ما قل ودل: مبدأ الشحّ والنزعة الميثودية في البحوث السياسية
الملخّص
ينصحنا المتخصصون في فلسفة العلوم الاجتماعية بمراعاة البساطة والاقتصاد في المتغيّرات في أثناء إعداد التصاميم البحثية، والغاية من ذلك هي تفادي التعقيد الذي ينجم عن كثرتها، والذي من شأنه أن يقل ل من وضوح أطروحة البحث وات ساقها المنطقي. إنّ الدعوة إلى استخدام القليل من المتغيّرات مستندة إلى القاعدة المنهجية المسمّ اة "مبدأ الشحّ" التي تعني استخدام "أدنى عدد ممكن من المتغيّرات من أجل تفسير أقصى عدد ممكن من الظواهر." تحاول هذه الدراسة التعريف بهذا المبدأ، وتفحص أسباب غيابه عن البحوث السياسية، وتقوم بذلك من خلال الافتراض أنّ سبب انعدام الشحّ في البحوث السياسية، وميل الباحثين إلى الإكثار من المتغيّرات، هو النزعة "الميثودية" الطّ اغية على حقل منهجية البحث، التي تبرز في شكل من أشكال الثقة المفرطة بالمناهج والمبالغة في استخدامها. كلمات مفتاحية: مبدأ الشح، الميثودية، البحوث السياسية. Specialists in the philosophy of social sciences preach simplicity in choosing variables during research design, the aim of which is to avoid the complexity of abundance, reducing the clarity and logical consistency of the thesis. The rule of using limited variables is based on the methodological rule called the "Principle of Parsimony" which means that the most acceptable explanation is the simplest and stipulates the use of the lowest possible number of variables in order to explain the maximum possible number of phenomena. This study introduces this principle and examines the reasons for its absence from political research by assuming that the reason for the lack of parsimony in political research, and the tendency of researchers to use multiple variables, is the widespread "methodologist" tendency, which emerges as a type of excessive confidence in the reliability of the method. Keywords: Principle of Parsimony, Methodism, Political Research.
Short and Sweet: The Principle of Parsimony and Methodism in Political Research
مقدمة
)1، في ملحق كتابه الخيال السوسيولوجي ذكر رايت ميلز 962-1916(، أنّ التحكّم الجيّد في منهجية البحث يتطلّب أن يكون الباحث مفكّرًا واعيًا Thinker Conscious؛ أي أن يكون مدركًا الفروض التي ينطلق منها والنتائج المترتّبة عليها1. وفي أحد التعليقات الشهيرة على هذه المقولة، جادل جيوفاني سارتوري 017-1924()2 بأنّ مشكلة بعض العلوم الاجتماعية تكمن في الحالة المعاكسة تمامًا، عند الباحثين المفرطين في الوعي Overconscious Thinkers الذين يستندون إلى المعايير المنهجية الصارمة المُطبّقة في العلوم الطبيعية. وتظهر تلك المعايير في كثير من الأحيان في الممارسة البحثية في شكل المغالاة في استخدام المناهج، والثقة المفرطة بنجاعتها الاستدلالية، والإيمان الراسخ بقدرتها على الكشف والتحقّق. وحمّل سارتوري هذه الفئة من الباحثين (الذين "يرفضون دراسة الحرارة من دون محرار" على حدّ تعبيره) مسؤوليةً مباشرة Methodological Unawareness "عمّا سمّاه "الجهل المنهجي المستشري في البحوث الاجتماعية، وهو جهل ناجم في معظمه عن المغالاة في استخدام المناهج وتقنياتها على حساب دراسة المبادئ المنطقية التي توجّه الممارسة البحثية (وتنتقدها)2. تتناول هذه الدراسة أحد مظاهر هذا الجهل المنهجي وأشدّها إزعاجًا على الإطلاق، ويتعلّق الأمر بظاهرة حشو أطروحة البحث (أو النظرية قيد البناء) بعدد كبير جدًّا من المتغيّرات. وتنطبق سمات الجهل المنهجي التي ذكرها سارتوري على هذا الإجراء في كونه إحدى النتائج الضرورية المترتّبة على المغالاة في استخدام المناهج (أساليب جمع البيانات وتحليلها) على حساب بناء الأطروحة: طرح السؤال البحثي وصياغة الفروض وتحديد المتغيّرات. يتقاسم المشتغلون في ميادين العلوم الاجتماعية في البلدان العربية ميلً عامًّا نحو تصاميم البحث التي تحتوي على عدد كبير جدًّا من المتغيّرات. وينتج هذا الميل في أحيان كثيرة من اعتقاد الباحث أنّ الإكثار من المتغيّرات هو إجراء منهجي يجعل بحثه شاملً كلّ تفصيلات الظاهرة محلّ الدراسة وحيثياتها. وعلى الرغم من أنّ هذا الاعتقاد لا يزال يحظى ببعض الأنصار، فإنّ نقّاده أثبتوا (استنادًا إلى الخبرة) أنّ تطبيق هذا الإجراء المنهجي عمليًّا في مسار البحث، يثير مشكلات جمّة، مثل الحشو وقلّة التحديد واستفحال الغموض وصعوبة التجريب وعدم قابلية التفنيد وقلّة الاتّساق المنطقي. ولتفادي الوقوع في هذه المشكلات، جرت العادة أن يُنصح الباحث بتبسيط أطروحته واختصارها قدر الإمكان، ويكون ذلك عبر غربلتها وتصفيتها من المتغيّرات غير الضرورية (أو الزائدة على الحاجة)، وتفادي ذكر التفصيلات التي لا داعي لها. وتسمّى هذه الممارسة في فلسفة العلوم مبدأ "الشح"ّ Parsimony الذي يعني "استخدام عدد قليل من المتغيّرات لتفسير عدد كبير من الظواهر"3.
بنية الحجّة والفروض
يتّفق معظم فلاسفة العلم على أنّ مراعاة الشحّ في مرحلة تصميم البحث تساهم إسهامًا كبيرًا في تبسيط الأطروحة وتحديد الفروض والمتغيّرات فيها. لكن، على الرغم من هذه الفوائد، فإننا نجد أنّ كثيرًا من الباحثين العرب لا يُعير الشحّ الاهتمام الذي يستحقّه، ويفضّ ل بدلً من ذلك حشو التصاميم البحثية بعدد كبير جدًّا من المتغيّرات. وبالنظر إلى السلبيات الكثيرة التي تنطوي عليها هذه الممارسة، فضلً عن الإشكالات المنهجية الناجمة عنها، فإنّ الإقبال الشديد عليها يشكّل لغزًا مُحيّرًا: لماذا يُصرّ بعض الباحثين على الإكثار من المتغيّرات، على الرغم من التعقيد الكبير الذي ينجم عنه؟ ولماذا يصرّ على اتّباع المسارات البحثية المعقّدة إذا كانت المسارات البسيطة في المتناول؟ على الرغم من صلاحية (وكذلك أهمّية) استخدام هذين السؤالين إطارًا فلسفيًا لأيّ بحث اجتماعي، فإنّهما أفلتا من انتباه معظم الباحثين العرب المشتغلين في ميدان العلوم الاجتماعية. ولعلّ القارئ المتخصّص سيتفاجأ، مثلً، من معرفة أنّه لا توجد أيّ دراسة عربية في علم السياسة، وهو الحقل المعرفي الذي نركّز عليه في هذه الدراسة، تناولت مبدأ الشحّ موضوعًا بحثيًا رئيسًا4. ولئن كانت ظاهرة حشو المتغيّرات لا تعتبر مفاجأة لبعض الباحثين الضالعين في حقل منهجية البحث، فإنّ غياب مبدأ الشحّ عن النقاشات المنهجية والنظرية في العلوم الاجتماعية العربية لا يمكن تبريره بأيّ حال من الأحوال. إنّ الهدف الذي تسعى له هذه الدراسة هو التصدّي لهذا الفراغ، وستُحاول بلوغه بإثارة نقاش مستفيض عن مبدأ الشحّ: تعريفه، وطرائق استخدامه، ومزاياه، وحدوده، وذلك من خلال البحث في الأسباب المحتملة لغياب الشحّ عن البحوث الاجتماعية (أو ظاهرة
الإكثار من المتغيّرات.) ويمرّ إنجاز هذا الهدف، والإجابة أيضًا عن السؤال المطروح في الفقرة السابقة، من خلال الطّرح الآتي: إنّ السبب الرئيس لميل بعض الباحثين إلى الإكثار من المتغيّرات (ظاهرة انعدام الشحّ) هو النزعة "الميثودية" الطّاغية على حقل منهجية البحث. وتعني الميثودية Methodism (وتسمّى كذلك الميثودولاترية Methodolatry) الثقة المفرطة في المناهج والمبالغة في استخدامها ومنحها الأولوية على حساب الاعتبارات الأخرى المهمّة في التحقيق العلمي Inquiry.Scientific تفترض الدراسة وجود ارتباط إيجابي بين الميثودية وانعدام الشحّ، حيث تكون المُغالاة في استخدام المناهج والانشغال بها والدفاع عنها سببًا في شيوع تصاميم البحث التي تحتوي على عدد كبير جدًّا من المتغيّرات. ويمكن القول ببساطة شديدة إنّ السبب الرئيس في عدم مراعاة الشحّ في بحوث العلوم الاجتماعية هو طغيان المناهج على النظرية - أو ما يُمكن وصفه بظاهرة تغليب الميثودولوجيا على الإبستيمولوجيا في مرحلة إعداد البحث. ولئن كانت الميثودية تُنتج (في الظروف المُثلى) بحوثًا مُقنَّنة إمبيريقيًا وصارمة إجرائيًا، فإنها من حيث المحتوى بحوث فاقدة النظرية Atheoretical. والمقصود بعبارة فاقدة النظرية هو القول ببساطة شديدة إنّ المناهج هي من يتولّى قيادة البحث، بدلً من النظرية. وفي مثل هذه الحالات، عندما يكون البحث موجّهًا بالبيانات، بدلً من الأطروحة النظرية (أي الفروض والمتغيّرات)، يفقد مبدأ الشحّ صلته البحثية تمامًا أو يحتلّ (على الأقل) مرتبةً ثانوية قياسًا بطرائق جمع البيانات ومعالجتها.
