دراسات السياسات العامة: الأسس الأكاديمية والأهمية العملية
| 19 19 | ||
|---|---|---|
| * B. Guy Peters | ب. غاي بيترز دراسات السياسات العامة: الأسس الأكاديمية والأهمية العملية Public Policy Studies: Academic Roots and Practical Significance * أستاذ كرسي موريس فولك للقضايا الحكومية، جامعة بيتسبرغ، بيتسبرغ، بنسلفانيا، الولايات المتحدة الأميركية. Maurice Falk Professor of Government, University of Pittsburgh, Pennsylvania, USA. ترك ّ ز الدراسة على دراسات السياسات العامة بوصفها ركيزة أساسية في تعليم السياسات العامة في الجامعات الأكاديمية من جهة، وتؤدي دورًا مهمًا في تحديد دور الدولة والحكومة فــي مجــال صنــع هــذه السياســات مــن جهــة أخــرى. وتطــرح ثمانية مشــتركات بشــأن دراســة السياســات العامة، وترى أنه على الرغم من تأثر صنع السياســات العامة بالســمات الثقافية والاجتماعية للنظام السياســي، يمكن تقديم هذه المشــتركات، بوصفها مساهمة نظرية جديــدة فــي تعليــم السياســات العامــة. وتوصــي بضــرورة التركيــز على إعــداد نمــاذج تحليل للسياســات العامــة، على أن تســتند من جهة إلــى تحليل ظروف المنطقــة، ومن جهة أخرى إلــى فهم تنــوّع التأثيرات وغناها الذي توفره مجموعة منوّعة من المســاهمات النظرية في مجالات تحليل السياسات ودراسات السياسات. كلمات مفتاحية: السياســات العامة، دراســات السياســات العامة، المنهج في السياســات العامة. The study focuses on public policy studies as an essential pillar of public policy education in academic universities on the one hand, and as an important player in determining the role of the state and government in the field of policymaking on the other. It suggests eight commonalities in the study of public policies, arguing that although public policy making has been influenced by the cultural and social features of the political system, these participants can be presented as a new theoretical contribution to public policy education. It recommends that focus should be on preparing public policy analysis models based on an analysis of the regional context and an understanding of the diversity and impacts of different theoretical contributions in the areas of policy analysis and policy studies. Keywords: Public Policy, Public Policy Studies, Public Policy Methods. | ||
مقدمة
ثمة أشكال مختلفة ومتعددة لدراسات السياسات العامة، ومن المعروف أنها اختصاص أكاديمي يُدرَّس في أقسام السياسات العامة وكلياتها في جامعات كثيرة حول العالم. وتؤدي السياسات العامة دورًا مهمًا في الحياة العملية، نظرًا إلى حاجة الحكومات إلى فهم السياسات التي تنفّذها وإعداد سياسات جديدة وأفضل، أو هكذا تأمل. وأخيرًا، هناك دراسات في السياسات العامة تستهدف المواطن الذي يتلقّى تلك السياسات، ولو أنها غير معروفة كثيرًا، لكن يجب ألّ يبقى المواطنون متلقين سلبيين للسياسات العامة، بل يجب أن يتمتعوا بالقدرة على تقويم السلع والخدمات التي تنتجها الحكومات والمطالَبة بتحسينها1. إذا سلّمنا بأهمية السياسات العامة ودراسة السياسات، فإن السؤال الأهم هنا، هو: ما الذي نعنيه تحديدًا بمصطلح السياسات العامة؟ ثمة فهم عام واسع الانتشار لهذا المصطلح، لكن هل هناك تعريف دقيق له؟ ورد أحد التعريفات النموذجية أن السياسات العامة هي "مجموع النشاطات الحكومية المباشرة أو التي يقوم بها وكلاء وتمسّ حياة المواطنين"2. يمنح هذا التعريف دورًا للدولة في السياسات والحكم أكثر مما يرغب فيه بعض الباحثين، لكنه يلحظ مشاركة الوكلاء وتواتر مشاركتهم في تقديم الخدمات، إلا أن النقطة الجوهرية هي أن ما يحدث للمواطنين نتيجة تدخلّات القطاع العام (ووكلائه) في الاقتصاد والمجتمع هو ما يكتسب الأهمية الحقيقية. ساهم استحداث مسارات بحثية متعددة في مجال السياسات العامة (دراسات السياسات وعلوم السياسات وتحليل السياسات) في صدور سلاسل منوّعة من الدراسات في مجموعة مجالات محيطة بحقل السياسات العامة. يركز بعض منها، كتحليل السياسات مثلً، على ديناميات السياسات الفردية، ويحاول تمكين صنّاع السياسات من اختيار الأفضل بين مجموعة بدائل متاحة. ويهتم بعض آخر، كدراسات السياسات مثلً، بنجاح السياسات وفشلها، وبأسباب اختيار سياسات معيّنة عندما تواجه الحكومات وحلفاؤها مشكلةً معيّنة. وتميل أبحاث السياسات إلى دمج الاثنين معًا، غير أنها تركز أيضًا على اتخاذ القرارات عند المفاضلة بين خيارات عدة مطروحة3. والحدود الفاصلة بين هذه المسارات المختلفة لبحوث
رياني /يناثلا نوناك ناك
السياسات ليست صارمة، بل موضع خلاف بين الباحثين، لكن الوصول إلى سياسات جيدة يستلزم تمييزًا واضحًا بين مختلف هذه التخصصات وتفريعاتها. في سياق هذه المساهمة عن السياسات العامة في الدول العربية، من المهم التنويه بأن دراسات السياسات العامة ذات طابع عالمي، وفي الوقت نفسه محكومة بالحدود الثقافية؛ فمن جهة، يعد الكثير من نماذج السياسات، تقويم السياسات أو صوغها، ذا طابع عالمي: قد تتغير الجهات الفاعلة المعنية، لكن أبعاد التحليل الأساسية لا تتغير. ومن جهة أخرى، فإن طريقة تقويم السياسات والتفسيرات التي تطبّق على السياسات ونتائجها، مستمدة من صميم المجتمع والثقافة. وبناء عليه، فإن على محلّل السياسات العامة توخّي الحذر الشديد عند محاولة تقديم المشورة بشأن طبيعة السياسات "الجيدة"، أو عند محاولة فهم أسباب اختيار سياسات معيّنة. فعدم فهم المجتمع، يقود بسهولة إلى قرارات خاطئة، حتى في حالات تبدو فيها السياسات منطقية في ظروف أخرى4.
