العلوم السياسية: البحث بطرائق متنافسة في موضوع متشعّب
الملخّص
تطرح هذه الدراسة مجموعة من الركائز الأساسية التي يستند إليها علم السياسة، والتي لا تزال موضعَ بحثٍ ونقاشٍ أكاديمي. وهذه الركائز هي: الفاعلون، والوحدات، والبواعث، والآليات، والأنظمة السياسية، والمناهج، والنظريات. وتحاجّ الدراسة بأن علم السياسة علمٌ متغير في طبيعته؛ وذلك لارتهانه بالسلطة من جانب، وتأثره بالعلوم الإنسانية والاجتماعية من جانب ثانٍ. فعلم السياسة علمٌ مفتوح على باقي العلوم الاجتماعية والإنسانية، وليس كغيره من العلوم - في الحقل نفسه - الموصوفة بأنها "مغلقة" كالقانون، والفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم الاقتصاد. وترى الدراسة أنّ انفتاح العلوم السياسية على غيرها من العلوم من جهة، وارتباطه بالسلطة من سياسيين وأعضاء برلمانات ومواطنين من جهة أخرى، ساعدَا في إفادة علم السياسة وتطويره في حد ذاته. كلمات مفتاحية: العلوم السياسية، النظام السياسي، المناهج، الفاعلون. This study presents a set of basic pillars on which political science is based and which are still the subject of academic research and debate. These are the agents, units, motives, mechanisms, regimes, methods, and theories. This study argues that political science is evolving in nature due to its dependence on authority on the one hand, and its influence on social sciences on the other. Political science is open to other disciplines within the social sciences and humanities, unlike closed disciplines like law, philosophy, sociology, psychology and economics. The study argues that the openness of political science to other disciplines and its connection to the authority of politicians, members of parliament, and citizens developed the field in a way that benefits political science. Keywords: P olitical Science, Regimes, Methods, Agents.
Political Science: Researching a Multifaceted Topic in Essentially Contested Ways
مدخل1
يتميّز علمُ السياسة بموضوعٍ – وهو ممارسة السلطة وعواقبها على المجتمع – ومجموعةِ افتراضات ومفاهيم ونظرياتٍ ومناهج2. وهذه كلها تشكل الطريقةَ التي يسلكها أهلُ هذا العلم في تعيّين موضوعاتهم وتحويلها إلى مواد جديرة بالتعلّم والبحث والنشر. وهذه العناصر الأساسيّة، في العلم الطبيعي أو الاجتماعي "الاعتيادي"3 Normal، غير ظاهرة للعيان فعليًا ما دامت تُعدُّ من المسلّمات وتحظى بقبول لا مُشاحة فيه. أمّا علمُ السياسة، فهو لا يكاد يُعدّ علمًا "اعتياديًا" بهذا المعنى4؛ إذ غالبًا ما كان أهلُ هذا العلم منذ أيام أفلاطون وأرسطو على غير اتفاق بشأن هذه العناصر الأساسية، على الرغم من أنّها تستند إلى حكمة أسلافهم المتراكمة نفسِها، وينهمكون في سجالات لا نهاية لها بشأن الافتراضات الأساسية والمفاهيم الجوهرية، ويستمدّون هذه الافتراضات والمفاهيم من نظريات متنافسة، إن لم تكن متناقضة، ويُطبّقون طيفًا واسعًا من المناهج: تجريبيّة ومعياريّة وكميّة وكيفيّة. يرتهن جوهرُ المشكلة بالطبيعة المتغيّرة لموضوع هذا الحقل العلمي: وهو "السلطة." ويمكن أن تكون ممارسة السلطة كليّة الحضور، لكنّها مراوغة؛ فهي سافرةٌ عندما تستعملُ القوةَ أو الإكراهَ، لكنّها تتوارى عندما تلجأُ إلى المناورةِ بالأولويات، أو تتزيّا بزيّ الاعتيادي والمألوف. وغالبًا ما يتظاهر الفاعلون، في أثناء ممارستهم السياسية، بأنّهم لا يتصرّفون سياسيًا، ولدى كلّ واحد منهم حافز فعلي لعدم الاعتراف بأغراضه الحقيقية. وإنّه لَمِمّا يثير الغضبَ أنّ أصحابَ السلطة الأقوياء لا يصنعون أيّ شيء، في الغالب، ما دامت الطاعةُ جرت في عروق أتباعهم، أو رسخ في ظنّهم أنّ الطاعةَ إنّما هي لخيرهم. ودائمًا تكون عواقب ممارسة السلطة خطرةً، لكنها عادةً ما تكون محسوبةً عندما تتأطّر بقواعد وممارساتٍ راسخة، ومع ذلك، تكون مضطربةً وسائبةً في الأزمان التي تشهد تغيّرًا متسارعًا. ويجري في العادة ربط هذه العواقب بظواهر اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية "طبيعية" مزعومة، حيث يصعب جدًا تمييز هذه من تلك. وهنا ثمة نقطة بالغة الأهمية في هذا الحقل العلمي الذي يزعم لنفسه "العلمية"، وهي أنّ السلطةَ ليست صعبة التعيّين فقط، بل يصعُب قياسُها صعوبة ظاهرة، ولا سيما قياسها كميًا. فإجراء الاختبار العلمي، والتحكمُ في الشروط القائمة فعليًا، والقياس الدقيق لنتائج مترتبة على شروطٍ أُعدَّت بتأنٍ، إنّما هي مسألة غير ممكنة عادة، وحتى عندما تُستعمل، تكون نتائجُها مضلِّلَة. وتتضمّن إحدى أكثر سمات السياسة بروزًا ما يسمّى عادة "مغالطات التأليف." فما يصدق على جماعة من مستوى معيّن، أو ينفعهم، يُفضي إلى نتائج مختلفة تمامًا عندما يطبّق على جماعة من مستوى آخر مختلف. فالأفراد الديمقراطيون لا ينتجون ضرورةً حكوماتٍ ديمقراطية، والعكس صحيح في حالة الأفراد الاستبداديّين. وإذا كان يتعيّن على العلم، مثلما لاحظ أرسطو، "أن يلتمس الدقة في كلّ صنف من الأشياء بقدر ما يتيح الموضوع ذلك"، فإنّ الدقة التي يلتمسها علماء السياسة هي مهمةٌ أكثر تثبيطًا ممّا يواجهه علماء الاجتماع الآخرون5. يقوم علم السياسة على سبعة مكوّنات أساسية، كان وما زال كلُّ واحد منها موضعَ تنازعٍ "جوهري:".1 الفاعلون؛.2 الوحدات؛ 3. البواعث؛ 4. الأواليات؛ 5. الأنظمة السياسية؛ 6. المناهج؛ 7. النظريات.
