مأزق علم السياسة بين الأيديولوجي والمعرفي
الملخّص
تسعى هذه الدراسة لقراءة المأزق الذي يعانيه علم السياسة، مع التركيز على تأثير الأيديولوجي في المعرفي. وتبحث في تأثير البعد "الغائي" أو الأيديولوجي، سواء الذي ارتبط بنشأة علم السياسة كحقل معرفي في أواخر القرن الثامن عشر أم الذي استمر خلال مرحلة الحرب الباردة، في البنية المعرفية والمنهجية لعلم السياسة. وتجادل بأن ثمة مأزق ا معرفيًا يواجه علم السياسة؛ كونه أصبح علمًا "غائيًا" تتجسّ د فيه بوضوح العلاقة بين القوة والمعرفة، لذلك يبدو واضحً ا أن ثمة تأثيرًا واضحً ا للأيديولوجيا في البنية المعرفية والمنهجية لعلم السياسة. ق سّ مت الدراسة خمسة أجزاء، يناقش الأول إشكالات إبستيمولوجية ومفاهيمية، ويبحث الثاني جدل مفهوم الأيديولوجيا وتجلياته وإشكالاته، ويدرس الثالث علم السياسة بين الأيديولوجي والمعرفي، ويقدم الرابع أطروحات نقدية للعلاقة بين الأيديولوجي والمعرفي في حقل العلوم السياسية، ويستشرف الخامس علم السياسة في مرحلة "ما بعد الأيديولوجيا." كلمات مفتاحية: علم السياسة، الأيديولوجيا، الإبستيمولوجيا. This study explores a major predicament afflicting political science, focusing on the impact of ideology on knowledge. The study examines the influence of the "teleological" or ideological dimension, whether associated with the emergence of political science as a field of knowledge in the late eighteenth century, or one which continued during the Cold War era, on the knowledge and methodological structure of political science. The study argues that there is a cognitive predicament facing political science because it has become a "teleological" science in which the relationship between power and knowledge is clearly manifest. Therefore, it seems clear that ideology has an impact on the cognitive and methodological structure of political science. The study is divided into five parts: the first discusses epistemological and conceptual problems, the second describes the controversy and manifestations of the concept of ideology, the third studies the movement of political science between the ideological and knowledge, the fourth presents critical theses on the relationship between the ideological and the cognitive in political science, and the fifth forecasts "post-ideology" political science. Keywords: Political Science, Ideology, Epistemology.
The Political Science Predicament: Between Ideology and Knowledge
مقدمة
بقي علم السياسة، باعتباره حقلً إبستيمولوجيًا، غير واضح المعالم حتى أواخر القرن التاسع عشر. في حين كانت حقوله المعرفية، مثل العلاقات الدولية والفلسفة السياسية، تُدرّس جزءًا من دراسات التاريخ. ولم تُدرّس السياسة بوصفها علمًا قائمًا بذاته، إلا بعدما أُنشئت أول كلية للعلوم السياسية في جامعة كولومبيا الأميركية في 1 1عام 880. ومنذ ذلك الوقت، انتشرت معاهد العلوم السياسية وكلياتها في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا. وارتبطت نشأة علم السياسة الحديث بالتطورات التي جرت في الولايات المتحدة منذ منتصف القرن التاسع عشر، وتحديدًا مع اشتداد الحرب الأهلية الأميركية، والحاجة إلى تأصيل الكثير من الظواهر المرتبطة بها وفهمها. وبعد ذلك، بدأ الفصل التدريجي بين علم السياسة وباقي الفروع المعرفية، مثل التاريخ والجغرافيا والسوسيولوجيا والاقتصاد ... إلخ2. جرى الإعلان الفعلي عن قيام علم السياسة مستقلً، عندما أُسّست الجمعية الأميركية للعلوم السياسية American Association for APSA - Science Political في عام 9031، وتولى فرانك غودنو Goodnow J. Frank رئاستها، وكانت بمنزلة أول ملتقى لباحثي العلوم السياسية ودارسيها، يتشاركون فيه اهتماماتهم ويتناقشون في كثير من المسائل التي كانت مطروحة وقتئذٍ على حقلهم المعرفي الجديد3. وطوال العقدين الأولَين من القرن الماضي، كان الهاجس الشاغل لباحثي العلوم السياسية ودارسيها، يتمثل في كيفية إحداث نقلة حيوية في طريقة دراسة الظواهر السياسية وتناولها، إلى درجة أن وصَف أحدُهم حالة علم السياسة بأنه "علم ميّت"4، وذلك بسبب هيمنة الاقترابات الوصفية الاستاتيكية على دراسة الظواهر السياسية. جاءت النقلة المهمّة للمجال المعرفي لعلم السياسة في عام 9211، عندما نشر تشارلز وليام William E. Charles مقالة بعنوان "الحالة الراهنة لعلم السياسة" Politics of State Present The في دورية العلوم السياسية الأميركية American Political Science Review، دعا فيها إلى استخدام الأساليب الكمية والإحصائية في علم السياسة من خلال وضع فرضيات قابلة للاختبار، كي ترتقي السياسة إلى مرتبة العلم، وما لبث أن وضع كتابه الشهير بشأن السياسة التطبيقية5. جاء أهم المساهمات في علم السياسة على أيدي كثير من الروّاد وعلماء السياسة الأميركيين، أمثال هارولد لازويل Lasswell Harold)1، وروبرت 978-1902(دال Robert Dahl 014-1915()2، وحنّة آرندت Arendt Hannah 975-1906()1، وكارل بولاني Polanyi Karl 964-1886()1، إلى درجة أن البعض يعتبر أن علم السياسة هو علم أميركي بامتياز6. وقد ظل علم السياسة يعاني معضلات وإشكاليات منهجية حتى منتصف القرن العشرين. ولم يكن غريبًا أن يشير عالم السياسة، ديفيد إيستون Easton David 014-1917()2، إلى أنه "حتى أواخر الستينيات كان علم السياسة يبحث عن هويته"7. وكان يقصد بذلك قدرة علم السياسة على رسم حدوده الإبستيمولوجية مع باقي الحقول المعرفية، فضلً عن إيجاد أدوات جديدة لبحث ودراسة الظواهر السياسية، مثل الاقتصاد السياسي والنظم السياسية المقارنة. وذلك إلى أن ظهرت المدرسة السلوكية في أواخر الستينيات، وأدّت دورًا محوريًا في تطوير أدوات البحث في علم السياسة ومناهجه. وظهرت اقترابات جديدة، مثل تحليل النظم Analysis Systems، ونظرية الاختيار العقلاني Theory Choice Rational، والنظرية السياسية الوضعية Theory Political Positive، ونظرية المباريات.Game Theory تكمن إشكالية هذه الدراسة في البعد "الغائي" أو الأيديولوجي الذي ارتبط بنشأة علم السياسة، باعتباره حقلً معرفيًا في أواخر القرن الثامن عشر، أو الذي استمر خلال مرحلة الحرب الباردة وأثّر في البنية المعرفية والمنهجية لهذا الحقل المعرفي. ومن هنا تجادل الدراسة بأن ثمة مأزقًا معرفيًا يواجه علم السياسة كونه أصبح علمًا "غائيًا"، تتجسّد فيه بوضوح العلاقة بين القوة والمعرفة. وأثّر هذا المأزق في البنية المعرفية والمنهجية لعلم السياسة نتيجةً لما يبدو تحيّزًا ما قبليًا كامنًا في جذور عملية إنتاج المعرفة في هذا
الحقل الدراسي. وبحسب ما يقول عالم السياسة كريستيان باي 990-1921()1، فإن "العمل البحثي الذي يدّعي الموضوعية والحياد هو في الواقع عمل غير محايد ضمنيًا"8.
