقضها31. يكتسب التسييس بُعدًا آخر في التداخل بين السجالات المنهجية والاستقطاب السياسي، حيث إن الانتقادات الموجهة إلى المدرسة السلوكية المهيمنة، شملت تحيّزها المحافظ إلى الوضع القائم في الولايات المتحدة، وغفلتها عن أزمة النظام السياسي. وفي المقابل، أخذت التيارات النقدية، ممثلة في التجمع من أجل علوم سياسية جديدة، تتبلور في اتجاه راديكالية سياسية، بل إن التوجه الماركسي المعلن غلب على كثير من أعضائها32. وهذا بدوره أكسب الصراع داخل رابطة العلوم السياسية الأميركية طابعًا سياسيًا؛ ما انعكس سلبيًا على حظوظ التجمع في الانتصار في هذه المعركة. ذلك أن استبدال توجه أيديولوجي ضمني بآخر صريح لم يشكل تقدمًا إلى الأمام من المنظور العلمي لدى كثيرين من أهل التخصص. وتجلّى هذا في ضعف المناصرة للتجمع داخل الرابطة، حيث ظل عدد الأصوات لمرشحيه يتضاءل حتى قررت المجموعة وقف الترشح لرئاسة الرابطة ومناصبها العليا في عام 9791، واستسلمت عمليًا لهيمنة المنهج السائد، راضية بالسماح لها بركن قصي داخل الرابطة، ودورية خاصة بها تمارس فيها منهجياتها. وهذا ما حدث لحركة بيريسترويكا أيضًا.
ثًالث ا: في شرط التنبؤ ومفارقاته: العلوم السياسية عربيًا
يذكّر هذا بما روينا سلفًا عن شيلدون وولين بأن مناهج بعض المدارس العلموية (السلوكية في هذه الحال) تفترض ملامح معيّنة في الواقع السياسي، تساهم هي نفسها في صنعها. على سبيل المثال، فإن الإصرار على أهمية التعميمات المنفصلة عن إطارها، والقدرة على التنبؤ بالتطورات، استنادًا إلى مثل هذه التعميمات التي تنطبق على الجميع، يفترضان وجود مجتمعات ذات بنية معيّنة، ومنظمة بحسب فرضيات هذه المدارس. وهكذا نجد افتراضات تستبطن قيمًا بعينها، على الرغم من إصرار هذه المدارس على النأي بنفسها عن تناول المركب الأخلاقي في السياسة. وهكذا نجد ديفيد إيستون، أحد أقطاب المدرسة السلوكية، يبني نظرية تحليل النظم عنده على ما يصفه ب "توازن النظام السياسي"، ويربط هذا التوازن باقتناع الغالبية بمشروعية ما يفرزه النظام من توزيع للفرص والقيم والموارد33. ويطرح هذا إشكاليات عدة تتعلق بأولوية التنبؤ عند المدارس العلموية. فمن جهة، غالبًا ما ينجح التنبؤ في أمور جزئية، مثل توجهات فئات الناخبين أو نتائج التصويت في انتخابات بعينها، ولا يشمل القضايا والتحولات الكبرى. ومن جهة أخرى، هناك سجلّ حافل للعلوم السياسية بالفشل في التنبؤ بالأحداث الجسام، مثل الثورات والحروب والتحولات السياسية. وكانت إحدى التهم الموجهة إلى المدرسة السلوكية، بحسب أحد كبار منتقديها الفيلسوف ليو شتراوس Strauss Leo 973-1899)(1 بأنها كانت "مثل نيرون" تعزف وروما تحترق. ويضيف شتراوس أن لها عذرين: إنها لم تكن تدري أنها تعزف، كما أنها لا تدري أن روما تحترق34. وهكذا بقي كثير من علماء السياسة يتحدثون، في ذروة سطوة المدرسة السلوكية في منتصف الستينيات، عن التوازن القائم في الساحة السياسية الأميركية، ويتغزّلون ب "التعددية" والتوافق الاجتماعي، بينما كانت نذر عواصف كثيرة تتجمع، تفجرت بعد ذلك في الثورات الطلابية، واحتجاجات حرب فيتنام وحركات الحقوق المدنية... إلخ35.