الفاعلون
ما يميّز العلوم الإنسانية من العلوم الطبيعية أو الفيزيائية، أنّها تنطلق من افتراض أساسيّ مفاده أنّ موضوعات البحث هي، أيضًا، الأفراد Subjects الذين يجرون البحث نفسه. وهذا يعني، في حالة علم السياسية، أنّ الفاعلين يمكن أن يختاروا خياراتٍ مناسبةً لا تُحدِّدها تمامَ التحديد الشرائطُ التي يجدون أنفسَهم فيها. وإذا لم يكن الأمر كذلك، بل كان على وفق العبارة التي يُصرّح بها السياسيّون المعاصرون غالبًا بأنْ "ليس ثمة بديل"، فلن تقومَ للسياسةِ قائمة، ومن ثم لن يكون ثمة علمٌ سياسي. وستكون القراراتُ الجماعيّة الملزمة من شأن الخبراء الذين يعرفون ما هو البديل الوحيد وكيف يطبّقونه.
تدلّ الفاعلية ضمنًا، أيضًا، على أنّ للأفراد قدرةًانعكاسية. هم تاريخيّون، بمعنى أنّ أفعالهم تتأثر بانعكاسات "(ذكريات)" من الماضي، ومن ثم بالتعلّم يغيّرون استجاباتِهم "(الدروس)" عندما يواجهون في حاضرهم حالاتٍ شبيهة. وعلى العكس من ذلك، ربما يجد الفاعلون أنفسَهم عالقين في أعراف الطاعة "(الإجراءات المعيارية النافذة)"6 التي يصعب خرقها عندما تحين فرص جديدة. وعلاوة على ذلك، يمكن أن تُحدثَ تغييراتٍ في سلوك أولئك الذي يخضعون للدراسة أو في توقعاتهم "(ردود أفعال متوقعة.)" تذهب الغالبيةُ العظمى من باحثي العلم السياسيّ إلى أنّ هؤلاء الفاعلين هم "كائنات إنسانية فردية مستقلة وقادرة"، عند المواجهة، على الاختيار بين الأفعال البديلة والأفعال اللازمة. ولعل هؤلاء الباحثين يتفقون على أنّ الفاعلين قادرون قدرةً فريدةً على ممارسة فاعلية سياسية، لكنهم يختلفون اختلافًا كبيرًا في الخصائص التي يستطيع البشر إظهارها في خياراتهم. وبفضل عملية استيراد الافتراضات الواسعة من الاقتصاد الليبرالي الحديث، يُتوقع في الوقت الحاضر من هؤلاء الأفراد أن تكون لهم تفضيلاتهم المتأسّسة قبلً والراسخة نسبيًا، وأن يكونوا قادرين على ترتيب هذه الأفضليات ترتيبًا منسجمًا، وأن يمتلكوا المعلومات الكافية عن سُبُل الفعل البديلة، وعن النظريات التي تدور حول آثارها، وسوف يختارون على نحو يُمكن التنبُّؤ به السبيلَ الذي يعتقدون أنّه يحقق تلك التفضيلات على أفضل وجه، ويبقون يمتلكون التفضيلات نفسها حالما يجري اختبار خياراتهم. ويعكس هذا التصوّر العام، أيضًا، الالتزام الأيديولوجي العميق للفكر الاجتماعي والسياسي الحديث بالنزعة الفردانية الليبرالية والتقدم العقلاني. وإذا ما حوّلنا زاوية النظر إلى الأساس الصغير7 المختلف، فسوف يظهر أن السياسة نشاطٌ "انفعاليّ " متأصّلٌ في الانفعال الفج والإيمان الأعمى والمحاكاة البلهاء والناموس الغريزي والغباء الجمعي و/ أو الأحداث العشوائية، ومن ثم لن تكون السياسةُ قادرةً على أن تُحسّن العالمَ الذي نعيش فيه تحسينًا جمعيًا. ومن دون أن نذهب بعيدًا، نُحدّد سببين لمساءلتنا هذا الأساس البالي: السبب الأول له علاقة بالتعقيد والاحتمالية التامّين اللذين يحيطان بالإنسان المعاصر؛ إذ ليس بوسع المرء أن يعرف ما البدائل الحقيقية (أو، في الأقل، المتاحة) وما عواقبها النهائية، ما يعني أنّه يجب أن يعوّل على "البيئة الاجتماعية المحيطة" من أجل اتخاذ هذه الخيارات. وعلاوة على ذلك، من الراجح جدًا أنّ يكتشف هذا الفرد بعد تفكر أنّ لديه الكثير من المصالح والانفعالات المتضاربة، ولا سيّما عَبر آفاق الزمان المختلفة؛ ولذلك لا يستطيع ترتيبها بانسجام. فإن لم تكن هذه الأسباب كافيةً، فإنّه أيضًا يعمل بطريقة نمطية ضمن مجموعة من المؤسسات المتعددة الطبقات والمراكز القادرة على اتخاذ قرارات جماعية ملزمة تؤثر فيه: بعضها عامّ، وبعضها خاصّ. وتشير كلها إلى أنّه يصعب بلورة تفضيلات الفاعل في شكل ثابت، لأنها كلها متوقفة على طبيعة السياسات المقترحة ومن يقترحها، وسوف تتغير على الأرجح خلال سير عملية التبادل السياسي بين الطبقات المنوعة ومراكز السلطة. أمّا السبب الثاني لإعادة تنصيب الأسس الصغرى لعلم السياسة، فهو أكثر تهديمًا للأرثوذكسية السائدة. ماذا لو كانت غالبية الفاعلين المهمّين "منظماتٍ دائمةً"، وليست أشخاصًا فرديّين؟ ولو سلّمنا بأنّ هذه المنظمّات تتكوّن من أفراد، وربما يعتمد بعضها اعتمادًا
شديدًا على مساهمات هؤلاء الأشخاص وولاءاتهم، فإنّ الكثير من هذه المنظمات لا تفعل ذلك، فلقد طوّرت قواعد ومصادر داعمة بشكل مُتقَن، حيث لا يمكن اختزالها إلى أفعال الأفراد. فهي تشتمل على الخيارات الجمعية التي اختيرت منذ مدة طويلة، واكتسبت سمعةً وشرعيةً خاصتين بها. فالأحزاب السياسية وجماعات المصالح والحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية ومؤسسات العمل والإدارات الحكومية والمؤسسات الخاصة، هي أيضًا، تعمل، بصورة غير نادرة، على تعليم الأفراد ما يجب أن تكون عليه تفضيلاتهم، وتحملهم على إطاعة السياسات المُعدَّة باسمها. وإذا ما تحوّلنا إلى المنظمات بوصفها الفاعلين الرئيسين، تيسّرت مهمة علماء السياسة تيسيرًا كبيرًا. فأولئك الفاعلون المنظَّمون [أي المنظمات نفسها] ينطوون، بطبيعتهم ذاتها، على إجراءات كثيرة للتعامل مع دوافع أعضائها ومشايعيها، ولإنتاج تعبير يتوسط مصالحَهم وقناعاتِهم وعواطفَهم، حيث يمكن تسويغها للعامّة على نحو تكون فيه ملائمة للمعايير. فلو سلّمنا بوجود مجال واسع للخداع والعمل الاستراتيجي والرياء الصريح من جانبهم، لكان ذلك كله يتيسّر فضحه من خلال المعلومات الغزيرة والعمومية التي تُجبر تلك المنظمات على تقديمها.