التعريف الإجرائي لمبدأ الشحّ
تنطلق هذه الدراسة من تعريف قياسي ومجرّد لمبدأ الشحّ، حيث تتبنّى (مراعاةً للوضوح التحليلي) تصوّرًا سياقيًا موسّعًا للشحّ باعتباره: "استخدام عددٍ قليل من المتغيّرات لتفسير عدد كبير من الظواهر ". على الرغم من أنّ هذا التعريف يبدو بسيطًا وشحيحًا من حيث الشكل، فإنّه يحمل في طيّاته قضايا إشكالية في ما يخصّ محتواه الإجرائي: ما العدد الملائم (والكافي) من المتغيّرات الذي ينصّ عليه مبدأ الشحّ؟ يُثير استخدام المتغيّر "العددي" (أي عدد المتغيرات) في تعريف الشحّ مشكلات عدة؛ أولها، لا يُمكننا في كثير من الأحيان الجزم على نحو قاطع بشأن المسألة الآتية: كم عدد الفروض أو المتغيّرات التي ينبغي أن يعالجها البحث (أو النظرية)؟ والسبب في ذلك أنّ الفروض والمتغيّرات قد تكون عبارة عن توليف لمجموعة أكبر من الفروض والمتغيّرات التي يمكن أن يُدمج أحيانًا بعضها مع بعض، وينفصل أحيانًا أخرى5. أمّا المشكلة الثانية فتتعلّق بكيفية تحديد مقدار "الحدّ الأدنى"؛ فلئن كان مبدأ الشحّ يوصي باستخدام الحدّ الأدنى من المتغيّرات، فإنّه لا يُحدّد العدد الملائم: أتكون العتبة الدنيا متغيّرًا مستقلً واحدًا أم اثنين أم أكثر؟ وهنا لدينا مقاربتان للإجابة عن هذا السؤال. تفترض الأولى أنّ هدف البحث يجب أن يكون السعي لاستيفاء الحدّ الأدنى، بصرف النظر عن عدد الفروض أو المتغيّرات التي تمثّل هذه العتبة، حيث سيكون البحث أكثر شحًّا وبساطة كلّما احتوى على أقلّ عدد ممكن من الفروض والمتغيّرات. ويستند هذا الرأي إلى الحجّة "البدهية" القائلة إنّ البحث الذي يحتوي على متغيّر تفسيري واحد يكون أكثر شحًّا وبساطةً من البحث الذي يحتوي على متغيّرين أو ثلاثة.
أمّا المقاربة الثانية، فترى أنّ عدد الفروض أو المتغيّرات لا يهمّ في حدّ ذاته، من الناحية الإبستيمولوجية على الأقل، ما دام الالتزام بالحدّ الأدنى منها من شأنه أن يؤثّر سلبيًا في قوّة البحث التفسيرية. وتفترض هذه الحجّة أنّ مبدأ الشحّ لا يمنع في حدّ ذاته تعدّد المتغيّرات أو الزيادة فيها، إنّما يمنع وجود (أو إضافة) فروض أو متغيّرات غير ضرورية أو زائدة على الحاجة. وتسمّى هذه الصيغة، Anti-superfluity Principle "مبدأ "ضدّ الزيادة على الحاجة وتفترض أنّ كلّ "مكوّن نظري سيكون زائدًا على الحاجة عندما لا يؤدّي دورًا مهمًّا في تفسير الظواهر المعروفة التي يمكن تفسيرها من دونه"6.
لدينا مقاربتان إجرائيتان للشحّ، إحداهما تحدّده باستخدام الحد الأدنى من المتغيّرات (وترفض تعدّدها)، والثانية لا تمانع تعدّدها شرط ألّ تكون زائدة على الحاجة؛ فأيّهما أفضل مقاربة لتعريف الشحّ؟ نجادل في هذه الدراسة بإمكان تبنّي المقاربتين على حدة، حيث تُختار كلّ واحدة منهما تبعًا لما إذا كان البحث يجري في سياق الاكتشاف، أم في سياق التبرير؛ فإذا كان الهدف من البحث هو بناء النظرية أو صقلها (الاكتشاف)، فإنّ المقاربة الأولى ستكون هي الأنسب لأنّ العلماء غالبًا يستخدمون مبدأ الشحّ باعتباره موجّهًا كشفيًا Heuristic في عملية التنظير. أمّا إذا كان الهدف من البحث هو اختبار النظرية أو الاختيار من بين نظريات عدة أو فروض متنافسة (التبرير)، فإنّ المقاربة الثانية هي الأنسب، لأنّ تقويم ما إذا كانت الفروض أو المتغيّرات المُضافة ضرورية للنظرية أم زائدة على الحاجة، يتطلّب في المقام الأول وضع النظريات (الموجودة) قيد الاختبار. إنّ فهم هذا التمييز السياقي أمر بالغ الأهمّية، وسنتطرّق إليه بمزيد من التفصيل في المبحث الأخير. هناك مسألة أخيرة في غاية الأهمّية، علينا توضيحها قبل الشروع في التحليل. إنّ دعوة هذه الدراسة الباحثين إلى مراعاة الشحّ في أعمالهم أو توظيفه في البحوث التنظيرية، لا ينبغي أن تُفهم خارج سياقها الصحيح؛ فنحن لا ندّعي أنّ مبدأ الشحّ معيار علمي لا غنى عنه مطلقًا، أو أنّه ممارسة بحثية مُنتجة بالضرورة، كما لا ندعو إلى استخدامه في سياقه الأوّلي أو المعطى مسبقًا. بل على العكس تمامًا، نحن واعون جيّدًا بحدوده وقيوده، ونُدرك وجود بعض الاستثناءات والخصوصيات التي تجعل تطبيقه في بعض البحوث (والسياقات) أمرًا إشكاليًا وبالغ الصعوبة. ونحن نُجادل، فحسب، بأنّ مبدأ الشحّ هو قاعدة منهجية مفيدة إذا استُخدم في سياقه "الإبستيمولوجي"، أي في مرحلة بناء النظرية. وتكمن فائدة هذه المقاربة الإبستيمولوجية للشحّ في قيامها بشيئين: من ناحية أولى تُخفّف (أو تُحدّ) من الممارسات البحثية الشائعة التي تحصر استخدام الشحّ (منهجيًا) في مراحل اختبار النظرية؛ ومن ناحية أخرى تزيد من بروزه النظري Theoretical Salience في عملية البحث.
أولا: مبدأ الشحّ: مدخل عام
لا توجد صيغة واحدة أو موحّدة لمبدأ الشحّ، ويتداوله العلماء بأسماء ومصطلحات مترادفة، مثل مبدأ البساطة Simplicity of Principle، وقانون الاقتصاد في الفكر Thought of Economy، ومبدأ القلّة Principle of Spareness، وقاعدة الحذف Deletion Rule، ومعيار الجمال Beauty of Standard، وغير ذلك. لكن شهرته الواسعة في فلسفة العلوم اقترنت بمصطلح "موس أوكام" Razor Occam's، نسبة إلى وليام أوكام Ockham of William، الراهب والفيلسوف الإنكليزي الذي عاش في القرن الرابع عشر7. ولئن ارتبط المصطلح تاريخيًا باسم أوكام، فإنّه لم يظهر إلى الوجود إلّ بعد مرور قرون على وفاته. وكان ذلك أحد الأسباب في اختلاف العلماء بشأن هوية الشخص الذي سكّه8. ولعلّ ما زاد من حدّة ذلك الخلاف هو أنّ المقولة التي كانت سببًا في شهرة "موس أوكام"، وهي "يجب عدم الإكثار من الموجودات بغير مسوّغ"، لم تكن في واقع الأمر من نسج أوكام نفسه، ولم تظهر في أيّ عمل من أعماله، ويقال إنّ الفيلسوف الإيرلندي جون بانش Punch John 661–1603()1 هو من وضعها في عام 1639 9. أمّا ما ورد في كتابات أوكام تحديدًا فهو قوله: "لا جدوى من استخدام أشياء كثيرة لإنجاز ما يمكن إنجازه بأشياء قليلة"، وقوله أيضًا "يجب عدم افتراض التعدّد بغير مسوّغ"10. لمّا كان مبدأ الشحّ، كما ذكرنا، لا يحتوي على صياغة واحدة مُحدّدة، فإنّ معناه يختلف باختلاف السياق والحقل الذي يُستخدم فيه؛ ففي العلوم الاجتماعية، وهي مجال بحثنا في هذه الدراسة، يُستخدم المصطلح في معظم الأحيان للإشارة إلى القاعدة المنهجية التي تدعو إلى مراعاة الاختصار وعدم الإكثار من العناصر النظرية (قوانين، أم فروض، أم متغيّرات)، من دون أن تستدعي الحاجة إلى ذلك. ويعني المبدأ على وجه التحديد "استخدام أقلّ عدد ممكن من المتغيّرات لتفسير أكبر عدد ممكن من الظواهر." وبعبارة أخرى "هو تقديم الحدّ الأعلى من الحقائق بالحدّ الأدنى من الجهد الفكري"11. أمّا فلاسفة العلم، فيعتبرون مبدأ الشحّ أحد المعايير العلمية المعتمدة للحكم على جودة النظرية؛ إذ من المقبول على
نطاق واسع القول إنّ النظرية الشحيحة هي تلك التي تجتمع فيها عناصر البساطة والجمال والأناقة، وهي صفات النظرية الجيّدة. ويُستخدم الشحّ أيضًا معيارًا للاختيار من بين النظريات والتفسيرات المتنافسة؛ فإذا كان لدينا نظريتان تفسّران ظاهرة معيّنة بالقدر نفسه من الكفاءة، وكانت إحداهما بسيطة والأخرى معقّدة، فإنّ النظرية الأبسط والأسهل منهما هي الأفضل12. ولئن اتّفق فلاسفة العلم اتّفاقًا بيّنًا على طرائق استخدام الشحّ، فإنّهم اختلفوا اختلافًا عميقًا بشأن مسوّغاته. ويمكن إيجاز فحوى ذلك الاختلاف في السؤال الآتي: لماذا ينبغي أخذ الشحّ في الحسبان عند الحكم على نظرية ما؟13 لم يقدّم أوكام أيّ مسوّغ لاستخدام الشحّ عدا الإحالة إلى بداهته المنطقية14. وترك هذا الفراغ مساحة تحليلية شاسعة لفلاسفة العلم من أجل طرح مجموعة منوّعة من المسوّغات، أُدرجت في ثلاث مرجعيات أساسية: أنطولوجية وجمالية وإبستيمولوجية.
1. الشحّ الأنطولوجي
يسمّى أيضًا الشحّ الميتافيزيقي، وهو أقدم صور الشحّ قاطبة، ويقوم على افتراض أنّ "الطبيعة بسيطة وتحبّ البساطة." إنّ الصياغة الأشدّ بروزًا للشحّ الأنطولوجي هي تلك المنصوصة في عبارة: "يجب عدم الإكثار من الموجودات بغير مسوّغ" التي تعني بطبيعة الحال تفضيل النظريات التي لديها التزامات أنطولوجية قليلة15. لقد ارتبط الشحّ الأنطولوجي في تاريخ العلوم بما يمكن أن نُسمّيه قاعدة شحّ الطبيعة. وتعود أقدم نسخة من هذه القاعدة إلى مقولة أرسطو المشهورة إنّ "الطبيعة تعمل وفق أقصر الطرق الممكنة"16، وهي الفكرة التي شرحها نيوتن لاحقًا بقوله "إنّ الطبيعة تحبّ البساطة ولا تعمل شيئًا من دون جدوى"، وقوله أيضًا إنّ "لا فائدة تُرجى من الكثرة إذا كانت القلّة تفي بالغرض." وفي نُسخ أحدث من هذه القاعدة، استنتج غاليلو من دراسته النظام الشمسي أنّ "الطبيعة لا تُضاعف الأشياء من دون ضرورة، وأنّها تستعمل أسهل الوسائل وأبسطها لإنتاج آثارها"17. وذكر ابن خلدون في تاريخه "أنّ الطبيعة لا تترك أقرب الطرق في أفعالها وترتكب الأعوص والأبعد"18. بينما جادل أينشتاين في القرن العشرين بأنّ "فكرة البساطة الرياضية محقّقة في الطبيعة"19. على الرغم من سندها التاريخي الواسع، فإن قاعدة "شحّ الطبيعة" شهدت انحسارًا لافتًا في منتصف القرن العشرين، ورفضها كلّ فلاسفة العلم تقريبًا20. إنّ المشكلة الأساسية في هذه القاعدة هي أنّ القائلين بها لم يثبتوا على نحو قطعي أنّ الطبيعة (أو قوانينها) بسيطة. ولذلك لم يكن في مقدورهم، من الناحية المنطقية على الأقل، تبرير البساطة استنادًا إلى قاعدة لم يستطيعوا إثباتها. ويذكّرنا كارل همبل في هذا الشأن "أنّ الفرضية التي تفيد بأنّ القوانين الأساسية للطبيعة بسيطة لا تقلّ إشكالية عن مبدأ البساطة، ولهذا السبب هي لا تستطيع تبريره"21. إضافة إلى ذلك، قوبل الطّرح الأنطولوجي برمّته بالرفض من المشتغلين في العلوم الاجتماعية، باعتباره أكثر ملاءمة للعلوم الدقيقة، ورأوا أنّ تطبيقه على المجالات الاجتماعية يخلق صعوبات وتحدّيات جمّة، لأنّ الافتراض بأنّ الظواهر الاجتماعية بسيطة لا يمكن إثباته بأيّ حال من الأحوال.
