نظرية الاختيار العقلاني وبدائلها في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية

مروة حامد البدري | Marwa El Badry

الملخّص

تدور الدراسة حول إشكالية رئيسة تتعلق بنظرية الاختيار العقلاني وتطبيقاتها في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، وما إذا كانت عملية الاختيار تخضع لمبدأ تعظيم المنفعة وفق ا لهذه النظرية، أم تخضع لمبادئ أخرى وعمليات نفسية وتحيّزات إدراكية. وتوصّ لت الدراسة إلى استنتاجات تؤكد أن عملية الاختيار في واقع الأمر تخضع لعملية غير معيارية؛ بمعنى أنها لا تخضع لتعظيم المنفعة على نحو مستمر، لكن قد تكون هناك عوامل أخرى تؤدي إلى اختيار المخاطرة وتفضيلها على المكسب، وتتداخل هنا الجوانب النفسية مع الجوانب العقلانية في التأثير في الاختيار؛ ما يدفعنا إلى القول إنه لا يمكن الفصل بين المدرسة التي تركز على الجوانب النفسية لصانع القرارات والمدرسة التي تركز على حساباته العقلية، بل يمكن الدمج بين الاثنتين معًا في إطار نظريات بديلة ومكملة لنظرية الاختيار العقلاني، مثل نظرية التصوّر. كلمات مفتاحية: الاختيار العقلاني، نظرية المنفعة، العلاقات الدولية، السياسة الخارجية. The study centers on a major problem related to rational choice theory and its applications in international relations and foreign policy. It asks whether the selection process is subject to the principle of maximizing benefit according to this theory, or is subject to other principles, psychological processes and cognitive biases. The study reached conclusions that confirm that the selection process is in fact subject to a non-standard process; that is, it is not subject to continuous choices to benefit maximization, but there are other factors that lead to the selection of risk over gain, and here the psychological aspects overlap with the rational aspects in influencing the choice. This reveals that it is not possible to separate the school that focuses on the psychological aspects of the decision maker and the school that focuses on rational calculations, but rather that the two can be combined together within the framework of alternative theories complementary to rational choice theory, such as the perception theory. Keywords: Rational Choice, Utility Theory, IR, Foreign Policy.

The Theory of Rational Choice and the Alternatives in Foreign Policy and International Relations

مقدمة

يخضع الأمر في الحسابات العقلية للمكسب والخسارة للطريقة التي تصاغ بها المشكلة موضع اتخاذ القرار. ويُخالف هذا الأمر الكثير من النظريات التي وُضِ عت بشأن عملية الاختيار، ومنها نظرية الاختيار العقلاني ذاتها؛ فهذه النظرية ترى أن عملية الاختيار هي عملية معيارية تخضع لمفهوم واحد فقط، وهو تعظيم المنفعة وتقليل الخسارة، من دون أن يتغير هذا المبدأ من مشكلة إلى أخرى. ولذلك، فإن القول بأن الطريقة التي تصاغ بها المشكلة أو تُبنى بها تشكّل الطريقة التي يجري حلّها بها، ليس تقليديًّا، بل هو مختلف عما ذهبت إليه مدرسة الاختيار العقلاني. كما أن هذا القول مختلف عن جدلية أن العوامل النفسية تشكل عملية صنع القرار؛ لأن هذه المقولة الأخيرة تخضع لفرضيات المدرسة السلوكية، التي ترى أن العوامل النفسية من تصور وإدراك وعقيدة وغيرها تؤثر في عملية صنع القرار، أما المقولة التي تذهب إلى أن بناء المشكلة يُشكّل الطريقة التي تُحل بها، فهي تخضع لجوانب عقلانية متعلقة بحسابات المكسب والخسارة جنبًا إلى جنب مع جوانب نفسية. تثار هنا مجموعة من الأسئلة المتعلقة بمشكلة البحث، وهي: كيف تصاغ المشكلة موضع اتخاذ القرار؟ أيخضع هذا الأمر لعملية عقلية، كما تذهب إلى ذلك نظرية الاختيار العقلاني، فحسب، أم هي عملية تخضع لنماذج نفسية بدنية؟ فتلك النماذج النفسية البدنية تشير إلى ذلك الفرع من علم النفس الذي يدرس أثر العمليات البدنية في عمليات الفرد العقلية؛ أي إنه يدرس العلاقة بين العالمَين المادي والنفسي، مُعبَّرًا عنها تعبيرًا رياضيًا؛ وذلك بهدف تحديد النقطة التي يكون عندها التغير في الحافز المادي مدركًا نفسيًّا وعقليًّا، باعتباره تغيرًا حسيًّا بوساطة الفاعل. وقد أظهرت معظم الدراسات في المجال الحسي أن الحافز المادي لا بد من أن يزيد هندسيًّا حتى تزيد الخبرة النفسية حسابيًّا. من ثمّ، إذا كانت نظرية الاختيار العقلاني تُخْضِ ع عمليات الاختيار لمبدأ عقلاني واحد وهو تعظيم المنفعة وخفض التكلفة، فإن ما يحدث في الواقع هو مزيج من العقل والإدراك النفسي، وينقلنا هذا إلى إشكالية أخرى: أتعني العقلانية وجود نظرية معيارية للاختيار أم نماذج وصفية ترتبط بالصياغة؟ إذا كان كل من أوسكار مورغينسترن Oskar Morgenstern 977-1902(وجون فون نيومان John Von Neumann 1) 957-1903()1 قد قدّما نموذجًا للمنفعة المتوقعة ذا طبيعة معيارية، فإن منتقدي المنفعة المتوقعة، ومنهم دانيال كاهنيمان Kahneman Daniel وآموس تفيرسكي -1937(996)1 رأوا أن من الأفضل أن يجري التخلّي كليًّا عن النظريات المعيارية في تحليل العلاقة بين التقويم من جانب صانع القرار لمشكلة ما وصنع القرار. بمعنى آخر أن يجري الاهتمام بالجانب الوصفي، أي التعامل مع كل حالة صنع قرار على نحو منفرد ومنفصل عن الحالات الأخرى، من دون الاهتمام بأن يكون هناك جانبٌ معياري مثالي. ينقلنا هذا إلى إشكالية أخرى، وهي أن وجود نظرية عقلية معيارية يعني الاتجاه نحو تعظيم المنفعة أو الرشادة في الأحوال كلها، إلا أن عدم صلاحية تطبيق هذه النظرية في الاختيار في بعض الأحيان واستبدالها من ثمّ بنظرية عقلية وصفية أو معرفية، تفترض أن الطريقة التي يصوغ بها صانع القرار مشكلة ما تؤثر في الاختيارات أو النتائج، يعني أن يكون المجال (مكاسب أو خسائر)، كما يدركه صانع القرار، السبب وراء أخطاء كبرى للقادة في اختياراتهم السياسية والعسكرية. وبالنتيجة فإن العقلانية هنا، في شكلها الوصفي المتعلق بصياغة المشكلة، هي التي تكون سببًا في الانحراف عن الرشادة وليس الجانب النفسي فحسب. هل العقلانية، باعتبارها اختيارًا فرديًا، تنعكس على السلوك الجماعي، أو بمعنى آخر السلوك التفاعلي؟ وإذا كانت العقلانية وتطبيقاتها في مجال الاختيار الفردي تركز في البداية على قرارات السياسة الخارجية على نحو منفصل، فإن هناك الكثير من المحاولات ظهرت في ما بعد لتشكيل السياسات العالمية والعلاقات الدولية. وتشير هذه المحاولات إلى تفاعل السياسات الخارجية للدول فيما بينها، وفقًا لنظرية الاختيار العقلاني في صورتها المعيارية (المنفعة المتوقعة)، ثم في صورتها الوصفية المعرفية. وينقلنا هذا إلى الإشكالية الأخرى. كيف يمكن فهم مباراة الردع باعتبارها نموذجًا للسياسات التفاعلية العالمية في إطار العقلانية المعيارية تارة، والعقلانية الوصفية المرتبطة بارتباط الاختيار بكيفية صوغ المشكلة، وما إذا كانت في مجال المكاسب والخسائر تارة أخرى؟ كيف يمكن فهم علاقات التعاون بين الدول باعتبارها نموذجًا آخر للسياسات التفاعلية في إطار العقلانية المعيارية، وكذلك في إطار العقلانية الوصفية المرتبطة بالمجال؟ يقوم البحث على فرضية أساسية مفادها أن الاختيار العقلاني قد لا يؤدي بالضرورة إلى الرشادة وتعظيم المنفعة؛ ذلك أن الاختيار

العقلاني قد يخضع لحسابات المكسب والخسارة، لكن وفقًا للطريقة التي يصوغ بها صانع القرارات المشكلة وكذلك المجال، في مجال المكسب أم في مجال الخسائر بما يؤثر في اختياراته في النهاية، التي قد تتّجه نحو المخاطرة في بعض الأحيان. يستخدم البحث المنهج المقارن بين الاختيار العقلاني أو المنفعة المتوقعة والنماذج الوصفية العقلية للاختيار؛ حيث تُطبّق هذه المقارنة بالنسبة إلى الاختيار الفردي في مجال السياسة الخارجية، أو الاختيار التفاعلي في مجال العلاقات الدولية.

أولا: فرضيات نظرية المنفعة المتوقعة وبدائلها المتعلقة بالعقلانية الوصفية

تقوم نظرية المنفعة المتوقعة1 على افتراضات أساسية بأن الفاعلين يحاولون تعظيم المنفعة المتوقعة. ويوجد الكثير من الفرضيات الأساسية في إطار دراسة كيفية تطبيق نظرية المنفعة المتوقعة في إطار الاختيار الفردي، سواء للفرد العادي أم لصانع القرار. هذه الفرضيات هي عبارة عن أربع فرضيات معيارية، يمكن ترتيبها وفقًا لقبولها معياريًّا من فرضية الشطب التي انتقدها منظرون كثر، إلى فرضية عدم الاختلاف التي على العكس من الفرضية الأولى، قبلتها غالبية المنظرين، وذلك على النحو التالي2:

1. فرضية الشطب أو الحذف

يُقصد بهذه الفرضية، أو هذا المبدأ، الشطب أو الحذف لأي اختيار يمكن أن يؤدي إلى النتائج نفسها لاختيار آخر، بصرف النظر عن ظروف هذا الاختيار أو ظروف الحالة التي يجري فيها الاختيار.