الوحدات
كان يُفترض، منذ أن جمع أرسطو دساتير 581 دولة - مدينة City states - يونانية، أنّ الوحدةَ المميِّزة والمناسِبة لكلٍّ من الملاحظة والتحليل في العلم السياسي هي وحدة ذات اقتصاد مستقل نسبيًا، وكيان سياسي ذو حكم ذاتي، وهوية جمعية مميزة: فتكون كلها متمأسسة ومتوافقة في ما بينها في إقليم معيّن. وبفضل تطوّر الكيانات السياسية الأوروبية وإمبراطورياتها الممتدة إلى ما وراء البحار، صارت هذه الوحدة في الأخير "دولةً قوميةً ذات سيادة." وعادة ما يُفترض أنّه ضمن الدولة القومية ذات السيادة، فقط، يكون الفاعلون قادرين على تكوين اختياراتهم وتنفيذها تنفيذًا فاعلً، ويكون الأفرادُ أو المنظمات قادرين على حساب مصالحهم وعواطفهم، وتكون أواليات التنافس والتعاون قادرة على إحداث التأثير، وتكون الأنظمة السياسية قادرةً على تنمية مؤسسات مستقرّة ومتكاملة. وليس ثمة فرضٌ آخر أكثر من هذا الفرض تجذّرًا في أساسات العلم السياسي. مع ذلك، ماذا لو لم تعُد هذه الوحدة التي نحلّلها مما يُؤبه له؟ وماذا لو تعطّل هذا التوافق المفترض بين الاستقلالية والقدرة والهوية والإقليم من دون إمكان لإصلاحه؟ ليس ثمة وحدةٌ سياسيةٌ، في عالمنا المعاصر، تستطيع أن تربطَ واقعيًا بين السبب والنتيجة وتُنتج نتائج مقصودة من دون أن تعتبرَ أفعالَ الفاعلين خارج حدودها. إنّ هذه الوحدات السياسية تضمّ داخل حدودها، فعليًا، أشخاصًا ومنظماتٍ لهم هوياتهم وولاءاتهم ومصالحهم التي تتداخل مع هويات وولاءات ومصالح أشخاص ومنظمات آخرين في كيانات سياسية أخرى. وما من أحد واثق بأنّه سوف يكون للكيانات السياسية التي تتمتع بالمكانة السياسية الشكلية نفسها، أو تتمتع بمستوى التجميع نفسه، القدرة نفسها على الفاعلية. إنّ قدرتها على الفعل، أو رد الفعل المستقل على أي فرصة أو تحدٍ، يمكن أن تتفاوت تفاوتًا كبيرًا اعتمادًا على إدراجها في أنظمة متعددة الطبقات في الإنتاج والتوزيع والحكم. ويتضح هذا جدًا في حالة الوحدات التي تكون بمنزلة أجزاء ثانوية من الإمبراطوريات، وحالة "الدول القومية" التي دخلت "تنظيمات متعددة القوميات" مثل الاتحاد الأوروبي أيضًا، أو وقّعت اتفاقات دولية مُلزمة، مثل صندوق النقد الدولي IMF، أو منظمة التجارة العالمية WTO. وهي قد لا تجد نفسها أحيانًا موضع إدانة أو مذنبة فقط من قِبل هذه المنظمات، بل هي أيضًا تتوقع بانتظام هذه التقيّيدات، فتغيّر سلوكها تبعًا لذلك. إن لم يكن ذلك كله غير كافٍ، فإنّ كيانات قومية عديدة مَنَحت سلطاتٍ واسعةً، أو أُجبِرت على ذلك، لوحدات من دون قومية، وفي بعض الحالات دخلت هذه الأقاليم أو الكانتونات أو المقاطعات في تنظيمات تعاونية مع نظيراتها من الوحدات في دول قومية مجاورة. وعلى علماء السياسة أن يولوا مزيدَ العناية بتلك الوحدات التي يختارونها، وبما لها من خصائص مشتركة، مثلما يُفترض، بخصوص الفاعل والدافع والأوالية والسلطة التي يقوم بفحصها. ومع ذلك يبقى هناك قدرٌ واسعٌ من التنوّع لا يمكن فحصه إلّ في ضوء الشروط السائدة على المستوى القومي، لكنّ إهمال، أو تجاهل، الوضعيات الخارجية والداخلية المعقدة بازدياد التي تنغمس فيها هذه الوحدات القومية ذات السيادة، يمكن أن يؤدي إلى تعرّض تحليلاتهم إلى تشويهات جديّة.
