القدرة على الاستدلال: إسهامات التحليل التتبعي في بحوث دراسات الحالة
الملخّص
ا متزايدين من الباحثين في العلوم الاجتماعية والإنسانية تشهد دراسة الحالة اهتمامًا وإقبال، لكنها تواجه تحديات في مدى قدرتها على التعميم والاستدلال؛ إذ ت طبق نتائجها على حالات أخرى كثيرة. فهل يمكن تعميم نتائج حالة واحدة، والاستدلال بها في حالات أخرى لم تخضع للدراسة. لمواجهة هذا التحدي، عمد عدد من المناصرين للبحث الكيفي إلى تطوير طرق تحليل "داخل الحالة" تُّمك ن من الاستدلال، وترد على منتقدي دراسة الحالة. ومن بين الإسهامات البارزة التي تمخضت عن حركة التطوير ما أطلق عليه الباحثون "التحليل التتبعي" لذا تهدف هذه الدراسة إلى النظر في الإسهام المنهجي الذي قدّمه أخيرًا هذا التحليل في البحث الكيفي في العلوم الاجتماعية المتعلق بدراسة الحالة. وتنطلق الدراسة من أن الإسهامات المنهجية الجديدة للتحليل التتبعي قد نقلت البحث الكيفي، ولا سيما منهجية دراسة الحالة، إلى آفاق جديدة. كلمات مفتاحية: دراسة الحالة، التحليل التتبعي، الاستدلال، مناهج البحث. Case studies as a research method are drawing increasing interest from social sciences and humanities researchers, but they pose challenges regarding the ability to generalize and make conclusions that can be applied to other cases. Is it possible to generalize the results of one case, and to apply them in other cases that have not been studied? To answer this, several advocates of qualitative research have developed "in-case" analysis methods that enable inference and respond to critics of the case study method. One of the notable contributions from the evolution movement was what researchers called "Process Tracing." This study aims to consider the methodological contribution that this "tracing" has made to qualitative research related to the case study method in the social sciences. The paper is motivated by the new methodological contributions of the Process Tracing, which have taken qualitative research, especially the case study method, to new horizons. Keywords: Case Study, Process Tracing, Inference, Research Methods.
Inference Ability: Contributions of Process Tracing in Case Study Research
مقدمة
تشهد دراسة الحالة في العقود الأخيرة اهتمامًا وإقبالً متزايدين من الباحثين، وذلك مقارنةً بالعدد الكبير من البحوث في مجالات العلوم الاجتماعية1. وكانت البحوث التي تستخدم دراسة الحالة في عقدي الستينيات والسبعينيات قد تناقصت بدرجة ملحوظة، نسبةً إلى التنامي الكبير للدراسات الإحصائية. وبحسب ألكسندر جورج وأندرو بنيت، فإن البحوث التي استخدمت منهجًا إحصائيًا بين عامَي 9659751 و 1، في مجلة العلوم السياسية الأميركية، قد قفزت من نحو 40 American Political Science Review في المئة إلى نحو 70 في المئة، في حين انحسرت البحوث التي تستخدم دراسة الحالة من نحو 70 في المئة إلى أقل من 01 في المئة2. ومع التطوّر المقدر الذي شهدته البحوث الكيفية عامةً، ودراسة الحالة على وجه الخصوص، عاد الاهتمام من جديد إلى دراسة الحالة، كما ستشير هذه الدراسة لاحقًا. على الرغم من الإقبال الكبير على استخدام دراسة الحالة بين الباحثين، وتوطدها أخيرًا، فإنها تواجه تحديات في مدى قدرتها على التعميم والاستدلال؛ إذ طبقت نتائجها على حالات أخرى كثيرة. فهل نتائج حالة واحدة يمكن تعميمها، والاستدلال بها في حالات أخرى لم تخضع للدراسة؟ لقد وجّه أندرو في عام 9681 انتقادًا شديدًا إلى منهجية دراسة الحالة، فرأى أنها تُستخدم بطريقة لا تتطابق مع البحث العلمي3. وقد أشار فان إفيرا إلى أن هناك ثلاثة أنواع من طرق البحث المستخدمة في العلوم الاجتماعية، هي: التجربة، والملاحظة بشقيها: شق يعتمد على حالات كثيرة، وشق يركّز على حالة واحدة. وتعد دراسة الحالة الواحدة أضعف الأنواع4. ونتيجة لهذه التحديات، عمد عدد من المناصرين للبحث الكيفي، وبخاصة المؤيدين لاستخدام دراسة الحالة، إلى تطوير طرق تحليل داخل الحالة Analysis Within-Case، تمكّن الاستدلال، وترد على منتقدي دراسة الحالة الذين يفضلون استخدام التحليل الإحصائي، ولا سيما تحليل الانحدار5 Analysis Regression. ومن بين الإسهامات البارزة التي تمخضت عن حركة تطوير المناهج الكيفية ما أطلق عليه الباحثون الذين يستخدمون دراسة الحالة "التحليل التتبعي." نال التحليل التتبعي اهتمامًا كبيرًا في السنوات القليلة الماضية6. ويشير باختصار إلى التحليل المعمق لدراسة الحالة، ويشمل القدرة على تتبع آليات التسبيب؛ أي تتبع العملية التي يؤثر فيها المتغير المستقل Independent variable في المتغير التابع e variabl Dependent، وهو ما تنجم عنه مخرجات محددة في البحوث التي تُعنى بدراسة حالة واحدة، أو اختبار نظرية محددة، أو توليد نظرية جديدة. وتعكس الأدبيات المختلفة، من كتب ومقالات نُشرت خلال العقدين الأخيرين، هذا الاهتمام، فقد أفردت مجلة الاقتصاد السياسي الجديد New Political Security Studies دراسات أمنية، و7عام 2016 Economy عام 2015 8، عددًا خاصًا احتوى عدة دراسات حول التحليل التتبعي. وخصصت مجلة التحليل السياسي Political Analysis عددًا خاصًا، في عام 0062، للتسبيب المعقد والطرق الكيفية. ويهدف 9 Causal Complexity and Qualitative Methods التحليل التتبعي إلى إيجاد استدلال من داخل الحالة، في حين تسعى طرق العينات الصغيرة الأخرى للوصول إلى الاستدلال باستخدام أكثر من حالة. وهناك طرق أخرى للاستدلال من داخل الحالة، مثل الطريقة التي سماها جورج وبنيت "طريقة التطابق أو التماثل"10 Method Congruence، وهي استخدام السرد