أولا: إشكالات إبستيمولوجية ومفاهيمية
أول وهلة، يبدو اختبار الحال الراهنة لعلم السياسة، وعلاقة ذلك بالأنساق المعرفية والأيديولوجية، أمرًا معقدًا، ليس لما ينطوي عليه الأمر من تعقيدات إبستيمولوجية ومنهجية فحسب، وإنما أيضًا لأنه لا توجد كلمة نهائية بين الباحثين في ما يخص الطبيعة المتغيرة والنسبية للكثير من مفاهيم هذا الحقل المعرفي، وحالة السيولة التي تمرّ بها مناهجه البحثية. فعلم السياسة، على عكس غيره من العلوم الاجتماعية، لا يزال حقلً جديدًا من حقول المعرفة، ولم تصل بنيته المفاهيمية والمنهجية إلى حد الاكتمال والاستقرار، على نحو ما أوضحنا في مقدمة الدراسة. فعلى سبيل المثال، لا يزال هناك الكثير من الانقسامات بين الباحثين والأكاديميين وعلماء السياسة حول طبيعة هذا العلم، أتكون "علمية" أم "إنسانية"؟ وحول طبيعة مناهجه، أتكون كمية أم كيفية/ نوعية؟ ما حدا بعالم السياسة المعروف، غابرييل ألموند، إلى تأليف كتابه المعروف الحقل المنقسم: المدارس والفرق في A Discipline Divided: Schools and Sects in علم السياسة Political Science، مشيرًا فيه إلى حالة الانقسام والتشظي التي أصابت علم السياسة بسبب عدم وجود مرجعية إبستيمولوجية واحدة، إضافة إلى التغير المستمر للظاهرة السياسية9. قبل عدة سنوات، أصدرت دورية دراسات سياسية Political Studies المعروفة عددًا خاصًا يناقش الحالة الراهنة لعلم السياسة10. وملخّص البحوث التي نشرتها المجلة هو أن علم السياسة لا يزال يعيش في حالة سيولة وصيرورة لا تتوقف؛ ما يوجد الكثير من المشكلات للباحثين ودارسي السياسة في سبيل فهم الطبيعة الإبستيمولوجية لعلم السياسة. وهذا ما يقول عنه مارتن سميث "على الرغم من انضباط الحقول المعرفية لكثير من العلوم الاجتماعية، فإن حقول علم السياسة لا تزال محل جدل ونزاع بين الباحثين، سواء في المحتوى أم في المنهجية"11.
بالنسبة إلى البعض، تتمثل المشكلة الأساسية في مسألة تطوّر علم السياسة بكثرة الانشغال بالوصول إلى تفريعات وتصنيفات داخل حقل العلم ذاته، والتركيز على النظريات والمناهج البحثية أكثر من البحث عن حلول للمشكلات القائمة، أو كما يصوغها إيان شابيرو Shapiro Ian بقوله "إن علم السياسة يجب أن يسعى للإجابة عن الأسئلة، وإيجاد حلول للمشكلات وليس لإنتاج نظريات جديدة"12. في الوقت نفسه، أدّت الأيديولوجيا الليبرالية (بشقيها السياسي والاقتصادي المرتبطين بالرأسمالية) دورًا مهمًا في تشكيل البنية الإبستيمولوجية والمنهجية لعلم السياسة. وفي وقت يرى بعض الباحثين والدارسين أن الأيديولوجيا الليبرالية كانت بمنزلة "الحاضنة" التي نما في أحشائها علم السياسة قبل أن يتبلور ويصل إلى حالته الإبستيمولوجية الراهنة، وذلك عطفًا على ما حملته الأيديولوجيا من آراء وأفكار وأطروحات كثير من الفلاسفة والمفكرين طوال القرون الثلاثة الماضية، يراها آخرون بمنزلة إحدى نقاط الضعف التي تعوّق انطلاق علم السياسة واستواءه باعتباره علمًا ناضجًا قائمًا بذاته. ويمكن هنا أن نقتبس ما قاله أحدهم: "الأيديولوجيا هي من أكثر المفاهيم في العلوم الاجتماعية تعقيدًا ومراوغة"13. أما في ما يخص المعرفي، فلم تصل العلوم الاجتماعية إلى كلمة فصل في تحديد ماهية المعرفي وكنهه. ولا تزال نظرية المعرفة
تسعى في اتجاه إثبات قدرتها على الجدارة اليقينية المتجسّدة في الوصول إلى الدرجات العليا للحقيقة المطلقة. وبدءًا من ديفيد هيوم Hume David 776-1711()1، ومرورًا بإيمانويل كانط 804-1724(Immanuel Kant، وانتهاء ببرتراند راسل Bertrand 1) 970-1827(Russell، ويورغن هابرماس Jürgen Habermas 1) -1929()، لا تزال المعرفة باعتبارها حقلً إبستيمولوجيا، تبحث عن نفسها، كما لا تزال تواجه الأسئلة العويصة نفسها التي واجهتها طوال القرن الماضي، مثل: ما المعرفة؟ وكيف تُقاس؟ وما أنواعها؟ وما أهدافها؟ وما وظيفتها؟ وما علاقة المعرفة بالعلم؟... إلخ. يبدو واضحًا أن ثمة تأثيرًا واضحًا للأيديولوجيا في البنية المعرفية والمنهجية لعلم السياسة، سواء كان ذلك نتيجة للغائية التي تطبع هذا الحقل المعرفي، والتي تتجلّى في كثير من مناهجه، أم في الانعكاسات السياسية للصراع الأيديولوجي خلال مرحلة الحرب الباردة التي أثّرت أيضًا في بنية البحث في مجال العلوم السياسية لما يقرب من نصف قرن. ولا يمكن إنكار دور هذين العاملين في رسم عملية التطور التاريخي للعلوم السياسية، كما كان لهما دور مهم في تشكيل المحتوى الإبستيمولوجي لكثير من فروعه.
ثانيًا: الأيديولوجيا... جدل المفهوم وتجلياته وإشكالاته
لعل أول ما تثيره كلمة "أيديولوجيا" في الذهن هو التفكير والأداء بطريقة محددة، انطلاقًا من رؤية موضوعة سلفًا، أو بحسب ما يقول أندرو هيوود، هي "وعاء ورداء"، أي وعاء فكري وقيمي، ورداء سياسي وبراغماتي14. وثمة اتفاق بين الباحثين حول الأصول التاريخية والاستخدامات الأولى لكلمة "أيديولوجيا"، التي يرى البعض أنها قد تعود إلى العصر اليوناني مع ظهور حركة الفلسفة على أيادي سقراط وأفلاطون وأرسطو15، وإن كان آخرون يرون أن الاستخدام السياسي للكلمة بدأ مع قيام الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر، على نحو ما سيرد لاحقًا. أقول، على الرغم من هذا الاختلاف، فإن ثمة اتفاقًا عامًا بين كثير من الباحثين بشأن العناصر الأساسية لمفهوم الأيديولوجيا التي حصرها مالكوم هاميلتون في نحو ثلاثين عنصرًا، نستخلص منها ما يلي16: تُعبّر عن سلسلة من القيم والعقائد والاتجاهات. تشير إلى الافتراضات المعرفية الكامنة خلف البنية العقلية التي تشكل الجهاز المفاهيمي لدى الفرد والجماعة. خليط من المدركات التخيلية والواقعية. تنشد شرح مواقف سياسية وفلسفية بعينها وتفسّرها. تهتم بتحديد موقع الفرد والمجتمع في الإطار العالمي. تؤسس نفسها على مجموعة من الفروض Assumptions والنظريات.Theories تسهّل عملية اتخاذ القرار والاختيار بين بدائل مختلفة. تعكس الرغبة في تحقيق مصالح بعينها. تسعى لإنجاز نوع من التغيير المجتمعي، وغالبًا بطريقة راديكالية وفجائية وثورية. سلاح جيد في الكفاح الطبقي. انطلاقًا من هذه العناصر، حاول هاميلتون أن يضع تعريفًا شاملً للأيديولوجيا باعتبارها "مجموعة من الأفكار المعيارية والواقعية التي تسعى لإيجاد نمط معيّن من التفاعلات الاجتماعية، أو تهدف لتبرير سلوك معيّن"17. وهو تعريف يكاد يتشابه مع كثير من التعريفات الأخرى التي تسعى للوقوف على الدلالات المفاهيمية لمصطلح "الأيديولوجيا." ومنذ نشأتها أثارت الأيديولوجيا، ولا تزال، تساؤلات عدة بشأن طبيعتها العقائدية والإبستيمولوجية، إضافة إلى نطاقها الجغرافي وصلاحيتها الزمنية، وما إذا كانت الأيديولوجيا قابلة للتحديث، وهل ثمة فترة صلاحية للأيديولوجيا يمكن بعدها القول بنهايتها واندثارها؟ لعل الدافع الأساسي وراء طرح هذه الأسئلة، ومحاولة البحث عن إجابة لها، ليس إيجاد تفسيرات نظرية لسقوط بعض الأيديولوجيات فكريًا وسياسيًا، مثل النازية والفاشية والماركسية والشيوعية...إلخ فحسب، وإنما في الأساس البحث عن مخرج إبستيمولوجي يمكنه سدّ الثغرة التي قد يُحدِثها جمود الأيديولوجيا وضمورها في بنية علم السياسة. فإذا تخيّلنا أن علم السياسة عبارة عن مبنى متعدد الطبقات (نظرية سياسية، فلسفة سياسية، نظم سياسية، أيديولوجيا، علاقات دولية...إلخ)، فماذا ستكون عليه حال هذا المبنى (علم السياسة) إذا ما ثبت عدم قدرة إحدى هذه الطبقات على الصمود في وجه التغيرات التي أصابت بنيتها الإبستيمولوجية وأسسها المعرفية؟ اختلفت الاقترابات والمداخل التي تحاول الإجابة عن هذه التساؤلات، فهناك من حاول الإشارة إلى أن الأيديولوجيا، عطفًا على بنيتها الاصطلاحية التي تتكوّن من شقين: إيدو Eidosولوج، Logos أي
ما يعني وفقًا للترجمة اليونانية "علم الأفكار" Ideas of Science، تعيش في حالة ديمومة وتغيّر انطلاقًا من طبيعتها الحركية، فهي استجابة للواقع وانعكاس لحاجة المجتمع إلى التفكير والسير بطريقة معيّنة18. وهو ما يعني، نظريًا، قابليتها للحياة مطلقًا. في حين، حاول آخرون البحث عن تقسيمات إبستيمولوجية لمسألة الأيديولوجيا من أجل إنقاذ علم السياسة من مغبّة الوقوع في دائرة الجمود والتحجّر المعرفي، فأشار ألموند إلى وجود نوعين من الأيديولوجيا، أحدهما ناعم وآخر جامد19. في حين انتعشت تيارات فكرية وسياسية كثيرة خلال حقبة الثلاثينيات والأربعينيات، قامت جميعًا على توجيه انتقادات حادّة إلى الأيديولوجيات بأنواعها المختلفة، ليس بهدف هدمها وإنهائها، إنما بهدف إعادة بنائها مجددًا وفق مقتضيات الواقع؛ كما فعلت مدرسة فرانكفورت ومنظروها، أمثال هابرماس وثيودور أدورنو Adorno Theodor 969-1903()1، وهربرت ماركيوز Marcuse Herbert 979-1898()1، الذين وجهوا انتقادات حادّة إلى الرأسمالية الغربية المتمركزة حول ذاتها، كما انتقدوا الماركسية الكلاسيكية "الجامدة" على الرغم من إيمانهم بمنطلقاتها الفكرية20. كانت إحدى نتائج الشك في قدرة الأيديولوجيا، باعتبارها قالبًا فكريًا وعقائديًا، على الصمود في وجه التغيرات الفكرية والاجتماعية التي كانت قد بدأت تأخذ مكانها طوال النصف الأول من القرن العشرين، تتمثّل في ظهور الكثير من النظريات والمدارس الفكرية التي تحاول إنقاذ الأيديولوجيا من عثراتها الإبستيمولوجية. فظهرت نظريات "المابعديات"، مثل ما بعد الحداثة Postmodernity وما بعد البنيوية التي جسّدتها Poststructuralism كتابات الفرنسي ميشيل فوكو. على الرغم من النقد الحاد الذي وُجّه إلى الأيديولوجيات الكلاسيكية، مثل الليبرالية النقدية والماركسية المادية، والذي تُرجم فعليًا في ظهور الكثير من النظريات السوسيولوجية الجديدة، مثل نظريات ما بعد الحداثة والليبرالية الاجتماعية، فإن الأيديولوجيا باعتبارها مكوّنًا أساسيًا في علم السياسة بقيت موجودة ولو على استحياء. بل أكثر من ذلك، هناك من حاول إلصاق صفة "العلم" بالأيديولوجيا، فتحدّث عن "أيديولوجيا علمية" Ideology Scientific على نحو ما فعل المفكر الفرنسي جورج كانغيولهم 995-1904()1 في كتابه الأيديولوجيا والرشادة في تاريخ العلوم الحياتية، حيث أشار إلى أهم سمات هذه الأيديولوجيا العلمية، باعتبارها، أولً، تُعبّر عن نسق من الأفكار التي هي في طريقها كي تُصبح أحكامًا قطعية. وثانيًا، أنها لا تأتي من فراغ، إنما من مقدّمات منطقية. وثالثًا، أنها لا تشتبك مع غيرها من الحقول المعرفية الخاطئة، إنما تستمد قوتها من العلم المؤسس على مبادئ راسخة21.
ثًالث ا: علم السياسة بين الأيديولوجي والمعرفي
إلى أيّ حدّ يمكن أن تعوّق الأيديولوجيا ارتقاء علم السياسة ونهوضه باعتباره حقلً معرفيًا؟ وما حدود العلاقة بين المعرفة والأيديولوجيا وعلم السياسة وشكلها؟ وكيف يمكن التخلّص من التأثير السلبي للأيديولوجيا في علم السياسة مع إبقائها ضمن حقوله المعرفية الفرعية؟ كانت هذه الأسئلة وغيرها، ولا تزال، مثار جدلٍ وخلافٍ بين الأكاديميين والباحثين في بحث العلاقة بين المعرفة والأيديولوجيا وعلم السياسة. وهي أسئلة طرحت نفسها على طاولة البحث منذ أوائل القرن العشرين، بعدما تشابكت الحقول المعرفية وتعدّدت النظريات والاقترابات التفسيرية، ما أدّى إجمالً إلى ظهور حقل معرفي جديد، أُطلق عليه اسم "سوسيولوجيا المعرفة" Knowledge of Sociology، يهتم بدراسة نشوء المعرفة في وعائها الاجتماعي والثقافي وتحقيقها وتفسيرها. ويُعدّ المفكر الألماني (من أصول مجرية) كارل مانهايم 947-1893()1 أول من استخدم مصطلح "سوسيولوجيا المعرفة" في كتابه الذي حمل الاسم نفسه Sociology of Knowledge، والذي نشره في عام 925.1 وكان عمل مانهايم بمنزلة إنقاذ لكل ما يُشاع بشأن التأثيرات السلبية للأيديولوجيا في تطور نظرية المعرفة، وذلك باعتبارها تُعوّض فكرة "النسبية" Relativism الموجودة في العلوم الطبيعية. فالأيديولوجيا، بحسب مانهايم هي بمنزلة "الرابط" Link بين الأفكار ومحيطها الاجتماعي، وهي البديل من 22الإغراق في "التحليل اليوتوبي" Analysis.Utopian
