"النّضال من أجل الاعتراف في العلاقات الدولية: القوى الراهنة والتعديلية والصاعدة."
عنوان الكتاب في لغته:
عنوان الكتاب: النّضال من أجل الاعتراف في العلاقات الدولية: القوى الراهنة والتعديلية والصاعدة. المؤلف: ميشيل موراي.Michelle Murray سنة النشر: 2.019.Oxford University Press الناشر: عدد الصفحات: 802 صفحة.
"The Struggle for Recognition in International Relations: Status, Revisionism, and Rising Powers".
The Struggle for Recognition in International Relations: Status, Revisionism, and Rising Powers.
مقدّمة
صاغت المؤلفة علاقات متناظرة بين فرضيات الدراسة ومجموعة من الح كم التقليدية في العلاقات الدولية؛ ومن فرضياتها أنّ: اللحظة القطبية وصلت حتمًا إلى نهايتها مع صعود قوى عظمى جديدة (في مقدّمها الصين) التي تتحدّى النظام الدولي السائد؛ وأنّ من شأن التحولّات في السلطة أنْ تزعزع الاستقرار جوهريًا على الصعيد الدولي؛ كما تفترض أن سياسات الدول الخارجية لا تستهدف تحقيق المصلحة المادية فحسب، لكن، وبشكل أساسي، إنشاء هوية في المجتمع الدولي تتطلّب الاعتراف، هذا الأخير هو "فعل اجتماعي" في الأصل؛ لتكون بذلك الحجّة التعديلية للقوة الصاعدة بمنزلة بناء اجتماعي، تضمن لممثّلها مكانة اجتماعية مشروعة؛ غير أنّ (في فرضية أخرى) عملية تأسيس هوية الدولة والحفاظ عليها تبدو غير مؤكّدة، لأن مسار تشكيل الهويات يعتمد على ردود اعترافٍ، من الدول الأخرى، تكون غير قابلة للتنبؤ؛ إذ إن عدم اليقين الاجتماعي يتماشى والبنية الفوضوية، ويقع في قلب مأساة سياسات القوى العظمى. في مقابل هذه الفرضيات، تروّج المؤلفة لقوانين أزلية في العلاقات الدولية، كأن تستند إلى مقولة روبرت جيلبين "منبع التغيير الدولي يكمن في انفصال بين النظام الاجتماعي القائم وتوزيع القوة تجاه جهات فاعلة تستفيد أكثر من التغيير في النظام"؛ أو مقولته الأخرى التي توضّ ح أهمية العوامل الاجتماعية في تشكيل ديناميات تحولّات السلطة "المكانة (الهيبة) هي العملة اليومية في العلاقات الدولية"؛ وتسترسل الباحثة في عرض قانون آخر؛ القوة الصاعدة تسعى للحصول على نفوذ سياسي أكبر، يتناسب مع قدراتها الجديدة، وتُظهر استعدادًا متزايدًا لمتابعة مصالحها، حتى إذا استدعى الأمر استخدام القوة؛ أما قوة الوضع الراهن فتكون مدفوعة بالخوف والشك من المنافسة، وتعمل لاحتواء قوة غيرها ونفوذه؛ وفي ظلّ إصرارها على الدفاع عن الوضع الدولي القائم في مقابل القوة الناشئة التي تتبنّى نيات تعديلية، فسيكون من الصعب تفادي النزاع؛ وستولد معضلات أمنية تؤدي إلى منافسة مكثفة تنعكس في سباقات التسلح المحتدمة؛ وعلى الرغم من ذلك، تكمن المفارقة في أن الدول لا يمكنها إنشاء هويات ذات معنى من تلقاء نفسها، حيث تعتمد دائمًا في ذلك على بعضها بعضًا. من هنا، حظي الصراع على الاعتراف بمكانة بارزة في التاريخ؛ فالإمبراطورية اليابانية توسّعت في آسيا ردًّا على إحجام القوى الغربية في تقبّلها باعتبارها شريكًا في المجتمع الدولي الأوروبي، ونشأت ألمانيا النازية بفعل فقدان الاحترام في تسوية فرساي؛ واليوم تسعى الدول الإسكندنافية لنيل الاعتراف بأدوارها في تعزيز حقوق الإنسان؛ في هذا تذكيرٌ بمقولة فلسفية لأكسِل هونيت: "الاعتراف هو العلاقة العملية بالذات"؛ أمّا بعد أن تطوّرت الأدبيات واكتسبت صفة الأكاديمية، فالاعتراف نوعان بحسب ألكسندر وندت، رفيعٌ وسميك.Thin and Thick تُثير المؤلفة أ حجية إمبيريقية أبدية: ليست القوى الصاعدة كلها تعديلية Powers Revisionist، وليس كلُّ تحوّلٍ في القوى يقود إلى حرب قوى عظمى، كما أن التحولّات في التوزيع الدولي للقوة ليست سببًا كافيًا لتبرير الصراع؛ إذًا ماذا يوجد في جعبة نظريات العلاقات الدولية لحلحلة هذا اللغز؟ يرى منظّرو السلام الديمقراطي أن التعديلية تنبع أساسًا من العوامل الاجتماعية الداخلية، أما البنائيون (آن كلونان وريتشارد نيد ليبو)، فيرشدون إلى أهمية المناقشات المحلية بين الكيانات الثقافية في تشكيل هوية الدولة الوطنية، حيث الهوية "تُبنى في المنزل"؛ والنخب السياسية دومًا تحشد وتستدعي ذكريات تاريخية؛ ويستدلّ الواقعيون الدفاعيون أنّ هيكل النظام الدولي يوفّر حوافز قليلة للتوسع، هذا الأخير، بحسب باري بوزن Posen Barry "استثناءً وليس قاعدةً"؛ مع هذه البنية، ستكون الدول راضية ودفاعية، والتعديلية ليست إلّ انحرافًا وشذوذًا، وفي أحسن الأحوال نتيجة حتمية لباثولوجية السياسة الداخلية. يُرجع ستيفن فان إيفيرا، على سبيل المثال، ظاهرة "عبادة الهجوم" إلى لحظة تاريخية فارقة، اعتمد فيها القادة العسكريون قبل الحرب العالمية الأولى، مذاهب عسكرية هجومية (مثل الحرب الوقائية)، على الرغم من هيمنة قناعات دفاعية، يشاطره في ذلك ستيفن وارد، مستدلًّ بإسكاتٍ تعسّفي تعرّض له منظّرو الوضع الراهن من نظرائهم التعديليين في مناظرات بشأن السياسة الخارجية تايشو - شوا في اليابان؛ يتداخل هذا مع مفاتيح جاك سنايدر الإرشادية عن نخبةٍ مَا تُسيطر على صنع السياسة الخارجية وتخدم جدولَ أعمالٍ ضيّقًا؛ لتكون بذلك التعديلية (من وجهة نظر الواقعية الدفاعية) نتيجة للصراعات السياسية المحلية التي تؤدي إلى مخرجات أمنية دون المستوى الأمثل؛ من جهتها تفترض الواقعية الهجومية عدم وجود دولة ذات نيات عدوانية بطبيعتها، لكنها قد تتصرّف بمنطق تعظيم القوة، لأنه الاستراتيجية الأكثر ضمانًا لبقاء الدولة في حالة الفوضى؛ فتعظيم القوة سلوك دولي متكرّر، والمنافسة الأمنية مستوطِنة في العلاقات الدولية، لتكون بذلك التعديلية انعكاسًا لهيكلٍ يشجّع على العدوان.