2. الشحّ الجمالي
يعني الجمال في العلوم "الحكم الجمالي للنظرية"، ويشترط أن تتوافر فيها عناصر الحسن والرونق والأناقة. ولتكون النظرية جميلة، بطبيعة الحال، لا بدّ من أن تكون شحيحة وبسيطة؛ ف "النظرية الجميلة"، كما يصفها روبرت أغروس وجورج ستانسيو، "لا بدّ لها من
أن تأخذ في الحسبان كلّ الحقائق، وألّ تشمل إلّ ما هو ضروري، فلا تفريط ولا إفراط"22. يُشبِّه العلماء الجمال في العلوم بالجمال في الفنون، حيث ذكر عالم الاجتماع أبراهام كابلان أنّ "النظرية يمكن أن تكون جميلة، كالقطعة الفنية التي تبعث البهجة في تأمّلها"23. ويقول أغروس وستانسيو إنّ "للبساطة والتناسق والتماثل والتناسب والتألّق والوضوح - وهي عناصر نلاحظها في أجمل النظريات الفيزيائية - نظائر موازية في الجمال الذي نجده في الرسم والموسيقى. وليس من العسير أن نتصوّر أنّ هذه المعايير الجمالية ذاتها تنطبق على الشعر والرقص وغيرهما من الفنون"24. ويذهب المؤلّفان بعيدًا في مدحهما الجمال، فيدّعيان "أنّ أبرز علماء الفيزياء في القرن العشرين يجمعون على أنّ الجمال هو المقياس الأساسي للحقيقة العلمية." بيد أنّ أشدّ ادّعاءاتهما إثارة للجدل ذلك الذي يجادلان من خلاله بأنّ معيار الجمال يُقدَّم على التجربة، وقولهما إنّ "الجمال يتحدّى الحقائق." وكتبا في ذلك: "إنّ الجمال في الفيزياء هو السمة الغالبة؛ فالتجربة تخطئ في الغالب، والجمال قلّما يُخطئ. فإذا اتّفق أن وُجدت نظرية أنيقة للغاية لا تنسجم مع مجموعة من الحقائق، فهي لا محالة ستجد لها تطبيقًا في مجال آخر"25. وتسري هذه الملاحظة على العلوم الاجتماعية أيضًا، حيث عبّر كابلان عن وجهة نظر مماثلة عندما قال: "لقد تمّ الالتزام في مرّات عدّة بنظرية ما بسبب بساطتها وتناظرها على الرغم من تناقضها مع الواقع، ثمّ قامت الملاحظات والتفسيرات بإزالة التناقض في وقت لاحق"26. أمّا الأناقة Elegance، فهي المظهر الخارجي للنظرية، حيث يُقال إنّ النظرية تتميّز ب "الشياكة" والتألّق إذا كان مظهرها الخارجي يوحي بأنّ أفكارها وطروحاتها بسيطة وسهلة الاستيعاب27. ولا تكون النظرية أنيقة إلّ إذا كانت شحيحة؛ فالإيجاز والاقتصاد متطلّبان ضروريان ليتحقّق للنظرية الرونق والجمال. ولعلّ متطابقة ليونارد أولر Euler Leonhard الشهيرة أفضل مثال في هذا الشأن؛ إذ توحّد أهمّ خمسة ثوابت رياضية في معادلة واحدة: 0(= 1 + iπ e)، وأصبحت بفضل هذه الصياغة الشحيحة مثالً للأناقة والجمال إلى حدٍّ نقشَها على شاهد قبره28. قد تكون المعايير الجمالية مهمّةً جدًّا للحكم على جودة النظريات أو المفاضلة بينها، غير أنّ آراء فلاسفة العلم في هذا الشأن تبيّن أنّها ليست كافية، وقد تكون غير ضرورية أيضًا (وخصوصًا في العلوم الاجتماعية، كما سنرى في المبحث التالي)، ولذلك فهي لا تصلح وحدها مسوّغًا لمبدأ الشحّ. هذا الرأي يتبنّاه فريق واسع من الإبستيمولوجيين الذين يعتقدون أنّ تبرير الشحّ لا بدّ من أن يستند إلى عناصر ذاتية المنشأ في النظرية، تكون متّصلةًاتّصالً وثيقًا ببنيتها الداخلية ومكوّناتها.
3. الشحّ الإبستيمولوجي
يُبرّر المفهومان الأنطولوجي والجمالي استخدام مبدأ الشحّ بوصفه معيارًا للحكم على النظريات وتقويمها (اختبار النظرية)، بينما يُبرّر المفهوم الإبستيمولوجي، زيادة على ذلك، الشحّ باعتباره أداةً مهمّة في عملية التنظير (بناء النظرية.) ويمكن تصوّر الشحّ من الناحية الإبستيمولوجية بأنّه "طريقة لإنتاج تفسيرات قابلة للتعميم وتحسين الاستدلال السببي"؛ ما دفع بعض الباحثين إلى المحاجّة بأنّ "الشحّ الإبستيمولوجي مهمّ في بناء النظرية واختبار الفروض"29. كيف يساهم مبدأ الشحّ في بناء النظرية؟ إنّ الخطوة الأولى نحو بناء النظرية هي اعتماد الشحّ. تبدأ عملية التنظير بالانتقال من الملموس إلى المجرّد، والشحّ وسيلةٌ أساسية لبلوغ التجريد؛ لأنّه يوفّر قاعدة لحذف العناصر (الملموسة) الزائدة على الحاجة. ويساهم الشحّ في اكتشاف القوانين العلمية أيضًا، ويفعل ذلك بمساعدة الباحث في اقتفاء الأنماط في البيانات، حيث هناك من يجادل بأنّ العثور على قوانين في البيانات لن يتحقّق إلّ إذا احتوت هذه الأخيرة على أنماط تكرارية، "لأنّ الأنماط"، كما يقول هيربرت سايمون، "توفّر وصفًا شحيحًا يكون أكثر إيجازًا من البيانات نفسها"30. وفي كلتا الحالتين، سواء أكان بناء النظرية أم اكتشاف القوانين، يُساهم مبدأ الشحّ في تحديد عنصرين مهمّين في سياق الاكتشاف: أولً، البنية
التحتية الفلسفية Philosophical Substructure، وهي اختيار الإطار النظري واشتقاق الألغاز النظرية منه (وطرحها على شكل أسئلة بحثية)؛ وثانيًا، مسار البحث Trajectory Research، ويشمل وضع التصميم البحثي وتحديد استراتيجية التفسير. يساهم مبدأ الشحّ باختبار الفروض والنظريات أيضًا. ويمكن القول على وجه الدقّة إنّ الشحّ يزيد قابلية اختبار النظرية، وذلك للأسباب الآتية: أولً، يجعل الفروض أشدّ وضوحًا وتحديدًا، ما يُسهّل اختبار صدقها واتّساقها المنطقي؛ وثانيًا، يجعل الآلية السببية محدّدة وقابلة للاقتفاء؛ وثالثًا، يجعل البحث الإمبيريقي (وتصميم التجارب) أكثر سهولة31؛ ورابعًا، يُسهّل العثور على الحالات السلبية والحقائق المضادة؛ ما يزيد من قابلية تفنيدها32. تبدو المسوّغات الإبستيمولوجية للشحّ أكثر إقناعًا من المسوّغات الأنطولوجية والجمالية، وخصوصًا في مجال العلوم الاجتماعية. وتكمن أفضلية الشحّ الإبستيمولوجي في أنّه لا يُقدّم ادّعاءات بشأن طبيعة العالم المادي، ولا يستند إلى أحكام ذوقية، بل يبرّر المبدأ بقواعد المنطق والاستدلال العلميّين. أضف إلى ذلك أنّه مشحون نظريًا ومنهجيًا، ويمكن إثباته أو تفنيده بسهولة. لهذه الأسباب، وأخرى نشير إليها تباعًا، أصبح الشحّ الإبستيمولوجي النوع السائد في العلوم الاجتماعية، بما في ذلك علم السياسة وحقوله الفرعية.
ثانيًا: مبدأ الشحّ في البحوث السياسية
إنّ مبدأ الشحّ هو قاعدة منهجية مثيرة للجدل في علم السياسة. يعتبره مؤيّدوه موجّهًا كشفيًّا لبناء/ اختبار النظرية، وقاعدة منهجية لتصميم البحوث. أمّا معارضوه فيرونه مجرّد محاولة ساذجة ومضلّلة لفرض البساطة على عالم معقّد أو ممارسة عقيمة في "الميتانظرية" Metatheory. بيد أنّ هذا الخلاف لم يمنع الفريقين من الاتّفاق على أنّ قبول الشحّ، أو رفضه، لا يمكن أن يستند إلى مرجعيات أنطولوجية أو جمالية؛ فهذه ليست ضرورية - أو حتّى أساسية - لعلم السياسة أو العلوم الاجتماعية بصفة عامّة33. وكان من نتائج هذا الاقتناع نزوع علماء السياسة إلى حصر استخدام مبدأ الشحّ في مفهومه الإبستيمولوجي باعتباره: موجّهًا كشفيًا لصياغة الاستدلالات السببية وقاعدة منهجية لتصميم البحوث. من حيث الشكل، لا يختلف معنى الشحّ في علم السياسة عن معناه المتداول في فلسفة العلوم؛ إذ يُعبّر عن القاعدة التي تقضي "باستخدام الحدّ الأدنى من المتغيّرات لتفسير أكبر قدر ممكن من الظواهر"34، أو هو "القدرة على تفسير ظواهر كثيرة ببذل القليل من الجهد الفكري"35. يقول أحد علماء السياسة: "تكون النظرية أكثر أو أقلّ شحًّا، استنادًا إلى عدد الحقائق التي تفسّرها، مقارنة بعدد الفروض التي تحتاج إليها في صياغة التنبّؤات. وبشكل عام، كلّما استطاعت النظرية تفسير الكثير من الأحداث والوقائع باستخدام مجموعة محدودة من الفروض، زادت شحًّا وزادت فائدتها المرجوّة"36. أمّا من حيث المضمون، فتختلف طريقة توظيف الشحّ في علم السياسة باختلاف السياق الذي يُستخدم فيه؛ إذ قد يُستخدم أحيانًا موجّهًا كشفيًّا لصياغة الاستدلالات السببية (تحديد الفروض والمتغيّرات)، أو قاعدةً لحذف العناصر النظرية غير الضرورية والزائدة على الحاجة (سياق الاكتشاف.) وقد يُستخدم في أحايين أخرى قاعدةً منهجية لتصميم البحوث أو معيارًا لاختبار الفروض
والنظريات والمفاضلة بينها (سياق التبرير.) وتختلف أساليب النظر إليه أيضًا، حيث يراه المنظّرون موجّهًا كشفيًا يساعد في بناء نظريات قوية تفسيريًّا وقابلة للاختبار، ويعتبره علماء المنهج قاعدةً منهجية تزيد في جودة التصاميم البحثية وتحديدها. يمكن القول بشكل عام، إنّ منزلة الشحّ في البحوث السياسية تأثّرت بثلاثة عوامل أساسية: أولها زحف النظرية العلمية إلى مناهج علم السياسة الناشئ؛ وثانيها تقويم التكاليف الناجمة عن استخدامه؛ وأخيرًا التيار السائد في حقل منهجية البحث. بينما ساهم العامل الأوّل في انتشار الشحّ في البحوث السياسية، ساهم الأخيران في انحساره نسبيًا.