يصدمك مانهايم حين يطرح عليك هذا السؤال: لماذا لا يوجد علم للسياسة؟، ويقوم مضمون سؤاله على افتراض أن إضفاء صفة العلم على أي حقل إبستيمولوجي يتطلّب استقرار أساسيات هذا العلم وأطره العامة، وانتهاء صفة الديمومة والتشكّل عنها بما قد يُمكّنها من الوصول إلى صيغة تجريدية تُمكّنها من الوقوف وحدها كنظرية عامة، بينما علم السياسة هو أقرب إلى "علم ما يحدث حاليًا، وليس ما حدث في الماضي واستقر"، هكذا يقول مانهايم23. هنا يمكن أن تؤدي الأيديولوجيا دورًا مهمًا، بحسب مانهايم، في التفرقة بين ما هو يوتوبي Utopian، أي ما لم يحدث بعد، وما هو واقعي وموجود، باعتبار أن الأيديولوجيا هي ترجمة لأفكار وتجارب أشخاص ومجتمعات وقعت بالفعل وتحمل قدرًا من التفسير البراغماتي للواقع، مثل الأيديولوجيتين الماركسية والليبرالية. في المقابل، يرى آخرون أن الأيديولوجيا تمثل إحدى نقاط الضعف في حقل علم السياسة؛ انطلاقًا من أنها "مجموعة من الافتراضات" Assumptions of System A قد لا تقوم على نوع من الرشادة العقلية أو الواقعية الفكرية، أو بحسب ما يصوغها بيخو باريخ Parekh Bhikhu -1935() بقوله "إن المشكلة الجوهرية في الأيديولوجيا أنها تفترض رشادة العقل البشري وعقلانيته، وهو ما يدحض أساس وجودها باعتبارها تستهدف تحقيق هذه الرشادة"24. وحقيقة الأمر، لا يمكن النظر في طبيعة العلاقة بين علم السياسة والأيديولوجيا في ما يخص الاقتراب من المعرفة، أو الابتعاد عنها، باعتبارها الغاية والمراد، من دون الإشارة إلى ارتباطهما العضوي بمنظومة العلوم الاجتماعية، بكل ما تحمله من إيجابيات وسلبيات. وإذا كانت الديمومة والحيوية هي إحدى السمات الراسخة للعلوم الاجتماعية، فسيصبح من المنطقي القول: لا توجد علاقة استاتيكية بين هذه الموضوعات الثلاثة (علم السياسة، والأيديولوجيا، والمعرفة)، أو أن هناك شكلً واحدًا للعلاقة بينها. ونحسب أن العلاقة بين علم السياسة والأيديولوجيا إنما تتوقف على طبيعة المحتوى الإبستيمولوجي لكل منهما، ومناط الاستخدام المعرفي لكليهما. كما تتوقف أيضًا على خلفية الناظر إليها ومبتغاه من رصد كل ديناميات العلاقة بينها وتحليلها. ولعل أسهل الطرائق لمعرفة طبيعة هذه العلاقة واستكشاف تفاعلاتها، هو النظر إليها من خلال نماذج العلاقات التفاعلية. وهنا يمكن الإشارة إلى أربعة نماذج لهذه العلاقة: التراتبية، والتبادلية، والهيمنة، والصراع.
1. النموذج الأول: نموذج العلاقة الهيراركية
في هذا النموذج، تبدو العلاقة بين علم السياسة والأيديولوجيا والمعرفة أشبه بعلاقة تراتبية وذلك باعتبار أن المعرفة هي الحقل أو الدائرة الأوسع التي تحوي الموضوعين الآخرين (علم السياسة، والأيديولوجيا)، وهذا ما يوضحه الشكل.)1(
اﳌﻌﺮﻓﺔ
ﻋﻠﻢ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ
اﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺎ
يشير الشكل)1(إلى أن العلاقة بين المفاهيم الثلاثة (المعرفة والأيديولوجيا وعلم السياسة) هي علاقة هيراركية، تنطلق من الأضيق إلى الأوسع، أو من الفرع إلى الأصل؛ إذ تبقى الأيديولوجيا فرعًا من فروع علم السياسة الذي هو بدوره أحد فروع العلوم الاجتماعية التي هي جزء من المعرفة بوجه عام. وهيراركية العلاقة هنا لا تعني أنها علاقة استاتيكية أو علاقة شمولية من الأضيق إلى الأوسع، بقدر ما تعني طبيعة المساهمة في الحقل الإبستيمولوجي. فالمتغير الوسيط في هذه العلاقة هو علم السياسة باعتباره حلقة الوصل بين الأيديولوجيا بصفتها فرعًا معرفيا والمعرفة بصفتها حقلً شاملً لباقي الفروع والعلوم الإنسانية.
2. النموذج الثاني: نموذج العلاقة التبادلية
تأخذ العلاقة في هذا النموذج صيغة تبادلية وتفاعل Interdependent Relationship التفاعل تعكس وهي والتشابك الإبستيمولوجي بين المكوّنات الثلاثة، فالأيديولوجيا لا تمثل أحد فروع علم السياسة فحسب، وذلك على نحو ما أوضحنا آنفًا، إنما تمتد أحيانًا كي تشتبك مع باقي العلوم الاجتماعية، مثل السوسيولوجي وعلم اجتماع المعرفة، وتصب في النهاية في حقل تكوين المعرفة، وذلك على نحو ما يوضحه الشكل.)2(
اﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﻋﻠﻢ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ
اﳌﻌﺮﻓﺔ
لعل السؤال المهم هنا هو حدود التداخل والتشابك وضوابطهما، فالمتغير الوسيط في هذه العلاقة هو العلوم الاجتماعية التي تجُبّ كلًّ من الأيديولوجيا وعلم السياسة وتضعهما معًا ضمن دائرة المعرفة. على أن هذا لا يعني بحال أن الأيديولوجيا هي علم قائم بذاته، يوازن في حجمه وثقله المعرفي علم السياسة، إنما هي بمنزلة فرع متعدد الجذور، يتلامس مع باقي جذور "شجرة" العلوم الاجتماعية، مثل التاريخ والسوسيولوجي.
3. النموذج الثالث: علاقة الهيمنة
تأخذ العلاقة في هذا النموذج صيغة الهيمنة Hegemonic Relationship من جانب الأيديولوجيا (متغير مستقل) على السياسة والمعرفة. ويتعلق منبع الهيمنة (والطغيان علم) بالطبيعة الشمولية للأيديولوجيا وقدرتها على طمس الجوانب الإبستيمولوجية نتيجة انحيازاتها المعرفية المسبقة. وهنا تفكّك الأيديولوجيا العلاقة بين علم السياسة والمعرفة نتيجة لتغييب النزعة التجريدية عن علم السياسة، ومن ثمّ صعوبة إدخاله تحت المنظومة المعرفية بأي حال. فأحد شروط إضفاء الصفة الإبستيمولوجية لأي علم هو التجريدية والحياد المعرفي، وهذا ما يوضحه الشكل.)3(
اﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺎ
ﻋﻠﻢ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ اﳌﻌﺮﻓﺔ
4. النموذج الرابع: علاقة الصراع
تأخذ العلاقة في هذا النموذج شكل الصراع والكفاح Struggle Relationship بين الأيديولوجيا وعلم السياسة أجل إثبات جدارتهما الإبستيمولوجية والمعرفية من. ويعكس هذا الصراع نوعًا آخر من الصراع الاجتماعي بين التيارين التحديثي والتقليدي، كما يمثل مرآة كاشفة لاقتراب المجتمعات، أو ابتعادها، من منظومة الحداثة وقيم التنوير. وهذا ما يوضحه الشكل.)4(
اﳌﻌﺮﻓﺔ
اﻷﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﻋﻠﻢ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ
المصدر: من إعداد الباحث.