هيكل الكتاب وفصوله
طرحت الإشكالية الرئيسة للمؤلَّف على النحو التالي: كيف يمكن أن تدير قوّة الوضع الرّاهن الصعود السلمي لقوى جديدة؟ ومن أهدافه استخلاص كيف يمكن استمرارية حالة عدم اليقين أن تعوّق التعاون في المجتمع الدولي. أما فرضيته الرئيسة، فهي أنّ بناء القوة الصاعدة يتم وفق عوامل اجتماعية عبر التفاعل مع قوى أخرى، تسعى فيه القوة التعديلية للحصول على الاعتراف بهويتها على أساس أنها قوة كبرى. بناء عليه، هدف الفصلان الثاني والثالث من الكتاب إلى نسج علاقةٍ بين النضال من أجل الاعتراف وتشكيل هوية الدولة في بنيةٍ فوضوية تحكمها أنماطٌ متمايزة من الصراع والتعاون. بحثت الفصول من الرابع إلى السابع نهضة ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية التاريخية؛ إذ سعت ألمانيا لضمان "مكانتها في الشمس" بين القوى العالمية الراسخة، من خلال برنامج طموح للتوسع البحري، تتحدّى به الهيمنة البحرية البريطانية، بتوسيع نفوذ مجالها الاستعماري في أفريقيا؛ وصاحب إثبات حقّها في إدارة شؤون السياسة العالمية جملة من المشكلات. خلال أواخر القرن التاسع عشر، تحوّلت الولايات المتحدة إلى الخارج لتؤدّي أدوارًا جديدةً للتدخّل في الشؤون العالمية، وراهنت في ذلك على بناء قدرة بحرية، وأظهرت استعدادًا لاستخدام القوة من أجل إسماع صوتها في إدارة سياسات نصف الكرة الغربي؛ وبينما استوعبت بريطانيا ارتقاء الولايات المتحدة إلى مكانة القوى العالمية (وهو نموذجٌ عن انتقالٍ سلمي للقوة)، سعت لاحتواء قوة ألمانيا المتنامية (وكان ذلك أحد أسباب تعجيل الحرب العالمية الأولى)؛ وشكّل الاعتراف مفاهيم بريطانيا تجاه القوتين، وكانت نتائجه مختلفة في تحولّات القوة. في الفصل الختامي، تعود الباحثة إلى صعود الصّين؛ وتخلص إلى أنه بقبول مطالبات الاعتراف بالصين، فحسب، في إمكان واشنطن أن تجعل من صعودها يسيرًا.