لعمليات تاريخية، وقياس مدى تطابق قيمة المتغير المستقل مع المتغير التابع، خلال محطات تاريخية مختلفة. ففي حين تهتم طريقة التطابق بوجود ارتباط بين المتغيرين، تركز طريقة التتبع على المسببات التي أفرزت مخرجات محددة. استُخدم منهج التحليل التتبعي في مجالات العلوم الاجتماعية المختلفة، فقد استخدمه أدريان كي وفيليب بيكر في تحليل السياسات العامة11، وباتريك جاكسون في الدراسات الدولية12، وتوليا فاليتي في السياسة المقارنة13، ونينا تاننوالد في الدراسات الأمنية14، وكوري روبنسون في الأمننة15، وجي كيفن فورد وآخرون في اتخاذ القرار التنظيمي16. تهدف هذه الدراسة إلى النظر في الإسهام المنهجي الذي قدمه التحليل التتبعي، أخيرًا، في البحث الكيفي في العلوم الاجتماعية في دراسة الحالة. وتركز على تحليل التطور الذي حدث في الاستدلال العلمي في ثلاثة مجالات: أولها تفسير المخرجات، وذلك بتقديم تفسير كافٍ لمعضلة مخرجات في حالة تاريخية، وثانيها اختبار النظريات، وتكمن مهمة التحليل التتبعي، هنا، في استنباط نظرية من الأدبيات، والنظر في وجود مسبببات مفترضة في الحالة محل الدراسة، وثالثها توليد النظريات؛ إذ تسعى لبناء نظرية عامة من بينات تجريبية. وتنطلق الدراسة من أن الإسهامات المنهجية الجديدة للتحليل التتبعي قد نقلت البحث الكيفي، ولا سيما منهجية دراسة الحالة، إلى آفاق جديدة. تنقسم هذه الدراسة إلى خمسة محاور رئيسة؛ فبعد المقدمة، يتناول المحور الأول نقاشًا حول المنهجية. ثم يبحث المحور الثاني في عملية دراسات الحالة. في حين يتعرّض المحور الثالث للافتراضات الأنطولوجية للتحليل التتبعي. أما المحور الرابع فيحلل تطبيق التحليل التتبعي، والتحديات التي تواجهه. وأخيرًا يُعنى المحور الخامس بالنتائج والمآلات النظرية. وتكمن أهمية الدراسة في الآتي: أولً، تتناول بالتحليل التطوّر الذي حدث في السنوات الأخيرة في مجال البحث الكيفي، وقدرة هذا المجال على تقديم استدلال علمي نابع من تقاليده الخاصة. وبحسب متابعة الباحث، فإن ما نُشر باللغة العربية حول هذا الموضوع قليل جدًا، إن لم يكن منعدمًا؛ إذ لم يقف الباحث على مادة علمية رصينة كُتبت في هذا الموضوع باللغة العربية؛ لذا، فإن هذا البحث يأمل أن يسد فراغًا للمهتمين بالبحث في مجال العلوم الاجتماعية في البلدان العربية، ويمكّنهم من أن يكونوا جزءًا من النقاش العلمي في الفضاء العلمي العالمي. ستتتبع الدراسة تطوّر التحليل التتبعي في الفترة الأخيرة، وستركز على الجوانب الثلاثة الآتية: الأنطولوجية، والإبستيمولوجية، والمنهجية. ثانيًا، عاد الاهتمام بدراسة الحالة مرة أخرى، فحظيت باستخدام واسع من الباحثين في عدد من مجالات العلوم الاجتماعية، ولا سيما في السنوات الأخيرة. ففي دراسة أجرتها جانيت سالمون عام 0172 عن حالة البحوث الكيفية، بحسب ورودها في قاعدة بيانات مجلات "سيج" Sage للنشر، وشملت أكثر المناهج المستخدمة في البحث الكيفي، وجدت أن دراسة الحالة هي الأكثر استخدامًا17. وقد أشار باسكال فينسون إلى أن دراسة الحالة، إلى جانب انتشارها بين الباحثين، كان لها إسهام مقدّر في الدراسات المتعلقة بمجالي الأمن الدولي والاقتصاد السياسي الدولي18، وهذا يدفع إلى الاهتمام بالتطوّر الذي طرأ على منهجية دراسة الحالة. ثالثًا، هناك تحوّل إبستيمولوجي في العقود الأخيرة، زاد من الإقبال على استخدام دراسة الحالة، فالنموذج الوضعي للتفسير الذي ظل سائدًا مدة طويلة في العلوم الاجتماعية كان يقلل من أهمية آليات التسبيب Mechanisms Causal في تحليل علاقات التسبيب. لكن برز في الآونة الأخيرة اهتمام متزايد بآليات التسبيب، فأصبح تحديد آلية بعينها للتسبيب، في مجالَي العلوم السياسية وعلم الاجتماع، جزءًا مهمًا من التحليل السببي19.
أولا: العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية: وحدة المنهج أم تعدده؟
لقد سبق أن نُوقشت المنهجية وطرق عمل البحث نقاشًا إبستيمولوجيًا تركَّز على وحدة المنهج في العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، وقد عنت وحدة المنهج أن العلم بتشعباته المختلفة يجب أن يلتزم بمنهج واحد. رفض أنصار التعددية المنهجية هذه الرؤية، فهم يتمسكون بوجود اختلاف مهم بين المجالين الطبيعي والإنساني؛ إذ تشير الملاحظة، على سبيل المثال، في العلوم الطبيعية إلى متابعة الظواهر ورصدها، في حين تمارس الملاحظة في العلوم الاجتماعية بطريقة غير مباشرة، فيلجأ الباحث إلى اصطناع الوسائل التي تحل محل الملاحظة20، وهذا ما يجعل وحدة المنهج صعبة التطبيق. ثم تجدد النقاش مرة أخرى حول قدرة العلوم الاجتماعية على إنتاج بحث علمي يضاهي العلوم الطبيعية، كان ذلك بصدور كتاب تشارلز بيرسي سنو، وعنوانه ا لثقافتان، الذي ناقش فيه وضع العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وقدم نقدًا لاذعًا للأخيرة، بحسبانها تفتقر إلى الدقة والصرامة. وقد نُشر الكتاب في الخمسينيات، فأثار جدلً واسعًا21. واستمر النقاش العلمي بأشكال شتى، ثم صدر لاحقًا كتاب جيروم 22كيغان Kagan Jerome. ويرى كيغان أن التطورات الأخيرة التي شهدتها العلوم عامةً، قد تجاوزت كتاب سنو، وأن الباحثين في العلوم الاجتماعية ينقسمون إلى قسمين: الأول "يرى أن الوقائع والظواهر ذات منشأ بيولوجي وارتباطات حيوية مادية، والثاني يميل إلى أن الوقائع والظواهر تنتجها وتغيّرها الظروف الاجتماعية للبشر"23. وأشار إلى الجدل الدائر داخل العلوم الاجتماعية حول مفاهيم مثل الثقافة والمجتمع والجماعة والطائفة، وتساءل: هل تعدّ أنواع طبيعية يمكن استخدامها بياناتٍ مشروعةً للدراسة25؟ تنامت المداخل المناصرة لتعددية المنهج وسط العلوم الطبيعية، فقد برزت الانتقائية التحليلية التي تعتمد على مساهمات بول فايرابند، ولا سيما في كتابه ضد المنهج: مخطط لنظرية فوضوية في المعرفة26. يرى فايرابند أن العلم مشروع فوضى، يفتقر إلى منهجية حاكمة، ولا تشير الفوضى هنا إلى انعدام الانتظام، وإنما تشير إلى عدم وجود منهج له سلطة مهيمنة. وقد انتقد آراء الوضعية في عقلانية العلم وموضوعيته. ولم يأتِ التطور العلمي عنده عبر منهج واحد؛ لذا فهو من أنصار التعددية المنهجية. وله عبارة مشهورة، نصها: "أي شيء يفي بالغرض"، في إشارة إلى أن أي منهج مستخدم يُعد مقبولً، إذا كان ملائمًا للمشكلة البحثية27.