في هذا النموذج تبدو المعرفة كما لو كانت غاية مطلوبة لذاتها، وهي بمنزلة محفّز للصراع بين الأيديولوجيا وعلم السياسة من أجل الوصول إلى هذه الغاية. وتتوقف قدرة كل منهما في الوصول إلى هذه الغاية على مدى الاقتراب من الحقيقة، أو الابتعاد عنها، باعتبارها الهدف الأمثل للمعرفة. يمكن استكشاف تطور العلاقة الجدلية بين الأيديولوجيا وعلم السياسة خلال القرن العشرين من خلال عدد من المراحل، كما يلي:. أ حتى بدايات القرن العشرين، كانت هناك حالة من الطغيان والهيمنة للأيديولوجيا على حساب علم السياسة؛ نتيجة حالة الفوران الفكري والأيديولوجي التي ميزت التيارات الفكرية والسياسية طوال القرن التاسع عشر، والتي انتهت بترسيخ الليبرالية الكلاسيكية والماركسية المادية باعتبارهما قطبي صراع ونزاع ترك آثاره في مناحي العلوم الاجتماعية كافة، ومن ثمّ نصيبها من الحقل المعرفي. وفي تلك المرحلة كانت الأيديولوجيا عصيّة على الترويض والدخول ضمن الحقل المعرفي لعلم السياسة.. ب منذ أوائل الثلاثينيات وحتى نهاية السبعينيات، بدأت عملية التفكيك الإبستيمولوجي بين الأيديولوجيا وعلم السياسة، التي صبّت في النهاية لمصلحة هذا الأخير. وبدأت مراجعات تاريخية لكثير من الأيديولوجيات، وطُرحت أسئلة كثيرة بشأن جدوى الأيديولوجيا باعتبارها فرعًا معرفيًا. ووصل الأمر إلى حد التشكيك في قدرتها على الصمود، في ظل المتغيرات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، واشتعال الجدل الفكري بين المدارس الفكرية والمذاهب السياسية كلها. ووصل الأمر إلى التشكيك في قدرة الأيديولوجيا على الصمود طوال نصف قرن مقبل.. ج منذ بداية الثمانينيات، ازداد الجدل الإبستيمولوجي بشأن مسألة الأيديولوجيا، وهناك من طالب بعدم دراستها باعتبارها وحدةً من وحدات علم السياسة. لذا، انتشرت أطروحات عدة حول "زوال الأيديولوجيا" و"أزمة الأيديولوجيا." وكان السبب في هذه النزعة التشاؤمية هو اعتقاد كثيرين بعدم قدرة الأيديولوجيا على تقديم تفسيرات إبستيمولوجية وموضوعية للكثير من الظواهر السياسية الناشئة، فضلً عن فشلها في التنبؤ بمسار الكثير من النظم والتجارب السياسية25.. د كان عقد التسعينيات بمنزلة نقطة تحوّل في علاقة الأيديولوجيا بعلم السياسة لمصلحة هذا الأخير؛ حيث كان سقوط الاتحاد السوفياتي السابق وخفوت الأيديولوجيات الماركسية والاشتراكية والشيوعية بمنزلة حجة قوية لأنصار التيار المناهض للأيديولوجيا الذي كان ينمو باطّراد طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات. لذا لم يكن غريبًا أن يضع فرانسيس فوكوياما أطروحته الشهيرة حول "نهاية التاريخ"، وأن تنتشر أطروحات النهايات بمختلف أنواعها (مثل "نهاية التاريخ"، و"نهاية السياسة"، و"نهاية نهاية الأيديولوجيا"...إلخ.) وانعكس ذلك على تحرير علم السياسة من العبء الأيديولوجي الذي أعاق تطوّره ونموّه الإبستيمولوجي.
رابعًا: أطروحات نقدية للعلاقة بين الأيديولوجي والمعرفي في حقل العلوم السياسية
من المفارقات أن ظهور الأيديولوجيا، على عكس غيرها من باقي فروع علم السياسة، كان سابقًا على ظهور العلم نفسه في هيئته الإبستيمولوجية، وهو ما ترك أثره في طبيعة العلاقة بين الأيديولوجيا وعلم السياسة؛ إذ كان أول ظهور للأيديولوجيا، بالمعنى الاصطلاحي،
إبان الثورة الفرنسية على يدَي الفيلسوف الفرنسي ديستوت دي تراسي Tracy De Destutt 836-1754()1 الذي وضع كتابه الشهير حول مكوّنات الأيديولوجيا Eléments d'idéologie الذي نُشر في عام 8001، وما لبث هذا المصطلح أن نُشر لاحقًا على أيدي فلاسفة الثورة الفرنسية ومفكريها26. في حين أن ظهور علم السياسة، بشكله الإبستيمولوجي المنهجي، كان في أواخر القرن التاسع عشر. بدأ التساؤل المنهجي بشأن علاقة الأيديولوجيا بعلم السياسة، وخصوصًا في ما يتعلق بالتأثير السلبي للأيديولوجيا في الكثير من الحقول الفرعية لهذا العلم، مثل النظرية السياسية والفلسفة السياسية والأدوات المنهجية، منذ ستينيات القرن الماضي، واستمر حتى أوائل التسعينيات من القرن ذاته. وهذا ما يمكن تقصيه من خلال أطروحتين مهمّتين كانتا بمنزلة علامة فارقة في العلاقة بين الأيديولوجيا وعلم السياسة، تتمثّل الأولى في الكتاب الشهير نهاية الأيديولوجيا The End of Ideology للكاتب والسوسيولوجي الأميركي المعروف دانييل بيل Bell Daniel 011-1919()2، الذي نُشر في عام 9601، وأثار الكثير من ردات الأفعال داخل الأوساط الأكاديمية والبحثية. والثانية أطروحة ريتشارد أشكرافت Richard بشأن "النظرية السياسية ومعضلة Ashcraftالأيديولوجيا" Political Theory and the Problem of Ideology التي نشرها في عام 9801، وأثارت، ولا تزال تثير، الكثير من الآراء والمناقشات داخل الدوائر الأكاديمية والبحثية. وهذا ما يمكن عرضه كما يلي:
1. دانييل بيل وأطروحة "نهاية الأيديولوجيا"
عندما طرح دانييل بيل فكرته عن نهاية الأيديولوجيا لم يكن يقصد بذلك نهاية المصطلح في حد ذاته وفقدانه صلاحيته الإبستيمولوجية، وإلا يكون قد حكم بنهاية الأفكار باعتبارها العصب الرئيس لمفهوم الأيديولوجيا، إنما كان يعني في الأساس انقضاء الأثر السياسي والقيمي للأيديولوجيات الكلاسيكية التي سادت خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مثل الليبرالية والماركسية والاشتراكية والفاشية والقومية...إلخ. وهذا ما أوضحه بيل بعد نحو سبعة وعشرين عامًا على تأليف كتابه في محاضرة ألقاها في التاسع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر 9871 في كلية لندن للاقتصاد، بعدما واجه انتقادات عدة، ليس من أولئك المؤمنين بتلك الأيديولوجيات فحسب، إنما أيضًا من الأكاديميين وعلماء السياسة، بسبب ما اعتبروه مبالغةً في التبشير بنهاية الأيديولوجيا. وحاول بيل تصحيح فهم هؤلاء لمقولته خلال محاضرته تلك، بالقول إن أفول الأيديولوجيات الكلاسيكية "الكبرى"، صاحَبَه ظهور أيديولوجيات أخرى، أطلق عليها "أيديولوجيات ما بعد عصر الأيديولوجيا" بالمفهوم الإجرائي المحض، مثل أيديولوجيا التصنيع والأيديولوجيا التحديثية والأيديولوجيات العابرة للإثنيات، مثل القومية العربية والقومية الأفرو - أميركية27. بكلمات أخرى، كان مقصد بيل من حديثه عن نهاية الأيديولوجيا ينصرف إلى مضمون المفهوم ومحتواه، وليس المفهوم في حد ذاته. كما لو أنه فرّق بين الأيديولوجيا من حيث هي طريقة معينة في التفكير (قالب) ومن حيث هي مضمون سياسي وفكري. لا يمكن فهم، وربما قبول، أطروحة بيل عن نهاية الأيديولوجيا، إلا في إطار فهم السياق السياسي والفكري الذي طُرحت فيه؛ إذ كانت أطروحة نهاية الأيديولوجيا جزءًا من سياق عام وُجد في أوروبا الغربية وأميركا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وظهور ما سمّاه بيل حرب الأفكار التي كانت انعكاسًا لضراوة الصراع الأيديولوجي بين الغرب والاتحاد السوفياتي (الستالينية في تلك الفترة.) وهو لا ينفصل أيضًا عن الجدل الفكري الهائل الذي دار بين المدارس والمذاهب الفكرية الغربية ذاتها في أوائل النصف الثاني من القرن العشرين. بل داخل التيارات الأيديولوجية الأوروبية كما هي الحال مع مدرسة فرانكفورت وظهور النزعة التمردية في الفكر الفلسفي المعاصر على نحو ما جسّدته أفكار وأطروحات ما بعد الحداثة والوجودية والنسويّة...إلخ. وهذا ما برز بوضوح في كتابات جان بول سارتر وموريس ميرلو بونتي (في فرنسا)، وبيرتولت برشت وإيرنست بلوش (في ألمانيا)، وأطروحات ريموند أرون وجورج أوريل وأفكارهما أيضًا. اعترف بيل، في شجاعة نادرة، بأن فكرة نهاية الأيديولوجيا ليست من اختراعه، إنما هي تطوير لفكرة كان قد طرحها من قبله الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو Camus Albert 960-1913()1 في عام 9461، حين انتقد الحزب الاشتراكي الفرنسي بسبب اعتناقه الماركسية التي وصفها كامو، وغيرها من الأيديولوجيات، باعتبارها مجرد تضليل وخداع28. هذا أيضًا ما أشار إليه السوسيولوجي الفرنسي ريموند أرون Aron Raymond 983-1905()1 في كتابه المعروف أفيون المثقفين الذي حوى فص بمعنى نهاية عصر