عمومًا، فإن التخصص فشل، ولا يزال في التنبؤ بمعظم التحولات الجسام المعاصرة، مثل الثورات الشبابية والمدنية في الستينيات، وموجات التحول الديمقراطي في السبعينيات (ومعها الثورة الإيرانية والصحوة الإسلامية)، وتحولّات أميركا اللاتينية ونهضة "النمور الآسيوية" في الثمانينيات، وصعود النيوليبرالية ثم انهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينيات... إلخ. وكان للمنطقة العربية وما حولها وضع خاص في هذا المجال، حيث كثرت الشكوى من جهل "علم" السياسة وباقي العلوم الاجتماعية بحال المنطقة. بل إن الشكوى أضافت إلى الجهل التحامل المتعمد، والغفلة أو التغافل، والتمسك بالأفكار المسبقة وإصدار الأحكام المتسرعة. وهذه كلها خصال تخالف العلم وأولويات المنهج العلمي. ولم تأت الشكوى من خارج التخصص فحسب، كما كانت الحال في نقد الاستشراق والمركزية الغربية، الذي بادر إليه أكاديميون عرب، من أبرزهم أنور عبد الملك 012-1924()2 وسمير أمين 018-1931()2 وعبد الله العروي ومحمد عابد الجابري 010-1935()2 وإدوارد سعيد 003-1935()2 وعبد الوهاب المسيري 008-1938()2 من بين آخرين. لكن جاء النقد كذلك من داخل التخصص، كما في مداخلة جيمس بيل في عام 9961 التي تناولت حصيلة خمسين عامًا من جهد التخصص في دراسة سياسة المنطقة. وأصدر بيل حكمًا قاسيًا على التخصص بالفشل والتعثر والدوران في حلقات مفرغة. وشمل هذا فشل التخصص في التنبؤ بمعظم الأحداث الجسام في المنطقة، بدءًا بالثورات التي عمّت المنطقة منذ الخمسينيات، ثم الحروب التي وقعت، وصعود القومية الراديكالية، ثم انحسارها، والثورة الإسلامية في إيران والمد الإسلامي الذي صاحبها. وقدّم بيل تفسيرات عدة لهذا الفشل المتصل، بداية من الحكم بأن طبيعة المنطقة تستعصي على الفهم بسبب ضبابية أوضاعها السياسية، قبل أن يضيف عقبات ذات طابع منهجي، منها ضعف المهارات البحثية لدى الدارسين وعدم كفاية أدواتهم ومناهجهم البحثية وضعف تجاوب المستجيبين في البحوث الميدانية وعدم صراحتهم. أضاف أيضًا النزاع المستمر بين الخبراء الميدانيين "(المستشرقين" بحسب تسميته) والمنظرين من علماء السياسة. فبينما ينشغل الأوّلون بدراسة لغات المنطقة وأحوالها عبر البحث الميداني، يعكف الآخرون على بناء النظريات، ويترفّعون عن زيارة المنطقة إلا عابرين. لكن التعاون بين الطرفين قليل، والتوتر قائم. والنتيجة هي أكوام من المعلومات تجمع من الميدان، من دون تحليل كافٍ، ونظريات تعمم من حالات قليلة، وقد يكون على أساس معلومات غير دقيقة أو ناقصة. ويتصل هذا بقضية اكتساب المهارات، حيث إن الطالب بالخيار بين إتقان المهارات التي تدعم التنظير المجرد، مثل المهارات الكمية والقراءات النظرية، أو إتقان مهارات العمل الميداني. والجمع بين الأمرين أقرب إلى الاستحالة36. لا يخفى أن هذه التحليلات والمسببات إشكالية، حيث إن الزعم بأن "الشرق الأوسط" يستعصي على الفهم بسبب غموضه ومراوغة أهله، ما هو إلا تفسير للماء بالماء، وإعادة تسمية الفشل في الفهم والتحليل. بالقدر نفسه، فإن تعليق الفشل على قصور مهني - تقني - منهجي رافق أجيال الدارسين والباحثين في واحد من أكثر بلدان العالم تقدمًا، ولعشرات الأعوام، أمر يصعب تصديقه. يحيلنا هذا إلى سجال متصل حول المفاضلة بين دراسات المناطق Studies Areaوالدراسات التخصصية. وتتميز الأولى بأنها تقدم المعرفة بلغة المنطقة التي تنشغل بدراستها بصورة مكثفة، وتستخدمها في البحث الميداني. وتتميز كذلك باعتمادها تعددية التخصصات، والتركيز على دراسة ثقافة المنطقة وتاريخها وخطابها وتفسيراتها. ولهذا فإنها تتهم بالتركيز على دراسة الحالة، وتغرق في التفصيلات المتعلقة بها، من دون أن تنتج معرفة قابلة للتعميم، أو ذات فائدة عامة خارج إطار ضيق37. كذلك تتهم دراسات المناطق بأنها فقيرة نظريًا، ومفتقدة العمق، وبدائية في أدواتها المنهجية. ويضيف آخرون أن هذه الدراسات ذات أجندة سياسية، وليست "علومًا" حقيقية، لأنها في معظمها نشأت بغرض خدمة سياسات الولايات المتحدة الخارجية في الحرب الباردة، وبناء عليه، فقدت مبرر وجودها بعد نهاية الحرب الباردة. وهي فوق ذلك لا تنتج علمًا يمكن دمجه في استنتاجات العلوم الاجتماعية، إنما تركز على الغرائبيات وما يميز المجتمعات وخصوصياتها. وفي أفضل الأحوال، يمكن أن تنتج مادة خامًا قد تفيد عمل المنظرين38. في المقابل، هناك من يرفض هذا النقد، ويؤكد أن دراسات المناطق لا تقل ثراءً نظريًا عن تخصصات شانئيها. وذلك أولً لأن كل بحث علمي لا بد من أن ينطلق من إطار نظري ضمني أو مصرّح به، وبغير ذلك لا يمكن تجميع المعلومات وطرحها ونشرها. فوق ذلك، فإن الباحثين في دراسات المناطق هم في الغالب من التخصصات نفسها التي تنطلق منها تلك الانتقادات (مثل السياسة المقارنة أو علم الاجتماع)، وبناء عليه، ليسوا أقل تمكّنًا من المناهج، أو قدرة على التنظير