ثانيًا: النقاش حول دراسة الحالة
عرّف دريك بيش وراسموس بدرسين الحالة Case بأنها وضعٌ يرتبط فيه سبب، أو جملة أسباب، بمُخرج محدد. قد تكون الحالات أشخاصًا يتخذون قرارات سريعة في جزء من الثانية، أو عمليات كلية كبيرة مرتبطة بالنظام الاقتصادي العالمي، خلال فترة زمنية ممتدة. والفرق المهم هو التمييز بين المستوى الذي تعمل فيه العلاقات السببية: أهو حالة واحدة أم مجموعة من الحالات28. غير أن فينيسون يعرّفها بأنها ظاهرة أو حدث اختيرت وأُطّرت مفاهيميًا، وحُللت على أنها تمثل طيفًا واسعًا من الظواهر والأحداث29. يتبع تصميم البحث في الحالة الواحدة طريقة من أسفل إلى أعلى، في حين يستخدم التصميم الذي يرتكز على حالات كثيرة، أو عينة منها، ويعتمد على التباين بين الحالات، نظامًا من أعلى إلى أسفل. وتسمى البيّنة Evidence في دراسة الحالة التي تستخدم طريقة العلاقات السببية "بينة آلية" Evidence Mechanistic؛ لأنها تقدم بيّنة معيارية للعمليات السببية على الصعيد الذي تعمل فيه الأسباب. أما في الطريقة القائمة على التباين Variance-based، فتعمل البينة على صعيد كل الحالات، أو على عينة منها. ويتركز الاهتمام، هنا، على الأثر الذي يحدثه تغيير في قيمة عامل، أو سبب في قيمة مُخرج أو نتيجة30.
لقد كُثّف النقاش حول قدرة العلوم الاجتماعية بصفة عامة، ودراسة حالة واحدة خاصةً، لتقديم استدلال علمي بعد صدور كتاب غاري كنغ، وروبرت كيوهين، وسيدني فيربا تصميم البحث الاجتماعي عام 1994 31. وقد أثار هذا الكتاب جدلً علميًا مهمًّا، وأحدث نقاشًا واسعًا في أوساط المهتمين بالبحث في العلوم الاجتماعية. ويصنَّف هذا الكتاب على أنه من أهم كتب العلوم السياسية، وهو في رأي جيمس ماهوني 879-1810()1 من أكثر الكتب التي قُرئت في مجال العلوم السياسية المعاصرة32. وتقوم الفكرة الأساسية للكتاب، الذي يشار إليه أحيانًا اختصارًا ب KKV نسبة إلى الأحرف الأولى من كلمات عنوانه الثلاث باللغة الإنكليزية، على أن البحث الكمي والبحث الكيفي يندرجان تحت منطق استدلال واحد، وأن الفرق بينهما يكمن في الأسلوب فقط، وأن البحث غير الإحصائي يمكن أن يحقق نتائج أفضل لو اتبع الباحثون فيه طرق الاستدلال العلمي، أي القواعد المستخدمة في طرق البحث الكمية. وبحسب الكتاب، فإن هدف البحث العلمي تقديم تفسير استدلالي Explanatory Inference بناءً على معلومات تجريبية عن العالم33، أو أن يشمل "الاستدلال الوصفي"، وهو استخدام المعلومات والبيانات التي جُمعت من مشاهدة الظاهرة المدروسة لفهم العالم الذي لم يخضع للدراسة أو المشاهدة، أو "الاستدلال السببي"، وهو معرفة المؤثرات والأسباب من المعلومات والبيانات التي جُمعت34. ويختلف مدى الاستدلال من حيث الزمان والمكان؛ فقد يركز على ظاهرة محددة، مثل انتخاب رئيس في بلد محدد في عام محدد، أو يطبق على ظاهرة تتجاوز الزمن والحدود السياسية، مثل ظاهرة الانقلابات العسكرية في أفريقيا. لقد جاء رد المختلفين مع تصميم البحث الاجتماعي عبر إصدارات مختلفة، من بينها كتاب إعادة التفكير في البحث الاجتماعي الذي صدر عام 0042، وهو من تحرير هنري برادي وديفيد كولير، ثم صدرت طبعته الثانية المنقحة في عام 2010 35، وقد أشار فيه محرراه إلى أن كتاب تصميم البحث الاجتماعي حذّر من الاعتماد على بحوث لا يتوافر فيها التباين في المتغير التابع، مثل دراسة الحالة، ورأيا أن الكتاب، على الرغم من أنه أصبح مرجعًا مهمًا لطلاب الدراسات العليا، لم يولِ أدوات البحث الكيفي اهتمامًا، وأن دراسة الحالة، بحسب برادي وكولير، يمكن أن يكون لها إسهام بحثي جيد عبر التحليل العميق لظاهرة من الظواهر، وأن القول بعدم كفاية دراسة حالة واحدة لاختبار الفروض والنظريات ليس صحيحًا؛ إذ يمكن دحض نظرية من دراسة حالة واحدة. إضافة إلى أن مؤلفي تصميم البحث الاجتماعي قد فاتهم أن يدركوا قدرة التحليل، من داخل الحالة، على تقديم تفسير استدلالي36. انضم ماهوني إلى برادي وكولير في مقالة عنوانها "ما بعد KKV: المنهجية الجديدة للبحث الكيفي"، نُشرت في عام 0102، وأشار فيها إلى أن رؤية كتاب تصميم البحث الاجتماعي للتحليل التتبعي تنطلق من أنه بحث عن متغيرات وسيطة لربط المتغير التابع بالمتغير المستقل، وأن تحديد هذه العوامل الوسيطة سيسهم في معرفة أثر المتغير المستقل. وعلى الرغم من الزيادة في الملاحظات التي يوفرها التحليل التتبعي، فإنه - وفقًا للكتاب - يفتقر إلى القدرة على إيجاد تفسير استدلالي قوي. غير أن ماهوني يرى أن هناك منهجية كيفية جديدة، تستخدم التحليل التتبعي بطريقة مختلفة، وذلك بقدرتها على تقديم تفسير استدلالي قوي. وتستخدم هذه المنهجية ملاحظات عملية Causal Process Observations, CPOs بخلاف التسبيب طريقة ملاحظات حزم البيانات السائدة في البحوث الكمية37. وتعرّف ملاحظات عمليات Data Set Observations, DSOs التسبيب بأنها جزء من البيانات التي توفر معلومات عن الإطار والعملية أو الآلية، وتسهم في الاستدلال السببي38. وتمكّن طريقة ملاحظات التسبيب من معرفة احتمال وجود أحداث وسيطة في الحالة المدروسة، بحسب ما تفترض نظرية ما، ولا تعتمد اعتمادًا أساسيًا على طريقة زيادة عدد الحالات؛ فميزة ملاحظات عملية التسبيب نابعة من قدرة الملاحظة الفردية على تأكيد أو نفي، تصورات الباحث المسبقة عما سيتوقعه. ويرى ماهوني وغويرتز أن منهج دراسة الحالة ومنهج التحليل الإحصائي، صُمما ليقوما بمهمات مختلفة؛ ففي حين تسعى دراسة الحالة لتوضيح أسباب
إفراز حالات بعينها مخرجات محددة، يهدف التحليل الكمي إلى تقدير معدل أثر متغيرات محددة39. وبعد عامين من نشر هذه المقالة اشترك ماهوني وغويرتز في تأليف مقالة، طُوّرت لاحقًا إلى كتاب عنوانه حكاية ثقافتين: مقارنة بين البحث الكيفي والبحث الكمي، صدر في عام 2012 40. وتقوم فكرة الكتاب على أن البحث الكيفي والبحث الكمي يوفران خيارات مختلفة؛ فالمنطق الأساسي للبحث الكيفي هو تفسير المخرجات في حالات فردية. ولا يتجاهل الباحث الحالة التي تشذ عن النموذج، بل - على العكس - يسعى لمعرفة أسباب شذوذها، أمّا في البحث الكمي فلا يشكل شذوذ حالة ما مشكلة للباحث، في حال توفير النموذج قياسًا جيدًا لمؤشرات العينة. وفي الموضوع نفسه، صدر في عام 0032 كتاب لبربارا كيدز بعنوان: النماذج الإرشادية وقلاع الرمال: بناء النظرية وتصميم البحث في العلوم السياسية41. جاء الكتاب في فحواه العام مناصرًا لرؤية تصميم البحث الاجتماعي؛ إذ فضلت كيدز تحليل الانحدار في الدراسات المقارنة، وانتقدت الدراسات التاريخية المقارنة التي يُنظر إليها في حقل العلوم السياسية على أنها من الدراسات المهمة42. وتشير هذه النقاشات إلى وجود انقسام بين دارسي العلوم الاجتماعية حول نوعية المناهج التي تحقق الاستدلال العلمي. غير أن ريهو يرى أن النقاش الأكاديمي المحتدم بين المدرستين: الإحصائية، والكيفية، يعكس واقع العلوم الاجتماعية الأميركية. لكنه لا يشير إلى ما يدور في البيئة الأوروبية؛ ففي العلوم الاجتماعية الأوروبية تهيمن المناهج الكيفية، ولا سيما دراسة الحالة، فضلً عن أن معظم الباحثين الأوروبيين لا يفضلون استخدام المدخل الوضعي، بل يتبعون مداخل ما بعد الوضعية، كًالتفسيرية مثل43.