2. فرضية الانتقالية

تشير هذه الفرضية الانتقالية Transitivity إلى أن الاختيار يجري على أساس تراتبية المنفعة u()، حيث إن الاختيار (أ) يكون مفضلً عن الاختيار (ب) عندما تكون منفعة (أ) > من منفعة (ب)، ومن ثمّ فإن الانتقالية تكون متاحة عندما يكون ممكنًا تحديد قيمة معينة لكل اختيار لا تعتمد على الاختيارات الأخرى المتاحة. ومعنى ذلك أن هذه الفرضية تكون ممكنة التحقيق، عندما يجري تقويم الاختيارات على نحو منفصل، وتكون غير ممكنة التحقيق عندما تعتمد أو تتوقف نتائج اختيار معين على البديل الذي يتم مقارنته به.

3. فرضية السيادة أو السيطرة

تشير هذه الفرضية إلى أنه إذا كان هناك اختيار معيّن أفضل من بديل آخر في حالة أو ظروف معينة، وهو في الوقت نفسه مثله تقريبًا في باقي الظروف والأوضاع الأخرى، فإن هذا البديل الأول أو الاختيار الأول يجب أن يكون البديل المسيطر الذي يجب اختياره. وتعتبر فرضية السيادة أو السيطرة ركنًا أساسيًّا للنظرية المعيارية للاختيار.

4. فرضية عدم الاختلاف

تشير هذه الفرضية، أو هذا المبدأ الذي يعتبر مبدأ أساسيًّا من مبادئ النظرية المعيارية، إلى أن تقديم مشكلة اختيار ما بأشكال مختلفة سوف يؤدي إلى التفضيلات نفسها. وهذا يعني أن الاختيار بين البدائل المختلفة هو أمر مستقل عن كيفية وصف هذه البدائل أو تقديمها. وتقوم نظرية المنفعة المتوقعة أيضًا على افتراضات أساسية، بأن الفاعلين يحاولون تعظيم المنفعة المتوقعة لهم، وذلك من خلال إعطاء وزن لمنفعة كل نتيجة ممكنة لمسار ما. ويتحدد وزن منفعة كل اختيار من خلال احتمالات حدوثه، ثم تجمع النظرية النتائج الممكنة كلها لمسار ما أو استراتيجية، ثم تُختار الاستراتيجية ذات المنفعة المتوقعة الأعلى. كما تفترض نظرية المنفعة المتوقعة أن منفعة الفاعل بالنسبة إلى موضوع ما تتحدد بالنظر إلى النتائج أو القيم النهائية، من دون أن نأخذ في الحسبان، عند المفاضلة بين البدائل المختلفة، القيمة الحالية للمنفعة. يفهم مما سبق أن نظرية المنفعة المتوقعة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على أمرين أساسيين: الأول هو القيمة النهائية للمنفعة أو للموضوع محل الاختيار، والثاني هو الاحتمالات التي تُعطى للبدائل المختلفة. إلا أن الكثير من الدلائل التجريبية يؤكد أن هناك الكثير من الجوانب التي لا يتصرف فيها الأفراد وفقًا لفرضيات وتوقعات نظرية المنفعة المتوقعة، سواء من ناحية تقدير القيمة التي تُعطى للبدائل أم من ناحية احتمالاتها. من ناحية أولى: هناك دلائل أساسية على أن الأفراد أكثر حساسية للمكاسب والخسائر بالنسبة إلى نقطة مرجعية ما، وذلك مقارنةً

  1. هي إحدى نظريات الاختيار العقلاني التي تشير إلى تعظيم المنفعة وتقليل الخسارة أو التكلفة.
  2. Amos Tversky & Daniel Kahneman, "Rational Choice and the Framing of Decision," The Journal of Business , vol. 59, no. 4 (1986), pp. 252 - 275.

بتقويمهم الناتج النهائي للمنفعة، وهذا ما يمكن أن نُطلق عليه "الاعتمادية المرجعية أو الاعتماد على مرجعية معينة"3. تعتبر فرضية الاعتمادية المرجعية تلك ذات أهمية خاصة؛ لأن الأفراد يتعاملون مع المكاسب على نحو مختلف عن تعاملهم مع الخسائر، فهم يُقيّمون الخسائر تقويمًا أكبر من تقويمهم المكاسب بالقيمة نفسها. وعبّر جيمي كونكس Connexs Jimmy عن ذلك بقوله: "أكره الخسارة أكثر من حبي للمكسب"، ويعني ما سبق الانتقال إلى ظاهرة أخرى بخلاف ظاهرة التبعية لنقطة مرجعية معينة، وهي ظاهرة كراهية الخسارة4. وأحد المضامين الأساسية لكراهية الخسارة هو أن الأفراد يعطون ما يمتلكونه قيمةً أكبر، مقارنةً بما يمكن أن يكسبوه بالقدر نفسه، وأن خسارة أو فقدان أو التخلّي عن جزء معيّن من ثروة ما، أو موضوع ما، هي أكبر من منفعة اكتسابه بالقدر نفسه. وهذا التقويم المهم لما يمتلكه الفرد، مقارنةً بما يمكن أن يكسبه، يسمى تأثير المعطى الأول5. يوجد الكثير من الدلائل التي تؤيد فرضيتي كراهية الخسارة وتأثير المعطى الأول، وذلك من خلال التوجه الملحوظ من الأفراد للحفاظ على الوضع الراهن، أو للتحيز إليه. وتعني هذه الفرضية أن الأفراد يتعاملون مع تكاليف الابتعاد عن الوضع الراهن باعتبارها خسائر، في حين يتعاملون مع منافع الابتعاد عن الوضع الراهن باعتبارها مكاسب، ومن ثمّ فهم يعطون الأولى (الخسائر) وزنًا كبيرًا، مقارنةً بالثانية (المكاسب)؛ بما يعني أن الأفراد يستمرون في الوضع الراهن فترة أكبر مما تتوقع نظرية المنفعة المتوقعة6. إضافة إلى ما سبق، لا يظهر اللاتماثل بين المكاسب والخسائر في كراهية الخسارة أو تأثير المعطى الأول، أو ما يسمى أيضًا التحيز إلى الوضع الراهن فحسب، وإنما ينعكس أيضًا في اتجاهات المخاطرة أو توجهاتها، بما يدل على أن الأفراد يكونون كارهين للمخاطرة في مجال المكاسب، وقابلين لها في مجال الخسائر، وبما يعني أن دالّة القيمة تكون مُقعّرة في مجال الخسائر، ومُحدّبة في مجال المكاسب، وهذا ما يسمى التأثير الانعكاسي بشأن النقطة المرجعية. والتأثير الانعكاسي كما عَرَّفه آموس تفيرسكي ودانيال كاهنيمان يعنى أنه إذا حُوّلت قيم البدائل المختلفة إلى إشارة سلبية، أو إلى خسائر، فإن ذلك يؤدي إلى انعكاس نظام التفضيلات؛ حيث تتحول كراهية المخاطرة أو تجنب المخاطرة في مجال المكاسب إلى سعي نحو المخاطرة، أي الاستعداد لقبول خسارة أكبر ما دامت هذه الخسارة بعيدة عن أن تكون مؤكدة أو ذات احتمال كبير في مجال الخسائر7. يُبيّن الشكل دالّة القيمة في مجال الخسائر والمكاسب.

اﻟﻘﻴﻤﺔ

يشير ما سبق كله إلى أن هذه الانتهاكات والتحديات لنظرية المنفعة المتوقعة تعني أن دور النقطة المرجعية في تحديد مجالي المكاسب والخسائر يؤثر بالأساس في الاختيارات بين البدائل المختلفة. وهذا ما يسمى بطريقة صياغة المشكلة موضع الاختيار، وتأثير هذه الصياغة في كيفية الاختيار؛ وهذا دليل على أن التغير في طريقة صياغة المشكلة يمكن أن يتسبب في تغير التفضيلات أو مراجعتها، وذلك من الناحية العقلية التي تعني حسابات المكسب والخسارة، وليس من الناحية النفسية.

  1. Jack S. Levy, "Prospect Theory, Rational Choice and International Relations," International Studies Quarterly , vol. 41, no. 1 (1997), pp. 88 - 89.
  2. Jack S. Levy, "An Introduction to Prospect Theory," Political Psychology , vol. 13, no. 2 (1992), p. 175.
  3. Levy, "Prospect theory," p. 89.
  4. Ibid., p. 90. شكل يوضح دالّة القيمة الافتراضية المصدر: Daniel Kahneman & Amos Tversky, "Prospect Theory: An Analysis of Decision Under Risk," Econometrica , vol. 47, no. 2 (1979), p. 279.
  5. Daniel Kahneman & Amos Tversky, "Prospect Theory: An Analysis of Decision Under Risk," Econometrica , vol. 47, no. 2 (1979), p. 268.