الدوافع
لا تطلعنا المعرفة الراسخة بطبيعة الفاعلين على دوافع أفعالهم السياسية. ويردُّ علينا مرةً أخرى العلمُ السياسيّ المعاصر بإجابته الأرثوذكسية التي مفادها أن الدافع هو "المصلحة الشخصية" (مشفوعًا أحيانًا بعبارة للتوضيح: "مفهومة بشكل سليم.)" ويمكن، افتراضًا، التعويل بثبات على الفاعل الفرد السياسي لرفع سقف خياراته، أي اختيار البديل الذي يُرضيه على أفضل وجه، واختيار الشيء المفضّ ل الأعلى مرتبة بأبخس الأثمان، واختيار عدم الرجوع إلى أي شخص
خارج عائلته المحيطة به. وغنيٌّ عن القول إنّه يجب أن يكون للفاعل، من أجل تلبية دافع السيطرة هذا، معرفةٌ واسعة بطبيعة هذه البدائل، وفهمٌ دقيق بما يترتب عليها من نتائج، فضلً عن الوقت الذي يستلزمه حسابٌ كهذا. وهناك، مع ذلك، حل أبسط متجذرٌ في المصلحة الشخصية. فهو يمكنه أن يخفض سقف خياراته، أي أن يختار البديل الذي يبدو أنّه يمكن أن يتجنّب النتيجة الممكنة السيئة من جهة ثمنها أو رتبتها. وفي ما بين هذين الموقفين، ثمة إمكان معقول للرضا، أي بتوسيط مسار الفعل في نقطة بين هذه الحدّين الأقصيين8. يتغير هذا السيناريو عندما يكون هذا الدافعُ المفترضُ هو اعتبار الآخرَ، بدلً من أن يقتصر على اعتبار الذات فقط. وفي هذه الحالة يتوفر للفاعلين "قناعات" بشأن ما هو مهم في صفقة سياسية معيّنة. ويرينا التاريخ أنّ المحلّلين السياسيّين جنحوا إلى التشديد على دوافع مثل الشرف العائلي والمسؤولية الأخلاقية والمجد الشخصي والإيمان الديني والامتثال للتقاليد أو حتى العدالة والنزاهة. وأسفرت الهيمنة الناشئة والنهائية للرأسمالية عن الفائدة العظمى التي يجنيها الفرد في سعيه وراء مصالحه الاقتصادية من دون اعتبار الآخرين، لكن لماذا يجب أن تجري الأمور في السياسة على النحو نفسه في الوقت الذي تكون استجابةُ الآخرين (الاستراتيجية أو غير الاستراتيجية) شرطًا محوريًا للنجاح، وربما لا تكون متجذّرةً دائمًا في مسائل مادية خالصة؟ يمكن أن يتوفّر للبشر، أيضًا، انفعالات لا يمكن اختزالها إلى مجرد المصلحة الذاتية، ولا إلى الاقتناع. فهم يحرصون على التعبير عن أنفسهم تعبيرًا انفعاليًا، أو على مشاركة الآخرين أفعالَهم الجماعية، أو على تحقيق ما ينطوون عليه هم من ممكنات، أو يحرصون حتى على رفاه المجتمع كلّه أو الوحدة السياسية التي يعيشون فيها. ومن المستحيل أن نفهم، من دون درجة معيّنة من انفعال لا يخضع لحسابات عقلانية صارمة، السببَ من وراء اختيار بعضهم الانغماسَ في "قضايا خاسرة،" أو أن يكرّس طاقاتِه ومواردَه ﻟ "مُثل طوبائية،" أو حتى المشاركة في التصويت في انتخابات "يُعرف فيها الفائزون مُقدّمًا"، حيث تكون مشاركتهم، من ناحية موضوعية، لا فائدة تُرجى منها، ولا قيمة لها. أخيرًا، إنّ الدافع الأشد اعتيادية (والأكثر تواترًا على الأرجح) لذلك كله هو "العادة." إنّ الأنظمة السياسية القائمة اليوم – أكانت ديمقراطيةً أم لم تكن كذلك – تنمّي مدى واسعًا من السلوك الروتيني الذي تتوقعه، بكل بساطة، من مواطنيها. فلو سلّمنا أنّ بعض هذا السلوك "يُغلَّف" باحتمال أنّ عدم الامتثال يؤدي إلى رد قاهر من السلطات؛ وإن كانت غالبيته طوعية في الظاهر، فإنه لا يتضمن أيًّا من الدوافع المذكورة أعلاه.
الأواليات
إنّ تعويذة هذا الحقل العلمي (ولا سيما عندما يُمارس في الديمقراطيات "القائمة فعليًا)" هو "التنافس"؛ إذ يُمارس الفاعلون قوتهم النسبيّة بالمنافسة في ما بينهم من أجل أن يُشبِعوا، في أفضل وجه، مصالحهم أو قناعاتهم أو انفعالاتهم. وعادة ما يفترض هذا وجود سياق مؤسّساتي قائم قبلً، بمعنى وجود نظام سياسي يُسيطر على هذه الدوافع من خلال قواعد احترام متبادلة في عمليةٍ تقيّدُ استعمالَ موارد القوة ونطاق النتائج الممكنة؛ أي من خلال وجود حكومة ودولة. وقد أقيم علمُ السياسة الأميركي، حرفيًا، على افتراض أنّ هذه القواعد تكون دستوريةً شكليًا، وديمقراطيةً من حيث الممارسة. أما في أماكن أخرى من القارة الأوروبية وأميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، فيجب ألا يُحمل هذا الافتراض على محمل التسليم9. ولم تروَّض ممارسة السلطة لتصير في هذه الصيغة من أجل أن يتبادل فاعلوها المنافع إلّ حديثًا، وفي بعض الوحدات السياسية فقط. يطرأ التشوّه الرئيس الذي يصيب هذا الحقل العلمي عندما يفترض علماءُ السياسة أنّ التنافس الانتخابيّ هو التعبير الرئيس عن هذه العملية. إنّ تنافس الأحزاب السياسيّة في ما بينها من أجل تمثيل الدوائر الإقليمية وحقّها في تشكيل الحكومات – حتى عندما تكون هذه الانتخابات حرةً ونزيهةً ونتائجها غير مؤكدة – لا يستنفد الأواليات التي بوساطتها يتنافس الفاعلون السياسيّون في ما بينهم. وليس من الغرابة في شيء أن تكون هذه الأواليات الأخرى شائعةً عند الأفراد بصورة أقل مما هي عند المنظمات: تنافس جماعات المصالح للتأثير في السياسة العامة، والتظاهرات التي تقوم بها الحركات الاجتماعية لأجل العمل بالرأي العام أو للحيلولة دون تنفيذ سياسات معيّنة. وهذه كلها سمات مهمة (وغالبًا ما تجري على نحو مؤسساتي) لتنافس الأحزاب الحديثة التي يجدر بها أن تنال الاهتمام في الأقل، بقدر ما تحظى به الممارسة الانتخابية المتقطعة والروتينية. إن لم يكن ثمة قواعد لتحديد أواليات التنافس، أو كانت موضع خلاف قوي، فعلى الأرجح سوف ينغمس الفاعلون السياسيون في "نزاع" جامح لا تضبطه قيود القانون أو الواقع، وسوف يمارسون قوّتهم أساسًا إما بالتهديد، وإما بالإكراه لفرض مصالحهم وقناعاتهم وانفعالاتهم الخاصة. والافتراض هنا هو أنّ الوحدات السياسية