من غيرهم39. ويضيف أصحاب هذا الرأي أنّ ما يُسمى الدراسات التخصصية أو النظرية - وهي غالبًا دراسات للحالة الأميركية أو الأوروبية بغية تعميمها - ما هي إلا "دراسة مناطق" أميركية أو غربية، تسعى لفرض نفسها على أساس أنها قوانين إنسانية عامة40. من هنا فإن دراسات المناطق يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في إخراج تخصصات علم السياسة الأميركية من تقوقعها ومركزيتها الأوروبية نحو آفاق أوسع، وإخضاع نظرياتها للاختبار والتطوير عبر رفدها بمعلومات وإضافات نظرية تتحدّاها، ومن ثمّ تولّد علمًا جديدًا وأشكالً جديدة من المعرفة41. لكن كيف يتّسق هذا الزعم مع ما ذكر سابقًا من أن دراسات سياسة الشرق الأوسط لم تنتج معرفة ذات بال؟ يفرض هذا السؤال نفسه، خصوصًا أن أقطاب ذلك التخصص اتخذوا موقف الدفاع، محتجين بأنهم لم يُغيّبوا التنظير، بل استخدموا النظريات السائدة في علم السياسة، وساعدوا في تطبيقها في مجالهم42. إذا كان غاية الجهد هو تدوير النظريات السابقة وتطبيقها، فكيف يكون هناك مجال لإضافة معرفية؟ ودفع الفشل المدوّي في التنبؤ بالثورات العربية الكثير من "الخبراء" إلى الاعتراف بأن تحيّزاتهم وأفكارهم المسبقة كانت أحد أسباب فشلهم في قراءة اتجاه الأحداث43. بالقدر نفسه، اتجه كثيرون نحو النقد الذاتي الفكري، بغرض التأمل في الخلل المنهجي الكبير الذي عزلهم عن محيط دراستهم. ولعلها مفارقة أن كثيرين لاموا أنفسهم ليس على تجاهلهم أشواق الديمقراطية عند العرب، بل لأنهم بزعمهم بالغوا في توقعاتهم بشأن فرص نجاح الديمقراطية. كذلك، ركّز التقويم الكلي على إشكاليات ذات طبيعة معرفية ومنهجية، لكنها مع ذلك أشبه بالصراع "الطائفي" داخل التخصصات. فعلى سبيل المثال، أشار مورتن فالبيورن إلى انقسام بين دارسي المنطقة بين من أطلق عليهم ناقدوهم "مجانين الديمقراطية" Democrazy، وفئة منافسة سُمّيت توجه "ما بعد الديمقراطية" في المنطقة. وكانت الفئة الأولى تتطلّع إلى بزوغ فجر الديمقراطية، وتفسّر كل تحوّل باعتباره خطوة في تلك الطريق. وفي المقابل، تصرّح الفئة الأخرى بأن انتظار الديمقراطية في العالم العربي أشبه ب "انتظار غودو" في مسرحية صمويل بيكيت الشهيرة؛ حيث إن المنطقة تشهد تجدد الأوتوقراطية وتمتينها تحت أثواب جديدة44، وكما هو متوقع، استبشرت الفئة الأولى بالربيع العربي، وعدّته تعزيزًا لصدقها، بينما وجد الآخرون في الثورات المضادة تأكيدًا لما ذهبوا إليه من الأساس. لكن، كما أسلفنا بشأن نقد بيل، فإن التفسير المعرفي - المنهجي غير كافٍ لتفسير هذه المعضلة المتطاولة في فهم سياسة المنطقة. ويظهر المزيد من التعمق أن حتى الصراعات المنهجية الصرفة تخفي في طيّاتها مواقف سياسية. على سبيل المثال، فإن حركة بيريسترويكا التي تفجّرت في عام 0002 باعتبارها احتجاجًا على غلبة المنهجية الكمية في مجال العلوم السياسية في الولايات المتحدة، بدت في ظاهرها أنها خلاف منهجي بحت. لكن حادثة بسيطة كشفت أن الأمر أبعد من ذلك. فعندما وقع غزو العراق في عام 0032، تطرّق المنخرطون في النقاش إلى هذه القضية الحيوية بالنسبة إلى علم السياسة، سواء من منطلق نقد السياسة الخارجية الأميركية، أم البحث في تحديات نشر الديمقراطية في المنطقة العربية. لكن مفجر النقاش "(مستر بيريسترويكا" مجهول الهوية)، تدخّل مباشرة في النقاش - وهو نادرًا ما يفعل - كي يطلب من المتحاورين السكوت عن المسألة العراقية حتى لا يُحرّفوا النقاش المنهجي عن مساره45. تكشف مداخلة مهمة لتيموثي ميتشل من جامعة كولومبيا أن السكوت المتعمد عن قضايا المنطقة لم يكن أمرًا منعزلً، بل له جذور ضاربة في التداخل بين السلطة والعلم. فعلى سبيل المثال، رفض مؤتمر جمعية دراسات الشرق الأوسط الأميركية مناقشة حرب حزيران/ يونيو 9671 في مؤتمره الذي أعقبها، بل طلب من الباحث الوحيد الذي قدم دراسة أن يسحبها نظرًا إلى "حساسية الموضوع." كذلك، برّر رئيس الجمعية في عام 9741، ليونارد بايندر Binder Leonard من جامعة شيكاغو، في خطابه الرئاسي عدم مناقشة حرب تشرين الأول/ أكتوبر 9731 في مؤتمر ذاك العام، بأنه "لا يوجد شيء مناسب حتى يقال في ذاك المقام"! (ويذكرنا ميتشل بأن بايندر كان قد حارب في الجيش الإسرائيلي في عام 9481، وأسره الأردنيون حيث بدأ تعلّم العربية في ذاك الوقت)46.