منتقدًا فيه، الأيديولوجيا The End of the Ideological Age? الدور السلبي لبعض مثقفي الكتلة الشرقية الذين برّروا سياسة التصفية والإرهاب التي ارتكبها ستالين، ومن بعده خروشوف، ضد الشعب السوفياتي وشعوب أوروبا الشرقية التي قاومت الانضواء تحت اللواء الشيوعي، كما كانت الحال في المحاكمات والإعدامات التي جرت لبعض مثقفي بولندا والمجر في أوائل خمسينيات القرن الماضي29. لخّص دانييل بيل أهم الانتقادات التي وُجهّت إلى أطروحته نهاية الأيديولوجيا في خمس نقاط أساسية؛ أولً، أن الكتاب يدافع عن بقاء الوضع الراهن؛ ثانيًا، يسعى لاستبدال التكنوقراط بخبراء في الجدل السياسي؛ ثالثًا، يُستخدم أداةً في الحرب الباردة؛ رابعًا، يسعى لاستبدال الإجماع والتوافق الوطني بالخطاب الأخلاقي للدولة؛ وأخيرًا، إن الأطروحة الرئيسة في الكتاب بشأن نهاية الأيديولوجيا سقطت بفعل الأحداث التي شهدها عقدا الستينيات والسبعينيات وانبعاث الأيديولوجيات والحركات الراديكالية في أوروبا والعالم الثالث. لكن ظهرت انتقادات أخرى لهذه الأطروحة، منها مثلً ما قدّمه هاورد بريك في دراسة له نشرتها موسوعة أوكسفورد للأيديولوجيات السياسية، راجع فيها أطروحتي بيل وفوكوياما وغيرهما30. بغض النظر عما إذا كانت أطروحة دانييل بيل عن نهاية الأيديولوجيا جزءًا من الحرب الباردة "الثقافية" بين الكتلتين الشرقية والغربية، فإنها كانت نقطة تحوّل في النظر إلى الأيديولوجيا من زاوية علم السياسة ومدى تأثيرها في تطوّر العلم في حد ذاته؛ وهو ما فتح الباب أمام انتقادات عدة أخرى وُجّهت إلى الأيديولوجيا وعلاقتها بالحقول الفرعية لعلم السياسة، مثل النظرية السياسية والفلسفة السياسية والمنهجية العلمية، على نحو ما سيرد لاحقًا.
2. أطروحات ريتشارد أشكرافت
يعتبر ريتشارد أشكرافت من أكثر الأكاديميين الأميركيين نقدًا للأيديولوجيا وعلاقتها بعلم السياسة وحقوله المعرفية، مثل النظرية السياسية، والفلسفة السياسية. وأثارت كتاباته في هذا المجال كثيرًا من الجدل بين الأكاديميين وعلماء السياسة في الولايات المتحدة وخارجها. وهو ما يمكن استكشافه بالنظر في ردات الأفعال التي أثارتها مقالتاه عن الأيديولوجيا والنظرية السياسية، والأيديولوجيا والمنهجية في دراسة علم السياسة.
. أ الأيديولوجيا والنظرية السياسية
يرى أشكرافت أنه لا توجد نظريات تجريدية عامة في علم السياسة؛ لسبب بسيط هو أن ما يوصف بأنه نظريات سياسية ليس سوى تجارب فكرية وسياسية لأناس جرى تضخيم أفكارهم وأعمالهم، وتم توارثها باعتبارها نظريات، وذلك تحت وطأة ما يُسمّيه "هيمنة الاقتراب الفلسفي." لذا، يرى أشكرافت أن طريقة تدريس مقررات علم السياسة يشوبها خطأ جسيم؛ بسبب إصرار علماء السياسة ودارسيها على اعتبار النظرية السياسية (وربما الفلسفة السياسية) بمنزلة حقائق خالدة لا يأتي الباطل من بين يديها، ولا من خلفها. فالنظريات السياسية، بحسب أشكرافت، هي تعبير عن أيديولوجيا "تاريخية" تتعلق بأفكار شخص معين خلال حقبة زمنية محددة31. وبكلمات أخرى يقوم أشكرافت بعملية تفكيك للعلاقة الإبستيمولوجية بين الأيديولوجيا والنظرية السياسية، مشيرًا إلى خطورة الخلط بينهما، ومحذّرًا من مغبّة التعامل مع النظرية السياسية باعتبارها منزّهةً عن "الهوى" الأيديولوجي. لعل مكمن الخطورة في ما يطرحه أشكرافت أنه يبدو لوهلة كما لو كان ينزع الصفة التجريدية عن النظريات السياسية المختلفة، ومن خلفها الفلسفة السياسية؛ ما يعني تلقائيًا إمكان هدم الكثير من الأسس والمفاهيم والاقترابات التي تم تشييدها إبستيمولوجيا في حقل علم السياسة طوال القرنين الماضيين، أو هكذا يبدو الأمر. بيد أن التأمل في أطروحة أشكرافت بشأن الأيديولوجيا والنظرية السياسية يكشف أنه كان يسعى لإيجاد مسافة واضحة بين النظرية السياسية وما قد يُعتبر حقائق ثابتة ومسلّمًا بها في علم السياسة. ومنبع القلق في أطروحة أشكرافت هو الدور الذي تقوم به الأيديولوجيا في الحد من تجريدية النظريات السياسية؛ وذلك لارتباطها المباشر بأصحاب النظريات نفسها وتأثرها بتجاربهم الذاتية. فالأيديولوجيا بالنسبة إلى أشكرافت هي "ظاهرة غير عقلانية"32. وهو ما ينطبق، بحسب أشكرافت، على أفكار وأعمال أفلاطون وأرسطو اللذين كانا يستهدفان طبقة معيّنة
في أثينا. كما وضع جون ستيوارت ميل Mill Stewart John 873-1806()1 كتابه الشهير في الحرية On Liberty من أجل البحث عن علاقة بين المثقفين والطبقة العاملة، على حد قول أشكرافت33. يبدو الحلّ بالنسبة إلى أشكرافت في ما يخص حلحلة العلاقة بين الأيديولوجيا والنظرية السياسية هو أن يتم اللجوء إلى الاقتراب التاريخي لفهم تطوّر أفكار الفلاسفة والمنظّرين ونظرياتهم، حيث يتم فصل ما هو أيديولوجي (أي ما هو أقرب إلى ذات المفكر أو الفيلسوف) عمّا هو واقعي (أي ما هو أقرب إلى حركة المجتمع وظروفه.) وهو هنا يحاول الاقتراب مما طرحه ليو ستراوس Leo Strauss في مجلده عن الفلسفة السياسية بضرورة الفصل بين الأيديولوجيا والفلسفة السياسية وعدم استخدام هذه الأخيرة أداة في الصراعات السياسية34. أثارت رؤية أشكرافت بشأن الأيديولوجيا وعلاقتها بالنظرية السياسية ردات فعل واسعة، بعضها يتّهمه بالغموض، وبعضها الآخر يتهمه بالقصور وعدم القدرة على وضع بدائل عملية لما اعتبره مشكلة النظرية السياسية. وردّ عليه عالم النظرية السياسية الأميركي المعروف دانتي غريمينو في مقالة نُشرت في العدد نفسه من Journal of Politics، بالقول إن أشكرافت وقع في الخطأ نفسه الذي كان ينتقده لدى الآخرين، وذلك حين حاول جعل أطروحته بمنزلة نظرية جديدة لفهم العلاقة الدينامية بين الفلسفة والتاريخ والأيديولوجيا وعلم السياسة، في حين لم يُقدّم طريقة يمكن من خلالها تطبيق أفكاره عمليًا35. بقدر ما كانت آراء أشكرافت بشأن الأيديولوجيا والنظرية السياسية صادمة للأوساط العلمية والأكاديمية، كانت تحفّز كثيرين إلى إعادة النظر في الأيديولوجيا وتداعياتها السلبية على النظرية السياسية، ومن خلفها الفلسفة السياسية36.