اقتراحات بشأن السياسات العامة
تتلخص مساهمتنا في هذه الدراسة في ثماني نقاط بشأن دراسة السياسات العامة. ومع أنني سأستخدم مصطلح دراسات السياسات خلال مناقشة النقاط الثماني، فإن مجالات السياسات المذكورة آنفًا كلها ستتم دراستها. وفي حين أناقش هذه المقترحات الثمانية كلًّ على حدة، سرعان ما يتّضح أنها متشابكة؛ إذ إن محاولة فك تشابك العلاقات في دراسات السياسات، وفي أي مجال مطروح للبحث، مفيدة لأغراض البحث، لكنها قد تخاطر أيضًا بتشويه صورته بوصفه كيانًا مركبًا. تنطبق هذه المقترحات الثمانية بشأن دراسة السياسات العامة على الظروف كلها تقريبًا، مع أنها تتأثر بالسمات الثقافية والاجتماعية والسياسية للنظام السياسي الذي يضع السياسات ويطبّقها. ويرتبط بعض جوانب السياسات بالثقافة الخاصة بالمجتمع محل البحث، بينما تكون مكوّنات أخرى ذات تأثير، بصرف النظر عن طبيعة المجتمع. والسؤال الذي يطرحه المحلّل: كيف نميّز بين الأولى والثانية؟ إن تركيز هذا العدد الخاص على السياسات العامة في الدول العربية يسمح بدراسة مدى تأثير التاريخ والثقافة والمتغيرات الاجتماعية والسياسية في خيارات السياسات ونجاحها. وقد يصل
دراسات السياسات العامة: الأسس الأكاديمية والأهمية العملية
تأثير تلك المتغيرات الاجتماعية والثقافية حتى إلى طريقة تأصيل تلك السياسات نظريًا.
1. دراسات السياسات أكاديمية وعملية في آن معًا
تظهر النقطة الأولى بشأن دراسات السياسات في أن صفتها الأكاديمية لا تقلل من أهميتها العملية. وبالفعل، ينعكس العمل الأكاديمي الجيد في السياسات العامة، عادةً، على جانب الحكومة العملي. لذلك، تشبه دراسات السياسات العامة فروع الهندسة المعمارية أو المدنية؛ قاعدة أكاديمية متينة، لكنها تتمتع أيضًا بإمكانات كبرى في حل المشكلات العملية. إذًا، يجب اعتبارها متطلّبًا فكريًا ومفيدة عمليًا في آن معًا. تتمثل إحدى مهمات كليات السياسات العامة في تدريب محللين يُفترض أن يحللوا لاحقًا السياسات لدى الحكومات وفي مراكز البحوث. يدرّب هؤلاء على مناهج السياسات الأكاديمية والنظرية، إضافة إلى الأساليب المعتمدة لتقديم تحليل سياسات إلى صنّاع السياسات في "العالم الحقيقي." ولا شك في أن خريج السياسات العامة يعرف تمامًا النظريات ذات الصلة، لكنه يعرف أيضًا متى يتخلّى عن عرضها ويبدأ في تطبيقها، وهذا ينطبق حتى على من يختار وظيفة أكاديمية في السياسات العامة؛ إذ لا بد له من وضع إحدى قدميه، أو أصابع عدة منها على الأقل، في الجانب العملي من تحليل السياسات. مع أن دراسات السياسات العامة، الأكاديمية والتطبيقية، تحتل مكانة جوهرية في دراسات السياسات العامة، فإن الخلاف بين الجانبين لا يستهان به، حيث يهتم الجانب الأكاديمي لدراسات السياسات بالتفسير، وغالبًا ما يكون بأثر رجعي Retrospective. والبحث الأكاديمي، على الأقل الذي يقوم به مفكرون سياسيون وباحثون في الإدارة العامة، يركز على التكاليف والفوائد السياسية والاجتماعية، أكثر من اهتمامه بتفصيلات التكاليف والفوائد الاقتصادية. بمعنى آخر، تسعى هذه التخصصات لمعرفة دور السياسة والمجتمع في تشكل السياسات وتطبيقها. أما النسخ الأكثر عملية من دراسات السياسات، التي تسمى عادة "تحليل السياسات"، فهي أقل اهتمامًا بالعوامل المترابطة لاختيار سياسة معيّنة من اهتمامها بالعوامل المترابطة للنجاح. فمحلل السياسات لا يهتم بأسباب اختيار السياسات، بقدر ما يهتم باحتمالات نجاحها بعد اختيارها. ولذلك فإن هذا الجانب من دراسات السياسات استشرافي بطبيعته، ويجب أن يستند إلى نظريات موثوقة لآليات عمل هذه السياسات (والمجتمعات والاقتصادات التي تطبّقها) كي يستطيع وضع تحليلاتها وتوقّعاتها.
2. دراسات السياسات متضمنة أفكارًا من تخصّ صات أخرى
إذا نحّينا جانبًا التساؤل حول إن كانت دراسات السياسات تمثّل في حد ذاتها تخصصًا أكاديميًا، فإن للسياسات العامة أبعادًا متعدّدة تجعل دراستها تستفيد من مجموعة منوّعة من التخصصات والمناهج الأكاديمية. ولهذا يجب على طالب دراسات السياسات الناشط أن يطّلع على مجموعة من المناهج الأكاديمية. ويُستحسن، بل يجب، أن يتعمّق في اختصاصه، شريطة أن يستطيع دمج استنتاجات الاختصاصات الأخرى في بحوث السياسات التي يقوم بها. ثمة تقاطعات كثيرة بين العلوم السياسية، وهو المجال الاختصاصي الأساسي، والسياسات العامة. وهذا أمر طبيعي، لأن العلوم السياسية تدرس كيفية عمل القطاع العام وعملية تبنّي التشريعات5. وتحاول، إلى جانب دراسة عمليات إعداد السياسات، تفسير الخيارات التي تتخذها الحكومات باستخدام مجموعة منوعة من المتغيرات السياسية والاجتماعية. وهناك مجموعة غنيّة من الأدبيات التي تبحث في كيفية تحديد الأجندات الحكومية، وأي القضايا تُعالج وأيها تستبعد6.