سبق ذلك توقف دورية شؤون الشرق الأوسط (صدرت في عام 950)1 المفاجئ في عام 9641 بعد انكشاف أمر تمويلها من جهات سياسية. وشهد العام نفسه إعلان "الرابطة الأميركية لدراسات الشرق سّست في عام الأوسط" (أ 958)1 حلّ نفسها وإيقاف دوريتها، دراسات الشرق الأوسط بعد انكشاف صلتها بمنظمات صهيونية. وفي الفترة نفسها كُشف عن تمويل الاستخبارات الأميركية دوريات وجمعيات أكاديمية، بعضها ذو توجه ليبرالي وحتى يساري، مثل مجلة حوار التي كانت تصدر في بيروت عن "المنظمة العالمية لحرية الثقافة" منذ مطلع الستينيات، واضطرت بدورها إلى التوقف عن الصدور في عام 9671 بعد انكشاف أمرها47. في منتصف التسعينيات خرج الصراع السياسي المكتوم إلى العلن، حين بدأ اليمين الأميركي، في تحالف مع بعض الدوائر الموالية لإسرائيل، هجومًا من خارج المؤسسات الأكاديمية على الجامعات بحجة أنها امتلأت ب "المعادين للولايات المتحدة الأميركية" والمتحاملين على إسرائيل. كانت البداية إطلاق منظمة في عام 1 سُمّيت "المجلس الأميركي للخريجين والأمناء"، 995 تولّت قيادتها لين شيني Cheney Lynne، زوجة الرجل الذي أصبح نائبًا للرئيس جورج بوش الابن، مع جوزيف ليبرمان الذي أصبح المرشح الديمقراطي لمنصب نائب الرئيس في انتخابات عام 000.2 واتهمت شيني الجامعات الأميركية بأنها خذلت الولايات المتحدة في ما وصفته بصراعها الحضاري، وما عاد الأكاديميون والمثقفون معنيين بالدفاع عن قيَمها. وأعلنت المؤسسة على موقعها، أنها أنفقت مليارات الدولارات لدعم الموالين لها في الجامعات، في وقت قادت حملات ضد أكاديميين ومؤسسات "معادية للولايات المتحدة." وأدى هذا إلى أن يصف أكاديمي بارز حملاتها ب "المكارثية الجديدة"48. تبع ذلك في عام 0032 إنشاء منظمة أخرى سُمّيت "مراقبة الجامعات"، أسّسها صاحب مشروع "منبر الشرق الأوسط"، دانيال بايبس Pipes Daniel، وهو ناشط أكاديمي معروف بولائه إلى إسرائيل وحملاته الشرسة على العرب والمسلمين في الولايات المتحدة. وتركز هذه المنظمة على برامج دراسات الشرق الأوسط تحديدًا، واستهدفت من اتّهمتهم بمعاداة إسرائيل والتنكر لمصالح الولايات المتحدة الخارجية، عبر تصنيفهم في "قوائم سوداء" تتخذ مادة للتحريض ضدهم49. قبل ذلك وفي وأثنائه، قاد أحد شركاء بايبس، الباحث الإسرائيلي مارتن كريمر Kramer Martin، حملة كبرى ضد متخصصي دراسات الشرق الأوسط الأميركيين، متّهمًا إياهم بأنهم كلهم من أتباع إدوارد سعيد. وكرر كريمر الاتهامات للتخصص بأنه لم يتنبأ بالأحداث الجسام، وخصوصًا الصحوة الإسلامية؛ لأنه كان يتغافل عن إرهاصاتها، ويروّج لنظرية التحديث التي ترى أن العالم الإسلامي سرعان ما يلحق بالغرب في العلمنة والديمقراطية. وأضاف إن التخصص بقي يهتم بالغرائب والأمور الهامشية، بدلً من التركيز على ما يخدم السياسة الخارجية الأميركية، ما عوّقه عن تقديم أي إنذارات عن أحداث 11 سبتمبر 011.2 بل كان، على العكس، يبعث برسائل مطمئنة ومضللة عن أن الإسلاميين يتّجهون نحو الديمقراطية والاعتدال. وبحسب كريمر، أصبحت الجامعات والدوائر الأكاديمية مصدر سخرية عند صناع القرار في واشنطن، ما جعلهم يتّجهون أكثر فأكثر إلى مراكز التحليل السياسي التي أصبحت تنتج معرفة حقيقية ومفيدة لهم50. ودعا كريمر والمجموعات المناصرة له الكونغرس إلى سن قوانين تحرُم الجامعات التي لا تؤمّن "التوازن" في العاملين فيها (أي التي لا توظف مؤيدين لإسرائيل) من التمويل. وبالفعل جرت محاولات لسنّ قوانين في هذا الاتجاه51. لعلها مفارقة لافتة أن كريمر وشيعته تحوّلوا إلى ما يشبه الكاريكاتور لاتهامات سعيد الذي يحمّلونه مسؤولية خسارة إسرائيل وحلفائها السجال الأكاديمي، وخصوصًا أن إدوارد سعيد لم يكن لا من اختصاصيي دراسات الشرق الأوسط، ولا من علماء السياسة. ذلك أن اتهامات سعيد للاستشراق لم تكن فجّة ولا سطحية، بل انطلقت من طروحات معرفية معقدة تتعلق بعلاقات المعرفة والسلطة من جهة، والتحيّزات الفكرية والثقافية من جهة أخرى. لكن ما يمكن أن نُسمّيه اليمين الترمبوي لا يريد ولا يطيق خوض سجالات على هذا المستوى المعرفي الرفيع، بل على العكس، يريد أن يكون انقياد الأكاديميا لصانع السياسة الأميركي انقيادًا أعمى، حيث تُلغى الطبيعة الأكاديمية للنشاط من الأساس، ويصبح الخبراء مجرد "مستشارين" في خدمة السلطة. وهذا ما لم يتهم به سعيد المستشرقين. صحيح أن أقسام دراسات المناطق كانت قد أنشئت أساسًا لخدمة السياسة الأميركية في فترة ما
بين الحربين، ثم الحرب الباردة، بغرض توفير خبراء في لغات وثقافات وسياسة الدول المستهدفة، لكن غالبية هؤلاء الخبراء تحولت في ما بعد إلى منتقدين للسياسات الخارجية الأميركية، خصوصًا في فيتنام وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، وحتى في شرق أوروبا، تحديدًا لأنهم خبراء52.