منطلق نظري مُستحدث: هيغل بديلا من هوبز
دأب الواقعيون على استعارة تشبيهات توماس هوبز لتفسير كيف أن الفوضى تعمل على تحفيز السلوك التنافسي بين الدول؛ إذ سينشأ الصراع، بالمفهوم الهوبزي، عندما يُصدر الأفراد أحكامًا بطرائق متباينة عما هو تهديد؛ في ذلك، ستأخذ العلاقات الاجتماعية شكلَ حربِ الجميع ضد الجميع؛ في الحقيقة تلك هي حالة الطبيعة، فكلّ فرد يحارب ليضمن بقاءه؛ غير أن هذا التبرير صنع معضلة إبيستمولوجية في مقاربة الواقعية للفوضى، حيث كانت سببًا ونتيجة في آن واحد؛ لهذا تجادل الكاتبة أنّ إعادة بناء فلسفة هيغل بشأن الاعتراف، ستكون وسيلة إرشادية مفيدة لفهم الفوضى ومواد انعدام الأمن الاجتماعي التي تنشأ عندما تكون الجهات الفاعلة غير متأكدة تجاه هوياتها. بدلً من الانشغال بتهديد مادي يُمثّله الآخرون، يبحث الرّعايا في فلسفة هيغل عن اليقين الذاتي أو معرفة النفس؛ أمرٌ لن يكون إلا بوجود الوعي الذاتي الذي سيُدرك أن الرغبة الجامحة في الثقة بالذات، لا تتحقق إلّ من خلال وعي آخر، مُوازٍ، بالذات؛ هنا، فحسب، سيولد النضال من أجل الاعتراف، فكل فعل استهلاكي يستدعي الحاجة إلى فعل آخر، ما يجعل الوعي في عملية بحث دائمة عن اليقين؛ الوعي في حقيقته غير راضٍ، ويتطلّب الاستمرار بالوجود، أحيانًا نفي الاثنين؛ قد تكون الاستجابة بالقضاء على مصدر عدم اليقين، حينها سيكون شكل العلاقة الأولي على قالب الحياة أو الموت؛ لكن الحقيقة أنّ تدمير الآخر غير مُجدٍ لتأمين اليقين الذاتي. تحمل معركة الوعي بالذات تناقضًا لا يمكن حلّه؛ توتّرٌ عالي الشدّة بين الرغبة في السيادة الذاتية عبر تدمير الآخر، والحاجة المستمرّة إلى هذا الآخر في الوجود، لتأكيد استقلاليته؛ ويقود هذا إلى جدلية هيغل الشهيرة: "السيد والعبد"؛ سيكون المخرج الوحيد لإرضاء هذه الحاجات الذاتية المتنافسة في إلزام الآخر بالخضوع إلى الاعتراف؛ مرّة أخرى سيكون اعترافًا هشًّا وغير متكافئ، اشترى فيه العبد خيار الحياة، وأظهر السيد استقلاله بعروض القوة المهدّدة؛ في حقيقته هو اعتراف غير مستقر، إن لم يكن اعترافًا من طرف واحد؛ إذًا هي عودة إلى بدء: إلى عدم اليقين. إن النضال من أجل الاعتراف ظاهرةٌ لا تعمل على مستوى الأفراد فحسب، بل تنتشر أيضًا في نطاق العلاقات الدولية؛ إذ تمنح الهوية الدولة شعورًا بالهدف، وتشكّل الأساس القانوني - المؤسسي لهياكلها، وتُضفي الشرعية على القرارات التي يتّخذها السياسيون، ما يسمح لهم بتتبّع ادّعاءاتهم عن المصلحة الوطنية، كما تسجل الهوية الحدود الإقليمية للدولة التي تفرّق بين ما هو داخلي وما هو خارجي؛ إن العنصر الأساسي في هوية الدولة هو فهمها ذاتها؛ الأمر شبيه بالسيرة الذاتية التي تقوم على تنظيم الخبرات التاريخية والطموحات المستقبلية في قصة متماسكة، لكن الأمر يعتمد بدرجة كبرى على تقبّل الدول الأخرى لهذه الهوية بطريقة مماثلة؛ فالمعلّم يعتمد على خصائصه الذاتية (هويّته في الممارسة) لتدريس الفصل بفاعلية، ويحتاج إلى اعترافٍ من الطلاب، فبالاعتراف المتبادل تنشأ هويات المعلم والطالب وتترسّخ، وستكون الفصول الدراسية بمنزلة
بنية اجتماعية؛ وأشار دافيد مك كورت إلى أن القوى العظمى، المهيمنة، الدول المارقة، هي هويات دور قبل كل شيء، ودراسة دور تؤدّيه دولة ما، ستستدعي دراسة أدوار مضادة؛ وفي مثال آخر عن أهمية العامل الخارجي في الوصول إلى الاعتراف، أقرّت معاهدة سلام نيستاد في عام 7211 أن روسيا قوة عظمى ذات مكانة في النظام الدولي، وحليفة جديرة بالاهتمام، يحقّ لها المشاركة في التسويات السلمية؛ ساهم هذا الأمر في تخفيف قلق روسيا بشأن هويتها، وعبّر عن ذلك المستشار غافريل غولوفكين بقوله "انتقلنا من عدم الوجود إلى الوجود... من الظلام إلى الأضواء"؛ واعترافًا بدوره في المعاهدة، كُرّم بيتر الأول بلقبَي الإمبراطور والكبير. قد يأخذ الاعتراف شكل نموذج الاستجابة، أي الإدراك أن الهوية تشكّلت، وهي على ما هي عليه بالفعل؛ وقد يكون تفاعليًا، أي بعد الاعتراف تظهر هوية الدولة التي لم تكن ظاهرة ما قبل سياسية، إنما كانت آثارًا رسوبية لديناميات التواصل من أجل نيل الحظوة والمكانة؛ في خضم هذا المسار، قد يوجد الإقرار الخاطئ تضاربًا بين الطريقة التي تفهم بها الدولة ذاتها، وما مدى أهمية فهم الآخرين ذلك؛ أنطولوجيًا سيكون استقرار الدولة، في هذه الحالة وأمن هويتها، عرضةً للأخطار. تتّبع الدول آليات عدة في تقديم هوياتها إلى الآخرين؛ فحتى الأسلحة لا تؤدي وظيفة أمنيّة فحسب، فأحيانًا تدعم خطط الدولة في كيف ترغب أن يتمّ التعرف إليها؛ إنّ سربًا من خمس طائرات حديثة حتمًا لن يكون ذا فائدة في تقديم منافع استراتيجية، لكنه كافٍ لتقديم عرضٍ جوّي محترم؛ إنه نوع من مطابقة طقوس مادية لمقولة: كَوْنك دولة يعني، من بين أشياء أخرى، وجودَ جيش متطوّر؛ ينطبق الأمر على المباني في العواصم، والأعلام الوطنية، وشركات الطيران وحتى تطوير القدرات النووية.