يمثل الاقتصاد الركيزة الثانية لدراسات السياسات. فالكثير من التقنيات الأساسية في تحليل السياسات، كتحليل التكلفة والمنفعة مثلً، يستند إلى المنطق النفعي للاقتصاد. وتتيح هذه الطرائق التي تستخدم مقاييس نقدية لتقويم البرامج العامة، للمحلل، مقارنة السياسات
وتساعده في تحديد أكثرها فائدة للمجتمع. ومع أن هناك من يقول إن معادلة نتائج البرامج العامة بقيم نقدية مضللة، ويتجاهل سمات مهمة عدة للبرامج العامة، فإن التحليل الاقتصادي للسياسات يبقى محوريًا في دراسة السياسات العامة. كما يقدم الاقتصاد منظورات تحليلية، مثل نماذج صاحب رأس المال - الوكيل Principal-agent وتحليل تكلفة المعاملات، تساعد في تصميم البرامج العامة. وتساهم الرياضيات والإحصاء، أيضًا، في دراسة السياسات العامة. وتتضمن مساهمة هذين التخصصين توفير وسائل القياس والتحليل والأفكار المتعلقة بتصميم البرامج. قد تكون المجموعة الأولى من المساهمات واضحة إلى حدٍ ما، ولا سيما استخدام التحليل الإحصائي، لمعرفة الأسباب المحتملة للنتائج المطلوبة من تدخلات السياسات ولتقويم نجاح البرامج. وتتضمن المجموعة الثانية من المساهمات وسائل من قبيل نظرية الألعاب7 التي تساعد في نمذجة سياقات اتخاذ القرارات، ما يعزّز القدرة على تصميم البرامج. وللاقتصاد، والرياضيات والإحصاء، أيضًا، أهمية خاصة في دراسات السياسات العامة، ربما لأنها تسمح بنمذجة الأثر المستقبلي لتدخلّات السياسات. يوفر الاقتصاد أساسًا نظريًا متينًا لهذه النماذج، وتسمح افتراضاته بشأن سلوك الأفراد في المجتمع حيال بعض الحوافز والكوابح بوضع تحليلات استشرافية أكثر دقة من الأساليب الأخرى. ومن الواضح أن الرياضيات والإحصاء يوفران التقنيات اللازمة لإعداد ذلك الجهد وتقويمه من خلال نمذجة الآثار المستقبلية لخيارات السياسات. الإدارة العامة Public Management والإدارة التنفيذية Public Administration مجالان مهمان في دراسات السياسات العامة؛ فأي سياسة توضع وتُعتمد لا بد من أن تنفّذ، وإذا لم يراعِ مصممو البرامج الجوانب التنفيذية كما يجب، تصبح أكثر عرضة للفشل. وثمة ترابط وثيق بين إدارة تنفيذ السياسات والسياسات العامة في كثير من المؤسسات الأكاديمية، إلا أن بعض المناهج يقلّل من قيمة الإدارة التنفيذية ويركز على القضايا الاقتصادية والإحصائية "العلمية" البحتة فحسب، بدلً من القضايا الأصعب في الفهم والتحليل، والمتعلقة بكيفية تنفيذ البرامج فعليًا على أرض الواقع. على طلاب السياسات العامة، أيضًا، الإلمام بالأسس القانونية. ففي المجتمعات كلها، تُطرح السياسات العامة عمومًا على شكل قوانين، ومن هنا أهمية تحويل أفكار السياسات إلى أحكام قانونية مناسبة.
رياني /يناثلا نوناك ناك
ويساعد الإلمام بالقانون في فهم العمليات الإدارية التنفيذية، لا سيما عملية تدوين التشريعات الفرعية اللازمة للتنفيذ. ويتعيّن على باحثي السياسات أيضًا، لا سيما الممارسين منهم، الإلمام بأسس الفلسفة، وتحديدًا الأخلاقيات منها. ما السياسات الجيدة؟ هل هي أكثر من مجرد زيادة الفوائد الاقتصادية للمجتمع، بغضّ النظر عن إشكالية التوزيع؟ تشير أسئلة من هذا القبيل إلى ضرورة وأهمية تسلّح المحلّل بحزمة مبادئ عند دراسة السياسات. وقد انطلقت بعض الدراسات الكلاسيكية في قضايا السياسات من التحدّيات الأخلاقية التي تواجه صنّاع القرار في القطاع العام، كدراسة كالابريس وبوبيت8 مثلً، والجدير بالذكر أن التحديات الأخلاقية أمام السياسات ستصبح أشد إلحاحًا بالتأكيد، لأن استمرار قضايا التقشف والتغيرات الديموغرافية والتكنولوجية يتطلب قرارات مدروسة للقضايا المعقدة.
أخيرًا، يجب أن تستفيد دراسات السياسات من التخصصات الأكاديمية المعنية بمشكلات السياسات، حيث يتطلّب تحليل السياسات معرفةً ملموسة بالسياسات المطروحة. فإذا كان محللو السياسات يدرسون السياسات الصحية مثلً، فإن التوصل إلى نتيجة جيدة منوط بفهم قضايا الصحة العامة وهيكلية الصناعات الطبية، ويُعرّضهم افتقارهم إلى هذه المعرفة الملموسة لارتكاب أخطاء جوهرية عند تصميم البرامج. وبعض جوانب تحليل السياسات، وليس كلها، قابل للتعميم على حقول السياسات الأخرى، ومن ثمّ، فإن مهمة المحلل هي جعل خبرة تحليل السياسات ملائمة وتصمد في حقل يعجّ أصلً بالخبراء.