ثالث ا: الافتراضات الأنطولوجية للتحليل التتبعي
قبل الدخول في الأسس الأنطولوجية للتحليل التتبعي، يبدأ هذا المحور بتقديم تعريف للتحليل التتبعي، فمثل سائر مفاهيم العلوم الاجتماعية تتعدد تعريفات التحليل التتبعي. ومن التعريفات التي استخدمت ما قدمه جورج وبنيت؛ إذ يريان أن التحليل التتبعي هو مسعى لتحديد عملية التسبيب الوسيطة بين المتغير المستقل ومُخرج المتغير التابع44. أما كنغ وكيوهين وفيربا، فالتتبع عندهم يكون للمتغيرات الوسيطة بين السبب والنتيجة45. ويشير كيمبرلي مورغان إلى أن التحليل التتبعي هو إعادة بناء سلسلة الأحداث، أو العوامل، التي توضح كيف قاد السبب (أ) إلى النتيجة (ب)46. لقد حدد جورج وبنيت ثلاثة أنواع من التحليل التتبعي، أولها الوصف الدقيق، الذي يأخذ شكل سرد مفصل، أو سرد قصصي، ويهدف إلى توضيح تطوّر الأحداث. وثانيها التفسير التحليلي، الذي يعمل على تحويل السرد التاريخي إلى تحليل سببي، ويكون مربوطًا بتأطير نظري. أما ثالثها، فهو التفسير العام؛ إذ إن البحث لا يهدف إلى تتبع مفصّل، بل إنه يهدف إلى تكوين تفسير عامّ، وينجم ذلك عن غياب النظرية، أو تفضيل التجريد العام على الدخول في التفاصيل47. أما بيش وبدرسين، فقد قسّما التحليل التتبعي إلى ثلاثة أنواع، ورأيا أن الأدبيات السائدة في مجال التحليل التتبعي قد ركّزت على نوع واحد من التحليل التتبعي، متمثل بالمرتكز على الحالة Case-centric، وهو يسعى لتفسير المخرجات في حالة محددة. ويضيفان نوعين آخرين يرتكزان على النظرية Theory- centric هما التحليل التتبعي بهدف اختبار نظرية، والتحليل التتبعي بهدف بناء نظرية48. كما أضاف المؤلفان نوعًا رابعًا، في كتابهما الذي صدر في عام 0162، هو التحليل التتبعي لتعديل نظرية ما49. في التحليل التتبعي لاختبار النظرية يخطو الباحث الخطوات الآتية:
يعرف كل من (أ) و(ب)، حيث (أ) هي عامل أو سبب، و(ب) هي النتيجة. هناك رابط سببي بين (أ) و(ب)، فالنتيجة حدثت جزئيًا على الأقل بسبب (أ.) يعرف الباحث كيف أدت (أ) إلى (ب)، فهناك نظرية تفسّر كيف يؤثر العامل (أ) في المخرج (ب.) أما في التحليل التتبعي لبناء النظرية، فإن عمل الباحث قد يأخذ طريقين: إما أن يبدأ ب)1(و)2(في اختبار النظرية المبيّنة أعلاه. وإما أن ب 3() حيث يعرف الباحث النتيجة (ب)، لكنه لا يعرف ما الذي تسبب في حدوثها. لا يعرف الباحث لماذا تسبب (أ) في حدوث (ب)، أي: لا توجد نظرية تفسر لماذا أدى تدخل (أ) إلى إحداث النتيجة (ب.) في التحليل التتبعي لتفسير المخرجات فإن الباحث بين أمرين:.1 يعرف النتيجة (ب) لكنه لا يعرف (أ) أي لا يعرف ما الذي أحدث النتيجة (ب)،.2 يعمل الباحث لمعرفة التفسير الكامل لحدوث النتيجة (ب)، ويدرس العوامل المختلفة التي أسهمت في حدوث (ب) بهدف تقديم تفسير محدد لحدوث (ب)50.