والتساؤل الأساسي في هذا الشأن، كما ذهب جاك ليفي، هو: كيف تتم صياغة المشكلة؟ في هذا الصدد، أكد دانيال كاهنيمان وآموس تفيرسكي أن الأفراد يصوغون دائمًا الاختيارات والمشكلات بشأن الوضع الراهن المعروف جيدًا الذي تتضمنه المواقف الثابتة، إذا ذهبنا إلى "أن النقطة المرجعية تستجيب دائمًا للوضع الراهن لصانع القرار"8. إلا أن الموقف الثابت غير قائم على أرض الواقع؛ لأنه واقع دينامي متغير، يتغيّر فيه الوضع الراهن، كما تتغير فيه النقطة المرجعية، ومن ثمّ، تخضع هذه الصياغة في الكثير من المواقف الحياتية، سواء كانت اجتماعية أم سياسية، للطريقة التي يستجيب بها الأفراد للمواقف، ويصوغون هذه المواقف ويُصنّفونها، وما إذا كانت تُمَثِّل بالنسبة إليهم مكاسب أم خسائر. ومعنى ذلك أن هناك قدرًا كبيرًا من الذاتية في صياغة المشكلة، إلا أنه من المفترض أن يكون لهذه الذاتية حدودٌ معيّنة، أو أن يكون هناك قدر من التوافق بين صياغة المشكلة ذاتيًّا والواقع المحيط. يدلّ هذا على أن صياغة المشكلة هي عملية تخضع للإدراك والجوانب المعرفية أكثر من خضوعها للجانب العقلي، ثم يأتي اتخاذ القرار بناء على ذلك، وتخضع عملية اتخاذ القرار نفسها للاختيار العقلاني. ويتحدد هذا الاختيار العقلاني إما في تعظيم المنفعة وفقًا لنظرية المنفعة المتوقعة، وإما في تجنّب المخاطرة في مجال المكاسب والتوجّه إلى المخاطرة في مجال الخسائر وفقًا للنماذج التجريبية في الاختيار. وبناء عليه، إن خضوع عملية صياغة المشكلة، واتخاذ القرار للاختيار العقلاني ومبدأ تعظيم المنفعة وفقًا لنظرية المنفعة المتوقعة، أمر قد لا يكون صحيحًا على إطلاقه وفقًا للنماذج العملية للاختيار، التي تمرُّ فيها الاختيار في حقيقة الأمر بمرحلتين: الأولى هي صياغة المشكلة، وهي عملية إدراكية في الأساس؛ والثانية هي اتخاذ القرار، وهي عملية عقلية تخضع لحسابات المكسب والخسارة. إذا كان ما سبق يشير إلى الانتهاكات التجريبية لنظرية المنفعة المتوقعة في ما يتعلق بكيفية تقديرها القيمة النهائية للمنفعة، أو الموضوع محل الاختيار، فإنه من ناحية ثانية هناك الكثير من الدلائل على أن الأفراد ينتهكون في اختياراتهم فرضيات النظرية المتعلقة بتقدير الاحتمالات التي تُعطى للبدائل المختلفة؛ إذ تفترض نظرية المنفعة المتوقعة أن الأفراد يتعاملون مع الاحتمالات المختلفة على نحو متساوٍ. لكن السلوك الاختياري في الواقع يشير إلى أن الأفراد يعطون أوزانًا مختلفة للاحتمالات المختلفة؛ فعلى سبيل المثال نجد أن الأفراد يعطون تقديرات وتقويمات وأوزانًا كبرى جدًّا للبدائل التي تعتبر مؤكدة مقارنةً بالبدائل المحتملة، وهذا سمّاه عليه كاهنيمان وتفيرسكي تأثير التأكد9. من خلال الأمثلة التي قدّمها كاهنيمان وتفيرسكي وغيرهما، وجدنا أن عامل التأكيد يشير إلى إعطاء وزن كبير للبدائل المؤكدة، سواء كانت في مجال المكاسب؛ إذ إن عامل التأكيد في هذه الحالة يُساهم في اجتناب المخاطرة من خلال اختيار البديل الذي له مكسب مؤكد وتفضيله على البديل الذي له مكسب أكبر، لكنه بديل محتمل فحسب وليس مؤكدًا، أم في مجال الخسارة؛ إذ إن العامل نفسه، أو التأثير نفسه لعامل التأكد، يؤدي إلى السعي للمخاطرة من خلال تفضيل الخسارة المحتملة على الخسارة الأصغر التي تكون مؤكدة، ومن ثم فإن المبدأ النفسي نفسه - وهو إعطاء وزن كبير للتأكيد - يعني تفضيل تجنب المخاطرة في مجال المكاسب والسعي للمخاطرة في مجال الخسائر10. في هذا الصدد، يتابع ليفي التأكيد أن سلوك الأفراد الاختياري يُظهر استجابة غير خطية للاحتمالات، ليس بالنسبة إلى البدائل المؤكدة فحسب، ولكن بالنسبة إلى غيرها من البدائل؛ فقد أظهرت دراسات كثيرة أن الأفراد يميلون إلى إعطاء أوزان كبرى للاحتمالات الصغيرة، وإعطاء أوزان صغيرة للاحتمالات المتوسطة والمرتفعة، كذلك النتائج المحتملة على نحو كبير، لكنها ليست مؤكدة، تُعامل دائمًا باعتبارها مؤكدة، وهذا ما أطلق عليه كاهنيمان وتفيرسكي تأثير التأكيد الخادع أو الزائف11، ومن ثمّ، فإن للتغيرات في الاحتمالات بالقرب من صفر (الاحتمالات الصغيرة) أو (الاحتمالات الكبيرة) تأثيرًا كبيرًا في التفضيلات، مقارنةً بالتغيرات في المدى المتوسط للاحتمالات12.

  1. 12  Levy, "An Introduction," pp. 178 - 179.
  2. Kahneman & Tversky, "Prospect Theory," p. 265. قدّم كاهنيمان وتفيرسكي أمثلة عدة لتوضيح تأثير عامل التأكيد أو التأكد، ففي مثال افتراضي للاختيار بين بديلين (أ) و(ب)، حيث تشير (أ) إلى فرصة للفوز ب 5002 دولار وباحتمال 33 في المئة، وللفوز ب 4002 دولار باحتمالية 66 في المئة، وللفوز بلا شيء باحتمالية 1 في المئة، ويشير البديل (ب) إلى فرصة للفوز ب 4002 دولار فوزًا مؤكدًا، اختار الأفراد البديل المؤكد وهو البديل (ب) بنسبة 82 في المئة.
  3. Ibid., pp. 268 - 269.
  4. Tversky & Kahneman, "Rational Choice," pp. 265 - 270.
  5. 8  Levy, "Prospect theory," p. 91.

كما سبق ذكره، ذهب جاك ليفي إلى أنه غالبًا ما يعطي صانعو القرار أوزانًا صغيرة للاحتمالات في المدى المتوسط بين الصفر وواحد، أي تُعطى غالبية الاحتمالات أوزانًا صغيرة بما يؤثر في التوجه نحو المخاطرة. ففي مجال المكاسب عندما تكون الاحتمالات في النطاق الذي يتم فيه التقليل من وزنها (أي إنها في المدى المتوسط من الصفر إلى واحد)، يعمل التقليل من قيمة الاحتمالات، جنبًا إلى جنب مع تقعّر دالّة القيمة، على التقليل من أهمية المغامرة، مقارنةً بالنتيجة المؤكدة، بما يؤدي إلى تجنّب المخاطرة. أما في مجال الخسائر، فإن التقليل من الاحتمالات يُقلّل من الأوزان المُعطاة للبدائل المخاطِرة السلبية؛ ما يجعلها أقل في عدم الجاذبية، ومن ثم يشجع على اختيارها، أو على قبول المخاطرة. والعكس صحيح إذا ما كانت الاحتمالات بعيدة عن هذا المدى المتوسط، أي قريبة من الصفر أو واحد، فإنه يتم إعطاء وزن كبير لهذه الاحتمالات بما يؤدي إلى زيادة قيمتها في المغامرات الإيجابية وزيادة القيمة السلبية في المغامرات السلبية. وبالنتيجة فهذا يشجع في حالة إعطاء أوزان كبرى للاحتمالات على قبول المخاطرة في المكاسب وتجنّبها في مجال الخسائر، وذلك على عكس ما هو متوقع من تأثير دالّة القيمة. نجد أن هذا المعنى نفسه، أو المضمون، المتعلق بتأثير الوزن الذي يُعطيه صانع القرار لبديل معيّن في الاتجاه نحو المخاطرة جنبًا إلى جنب مع دالّة القيمة، نقله إلينا فيليب تتلوك وجيمس غولدجير اللذان ذهبا إلى أنه في ظروف معيّنة، يتّخذ صانعو القرارات أفعالَ مخاطرة على نحو أكبر مما تتوقعه حسابات الوضع النهائي المتوقعة في نظرية المنفعة المتوقعة، وهذه الظروف هي13: أن الدول لا تستطيع أن تصنع سلامًا نفسيًّا مع خسائرها. أن الدول يمكن أن تقلل من وزن احتمالات الفشل، من خلال التعامل مع الاحتمالات الصغيرة للفشل على أنها تساوي صفرًا. أن الدول يمكن أن تزيد من وزن احتمالات النجاح، من خلال التعامل مع الاحتمالات الكبيرة للنجاح على أنها مؤكدة (تساوي واحدًا.) خلاصة ما سبق، إذا كانت نظرية المنفعة المتوقعة تفترض أن يتمّ وزن منافع النتائج المحتملة، أو قيمها، خطيًّا بوساطة احتمالاتها، فإن الواقع يشير إلى غير ذلك، حيث تُعطى أوزان كبرى للاحتمالات القريبة من واحد أو الصفر، مقارنةً بالاحتمالات الموجودة في المدى المتوسط. من الجدير ذكره، أن تأثير إعطاء أوزان كبرى للاحتمالات الصغيرة على وجه الخصوص، يظهر في أمر مهم، وهو ما يُسمى إتاحية الأحداث، حيث يمكن أن تُدرَك الأحداث الدراماتيكية التي يمكن أن تُعرض على الذهن، باعتبارها أكثر إمكانًا للحدوث مما هو موجود على أرض الواقع فعل14.

هذا الأمر مهم بالنسبة إلى القادة السياسيين والعسكريين في أوقات الأزمات والحروب؛ إذ تُعطى أوزان كبيرة للاحتمالات الصغيرة لوقوع بعض الأحداث، مثل ما ذهب إليه السادات من أن محاصرة إسرائيل للجيش الثالث المصري من المحتمل أن تؤدي إلى انقلاب هذا الجيش على السلطة. غير أن هناك نقطة مهمة ذكرها جاك ليفي أيضًا، وهي أن هناك فرقًا بين تضخيم احتمالات وقوع حدث ما وإعطاء أوزان كبيرة للاحتمالات الصغيرة أو المنخفضة؛ فالأول وهو تضخيم احتمالات وقوع حدث ما ينتج من حيوية الحدث نفسه أو التحيزات الدافعية أو الإدراكية، أي من عناصر البيئة النفسية التقليدية بعناصرها المتعلقة بالإدراك أو الدافعية وغيرها، أما الثاني وهو إعطاء أوزان كبيرة للاحتمالات الصغيرة، فهو خاصية متعلقة بدالّة الوزن، التي تعمل على تقدير الاحتمالات الذاتية على نحو مستقل عن العملية التي تنتج بها البدائل والاحتمالات، بمعنى أنها تخضع للحساب العقلاني من جانب صانع القرار للمكاسب والخسائر واحتمالات كل بديل في إطار مجال معيّن15. ويدعونا هذا الأمر إلى التساؤل عما إذا كان صانع القرار يخضع لتأثيرات

  1. J.M. Goldgeier & P.E. Tetlock, "Pshycology and International Relations
  2. Levy, "An Introduction," pp. 178 - 179. 15  Ibid.
  3. Theory," Annual Review of Political Science , vol. 4 (2001), p. 70.