دراسات السياسات العامة: الأسس الأكاديمية والأهمية العملية
3. دراسات السياسات منهجية قائمة بذاتها
على الرغم من أن دراسات السياسات تستعير الكثير من التخصصات الأكاديمية الأخرى، فإنها تتفرد أيضًا بحزمة مميزة من القضايا والمناهج. وتتجاوز هذه الحزمة التركيز على السياسات العامة واتخاذ القرارات بشأنها، لتشمل مجموعة محدّدة من البحوث هي بمعنى ما جوهر دراسات السياسات. ولا شك في أن للتخصصات الأخرى رأيًا في هذه البحوث، لكن معظم النقاش دار حتى الآن بين باحثي السياسات أنفسهم. تُعدّ دراسة أدوات السياسات أحد أهم العناصر المميزة في دراسات السياسات9. ومع أن لهذا الجانب من بحوث السياسات جذورًا مشتركة مع الاقتصاد10 ومع العلوم السياسية، فإنه تبلور باستقلالية أكبر مع دراسات السياسات. وثمة وجهات نظر مختلفة بشأن دراسة أدوات السياسات العامة، ففي حين ركّزت بعض المناهج على تصنيف الأدوات ومحاولات تفصيل الخيارات المتاحة أمام صنّاع السياسات، درست الأخرى طريقة اتخاذ قرار اختيار الأدوات11. ولا تزال أجزاء أخرى من أدبيات الأدوات تحاول ربط الأدوات بالقوى السياسية والاجتماعية الفاعلة في عمليات السياسات. والعنصر الثاني المميز لدراسات السياسات هو التركيز على مشكلات السياسات؛ إذ تقتضي محاولة تحسين الاقتصاد والمجتمع، من الحكومات وحلفائها، حل المشكلات، لكن القيام بذلك يستلزم فهم طبيعة هذه المشكلات. ومع أن "القدرة على الحل" Solve leverage تبدأ بتسمية مشكلات السياسات بأسماء وظيفية مناسبة: الصحة والبنية التحتية... إلخ، يمكن اكتساب قدرات أكبر عبر التفكير فيها من منظور تحليلي أوسع12، مثل: هل تتعلّق المشكلة بسلع عامة أم خاصة؟ وما مدى تعقيدها؟ ويمكن أن تربط الحكومة هذه الفئات التحليلية بتصميم التدخلات، ولو بدرجة محدودة13. تمثل المشكلات "العويصة" Wicked مجموعة فرعية مهمة من المشكلات التي تواجه القطاع العام في دول عدة، وتتطلّب اهتمامًا إضافيًا. وعلى الرغم من أن سمات مختلفة تحدد بدقة المشكلات العويصة14، فإن السمة الأساسية لهذه المشكلات تكمن في صعوبة تحديد العلاقة السببية، أي السبب في وجود المشكلة، أو حتى تحديد المشكلة نفسها على نحو قاطع. وترتبط هذه المشكلات، أيضًا، بمشكلات أخرى، وقد يكون التمييز بينها صعبًا أو حتى مستحيلً. وتصبح مشكلة إضافة الباحثين مشكلتي الوقت وغياب المؤسسات المسؤولة إلى الصعوبات التي تعترض صنّاع السياسات، "عويصة جدًا"15. لا تنبع أهمية دراسة المشكلات العويصة من اسمها اللافت فحسب، بل لأنها تتضمن أصعب التحديات التي تواجه الحكومات المعاصرة، ومن بينها قضايا مثل تغير المناخ والفقر والسمنة16. إضافة إلى أنها تدفع باحثي السياسات إلى التفكير في الطابع المعقّد لمشكلات السياسات العامة17 وعملية إعداد السياسات. ويأخذ معظم تفكيرنا بالسياسات طابعًا خطّيًا، بينما العالم الحقيقي أبعد ما يكون عن هذا. بمعنى آخر، قد تؤدي تغييرات طفيفة في أحد المتغيرات إلى حدوث تغييرات كبرى وغير منضبطة في متغيرات أخرى. وبناء عليه، فإن أهم المشكلات التي تواجه الحكومات تتطلّب إعادة تفكير جوهرية في مفاهيمنا عن السياسات وتحليل السياسات.
تُعدّ بحوث التقييم Evaluation عنصرًا مميزًا ثالثًا في بحوث العلوم الاجتماعية المنضوية في إطار بحوث السياسات18. وعلى الرغم من أن لبحوث التقييم جذورًا في تخصصات أكاديمية أخرى، مثل الإدارة العامة وعلم الاجتماع19، فإنها تبلورت في دراسات السياسات وازدهرت. وكما يوحي اسم بحوث التقييم، فهي مكرّسة التقييم آثار السياسات العامة واستخدام نتائجها في تحسين السياسات. وعلى الرغم من تشابه الكثير من تقنيات البحوث المستخدمة في بحوث التقييم أو تطابقها مع التقنيات المستخدمة في العلوم الاجتماعية الأخرى، فإن الأسئلة المطروحة قد لا تكون كذلك. وقد لا يكتفي باحث التقييم المتمكّن بمعرفة مدى نجاح تدخّل معيّن مثلً، بل قد يرغب أيضًا في فهم الآثار الجانبية وإدراجها في التحليل20.
4. السياسات العامة لعبة يمارسها كثيرون
ركزت مناقشات السياسات العامة حتى الآن على الجانب المتعلق بالحكومة، تركيزًا أكبر من الواقع الحقيقي لإعداد السياسات وتنفيذها، أو من الكثير من المؤلفات الأكاديمية في السياسات العامة. وتتضمن السياسات العامة عادةً بعض العلاقات بين الجهات الحكومية والخاصة؛ الربحية أو غير الربحية. لكن يُستحسَن عمومًا البدء بنشاطات السياسات الرسمية للدولة، ثم معرفة من هي الجهات الأخرى المشاركة. وفي نهاية الأمر، تعتمد السياسات العامة على سلطة الدولة، بغضّ النظر عن الجهة التي تتولّى فعليًا وضع السياسات وتنفيذها. لكن حتى بوجود دولة فاعلة تتمتع بالشرعية اللازمة لوضع السياسات العامة، من الطبيعي، بل من الضروري، إشراك الجهات الفاعلة في القطاع الخاص في عمليات السياسات؛ إذ يتمتع الكثير من تلك الجهات بشرعية ملحوظة، ويستطيع أيضًا تزويد صنّاع القرار في القطاع العام بمعلومات تُساهم في تحسين جودة السياسات. وتستطيع الدولة، أيضًا، اختيار الجهات الخاصة، وتجعلها تتحمل جزءًا من المسؤولية عن السياسات وتقلّل من حدّة المعارضة في المستقبل. وأخيرًا، يؤدي إشراك القطاع الخاص إلى خفض تكاليف القطاع العام، والاستفادة من الموارد والخبرات الخاصة.