1. التسبيب
يعرّف السبب بأنه عامل يزيد من احتمال حدوث مخرج محدد51. وهناك رؤى مفاهيمية مختلفة للمسببات تنبع من إبستيمولوجيا المداخل البحثية. فالمسببات، وفقًا للوضعية الجديدة، محدودة مفاهيميًا، ويركّز البحث على أثر أسباب معينة في إجمالي الحالات، مع محاولة تعميم نتائج البحث. في حين أن المسببات، وفق الواقعية النقدية، واسعة وأشد تعقيدًا، ويعمل بعضها، على الأغلب، مع بعضها الآخر. ويركز البحث على أنماط التسبيب المعقدة، ويقتصر التعميم على مجتمع بحث محدود. وفي البراغماتية، وهي فرع من التحليلية Analyticism، حيث النظريات أدوات إرشادية لفهم جوانب مهمة تحدث في الحالات المدروسة، تكون المسببات أشد تعقيدًا، مع انتقائية في اختيار النظريات، والتعميم فيها ليس للظاهرة، وإنما يُفهم على أنه يشير إلى حالة تاريخية معروفة، مثل أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 52. يختلف فهم التسبيب في منهج دراسة الحالة عن البحث في منهج العينات الكبيرة، ففي حين يسعى الباحثون الذين يستخدمون دراسة الحالة لتفسير مخرجات بعينها في حالات محددة (مثلً: لماذا حدثت تنمية اقتصادية في كوريا الجنوبية واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، ولم تحدث في سورية وكينيا؟ ولماذا تحققت الديمقراطية في بلد بعينه، ولم تتحقق في بلد آخر مشابه له في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؟)، يعمل الباحثون الذين يستخدمون عينات كبيرة لتقدير متوسط تأثير المتغير المستقل، ويستخدمون نتائج التحليل الإحصائي معاملً يطبق في كل مجتمع الدراسة، وليس في حالة محددة53؛ لذا، يستهدف التسبيب الذي يسعى الباحث وراءه في دراسة الحالة معرفة العملية التي أفضت إلى مخرج محدد في حالة بعينها. يضاف إلى ذلك أن آليات التسبيب قد تحدث في أي مستوى من مستويات التحليل، ويمكن إدراك أنها نتيجة لمعتقد أو فعل أو سلوك فردي، ويمكن أيضًا رؤيتها فعلً جماعيًا أو نظامًا اجتماعيًا. وبهذه الرؤية تشمل آليات التسبيب على مستوى التحليل الفردي الخيار العقلاني، وبعضها قد يحدث على مستوى التحليل الفردي أو مستوى التحليل الجماعي، مثل السمسرة، وهي تشير إلى "التوسط" بين مكونين اجتماعيين و"التنسيق"؛ أي زيادة المنافع من أعمال محددة تقوم بها مجموعة أو أفراد، وهذا ما يشجّع على مزيد من الانخراط في مثل هذه الأعمال، و"التأطير"، وهو يحدث عبر التوجهات أو القيم، و"القوة"، وتشير - على سبيل المثال - إلى تشجيع التغيير المؤسسي بهدف اكتساب مزيد من القوة54. تشترك كل أنواع التحليل التتبعي الثلاثة في عدد من السمات العامة، أهمها أنها تهدف جميعها إلى دراسة آليات التسبيب، وتشترك في الرؤية الأنطولوجية للعلاقة السببية؛ حيث ترى أنها حتمية وأن التسبيب آلي يركّز على العملية، فالعوامل المسببة تنتقل عبر عدد من الوحدات المترابطة آليًا لتنتج مُخرجًا محددًا. وتقتسم، كذلك، فهمًا نظريًا للآليات، يقوم على أنها غير متغيرة؛ فهي إما موجودة وإما غير موجودة. لكنها لا تتخذ قيمًا متباينة تزيد أو تنقص، وهل التسبيب "منتظم"، أم أنه فردي يحدث مرة واحدة؟ (يُنظر المخطط الموضح للفروق الأنطولوجية وطرق دراسة الحالة)، إضافة إلى أن كل الأنواع تستخدم تحليل بايز55 analysis Bayesian. وفي ما يلي نتناول بإيجاز هذه الافتراضات الثلاثة للعلاقة السببية.
اﻟﺤﺎﻻت اﻟﻔﺮدﻳﺔ اﳌﻐﺎﻳﺮة اﻟﻄﺮق اﳌﻘﺎرﻧﺔ ﻧﻈﺎم اﻟﺘﻄﺎﺑﻖ Counterfactual single cases
ﻓﺮدﻳﺔ اﻟﺤﺪوث ﰲ اﻻﻧﺘﻈﺎم ﻋﱪ ﻋﺪة ﺣﺎﻻت ﺣﺎﻟﺔ واﺣﺪة
اﳌﻐﺎﻳﺮة
اﻟﺤﺘﻤﻴﺔ وﻋﺪم اﻹﺗﺴﺎق
2. الافتراضات
أ. الافتراض الأول: الحتمية مقابل الاحتمالية
يشير الافتراض الأول إلى الحتمية56، وهو افتراض أنطولوجي يشير بدوره إلى طبيعة الدعاوى السببية، وليس متعلقًا بمدى يقيننا بالمعرفة التطبيقية التي اكتسبناها من البحث (لأن هذا مرتبط بالإبستيمولوجيا.) هنا يرى عدد من أنصار دراسة الحالة أن الحتمية،
دراﺳﺎت اﻟﺤﺎﻟﺔ ﰲ اﻟﺘﺤﻠﻴﻞ دراﺳﺎت اﻟﺤﺎﻟﺔ ﰲ اﻟﺘﺘﺒﻌﻲ
اﻻﻧﺘﻈﺎم واﻟﻔﺮدﻳﺔ
آﻟﻴﺔ اﻟﺘﺴﺒﻴﺐ آﻟﻴﺔ اﻟﺘﺴﺒﻴﺐ)اﻟﺤﺪ اﻷد ()اﻟﻨﻈﻢ (
وليس الاحتمالية، هي ما يميز العلاقة السببية بين العامل أو السبب والنتيجة. ويكمن السبب وراء هذا الافتراض في أن الرأي الآخر القائم على الاحتمالية يجعل البحث المرتكز على دراسة الحالة يأخذ أهمية ثانوية؛ لأنه سيُستخدم لتعضيد المخرجات التي يرى باحثو الدراسات المعتمدة على التباين أنها سبب مهم على مستوى مجتمع الدراسة كله57. فبعد أن يُجرى البحث الإحصائي القائم على عدد كبير من الحالات، ويعتمد على الاحتمال، فإن استخدام دراسة الحالة المعتمد على الاحتمالية سيكون ثانويًا، ويقوم بدور معضد للدراسة الإحصائية.
ب. الافتراض الثاني: الانتظام مقابل الفردية
يكمن الفرق الثاني في التسبيب بين دراسة الحالة الواحدة والدراسة التي تستخدم عينات كبيرة، في: هل التسبيب "منتظم"؟ بمعنى: أهناك انتظام Regularity في هذا التسبيب على نطاق عدد كبير من الحالات أم أنه حالة فردية؟ إذا اختار الباحث أن يستخدم التسبيب المنتظم، فإنه يبحث عن آليات تعمل على نطاق عدة حالات موجودة في مجتمع دراسة محدد؛ أي تلك التي تستخدم عينات كبيرة، مثل عدد كبير من الدول أو الأشخاص. أما إذا اختار التسبيب الفردي، فإن التركيز سيكون على كيفية عمل الآليات المسببة في حالات بعينها، مثل حدوث انقلاب عسكري في بلد محدد58. ويعمد أنصار التحليل التتبعي إلى التركيز على الفردية. تعود فكرة التسبيب المنتظم المتكرر إلى طريقة التوافق Method Agreement of، وهي تشير إلى استخدام حدوث الارتباط بين عاملين تحت الملاحظة لتحديد الأثر الذي يحدث نتيجة لهذا الارتباط بينهما. ويُستخدم التسبيب المنتظم أساسًا لوجود أسباب في عدد كبير من الدراسات الإحصائية. لكن التسبيب المنتظم لا يحدد اتجاه التغيير في الظاهرة المدروسة (أي عامل كان السبب، وأي عامل كان النتيجة)، ولا يمكنه الإجابة عن كيفية حدوث التغيير وأسبابه59.