البناء الاجتماعي للقوّة التعديلية
تُدرك القوة الناشئة أن قوّة الوضع الراهن هي بمنزلة حارس بوابة نادي القوى الكبرى؛ لذلك وجب عليها أن تتعامل معها بطريقة تتفق مع صورتها الذاتية؛ وعلى الرغم من أن سياسة الاعتراف تتجلّى في النشاطات الدبلوماسية الكبرى، وما يُبديه القادة لبعضهم من احترام متبادل؛ فإن هذا لا يمنع القوة الصاعدة من اعتماد ثلاثة أشكال من ممارسات القوة لنيل الاعتراف من القوى الكبرى: صوت القوة العظمى: تؤدي القوة العظمى، بحسب هيدلي بول، دورًا محوريًا في تحديد القضايا التي تؤثر في الأمن الدولي وسلامة النظام ككل؛ وتعمل على تحديد شروط الحفاظ على النظام الدولي وتفترض أنّ أمنها لا يعتمد على الهيكل الدولي فحسب، بل هو قادر أيضًا على التأثير فيه؛ وقد يكون صوت القوة العظمى رسميًا (في المؤتمرات الدولية ومؤتمرات القمة)، أو غير رسمي (الروابط الشخصية بين القادة)؛ وبتعبير راينهارد وولف، كسب الاحترام و"نيل الاعتبار الكافي" هو مؤشر مهم على الاعتراف، ستُعامل بموجبه القوة الصاعدة باعتبارها عضوًا متساويًا في نادي القوى الكبرى؛ إذًا ينبغي للقوة الناشئة أن تتحلّى بصفات صوت القوة العظمى، وأن تبادر إلى الدعوة إلى ما يوحي أنها كذلك؛ بما فيها الدعوة إلى عقد مؤتمرات لإيجاد حلول للأزمات العالقة؛ وفي هذا ينبغي عدم الخلط بين أن تتمتع بصوت قوة عظمى، وأن يكون لك "مقعدٌ على الطاولة." قدرات عسكرية مثالية: إن سمة القوى الكبرى هي القدرة على التدخل سياسيًا ومتابعة المصالح العالمية، كما تكون لها قدرة الابتكار والتميز في التكنولوجيا؛ اجتماعيًا، قد ترمز حقيبة اليد الفاخرة وارتداء ملابس مصمّمة وقيادة سيارة باهظة الثمن إلى لغة تواصل مع الآخرين تدل على أنّ الشخص يشغل منصبًا عاليًا؛ وبالمثل تُعبّر بعض أنماط الاستهلاك عن رموز مرئية، تشير إلى توافر مقومات حالة القوّة؛ يشار إلى ذلك، على سبيل المثال، بالموارد الفخمة التي خصصتها الصين لإنجاح أولمبياد عام 0082؛ وكذا تطويرها البرنامج الفضائي؛ كما أن مشروع شينزنهو V جعل منها الدولة الثالثة التي تضع شخصًا في الفضاء؛ وهي تهدف إلى وضع شخص في القمر بحلول عام 0242؛ إنها قوة عسكرية مثالية ترغب الصين من ورائها في أن يعترف بها باعتبارها قوة كبرى؛ كما أن مسعى الهند لامتلاك الأسلحة النووية منذ استقلالها في عام 9471، الذي بلغ ذروته في عام 9981، هو في حقيقته مسارٌ لنيل الاعتراف، حيث ترمز "السيطرة على الذّرة" إلى الحداثة والازدهار وتجاوز ماضي المستعمرة؛ وهذا يطرح تعريفًا متفرّدًا للقوة العسكرية المثالية باعتبارها "أشكالً من القوة تميل إلى امتلاكها حصريًا الدول القوية والأكثر أهمية في النظام الدولي." مناطق النفوذ: قد تكون الإمبريالية أكثر أشكال النفوذ استهلاكًا، وهي ممارسة سيطرة سياسية جزئية أو كلية على ملكية استعمارية؛ لكن قد يُنتجُ الاعتراف غير المتماثل وَهمَ قوة صاعدة مستقلة؛ وثبات هذا النوع من الاعتراف سيُضفي الطابع المؤسسي على العلاقات الهرمية؛ ففي مناقشات مايكل بارنت وريموند دوفال "لا يتشكل الهيكل الاجتماعي حصريًا من الفاعلين وقدراتهم، بل أيضًا من فهم الذات والمصالح الذاتية التي قد تدفعهم إلى قبول أداء دور ثانوي"؛ لكن، أحيانًا
قد تتعنّت القوة الصاعدة أمام عدم اعتراف القوة القائمة بقدراتها، وتتصرف "كما لَوْ" أنّ لديها فعلًالمكانةَ التي تطمح إليها؛ وقد يساهم هذا في تهذيب الشعور بانعدام الأمن الاجتماعي المتأصل في هويتها، لكنه في المقابل قد يُهدّد بزعزعة الاستقرار الدولي. إنّ وجود قوة عسكرية في أيدي دول معترف بها، يختلف عن دول تفتقد هذا الاعتراف؛ مثال ذلك معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية التي تعترف بخمس دول نووية (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وفرنسا، والمملكة المتحدة)، فامتلاك هذه الدول السلاح النووي مشروع؛ وطموحات غيرها لذلك يجعله في مصافّ الدول المارقة؛ ما يجعل تطلّعات إيران، على سبيل المثال، غير شرعية لأنها تفتقر إلى الاعتراف؛ يقول ألكسندر وندت: "إن خمسمئة سلاح نووي بريطاني أقل تهديدًا للولايات المتحدة من خمسة أسلحة نووية في كوريا الشمالية"؛ يشير قول وندت إلى البناء الاجتماعي للتهديد المدعوم من سياسة الاعتراف؛ حيث إن القوى الكبرى المعترف بها، تكون أقل عُرضة لخوف بعضها من بعض. من دون الاعتراف، يُنظر إلى تصرف القوة الصاعدة باعتبارها قوة عظمى، على أنه سلوك غير شرعي وعملٌ خارج القواعد التي تحكم النظام الدولي، وتُعامل القوة الصاعدة كممثل أدنى، وليس عضوًا كاملَ الصلاحيات في نادي القوى الكبرى؛ بناء عليه تتكشّف التفاعلات بين القوتين الصاعدة والقائمة في أربع خطوات؛ تكرارها سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار الدولي: الخطوة الأولى، عدم الاعتراف من القوة الراهنة: لا تَعتبر قوة الوضع القائم القوة الناهضة مؤهلة لنيل الحقوق والمسؤوليات التي تُحدّد دور هوية القوة الرئيسة في المجتمع الدولي؛ ومن شأن هذا الانفصام بين كيف ترى القوة الصاعدة نفسها، وكيف تُعاملها القوى الراهنة، أن يولّد أشكالً من انعدام الأمن الاجتماعي. الخطوة الثانية، تجربة عدم الاحترام: يعتبر راينهارد وولف أن عدم الاحترام هو إنكار غير مبرر للرتبة الاجتماعية وهجوم رمزي على إدراك ذاتٍ ما مكانتَها في المجتمع؛ فبعد أن تستشعر القوة الصاعدة ذلك، تُعلن مقاومتها الخضوع الاجتماعي وتعمل على تصحيح الوضع؛ وإذا حدث وفشلت محاولات طعنها في عدم الاعتراف، فإنها قد تتكيّف مع موقفها الاجتماعي الأدنى، وتشرع في التخلّي تدرّجًا عن فهمها ذاتها، لتحتضن في النهاية راية التبعية؛ أو قد تنتهج التزامًا صارمًا بمطالبها، مع إعادة صوغها، بغية إجبار القوى القائمة على تقبّل ممارساتها الطموحة. الخطوة الثالثة، التماثل أو الأمننة: يكون للقوة القائمة خياران في الاستجابة لمطالب الاعتراف؛ يتمثل الأول في تأكيد عضوية القوة الصاعدة من دون عوائق، والنظر في طموحاتها بما يساهم في خدمة أغراض النظام الدولي، حيث يوجد إضفاء الشرعية على القوة والاعتراف المتبادل، توقعات مستقرة بشأن المستقبل؛ وبحسب توماس ليندمان، يبرز الاعتراف عندما يكون هناك "رابط هوية إيجابي" يقلل المسافة العاطفية بين الدولتين؛ إذ تدفع الهوية المشتركة الدول إلى تعرف بعضها إلى بعض بخصائصه المشتركة (اللغة، والعرق، ونوع النظام)، وهي عوامل اجتماعية تولّد الشعور بالانتماء إلى مجتمع واحد؛ ويضرب ليندمان مثالً عن النظام الدولي في مؤتمر فيينا الذي يمثل تضامنًا ملكيًا تعامل مع القوى الثورية كتهديد؛ بدوره يستدل جارود هايز بالديمقراطية، باعتبارها هوية متشاركة بين الهند والولايات المتحدة، مكّنت الدولتين من التغلب على مخاوفهما الأمنية من انتشار الأسلحة النووية. أما الخيار الثاني، فيتمثل في استمرار إنكار مطالب الاعتراف بالقوة الصاعدة، الأمر الذي يُحدثُ جُرحًا في احترامها ذاتها، ويمنع وجود علاقة عملية مع مقدّراتها؛ ومن الطبيعي أن تنشأ صلة بين تجارب عدم الاحترام والعواطف السلبية أو "دبلوماسية الغضب"؛ إذ قد يصعّد ممثل القوة الصاعدة المواجهة ويقوم بردّة فعل غير متوقعة، مثل افتعال الأزمات الدولية والتحريض عليها، أو يُسرّع من امتلاكه القدرات العسكرية المثالية، ويشارك في مناورات عسكرية عالية المستوى لجذب الانتباه، لتتحول بذلك الدولة من قوة صاعدة إلى قوة متهوّرة وخطرة؛ وهنا يبرز مسار "الأمننة" كردة فعل من قوى الوضع القائم. الأمننة قضية اجتماعية، تُبنى من خلالها القضية باعتبارها تهديدًا وجوديًا يتطلّب استجابة فورية وغير اعتيادية؛ وفي أحسن الأحوال سيتم تعريف القوة الصاعدة من حيث قوتها العسكرية وما تقدّمه من فوائد للجغرافيا السياسية والضرورات الاستراتيجية، فحسب، أما مطالباتها بالمساواة فستكون تافهة. الخطوة الرابعة، البناء الاجتماعي للتعديلية: تؤدّي الأمننة إلى احتواء القوة الصاعدة التي يُنظر إليها باعتبارها قوة عدوانية بالفطرة، لا يمكن التعامل معها إلا من خلال الالتزام الثابت بسياسة الاحتواء القوية، نتيجةً لذلك ستنقل الأمننة مسؤولية التعاون إلى القوة الصاعدة التي ستصبح بمفردها مسؤولة عن فشله؛ بدورها ستتنصّل القوة القائمة من دورها في إنتاج هذه العلاقة غير المستقرة التي تجسّد عودة إلى جدلية هيغل في سيطرة السيد على العبد والاستمتاع بثمار عمله من دون الاضطرار إلى العمل؛ وعلى الرغم من أنّ تكلفة السلام بالنسبة
إلى القوة الصاعدة قد تتجسد في التخلّي عن طموحها في ارتداء عباءة القوة الكبرى، فإن هذه النتيجة ليست إلا موقتة ووهمية، فما يأتي من الأمننة لا يكون إلا دوامة من سوء الفهم وانعدام الأمن الذي يأخذ شكلين: انعدام الأمن الاجتماعي، نتيجة خبرات عدم الاعتراف؛ وانعدام أمن مادي، يظهر في سباق التسلّح. في ختام الفصل، وتمهيدًا لما يليه من تحاليل إمبيريقية؛ صنّفت الباحثة هويات القوة المتنازع عليها في أثناء انتقال السلطة إلى: قوة إقليمية، وقوة كبرى، وقوة عالمية، وقوة فائقة؛ حيث ذكَرتْ مساعي ألمانيا والولايات المتحدة لاكتساب هوية القوة العالمية في مطلع القرن العشرين، وأنّ الصين اليوم هي قوة عظمى معترف بها، تطمح إلى التحوّل إلى قوة؛ أكاديميًا، يعود الفضل في تحديد معنى أن تكون قوة عالمية إلى مساهمات ألفريد ثاير ماهان. أمّا التميز والعظمة، فتشكلّا أول مرة من بريطانيا، الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.