مُبتلاة بانشقاقات اجتماعية متعددة، حيث لا يمكن تلبية، أو تمكين، مصالحها وانفعالاتها وقناعاتها على نحو متزامن. فانشقاقات من قبيل الطبقات والقطاعات والمهن والنوع الاجتماعي والأجيال والأديان والمناطق والقبائل والزبائن – بلْه العدد المطّرد من الانشقاقات المتأصّلة في ما يفضلونه من أشكال العيش – في حاجة إلى معالجة مختلفة من السلطات العامة. وليست هذه الانشقاقات كلها مما يُمكن التغلّب عليه عبر قواعد مقبولة من الجميع. وما هو أساسي لفهم حصيلة نزاعات القوة هو ما إذا كانت توزع تراكميًا، حيث يُعزّز أحدها الآخر، أو تكون متقاطعة "(تعدّدية)"، حيث تجنح إلى توليد ائتلافات وقتية ومجموعات مختلفة من الرابحين والخاسرين عبر الزمن وفي قضايا معيّنة. إنّ الخط البيني الذي يتخلل الحقل العلمي فاصلً دراسة السياسة المحلية عن العلاقات الدولية كان يستند، فترة طويلة، إلى هذا التمييز الذي بموجبه تشتمل السياسة المحلية، كما يُفترض، على تنافس منتظم، وتقوم العلاقات الدولية على "فوضى" مفترضة للنزاع من دون قواعد ملزمة. وأصبح هذا الخط، حديثًا، حاجزًا أقل معقولية في حقل علم السياسة، ما دام النزاع ضمن الدول (الدول الفاشلة بخاصة) صار في الأقل مهمًا، شأن أهميته بين الدول، وما دام ثمة عدد كبير من الوحدات السياسية داخل الدول – وحدات إقليمية ووظيفية - ظهر لينظِّم التنافسَ عَبر الحدود القومية. ثمة أوالية أخرى تستحق أيضًا مكانًا بارزًا جدًا في أسس العلوم السياسية، وأعني بها "التعاون." في الحالات التي لا ينحطّ فيها التنافس إلى نزاع، يتعيّن على الفاعلين السياسيين، أولً، أن يتعاونوا ويتفقوا على قواعد شكلية، وغير شكلية، تُحدّد استعمالهم القوة وتوجّهه. والكثير من هذه القواعد هي عادات أو قيود موروثة عن الأجيال السابقة "(اتباع شرعة السابقين" dependence Path)، لكنّها عُرضة للتحديات باستمرار كلّما تغيرت علاقات القوة وهوية الفاعلين، ولذلك هي تحتاج إلى إعادة توكيد من الفاعلين المعاصرين. وإضافة إلى ذلك، يتعاون السياسيّون أيضًا من أجل أن يتحالفوا في ما بينهم لتعديل قواعد الارتباط الموجود قبلً، وللتأثير في نتائج السياسات العامة الحالية. وإذا كان يمكن تفهّم أنّ على العلم السياسي أن يمنح التنافس امتيازًا – لا لشيء إلّ لأنه أكثر ظهورًا للعيان وشأنًا – فإنّ التعاون يستحق منزلةً وعنايةً أكثر من التي يلقاها الآن. وكذلك هو شأن شكلها المنحرف، وهو المؤامرة، أعني عندما يتّفق الفاعلون الداخليون على منع الفاعلين الخارجيّين من المنافسة وفقًا للأواليات الاعتيادية10. أما الأوالية الثالثة فهي "الامتثال." وهذه الأوالية هي الأقل وضوحًا والأصعب تفسيرًا. وتفترض غالبية العلم السياسي حضورها الجلي من حيث موضوعها (بلْه أهميتها للبشر.) إذًا، كيف يُمكن ملاحظة مقابلها وتفسيره، أعني السلوك اللاسياسي الظاهر، حيث لا يصدر عن الفاعلين أي فعل في مواقف ربما (أو حتى كان يجب) عليهم أن يفعلوا لدافع أو آخر. ولعله يُغرينا تفسير هذا الموقف بأنّه يصدر عن العادة، أو أنّهم لم يكن لديهم مصلحة أو انفعال أو قناعة، بيد أنّ هذا التفسير يتجاهل أواليتين للحياة السياسة غاية في الأهمية والشمول، و"الخوف" هو أكثر هاتين الأواليتين جلاءً. فالفاعلون يمتثلون لأنّهم يخافون أن تؤثر أفعالهم في حكّامهم. أما الأوالية الأخرى المرغوب فيها أكثر، فهي "الشرعية"؛ إذ يمتثل الفاعلون – حتى وإن كان امتثالهم هذا ينتهك أو يبخس دافعًا من دوافعهم - لأنهم يعدّون حكّامهم مخوّلين ممارسة السلطة لسبب من الأسباب الآتية11: وراثة النسب، أو العناية الإلهية، أو الانتصار في الحرب، أو لدفع فتنة، أو لخبرة فنية يتمتعون بها، أو لقيادتهم الكاريزمية، أو - مثلما يشيع اليوم بازدياد - بسبب فوزهم في الانتخابات. الأوالية الرابعة هي "التمرّد." ويمكن أن نرى هذه الأوالية شكلً مبالغًا للنزاع، لكنّ فيها ما هو أكثر من ذلك. فعَبر هذه الأوالية لا يستعمل الفاعلون القوة فقط (أو يُهدّدون باستعمالها) ليحصلوا على تنازلات من خصومهم أو إخضاعهم، بل يسعون لاستعمال وسائل العنف لإزالة خصومهم من اللعبة السياسية وتغيير قواعدها من جانب واحد، أو - مثلما يحدث في بعض الحالات - يُغيّرون حدود الوحدة السياسية ذاتها. و"الثورة" هي الشكل المتطرّف من التمرد، وفيها لا يكتفي الثوريون بتغيير النظام السياسي القائم، بل يتّعدون ذلك إلى تبديل (بشكل احتمالي، وبشكل صعب) القواعد والتقاليد المرعية المحيطة بالأنظمة الاقتصادية والاجتماعية الأخرى.