ج. الافتراض الثالث: الآلية مقابل المغايرة
يهتم التحليل التتبعي بالبحث عن إثبات للآليات التي تعمل داخل الحالة، والتي أسهمت في إحداث مخرج محدد. وعلى الرغم من أن فكرة التفسير تعتمد على آليات قديمة في البحث العلمي، فإن دراستها على نحو منتظم قد تنامى في العقود الأخيرة60. وعلى الرغم من الاستخدام المطّرد لآليات التسبيب في أدبيات العلوم الاجتماعية وفلسفة العلوم، فإن هناك غموضًا يلف تعريف المصطلح؛ إذ حدد ماهوني نحو 42 تعريفًا مختلفًا يحمل بعضها تضاربًا. ومن أهم الاختلافات التي تعكسها هذه التعريفات ما يلي: هل تتكون تلك الآليات من متغيرات وسيطة؟ أتحدث مرة واحدة، أم أنها متعددة الحدوث، فتكون بمنزلة قانون؟ وما مستويات التحليل التي تعمل فيها هذه الآليات؟ وهل الآليات مسببات؟ أم هل هي رابط بين الأسباب والنتائج61؟ في حين أورد هيدستروم ويلكاوسكي نحو تسعة تعريفات لآليات التسبيب، اختار هذا البحث تعريفين من بينها لوضوحهما: الأول الذي يرى أن آليات التسبيب هي عملية في نظام متماسك، قادرة على إيجاد أو منع حدوث تغيير في النظام. أما التعريف الثاني فيشير إلى أن الآليات أنماط تسبيب يسهل التعرّف إليها، وتحدث حدوثًا متكررًا، تدفعها إلى التفاعل أوضاعٌ مجهولة62. وعلى الرغم من تعدد التعريفات التي أشار إليها ماهوني، فهناك تعريفات نالت نقاشًا أكبر من سواها، مثل تعريف هيدسترويم وسويدبيرغ الذي يرى أن الآلية هي مجموعة من الفرضيات التي يمكن أن توفر تفسيرًا لظاهرة اجتماعية، ويكون هذا التفسير في شكل تفاعل بين أشخاص وأشخاص آخرين، أو بين أشخاص وتكوينات اجتماعية63. أما مفهوم المغايرة Counterfactual، فيشير إلى تسبيب لظاهرة لم تقع، أي افتراض كيف أن المُخرج (أو النتيجة) سيتغير إذا لم يقع حادث كان قد وقع بالفعل64. ومثال ذلك الافتراض الآتي: كيف سيكون واقع العراق اليوم إن لم يَغزُ صدام حسين الكويت؟ يرى غيرنغ أن الآلية تحتل دورًا ثانويًا، ولا تُعد شرطًا ضروريًا لتقييم السببية65.
رابعًا: تطبيق التحليل التتبعي وتحدياته
يُعد الوصف جزءًا مهمًا من التحليل التتبعي؛ ويعود سبب ذلك إلى أن التحليل التتبعي يركز على تطور الأحداث خلال مدة من الزمن ويتعذر وصف الحدث أو الموقف، إن لم يكن هذا الوصف دقيقًا وكافيًا لجزء من ذلك التطور. لا تبدأ عملية الوصف في التحليل التتبعي بملاحظة التغيير أو الاطّراد، بل بأخذ ملاحظات جيدة لسلسلة من اللحظات التاريخية التي مرت بها الظاهرة المدروسة. وينبغي للباحث، لتحديد التتبع، أن يحدد مواضع أساسية في هذا التتبع؛ فهذا التحديد سيمكّن الباحث من التحليل
الجيد للتغيير أو الاطّراد66. وربما قد يطرأ سؤال هنا عن العلاقة بين التحليل التتبعي والسرد، وهل ثمة فرق بين الاثنين؟ يكمن الفرق بينهما في ثلاثة أوجه: أولها أن التحليل التتبعي أشد تركيزًا، فهو يختار بعض جوانب الظاهرة فقط، مع العلم أن بعض البيانات ستُفقد نتيجة لهذا الاختيار. وثانيها أن التحليل التتبعي بنائي أو مهيكل، بمعنى أن الباحث يطوّر التحليل التفسيري وفق إطار نظري محدد في تصميم البحث. أما الوجه الثالث، فهو أن هدف التحليل الكمي يكمن في تكوين سرد تفسيري لمسار سببي، يقود إلى مخرج محدد67. يُعد كتاب دانييل ليرنر الذي صدر عام 9581، عن التحديث الذي مرت به قرية تركية، مثالً لاستخدام التحليل التتبعي68، فقد استخدم وصفًا مكثفًا تميّز به التحليل التتبعي، وتطرّق إلى التحوّل الذي طرأ على القرية، وكان نتيجة لقيام حكومة وطنية جديدة، وإنشاء بنيات أساسية شملت إدخال الكهرباء وبناء طريق يصل القرية بالعاصمة أنقرة. إن التغير الذي طرأ على القرية كان المتغير التابع، وكان هدف المؤلف وصف التغير الذي طرأ على هذا المتغير خلال مدة من الزمن، فركّز التحليل على عدد كبير من الملاحظات المحددة من السمات الاجتماعية والتفاعلات، والمكونات الديموغرافية، والموجودات المادية، والبنيات الأساسية، والمؤسسات التجارية69. وفي مجال اختبار النظرية استُخدم التحليل التتبعي في اختبار نظرية تسعى لتحديد أسباب قيام الحروب والتمردات الأهلية، فبعد دراسة إحصائية لعينة شملت نحو 412 حربًا أهلية إثنية، بين عامَي 9450051 و 2، خلص لارس إيريك سيدرمان وآخرون إلى أن هناك علاقة وثيقة بين درجة النفاذ إلى السلطة والمشاركة فيها، واحتمال نشوب الحروب الأهلية الإثنية70. أورد الباحثون عددًا من الآليات التي تربط بين الاستبعاد من السلطة وقيام الحروب الأهلية الإثنية. وهذه الآليات هي: العمل لتغيير الوضع الراهن؛ إذ إن الاستبعاد يولّد حالة استهجان وتوجس من الهيمنة وسط الأفراد المهمشين، وهذا ما يقودهم إلى التمرّد. القدرة على التعبئة، فكلما كانت المجموعة المهمشة كبيرة، كانت قدرتها على التعبئة أوسع، وهو ما يقوّي احتمال التمرّد على الحكومة. وجود تاريخ سابق للعنف، الأمر الذي يقوّي احتمال التمرّد على الحكومة. ويمكن إدخال آليات بديلة، مثل قدرة الحكومة على مجابهة التمرّد، والإغراء المادي. ولتطبيق التحليل التتبعي تُعقد مقارنة بين حالة تمرّد إثني فيها إقصاء لمجموعة من السلطة، وحالة تمرد أخرى مشابهة ليس فيها إقصاء من السلطة. ويبدأ التحليل التتبعي بالبحث عن بينات كيفية عن طريقة ضم العضوية والخطاب المستخدم لتجنيد الأفراد، والتكوين الإثني للمجموعة المتمردة. ويمكن استخدام التحليل التتبعي في تتبع تطوّر الأحداث حتى اندلاع الحرب الأهلية71. يُستخدم التحليل التتبعي، أيضًا، في التأكد من صحة الافتراضات؛ فالباحث يتتبع وحدة من البينات تعد جزءًا من تسلسل الأحداث، ولها قيمة في دعم، أو دحض، الافتراضات. وهذه الوحدة من البيّنات هي "ملاحظات عملية التسبيب" التي أشير إليها، وإذا استخدمت هذه الملاحظات، مع تعميمات مرتبطة بالحالة موضع الدراسة، فإنها تسمى تحليلً تتبعيًا72. وتساعد اختبارات التحليل التتبعي الباحث في تحقيق: حدث أو فعل قد وقع. حدث أو فعل آخر قد وقع، بعد اكتمال الحدث أو الفعل الأول. حدث أول سبب في حدوث الثاني. هناك عدة اختبارات تستخدم لتحقيق هذا الهدف73. لكن الدراسة ستركز على اختبارين: الأول أطلق عليه اسم "الحلقة"، والثاني اسم "دخان البندقية"74. يفترض اختبار الحلقة وجود جزء من البينات؛ أي وجود ملاحظة محددة في عملية التسبيب، يجب توافرها كي تكون الفرضية مقبولة. والإخفاق في اختبار