1. صعود نزعة الشحّ في علم السياسة وهبوطها
كي نفهم جيّدًا مكانة مبدأ الشحّ في علم حديث نسبيًا مثل علم السياسة، لا بدّ من تناوله في سياق كفاح المعرفة السياسية في سبيل اكتساب منزلة النظرية. فمن الناحية التاريخية، كان وصول حقبة "الدراسة العلمية للسياسة" عاملً رئيسًا في صعود نزعة الشحّ في علم السياسة، حيث تزامن عصره الذهبي - إذا جاز التعبير - مع اندلاع "الثورة المنهجية" في التخصّص في منتصف القرن العشرين. وعرفت تلك الحقبة تصدّر علماء المدرسة السلوكية Behavioralism المشهد الأكاديمي في أثر الانتقادات اللاذعة التي وجّهوها إلى علم السياسة التقليدي (القائم على المنهج التاريخي والتحليل القانوني - المؤسّساتي)؛ بسبب إغراقه في التأملّات التاريخية والملاحظات الوصفية على حساب التحليل السببي. وكان اقتناع السلوكيين راسخًا بأنّ من الضروري أن يبدأ مشروع "علم السياسة البديل" بصياغة فروض علمية تتّسم بقدر كبير من البساطة وتكون قادرة على تفسير الظواهر السياسية المعقّدة37. ولهذا نظروا إلى مبدأ الشحّ بوصفه قاعدةً منهجيةً ملائمةً لهذا الغرض. وبحلول منتصف الستينيات، كانت نزعة الشحّ قد أطبقت سيطرتها على النمط التحريري لأهمّ المجلات الرائدة في التخصّص، التي اختفت منها تدريجًا الملاحظات الوصفية المسهبة، وحلّت محلّها النماذج الرياضية والتحليلات الإحصائية المقتصدة والمضغوطة، كما أصبحت الحجج تُعرض في شكل معادلات رياضية وأشكال بيانية مُقتضبة ومنمّقة. وبلغت نزعة الشحّ أوجها في البحوث التنظيرية، حيث نُسب إليها الفضل في بناء النظريات الأكثر نجاحًا وتأثيرًا في تلك الفترة، ونذكر منها على سبيل المثال: نظرية الأنساق (ديفيد إيستون وغابريال آلموند)، ونظرية التحديث (صامويل هنتنغتون)، ونظرية الخيار العقلاني (أنتوني دوانز ومانكور أولسون)، إضافة إلى "مشروع ارتباطات الحرب" والواقعية البنيوية في حقل العلاقات الدولية. شهدت نزعة الشحّ انحسارًا لافتًا بدءًا من منتصف ثمانينيات القرن العشرين، حيث تعرّضت لوابل من الانتقادات المنهجية والنظرية، ولا سيّما في ما يتعلّق بمعيار الكفاية التفسيرية38. واستند بعض هذه الانتقادات إلى ادّعاء مفاده أنّ التزام الباحث بالشحّ يكلّفه بالضرورة خسارة "القوّة التفسيرية" Explanatory Power و"العمومية" Generality. واستندت تلك الانتقادات إلى طرح يفترض وجود مقايضة Trade-off دائمة بين الشح وهذين المعيارين، حيث يتطلّب إنجاز أحدهما ضرورة التضحية بالآخر39. وتحمل العمومية ما يفيد أنّ "الباحثين ملزمون على تحديد نطاق تطبيق نظرياتهم ما لم يكونوا مجبرين على القيام بذلك لأسباب منطقية أو إمبيريقية"40. وهي طريقة أخرى للقول إنّ البحث يجب أن يغطّي أكبر قدر ممكن من الظواهر. بيد أنّ الزيادة في عمومية البحث تتطلّب في أحايين كثيرة إضافة فروض ومتغيّرات جديدة؛ ما يجعل البحث أقل شحًّا41. ومثّلت هذه المقايضة معضلة عصيّة على الحل لأولئك الباحثين المتحمّسين للشحّ، وأثارت شكوكًا جدّية بشأن جدوى استخدامه في البحوث السياسية. كما كان وضع الشحّ في مقايضة مباشرة مع القوة التفسيرية عاملً رئيسًا في انحساره، لأنّ الباحث (كما هو متوقّع)، على الأرجح، سيُفضّ ل القوّة التفسيرية على الشحّ عندما يتعذّر عليه إنجاز الاثنين معًا42.
أمّا العامل الثاني الذي ساهم في انحسار الشحّ في علم السياسة، ولا سيّما منذ تسعينيات القرن المنصرم فصاعدًا، فهو كتاب غاري كينغ وروبرت كيوهان وسيدني فيربا تصميم التحقيق الاجتماعي - المعروف في الأدبيات السياسية بالحروف الأولى لأسماء مؤلّفيه KKV - الذي يُعتبر العمل الأشدّ تأثيرًا في منهجية البحث في العلوم السياسية بلا منازع43. يقول عنه فيليب شروت: "كان الكتاب الأساسي للمعسكر الأرثوذكسي في منهجية البحوث السياسية[...]وأدّى KKV'' في كثير من برامج الدراسات العليا في العلوم السياسية دورًا شبيهًا بدور 'KJV' - نسخة الملك جيمس من الكتاب المقدّس - في بعض المعاهد الدينية البروتستانتية: هو الحقيقة الكاملة التي لا يرقى إليها شك "44. وبالنظر إلى هذه الحظوة، فإنّه ليس بالأمر الغريب أن يصبح هذا العمل (لكثير من الباحثين) بمنزلة "دليل استعمال" لمبدأ الشحّ والكلمة الفصل في الجدل القائم بشأنه. ثلاث فقرات في الكتاب كانت كافية للمؤلّفين للمجادلة بأنّ مبدأ الشحّ ليس معيارًا ضروريًا للتحقيق العلمي: "يوصي بعض الباحثين باتّباع مبدأ 'الشحّ'[...]لكنّنا نعتقد أنّه يكون مناسبًا في بعض الأحيان فحسب. وبالنظر إلى التعريف الدقيق للشحّ باعتباره افتراضًا بشأن العالم، فإنّه لا ينبغي لنا أبدًا الإصرار على الشحّ باعتباره مبدأ عامًا في تصميم النظريات، لكنّه مفيد في الحالات التي نملك فيها شيئًا من المعرفة بشأن بساطة العالم الذي ندرسه"45. يبدو من هذه الفقرة، المقتبسة على نطاق واسع، أنّ كينغ وكيوهان وفيربا KKV يتبنّون تعريفًا أنطولوجيًا للشحّ: "هو حكم أو حتّى افتراض بشأن طبيعة العالم الذي يُفترض أن يكون بسيطًا"46. واستنادًا إلى ما قلناه عن الدور الهامشي للشحّ الأنطولوجي في العلوم الاجتماعية، فإنّ رفضهم المبدأ لا يُعدّ مفاجأة أبدًا. إنّ الشحّ بحسب KKV ليس أداةً يمكن الاعتماد عليها في صياغة الاستدلالات السببية. هذا الموقف الذي يكتنفه الكثير من الغموض، إنّما هو موقف مُحيّر حقًّا، وموطن الحيرة فيه أنّ المؤلّفين اعترفوا، ولو ضمنيًا على الأقل، بأنّ الشحّ قد يكون أحد الحلول الناجعة لمشكلة تصاميم البحث غير المحدّدة (سيلي تفصيلُها لاحقًا.) ثمّة تفسيران محتملان لهذا الموقف: الأوّل تبنّيهم آراء بوبرية (نسبة إلى كارل بوبر) بشأن الشحّ (تحديد البساطة بقابلية التفنيد)، والتفسير الثاني اعتمادهم تعريفًا للشحّ مقتبسًا عمّا يعرف ب "مسلّمة البساطة" لهارولد جيفريز (الذي اعتبروه أفضل تعريف للشح)ّ47. وأيًّا كان مصدر التعريف، فقد كلّفهم الوقوع في خطأ ثان48، جعل النظرية ملحقة بالبيانات:[...]" ونقصد بذلك أنّنا لا ننصح الباحثين بالسعي وراء الشحّ باعتباره خيرًا أساسيًا؛ إذ لا يبدو أنّ هناك سببًا وجيهًا لاعتماده ما لم نكن نعرف أشياء كثيرة عن موضوع ما. ونحن لا نحتاج إلى الشحّ حتّى لتجنّب النظريات المعقّدة بشكل مفرط، حيث إنّه ينطوي بشكل مباشر على المبدأ القائل بأنّ النظرية يجب أن تكون معقّدة، كما تشير الدلائل جميعها لدينا"49. يفترض المؤلّفون في هذه الفقرة، أنّ "الأدلة" هي التي تشكّل النظريات، بدلً من أن تكون دليلً لاختيار الأدلّة. في الحالة الأولى، عندما تتولّى الأدلّة قيادة البحث، يمكن أن يتّخذ الشحّ مرجعية أنطولوجية. لكن حين يكون البحث موجّهًا بالنظرية، يُصبح الشحّ أداةً لصياغة الاستدلالات السببية وتحديد الأطروحة، وقاعدةً لحذف العناصر النظرية الزائدة أو المربكة. وأغفل KKV المفهوم الإبستيمولوجي للشحّ؛ لأنّهم لم ينتبهوا إلى حقيقة أنّه يؤدّي في سياق الاكتشاف دورًا مختلفًا عن الدور الذي يؤدّيه في سياق التبرير، حيث يُعدّ التمييز بين هذين الدورين، والسياقات المرتبطة بهما، مهمًّا للغاية لتفادي المقاربة الاختزالية للشحّ (مسألة نعود إليها في المباحث الآتية.)