البيئة النفسية أم للحسابات العقلانية في أثناء تضخيمه احتمالات حدوث حدث معيّن. وبناء عليه، فإن نظرية الاختيار العقلاني، وعلى الأخص منها نظرية المنفعة المتوقعة، وإن كانت تمثل نظرية معيارية للاختيار، بما يشير إلى أن كل حالات الاختيار التي تشير إليها لا بد من أن تعتمد على مبدأ واحد وهو تعظيم المنفعة، فإنه نتيجة التحديات التجريبية التي سبقت الإشارة إليها بشأن كيفية حدوث عملية الاختيار في الواقع، أصبح من الضروري البحث عن نظريات بديلة منها بشأن كيفية حدوث عملية الاختيار في الواقع. في هذا الإطار، ظهر الكثير من النظريات، ومن ذلك نظرية ليندبيرغ التي تركز على أن تعظيم المنفعة يعتمد على الهدف ذاته الذي يؤطر القرار؛ إذ إن كل قرار يهدف إلى تحقيق أهداف عدة، إلا أن هناك هدفًا أساسيًّا يُحدّده صانع القرار هو الذي يشكل الإطار لهذا القرار، ومن ثمّ يتحدّد تعظيم المنفعة من خلال الرغبة في تحقيق هذا الهدف. وعندما تقل قوة المجال الحالي في التفرقة بين الاختيارات، وفي تحديد احتمالات البدائل المختلفة، يحدث تغير في المجال؛ حيث يُصبح الهدف الجديد الذي من المحتمل أن يميز على نحو أكبر بين البدائل هو عبارة عن المجال الجديد للاختيار. وهذا الانخفاض في قدرة البناء الحالي أو التأطير الحالي أو المجال الحالي للموقف يمكن أن يحدث نتيجة تغير النتيجة المتوقعة لكل بديل16. كذلك، قدّم إيرفنغ غوفمان Goffman Erving 982-1922()1 نظرية عن تحليل المجال Analysis Frame في عام 9741، تدرس أهمية العمليات الاجتماعية المختلفة في تحديد مجال الاختيار. لكنه لم يقدم في النهاية نظرية سلوكية تجمع بين الاختيار الرشيد أو العقلاني والجوانب الاجتماعية ومجال أو إطار عملية الاختيار  Framing 17. وفي الإطار نفسه أيضًا، تحدث بعض النظريات عن تأثير تعريف الموقف في عملية الاختيار Situation of Definition The، وذلك للحديث عن الاختيار تحت قيود الموقف. وهناك محاولات نظرية عدة في هذا الشأن، منها مثلً تقديم ما يُسمى الاحتمالات الذاتية، وذلك في إطار نظرية المنفعة المتوقعة الذاتية. لكن هذه النظرية لم تدخل بنية الموقف وتأثيرها في اختيار البدائل، وهذا يعني أنه في إطار نظرية المنفعة المتوقعة الذاتية تلك، فإن وزن كل نتيجة أو كل بديل مستقل عن بنية الموقف. وقد حاولت نظرية المجال أو الإطار Framing Theory أن تأخذ في الحسبان تأثير الموقف لتحديد كيفية حدوث عملية الاختيار جنبًا إلى جنب مع احتمالات حدوث كل بديل، ومن ثمّ فإن وزن كل هدف لا يعتمد على المنفعة المتوقعة للنتيجة فحسب، لكن أيضًا على موقع هذا الهدف وأهميته، سواء أكان هو الإطار أم أنه وُجد ضمن أهداف أخرى18. ظهر في هذا الإطار أيضًا مفهوم المنفعة المتوقعة الذاتية، أو مفهوم الرشادة المفيدة الذي قدّمه سيمون هربرت Simon Herbert 001-1916()2، وهو يشير إلى أن فرضية أن لكل فاعل دالّة منفعة ثابتة، ويقوم باختيار البديل ذي المنفعة الأعلى، غير صحيحة؛ ذلك أن عملية الاختيار تختلف من حالة إلى أخرى19. على رأس هذه النظريات، التي حاولت أن تجمع الانتهاكات التجريبية للسلوك الاختياري كما تتوقعه نظرية المنفعة المتوقعة في إطار نظرية بديلة للاختيار، نجد نظرية التصور Theory Prospect التي قدّمها كاهنيمان وتفيرسكي، وفي هذا الصدد تفرق هذه النظرية بين مرحلتين في عملية الاختيار20: مرحلة التحرير: تتضمن تحليلً مبدئيًّا للمشكلة المركزية، وتشمل تعريف الاختيارات للفاعل والنتائج الممكنة لكل اختيار والقيم والاحتمالات المرتبطة بكل نتيجة من هذه النتائج. مرحلة التقويم: يجري فيها تقويم البدائل المختلفة واختيار البديل المفضل. يجدر بنا أن نذكر أن التقويم في نظرية التصور يخضع لعمليات عقلية في الأساس، أو هي بالأحرى وعلى نحو أدق عمليات نفسية عقلية أو ما سمّته روز ماكديرموت نماذج نفسية بدنية. وهو ذلك الفرع من علم النفس الذي يدرس أثر العمليات البدنية في عمليات الفرد العقلية، أي إنه يدرس العلاقة بين العالمين المادي والنفسي، مُعبّرًا عنها تعبيرًا رياضيًا؛ وذلك بهدف تحديد النقطة التي يكون عندها التغير في الحافز المادي مدركًا نفسيًّا وعقليًّا، باعتباره تغيرًا حسيًّا بوساطة الفاعل. وأظهرت دراسات كثيرة في المجال الحسي أن الحافز المادي لا بد من أن يزيد هندسيًّا حتى تزيد الخبرة النفسية حسابيًّا21

  1. 20  Rose McDermott, Risk-Taking in International Politics: Prospect Theory in American Foreign Policy (Ann Arbor, MI: University of Michigun Press, 2001), p. 18.
  2. 21  Ibid.
  3. Ibid, pp. 14 - 15.
  4. Byoung Won Min, "Understanding International Hegemony: A Complex Systems Approach," Journal of International And Area Studies , vol. 10, no. 1 (June 2003), pp. 28 - 29.
  5. 16  Siegwart Linderberg, "The Method of Decreasing Abstraction," in: James S. Coleman Thomas & J. Fararo, Rational Choice Theory: Advocacy and Critique (Newbury: Sage Publications, 1992), pp. 7 - 8.
  6. 17  Ibid., pp. 12 - 13.

طبّق كاهنيمان وتفيرسكي المبادئ العقلية النفسية لبحث العلاقة بين التقويم وصنع القرار، فكما أن الأفراد لا يكونون على وعي بالعمليات التي يدخل فيها العقل من أجل ترجمة الصورة إلى إدراك، فإنهم أيضًا لا يكونون على وعي بأشكال الحسابات والتقديرات والتخمينات التي يقوم بها العقل في تحرير المشكلة القرارية وتقديمها؛ فالأفراد يصنعون القرارات وفقًا للكيفية التي يشغل ويفهم بها العقل المعلومة، وليس على أساس المنفعة التي يقدمها بديل معيّن لصانع القرار22. تعتمد مرحلة تقويم البدائل - وهي المرحلة الثانية للاختيار وفقًا لنظرية التصور - على مرحلة التحرير؛ فبعد أن يُحرّر الفرد أو صانع القرار البدائل المتعلقة، فإنه يجري تقويمًا لهذه النتائج ويختار البديل ذا القيمة الأعلى، حيث إن قيمة أي بديل x تتحدد بقيمته V(X) ووزن القرار. يمكن القول إن لدالّة القيمة خصائص عدة، تعكس بعض نماذج السلوك الاختياري الموضحة في ما سبق، وهذه الخصائص هي23: تعريف دالّة القيمة على أساس الانحراف عن نقطة مرجعية معيّنة أكثر من تعريفها على أساس الوضع النهائي للأملاك أو الموجودات أو أي قيمة عمومًا. ومعنى ذلك أنه يتم التعبير عن النتائج في نظرية التصور، كما سبق ذكره، باعتبارها انحرافات إيجابية أو سلبية (مكاسب أو خسائر) عن نقطة مرجعية محايدة، وتأخذ هذه النقطة المرجعية قيمة الصفر. وتشير دالّة القيمة في هذه الحالة إلى أن تأثير التغير في القيمة يقل، كلما بعُدَت القيم عن النقطة المرجعية في أي اتجاه (اتجاه الخسارة أو المكسب.) لدالّة القيمة خاصية أخرى هي ما يُسمى كراهية الخسارة؛ حيث إن الاستجابة للخسائر هي أسرع وأشدّ من الاستجابة للمكاسب، ويتضح ذلك في أن الأسف أو الحزن على افتقاد مبلغ معيّن من المال يزيد على السعادة لاكتساب هذا المبلغ نفسه. بالنسبة إلى دالّة الوزن أو دالّة الوزن الاحتمالي، فهي تقيس تأثير احتمال حدوث حدث معيّن في المرغوبية في هذا البديل أو هذا الحدث. وهنا نجد أنه لا يوجد دالّة خطّية للاحتمال، كما أن أوزان القرارات ليست هي الاحتمالات؛ فأوزان القرارات تتأثر بعوامل أخرى بخلاف الاحتمالات وهي تشمل الغموض، وعدم التأكد بشأن مستوى عدم اليقين أو المخاطرة، ولدالّة الوزن خصائص عدة24: أنها ليست ذات سلوك جيد بالقرب من النقاط النهائية (صفر،)1، وهذا يعكس عدم إمكان التنبؤ بالسلوك في ظروف الاحتمالات الصغيرة جدًّا أو الكبيرة جدًّا. وقد أكد كاهنيمان وتفيرسكي أن قدرات الأفراد محدودة في تقويم الاحتمالات المتطرفة؛ فالأحداث غير المحتملة على نحو كبير، إما أن يجري تجاهلها كليًّا، وإما أن تُعطى وزنًا كبيرًا، وكذلك فإن الفارق بين الاحتمال الكبير والتأكيد إما أن يتم تجاهله وإما أن يتم تضخيمه. هناك زيادة كبرى في دالّة الوزن بالقرب من الصفر وواحد. من الجدير ذكره أن التوجهات ناحية المخاطرة لا تتحدد بوساطة دالّة القيمة فحسب، بل بوساطة دالّة الوزن أيضًا؛ ففي مجال المكاسب، عندما تكون الاحتمالات في النطاق الذي يتم فيه التقليل من وزنها (أي إنها في المدى المتوسط بين الصفر وواحد)، فإن التقليل من قيمة الاحتمالات، يعمل، جنبًا إلى جنب مع تقعّر القيمة، على التقليل من أهمية المغامرة مقارنةً بالنتيجة المؤكدة، ومن ثمّ فهو يؤدي إلى تجنّب المخاطرة. أما في مجال الخسائر فإن التقليل من الاحتمالات يقلل من الأوزان المُعطاة للبدائل المخاطِرة السلبية؛ ما يجعلها أقل في عدم الجاذبية، ومن ثم يشجع على اختيارها أو على قبول المخاطرة25. على العكس من ذلك، عندما تكون الاحتمالات بعيدة عن هذا المدى المتوسط، أي قريبة من الصفر أو واحد، فإنه يتم إعطاء وزن كبير لهذه الاحتمالات. ونشير هنا إلى أن إعطاء وزن كبير للاحتمالات سوف يعمل على زيادة القيمة في المغامرات الإيجابية، وسوف يعمل أيضًا على زيادة القيمة السلبية في المغامرات السلبية، ومن ثمّ يشجع على قبول المخاطرة في مجال المكاسب وتجنّبها في مجال الخسائر، على عكس ما هو متوقع من تأثير دالّة القيمة26. وحيث إن تطبيق نظرية التصور على عملية الاختيار قد يُعطي نتائج مختلفة عن تطبيق نظرية المنفعة المتوقعة أو الاختيار العقلاني على عملية الاختيار، فمن الضروري الاهتمام بمضامين هذه النظرية في العلاقات الدولية؛ حيث إن نظرية التصور ساهمت في فهم