. ب الأيديولوجيا والمنهجية في علم السياسة
يرى أشكرافت أن الأيديولوجيا تؤدي دورًا سلبيًا في تطور علم السياسة، ليس بسبب تأثيرها في المعايير والإجراءات المنهجية التي يتم اتّباعها في تحليل الظواهر السياسية فحسب، إنما أيضًا بسبب قدرتها على إعاقة عملية التنظير السياسي في الحقول الفرعية لهذا العلم. يذهب أشكرافت أيضًا أبعد من ذلك حين يربط بين الأيديولوجيا والتطور المعرفي والإبستيمولوجي لعلم السياسة؛ حيث يرى أن من شأن إسقاطات الأيديولوجيا السلبية على الميثودولوجي أو المنهجية فتح باب الجدل حول نزاهة النظريات السياسية وموضوعيتها، وبالنتيجة قدرتها على أن تساهم في نمو الحيّز المعرفي لعلم السياسة. الأكثر من ذلك، يُشكّك أشكرافت في قدرة المنهجية على اختبار النظريات السياسية باعتبارها حقائق معرفية. لا تنفصل هذه الإشكالية عن سابقتها، فما دامت النظرية السياسية، ومن خلفها الفلسفة السياسية، هي مجرد تعبير أيديولوجي لمفكر أو فيلسوف بعينه في إطار زمني معيّن، فإنه يصعب إخضاعها لقياس منهجي موضوعي. وهنا يشير أشكرافت إلى أن الأطروحات الفلسفية والنظرية التاريخية مثل أعمال أفلاطون وأرسطو وجون لوك وغيرهم، لا يمكن النظر إليها باعتبارها حقائق معرفية ثابتة من دون القدرة على اختبارها عمليًا من خلال منهجية واضحة، وهو ما يصعب تحقيقه انطلاقًا من الافتراض السابق بأن هذه الأفكار إنما تُعبّر عن أيديولوجيا (أو الذات المعرفية) لهذا الفيلسوف أو ذاك؛ ما قد يُقلّل من تجريديتها وعموميتها وقابليتها المطلقة للتطبيق في كل زمان ومكان37. لذا، حذّر أشكرافت من أن تطغى الأيديولوجيا على منهجية البحث عند مناقشة فروع علم السياسة، وذلك على نحو ما فعلت مع النظرية السياسية؛ ما قد يدفع به نحو دائرة مغلقة من انعدام القدرة على التفسير والتحليل والتنبؤ، ومن ثمّ يعطّل تطوّره المعرفي. حاول أشكرافت علاج هذه الإشكالية من خلال الإشارة إلى قدرة الاقتراب السلوكي على جسر الهوّة بين الأيديولوجيا والميثودولوجي في علم السياسة، كما في باقي العلوم الاجتماعية أيضًا. وذلك من خلال قدرته على إقامة علاقة معرفية بين الوقائع الاجتماعية والأنساق النظرية، ما قد يُعطي علم السياسة قدرةً تفسيريةً عالية تؤهله لأن يساهم في بناء المعرفة38.
خامسًا: علم السياسة في مرحلة "ما بعد الأيديولوجيا"
يوحي التطور الزمني السابق، وما تضمّنه من ديالكتيك فكري وسياسي، بأن منحنى الأيديولوجيا كان يتّجه إلى الأسفل، بينما كانت القيمة الإبستيمولوجية لعلم السياسة تزداد صلابة وارتقاء في اتجاه المعرفة باعتبارها غايةً مطلوبة لذاتها. بيد أن هذا الطرح ينطوي على قدر من المبالغة والتبسيط في آن واحد. ومنبع المبالغة هو افتراض أن الأيديولوجيا كانت بمنزلة العائق الوحيد أمام انطلاق علم السياسة وترقّيه المعرفي، في حين أن التبسيط (وربما الاختزال) هو افتراض أن الأيديولوجيا ضمُرَت واختفَت من الحقل المعرفي لعلم السياسة. ما يقال عن إنه نهاية الأيديولوجيا ليس سوى شعار يخفي تحت عباءته معانيَ سياسية وأيديولوجية وليست بالضرورة معرفية. فتلك "النهاية" موجهة أساسًا إلى كل الأيديولوجيات المناقِضة والمخالِفة للأيديولوجيا الليبرالية الغربية، أو بالأحرى النيوليبرالية؛ أي إن علم السياسة انتقل من صراع وتنافس بين أيديولوجيتين كي يستقر تحت هيمنة أيديولوجيا واحدة هي الليبرالية بتجلياتها المختلفة، ومن ثمّ فإن علم السياسة لم يتحرر بعد من عبء الأيديولوجيا بصفتها قالبًا سياسيًا يقوّض وصوله إلى حافة المعرفة اليقينية. وقد رصد البعض أن أهم ظاهرتين تجسّدهما مرحلة "ما بعد الأيديولوجيا" التي يعيشها العالم حاليًا هما: ظاهرة التفكك والتجزئة، وظاهرة الهوية والدين. بكلمات أخرى، بات المشهد "الأيديولوجي" العالمي الآن يتّسم بعملية تفكيك وتجزئة للأيديولوجيا الليبرالية (المنتصرة) من جهة، وصعود للأيديولوجيات الدينية والهويّاتية من جهة أخرى39. وهو ما كان قد فصّله صامويل هنتنغتون في كتابه الشهير صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي40. بيد أن المعضلة الأساسية التي تواجه هذه الأطروحة (ما بعد الأيديولوجيا) هي أنها ذاتها تنطوي على "أيديولوجيا" جديدة تفترض بقاء المكوّن العقائدي والفكري محركًا للسلوك الإنساني حتى وإن لم يأخذ الاسم ذاته. وكما أشرنا آنفًا إلى أن الأيديولوجيا هي "مجموعة من الأفكار والعقائد الراسخة لدى أي جماعة بشرية تسعى بدورها لتنفيذها واقعيًا من خلال برنامج عملي وزمني واضح"، ما يعني أن عناصر الهوية والدين تفرض نوعًا محدّدًا من التفكير والأداء، كما هي الحال مع الجماعات الدينية والإثنية التي انتشرت وتشظّت طوال العقد الماضي، والتي قد نُطلق عليها، مجازًا، "الأيديولوجيات الجديدة." وهنا تبدو علاقة هذه "الأيديولوجيات الجديدة" بعلم السياسة أكثر وضوحًا وأشدّ تأثيرًا من تلك الأيديولوجيات الكبرى. ولا نبالغ إذا قلنا إن قدرة علم السياسة، باعتباره حقلً إبستيمولوجيًا، على التطور والارتقاء كانت أيسر وأسهل إبان حقبة الأيديولوجيات الكبرى، مما عليه الأمر حاليًا. وتبدو حالة "الغموض الأيديولوجي" الراهنة أقل إلهامًا ومساعدة لعلماء السياسة في استكشاف طبيعة التحولّات السياسية والفكرية التي يشهدها العالم، وقد تنعكس بدورها على تطوير أدوات جديدة لعلم السياسة.