رابعًا: نحو مخرج علمي من المعضلة
يمكن تلخيص ما سبق، بالإشارة إلى أن طموح تحويل تخصص العلوم السياسية إلى "علم" يُنسج على منوال العلوم الطبيعية يواجه معضلات بنيوية من جهة، ومعضلات إطارية من جهة أخرى. أما البنيوية، فتتعلق أولً بصعوبة تعريف السياسي، وثانيًا بصعوبة فصل التخصص عن موضوعه، واستمرار التفاعل والتأثير المتبادل بين المجال العلمي والمجال السياسي. وهناك تداخل بين الأمرين؛ حيث إن أي محاولة لتعريف السياسة تتحول بدورها إلى قضية سياسية، بسبب تقاطع محاولة تضييق تعريف السياسة مع التوجه الليبرالي، بينما ترتبط محاولة توسيعها بتوجهات راديكالية. من جهة أخرى، فإن أي نتائج ذات بال لأي بحث سياسي، مهما كان "محايدًا"، لا بد من أن يكون لها انعكاس سياسي واقعي، يثير بدوره ردات فعل سياسية. كذلك يقرأ الفاعلون السياسيون، موضوع دراسة السياسة، بدورهم ما ينشر من بحوث، أو تقرأ لهم. وإذا كانت هناك بالفعل نتائج مهمة، فهم يستفيدون منها، وقد تؤدي أي اكتشافات مهمة إلى إلغاء مفعولها. ويضرب إيدو أورين مثالً على ذلك بحوث روبرت بتنام Putnam D. Robert حول استنزاف "رأس المال الاجتماعي" في الولايات المتحدة، حيث إن هذه النتيجة ولّدت حملة كبرى (أصبح بتنام نفسه أحد قادتها) لمحاولة تعويض ما ضاع من آليات التضامن الاجتماعي53. بالقدر نفسه يمكن أن يقال إن الأنظمة الاستبدادية العربية استخدمت الاستنتاجات بشأن دور المجتمع المدني والإعلام الحديث في دعم الديمقراطية من أجل ضرب هذه القنوات وإضعاف أثرها. وقد يقال بالطبع إن هذا لا يقلل من أن الاستنتاجات علمية، مثلما أن اكتشاف أسباب الأمراض قد تساعد في علاجها. لكن، تبقى قدرة موضوع البحث على التأثير في نتائجه مشكلة. فعلى سبيل المثال، إن التنظير لعوامل انهيار الأنظمة التسلطية أو نجاح التحول الديمقراطي قد تؤثر في مفعولها. ومن ذلك النجاح في تحقيق تحول ديمقراطي على الرغم من غياب المتطلبات الهيكلية المفترضة لذلك. يدخل في الإشكالات البنيوية كذلك ما يواجه دراسات المناطق من مشكلات منهجية، تتمثل في ما سبق ذكره من افتراضات بشأن عالمية التجربة الغربية، وتوقع تعميمها على باقي أنحاء العالم، من دون النظر إلى خصوصية وضع كل منطقة، بل كل بلد وناحية. ويرتبط هذا بإشكالية أوسع، أشار إليها منتقدو العلموية وتركيزها على جزئيات معزولة عن إطارها، وعلى عوامل محدودة تؤثر في سلوك الأفراد، وآليات "علمية" لقياسها. هذا علمًا بأن مرجعيات القياس هي دومًا تحكّمية؛ إذ يخضع تحديد الهوية السياسية أو التصنيف الاجتماعي لفرد أو مجموعة لخيارات بشأن المعايير، مثل مستوى الدخل (الطبقة أو الفئة الاجتماعية)، أو مكان السكن...إلخ. بالقدر نفسه، يواجه الاعتماد على صحة إفادات المستجيبين كلها، وطرائق تحليلها، تحديات. عمومًا، تُتّهم هذه المنهجية بإهمال كون الإنسان كلً متكاملً، ولا يتصرّف دومًا على أسس نفعية، وإلا لما أمكن تفسير التضحيات الجسام لكثير من الناشطين، كما في مجال حقوق الإنسان والدفاع عن الديمقراطية وحماية البيئة، والدفاع عن الأقليات والمضطهدين، ومقارعة أصحاب النفوذ. إطاريًا، هناك كما أسلفنا تحيّزات الباحثين السياسية والثقافية، بل والتدخلات السياسية السافرة في آليات البحث، كما شهدنا من السجالات ووسائل الضغط المستخدمة في بعض المجالات، مثل تخصص دراسات الشرق الأوسط. هناك أيضًا الضغوط غير المباشرة عبر التمويل والتوظيف، إضافة إلى إنشاء المراكز البحثية ذات الأجندات المحددة سلفًا. لكن هذا لا يمنع من تطوير منهجية تجمع بين التوجه العلمي الصارم من جانب، والوعي بتعقيدات السياسة من جانب آخر. من هذا المنطلق، فإن دعوة حركة البيريسترويكا إلى توجه يتخلّى كلّيًا عن الطموحات العلمية، ويقتصر على توخّي الحكمة والحنكة العملية في فهم السياسة، وداخل إطار محلي دائمًا من دون تعميم، لا يبدو مبشرًا بتقدم كبير؛ لأن هذا يفترض فقدان الأساس لفهم مشترك للإنسانية ومتطلبات التعايش المشترك. يتطلب هذا التوفيق بداية أن يؤخذ في الحسبان أن السياسة تشتمل عضويًا على مركب قيمي هو جزء لا يتجزأ منها، ولا مهرب من أخذه في الحسبان عند أي معالجة علمية، مع الاحتفاظ بمسافة منه. ويعني هذا استصحاب ما ذُكر أعلاه من أن السياسة هي الاستخدام المنضبط للقوة، والقبول جزئيًا بأطروحة أرندت بشأن العمل المشترك الخالي من القهر العنيف، باعتباره أساسًا للسياسة، مع
تعديل يستصحب ضرورة العنف "المشروع" جزءًا من هذه العملية، مع ما يطرحه هذا من إشكالات تتعلق بجوهر السياسة، بشأن مصدر الشرعية وضوابطها. من هنا يمكن تأكيد أن السياسة هي فن توفير مقومات وضمانات العيش المشترك على أسس أخلاقية تنبع من القيم المشتركة للإنسانية من جهة، وقيم المجتمع المعني من جهة أخرى. وهذا يعني بدوره أن دراسة السياسة لا بد من أن تأخذ هذا المركب القيمي في الحسبان، من دون الإخلال بالإطار العلمي للتناول.