الحلقة يلغي الفرضية، غير أن النجاح في الاختبار لا يعني تأكيد الفرضية. ويمكن التوضيح بالمثال الآتي: هل كان المتهم موجودًا في المدينة يوم وقوع جريمة قتل؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فهو بريء. أما إذا كان موجودًا في المدينة، فإن ذلك لا يثبت تورطه في الجريمة75. وعلى عكس اختبار الحلقة، يفترض اختبار دخان البندقية أن وجود بيّنة واحدة، بمعنى توافر ملاحظة محددة في عملية التسبيب، يشير إلى مقبولية الفرضية. والنجاح في اختبار دخان البندقية يدعم بقوة الفرضية، لكن الفشل في الاختبار لا يلغيها؛ فعلى سبيل المثال إن شوهد المتهم، وفي يده بندقية يخرج من فوهتها دخان، فإن هذه البيّنة تعضّ د بقوة فرضية الاتهام بارتكاب الجريمة. لكن لا يمكن تبرئة متهم لأنه لم يُشاهَد يحمل بندقية يخرج من فوهتها دخان76. يجابه التحليل التتبعي عددًا من التحديات، أولها، تشكُّل قضية الصلاحية Validity من دراسة حالة واحدة، فقد يلجأ الدارس إلى استخدام المقارنة بأكثر من حالة77، وافتراض أن الحالات يمكن التعامل معها وهي مستقلة، بعضها عن بعض؛ إذ شكلت بعض الأحداث الكبرى، مثل الاتحاد الأوروبي، أو الترابط المتنامي بين أجزاء العالم، تحديًا أمام هذا الافتراض. وثانيها الحاجة إلى بيانات تطبيقية؛ إذ يعتمد التطبيق الناجع للتحليل التتبعي على تحقق درجة عالية من الصدقية والموثوقية في بعض العمليات والأحداث، وهذا المطلب قد يصعب تحقيقه في الأحداث المرتبطة أعمالها بدرجة عالية من السرية، مثل اتخاذ القرار في السياسة الخارجية، أو مكافحة الإرهاب، فهناك كثير من قرارات السياسة الخارجية التي تتطلب اعتمادًا على تقارير استخبارية، أو اتصالات مع زعماء خارجيين لا يمكن الوصول إليها. وعلى سبيل المثال، فإن الاستيلاء الروسي على شبه جزيرة 2 وضمّها لم يُناقشا علنًا، وإنما أ القرم في العام 014 عد لهما بسرية. وثالث التحديات مشاكل التحيّز المعرفي، وهي موجودة في بحوث كثيرة. لكنها تظهر جليًا في دراسة الحالة والتحليل التتبعي، وذلك عندما يختار الباحث البينات التي تدعم فرضيته، في حين يتجاهل التي تخالفها، فضلً عن أن التحليل التتبعي قد يتوافق مع عدد كبير من النظريات، وهنا تبرز صعوبة تمييز النظريات المكملة للتفسير من تلك الزائفة78.
خامسًا: النتائج والمآلات النظرية
1. النتائج
أولً، يعكس التحليل أن مناهج البحث الكيفية، ولا سيما دراسة الحالة، قد تطوّرت تطورًا كبيرًا في العقود القليلة الماضية؛ إذ لم تعد هذه المناهج تقتصر على الوصف والسرد التاريخي العام، الأمر الذي جعل دراسة الحالة تُنتقد بأنها ليست علمية، وعدم القدرة على التعميم والاستدلال، وفي أفضل المواضع كانت دراسة الحالة تُعد استكشافية، ليس لديها القدرة على الولوج في أعماق البحث العلمي. لكن المناهج الكيفية، ولا سيما دراسة الحالة، تجاوزت هذا الوضع، وأضحى التحليل التتبعي تحليلً كيفيًا معمقًا. ثانيًا، إن لدراسة الحالة القدرة على تقديم استدلال يصلح استخدامه في حالات أخرى لم تكن محل الدراسة، لكن بطريقة مختلفة. ويمكن للتحليل التتبعي أن يسد الفجوة التي تنجم عن البحوث الإحصائية في الدراسات المقارنة المتحكم فيها. وقد توصلت الدراسة إلى أن ما انتهى إليه كتاب تصميم البحث الاجتماعي حول قدرة البحث الكيفي على تقديم استدلال علمي ليس دقيقًا، وأن إضفاء العلمية ليس وقفًا على البحوث الكمية. ثالثًا، هناك تحوّل في منهجية دراسة الحالة نحو آليات التسبيب التي تعمل على تفسير "الصندوق الأسود" الرابط بين السبب والنتيجة. وتتأثر آليات التسبيب بالمنطلقات الفلسفية التي تقوم عليها المداخل المنهجية، مثل الوضعية والواقعية النقدية. رابعًا، تعد ملاحظات عملية التسبيب، بحسبانها وحدات بينات مرتبطة بتسلسل الأحداث، محورية في التحليل التتبعي، فإذا استُخدمت هذه الملاحظات مع تعميمات مستقاة من الحالة محل الدراسة، فإن التحليل التتبعي يكون قد تحقق. وباستخدام اختباري "الحلقة" و"دخان البندقية" يمكن التحقق من توافر السببية. خامسًا، أدى النقاش حول علمية بحوث دراسة الحالة إلى إيجاد هَمٍّ مشترك بين مناهج دراسة الحالة، والمناهج الكمية، فظهرت - على سبيل المثال - دراسات هادفة إلى تقديم نظرية مشتركة للتسبيب يمكنها الأخذ بطرف من الجانبين.
2. المآلات النظرية
أولً، إن التحليل التتبعي يمكن استخدامه في مجالات اختبار النظرية وبنائها وتعديلها، ويبرز في مجال اختبار النظرية البحوث التي تناولت "السلام الديمقراطي" أن الديمقراطيات لا يحارب
بعضها بعضًا79، ومحاولة بناء نظرية تفسر انتهاء الحرب الباردة، نسبة إلى تعدد المسببات التي طرحها باحثون لتفسير انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة80، واللجوء إلى تعديل نظرية بناء الدولة عبر التدخلات81. ثانيًا، فتح تناول آليات التسبيب في التحليل التتبعي الباب أمام تطوير عملية التسبيب، فقد برزت في الدراسات تصنيفات، مثل "المسارات الاجتماعية" Pathways Social التي تحمل في داخلها آليات التسبيب، وتضم كذلك "أطر العمليات" Patterns Process التي تشير إلى تفاعل إنساني متسلسل ومتكرر، يمكن ملاحظته قبل تحديد نطاق اجتماعي، قد يكون مجالً للتعميم. ثالثًا، أدى التناول العلمي الواسع للتحليل التتبعي إلى تطوّر أنماط التحليل التتبعي، فلم يعد التتبع السردي للظاهرة هو النمط الشائع، بل برز نمط آخر هو تحليل تبعية المسار Path Dependence الذي يشير إلى تفرع مسار الظاهرة محل الدراسة، وانغلاق المسارات الفرعية، ما عدا مسارًا واحدًا. واعتمادًا على تنامي البحث المرتبط بالتحليل التتبعي، واستخدامه في مجالات العلوم الاجتماعية المختلفة، فإن ظهور أنماط جديدة من التحليل التتبعي قد بدأ في التبلور، مثل التحليل التتبعي المقارن الذي يقارن بين أكثر من حالة.