2. الشحّ في المنهجين المقارن ودراسة الحالة
بدأت الأمور في التغيّر تدريجًا مع مطلع الألفية الثانية، وزادت وتيرة التغيير بوصول "بريسترويكا علم السياسة"، ودخول الحقل في
ما يسمّى "حقبة ما بعد KKV"، وظهور ما يُعرف بحركة "المنهجية الجديدة"، وهي كلها مستجدّات أعادت تسليط الضوء على مبدأ الشحّ ودفعته إلى قلب نقاشات منهجية البحث في علم السياسة50. لكن عودة الشحّ هذه المرّة كانت في البحوث الكيفية وليس الكمّية، حيث شهدت البحوث السياسية في تلك الفترة زيادة ملحوظة في استخدام المناهج الكيفية، مثل البحث الإثنوغرافي والمقابلة المتعمّقة والتاريخ الشفوي وتحليل الخطاب وتحليل المضمون. وكما هو معروف، قلّلت هذه المناهج - ولا سيّما تلك التي تنطلق من مقاربات المؤسّساتية الجديدة والبنائية والنسوية - من أهمّية الشحّ بحجّة أنّه لا يوفّر قاعدة ملائمة لإنجاز بحوث ثرية بالتفصيلات، أو تحتوي على معلومات غزيرة وعميقة عن حالات متفرّدة51. على الرغم من ذلك، بقيت منزلة الشحّ في بعض المناهج الكيفية على حالها ولم تتأثّر بالوضع العام لحقل منهجية البحث. ويتعلّق الأمر بالمنهجين الأكثر شيوعًا في البحوث السياسية: المنهج المقارن ومنهج دراسة الحالة52. ويعتبر الشحّ إحدى القواعد المنهجية الأساسية المستخدمة في تصميم البحوث المقارنة، وتكمن أهمّيته في أنّه يوفّر حلولً عملية وناجعة لأهمّ مشكلة تعانيها هذه البحوث، تلك التي لخّصها آرند ليبهارت في مقالته الكلاسيكية في عبارة "الكثير من المتغيّرات والقليل من الحالات"53. تتعلّق هذه المشكلة بعدد الحالات المدروسة، مقارنة بعدد المتغيّرات المفترضة لتفسيرها (أو ما يسمّى "درجة الحرية" في النماذج الإحصائية)54. وفي هذا الصدد، تفرّق أدبيات التحليل المقارن بين البحوث التي تحتوي على عدد كبير من المتغيّرات وعدد قليل من الحالات، وتسمّى "بحوث الحالة " Case-oriented، والبحوث التي تحتوي على عدد قليل من المتغيّرات وعدد كبير من الحالات، وتسمّى بحوث المتغيّر Variable-oriente55. تبرز المشكلة عندما يكون التصميم البحثي يحتوي على عدد كبير من المتغيرات وعدد قليل من الحالات، ويُطلق KKV على هذا النوع من التصاميم اسم تصميم البحث غير المحدّد، وهو ذلك التصميم الذي "لا Indeterminate Research Design يمكننا أن نعرف من خلاله أيّ شيء عن الفروض السببية"، لأن لدى الباحث "استدلالات أكثر من الملاحظات"56. حين يكون عدد المتغيّرات أكثر من عدد الحالات، سيكون لدينا أسباب عدة تُفسّر نتيجة واحدة، أو عددًا قليلً من النتائج. وهذا معناه أنّ البيانات المستقاة من عدد محدود من الحالات ستؤيّد التفسيرات الناتجة من متغيّرات عدة. وبذلك لن يكون في مقدور الباحث تحديد الأثر السببي للمتغيّر التفسيري57. هناك حلاّن منطقيان لهذه المشكلة؛ إمّا خفض عدد المتغيّرات، وإما زيادة عدد الحالات. وبما أنّ الحل الثاني، أي زيادة عدد الحالات (والانتقال إلى دراستها بالمنهج الإحصائي) قد لا يكون مُتاحًا في الأحوال جميعًا (كما يعترف ليبهارت نفسه)58، فإنّ معظم البحوث
التي تستخدم التحليل المقارن ودراسات الحالة لجأ إلى التعامل مع المتغيرات، بدلً من الحالات. واقترح بعض العلماء أنّ أفضل طريقة للتعامل مع مشكلة تعدّد المتغيّرات في العيّنة الصغيرة هي تبنّي إحدى الاستراتيجيتين التاليتين: إمّا خفض عدد المتغيّرات المُدرجة في التحليل، وإما الالتزام بالشحّ في مرحلة تصميم البحث. كان ليبهارت أوّل من دعا إلى حلّ الخفض: "إذا تعذّر علينا زيادة عدد الحالات، فقد يكون في إمكاننا أخذ متغيّرين أو أكثر يشتركان في خاصية أساسية متشابهة ونجمعهما في متغيّر واحد"59. إنّ المسوّغ الرئيس لاستراتيجية الخفض، كما أشار إليه روث كوليير، هو أنّ المقارنة ذات العيّنة الصغيرة Comparison Small-N تواجه صعوبة في التعامل مع مشكلة التعدّدية السببية، ويعود السبب في ذلك إلى أنّها "لا تقدّم قاعدة لإزالة بعض العوامل التفسيرية والنهوض بفرضية معيّنة"60. ولهذا السبب يبدو الخفض، في مظهره العام، شكلً من أشكال "التشحيح." الحلّ الثاني لمشكلة كثرة المتغيّرات في بحوث العيّنة الصغيرة هو الالتزام بمبدأ الشحّ منذ البداية؛ أي في مرحلة تصميم البحث. ويصف ليبهارت طريقة القيام بذلك كالآتي: "يمكننا التخفيف من مشكلة 'كثرة المتغيّرات'[...]من خلال الالتزام بالشحّ النظري. ينبغي للتحليل المقارن أن يتجنّب مخاطر أن يكون مشحونًا بعدد كبير من المتغيّرات، الأمر الذي يفقده إمكان اكتشاف العلاقات المنتظمة. ومن ثمّ لا بدّ من أن يقيّد نفسه بحكمة بالمتغيرات الرئيسة الحقيقية، وأن يغفل تلك التي لها أهمّية ثانوية فحسب"61. في الإمكان تحديد المعنى المقصود بعبارة الالتزام بالشحّ في القيام بشيئين: إمّا أن يكون الشحّ ماثلً في ذهن الباحث في أثناء تصميم البحث (كما ذكرنا أعلاه)، وإما أن يكون باستخدام نظرية شحيحة كإطار فلسفي للبحث. وتساهم النظرية الشحيحة في حلّ مشكلة التصاميم البحثية غير المحدّدة لأنّها تحتوي، بطبيعتها، على عدد قليل من المتغيّرات، وهذا معناه إمكان اختبارها بعدد محدود من الحالات62. من ناحية أخرى، أظهرت بحوث دراسة الحالة التي أجريت في الآونة الأخيرة حرصًا شديدًا على أخذ مسألة الشحّ على محمل الجد، ولا سيّما في حقل العلاقات الدولية. ويعود السبب في ذلك إلى تزايد الاهتمام بتقنية اقتفاء العملية Process Tracing في العقدين الأخيرين63. يقول جايمس ماهوني Mahoney James 879-1810()1 "عندما نفكّر في منهجية البحوث الكيفية في علم السياسة، فإنّ أداة الاستدلال السببي التي تتبادر إلى الذهن هي اقتفاء العملية"64. ويمكن تعريف اقتفاء العملية بأنّها أداة لدراسة الآليات السببية في تصاميم البحث ذات الحالة الواحدة، حيث لا يكتفي الباحث "بمجرّد تحديد الارتباط بين المتغيّر المستقل (س) والنتيجة (ع")، لكن "يحاول تفكيك الآليات السببية إلى أجزائها التأسيسية، واقتفاءها بعد ذلك باستعمال دراسات الحالة المعمّقة"65. يُصادف اقتفاء الآلية السببية، في كثير من الأحيان، وجود عدد كبير من المتغيّرات؛ ما دفع بعض منظّري اقتفاء العملية إلى القول إنّها تقنية بحثية مناهضة للشح66. لكن الاطلّاع على حيثيات هذه التقنية عن كثب يكشف لنا عن أنّها لا تحوي سببًا منطقيًّا يجعلها متناقضة مع مبدأ الشحّ؛ بل قد يكون الشحّ أداةً مفيدة لتجاوز بعض العيوب الموجودة في اقتفاء العملية، مثل تحديد نقطة التوقّف Stopping Point التي يجب أن تنتهي عندها عملية الاقتفاء67، والمساعدة في تحديد الأوزان النسبية للأسباب المفترضة قيد الاقتفاء، وتحديد المتغيّرات الأهم التي تتسبّب في النتائج المتوقّعة.
تُستخدم تقنية اقتفاء العملية في منهج دراسة الحالة في ثلاثة أنواع من البحوث، يؤدّي الشحّ في كلّ واحد منها دورًا أساسيًا68: أولً، بحوث بناء النظرية، حيث يكون الشحّ ضروريًا لاستنتاج وجود آلية سببية أكثر عمومية من حقائق حالة معيّنة؛ وثانيًا، بحوث اختبار النظرية، ويستخدم فيها الشحّ لتقويم النظرية المستخدمة لجمع الدلائل، ثمّ اختبار ما إذا كانت الآلية السببية المفترضة موجودة فعلً في الحالة محلّ الدراسة، وهل تعمل بالطريقة التي تنصّ عليها النظرية؛ وثالثًا، بحوث تفسير النتيجة، وهنا يكون مبدأ الشحّ أكثر بروزًا، حيث لا يكون هدف الباحث هو بناء النظرية أو اختبارها (تفسير العملية)، إنّما تفسير حالات تاريخية معيّنة باستخدام آليات سببية شحيحة قدر الإمكان (تفسير النتيجة.) قصارى القول، كلّما زاد عدد المتغيّرات، زادت صعوبة اقتفاء العملية، لأنّ الآلية السببية تصبح معقّدة وخاضعة لعوامل عدة؛ ما يُصعّب على الباحث تتبّع اتّجاه الأثر من السبب نحو النتيجة. زيادة على ذلك، يتطلّب منهج اقتفاء العملية بيانات غزيرة بشأن موضوع البحث، ما يستلزم أنّ كثرة المتغيّرات في تصميم البحث ستزيد حتمًا صعوبة جمعها وتحليلها، وستؤثّر سلبيًا في جودة النتائج وصدقها. خلاصة القول هي أنّ استخدام مبدأ الشحّ في علم السياسة لا يقلّ إشكالً عن استخدامه في سائر العلوم. بيد أنّ الأمر يختلف نسبيًا قياسًا إلى الحقول الرديفة؛ فإذا أجرينا تقويمًا مقارنًا لدور الشحّ في سائر العلوم الاجتماعية، فسنكتشف حقيقة غير سارة كليًّا؛ إذ على الرغم من فوائده وأهمّيته، فإن مبدأ الشحّ لا يزال لا يحظى بالاهتمام الكافي في علم السياسة، على الأقل بقدر الاهتمام الذي يُمنح لطرائق جمع البيانات وتقنياتها. وفي ما يلي مبحث عن أسباب هذا الغياب ونتائجه.