النظام السياسي
يفترض معظمُ دارسي السياسة المعاصرة أنّ الوحدةَ التي يحلّلونها ذات تشكيلة قارّة نسبيًا من المؤسسات التي يكمل بعضها بعضًا (أي لها نظام)، ومن المحتمل أن يكون ذلك نتيجة تجربة تاريخية سابقة في البحث عن البدائل وطرح غير المناسبة منها من خلال التنافس أو النزاع. والأفعال الناتجة من فاعلي هذا النظام ودوافعه وأوالياته مرتبط نوعًا ما – وظيفيًا أو فكريًا أو قصديًا أو مؤسساتيًا – أحدها بالآخر بمستوى عالٍ، حيث لا يمكن تقييم طبيعتها
أو أهميتها وحدها تقييمًا تامًّا. وهي متضمَّنة في كلٍّ متمأسس يشرطُ الأدوارَ التي يؤدّيها الأفراد أو المنظمات، والمصالح الذاتية أو مصالح الآخرين، والانفعالات أو القناعات، والأواليات التنافسية أو النزاعية أو التعاونية، وما إلى ذلك. وتُعطى الأنظمة مسمّيات، ويُفترض أنّ الأنظمة التي تنتمي إلى فئة من نوع واحد سوف تتشاطر عناصرَ أساسيةً عدة. وفي وقت من الأوقات كان هناك ثلاث تسميات: "الديمقراطية، والشمولية، والسلطوية أو الأوتوقراطية." وسقطت الشمولية في الوقت الحالي بفضل انهيار الاتحاد السوفياتي وتحوّل الصين، فاستبدلت بها نسخة ديمقراطية "هجينة" أو نسخة مبتسرة منها، أو نسخة قوية من الاستبدادية. وبوسع المحلِّل أن يُفرّع منها أنماطًا ثانوية عندما يستكشف أداء فاعليها ودوافعها وأواليتها الخاصة بكل واحدة منها. ويعني الاعتراف بهذا التنوع الكفَّ عن البحث عن "قوانين شاملة" يمكن أن تسري على كلّ فاعل أو دافع أو أوالية؛ إذ لا يسلك الأفراد والمنظمات السلوك نفسه في الديمقراطيات أو الاستبداديات، وتعتمد "معقولية" و"ملائمة" المصالح أو الانفعالات أو القناعات على المؤسسات التي تتوجّه إليها، ويمكن أن تكتسب أوالياتٌ من قبيل الانتخابات التنافسية أو الائتلافات التعاونية المتعددة الأحزاب، معانيها اعتمادًا على علاقتها التكاملية بتنظيمات أخرى تنافسية/ تنازعية أو تعاونية/ تآمرية.
المناهج
كانت دراسة السياسة، منذ بدايتها، متعددة المناهج، وسوف تزداد هذه المناهج بمرور الزمن. ما كان بوسع أرسطو وأفلاطون أن يستعملا المزيد من المناهج المختلفة للوصول إلى استنتاجاتهما الخاصة بكل منهما. ومنذ ذلك الوقت جرى تدشين مناهج جديدة، ولم يُستغنَ إلّ عن القليل منها. ولقد ح يلَ، لأغراض كثيرة، دون أن يستعمل العلمُ السياسيّ المناهج العلمية القوية جدًا؛ أعني استعمال التجارب المضبوطة. فنتائج ممارسة السلطة – فضلً عمّا يُحيط بذلك من خلافات – هي ببساطة من الشساعة بحيث لا تتيح للدارس اعتماد معالجة معيّنة وتبنّي المصادر المحتملة الأخرى كلها للثابت المتغير12. فالسياسة نشاط متدفق ومتأصّلٌ في احتمالات متعددة لا تستطيع إرادةُ الباحث أن توقفها ولا أن تسيطر عليها. ولو سلّمنا بصحة التجارب شبه المختبرية على نطاق صغير، التي يُجريها علماء السياسة بازدياد، فإنهم يواجهون مشكلات بالغة الجديّة تتعلق بالاستنتاج عندما يُحوَّل إلى مجموعة من مستوى مختلف (أو عندما يطبَّق على مجموعات تُجنَّد على أساس مختلف.) لقد كانت "شبه التجارب" التي تخضعُ فيها معطياتُ العالم الواقعي تدريجًا لمعالجة سياسية معيّنة، وتوضع فيها النتائج اللاحقة للمراقبة، ناجحة جدًا، لكنها كانت تعاني أيضًا مشكلات جدّية تتعلق بالاستنتاج، لأنها لا تستطيع أن تسيطر على المعالجات المتزامنة في ميادين مختلفة. هذا يجعل معظم العلم السياسي معتمدًا على معطيات تنتج من العملية السياسية نفسها: مثل التقارير الوصفية من الصحافيّين، ومذكرات المشاركين والوثائق من المصادر الرسمية وغير الرسمية، والتقارير الإحصائية من الجهات الحكومية، وما إلى ذلك. وكان المنهج الأبسط والمفهوم يخبراننا دائمًا بقصة معقولة (تعتمد التسلسل الزمني عادة)، مستعملَين متغيّرات محددة على نحو واضح ومعيّن (استقرائيًا عادة) العلاقات بين هذه المتغيرات، وهو منهج حديث، اصطلح عليه بمصطلح ممتاز هو "تتبّع العملية [السببية"] Process-tracing. ويقوم هذا المنهج على ملاحظات كيفية، لكنّه يمكن أن يتضمّن ملاحظات كمية. والنقطة الأعقد فيه هي المعالجة الإحصائية لمعطيات كمّية على وجه الحصر من أجل المتغيرات ذات الصلة واختبار حجم علاقاتها البينيّة واتجاهها ودلالتها، ما يمنح البحث مظهرًا علميًا (يكون أقل عرضة لانحيازات الملاحظ)، لكن شرط أن تكون المعطيات مؤشراتٍ صحيحةً على ما تدّعيه. وكوننا نرقم افتراضيًا أي شيء، هو أمر أقل أهمية ممّا إذا كان الرقمُ ذا معنى بموجب المتغير الذي يُقاس. ثمة منهج آخر يُميّز العلم السياسي، هو قياس الرأي العام من خلال عرض عيّنات تُنتخب اعتباطيًا وتمثل السكان. وبصرف النظر عن أن هذا المنهج "مقتلع" من علم النفس الاجتماعي، فإنّ المعطيات التي يحصل عليها من هذا المصدر، صارت إسهامًا أصيلً مهمًا من أجل فهم السياسة لأغراض السياسات الجماهيرية، لكنها مهمة أيضًا لجماعات النخبة والسياسيين الأفراد، بل زُعم في وقت من أوقات تطور هذا الحقل العلمي أنّ المعطيات "السلوكية" كانت كافية لفهم السياسات كلها (في النظم السياسية الديمقراطية في الأقل.) ومذّاك غدت المطالبات بهذا المنهج أقل طموحًا. واليوم ثمة بقايا تنافسٍ ثابت بين علماء السياسة بشأن أفضل منهج يمكن تطبيقه على موضوع معيّن، لكن تتفق الغالبية على أنّه لا يوجد منهج واحد يمكن أن يطبَّق على الموضوعات كلها.