  1. Ibid.
  2. Kahneman & Tversky, "Prospect Theory," pp. 277-280; Levy, "AN
  3. Kahneman & Tversky, "Prospect Theory," pp. 280-284; Levy, "An Introduction," pp. 181 - 184.
  4. Levy, "An Introduction," p. 183. 26  Ibid., p. 184.
  5. Introduction," p. 181; Kahneman & Tversky, "Rational Choice," pp. 258 - 259.

بعض القضايا النظرية في العلاقات الدولية، ومن ذلك القضايا المتعلقة باستقرار الوضع الراهن أو تغييره والردع والمساومة والحرب الوقائية. فقد طبّق كثير من المحللين والمنظرين بعض فرضيات نظرية التصور المتعلقة بصياغة مشكلة ما وتأثيرها في التفضيلات Effect Framing، والنقطة المرجعية وأهميتها، وكراهية الخسارة وقبول المخاطرة أو الميل إلى المخاطرة، في قضايا مهمة في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية. وبناء على تطبيق تلك الفرضيات على واقع العلاقات الدولية، وجدنا أن لهذه النظرية مضامين أساسية في العلاقات الدولية، منها: قضية التحيز إلى الوضع الراهن: تشير إلى أن الأفراد يميلون إلى الإبقاء على الوضع الراهن، والوضع الراهن هو النقطة المرجعية الأساسية بالنسبة إلى الدول وصانعي القرار في صياغتهم مشكلة قرارية ما، ويمثل المعطى الأول الذي ينطلق منه الأفراد وصانعو القرارات في حساباتهم للمكسب والخسارة. ونتيجةً لذلك، تفترض نظرية التصوّر في تطبيقها على السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، أن لدى الدول تحيّزًا إلى الوضع الراهن؛ فالدول يمكنها أن تبذل جهودًا كبيرة في الحفاظ على الوضع الراهن في مواجهة، أو ضد، خسارة مؤكدة أكثر من جهودها لتحسين هذا الوضع27. كراهية الخسارة وتأثيرها في استقرار الوضع الراهن في العلاقات الدولية: قدم ليفي مضمونًا دوليًّا آخر لنظرية التصوّر، يتمثّل في أن معاناة الخسائر في الإقليم أو في المكانة أو في الدعم الداخلي تؤدّي إلى لجوء القادة السياسيين أو العسكريين إلى اتخاذ مخاطر كبيرة من أجل استعادة هذه الخسائر28. بناء على ذلك، تعكس فرضيتَا التحيّز إلى الوضع الراهن وكراهية الخسارة في الواقع الدولي تساؤلً مهمًّا: هل يعني التحيّزُ إلى الوضع الراهن وكراهية الخسارة الاستقرارَ في العلاقات الدولية؟ تشير نظرية التصوّر إلى توجهين أساسيين في هذا الشأن29: يشير الأول إلى كراهية المخاطرة في مجال المكاسب والتأثير الكابح الذي يحدثه ذلك التوجه في السلوك العدواني الذي يمكن أن تقوم به دولة ما من أجل تحسين وضعها؛ وهذا يعني أن كراهية المخاطرة تؤدي إلى الاستقرار في العلاقات الدولية. والثاني مفاده أن كراهية الخسارة، التي تعني قبول المخاطرة في مجال الخسائر، يمكن أن تُحدث تأثيرًا عكسيًّا، ويمكن أن تساهم في عدم الاستقرار في السياسات الدولية في بعض الظروف. فالدولة التي تدرك أنها في وضع متدهور يمكن أن ترغب في اتخاذ أفعال مخاطرة من أجل الحفاظ على الوضع الراهن ضد المزيد من التدهور. ويحدث ذلك إذا أدركت الدولة أن مزيدًا من التدهور في وضعها هو أمر يقيني (مؤكد)، أو أن وضعها تدهور بالفعل وترغب في تجنب المزيد من الخسائر30. مضمون نظرية التصور بالنسبة إلى الصراعات العسكرية وطول فترتها: استخدم عدد من المحللين، على رأسهم توماس باوير ورالف روتي، تحليل الفترة الزمنية لصراعات القرن العشرين لاختبار اثنين من المضامين الأساسية لنظرية التصور في مجال الصراعات العسكرية، هما تأثير صياغة صانع القرار لمشكلة على أنها في مجال الخسائر في قبوله المخاطرة وتوجهه نحوها، والثانية الانطلاق من نقطة مرجعية معيّنة وتأثيرها في اختيارات صانع القرار.

  1. Ibid., p. 185.
  2. Barry O'Neill, Risk Aversion In International Relations Theory (Stanford, CA: Center for International Security and Cooperation - Stanford University, 2001), p. 12.
  3. Jack S. Levy, "Prospect Theory and International Relations: Theoretical Applications and Analytical Problems," Political Psychology , vol. 13, no. 2 (1992), p. 286.
  4. هناك الكثير من الحالات في العلاقات الدولية التي تتبنى فيها الدولة التوجه الثاني، وهو توجه كراهية الخسارة أو قبول المخاطرة من أجل تجنب المزيد من التدهور في الوضع الراهن وهي: أ. كراهية الخسارة Loss Aversion أو قبول المخاطرة Risk Acceptant من الممكن أن تدفع الدولة في ظروف الأزمات إلى اتخاذ أفعال وقائية وقبول المخاطرة المتضمنة في الحرب الوقائية إذا كان لدى هذه الدولة حالة من حالات اليقين أو التأكيد بأن الدولة العدو على وشك البدء بالضربة الأولى، وهنا فإن الدولة الأولى وفقًا لفرضية كراهية الخسارة في نظرية التصور سوف تشن حربًا وقائية حتى إذا كانت نظرية المنفعة المتوقعة في تلك الحالة تدعو إلى السلوك التقييدي من الدولة الأولى. ب. كذلك تساعد كراهية الخسارة أو قبول المخاطرة في تفسير قيام الدول باتباع سياسات فاشلة على مدى أطول مما تتوقعه نظرية المنفعة المتوقعة، وذلك على أمل استعادة الوضع الراهن أو استعادة مكاسب سلبية. ج. من الأمور التي تفسر بتوجه قبول المخاطرة أن الدول من الممكن أن تشترك في فعل فيه مخاطرة ضد أعداء خارجيين؛ وذلك من أجل أن يقوم القادة السياسيون بتأمين أوضاعهم الداخلية ضد معارضين داخليين إذا كان الوضع الداخلي في حالة تدهور يقيني أو مؤكد.

أظهر هذا الاختبار لهذين المضمونين نتيجتين مهمتين في هذا الشأن31: الأولى أن خبرة الخسائر في مجال الصراع العسكري تساهم على نحو إيجابي في قرار استمرار الصراع إلى نقطة تفوق فيها هذه الخسائر، بوضوح، أيّ منفعة مباشرة مستمدة من نظرية المنفعة المتوقعة، وترتبط هذه النتيجة مباشرة بإحدى فرضيات نظرية التصور، وهي المتعلقة بالتوجه نحو المخاطرة في مجال الخسائر. والثانية أن الموقف النسبي لطرف معيّن في مواجهة الطرف الآخر في ظلِّ صراع عسكري هو أقل أهمية عندما يتخذ قرار الاستمرار في الصراع أو إيقافه، والأهم في صنع هذا القرار هو تقويم التغير في موقف الطرف نفسه في نقطة معيّنة في الحرب أو الصراع بالنسبة إلى موقفه في بدايتها، وترتبط هذه النتيجة أيضًا مباشرة بإحدى فرضيات نظرية التصور، وهي الاعتماد على نقطة مرجعية في قياس الخسائر والمكاسب. فإذا رأى صانع القرار أن موقفه في نقطة معينة من الصراع في حالة تدهور بالنسبة إلى موقعه في بدايته، فهو يتوجّه إلى الاستمرار في الصراع لاستعادة الوضع الراهن أو لاستعادة الخسائر. ومن ثم فإن نظرية التصور تتوقع بأن الحروب شأنها في ذلك شأن السياسات الخاطئة سوف تأخذ وقتًا أطول كي تتوقف، وذلك مقارنةً بحسابات التكلفة – العائد في نظرية المنفعة التقليدية32.