المراجع
العربية
أحمد، حسن الحاج علي. "عرض كتاب الثقافات الثلاث." مجلة الدراسات السودانية. العدد 21 (تشرين الأول/ أكتوبر 2).015 حمشي، محمد. "الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية." سياسات عربية. العدد 82 (أيلول/ سبتمبر.)2017 الخولي، يمنى طريف. مشكلة العلوم الإنسانية: تقنيتها وإمكانية حلها. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع،.2011 ________. فلسفة العلم في القرن العشرين. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة،.2014 زيتوني، الشريف. (إشراف وتقديم.) إبستيمولوجيا العلوم الإنسانية في الفكر العربي والفكر الغربي المعاصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2017 كيغان، جيروم. الثقافات الثلاث العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانيات في القرن الحادي والعشرين. تعريب صديق محمد جوهر. سلسلة عالم المعرفة 408. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2014
الأجنبية
"Applying Process Tracing in Five Steps." Centre for Development Impact. Practice Paper. no. 10 (April 2015). Beach, Derek & Rasmus Burn Pedersen. Process-Tracing Methods: Foundations and Guidelines. Ann Arbor, MI: The University of Michigan Press, 2013. ________. Causal Case Study Methods: Foundations and guidelines for Comparing, Matching, and Tracing. Ann Arbor, MI: The University of Michigan Press, 2016. Bennett, Andrew & Jeffrey T. Checkel (eds.). Process Tracing: from Metaphor to Analytic Tool. Cambridge: Cambridge University Press, 2014. Bernhard, Michael. "Methodological Disputes in Comparative Politics." Comparative Politics. vol. 41, no. 4 (July 2009). Brady, Henry E. & David Collier. Rethinking Social Inquiry: Diverse Tools, Shared Standards. Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 2010. Brast, Benjamin. "The Regional Dimension of Statebuilding Interventions." International Peacekeeping. vol. 22, no. 1 (2015). Cederman, Lars-Erik. Andreas Wimmer & Brian Min. "Why do Ethnic Groups Rebel? New Data and Analysis." World Politics. vol. 62, no. 1 (2010). Collier, David. "Understanding Process Tracing." PS: Political Science and Politics. vol. 44, no. 4 (2011).
Falleti, Tulia G. "Theory-Guided Process-Tracing in Comparative Politics: Something Old, Something New." Newsletter of the Organized Section in Comparative Politics of the American Political Science Association. vol. 17, no. 1 (2006). Falleti, Tulia G. & Julia F. Lynch, "Context and Causal Mechanisms in Political Analysis." Comparative Political Studies. vol. 42, no. 9 (2009). Feyerabend, Paul. Against Method: Outline of an Anarchistic Theory of Knowledg e. 3 rd ed. New York: Verso Books, 1993 [1975]. Ford, J. Kevin et al. "Process Tracing Methods: Contributions, Problems, and Neglected Research Questions." Organizational Behavior and Human Decision Processes. vol. 43, no. 1 (1989). Friedrichs, Jörg. "Causal Mechanisms and Process Patterns Thinking Within or Without the Box." St Antony's International Review. vol. 12, no. 1 (2016). Geddes, Barbara Paradigms and Sandcastles: Theory Building and Research Design in Comparative Politics. Ann Arbor, MI: University of Michigan Press, 2003. George, Alexander & Andrew Bennett. Case Studies and Theory Development in The Social Sciences. Cambridge, MA: The Belfer Center for Science and International Affairs - Harvard University, 2004. Boix, Carless & Susan C. Stokes (eds.). The Oxford Handbook of Comparative Politics. Oxford: Oxford University Press, 2007. ________, "Causal Mechanisms: Yes, But…." Comparative Political Studies. vol. 43, no. 11 (2010). Della Porta, Donatella & Michael Keating (eds.). Approaches and Methodologies in the Social Sciences: A Pluralist Perspective. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Eatwell, John, Murray Milgate & Peter Newman. Time Series and Statistics. London: Palgrave Macmillan, 1987. Goertz, Gary & James Mahoney. "A Tale of Two Cultures: Contrasting Quantitative and Qualitative Research." Political Analysis. vol. 14, no. 3 (2006). ________. A Tale of Two Cultures: Qualitative and Quantitative Research in the Social Sciences. Princeton: Princeton University Press, 2012. Hay, Colin. "Process tracing: a laudable aim or a high- tariff methodology?" New Political Economy. vol. 21, no. 5 (2016). Hedstrom, Peter & Petri Ylikoski. "Causal Mechanisms in the Social Sciences." Annual Review of Sociology. vol.
Jackson, Patrick Thaddeus. "Causal claims and causal explanation in international studies." Journal of International Relations and Development. vol. 20, no. 4
Kay, Adrian & Phillip Bake. "What Can Causal Process Tracing Offer to Policy Studies? A Review of the Literature." Policy Studies Journal. vol. 43, no. 1 (2015). King, Gary, Robert O. Keohane & Sidney Verba. Designing Social Inquiry Scientific Inference in Qualitative Research. Princeton: Princeton University Press, 1994. Kimberly J. Morgan, "Process tracing and the causal identification Revolution." New Political Economy. vol. 21, no. 5 (2016). Kiser, Edgar & Howard T. Walser. "The Micro foundations of Analytic Narratives." Sociological. no. 3 (2007). Klotz, Audie & Deepa Prakash (eds.). Qualitative Methods in International Relations: A Pluralist Guide. London: Palgrave Macmillan, 2008. Lerner, Daniel. The Passing of Traditional Society: Modernizing Middle East. New York: Free Press of Glencoe, 1958 Mahoney, James. "Beyond Correlational Analysis: Recent Innovations in Theory and Method." Sociological Forum. vol. 16, no. 3 (2001).
________. "Process Tracing and Historical Explanation." Security Studies. vol. 24, no. 2 (2015). ________. "After KKV: The New Methodology of Qualitative Research." World Politics. vol. 62, no. 1
Mahoney, James. "The Logic of Process Tracing Tests in the Social Sciences." Sociological Methods & Research. vol 41, no. 4 (2012). ________. "Toward a Unified Theory of Causality." Comparative Political Studies. vol. 41, no. 4 - 5 (2008). Punton, Melanie & Katharina Welle. "Straws-in-the- wind, Hoops and Smoking Guns: What can Process Tracing Offer to Impact Evaluation?" Institute of Development Studies. Practice Paper. no. 10 (April 2015). Rihoux, Benoît. "Two Methodological Worlds Apart? Praises and Critiques from a European Comparativist." Political Analysis. vol. 14, no. 3. Special Issue on Causal Complexity and Qualitative Methods (Summer 2006). Robinson, Corey. "Tracing and Explaining Securitization: Social Mechanisms, Process Tracing and the Securitization of Irregular Migration." Security Dialogue. vol. 48, no. 6 (2017). Snow, C.P. The Two Cultures and the Scientific Revolution. Reissue Edition. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Tannenwald, Nina. "Process Tracing and Security Studies." Security Studies. vol. 24, no. 2 (2015). Van Evera, Stephen. Guide to Methods for Students of Political Science. Ithaca: Cornell University Press, 1997.