اﳌﺆﺳﺴﺎﺗﻴﺔ اﻟﺠﻤﻌﻴﺔ
النظريات
النظريةُ هي توليفةٌ من العناصر التي قدّمنا لها، وتُعبّر عنها مجموعة من المفاهيم والعلاقات القائمة بينها (ويُعبَّر عنها أحيانًا بموجب افتراضات صريحة)، وما يتمخض عنها من نتائج غير مؤكدة. وغنيٌّ عن البيان أنّه بافتراض تنوّع الفاعلين والوحدات والدوافع والأواليات والأنظمة السياسية، سوف تبدو التوليفات والترتيبات غير محدودة من الناحية الافتراضية، على الرغم من احتمال أنّ القليل منها، في أي وقت من الأوقات، يعتبر مقبولً.
اﻟﻔﺮداﻧﻴﺔ
سوف تجد في الجدول، ترسيمةً مخططةً مكانيًا ومضغوطةً زمانيًا للجذور والجذوع والفروع النّسابية التي نمَت وصارت حقل علم السياسة المعاصر والتجريبي. وجذوره تضرب عميقًا في الدستور السوسيولوجي الذي كان من إبداع أرسطو، ليزدهر لاحقًا حتى عام 9001 على أيدي بوليبيوس ومكيافيلي ومونتسكيو وأليكس دو توكفيل وكارل ماركس ومويزي أوستروغورسكي وماكس فيبر وإيميل دوركهايم وروبرتو ميشلز وجيتانو موسكا وفلفريدو باريتو. وعبر استطالات وترتيبات منوعة، بات هذا الفرع لاحقًا يسمى "علم الاجتماع السياسي التاريخي."
يمتد الجذر العميق الآخر إلى "التأمل المعياري"، الذي مارسه أفلاطون، وتحوّل لاحقًا إلى "الدستورية التشريعية" الذي أثمر في منعطف القرن العشرين على أيدي فقهاء القانون الأنغلوفرنسيين المميزين، أمثال ليون دوغيه، وجورج بورديو، وجيمس برايس، وأي. لورنس لوويل، وودرو ولسون. أصبح العلم السياسي مستهلِكًا شرهًا لما تبدعه حقول علم المجتمع الأخرى التي تزداد احترافيةً، من مفاهيم ومناهج؛ فأخذ أولً من "علم النفس الاجتماعي" ما يسمى "الحركة السلوكية"، ولاحقًا (بصورة خفية نوعًا ما) من "الأنثروبولوجيا" "المقترب الوظيفي البنيوي." ويستعير علماء السياسة دائمًا أفكارًا ومفاهيم من "علم الاقتصاد"، ولا سيما من الاقتصاديّين السياسيّين المبكرين، مثل آدم سميث، وكارل ماركس، وجون ستيورات مِل، وديفيد ريكاردو، وجيرمي بنثام، وفريدريش لِست، وأدولف فاغنر. أما البدعة الحقيقية التي فعلوها في العقود القليلة الماضية، فكانت نقل الافتراضات الجذرية إلى الليبرالية الحديثة والتفكير الاستنتاجي وتقنيات النمذجة الرياضية من علم الاقتصاد إلى دراسة المؤسسات السياسية. إنّ المصفوفة الجينيالوجية للنظرية في العلم السياسي الحالي "مجموعة ضبابية" تقريبًا، فهي لم تتطور على نحو بنيوي ومحكم. وهي بالتأكيد ليست مصفوفةً وحيدة ذات ذروة أنيقة. ومع ذلك، فإنّ أكثر جوانبها لفتًا للنظر هي عدد ممارسيها الذين استقرّوا فيها، والذين يبدون قانعين بحمل التسمية النوعية نفسها: "المؤسَّساتيون." وإذا ما دققنا النظر، فسنجد أنّ مصفوفة النظرية هذه تضمّ مسائل منوّعة جدًا. يبدو أنّ جميع هؤلاء الممارسين متفقون على "أهمية المؤسسات"، لكنهم يختلفون في ما بينهم في طبيعة هذه المؤسسات، وكيف تحدث، ولماذا هي مهمة وما أكثرها أهمية. وعلاوة على ذلك، فإنّ أولئك الممارسين سوف يُقرّون حتى بأهمية أشياء أخرى: الهويات الجمعية ومواقف المواطن والقيم الثقافية والمذكرات الشعبية والضغوط الخارجية والتبعيّات الاقتصادية، أو حتى العادات الغريزية والممارسات غير الرسمية – فضلً عن المفهومين القديمين المفضلين لدى مكيافيلي: الحظ والقدرة - كلُّ ذلك مهمٌ عندما يقتضي الأمر تفسير النتائج السياسية، ولا سيما فهمها. والغريب هو إذا كانت النسابيّة الموضّ حة في الجدول، صحيحةً على الإطلاق، فإنّ أغلب أولئك الذي يستظلون الآن تحت هذه المظلة، يبدون مشغولين بتفسير لماذا يكون نمط "هُم" الخاص من المؤسساتية أهمّ مما لدى الآخرين، وكيف أنّ لمؤسساﭠ"هم" تأثيرًا أعظم في سلوك الفرد وأداء الوحدة السياسية. ويوحي الجذعان التوأم في الجدول، بأنّهما يجب أن يكونا معنيّين، في الأقل، بتفسير كيف أنّ توليفةً معينةً من القوى الاجتماعية والشروط الثقافية أو توليفةً من الإطار القانوني والحساب الاقتصادي، أنتجت هذه المؤسسات في المقام الأول، وما تزال تدعم تنوّعها13. كيف يتسنّى لنا اختيار المزيج النظري الصحيح كي نُطبّقه عندما ندرس السياسة؟ إنّ التوليفات المحتملة لامحدودة من الناحية الافتراضية، ولا سيما إذا زدنا على الأسس السبعة تفريعاتها الثانوية. وإن سلّمنا بذلك، فإنّ هذه التوليفات كلها ليست مقبولةً في وقت واحد. ولعل لدى أرسطو فكرة أفضل: يجب أن يعتمدَ المزيجُ على الخصائص "الموضوعية" للموضوع الذي اخترتَ تفسيره. وربما يردّ أفلاطون على ذلك بالقول، كلا، بل هو يعتمد على الغرض "المعياري" الذي تحاول تحقيقه. وربما ينقاد باحثٌ ذو مزاج تاريخي بالإدراك "الذاتي" للفاعلين المشتركين؛ أي محتوى "خطابهم" عندما يحاولون تفسير ما يفعلونه. والراجح أنّ عالِمَ سياسة طموحًا سوف تكون استجابته بأن ينتخبَ ما هو سائد حاليًا في الحقل العلمي. وما من واحدة من هذه الطرائق المختصرة خلال متاهة العناصر الأساسية تضمن النجاح، لكنّ كلَّ واحدة منها تدلُّ الباحثَ فعلً على اتجاه مختلف، والأسوأ هو أنها ربما تقوده إلى نتائج مختلفة تمامًا عن السلطة واستعمالاتها وآثارها.