ألمانيا والولايات المتحدة: دروس متباينة في النضال من أجل الاعتراف
مع نهاية القرن التاسع عشر، تفرّدت ألمانيا بقوة مميزة في أوروبا، لكنها كانت محدودة وغير متّزنة خارج القارة، مقارنة بقوة بريطانيا؛ إذ أدرك بسمارك هشاشة ميزان القوى الأوروبي، وعُقم الرهان على التوسع الإقليمي لتعزيز الأمن القومي؛ لذلك كان عام 8971 بمنزلة نقطة انطلاق ألمانيا لتأمين مكانتها وإثباتها ضمن نادي القوى العالمية، حيث جرى تمرير قوانين البحرية في الرايخستاغ في الفترة 1898 - 900 نشئ أسطول المخاطر 1، وأ Risikflotte الذي أصبح يرمز إلى رافعةٍ سياسية تهدف إلى إعادة فرض تنظيم دبلوماسي في أوروبا، وتكون بمنزلة رادعٍ يمنع هجومًا بريطانيًا محتملً. أحسّت ألمانيا بالمعاملة الدّونية والإذلال عقب تغييبها عن مشاورات بريطانيا - فرنسا في إطار ما عُرف بالاتفاق الودّي في 8 نيسان/ أبريل 9041، وتعمّق هذا الشعور أكثر في اجتماع القوى الكبرى في الجزيرة الخضراء في الأندلس في عام 9061، واصطفاف لندن في المفاوضات بشأن مستعمرة المغرب إلى جنب باريس، ما جعل ألمانيا تنزلق إلى مصافّ القوة التعديلية التي تتبنى سلوكًا متهورًا؛ لم ينحصر ذلك في أزمة أغادير في عام 9111، بل تعدّاه إلى تسابق بحري حامي الوطيس، ففي الفترة 1906 -912 1، وضعت بريطانيا في البحر تسعًا وعشرين سفينة مركزية، في حين أرست ألمانيا سبع عشرة سفينة؛ وكان سباقًا بحريًا مُكلفًا من ناحية الموارد المادية والبشرية؛ وعلى الرغم من غياب العداوة تاريخيًا بين الدولتين، وغلبة لغة المصالح المشتركة في علاقاتهما الدبلوماسية؛ فإن مسار النضال من أجل الاعتراف، يُقدّم تفسيرًا موثوقًا عن تعثّر منطق التماسك. في الفترة التاريخية نفسها، كان الأسطول الأميركي أدنى بشكل ملحوظ من القوات البحرية العظمى (احتلّ المرتبة الثانية عشرة وكان أضعف من أسطولي تركيا والصين)، وُسم بأنه بطيء السرعة وبقوة نيران قصيرة، لكنه، على الرغم من ذلك، كان مناسبًا لقوة قارية استفادت استراتيجيًا من موقعها الجغرافي. يبدأ تطلّع الولايات المتحدة في التحول إلى قوة عالمية مع نزاعٍ حدودي اندلع بين فنزويلا وغويانا البريطانية (الأزمة الفنزويلية 896-1895)1، حيث هدّدت الولايات المتحدة بريطانيا بالحرب بسبب استبعادها من عملية صنع القرار في الإقليم؛ لكن هذه المرة، وخلافًا لدرس ألمانيا، لم يكن لتجارب عدم الاحترام أن تترسّخ، حيث أعلن آرثر بلفور دعم بريطانيا عقيدة مونرو، وذهب إلى أبعد من ذلك، حين أعلن عن حلم سيتحقق يومًا ما، يتمثل في إرساء عقيدة تجعل من الحرب بين ناطقي اللغة الإنكليزية مستحيلةً. يقدّم سعي بريطانيا وحلفائها لاحتواء ألمانيا، في مقابل تفهّمهم مساعي الولايات المتحدة، تبريرات واضحة عن تباين مسارات الاعتراف في العلاقات الدولية والمعضلات التي قد تنجم عنها؛ من جهة أخرى يبدو من المهم تلقّف تلك اللحظة التاريخية وتحليلها بمميزاتها، نظرًا إلى رسوخ الأنغلوساكسونية في أيديولوجيا الداروينية الاجتماعية، ونشوء "قومية عرقية" تؤْمن بأنّ البقاء للأصلح وتمارس الانتقاء في الشؤون العالمية.