ثًالث ا: الميثودية في منهجية البحث السياسي
يُعتبر التحكّم في المنهجية وإتقانها شرطًا ضروريًا لاكتساب الأهلية البحثية. لكن البراعة المنهجية التي هي أمر محمود في ذاتها، قد تتحوّل إلى نقمة أحيانًا إذا أوقعت الباحث ضحيةً لما سمّاه ريتشارد رورتي الميثودولاترية Methodolatry 69. والمقصود بهذا المصطلح لفظًا هو "تقديس المنهج"70، أمّا اصطلاحًا، فمعناه "التقديس غير الناقد للمناهج"71، و"الإيمان المفرط بقدراتها "72، و"الإذعان الخانع لها"73، إضافة إلى معانٍ أخرى، مثل الهَوَس بالمنهجية أو ممارستها وفق أشكال طقوسية. إنّ الميثودولاترية، بمعنى آخر، هي ذلك "الإيمان الدوغماتي بأسبقية المناهج والثقة المفرطة بقدراتها اللذان ينعكسان في مجموعة من الإجراءات المنهجية الصارمة والمتطرّفة وغير الانعكاسية". ويمكن وصفها بأسلوب أبسط بأنّها ممارسة منهجية تبرز عندما يطغى الانشغال باختيار المناهج والدفاع عنها على الاعتبارات الأخرى، فتحتل بموجبها المادّة البحثية والأطر النظرية منزلةً ثانوية مقارنة بالمناهج وتقنياتها74. على الرغم من مرور ما يُناهز العقدين على سكّ مصطلح الميثودولاترية (أو ستّة عقود بالإحالة إلى مقالة رولو ماي)195875، فإنّه لا يزال مصطلحًا مجهولً على نطاق واسع في حقل منهجية البحث في العلوم الاجتماعية. يفضّ ل بعض المشتغلين في هذا المجال مصطلحات بديلة مثل "النزعة المنهاجية" Methodologism و"المنهاجية المتطرّفة" Extreme Methodologism، أو حتّى "النزعة الإمبيريقية" Empiricism. أمّ ا المشتغلون في علم السياسة، وخصوصًا أولئك الذين عاصروا حقبة السلوكية وما بعدها، فيفضّ لون استخدام مصطلح الميثودية.Methodism ظهر مفهوم "الميثودية" في أواخر ستينيات القرن المنصرم، وانتشر تداوله في أعمال الباحثين السياسيّين المناصرين لحركة "علم السياسة الجديد" Science Political New الذين وجدوه مفيدًا
لوصف الإمبريالية المنهجية (السلوكية) التي اجتاحت علم السياسة منذ منتصف القرن العشرين. وتحمل الميثودية مدلولً أوسع من الميثودولاترية؛ فهي لا تعبّر عن استفحال الهوَس بالمناهج فحسب، بل تضيف إليها عاملً آخر في تعريف الظاهرة، وهو "فقدان النظرية." وتجدر الإشارة هنا إلى نقطتين في غاية الأهمّية: أولً، ليس كلّ استخدام لمنهجية البحث، مهما كان صارمًا، يمثّل نزعة ميثودية (أو ميثودولاترية.) يجب النظر إلى الميثودية باعتبارها نسخة معتلّة (باثولوجية) من الممارسة المنهجية السليمة، تلك التي تكون موجّهة بخلفية فلسفية ونظرية؛ وثانيًا، لا تعني الميثودية المقاربة الكمّية ولا حتّى النزعة الإمبيريقية بالضرورة؛ إذ قد يكون تصميم البحث كمّيًا في أدواته، لكن محتواه معتدل منهجيًا ومشحون نظريًا، وقد يكون كيفيًّا في أدواته، إلا أنّ محتواه متحيّز إلى البيانات وفاقد للنظرية.
1. الميثودية وانعدام الشحّ
ظهر مصطلح الميثودية أوّل مرّة في مقال كلاسيكي لشيلدون وُولين نُشر في المجلّة الأميركية للعلوم السياسية، وكان سبب انتشار المقال وتداوله على نطاق واسع، هو قدرة كاتبه على تلخيص، في كلمة واحدة، كامل المعتقدات والممارسات المنهجية السائدة في البحوث السياسية لتلك الفترة. وعرّف وُولين الباحثَ الميثودي بأنّه "الشّخص الماهر في استخدام المناهج أو الذي يمنحها أهمّية بالغة"76. أمّا الميثودية، فهي عبارة عن "مقترح لتشكيل العقل"، يحدّد الكيفية التي ينظر بها الباحث إلى العالم السياسي عوضًا من أنها نظام للتحقيق (كما وصفها جيريمي بنثام) أو طرائق لجمع الشواهد الإمبيريقية77. لم تكن الميثودية مجرّد ممارسة إجرائية، بل مثّلت تقليدًا بحثيًا أو "حياةً منهجية" Methodica Vita على حدّ تعبير وُولين. واستمدّت الميثودية زخمها من واقع أنّها حقّقت لنفسها بعض (وليس كلّ) خصائص البراديغم Paradigm: "باعتبارها تقليدًا خاصًا ومتماسكًا من البحث العلمي يلقّن الطالب ما سوف يُعتبر أنماط المعرفة المشروعة في التخصّص وكيفية اكتسابها "78. ويمكن القول إنّ ممارسة المنهجية في شكل تقليد بحثي، أو بطرائق تعكس خصائص البراديغم، هي شرط ضروري لتشكّل الحقل الميثودي. ويتشكّل هذا الحقل عبر "برامج التدريب" المُدرَجة في حقل منهجية البحث، ثمّ يترسّخ تدريجًا عبر "تقسيم العمل " الذي ينتجه. دعونا نوضّ ح ذلك. أصبحت منهجية البحث حقلً دراسيًا منفصلً وقائمًا بذاته بفضل برامج التدريب79. وينسحب هذا القول على الميثودية أيضًا، إلا أنّها تختلف عن المنهجية العادية في أنها تُعيد إنتاج نفسها بوساطة هذه البرامج في شكل حلقة تغذية راجعة؛ فهي تتولّد أساسًا من برامج التدريب الصارمة، ثمّ تعزّز هذه البرامج وتُغذّيها بمزيد من التدريب الصارم. والغرض من التدريب هو تلقين الطالب المهارات اللازمة لاستخدام التقنيات والأدوات المنهجية80. ولا يقتصر التدريب على الأمور التقنية فحسب، بل يتلقّى الطالب تنشئة ميتاثودولوجية وضعية Meta-methodology، تهدف إلى تلقينه بعض المعتقدات المنهجية الأساسية مثل تحرّي الموضوعية والحياد القيمي والالتزام بقوانين التحقّق وغيرها81. تُنتِج الميثودية تقسيمَ عملٍ (مُفتعل) قائمًا على التخصّص بين المقاربات الكمّية والكيفية، وبمجرّد أن يولد هذا التقسيم، يصبح في حدّ ذاته مولِّدًا للممارسات البحثية التي تُعيد إنتاج الميثودية. وينتج مثل هذا التعزيز الذاتي Self-reinforcement لتقسيم العمل، في معظم الحالات، من الأسطورة الواسعة الانتشار القائلة إنّ المناهج الكمّية تستخدم تقنيات متفوّقة على المناهج الكيفية. وعلى الرغم من الدعوات الكثيرة في الأعوام الأخيرة لتوليف المقاربتين تحت شعار التعدّدية المنهجية (المناهج المختلطة)، فإنّ المغالاة في استخدام المقاربات الإحصائية والنماذج الرياضية أدّت إلى اتّساع الفجوة بين المقاربتين وزيادة حدّة الانقسام بينهما. ويدافع أنصار النزعة الكميّة عن استخدامهم الرياضيات في البحوث السياسية بحجّة أنّها تمتلك لغة وصفية دقيقة، وأنّها قوية استنتاجيًا ومتّسقة منطقيًا82. يجادلون أيضًا بأنّ صرامة الرياضيات تتطلّب تحديد منطق الأطروحة بوضوح، وتكشف ضعف الحجج الشفوية التي تعتمد على الفصاحة في تقديمها83. في مقابل ذلك، يعتقد نقّاد المقاربة الكمّية أنّ أنصارها يقدّمون البراهين والدلائل في صيغة معادلات ورسومات بيانية لجعل الأفكار السهلة والبسيطة تبدو عميقة وصعبة المنال من دون استدلال رياضي. وهذا من شأنه أن يؤدّي أحيانًا إلى
قبول حجج خاطئة أو تافهة لمجرّد أنّها قُدّمت بطريقة تقنية رائعة84. وهناك محاولات حثيثة لتخفيف حدّة هذا الخلاف، لكن محصّ لته الصفرية لا توحي باقتراب علم السياسة من ردم الهوّة التي تفصل بين البحوث الكمّية والكيفية. ولا يزال طيف واسع من الباحثين يعتقد أنّ تقسيم العمل الكمّي/ الكيفي يفرض على البحوث الكيفية على وجه التحديد اتّباع طرائق الاستدلال الموجودة في المناهج الكمّية إن هي أرادت إنجاز بحوث جيّدة وأنيقة. وهناك من يطلق على هذا الانحياز اسم "الإمبريالية الكمّية" Imperialism Quantitative 85، بيد أنّ التأمّل فيها عن كثب يكشف لنا أنّها في الأصل إمبريالية ميثودية. نعود الآن إلى موضوع الشحّ. تشجّع الميثودية الميول نحو الإكثار من المتغيّرات؛ فهي ترسّخ لدى الباحث اقتناعًا مفاده أنّ عدد المتغيّرات (مهما كثرت) لا يهمّ، ما دامت ستُعالج بمناهج وأساليب بحثية متطوّرة. وهذا معناه أنّ تعدّد المتغيّرات ليس مشكلة في حدّ ذاته، وأمّا المشكلات الأخرى التي تواجه تصاميم البحث، فيمكن حلّها بوساطة التلاعب بالتقنيات المنهجية وبراعة الباحث في تكييفها. ولعلّ أوضح مثال على ذلك ما أوردناه سابقًا من أنّ تعدّد المتغيّرات في البحوث المقارنة ودراسات الحالة ليس مشكلة إلّ إذا اقترن بعيّنة بحثية صغيرة، وفي هذه الحالة يمكن حلّ المشكلة بزيادة عدد الحالات ومعالجتها باستخدام المنهج الإحصائي. وأشرنا أيضًا إلى أنّ زيادة عدد الحالات قد لا يكون ممكنًا في الأحوال كلها، وذكرنا أنّ الحلّ الوحيد المُتاح للباحث حينها هو تشحيح التصميم البحثي. وخلاصة القول هي أنّه ليس في مقدور المناهج، مهما بلغت درجة تطوّرها، معالجة عدد كبير من المتغيّرات من دون أن تنقص في الوقت نفسه من جودة البحث وبساطته. يصبح الارتباط بين الميثودية وانعدام الشحّ أكثر بروزًا عند النظر إليه من زاوية الأدوار المختلفة التي يؤدّيها كلاهما في البحوث التي تسعى لاختبار النظرية من ناحية Theory-Testing، والبحوث التي تسعى لبنائها من ناحية Research أخرى Theory-Building Research86. تُنتج الميثودية ميلً عامًّا نحو بحوث اختبار النظرية، وهي في العادة بحوث تنطلق من فروض معيّنة وتشتقّ منها نتائج قابلة للملاحظة، ثمّ تقوم بتأكيدها أو تفنيدها بناءً على مدى تحقق تلك النتائج في التجربة. هذا الأسلوب البحثي، المعروف باسم "الفرضية الاستنباطية" Hypothetico- deductivism، يستخدم مبدأ الشحّ معيارًا للاختيار بين الفروض المتنافسة، سواء أكانت ضمن النظرية نفسها أم بين نظريات عدّة87. وفي كلتا الحالتين، تكون الفرضية الشحيحة هي الأفضل. لكن المشكلة تبرز عندما تكون النتائج المشتقّة من الفروض متكافئة من حيث الشحّ، ولا سيّما عند اختبار مجموعة من الفروض في نظرية واحدة. لنفترض مثلً أنّنا نودّ اختبار نظرية متكوّنة من ثلاثة فروض: (أ) و(ب) و(ج)، حيث تحتوي كلّ فرضية على متغيّر مستقل واحد. حين يكون عدد المتغيّرات متعادلً، وتكون النتائج التي تولّدها متكافئة من حيث البساطة أو التعقيد، مع ضرورة بقاء الأشياء الأخرى على حالها Paribus Ceteris، فإنّنا سنواجه حينئذ معضلة في الاختيار بينها. وينسحب الأمر ذاته على اختبار نظريات متنافسة تكون فروضها ومتغيّراتها متعادلة عدديًا ومتكافئة من حيث الشحّ؛ ففي كلتا الحالتين لا نملك مقياسًا موضوعيًا لتحديد الفرضية الأكثر شحًّا. وفي هذه الحالة تكون قابلية الاختبار والتفنيد (الشواهد الإمبيريقية) هي المعايير الأهم، وليس مبدأ الشحّ. إنّ العامل الأهمّ الذي يساهم في تحديد دور الشحّ في البحوث الاختبارية هو استخدامه في اختبار الفروض، بدلً من توليدها. وهذا معناه عمليًا أنّ الدور الذي يؤدّيه الشحّ في سياق التبرير مختلف تمامًا عن الدور الذي يؤدّيه في سياق الاكتشاف88. وكان الفشل في تحديد هذه الأدوار وسياقاتها المختلفة مصدرًا للكثير من الغموض وسوء التحديد، وغالبًا ما تسبّب في تجاهل الباحثين مبدأ الشحّ بسبب إهمالهم دوره الإبستيمولوجي (باعتباره موجّهًا كشفيًا لصياغة الاستدلالات السببية)، وهو الخطأ الذي وقع فيه KKV، كما أشرنا في موضعه، حيث تبنّوا مفهومًا أنطولوجيًا للمبدأ لأنّهم لم يأخذوا في الحسبان وظيفته الإبستيمولوجية في سياق الاكتشاف.