ثانيًا: كيفية تطبيق نظرية المنفعة المتوقعة وبدائلها الوصفية أو المعرفية على السلوك التفاعلي في مجال العلاقات الدولية

تحدّثنا في المحور السابق عن الاختيار الفردي من صانع القرار، وإذا ما كان يتم على نحو عقلاني معياري، أي إن عملية الاختيار لا بد من أن تقوم على تعظيم المنفعة في الأحوال كلها، أم على نحو يجمع بين الجانب العقلاني والجانب النفسي، بمعنى أن عملية الاختيار تتم على نحو يخضع لحسابات المكسب والخسارة، ولكن يتدخل فيها جانب نفسي متعلق بالطريقة التي يُصاغ بها القرار ومجال الاختيار، وإذا ما كان مجالً للمكاسب أم الخسائر. امتدادًا للمقارنة بين النظرية المعيارية في الاختيار (الاختيار العقلاني) والنظريات الوصفية في الاختيار (كنظرية التصور)، يُسأل: هل العقلانية باعتبارها اختيارًا فرديًا تنعكس على السلوك الجماعي، أو بمعنى آخر على السلوك التفاعلي؟ فإذا كانت العقلانية وتطبيقاتها في مجال الاختيار الفردي تركز في البداية على قرارات السياسة الخارجية على نحو منفصل، فإن محاولات كثيرة ظهرت في ما بعد لتشكيل السياسات العالمية والعلاقات الدولية، تشير إلى تفاعل السياسات الخارجية للدول فيما بينها وفقًا لنظرية الاختيار العقلاني في صورتها المعيارية (المنفعة المتوقعة)، ثم في صورتها الوصفية المعرفية (نظرية التصور.)

1. علاقة الردع في إطار نظريتي الاختيار العقلاني والتصور

في هذا الإطار، ظهر الكثير من المحاولات لتطبيق نظرية الاختيار العقلاني ونظرية التصوّر التي تعني خضوع الاختيار للطريقة التي تصاغ بها المشكلة من جانب صانع القرار، على علاقة الردع بين دولتين بوصفها علاقة تفاعلية، وكذلك التعاون بين دولتين. في هذا الإطار، يمكن القول إن مباراة الردع بصورتها التقليدية أو بصورتها التي تقوم على تعظيم المنفعة، أو ما يمكن أن نُسميه الاختيار العقلاني المعياري، حظيت بقبول واسع في الدوائر السياسية والأكاديمية، باعتبارها وسيلة لفهم ديناميات الردع العسكري. وفي هذه المباراة، هناك استراتيجيتان يمكن استخدامهما: تتمثّل الأولى في دعم الوضع الراهن من خلال التعاون، وتتمثّل الثانية في الانقلاب على الوضع الراهن من خلال عمل عسكري. ويبين الجدول)1(كل النتائج المحتملة.

الجدول)1(مباراة الردع التقليدية

  1. Thomas Bauer & Ralaph Rotte, "Prospect Theory Goes to War: Loss Aversion and the Duration of Military Combat," SELAPO, University Munich, Sonderforschungsbereich , vol. 386, no. 97 (1997), pp. 1 - 2.
  2. Ibid., p. 5. Player (x) انقلاب (نكوص) تعاون 3 , 3 تعاون Player (y) 2,4 انقلاب

إذا تعاون الطرفان، فسوف يؤدي ذلك إلى استمرار الوضع الراهن من خلال نجاح الردع، أما إذا تراجع أحد الطرفين عن التعاون، فالردع سوف يفشل. وإذا نكص الطرفان، فإن النتيجة سوف تتمثل في الحرب، والفرضية القائمة في إطار الاختيار العقلاني هي أن كل طرف سوف يفضل النكوص الأحادي على استمرار الوضع الراهن، أي على التعاون، وذلك على الرغم من أن كل طرف يفضل الوضع الراهن على الصراع المفتوح أو الحرب، وهذا يعني أن لدى كل دولة حافزًا للانقلاب على الوضع الراهن والحصول على ميزة مقارنةً بمنافستها33. إذا كان ذلك يعني أن الحافز للانقلاب على الوضع الراهن يشير إلى أن هناك حافزًا على نحو مستمر لفشل الردع، فإن نظرية الاختيار العقلاني ترى أنه حتى ينجح الردع فلا بد من توافر شروط معيّنة، منها أنه يقوم على أساس القدرة على توصيل الإرادة للاستجابة بالعنف أو بالقوة عندما يتّبع المتنافسون سياسات غير مقبولة، ومن ثمّ فإذا كانت هذه التهديدات لها صدقية، فإنها سوف تقوم بردع

Player (x)
Player (y)تعاوننكوص
تعاون-2,-2-3,-1
نكوص-1,-3-4,-4

العدوان من خلال زيادة احتمال أن الهجوم سوف ينتج ربحًا عند المستوى الأدنى (آخر احتمال في المباراة)34. غير أن صدقية تهديدات الردع تُقوَّض بوساطة حوافز المباراة؛ لأن ضرورة تنفيذ التهديد في حالة فشل الردع تؤدي إلى فشل المُهدِد؛ لأنه تهديد قوي قد يكون من الصعب تنفيذه، وذلك على الرغم من أن التهديد في ذاته يُفترض أن يقوم بمنع الردع من الفشل، ومن ثمّ فإن افتراض أن تعرف الحكومتان ذلك، كما أن لديهما معلومات عن البناء التفضيلي للطرف الآخر، يعني أن كل دولة أو كل حكومة سوف تسعى للنكوص35. ويفهم من هذا أن الشروط التي تضعها نظرية الاختيار العقلاني لنجاح الردع، وهي قوة التهديد أو صدقيته، قد تؤدي إلى فشل الردع على أساس أنه كلما زادت قوة التهديد، كان من الصعب تنفيذه. ويبقى السؤال: لماذا إذًا يكون الردع فاعلً أو ناجحًا في بعض الأحيان؟ وفقًا لنظرية التصور، من المحتمل أن يكون الردع أكثر فاعلية عندما يكون القادة من الجانبين في مجال المكاسب، وسوف يكون أقل احتمالية للنجاح أو التأثير عندما يكون أحد الطرفين أو كلاهما في مجال الخسائر؛ ذلك أنه في مجال المكاسب، سوف يسعى القادة للحفاظ على الوضع الراهن حتى إذا كانت احتمالات النجاح العسكري مرتفعة - وهذا يعني أنه في مجال المكاسب - فإن تهديدات الردع، وإن كانت تهديدات غير قوية، فسوف تكون رادعًا قويًّا. وعلى العكس من ذلك، عندما يكون صانعو القرار في مجال الخسائر، فإنهم سوف يكونون أكثر احتمالية للمخاطرة بمزيد من التكاليف لصراع مفتوح، وخاصة إذا أدركوا أن هناك فرصةً من خلال هذا الصراع لاستعادة الوضع المقبول، ويُبيّن الجدول)2(مباراة ردع في مجال الخسائر36.

الجدول)2(مباراة ردع في مجال الخسائر

إذا قارنا بين الجدولين)1(و)2(، فسنجد أنه على الرغم من أن نظام التفضيلات متطابق، فإن المباراتين، وفقًا لنظرية التصور، مختلفتان؛ نظرًا إلى اختلاف مجال صنع القرار Frame Decision. ففي الجدول)1(، يواجه صانعو القرارات اختيارين يتضمنان مكاسب، ويمكن أن يختار الطرفان مكاسب من خلال الحفاظ على الوضع الراهن، أو قد يخاطران لتحسين وضعية الدولة، وتكون المخاطرة من خلال محاولة أحد الطرفين تحسين وضعه على حساب الطرف الآخر، فإذا نجحت هذه الاستراتيجية، فسوف تُنتج المزيد من المكاسب، ومن ثمّ يختار صانعو القرارات هنا بين مكاسب صغيرة (مؤكدة) ومخاطرة بمزيد من المكاسب. ووفقًا

  1. Jeffrey D. Berejikian, "Model Building with Prospect Theory: A Cognitive Approach to International Relations," Political Psychology , vol. 23, no. 4 (2002), p. 767.
  2. Ibid.; Robert Jervis, "Rational Deterrence: Theory and Evidence," World Politics , vol. 41, no. 2 (1989), pp. 187 - 188.
  3. Berejikian, p. 767. المصدر: Ibid., p. 768.
  4. Jeffrey D. Berejikian, "A Cognitive Theory of Deterrence," Journal of Peace Research , vol. 39, no. 2 (2002); pp. 173-174; Berejikian, "Model Building," p. 768.

لذلك، تتوقع نظرية التصور أن صانعي القرارات سوف يختارون استراتيجيات تُجنّب المخاطرة، ومن ثمّ فإنهم يقبلون بالمكاسب الصغيرة المؤكدة، بدلً من المكاسب الكبيرة، لكنها أقل تأكيدًا. وهذا يعني أنه إذا كانت هناك حكومتان في مجال المكاسب، فسوف يكون لهما قدرة أكبر على وضع علاقة ردعية مستقرة؛ لأن البداية أو المستهل لتهديد الردع الناجح منخفضة، ومن ثم يسهل تنفيذ هذا التهديد. أما وفقًا لنظرية الاختيار العقلاني، فإذا قام طرف معيّن بحساب القيمة المتوقعة للنكوص ووجدها أكبر من القيمة المتوقعة للتعاون، فسوف يعمل في هذه الحالة على تغيير الوضع الراهن. أما وفقًا لنظرية التصور، فإنه حتى إذا كانت المنافع المتوقعة من النكوص أكبر من القيمة المتوقعة للتعاون، فسوف يستمر التعاون ما دام النكوص سيهدد المنافع التي يتمتّع بها كل طرف في ظلِّ الوضع الراهن37. أما بالنسبة إلى الجدول)2(، فإن الطرفين غير راضيين عن الردع المتبادل، وتدور الاختيارات هنا في مجال الخسائر، حيث يمكن أن يختار كل طرف بين الخسائر المؤكدة المتعلقة بنجاح الردع أو الإبقاء على الوضع الراهن، والمخاطرة بمزيد من الخسائر في مقابل استعادة الوضع المقبول. ومن ثم تتوقع نظرية التصوّر هنا أن يكون صانعو القرارات قابلين للمخاطرة Acceptant Risk؛ فهم سوف يميلون إلى النكوص، وذلك حتى إذا كانت المنفعة المتوقعة لهذا النكوص أقل من القيمة المؤكدة للتعاون. ومن ثمّ، ستكون العلاقة الردعية في إطار الخسائر غير مستقرة؛ ذلك أن قبول المخاطرة التي تخلقها الخسارة يعني أن التهديدات ذات الصدقية العالية جدًّا هي بدورها من غير المحتمل أن تكون رادعًا فاعلً، وهذا يختلف تمامًا عن مجال المكاسب الذي تكون فيه تهديدات الردع الأقل صدقية أكثر فاعلية. فنظرية التصور تحلّ معضلة مهمة في تعريف الردع تقليديًّا؛ إذ وفقًا لذلك المفترض، فإن الردع لا يعمل، لأن التهديد بالردع في حد ذاته يكون مكلفًا، لكن في غالبية حالات الردع الواقعية نجد أن الردع يأتي بنتائجه، ومن ثمّ، ووفقًا لنظرية التصور، فإن المتغير المستقل المهم الذي يفسر نجاح الردع أو فشله هو عبارة عن مستوى الرضا عن الوضع الراهن. كذلك لا تقترح نظرية التصور أن القادة الذين يرضون بالوضع الراهن سوف يكونون مجبرين على الانقلاب عليه، على عكس ما يتضمن مفهوم الردع تقليديًّا38. في أدبيات الردع العقلاني فكرة أساسية، مفادها أن مزيدًا من الردع يكون أفضل، ويقترح هذا المبدأ أن المقدرة الردعية لأي طرف لا بد من أن تكون كبيرة للتغلب، سواء الإدراك وفقًا لوجهة النظر التقليدية أم لوجهة نظر الاختيار العقلاني، فإن الهدف من الردع هو خلق شعور باللاأمن عند الطرف الآخر، ومن ثمّ خفض ثقة المتنافس بقدرته على العدوان، ومن ثمّ يؤدي اللاأمن عند الطرف المنافس إلى اختيارات عقلانية أو اختيارات محافظة. وترى نظرية الاختيار العقلاني أيضًا أن التفاوض الصلب يساهم في إنشاء الصدقية، ومن ثمّ فإن هذه الاستراتيجية يمكنها أن تكون ناجحة في فرض التعاون على الخصم39. على العكس من ذلك، ترى نظرية التصور أن التهديدات الردعية القوية، والتفاوض الصلب أيضًا، يمكن أن يتسببا في صياغة صانع القرار لمجال قراره، باعتباره مجالً سلبيًا أو مجالَ خسائر؛ ما يجعله يقبل بالمخاطرة التي تؤدي إلى فشل الردع، بل قد تؤدي إلى الحرب.