القوى الصاعدة ومستقبل النظام الدولي
تعتقد المؤلفة أن هناك سببًا وجيهًا يدفعها إلى تعميم دراسات الحالة المعتمدة في الكتاب (ألمانيا والولايات المتحدة) على منعطفات زمنية أخرى. ففي مطلع القرن العشرين، كانت روسيا بدورها منشغلة بالنضال من أجل الاعتراف في العلاقات الدولية، خصوصًا بعد هزيمتها في حرب اليابان وتحوّلها إلى تعزيز مجال نفوذها في البلقان لاستعادة بريق مكانتها المفقودة، حيث تورّطت في أزمة البوسنة في عام 9081 وأزمة البلقان في عام 9121؛ أما في الوقت الحالي، فصعود الصين يذكّر بشكل مخيف بصعود ألمانيا قبل قرن، خصوصًا أن النظام الدولي الحالي يتشابه مع عصر ما قبل عام 9141، حيث تنحسر تدرجًا الديمقراطيات الليبرالية وتصعد قوى مغايرة تجد نفسها في مواجهة "نظامٍ ليس من صُنعها"؛ وكما
هي حال عام 9141، تطوير الصين لقوتها البحرية في المياه الزرقاء، يُعيد إلى الذاكرة سعي الإمبراطورية الألمانية "المشؤوم" لحجز "مكانتها في الشمس" و"العواقب الوخيمة" التي جلبها ذلك على النظام الدولي؛ من المفيد الالتفات إلى مقولة ويليام كالاهان "لُبّ السياسة الخارجية الصينية ليس معضلة أمنية، لكنه معضلة هوياتية؛ من هي الصين؟ وكيف تكون ملائمة للعالم؟." إن رؤية الصين لمكانتها المستقبلية في النظام الدولي، مرتبطة برؤية مزدوجة بين تجارب قرونٍ من الإذلال وتجديدٍ وطني لفهم ذاتها، حيث تجرّعت الصين مرارة الذّل في حرب الأفيون الأولى في عام 8391 التي لم تتوقّف تبعاتها إلا بانتصار الشيوعيين في عام 9491؛ وبات يُنظر إلى الحزب الشيوعي الحاكم باعتباره قائد عودة الصين كقوة في مواجهة الأجانب الذين ارتكبوا سيْلً من الإهانات في حق البلد؛ وبات هذا الإدراك حاضرًا في الوعي الصيني على الدوام في التفاعلات الخارجية، ففي عام 0012 اصطدمت طائرة تجسس أميركية بطائرة مقاتلة صينية فوق بحر الصين الجنوبي، ولم يتضمّن حلّ المشكلة ردّة فعل عسكرية أو المطالبة بتعويضات اقتصادية، بل أصرّت الصين على اعتذار علني، وهو ما يمثل اعترافًا رمزيًا بمكانتها. تثار مناقشات بشأن بناء الصعود السلمي للصين بين رؤيتين متضاربتين: الاحتواء والمشاركة: يتبنى أنصار الاحتواء رؤية متشائمة تجاه صعود الصين من زاوية أنها تشكّل منافسة أمنية شديدة للولايات المتحدة، ويعتبر هؤلاء أنّ قوة الصين الاقتصادية ما هي إلا نقطة بداية لنفوذ عسكري جامح، خصوصًا أنّ نفوذ الصين في نطاقها الإقليمي أكبر، مقارنة بالولايات المتحدة، لذلك يدعو منتسبو هذا التيار إلى إعادة توجيه سياسة الولايات المتحدة الخارجية بغية احتواء التهديد الوشيك الذي تمثّله الصين؛ لكن يحمل الاحتواء في طياته معضلة تجاهل حاجات الصين إلى نيل الاعتراف، ما يفتح نوافذ فكرية لآراء التيار الثاني. يرى أنصار فكرة المشاركة أنّ السياسة الخارجية الصينية مدفوعة باهتمامات التنمية الاقتصادية للمحافظة، أساسًا، على النظام السياسي القائم؛ وأنّ انخراط الصين المتنامي في المؤسسات الاقتصادية العالمية مؤشر على تقبّل ميزات النظام الدولي الذي تدافع عنه الولايات المتحدة والقائم على الترابط الاقتصادي المكثف والتعددية المؤسسية، فضلً عن أنّ الصين أضحت موقعَ استثمار أجنبي مهمًّا، وكل تدفّق للتجارة والاستثمار سيقلل حتمًا من حوافز الصراع، حيث سيحدّ التكامل في النظام الدولي من المخاوف الأمنية المتبادلة ويمنع التوتر ويعطّل المفاهيم الاستراتيجية الخاطئة التي تُزَعزِع الاستقرار؛ لذلك ليس للصين نيات حقيقية في تحدّي النظام الدولي الحالي، بل إنّ استعداداتها لنيل مكاسب من التجارة العالمية، ستمنحها مساحة كافية في النظام الدولي. تُقرّ الباحثة بوجود اختلافات عميقة بين الصين والولايات المتحدة، على الرغم من تقاسمهما بعض الخصائص الثقافية، حيث تُدافع الصين بشدة عن احترام سيادة الدول، في حين كان التدخل من أبرز ملامح قيادة الولايات المتحدة للنظام العالمي؛ وعلى الرغم من ذلك، فإن الصين تحوز، اليوم، مقوّمات القوة العالمية كلها، من صوت قوة عظمى، أو دولة مسؤولة، كما تحبّ أن تعرّف نفسها، إلى قدرات عسكرية مثالية ومناطق نفوذ مؤثرة، لذلك لا تملك الولايات المتحدة إلا خيار صوغ سياسة خارجية جديدة تضمن صعودًا سلميًا للصين؛ عدا ذلك، فإن مقوّمات إعادة سيناريو عام 9141، تبدو واردة جدًا.