رياني /يناثلا نوناك ناك
ثمة وسائل عدة لإشراك القطاع الخاص في السياسات العامة، وهي معقّدة إلى حدٍ ما في بعض الحالات. وفي مرحلة صوغ السياسات، يستطيع عدد من اللجان الاستشارية تنظيم المدخلات المقدمة من الأطراف الاجتماعية، ويجري أيضًا إشراك مراكز بحوث مرتبطة غالبًا بالأحزاب السياسية وجماعات المصالح. وقد توجد أيضًا آليات تسمح للمواطنين العاديين بإبداء الرأي في التشريعات المقترحة في جلسات استماع مفتوحة وما شابهها. ولا شك في أن الاستفتاءات هي أبرز مثال على هذه الآليات21. وتساعد هذه الآليات كلها في تحسين السياسات، وفي تحسين الطبيعة الديمقراطية لإعداد السياسات أيضًا. إن دور القطاع الخاص في تنفيذ السياسات أهم من دوره في صوغها، إذ تنفذ جهات في القطاع الخاص، ربحية أم غير ربحية، الكثير من السياسات العامة، تشمل مجموعة واسعة من الخدمات، بدءًا بخدمات الحماية كالسجون الخاصة مثلً، وانتهاء بنسق متكامل من الخدمات الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم. كما تُستخدم الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتنفيذ السياسات العامة، وربما تصميمها أيضًا. وتُعد الدولة الحديثة مصمِّمًا ومموِّلً للخدمات العامة أكثر من كونها مزوّدًا مباشرًا لها22، ومن ثمّ، يتطلّب فهم السياسات فهمَ دور القطاع الخاص أيضًا. أحرزت دول عربية عدة، بينها الإمارات العربية المتحدة، تقدمًا في الشراكات بين القطاعين العام والخاص وتحسين مساهمة القطاع الخاص في توفير الخدمات العامة. وتؤدي الشركات الخاصة دورًا متزايدًا في توفير الخدمات الأمنية للجهات العامة، وحتى في تجنيد القوات العسكرية. وهنا أيضًا، تقدّم دولة الإمارات مثالً مثيرًا للاهتمام في هذا الصدد. وقد أثار هذا الاعتماد على القطاع الخاص علامات استفهام تتعلق بالمساءلة العامة وحقوق الإنسان. نال دور المتعاقدين من القطاع الخاص، بمن فيهم الخبراء الدوليون، حصّته من الدراسة في الدول التي استخدمت هذا الأسلوب. ومن الأمثلة اللافتة على هذا التطبيق برنامج إصلاح التعليم المبني على المدرسة School Based Management Reform, SBM في قطر، وهو مشروع تعاقدت عليه قطر مع مؤسسة راند RAND. وقد أثار هذا المشروع معارضة عامة غير مألوفة وانتقادًا صريحًا لسياسات التعليم الحكومية لأسباب متعددة، من بينها محدودية قدرات المدارس على تنفيذ الأساليب الجديدة، بما فيها تصميم مناهجها
دراسات السياسات العامة: الأسس الأكاديمية والأهمية العملية
ووسائلها التعليمية بمعزل عن الوزارة المركزية، إضافة إلى مخاوف الغزو الثقافي، وطمس الطابع الإسلامي والعربي للدولة. وبعد 13 عامًا 016-2004()2، عاد نظام المدارس الحكومية في قطر، تحت السيطرة المركزية، إلى وزارة التعليم والتعليم العالي. يفترض إعداد السياسات العامة وتنفيذها بوساطة القطاع الخاص، بطبيعة الحال، وجود قطاع خاص فاعل، بقدر ما يفترض وجود دولة فاعلة. وقد لا يصحّ كلا الافتراضين. ففي الكثير من المجتمعات النامية، يتّسم المجتمع المدني بالضعف وقلّة عدد المنظمات غير الربحية (ربما باستثناء المنظمات الدينية)، وهي المنظمات التي عادة ما تشارك بفاعلية في السياسات العامة في المجتمعات المتقدمة. كما يؤدي ضعف السوق وسوء تنظيمها إلى عدم فاعلية الكثير من وسائل تقديم الخدمات، ومن بينها الإسناد إلى الغير Out Contracting. وربما نصطدم بأوجه القصور هذه في دولة ضعيفة، يصعب فيها في الأصل وضع سياسات فاعلة.
5. دراسات السياسات يجب أن تكون دراسات مقارنة
تقتصر غالبية دراسات السياسات على بلد واحد وقضية واحدة، أو مجال سياسات واحد. وقد يكون هذا التوجه الضيّق لبحوث السياسات مناسبًا تمامًا لدراسات السياسات العامة العملية البحتة، في محاولة منها لتقديم أفضل الحلول للقضايا التي تواجه حكومة بعينها. لكن ذلك غير مرغوب فيه في المجال الأكاديمي للسياسات العامة، حيث يوفر العالم مختبرًا طبيعيًا للسياسات العامة، ومن خلال مقارنة تدخلات السياسات في بيئات مختلفة، ينفتح المجال أمام تعميق الفهم النظري لآليات أداء السياسات العامة. يجب ألّ تقتصر المقارنة على الأنظمة السياسية23؛ فالمقارنات بين مجالات السياسات مفيدة أيضًا لفهم العوامل المؤثرة في نجاح البرامج العامة أو فشلها. يؤكد غاري فريمان24 أن الاختلافات بين مجالات السياسات تكون غالبًا أشد أهمية من الاختلافات بين الأنظمة السياسية. فلنأخذ على سبيل المثال مجال الصحة الذي يهيمن عليه متخصصون مَهرة ويخدم جميع السكان، مقارنة بمجال الرعاية الاجتماعية التي يقدمها متخصصون أقل مهارة، ولا تخدم سوى الشرائح الضعيفة في المجتمع؛ ستختلف السياسة بالتأكيد، وأشكال الخدمة، أيضًا. إن استخدام أدلة مقارنة من أنظمة سياسية أخرى، وإلى حدٍ ما من مجالات سياسات أخرى، يكتسب أهمية خاصة، لأن "إعداد السياسات القائمة على الأدلة" أصبح طريقة شائعة لتصميم البرامج العامة25. ومع أننا نأمل ونتوقع أن تستند عمليات إعداد السياسات كلها إلى أدلة، فإن هذه العبارة بدأت تشير إلى محاولات أوسع لاستخدام أدلة مأخوذة من سياسات طُبّقت في ظروف أخرى كأدلة توجيهية لإعداد السياسات. ولا توجّه هذه الأدلة عملية إعداد السياسات على نحو أفضل فحسب، بل تصبح وسيلة لصنّاع السياسات، تؤكد صدقية تدخلّاتهم كونها سبق أن طُبّقت في تجارب أخرى. لكن تحليل السياسات المقارن ليس أمرًا سهلً، فقد يكون نجاح السياسات القائمة على الأدلة أشد صعوبة. ويتطلّب إجراء تحليل سياسات مقارن توافر أساس راسخ في دراسات السياسات وإلمامًا بالسياسة المقارنة و/ أو علم الاجتماع المقارن. ما العوامل التي يحتمل أن تؤثر في تبنّي أنماط معيّنة من السياسات في الأنظمة السياسية والاجتماعية المختلفة؟ وما مستوى نجاحها بعد تبنّيها؟ ثمة أمثلة عدة عن فشل محاولات نسخ السياسات وتطبيقها في بيئات مغايرة، لأن معظمها اعتمد على افتراضات خاطئة تعمِّم حوافز الأفراد ودوافعهم في ثقافات مختلفة26. يتيح تكريس هذا العدد الخاص للحديث عن السياسات العامة في الدول العربية، فرصة مهمة للتفكير في تعلّم السياسات ونقلها. وهذه الفرصة متاحة بين دول المنطقة العربية، وبين المنطقة العربية وباقي العالم، أيضًا. وتوجد أمثلة كثيرة على التعلم من تجارب السياسات في المنطقة. فها هي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تشترك في اتجاهات متماثلة للسياسات العامة بسبب نقل السياسات والتنافس الإقليمي. كما أن تحرير الاقتصاد ولامركزية التعليم مثالان مهمان يستحقان مزيدًا من الدراسة. وقد بدأت مصر مؤخرًا تمنح جائزة الأداء الحكومي المتميز بناءً على تجربة دولة الإمارات، وبدعم فني منها.