2. في البدء كان التنظير: العودة إلى سياق الاكتشاف
تشير المناقشة السابقة إلى أنّ عودة الشحّ إلى البحوث السياسية تفرض تباعًا العودة إلى سياق الاكتشاف. وهذا معناه، في المستوى الإجرائي على الأقل، أنّ الحلّ يكمن في التنظير
وليس في النظرية في حدّ ذاتها. فما الفرق بينهما؟ النظرية هي الصيغة المُنجزة والمكتملة التي تتوافر عادة في صيغة منشورة، أمّا التنظير فهو العملية الأوّلية المنتجة النظرية89. وعلى الرغم من أنّهما متداخلان ومتكاملان، فإنّهما ينتميان إلى سياقين مختلفين. تنتمي النظرية إلى سياق التبرير، وينتمي التنظير إلى سياق الاكتشاف. ويعتبر سياق التبرير هو السياق المهيمن في العلوم الاجتماعية، حيث يتعامل معظم الطلاب مع النظريات المتداولة في حقوله أو تلك التي تثير اهتمامه، كما تُعطى لهم في المقرّرات من دون معرفة تفصيلات كثيرة عن كيفية اكتشافها أو بنائها: "إنّ معظم الطلاب اليوم، وبنسبة مئة في المئة تقريبًا، يتعرّض للنظرية كما تظهر في سياق التبرير. وهذا يعني أنّه يتاح له معرفة النظرية بعد اكتشافها وتحوّلها إلى نسخة صالحة للنشر فحسب[...]وهذا يعني أنّ الطريقة الفعلية لاكتشاف النظرية وتطويرها، تلك العملية المدهشة من التجربة والخطأ في أثناء بنائها، تبقى مغيّبة عنه"90. طلاب علم السياسة ليسوا استثناءً في هذا الصدد. ويمكن أن نميّز بسهولة طغيان اختبار النظرية على البحوث السياسية في الأعوام الأخيرة من خلال الظاهرة التي وصفها بعض العلماء بأنّها "انتصار المناهج على النظرية." وفي ما يلي توصيف لها على لسان اثنين من علماء العلاقات الدولية: "إنّ الحقل يبتعد تدريجًا عن تطوير النظريات أو استخدامها بعناية، وعوضًا من ذلك، يركّز على ما نسمّيه الاختبار البسيط للفروض، حيث تؤدّي النظرية عادة دورًا بسيطًا في هذا المشروع، وتكرّس غالبية الجهود لجمع البيانات واختبار الفروض الإمبيريقية"91. يكمن الحلّ في العودة إلى سياق الاكتشاف. وذلك معناه ترك النظرية خلفنا ومحاولة بناء أو توليد نظرية جديدة. ولا نعني بالقول "ترك النظرية خلفنا" النأي عنها، أو التجرّد منها كلّيًا، بل ألّ يكون التحقّق منها غاية البحث، ويجب أن تكون غايته هي التنظير92. وهنا لا بدّ من أن نُشدّد على ملاحظة في غاية الأهمّية. ليس بالضرورة أن ينتهي التنظير بإيجاد نظرية (وإن كانت تلك غايته.) إنّ المقصود بالتنظير هو الفعل وليس مخرجاته. وبعبارة أخرى، هو مجرّد محاولة الباحث بناء نظرية في أثناء إنجازه البحث، بغضّ النظر إن كُلّلت مساعيه بالنجاح أو الفشل93. تقودنا الدعوة إلى التنظير بالضرورة نحو مناقشة إمكانه وحدوده؛ إذ قد يعترض شخص ما قائلً إنّ مطالبة الطّالب بالتنظير إنّما هو أمر مبالغ فيه، لأنّ التنظير ليس شيئًا نتعلّمه أو نُعلّمه مثل المناهج، لكنّه مرتبط بالموهبة والقدرة الإبداعية التي تختلف من شخص إلى آخر. هذا الاعتراض مردود عليه في شقّين: أولً، حتّى في ظلّ غياب خطوات أو مهارات محدّدة يتعلّمها الطّالب لبناء النظرية (كما يفعل مع المناهج)، لا يزال من الممكن تلقينه كيفية "التفكير النظري." ويمكن تحقيق ذلك من خلال تمرين الطلاب على التفكير التحليلي المجرّد، وتركهم "يتعلّمون بأنفسهم كيفية ملاحظة الظواهر وإيجاد المفاهيم وبناء النظرية"94؛ ثانيًا، إنّ "التفكير الشحيح" هو أهمّ أشكال التفكير النظري. ولذلك فإنّ تلقين الطالب أسلوب التفكير الشحيح سيجعله أكثر تحديدًا في صياغة الأطروحة، وأكثر اقتصادًا في اقتراح الفروض والمتغيّرات، وكلاهما يساعد في جعل التصوّر العام للنظرية واضحًا في ذهنه. إضافة إلى ذلك، يجب تعليم الطالب أنّ الشحّ فكريٌّ في الأساس، ويتحقّق أوّلً على مستوى العقل قبل أن يُترجَم نثرًا إلى متغيّرات. وهناك طريقتان لمساعدة الطالب في اكتساب الشحّ الفكري: أولاهما حثّ الطالب على حذف كلّ ما هو غير ضروري وزائد على الحاجة في الأطروحة، تفاديًا لوقوعه في "فخ الوصف" Description Trap، بمعنى سرد التفصيلات التي تحمل أفكارًا بدهية والزعم أنّها تفسير95. أمّا الطريقة الثانية فهي حثّه على البحث عن الأنماط في
البيانات، لأنّ النمط شحيح بطبيعته96. وكما قال كرايغ ديلانسي: "إنّ امتلاك نمط معيّن يعادل إنجاز الشح"ّ97. في الأحوال كلها، ينبغي ألا يُفهم من دعوتنا إلى التنظير أنّه عمل سهل، أو في متناول الجميع. بل على العكس تمامًا، هو نشاط علمي معقّد وصعب للغاية. لكن في المقابل، ينبغي ألا تكون صعوبته النسبية مبرِّرًا لإعفاء الطلاب من محاولة إنجازه. ولئن كان هذا الطّرح، من دون أدنى شك، لن ينجو من اتّهام البعض له بالصرامة المفرطة أو حتّى القسوة أحيانًا، فإنّه في كلّ الأحوال ليس أكثر قسوة من موقف عالم الاجتماع أرثر شتينكومبي الذي صرّح فيه: "إذا واجه الطّالب صعوبة في العثور على ثلاثة تفسيرات معقولة لأيّ ارتباط يتناوله بالبحث، فحريّ به أن يبحث عن مهنة أخرى"98.
خاتمة
كان الهدف الرئيس من هذه الدراسة هو لفت الانتباه إلى قاعدة منهجية ونظرية في غاية الأهمّية، لم تحظَ باهتمام كبير في البحوث السياسية، ألا وهي مبدأ الشحّ. وتطلّب إنجاز هذا الهدف إبراز الدور المهم الذي يمكن أن يؤدّيه الشحّ في بناء الأطروحة (طرح السؤال البحثي وصياغة الفروض وتحديد المتغيرات) وتحديد التصميم البحثي (استخدام عدد قليل من المتغيّرات لدراسة حالات عدة) وضمان البساطة والاختصار والاقتصاد في الأفكار والأناقة في التحليل وتفادي مسالك التعقيد والحشو والتفصيلات الزائدة على الحاجة. قادتنا هذه الأدوار والمنافع المنهجية والنظرية المتوقّعة من الشحّ إلى طرح السؤال الرئيس للدراسة: لماذا - على الرغم من أهمّيته وفوائده - لا يُعيره كثير من الباحثين في العلوم السياسية والاجتماعية الاهتمام الذي يستحقه؟ حاولت الدراسة الإجابة عن هذا السؤال من خلال الكشف عن الأسباب الكامنة وراء شيوع ظاهرة انعدام الشحّ في البحوث الكيفية والكمّية على السواء. وانطلقت من فرضية نظرية مفادها أنّ السبب الرئيس لحدوث هذه الظاهرة وبروزها هو النزعة الميثودية المستشرية في حقل منهجية البحث، التي ينعكس مظهرها في انشغال الباحثين المفرط بالمناهج والمغالاة في استخدامها وتقديمها على الاعتبارات الأخرى المهمّة في البحث العلمي. وأنتجت هذه الممارسة نتيجتين، كان لهما دور كبير في حجب مبدأ الشحّ في مسار البحث: أولً، أصبحت البحوث فاقدة النظرية (جزئيًا أو كلّيًا)، وهو ما تسبّب في تولّي المناهج قيادة المسار البحثي بدلً من النظريات؛ وثانيًا، توجّهت تلك البحوث نحو اختبار النظرية بدلً من بنائها، وهو ما نجم عنه انحسار لافت لدور النظرية بعامة في الحقول الدراسية. شدّدت الدراسة على أهمّية مبدأ الشحّ باعتباره أحد الحلول الناجعة لتخليص البحوث الاجتماعية من الميثودية، حيث جادلنا بأنّ السبيل الوحيد للقيام بذلك هو العودة إلى سياق الاكتشاف وجعل التنظير هو الهدف الرئيس للتحقيق العلمي عوضًا من الممارسة المنهجية في حدّ ذاتها. ولإمساك هذه الغاية، جادلنا بأنّ مبدأ الشحّ هو موجّه كشفي مفيد لبناء النظرية ويساهم في اكتشاف القوانين العلمية ويجعل الأطروحة بسيطة ومحدّدة. إضافة إلى ذلك، يساهم الشحّ في حلّ بعض المشكلات المنهجية الشائعة في أنواع معيّنة من البحوث، وفي مقدّمها مشكلة تصاميم البحث غير المحدّدة في التحليل المقارن، ومشكلة نقطة التوقّف في تقنية اقتفاء العملية الشائعة في دراسات الحالة.