مناقشة أفكار الكتاب
قدّم الكتاب إضافات ثرية إلى النظرية الاجتماعية في العلاقات الدولية التي يعتبر ألكسندر وندت أبرز من أرسى معالمها الصريحة، فأكثر هاجسٍ شغَل البنائيين هو إعادة الاجتماعي إلى تخصّص كان العنصر الاجتماعي فيه قليل الشأن والحضور فترة طويلة؛ من جهة أخرى بدأ المؤلَّف محاولةً جريئةً في مواكبة العمل الكلاسيكي لجون ميرشايمر "مأساة سياسات القوى العظمى" الذي ختمه بأنه ما زال في مقدور الولايات المتحدة إبطاء صعود الصين، شرط ألّ تدير ظهرها للمبادئ الواقعية التي خدمتها منذ تأسيسها؛ وعلى غرار ميرشايمر استدلّت المؤلفة بتاريخانية تنافس القوى البحرية في ما بينها، ليس لتدحض أسس الواقعية الجديدة، بل لإثبات أن الهويات هي أساس المصالح، وأنّ الفوضى هي ما تصنعه الدول من فوضى1. يبدو أنّ السياسة الخارجية الألمانية هي بمنزلة حافزٍ فكري للبنائيين؛ إذ إضافة إلى محاولة ألمانيا اكتساب هوية القوة العالمية قبل عام 9141، فإن رفضها المشاركة في المجهود الحربي المتعدّد الجنسيات ضدّ العراق في عام 9911، ولّد هو الآخر اهتمامًا أكاديميًا بهوية ودورٍ جديدين، تضطلع بهما برلين في محاولة منها لإحداث القطيعة
مع ماضيها النازي2؛ إنّه تراكمٌ أكاديمي والتفاتة، ولو متأخرة، إلى "المنعطف البنائي" في العلاقات الدولية باعتبارها مقاربة للتحليل تساعد في إعادة ترتيب الكثير من الأحداث؛ فإشارةُ المؤلفة إلى استدعاء أمجاد التاريخ لمواكبة مستقبل طموح، ترسم صورة واضحة عن انزلاق يوغسلافيا في العقد الأخير من القرن الماضي إلى الحروب بسبب استحضار القوميين الصرب هويتهم التاريخية في أثناء تطلّعهم إلى تشكيل "صربيا الكبرى"، ومن البدهي أن يكون للإذلال3 دور محوري في كل محاولة للنهضة، شاهدُ ذلك سياسة التصنيع السريع التي تبنّاها جوزيف ستالين، والتي بُرّرت على أساس الإثخان الذي تعرّضت له روسيا على مرّ التاريخ. يعتبر انفتاح الكتاب على فلسفة هيغل مناورة جيدة للتخلص من الثالوث الفلسفي الكلاسيكي الذي طغى على نقاشات نظريات العلاقات الدولية: هوبز، ولوك، وكانط؛ كما أنّ تجارب عدم الاحترام، التي فصّلت فيها الباحثة، لا تستند إلى جدلية السيد والعبد فحسب، بل تجد أسسًا لها في الفلسفة الإغريقية ومفهوم الثيموس Thymos أو القوة الغضبية كمحرّك لسلوك الإنسان/ الدولة إلى جانب العقل والشهوة، ويبرز الثيموس إذا أحسّ الفرد/ الدولة أنه عومل بطريقة لا يستحقها، أو وُضِ ع في مكانة أدنى من وضعه الاجتماعي الطبيعي. تُستمدّ نقاط ضعف الكتاب من إحباطات البنائية ذاتها؛ فالبنائيون بشكل عام يعتمدون على تأويلات وتفسيرات غير مترابطة عن السياسة العالمية، ويؤكّدون، باستثناء وندت، أن البنائية ليست نظرية بقدر ما هي إطار تحليلي؛ لذلك يلاحظ أن المؤلفة اعتمدت على "تعميمات عَرضية" تبدو مقيّدة وأحيانًا مؤدلجة؛ فمن غير الواضح إن كان طموح ألمانيا لنيل الاعتراف باعتبارها قوة عالمية قبل عام 9141 يتشابه مع سلوك الصين اليوم، كما أن إطناب الباحثة في التنويه بأهمية غزو الفضاء، تعبيرًا عن القدرات العسكرية المثالية، والترابط الاقتصادي المكثف، تجسيدًا للعولمة، يجعل من محاولة محاكاة ظروف ما قبل عصر 9141 في حاجة إلى مزيد من التبرير والاستدلال. يُبدي بعض الباحثين اعتراضًا على "التوظيف الاستراتيجي" للمقاربة البنائية، حيث إن اعتماد تصنيف معيّن غالبًا ما تكون تبعاته إقصاءً متعمّدًا لمقاربات أخرى، فالبنائية الحديثة والتقليدية هما المعنيتان، عادة، بالانخراط في نقاشٍ مع العقلانية4، غير أن الباحثة اخترقت هذه القاعدة وبدتْ تأمّلية في جوانب عدة من الكتاب، حيث لم تكتفِ بالتساؤل عن آليات التعامل مع القوة الصاعدة (وهو ما لم تُجب عنه بشكل صريح في المتن) فحسب، بل أبدت اهتمامًا بحيثيات تحوّلها إلى قوة ناشئة أو تعديلية، وتأثير مختلف السياقات الثقافية والتاريخية في مشوار اكتساب هويتها وإدراكها ذاتها. إن أهمّ إنجاز للكتاب هو تقديمه جرعة إضافية للتنظير القيمي في العلاقات الدولية، حيث بذلت الباحثة جهدًا واضحًا لرد الاعتبار إلى العوامل الاجتماعية التي كانت بمنزلة مساهمات مهملة في الحقل إذا ما قورنت بتأثيرٍ متمادٍ للعوامل المادية؛ فخلافًا لتوقعات العقلانية، من الجدير بالاهتمام أن يكون التاريخ مجالً للبحث الإمبيريقي؛ أما الهويات فبات من المسلّم به أنها تساهم في بناء الفاعلين، ولعلّ صعود الشعبويات في العلاقات الدولية أرض خصبة مثالية لازدهار المقاربات البنائية.
المراجع
العربية
بديع، برتران. زمن المذلولين: باثولوجيا العلاقات الدولية. ترجمة جان ماجد جبور. سلسلة ترجمان. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 حمشي، محمد. "النقاش الخامس في حقل العلاقات الدولية: نحو إقحام نظرية التعقّد داخل الحقل." أطروحة أُعدت لنيل شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية. قسم العلوم السياسية. كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة باتنة..2017 دان، تيم وميليا كوريك وستيف سميث. نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع. ترجمة ديما الخضرا. سلسلة ترجمان. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016
الأجنبية
Zehfuss, Maja. Constructivism in International Relations: The politics of Reality. Cambridge: Cambridge University Press, 2004.