ينتشر التعلم والمشاركة، أيضًا، في تجارب الإصلاح القائمة على الممارسات الدولية على نطاق واسع. ويتضح من دراسة سفيان صحراوي في هذا العدد أن منطقة المغرب العربي تتأثر بأوروبا ومناطق أخرى. وقد اعتمدت استراتيجية إصلاح التعليم في مصر في عام 0172 على التعاون مع شركاء دوليين، مثل المملكة المتحدة والبنك الدولي، إضافة إلى خبراء استشاريين وشركات دولية، مثل شركة بيرسون Pearson. كما أن تجربة قطر في إصلاح التعليم على أسس الليبرالية الجديدة Neoliberalism الذي صممته في الأصل مؤسسة راند، وانتهى العمل به في عام 0162، استنادًا إلى نظام وزارة التعليم والتعليم العالي، يجب أن تلفت إلى أهمية دراسة الظروف المحلية وفهمها باعتبارها أساسًا مفترضًا لنجاح الإصلاح.
وبالنسبة إلى التجربة الأخيرة، من المهم للتحليل المقارن وضع تصوّر عن العناصر الأساسية للسياسات وإعداد السياسات في الدول العربية27، ثم محاولة معرفة كيفية مقارنتها بأفكار سياسات تبدو سائدة في دول أخرى. ويمكن البدء بدول غير عربية ذات غالبية مسلمة، مثل إندونيسيا وباكستان، قبل توسيع المقارنات لتشمل شريحة أوسع من الدول. ومرة أخرى، تستطيع هذه الدراسات المقارنة المساهمة في تطوير النظرية والتطبيق الخاصين بإعداد السياسات العامة وتطبيقها. باختصار، يواجه التعلم الفاعل للسياسات في الأنظمة السياسية تحديات عدة، ومع ذلك، فإن الاستثمار في تعلم إعداد السياسات
رياني /يناثلا نوناك ناك
من الأنظمة الأخرى ينطوي على فوائد محتملة عدة. وبدلً من اضطرار صنّاع السياسات إلى مواجهة كل تحدٍّ جديد للسياسات من نقطة الصفر، يستطيعون التعلم من تجارب الآخرين، شرط إتقان هذا التعلم. وفي الوقت نفسه، يستطيع الباحث الأكاديمي في دراسات السياسات تعميق معرفته بالأنماط السببية الموجودة، أو الترابطات على الأقل، وكيفية تحسين نظرياتنا وبرامجنا التحليلية بوساطة المقارنة.
6. دراسات السياسات يجب أن تكون استشرافية، على الأقل جزئيًا
يتوجّه مكوّن تحليل السياسات في دراسات السياسات العامة غالبًا نحو المستقبل، كما ذكرنا. ويتمثل جزء كبير من عمل محلل السياسات العامة في إسداء المشورة لصنّاع السياسات العامة بشأن السياسات المرجّح تمكّنها من حل المشكلة المطروحة. ولا يتحقق ذلك عن طريق التكهّن بالغيب، بل بتطبيق نماذج ومناهج العلوم الاجتماعية للتنبؤ بآثار التدخل. وينطوي هذا التنبؤ على مخاطر واضحة، لكنه ضروري إذا قُدّر للحكومات أن تتخذ قرارات مستنيرة. لكن حتى المناهج الأكاديمية للسياسات العامة، بدأت تفكّر جديًا في إدخال الاستشراف على دراسات السياسات. وأقول "بدأت"، على الرغم من وجود بعض الاهتمام السابق بتصميم السياسات في أبحاث السياسات من هذه الزاوية28. تركز الأدبيات السابقة، وفي الحقيقة معظم النقاشات المعاصرة بشأن تصميم السياسات، على أفضل السبل لربط أدوات السياسات بمشكلات السياسات29. وتأخذ هذه الأدبيات سمة تكنوقراطية إلى حدٍ ما، بافتراضها، ضمنًا أو صراحةً، إمكانَ إعداد معادلة قادرة على ربط الأدوات بالمشكلات وتزويد المصمم بحل واضح وفاعل للمشكلة. إلا أن بعض الأدبيات الحديثة لتصميم السياسات العامة، ابتعدت عن الأسلوب التكنوقراطي الذي يستخدم الهندسة نموذجًا في تصميم السياسات، كما يستخدم في تصميم المنتج. فالنموذج هنا مستمد من الفنون أكثر من الهندسة؛ فمثلً، يؤكد معظم التصميم التقليدي تضييق نطاق الاختيار إلى أن يتم اتخاذ قرار نهائي، لكن أدبيات التصميم الجديدة تدافع عن زيادة التركيز على توسيع
دراسات السياسات العامة: الأسس الأكاديمية والأهمية العملية
نطاق الخيارات المطروحة للدراسة30. وبالمثل، بدلً من التركيز على تحليل سياسات فردية، أو حتى على مجال سياسات معيّن، تحاول أدبيات التصميم الجديدة توسيع هذا التحليل وربط أي سياسات مصممة حديثًا بالسياسات ذات الصلة ومجالات السياسات المحيطة بها. إن الأسلوب الجديد لتصميم السياسات جذاب جدًا من الناحية الفكرية، لكن تنفيذه قد يكون صعبًا من الناحية السياسية. يريد القادة السياسيون إجابات عن مشكلاتهم ويحتاجون إليها، ويتوقّعون من محللي السياسات تقديم هذه الإجابات، وليس إضاعة الوقت بتوسيع الخيارات، بدلً من تضييقها. ويرغب صنّاع السياسات في الحصول على إجابات محددة عن أسئلة محددة، وليس على إجابات فضفاضة تغطّي التفاعلات بين مجموعة مجالات سياسات. وعلى الرغم من أن المنهجية الجديدة لتصميم السياسات تؤدي في النهاية إلى إجابات أفضل، فإنها قد لا تأتي في الوقت المناسب لصنّاع السياسات. سواء كان الأسلوب المتبع في تصميم السياسات قديمًا أم جديدًا، فإن التفكير في المستقبل متأصل لدى الباحثين في مجال السياسات. وعلى الرغم من أهمية فهم الديناميات السياسية لإعداد السياسات وفهم تاريخها، فإن تحليل السياسات يدور حول استشراف المستقبل. وحتى لو كان باحث السياسات يحاول فهم الماضي، يجب عليه التفكير في تعلّم ما يجعل السياسات المستقبلية أشد فاعلية، أو القيام بما يجعل عملية السياسات أشد فاعلية. ومجددًا، هناك ترابط وثيق، وينبغي له أن يوجد، بين الجوانب الأكاديمية والعملية لدراسات السياسات.