2. علاقة التعاون بين دولتين في إطار نظريتي الاختيار العقلاني والتصور

تُظهر نظرية التصور رؤية مختلفة لكيفية بداية التعاون بين دولتين، ولكيفية التراجع عن هذا التعاون، وذلك مقارنة بنظرية الاختيار العقلاني. إذا حاولنا تحليل رؤية كل نظرية منهما للتعاون، فسيكون لدينا حالتان في كل مرة: تتمثّل الحالة الأولى في اتخاذ قرار بين دولتين ببداية التعاون، وتتمثّل الحالة الثانية في اتخاذ قرار بالنكوص عن التعاون بين دولتين بينهما بالفعل علاقة تعاون قائمة. ترى نظرية الاختيار العقلاني بالنسبة إلى الحالة الأولى وهي بداية التعاون، أو ما يمكن تسميته التعاون في إطار علاقة جديدة، أنه استراتيجية مُخاطِرة؛ لأنه يعطي إمكان استغلال طرف معيّن من طرف آخر، وذلك على أساس أن المشاركين لم يُظهروا بعد رضاهم عن إمكان تبادل التعاون، كما أن المؤسسات لم يتمّ اختيارها. أما في الحالة الثانية - وهي اتخاذ قرار بالنكوص عن التعاون بين دولتين - فنجد أن النكوص في إطار علاقة تعاونية قائمة يعتبر مخاطرة؛ وذلك على أساس أن التكرار وكذلك النظم القائمة للرقابة أو استراتيجيات التعاون التبادلية، التي تراقب كل طرف، تجعل من

  1. Berejikian, "A Cognitive Theory," pp. 174-176; Berejikian, "Model Bulding," pp. 768-770; Gray Schaubetr, "Deterrence, Compellence and Prospect Theory," Political Psychology , vol. 25, no. 3 (2004), pp. 391-394,
  2. Berejikian, "Model Building," pp. 769-770; Berejikian, "A cognitive Theory," pp. 178 - 180.
  3. Berejkian, "Model Building," pp. 769-770; Jervis, pp. 187 - 189.

السهل انكشاف الغش أو الخداع، بما يسمح للمتعاون أن يحمي نفسه ويستخدم العقوبات ضد المعارضين. من ثمّ فإن النكوص في حالة علاقة تعاونية مستقرة، وإن كان سوف يؤدي إلى عوائد أكبر، فإن فيه مخاطرة حلّ التعاون القائم، بما يؤدي إلى الحرمان من العوائد المستهدفة منه. وعليه، إذا افترضنا أن هناك تعاونًا قائمًا بين دولتين، حيث إن المؤسسات التي تقوم بدعم هذا التعاون هي موضع ثقة على نحو جيد، وأظهر اللاعبون استراتيجيات تعاونية على نحو متبادل، فسوف نجد أن نظرية الاختيار العقلاني تتوقع استمرار التعاون بصرف النظر عن المجال الذي يصنع فيه القرار، وهذا يعني أنه ما دام هناك نظام يدعم التعاون ويزوّد بالمعلومات الدقيقة عن سلوك الآخرين، فسوف تبقى الحكومات تُقدّر التعاون40. أما في إطار نظرية التصور، فلا بد من التفرقة بين مجالي المكاسب والخسائر في كيفية اتخاذ قرار البدء في التعاون أو النكوص عنه. فإذا كان صانع القرار قد صاغ قراره باعتباره في مجال الخسائر، فإن البدء في إقامة ترتيبات تعاونية جديدة يكون ممكنًا وفقًا لنظرية التصور على نحو أكبر مما تتوقع نظرية الاختيار العقلاني؛ لأن هذه العلاقة التعاونية الجديدة تعني اتّباع استراتيجية مُخاطرة، وما دام مجال الخسائر هو المجال الذي يؤطر قرارًا معيّنًا، فإن الاتجاه إلى المخاطرة سوف يكون أكثر احتمالً لتفادي الخسائر المؤكدة الموجودة في إطار وضع معيّن. وهذا يعني أن صانعي القرارات سوف يسعون لإقامة ترتيبات تعاونية جديدة في مجال الخسائر بقدر أكبر من الحماسة، أكثر مما تتوقع نظرية الاختيار العقلاني. أوضح جانيس غروس ستين Janice Gross Stein ولويس باولي Pauly W. Louis أن من دراسات عدة تؤكد هذه الفرضية؛ وهي أن الحكومات التي تعاني في مجال الخسائر دائمًا تصوّر إقامة علاقات تعاونية جديدة باعتبارها استراتيجية مخاطرة تهدف إلى التخفيف من الخسارة. والفرضية هنا هي أن صانعي القرارات يصوّرون قرار التعاون باعتباره قرارَ مخاطرة لا يقلل الخسائر عند الحد الأدنى، لكنه يمكن أن يبتعد بصانع القرار عن احتمالات الخسارة المؤكدة. ومعنى ذلك أن في مجال الخسائر، سوف يسعى صانعو القرارات للتعاون الجديد، حتى إذا كانت المخاطر أكبر من الخسائر الناتجة من نكوص الدول الأخرى41. في إطار نظرية التصور أيضًا، وكذلك في إطار مجال الخسائر، فإن النكوص عن علاقة تعاونية قائمة هو أكثر احتمالً، مقارنةً برؤية نظرية الاختيار العقلاني؛ لأننا نتوقع أن الحكومات حين تكون غير راضية عن الوضع الراهن، فإنها سوف تعمل على تفعيل سياسات جديدة في محاولة لتحسين وضعها، وهنا تدعم نتائج نظرية التصور؛ ذلك أن الحكومات إذا كانت في مجال الخسائر، وفي إطار علاقة تعاونية قائمة، تواجه باختيارين: أن الحكومات يمكنها أن تستمر في دعم الوضع الراهن من خلال التعاون، أو تحاول أن تحسن من وضعها من خلال الخداع. لكن اختيار دعم الوضع الراهن، من خلال استمرار التعاون، يعني الاستمرار في خسائر مؤكدة على الجانب الآخر، ويمكن أن يترتب على النكوص عليه أو الخداع خسائر أكبر، وذلك على أساس وجود مؤسسات للمراقبة من الممكن أن تعمل لإخبار الطرف الأول باحتمالية خداع الطرف الثاني. ومن ثمّ، إذا كنّا في مجال الخسائر وقابلين للمخاطرة، فمن المحتمل أن تُخاطر الحكومات بتفكيك علاقة التعاون القائمة في محاولة للحصول على المنافع الممكنة من خلال النكوص غير المقوم. أما في مجال المكاسب، فإن صانع القرار يكون أكثر تجنبًا للمخاطرة، ومن ثمّ أقل اتّجاهًا إلى البدء في علاقة تعاونية جديدة، وأقل اتجاهًا إلى النكوص عن علاقة تعاونية قائمة42. خلاصة القول، تشير الرؤية التقليدية في إطار مدرسة الاختيار العقلاني إلى أهمية المؤسسات في عملية التعاون، أو عدم التعاون، على أساس أن هدف المؤسسات هو التغلّب على الحافز لعدم التعاون. لكن في نظرية التصوّر، فإن بعض حالات عدم التعاون لا يكون ناتجًا من وجود مؤسسات فاشلة، وإنما من عدم رضا صانع القرار عن الوضع الراهن؛ ما يؤدي إلى المخاطرة بعدم التعاون أو بالنكوص. وهذا يعني أن النظام أو المؤسسة التي تؤدي كل الوظائف المطلوبة، بوساطة نظرية الاختيار العقلاني، يمكن أن يبقى غير فاعل وفقًا لمنظور نظرية التصور، وذلك إذا كان الوضع الراهن غير مقبول ويعطي الخداع الفرصة للوصول إلى الوضع المقبول، ويكون النكوص مخاطرة مقبولة في إطار مؤسسة فعلية. وهذا يعني أن إيجاد مؤسسات ليس هو العلاج المناسب بالضرورة لعدم التعاون في إطار نظرية التصور، والبديل هو أن هذه المؤسسات التي تنمي التعاون لا بد من أن تولي اهتمامًا مماثلً لتقويم الوضع الراهن. من ثمّ، تقول نظرية التصور إن للمؤسسات دورًا في معالجة مجالات القرارات (خسائر ومكاسب.) وهذا يشير إلى أن قدرة المؤسسة على استخدام حوافز إيجابية لإيجاد أو بناء مجال للمكاسب سوف