أما في ما يخص وزن "الأيديولوجيا" في تطوير علم السياسة، يكشف الكثير من الدراسات المعاصرة عن أن ثمة معضلات أخرى يواجهها علم السياسة وتُحدّ من قدرته على التطور، كما أن الكثير من الأفكار والقضايا لا يزال محل نزاع أكاديمي وإبستيمولوجي، مثل القدرة الاستيعابية لعلم السياسة على هضم الاقترابات الكمية والاقتصادية في تحليل الظواهر السياسية. في حين لا تزال هناك شكوك كثيرة حول قدرة النظريات السياسية الكلاسيكية على تطوير علم السياسة والدفع به نحو التجريدية واليقينية العلمية (المعرفة.) كان لظهور العولمة، بما حملته من معانٍ ومضامين، أبلغ الأثر في طبيعة علم السياسة، وقدرته على الاشتباك مع مظاهر العولمة رصدًا وتفسيرًا وتنبؤًا. وبمعنى ما، فإن العولمة، باعتبارها إطارًا قيميًا وسياسيًا، حلّت محل الأيديولوجيا في ما يخص تعقيد مهمة علم السياسة في الوصول إلى درجة "الكمال" المعرفي؛ وذلك بما فرضته من تحديات منهجية وإبستيمولوجية لا تزال مطروحة للنقاش الجاد بين الباحثين الغربيين. أو كما يقول باتريك دانليفي Patrick Dunleavy من كلية لندن للاقتصاد، إن "علم السياسة الآن بات في حاجة ماسة إلى التطوير من أجل ملاحقة التحولّات التي طرحتها
العولمة على الفكر الإنساني"41. وهو يشير إلى أن ثمة تحديَين كبيرين يواجهان علم السياسة: أولهما القدرة على إيجاد اقترابات منهجية أكثر شمولً واتساعًا كي تغطي المساحات الجديدة التي أوجدتها العولمة. وثانيهما، أنسنة المناهج الرقمية والتكنولوجية التي طغت على مناهج البحث في علم السياسة، حيث تنتقل دراسة الظواهر السياسية من المناهج الكمية "الصمّاء" إلى مناهج أعمق وأكثر نفاذًا إلى مكنون الظاهرة الإنسانية المعقّدة42.
خاتمة
تبدو العلاقة بين علم السياسة والأيديولوجيا جدلية وغير محسومة. ويبدو التأثير الأوضح لهذه العلاقة في قدرة علم السياسة على التحرر من طبيعته "الغائية" الغربية التي تعرقل الانفتاح على مدارس ومساهمات معرفية غير أميركية وغير غربية يمكنها المساهمة في تطوير طرائق مغايرة للبحث والتفكير في هذا الحقل المعرفي. وإذا كان من الصعب نزع الطبيعة المتحيزة لعلم السياسة، شأنه في ذلك شأن باقي الحقول المعرفية في العلوم الاجتماعية والإنسانية، فإن تطوير منهجيات بحثية تتجاوز الاختلافات الاجتماعية والثقافية بين الشمال والجنوب، وتلُائم حاجات هذا الأخير، ربما تقلل من جرعة هذا التحيز وتأثيراته السلبية، وهو ما يُلقي بالمسؤولية على باحثي العلوم السياسية، وخصوصًا خارج العالم الغربي، لاجتراح مفاهيم وأدوات منهجية وبحثية جديدة تلُائم مجتمعاتهم وثقافتهم، ولا تكون بعيدة عن أجندتها وهمومها الوطنية.
المراجع
Adcock, Robert & Mark Bevir. "The History of Political Science." Political Studies Review. vol. 3, no. 1 (2005). Adcock, Robert. "The Emergence of Political Science as A Discipline: History and the Study of Politics in America." History of Political Thought. vol. 24, no. 3 (Autumn 2003). Almond, Gabriel A. "Political Theory and Political Science." The American Political Science Review. vol. 60, no. 4 (December 1966). ________. A Discipline Divided: Schools and Sects in Political Science. London/ Newbury Park: Sage, 1991. Almond, Gabriel A. et al. "Political Science as a Discipline: A Statement by the Committee on Standards of Instruction of the American Political Science Association." The American Political Science Review. vol. 56, no. 2 (June 1962). Aron, Raymond. The Opium of the Intellectuals. New Jersey: Transaction Publishers, 2007. Aschraft, Richard. "Political Theory and the Problem of Ideology." The Journal of Politics. vol. 42, no. 3. (August 1980). ________. "On the Problem of Methodology and the Nature of Political Theory." Political Theory. vol. 3, no. 1 (February 1975). Bay, Christian. "Politics and Pseudopolitics: A Critical Evaluation of Some Behavioral Literature." American Political Science Review. vol 59, no. 1 (March 1965). Bell, Daniel. The End of Ideology: On the Exhaustion of Political Ideas in the Fifties. Cambridge, MA: Harverd University Press, 1960. Benewick, R. R. N. Berki & B. Parekh (eds.). Knowledge and Belief in Politics: The Problem of Ideology. London: Allen & Unwin, 1973. Bentley, Arther. The Process of Government. Peter H. Odegard (ed.). Cambridge: Belknap Press of Harvard University Press, 1967. Canguilhem, Georges. Ideology and Rationality in the History of the Life Sciences. Arthur Goldhammer (trans.). Cambridge: MIT Press, 1988. Cheal, David J. "Hegemony, Ideology, and Contradictory Consciousness." The Sociological Quarterly. vol. 20, no. 1 (Winter 1979). Dunleavy, Patrick. "New Worlds in Political Science." Political Studies. vol. 58, no. 2 (March 2010). Easton, David. John G. Gunnell & Luigi Graziano (eds.). The Development of Political Science: A Comparative Survey. London: Routledge, 1991.
Foster, Charles R. & Gary C. Marfin. "The Political Role of Political Philosophy: A Reply to Richard Ashcraft." The Journal of Politics. vol. 44, no. 2 (May 1982). Freeden, Michael. Lyman Tower Sargent & Marc Stears (eds.). The Oxford Handbook of Political Ideologies. New York: Oxford University Press, 2013. Germino, Dante. "Comment on Ashcraft's 'Political Theory and the Problem of Ideology'." The Journal of Politics. vol. 42, no. 3 (August 1980). Hamilton, Malcolm. "The Elements of the Concept of Ideology." Political Studies. vol. 35, no. 1 (1987). Head, Brian William. Ideology and Social Science: Destutt de Tracy and French Liberalism. Dordrecht: Martinus Nijhoff Publishers, 1985. Heywood, Andrew. Political Ideologies: An Introduction. London: Palgrave Macmillan, 2007. Huntington, Samuel. The Clash of Civilization and the Remaking of World Order. New York: Simon & Schuster, 2011. Mannheim, Karl. Ideology and Utopia: An Introduction to the Sociology of Knowledge. London: Routledge & Kegan Paul, 1935. Merriam, Charles E. Systematic Politics. Chicago: University of Chicago Press, 1945. Nelson, John S. "Ashcraft's Problem of Ideology." The Journal of Politics. vol. 42, no. 3 (August 1980). Schmid, Herman. "On the Origin of Ideology." Acta Sociologica. Work and Ideology. vol. 24, no. 1 / 2 (1981). Schwarzmantel, John. Ideology and Politics. California: Sage Publications Ltd, 2008. Smith, Martin J. "Preface: Innovation and Dialogue in Contemporary Political Science." Political Studies. vol. 58, no. 2 (March 2010). "Special Issue: Dialogue and Innovation in Contemporary Political Science." Political Studies. vol. 58, no. 2 (March 2010). Talshir, Gayil. Mathew Humphrey, Michael Freeden (eds.). Taking Ideology Seriously: 21 st Century Reconfiguration. London: Routledge, 2006. The Post- Behavioral Era: Perspectives on Political Science , George J. Graham, Jr. & George W. Carey (eds.). New York: David McKay, 1972. Vincent, Andrew. Modern Political Ideologies. New Jersey: Wiley-Blackwell, 2009.