7. إعداد السياسات عملية لا تنتهي
يبدو أن كثيرًا من أدبيات السياسات العامة وممارساتها، يفترض أن صوغ كل سياسة يبدأ من "نقطة الصفر." وعلى الرغم من أن كل سياسة تكون مصممة لتلبية حاجات محددة في زمنها، وحتى لو كانت ناجحة آنذاك، فإنها تتطلّب مراجعةً وإصلاحًا، إذ إن معظم عمليات إعداد السياسات هي إعادة إنتاج للسياسات القائمة، بناءً على ظروف أو أولويات سياسية متغيرة أو أفكار جديدة. وتُعدّ إعادة إنتاج السياسات أسهل في بعض النواحي من إعداد سياسات جديدة تمامًا؛ فالقضية المعنية سبق أن قُبلت ووُضعت على جدول أعمال إعداد السياسات وباتت مفهومة عمومًا. لكن ثمة مصالح لبعض الجهات (عملاء وموظفون حكوميون) في استمرار السياسات الحالية، وينتابها شعور بالتهديد من محاولات التغيير. تحتل الطبيعة التجريبية للسياسات العامة مكانة مركزية في الطبيعة المستمرة لإعداد السياسات. وعلى الرغم من أن من الضروري سياسيًا اعتبار السياسات كما لو أنها الحل النهائي للمشكلة المطروحة، فإن صنّاع السياسات والمحللين يدركون أن الكثير من السياسات هو تجريبي في جوهره31. وفي بعض مجالات السياسات، مثل السياسات الاجتماعية وحتى تغير المناخ، تكون معرفة العلاقات السببية والتفاعلات المعقدة بين المتغيرات ضعيفة إلى درجة اعتماد صنّاع القرار على التجريب على نحو أساسي. ورغم أن تجاربهم قائمة على النيات الحسنة، وربما تستند إلى بعض الأدلة كما نأمل، لكنها تبقى تجارب. تُعدّ العملية المستمرة لإعداد السياسات وسيلةً للتعلم وصقل السياسات. وانطلاقًا من الطبيعة التجريبية المتأصلة في السياسات، يجب أن تكون عملية إعداد السياسات منفتحة تجاه التنقيح وإعادة الصوغ وبوتيرة أعلى مما يأمل صنّاع السياسات والمواطنون32. بيد أن الانفتاح على تنقيح السياسات وامتلاك القدرة على فعل ذلك يجب أن يقودا إلى نتائج أفضل للمواطنين. لكن السياسيين غالبًا ما يفضّ لون تحقيق مكاسب أكبر لحياتهم المهنية بالدعوة إلى تبنّي سياسات جديدة (مفترضة)، بدلً من المشاركة في العملية الشاقة لتحسين البرامج الحالية33.
8. دراسات السياسات مؤسسة معيارية
عند عرض فهرس التخصصات المرتبطة بدراسات السياسات العامة، نوّهتُ إلى أهمية الفلسفة والأخلاق. ومن الأهمية فهم الطبيعة المعيارية لدراسات السياسات العامة، وضرورة دمج المنطق الأخلاقي في أي تحليل للسياسات34. وقد قال آلان ميلتسنر35 ذات
مرة، إن محلل السياسات الذي لا يمتلك قيمًا خاصة، ولا يستخدمها عند العمل في قضايا السياسات، لأن المحلل الراشد يعي قيمه ويستخدمها في تقويم مقترحات السياسات. تدخل القيم دائمًا في صلب السياسات العامة، إذ تفيد بعض شرائح المجتمع وتفرض أعباء على أفراد آخرين، دافعي الضرائب عادة. ويمكننا القول إن اتخاذ قرار في السياسات الاجتماعية يعتمد على تقويم الحكومة مدى رفاهية المواطنين الأقل ثراءً، مقارنةً برفاهية المواطنين الأكثر ثراءًالذين يقع على عاتقهم دفع الضرائب لدعم البرامج36. ويعتمد اتخاذ قرار في السياسات الدفاعية، أيضًا، على قيم الأمن والسلامة، إضافة إلى القضايا الأساسية للحرب والسلم. ويُعدّ تحديد القضايا المعيارية أصعب بكثير من تحديد القيم الاقتصادية (التي تطغى على اعتبارات السياسات العامة إلى حدٍ بعيد)، لكنها ليست أقل واقعية منها. تدخل القيم في إعداد السياسات التي تحابي، في معظم الحالات، مجموعة قيم على حساب مجموعة أخرى. وعند دراسة أي سياسات مهمة، لا مفرَّ عمومًا من تصادم قيم الجهات المعنية. لنأخذ مثلً مجموعة من مراكز البحوث التي تغطّي المشهد في واشنطن وعواصم أخرى، فهذه المراكز تضم مدافعين عن برامج ذات قيم مختلفة جدًا في مجال السياسات العامة الواحد، وعن حلول مختلفة جدًا أيضًا للمشكلة المطروحة المبنية على هذه القيم. ومن غير المحتمل أن يوجد أي تحليل لتكاليف البرامج وفوائدها قادر على حل هذه الاختلافات، فهي اختلافات جوهرية مصدرها قيمي وليس تجريبيًا37. لعل الالتزام بحل المشكلات العامة أهم ميزة معيارية لدراسات السياسات. ومع أنها قد تكون تجربة أكاديمية مثيرة للاهتمام، فإن هدفها النهائي هو تحسين حياة المواطنين، في دولة واحدة أو في جميع أنحاء العالم. وتُستخدم أدوات التحليل لتقويم أفضل السبل لإجراء تلك التحسينات. لكن بغضّ النظر عن المناهج، تهدف دراسات السياسات العامة إلى القضاء على المشكلات التي تواجه المجتمعات، أو التخفيف منها على الأقل. وبهذا المعنى، فإن تحليل السياسات ليس عملية سياسية، على الرغم من أن خيار السياسات النهائي سياسي بامتياز.