  1. Berejikian, "Model Bulding," pp. 771 - 773.
  2. Ibid., p. 773.
  3. Ibid., pp. 770 - 771.

يكون شرطًا ضروريًّا للتعاون بين الدول. ومن ثمّ ففي إطار الاختيار العقلاني، حين يصل المفاوضون إلى اتفاق تعاوني جديد، فإن أول أمر يجب أن يتفقوا عليه هو الضمانات التي من خلالها يمكن التثبت من خضوع الدول الأخرى لهذا الاتفاق؛ ما يعني إنشاء مؤسسات جديدة باعتبارها ضمانة لعدم الاستغلال. أما في نظرية التصور، فإن الحكومات التي تعمل في مجال الخسائر سوف تكون مستعدة للدخول في اتفاق تعاوني جديد من دون أن تكون هناك أداة أو مؤسسة يمكن من خلالها التثبت من خضوع الدول الأخرى لهذا الاتفاق، حيث إن هذا السلوك يمثل استراتيجية قبول المخاطرة، ذلك أنه يؤدي إلى إمكان استغلال الدولة43. وعليه، فكما أن هناك أمثلة للتعاون الفاشل لا تنتج من المؤسسات الفاشلة، فهناك أيضًا أمثلة للتعاون الناجح لا ترتبط بالضرورة بوظائف الأنظمة أو المؤسسات التقليدية والمتمثلة في جمع المعلومات والموافقة والتثبت. هناك جدل بشأن التعاون بين المدرسة الإدارية ومدرسة الإجبار؛ إذ ترى المدرسة الإدارية أن استخدام الحوافز المادية والفنية هو أفضل لتحقيق التعاون، وذلك على أساس أن هذه الحوافز تُحسّن قدرة الحكومات على الخضوع لتعاليم النظام. أما المدرسة الثانية، فهي مدرسة الإجبار أو العقاب، وتتبنى موقفًا عكسيًّا تمامًا، إذ ترى أنه لا بد من استخدام العقاب من أجل إجبار الدول على التعاون؛ لأن الحكومات تميل إلى الخداع. ونجد أن لكل من المدرستين حججًا مختلفة؛ فالحوافز وفقًا للمدرسة الإدارية ليست مجرد أداة إغراء لاستكمال التعاون، لكن بالقدر الذي تدعم فيه الحوافز أو توجد مجالً للمكاسب، فإنها تعمل ضد الحاجة إلى نكوص مُخاطِر، ومن ثم ضد الحاجة إلى استخدام العقوبات. كما أن العقوبات مهمة، على أساس أن تكلفتها عامل مهم في جعل النكوص عملً مُخاطِرًا في إطار علاقة تعاون قائمة، ومن ثم تردع العقوبات هنا النكوص إذا كنا في مجال المكاسب؛ إذ توجد مخاطر غير مقبولة، لكنّ هناك تحذيرًا معيّنًا من العقوبات، يتمثل في أن استخدامها يمكن أن يوجد مجالً للخسائر، ما يؤدي إلى سلوك مُخاطِر، وإلى النكوص في إطار علاقة تعاونية قائمة44.

ثًالث ا: نتائج الدراسة

توصلت الدراسة إلى نتائج عدة، أهمها: أن الاختيار العقلاني يخضع لجوانب معيارية وجوانب وصفية، حيث قد يكون للعقلانية، وهي حساب المكسب والخسارة والابتعاد عن الجوانب النفسية المتعلقة بالإدراك والتصور، بعدٌ معياريٌ يعني أن صانع القرار عليه الاختيار وفقًا لمبدأ تعظيم المنفعة وتقليل الخسارة باستمرار، وقد يكون لها بعد وصفي يعني أن الاختيار يخضع للطريقة التي تُصاغ بها المشكلة، إذا كانت تصاغ على أنها في مجال المكاسب، أم في مجال الخسائر. أن الاختيار العقلاني في صورته الوصفية والمعرفية يؤكد عدم وجود مبدأ واحد للاختيار في كل الظروف، حيث إن المجال الذي يحدده صانع القرار، سواء أكان مكسبًا أم خسارة، هو الذي يحدد طريقة الاختيار، ففي إطار المكسب يكون صانع القرار أقل ميلً إلى المخاطرة، وفي مجال الخسارة يكون صانع القرار أكثر ميلً إليها. أن عملية الاختيار بمعناها العقلي الوصفي تعني خضوع هذه العملية للجوانب النفسية لصانع القرار، جنبًا إلى جنب مع حساباته العقلية. فالجوانب النفسية هي التي تحدد طريقة صياغة المشكلة. أما الجوانب العقلية، فتُحدّد طريقة الاختيار، حيث إنه لا يخضع للبيئة النفسية، لكن لبيئة نفسية عقلانية. أن تطبيق العقلانية المعيارية والمعرفية على الجوانب التفاعلية للاختيار يعني وجود جوانب مختلفة لنظرية الردع وللتعاون بين الدول بصورة مختلفة عن الجوانب التقليدية لهذه العلاقات؛ حيث تشير العقلانية المعرفية إلى أن نظرية التصور أضافت أبعادًا جديدة لنظرية الردع التقليدية. فإذا كانت نظرية الردع هي العامل الحاسم، أو هي المتغير المستقل في نجاح الردع من عدمه، فإن نظرية التصور ذهبت إلى أن المتغير المستقل المهم الذي يُفسر نجاح الردع، أو فشله، هو عبارة عن مستوى الرضا عن الوضع الراهن. كذلك فإن نظرية التصور لا تذهب إلى أن القادة الذين يرضون بالوضع الراهن سوف يكونون مجبرين على الانقلاب عليه، على عكس ما يتضمن مفهوم الردع تقليديًّا. وبناء عليه، ترى نظرية التصور أن مبدأ مزيد من الردع هو مبدأ غير مرغوب فيه؛ لأن إيجاد الشعور بعدم الأمن عند الطرف المنافس قد يؤدي إلى إنتاج مجال للخسائر لم يكن قائمًا من

  1. Ibid., pp. 773 - 774.
  2. Jeffrey D. Berejikian, "Model Building," p. 774; George W. Downs, David M. Rocke & Peter N. Barsoom, "Is the Good News about Compliance Good News about Cooperation," International Organization , vol. 50, no. 3 (Summer 1996), pp. 380-382, 397 - 399.

قبل. وهذا يمكن أن يؤدي إلى زيادة احتمالية الصراع، على أساس أن الهدف من الردع أصبح قابلً للمخاطرة، ومن ثمّ أكثر مجازفة. أما بالنسبة إلى التعاون، فإن العقلانية الوصفية أو العقلانية في صورتها المعرفية، مثل نظرية التصور، تضيف أبعادًا جديدة. كذلك في ما يتعلق بعلاقة التعاون؛ إذ إنه في إطار الاختيار العقلاني، فإن المفاوضين حينما يصلون إلى اتفاق تعاوني جديد، فأول أمر يجب أن يتفقوا عليه هو الضمانات التي من خلالها يمكن التثبت من خضوع الدول الأخرى لهذا الاتفاق. أما في إطار نظرية التصور، فإن الحكومات التي تعمل في مجال الخسائر سوف تكون مستعدة للدخول في اتفاق تعاوني جديد من دون أن تكون هناك أداة أو مؤسسة يمكن من خلالها التثبت من خضوع الدول الأخرى لهذا الاتفاق، حيث إن هذا السلوك يمثل استراتيجية قبول المخاطرة؛ لأنه يؤدي إلى إمكان استغلال الدولة، وهذا يعني أنه في تناقض معيّن، وتتوقع نظرية التصور أن صانعي القرارات الذين يعملون في إطار الخسائر سوف يكونون أكثر استعدادًا للدخول في علاقات تعاونية جديدة، وكذلك أكثر استعدادًا للنكوص في ظلِّ اتفاقات قائمة. وبالنتيجة، فإن تطبيق نظرية التصور أو العقلانية الوصفية يؤدي إلى نتائج غير تقليدية في ما يتعلق بعلاقات الردع والتعاون.

المراجع

Bauer, Thomas & Ralph Rotte. "Prospect Theory Goes to War: Loss-Aversion and the Duration of Military Combat." SELAPO. University of Munich. Sonderforschungsbereich. vol. 386, no. 97 (1997). Berejikian, Jeffrey D. "A Cognitive Theory of Deterrence." Journal of Peace Research. vol. 39, no. 2 (2002). ________. "Model Building with Prospect Theory: A Cognitive Approach to International Relations." Political Psychology. vol. 23, no. 4 (2002). Coleman, James & Thomas Fararo. Rational Choice Theory: Advocancy and Critive. Newbury: Sage Publications, 2001. Downs, George W., David M. Rocke & Peter N. Barsoom. "Is the Good News about Compliance Good News about Cooperation." International Organization. vol. 50, no. 3 (2006). Goldgeier, J.M. & P.E. Tetlock. "Pshycology and International Relations Theory." Annual Review of Political Science. vol.

Jervis, Robert. "Rational Deterrence: Theory and Evidence." World Politics. vol. 41, no. 2 (1989). Kahneman, Daniel & Amos Tversky. "Prospect Theory: An Analysis of Decision Under Risk." Econometrica. vol. 47, no. 2 (1979). McDermott, Rose. Risk-Taking in International Politics: Prospect Theory in American Foreign Policy. Ann Arbor, MI: University of Michigun Press, 2001. Min, Byoung Won. "Understanding International Hegemony: A Complex Systems Approach." Journal of International and Area Studies. vol. 10, no. 1 (June 2003). O'Neill, Barry. Risk Aversion in International Relations Theory. Stanford, CA: Center for International Security and Cooperation - Stanford University, 2001. S. Levy, Jack. "An Introduction to Prospect Theory." Political Psychology. vol.  13, no. 2 (1992). ________. "Prospect Theory and International Relations: Theoretical Applications and Analytical Problems." Political Psychology. vol. 13, no. 2 (1992). ________. "Prospect Theory, Rational Choice and International Relations." International Studies Quartaly. vol. 41, no. 1 (1997). Schaubetr, Gray. "Deterrence, Compellence and Prospect Theory." Political Psychology. vol. 25, no. 3 (2004). Tversky, Amos & Danial Kahneman. "Rational Choice and the Framing of Decisions." The Journal of Business. vol. 59, no. 4 (1986).