خاتمة
المشهور عن أرسطو محاجته بأنّ العلم السياسي هو "سيد العلوم" ما دامت علوم الإنسان الأخرى كلها تعتمد على ما تنتجه السياسة من نظام أو فوضى. لكنّ المفارقة تتمثل في أنّ توكيد أفضلية علم السياسة كان أيضًا مصدر ضعفه؛ إذ كُتبَ على العلمِ السياسي أن يكون "علمًا مفتوحًا." فهو يلج جوانب محورية من مجالات أخرى للسلوك الإنساني ويؤثّر فيها، ولذلك كُتبَ عليه أن تخترقَه افتراضاتُ هذه المجالات وتصوراتُها. فالقانون والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، ولا سيما الاقتصاد، تزعم كلها أنّها علوم مغلقة، ومن ثم فهي علوم تُحيل على نفسها. وحاول كلُّ واحد منها اختراق الأسس العميقة للعلم السياسي. وكان هذا، في أوقات معيّنة، تهديدًا بتجريد هذا العلم من بؤرة اشتغاله المميزة من استعمال القوة وتحوّلها (أحيانًا) إلى سلطةٍ شرعيةٍ لحلّ النزاعات وتحقيق الغايات الجماعية. وجرت في العقود الراهنة محاولات لاختزال دراسة السياسة في تبادل طوعي للمعلومات، أو في منتَج مشترك للآراء الفردية، أو البحث العقلاني عن المؤسسات الأفضل أو الخطاب التشاوري بين أشخاص متوافقين أو منظمات متوافقة. ولعل هذا يسلّط الضوءَ على بعض جوانب هذا العلم الهامشية ويوسع مجال
بحثه، لكن هذه كلها قد تتلكأ عندما تحاول تفسيرَ المواقف التي فيها تعملُ "تفضيلاتُ ورغباتُ ومقاصدُ فاعل أو أكثر على إحداثِ أفعالٍ متشاكلةٍ، أو ميولٍ للفعل، من فاعل أو أكثر"14. وعندما يستطيع شخص معيّن (أو ربما عندما تستطيع منظمة عامة قائمة أو منظمة خاصة) أن يغيّر توزيع المعلومات، أو يتلاعب بمواقف الأفراد، أو يقيّد مدى الحلول "المقبولة"، أو يشوّه مجرى التشاورات، تصبح النتيجةُ مختلفةً – وغالبًا ما تكون مختلفةًاختلافًا جذريًا – عن تلك التي تصوّرها أيُّ واحد من تلك النماذج. وإذا ما ضيّق علماءُ السياسة جدولَ بحوثهم على الحالات التي لا تكون فيها تلك الشروط قائمةً، فإنّهم لن يجرّدوا حقلهم العلمي من أساساتِه فقط، لكنهم أيضًا سيغدون غير قادرين على تقديم المعرفة المفيدة إلى السياسيّين وأعضاء البرلمانات والمواطنين والرعايا الذين يتعيّن عليهم التعامل مع الوجود الحقيقي للسلطة وعواقبها.
المراجع
العربية
كون، توماس س. بُنية الثورات العلمية. ترجمة حيدر حاج إسماعيل. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2007
الأجنبية
Aristotle. The Nicomachean Ethics of Aristotle. William David Ross. Scotts Valley (trans.). California: Create Space Independent Publishing Platform, 2011. Czada, R, A. Hëritier & H. Keman (eds.). Institutions and Political Choice: On the limits of Rationality. Amsterdam: VU University Press, 1996. Dahl, Robert A. Dilemmas of Pluralist Democracy: Autonomy vs. Control. New Haven, Connecticut, United States: Yale University Press, 1983. Katz, Richard S, Peter Mair. "Changing Models of Party Organization and Party Democracy: The Emergence of the Cartel Party." Party Politics. vol. 1, no. 1 (January 1995). Keman, Hans & Jaap J. Woldendorp (eds.). Hand Book of Research Methods and Applications in Political Science. London/ Massachusetts: Edward Elgar Publishing, 2016. Krieger, Joel, Craig N. Murphy & Margaret E. Crahan (eds.). The Oxford Companion to Comparative Politics. Oxford: Oxford University Press, 2012. Lijphart, Arend. Democracy in Plural Societies: A Comparative Exploration. New Haven, Connecticut, United States: Yale University Press, 1977. March, James G. & Johan P. Olsen. Rediscovering Institutions: The Organizational Basis of Politics. New York: The Free Press, 1989. Schmitter, Philippe C. "The Nature and Future of Comparative Politics." European Political Science Review. vol. 1, no. 1 (2009). ".Micro‐foundations for the Science(s) of Politics." Scandinavian Political Studies. vol. 33. no, 3 (September 2010). Weber, Max. Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology. Guenther Roth & Claus Wittich (eds.). Berkley/ Los Angles/ London: University of California Press, 1978.