المراجع
العربية
ابن خلدون. كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، بيروت: دار الكتاب اللبناني،.1999 أغروس، روبرت م. وجورج ستانسيو. العلم في منظوره الجديد. ترجمة كمال خلايلي. سلسلة عالم المعرفة 34.1 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1989 سويدبرغ، ريتشارد. "قبل النظرية يأتي التنظير أو كيف نجعل عمران. العدد العلوم الاجتماعية أكثر جاذبية." 02 (ربيع.)2017 لايدر، ديرك. قضايا التنظير في البحث الاجتماعي. ترجمة عدلي السمري. القاهرة: المشروع القومي للترجمة،.2000
الأجنبية
Baglione, Lisa A. Writing a Research Paper in Political Science: A Practical Guide to Inquiry, Structure, and Methods. 3rd ed. Washington, DC: CQ Press, 2016. Barker, Alan. "Occam's Razor in Science: a Case Study from Biogeography." Biology and Philosophy. no. 22 (2007).
Barnes, E. C. "Ockham's Razor and The Anti-superfluity Principle." Erkenntnis. no. 53 (2000). Beach, Derek & Rasmus Brun Pedersen. Process-Tracing Methods: Foundations and Guidelines. Ann Arbor: The University of Michigan Press, 2013.. Causal Case Study Methods: Foundations and Guidelines for Comparing, Matching, and Tracing. Ann Arbor: University of Michigan Press, 2016. Bennett, Andrew & Jeffrey T. Checkel (eds.). Process Tracing: From Metaphor to Analytic Tool. United Kingdom: Cambridge University Press, 2014. Box-Steffensmeier, Janet M, Henry E. Brady & David Collier. The Oxford Handbook of Political Methodology. Oxford: Oxford University Press, 2008. Brady, Henry E. & David Collier. Rethinking Social Inquiry: Diverse Tools, Shared Standards. New York: Rowman & Littlefield, 2004. Bueno de Mesquita, Bruce. Principles of International Politics. 5th ed. Washington, DC: CQ Press, 2014. Campbell, Donald T. "'Degrees of Freedom' and Case Study." Comparative Political Studies. no. 8 (1975). Alternative "Combining Berins. Ruth Collier, Perspectives: Internal Trajectories versus External Influences as Explanations of Latin American Politics in the 1940s." Comparative Politics. vol. 26, no. 1 (October 1993). Coulam, Robert & Richard Smith (eds.). Advances in Information Processing in Organizations. Greenwich, Conn.: JAI Press, 1985. Craib, Ian. Modern Social Theory: From Parsons to Habermas. 2nd ed. London: Routledge, 1992. Crombie, A. C. Medieval and Early Modern Science. Cambridge, MA: Harvard, 1959. DeLancey, Craig. "Does a Parsimony Principle Entail a Simple World?." Intontology Metaphysics. no. 12 (2011). Denzin, Norman K. & Yvonna S. Lincoln. The SAGE Handbook of Qualitative Research. New York: Sage Publications, Inc, 2005. Denzin, Norman K. & Yvonna S. Lincoln (eds.). Strategies of Qualitative Inquiry. Thousand Oaks, CA: Sage, 1998. Dryzek, John S. "Revolutions Without Enemies: Key Transformations in Political Science." American Political Science Review. vol. 100. no. 4 (November 2006). Farr, James, John S. Dryzek & Stephen T. Leonard (eds.). Political Science in History: Research Programs and Political Traditions. Cambridge: Cambridge University Press, 1995. Feuer, Lewis S. "The Principle of Simplicity." Philosophy of Science. vol. 24, no. 2 (April 1957). George, Alexander & Andrew Bennett. Case Studies and Theory Development in the Social Sciences. Cambridge: Cambridge: MIT Press, 2004. Gerring, John. Social Science Methodology: A Unified Framework. 2nd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Gilbert, Nigel (ed.). Researching Social Life. 2nd ed. London: Sage Publication, 2001. Glynn, Ian. Elegance in Science: The Beauty of Simplicity. Oxford: Oxford University Press, 2010. Goggin, Malcolm L. "The 'Too Few Cases/Too Many Variables' Problem in Implementation Research." Political Research Quarterly. no. 39 (1986). Gunitsky, Seva. "Rival Visions of Parsimony: Theory Note." International Studies Quarterly. no. 63 (2019). at: https://bit.ly/2BeOkTy Gschwend, Thomas & Frank Schimmelfennig (eds.). Research Design in Political Science: How to Practice What They Preach. New York: Palgrave Macmillan, 2007. Hay, Colin. Political Analysis: A Critical Introduction. New York: Palgrave, 2012.
Hempel, Carl. Philosophy of Natural Science. New Jersey: Prentice-Hall, Inc, 1966. Jeffreys, Harold. Theory of Probability. Oxford: Clarendon Press, 1961. Johnson, Janet Buttolph, H. T. Reynolds & Jason D. Mycoff. Political Science Research Methods. 8th ed. New York: SAGE Publications, 2016. Kaplan, Abraham. The Conduct of Inquiry: Methodology for Behavioral Science. New Brunswick: Transaction Publishers, 1998] 1964[. Kellstedt, Paul M. & Guy D. Whitten., The Fundamentals of Political Science Research. 2nd ed. United Kingdom: Cambridge University Press, 2013. King, Gary, Robert O. Keohane & Sidney Verba. Designing Social Inquiry. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1994. Klotz, Audie & Deepa Prakash (eds.). Qualitative Methods in International Relations: A Pluralist Guide. New York: Palgrave Macmillan, 2008. Kuhn, Thomas. The Structure of Scientific Revolutions. 3rded. Chicago: University of Chicago Press, 1996. Leitner, Larry M. & Sally N. Phillips. "The Immovable Object Versus the Irresistible Force: Problems and Opportunities for Humanistic Psychology." Journal of Humanistic Psychology. vol. 43, no. 3 (2003). Lewins, Frank. Social Science Methodology. New York: Macmillan, 1992. Lijphart, Arend. "Comparative Politics and the Comparative Method." The American Political Science Review. vol. 65, no. 3 (September 1971). ".The Comparable-Case Strategy in Comparative Research." Comparative Political Studies. no. 8 (1975). Mahoney, James. "After KKV: The New Methodology of Qualitative Research." World Politics. vol. 62, no. 01 (2010). Maliniak, Daniel, Susan Peterson & Michael J. Tierney. "Trip Around the World: Teaching, Research, and Policy Views of International Relations Faculty in 20 Countries." The College of William and Mary Williamsburg. Virginia. May 2012. Maurer, Armand. "Ockham's Razor and Chatton's Anti- Razor." Mediaeval Studies. no. 46 (1984). McCord Adams, Marilyn. William Ockham. 2nd ed. Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1989. Mearsheimer, John J. & Stephen M. Walt. "LeavingTheory Behind: Why Hypothesis Testing Has Become Bad for International Relations." European Journal of International Relations. vol. 19, no. 3 (2013). Mills, Charles Wright. The Sociological Imagination. New York: Oxford University Press, 1959. Munck, Gerardo L. "Canons of Research Design in Qualitative Analysis." Studies in Comparative International Development. vol. 33, no. 3 (Fall 1998). Nelson, John S. Tropes of Politics: Science, Theory, Rhetoric, Action. Madison: The University of Wisconsin Press, 1998. Peters, B. Guy. Strategies for Comparative Research in Political Science: Theory and Methods. New York: Palgrave Macmillan, 2013. Popper, Karl. The Logic of Scientific Discovery. 2nd ed. London: Routledge, 1992. Quine, Willard Van Orman. The Ways of Paradox and Other Essays. New York: Random House, Ink, 1966. Ragin, Charles C. The Comparative Method: Moving Beyond Qualitative and Quantitative Strategies. Berkeley: University of California Press, 1987. Rorty, Richard. Philosophy and Social Hope. London: Penguin Books, 1999. Rose, Gerry. Deciphering Sociological Research. London: Macmillan, 1982.
Salter, Mark B. & Can E. Mutlu (eds.). Research Methods in Critical Security Studies: An introduction. New York: Routledge, 2013. in Misformation "Concept Giovanni. Sartori, Comparative Politics." The American Political Science Review. vol. 64, no. 4 (December 1970). Schaffer, Jonathan. "What Not to Multiply Without Necessity." Australasian Journal of Philosophy. vol. 93, no. 4 (2015). Schrodt, Philip A. "Beyond the linear Frequentist Orthodoxy." Political Analysis. vol. 14, no. 3 (2006). Shively, W. Phillips. The Craft of Political Research. 7th ed. New Jersey: Pearson Prentice Hall, 2009. Smelser, Neil J. Comparative Methods in the Social Sciences. Englewood Cliffs, N.J: Prentice Hall, 1976. Sober, Elliott. Reconstructing the Past: Parsimony, Evolution, and Inference. Massachusetts: The MIT Press, 1988. _______. Ockham's Razors: A User's Manual. Cambridge University Press, 2015. Sprinz, Detlef F. & Yael Wolinsky-Nahmias (eds.). Models, Numbers, and Cases: Methods for Studying International Relations. Ann Arbor, MI: University of Michigan Press, 2004. Stinchcombe, Arthur L. Constructing Social Theories. New York: Harcourt, Brace & World, Inc, 1968. Swedberg, Richard. "Theorizing in Sociology and Social Science: Turning to The Context of Discovery." Theory and Society. no. 41 (2012). " .Before Theory Comes Theorizing or How to Make Social Science More Interesting." The British Journal of Sociology. vol. 67, no. 1 (2016). Thomson, J. J, et al. James Clerk Maxwell: A Commemoration Volume, 1831 - 19 31. Cambridge: Cambridge University Press, 1931. Toshkov, Dimiter. Research Design in Political Science. London: Palgrave Macmillan, 2016. Van Evera, Stephen. Guide to Methods for Students of Political Science. Ithaca: Cornell University Press, 1997. Walsh, Richard T. G, Thomas Teo & Angelina Baydala. A Critical History and Philosophy of Psychology: Diversity of Context, Thought, and Practice. Cambridge University Press, 2014. Walt, Stephen. "Rigor or Rigor Mortis? Rational Choice and Security Studies." International Security. vol. 23, no. 4 (Spring 1999). Waltz, Kenneth N. Theory of International Politics. Reading, Mass.: Addison-Wesley, 1979. ".Evaluating Theories." American Political Science Review. vol. 91, no. 4 (December 1997). White Beck, Lewis. "The Principle of Parsimony in Empirical Science." The Journal of Philosophy. vol. 40, no. 23 (November 1943). Wolin, Sheldon S. "Political Theory as a Vocation." The American Political Science Review. vol. 63, no. 4 (December 1969). Zellner, Arnold, Hugo A. Keuzenkamp & Michael McAleer (eds.). Simplicity, Inference and Modelling: Keeping it Sophisticatedly Simple. Cambridge University Press, 2004.