يأتي هذا باستخدام متغيرات تشتمل على هذا المركب، بل حتى وضعها في صيغة تحتمل القياس. فلو أخذنا كمثال نظرية الأمننة Theory Securitization، فسنجد أنها تعتمد كمتغير أساس "سرديات الأمننة" (أو "الفعل اللفظي" Act Speech في أصل النظرية عند باري بوزان وزملائه)54. وترفض نظرية الأمننة الفهم الواقعي للأمن باعتباره أمن الدول أو الجماعات من أخطار محسوسة (عسكرية، وإجرامية... إلخ)، وترى أن هناك جانبًا كبيرًا من الصناعة، إن لم يكن الاصطناع، عند تحديد الخطر ومصدره، والجهات التي يستهدفها. فالمبادرة بطرح مسألة معيّنة عبر "فعل أمننة لفظي" تحول إلى مسألة يومية عادية، مثل الهجرة أو المشكلات الصحية، إلى خطر عظيم يتهدد الأمة والدولة، أو طائفة من الشعب. ورأينا حديثًا كيف حوّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب قضايا مثل الميزان التجاري إلى قضية أمنية، على الرغم من أنها بقيت تُعامل كإشكال اقتصادي يحل في ذاك الإطار. كذلك حوّل المتوجسون من الوحدة الأوروبية في بريطانيا فكرة الاتحاد الأوروبي من النقيض إلى النقيض. فبعد أن كانت عضوية الاتحاد تُصوّر باعتبارها صمام الأمان لبريطانيا، وأهم رصيد اقتصادي في ترسانتها، انتشرت روايات الخوف والتخويف لتقنع غالبية البريطانيين بأن أوروبا هي العدو والخطر. من هنا مثّلت نظرية الأمننة، التي طُورت في بداية منتصف التسعينيات، إضافةً مهمةً إلى المعرفة والتنظير في هذا المجال. ومؤخرًا أخذت النظرية منحى أكثر "علمية"، إن لم نقل علموية، وذلك باستخدام المنهج التجريبي، ثم الكمي، من أجل اختبار الفرضيات التي طرحتها؛ ما مثّل إضافة أخرى إلى المعرفة في مجال العلوم السياسية، بل انتقل إلى حقول أخرى، مثل الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع55. ويمكن استخدام نموذج مطوّر من نظرية الأمننة لتفسير ظواهر وتطورات سياسية عدة. وجرى بالفعل استخدام "سرديات الخوف والتخويف" لتفسير الفظائع وجرائم الإبادة التي ارتُكبت وتُرتكب في المنطقة العربية (سورية والعراق ومصر وليبيا)، وقبل ذلك رواندا والبوسنة والهند وألمانيا النازية. في هذه الحالات كلها، يمكن تتبع هذه الروايات والأساطير، وكيف وقع اصطناعها والترويج لها، وكيف أثرت في قطاعات واسعة من الرأي العام، وجعلت كثيرين يفقدون صوابهم، ويتحوّلون إلى قتلة ضد جيرانهم، وحتى بعض أفراد أسرهم56. ويمكن توسيع نطاق هذه الأداة التفسيرية للإجابة عن أسئلة محورية تجاه ما تشهده المنطقة العربية في الأعوام الأخيرة مما يمكن وصفه على أقل تقدير بأنه تغييب فعلي للسياسة (بحسب تعريفنا أعلاه) في عدد من البلدان العربية. ووقع بالفعل التمهيد لهذا التغييب لمصلحة العنف الأعمى، عبر تغييب العقول لمصالح روايات خرافية عن "مؤامرات" مزعومة، والقتل المعنوي للآخر بنفي إنسانيته، إضافة إلى مواطنته، تمامًا كما حدث في رواندا، حين وصف الشركاء في الوطن بأنهم "صراصير" لا بد من إبادتهم. يمكن تطبيق النموذج التفسيري نفسه على ظاهرة صعود الشعبوية وتراجع الديمقراطية في الغرب؛ ما يُعمّق الحاجة إلى نموذج يقطع مع الفرز التقليدي المصطنع، والفاقد للقيمة العلمية في الدراسات
السياسية بين "العالم المتقدم" من جهة، و"الدول النامية" من جهة أخرى. فعندما نستخدم متغير فقدان الأمن، وبتحديد أكبر، سرديات التخويف من فقدان الأمن، يمكننا أن نرى أن تثبيت الديمقراطية يواجه تحديات متقاربة في الحالين. فهناك تشابه يكاد يبلغ حد التطابق بين ما روّجت له وسائل الإعلام العربية المؤيدة للثورة المضادة من وصف الثورات بأنها مؤامرات، وتشويه صورة القوى الديمقراطية، والخطاب الشعبوي في الولايات المتحدة وأوروبا، وتهجّمه على النخب السياسية الحاكمة بأنها متساهلة مع المهاجرين والأقليات والدول التي "تنهب الولايات المتحدة" (وهكذا أصبحت أكبر دولة إمبريالية في العالم هي الضحية.) ففي الحالين، تُصوّر الضحايا باعتبارها الجاني، والجناة باعتبارهم الضحايا، ويتم اللعب على مخاوف قطاعات بعينها ووساوسها ورغائبها لتجييش قوى مؤيدة للطغيان أو الخطاب الشعبوي. ويدفع هذا بدوره إلى إنهاء الفصل بين "دراسات المناطق" والتخصص الأوسع للعلوم السياسية، ممثلً خطوة أخرى في مساعي توحيد العلوم.
خلاصة
نكتفي بهذا القدر من التوضيح لملامح "براديغم" محتمل لمعالجة أزمة العلوم السياسية، في ظل عجز الإطار النظري الأشمل الذي يحكمها عن استيعاب المتغيرات السياسية الكبرى التي يشهدها العالم حاليًا، وعن التوفيق بين التطلعات العلمية للتخصص ومتطلبات المعالجة الأشمل للشأن السياسي. وسعينا في هذه الدراسة لتأمل التحديات الكبرى التي تواجه الطموحات العلمية للتخصص، وأوجه الاستقطاب بين المدارس المختلفة بشأن معالجتها. وطرحت الدراسة مقترحات عدة من أجل حسم الإشكالات ونقاط الاختلاف القائمة. في ما يتعلق بتعريف السياسة، اقترحت الدراسة صيغة معدّلة من تعريف أرندت، تجمع بين فهم السياسة باعتبارها مجالَ التغالب (السلمي/ التواصلي) ضمن إطار من القيم المشتركة والضوابط العرفية، مع الإقرار بأن خيار العنف "المشروع" هو من أدوات السياسة، وربما إطارها الحاكم، ممثلً في الدولة. كذلك لا ترى الدراسة تعارضًا بين طرح موف وآخرين لمفهوم "السياسي" كتعريف للمركب التصادمي في السياسة، في مقابل المفهوم التوافقي لها، حيث ترى أن صيغة موف تنطبق على الأوضاع الاستثنائية ومرحلة التأسيس، أو استبدال نظام فقد مبررات وجوده. وهذه حالة تحسم عبر الثورات أو الحروب الأهلية، وهي بالنتيجة تعتبر حالات خاصة، تمثل مرحلة انهيار السياسة، كما يقول كريك، أو مرحلة ما قبل السياسة بحسب هوبز. ومن ثمّ هي خارج إطار السياسة بمعناها الأساس، باعتبارها الإدارة المنضبطة لصراعات السلطة وفق قواعد "لعبة" متوافق عليها. تعرّضت الدراسة لإشكالات التسييس البنيوي في المعالجات السياسية، وخطر تحوّل السجالات المنهجية إلى مواجهات سياسية، وهو وضع تكرر في السجال المستمر بين دعاة العلموية وخصومهم. وبيّنت أيضًا أن لزوم البعد السياسي، و/ أو التوابع السياسية لكل تناول "علمي" للسياسة، لا يعني بالضرورة القبول بالتسييس الفج. فمن الممكن الاعتراف بالمحتوى السياسي للمعالجة من دون الانزلاق نحو التسييس. من هذا المنطلق، فإن الانتقاد للتسييس الكامن أو البنيوي، كما في نقد سعيد للاستشراق والمركزية الغربية، لا يمكن أن يُقارَن بالتسييس الفج لأنصار إسرائيل في معركتهم لإخضاع دراسات الشرق الأوسط الأميركية لمصالح إسرائيل واليمين المتطرف. الإشكال الأول يُعالَج نقديًًا وعلميًا، والثاني يواجَه سياسيًا. من المنطلق نفسه، تتناول الدراسة نقديًا الرأي الذي يسم "دراسات المناطق" في العلوم السياسية بالفقر النظري والدونية العلمية، وتميل إلى دعم الرأي القائل إن ما يُسمى معالجات نظرية هي بدورها "دراسات مناطق" تتخذ من الغرب مبتدأ التجارب السياسية وخبرها، وتسعى لتعميم تجاربه في شكل "نظريات" ذات صلاحية كونية. وترى الدراسة أن التفرقة المصطنعة بين التخصصات لا تقوم على أسس علمية، بل على العكس. فالنظريات الصحيحة لا بد من أن تنطبق على الحالات كلها، أو تكشف عن متغيرات ذات طبيعة عامة حالت دون ذلك. فلا يمكن أن يفسر الماء بالقول إن مردّ العجز عن تفسير سياسة "الشرق الأوسط" إلى أن الموضوع "غامض." تُعيد الدراسة في المقترح الذي قدّمته لمعالجة سجال العلمية، في مقابل التوجه التأطيري Contextualization(؛ بمعنى الالتصاق بالواقع ومراعاة الإطار القريب والخصوصية)، تناول هذه التفرقة من منظور آخر؛ وإذ يرفض مقترحنا موقف أنصار البيريسترويكا في التخلي تمامًا عن النهج العلمي، فإنه يطرح في المقابل نهجًا علميًا يأخذ تعقيدات السياسة وخصوصيتها في الحسبان، وتقدم أمثلة تطبيقية أولية لذلك المنهج. وبناءً عليه، تقترح الدراسة طريقة لتجاوز التفرقة المصطنعة بين دراسات المناطق والتنظير الأعم، حيث تطرح فكرة وجود متغيرات قد تفسر التطورات السياسية في ما يسمى الدول المتقدمة، وما يوصف ب "العالم الثالث." لا مجال هنا للتوسع في مساهمة هذا الطرح في تحقيق هدف وحدة العلوم، بدءًا من تجسير نقاط الخلاف بين التيارات المختلفة في التخصص، وربط العلوم السياسية بالتخصصات الأخرى، بما فيها
العلوم الطبيعية. لكن لدينا تحفّظ على التوجهات التي أشرنا إلى بعضها أعلاه، ومساعيها لإدخال طروحات البيولوجيا الاجتماعية، والاقتصاد وعلم النفس وغيرها باعتبارها معطيات لتفسير السلوك السياسي، تنطلق أساسًا من رفض التوجهات الاختزالية بكل أشكالها. لكن هذا مبحث آخر.
المراجع
Alford, John R. & John R. Hibbing. "The Origin of Politics: An Evolutionary Theory of Political Behavior." Perspectives on Politics. vol. 2, no. 4 (December 2004). Baele, Stéphane J. & Catarina P. Thomson. "An Experimental Agenda for Securitization Theory." International Studies Review. vol. 19, no. 4 (December 2017). Barrow, Clyde W. "The Political and Intellectual Origins of New Political Science." New Political Science. vol. 39, no. 4 (2017). Bartov, Omer. Mirrors of Destruction: War, Genocide, and Modern Identity. Oxford: Oxford University Press, 2000. Beinin, Joel. "The New American McCarthyism: Policing Thought about the Middle East." Race & Class. vol. 46, no. 1 (2004). at: https://bit.ly/2qfMkbc Bill, James A. "The Study of Middle East Politics, 1946-1996: A Stocktaking." Middle East Journal. vol. 50, no. 4 (Autumn 1996). Bond, Jon R. "The Scientification of the Study of Politics: Some Observations on the Behavioral Evolution in Political Science." The Journal of Politics. vol. 69, no. 4 (November 2007). Buzan, Barry, Ole Wæver & Jaap De Wilde. Security: A New Framework for Analysis. Boulder, CO: Lynne Rienner, 1998. Charlesworth, James Clyde (ed.). The Limits of Behavioralism in Political Science: A Symposium Sponsored by the American Academy of Political and Social Science. Philadelphia: American Academy of Political and Social Science, 1962. Dyer, Justin Buckley. "Political Science and American Political Thought." PS: Political Science & Politics. vol. 50, no. 3 (2017). El-Affendi, Abdelwahab (ed.). Genocide Nightmares: Narratives of Insecurity and the Logic of Mass Atrocities. New York/ London: BloomsBury Academic, 2015. Etzioni, Amitai. "What is Political?." CSA Worldwide Political Science Abstracts , 2006. at: https://bit.ly/2NMZNAz French, Howard W. "O. Wilson's Theory of Everything." The Atlantic. November 2011. at: https://bit.ly/2OeKpvP Gause III, F. Gregory. "Why Middle East Studies Missed the Arab Spring: The Myth of Authoritarian Stability." Foreign Affairs. vol. 90, no. 4 (July/August 2011). Goodin, Robert E. & Hans-Dieter Klingemann (eds.). A New Handbook of Political Science. Oxford: Oxford University Press, 1998. Gunnell, John. "Pluralism and the Fate of Perestroika: A Historical Reflection." Perspectives on Politics. vol. 13, no. 2 (2015). Habermas, Jürgen & Thomas Mccarthy. "Hannah Arendt's Communications Concept of Power." Social Research. vol. 44, no. 1 (1977). Hull, Carrie L. "The Quest for Certainty and the Demise of Political Theory." New Political Science. vol. 24, no. 4 (2002). Kramer, Martin. The Islamism Debate. Tel Aviv: The Moshe Dayan Center for Middle Eastern and African Studies, 1997.. Ivory Towers on Sand: The Failure of Middle Eastern Studies in America. Washington, DC: The Washington Institute for Near East Policy, 2001. Leftwich, Adrian (ed.). What is Politics? The Activity and its Study. Cambridge: Polity, 2004.
Lockman, Zachary. "Behind the Battles Over Middle East Studies." MERIP Interventions. January 2004. at: https://bit.ly/2OaCzDh Losco, Joseph. "From Outrage to Orthodoxy? Sociobiology and Political Science at 35." Politics and the Life Sciences. vol. 30, no. 1 (Spring 2011). Lustick, Ian S. "The Quality of Theory and the Comparative Disadvantage of Area Studies." Middle East Studies Association Bulletin. vol. 34, no. 2 (Winter 2000). Mitchell, Timothy. The Middle East in the Past and Future of Social Science. California: University of California, 2003. Monroe, Kristen (ed.). Perestroika! The Raucous Rebellion in Political Science. New Haven, CT: Yale University Press, 2005. London: Political. the On Chantal. Mouffe, Routledge, 2005. Oren, Ido. "Can Political Science Emulate the Natural Sciences? The Problem of Self-Disconfirming Analysis." Polity. vol. 38, no. 1 (January 2006). Schram, Sanford F. "Return to Politics: Perestroika and Post-Paradigmatic Political Science." Political Theory. vol. 31, no. 6 (2003). ".Beyond Paradigm: Resisting the Assimilation of Phronetic Social Science." Politics & Society. vol. 32, no. 3 (2004). Sémelin, Jacques. Purify and Destroy: The Political Uses of Massacre and Genocide. New York: Columbia University Press, 2007. Skillen, James W. "The Necessity of a Non-Reductionist Science of Politics." Axiomathes. vol. 20, no. 1 (2010). Smith, Rogers M. "Should We Make Political Science More of a Science or More about Politics?." PS: Political Science and Politics. vol. 35, no. 2. (June 2002). Szanton, David (ed.). The Politics of Knowledge: Area Studies and the Disciplines. Berkeley: University of California Press, 2004. Tessler, Mark, Jody Nachtwey & Anne Dressel (eds.). Area Studies and Social Science: Strategies for Understanding Middle East Politics. Indiana Series in Middle East Studies. Bloomington, IN: Indiana University Press, 1999. Tversky, Amos & Daniel Kahneman. "Rational Choice and the Framing of Decisions." Journal of business. vol. 59, no. 4 (October 1986). Valbjørn, Morten. "Reflections on Self-reflections: On Framing the Analytical Implications of the Arab Uprisings for the Study of Arab Politics." Democratization. vol. 22, no. 2 (2015). Williams, Michael C. "Words, Images, Enemies: Securitization in International Politics." International Studies Quarterly. vol. 47, no. 4 (2003). Wilson, Edward O. Sociobiology: The New Synthesis. Cambridge, MA: Belknap, 1975.. The Social Conquest of Earth. New York: W. W. Norton, 2012. Wolin, Sheldon S. "Political Theory as a Vocation." The American Political Science Review. vol. 63, no. 4 (December 1969).