رياني /يناثلا نوناك ناك
خاتمة ونتائج
حاولت الدراسة تقديم بعض سمات دراسات السياسات العامة الرئيسة، وتوضيح آلية إعداد بحوث السياسات وتطويرها، وهي تنطبق على الوطن العربي، وعلى أي مكان آخر أيضًا. وتستعير بحوث السياسات من التخصصات الأكاديمية الأخرى، وتُضيف ميزاتها الفريدة لتقديم مقاربة شاملة للمشكلات التي تواجه المجتمع. وتُعدّ دراسات السياسات، أيضًا، استعادية في محاولتها شرح النتائج، واستشرافية في محاولتها صوغ تلك النتائج. وهي مجال بحث معقد ومتعدد الأوجه، يتضمن عناصر تبدو متناقضة. يجب على الباحثين في السياسات العامة في الدول العربية أن يدركوا العلاقة بين دراسات السياسات والثقافة. ومن هنا تأتي ضرورة إعداد نماذج تحليل للسياسات العامة بأثر رجعي وآخر استشرافي، تستند إلى تحليل ظروف المنطقة. ويجب عليهم، أيضًا، فهم تنوّع التأثيرات وغناها الذي توفره مجموعة منوّعة من المساهمات النظرية في مجالات تحليل السياسات ودراسات السياسات، لا سيما العلوم السياسية والاقتصاد والأخلاق والإدارة والسياسات العامة والإحصاء. وفي هذا الصدد، من الضروري وضع الحدود بين مناهج التحليل العالمية والمناهج الخاصة بثقافة معيّنة. إن التعقيدات والتوترات الداخلية هي التي تمنح دراسات السياسات قوتها وديناميتها. ويعزّز التفاعل بين أكاديمي يركّز على النظرية والتحليل، ومحلل تطبيقي يركّز على "نجاح السياسات" كلا المنظورين. لكن جمعهما والتعاون بينهما أسهل قولً وأصعب عملً، لأن كلً منهما يقوم بتنميط الآخر في صفات مؤسفة إلى حدٍ ما، تؤدي إلى سباق هيمنة على هذا المجال. لكن الفرصة تبقى متاحة لتلاقح المنهجيات الأكاديمية والتطبيقية لبحوث السياسات. وعلى الرغم من تعدد فضائل دراسات السياسات، فإنها لن تقدم حلولً للمشكلات كلها التي تواجه المجتمعات الحالية، حيث يستطيع محللو السياسات تقديم المشورة إلى صنّاع القرار بشأن تكاليف السياسات وفوائدها، وربما إعداد بعضها أيضًا، لكن تحليل السياسات لن يجعل صنّاع القرار يتبنون الخيار الأفضل، حيث تؤثر عوامل أخرى متعددة: تفضيلات أيديولوجية وحزبية وشخصية، قد تفضي إلى اختيار سياسات أقل جاذبية. وكما قال آرون ويلدافسكي قبل عقود، تقتضي مهمة محللي السياسات واختصاص دراسات السياسات "قول الحقيقة للسلطة"، لكن السلطة ليست "آذانًا صاغية" بالضرورة38.
دراسات السياسات العامة: الأسس الأكاديمية والأهمية العملية
المراجع
Baert, Patrick. "Unintended Consequences: A Typology and Examples." International Sociology. vol. 6, no. 2 (1991). Bason, Christian. Design for Policy. London: Routledge, 2016. Batory, Agnes. Andrew Cartwright & Diane Stone. Trial and Error: Policy Experiments, Failures and Innovation in Central and Eastern Europe. Cheltenham: Edward Elgar, 2017. Birkland, Thomas A. An Introduction to the Policy Process. 4 th ed. New York: Routledge, 2015. Bobrow, Davis & John S. Dryzek. Policy Analysis by Design. Pittsburgh: University of Pittsburgh Press, 1987. Cairney, Paul. The Politics of Evidence Based Policy. Berlin: Springer, 2016. Calabrese, Guido & Philip Bobbitt. Tragic Choices. New York: W. W. Norton & Company, 1978. Campbell, Donald T. "Methods for the Experimenting Society." American Journal of Evaluation. vol. 12, no. 3
Candel, Jeroen & B. Guy Peters. "Why are there so many Wicked Problems: or are there?" Paper presented at the Netherlands Institute of Government Annual Work Conference. Maastricht University. Maastricht, Netherlands, 8/11/2017. Carter, Pam. "Policy as Palimpsest." Policy & Politics. vol. 40, no. 3 (2012). Freeman, Gary P. "National Styles and Policy Sectors: Explaining Structured Variation." Journal of Public Policy. vol. 5, no. 4 (1985). Geyer, Robert & Samir Rihani. Complexity and Public Policy: A New Approach to 21 st Century Politics, Policy and Society. New York: Routledge, 2010. Geyer, Robert & Paul Cairney (eds.). Handbook on Complexity and Public Policy. Cheltenham: Edward Elgar, 2015. Hills, John. Good Times, Bad Times: The Welfare Myth of Them and Us. Bristol: Policy Press, 2017. Hood, Christopher C. The Tools of Government. Chatham, NJ: Chatham House, 1984. Hoppe, Robertus. The Governance of Public Problems: Puzzling, Powering and Participation. Bristol: Policy Press, 2010. Howlett, Michael. Ishani Mukherjee & Woo Jun Jie. "From Tools to Toolkits in Policy Design Studies: The New Policy Design Orientation toward Policy Formulation Research." Policy & Politics. vol. 43, no. 2
John, Peter. "The Policy Agendas Project: A Review." Journal of European Public Policy. vol. 13, no. 7 (2006). Jones, Charles O. An Introduction to the Study of Public Policy. 3 rd ed. Monterey, CA: Brooks Cole Pub Co., 1984. Kirschen, Étienne Sadi. Economic Policy in our Time. vol. 1: General Theory. Amsterdam: North Holland, 1964. Lascoumes, Pierre & Patrick Le Gales. "Introduction: Understanding Public Policy through its Instruments: From the Nature of Instruments to the Sociology of Public Policy Instrumentation." Governance. vol. 20, no. 1 (2007). Levin, Kelly. et al. "Overcoming the Tragedy of Super Wicked Problems: Constraining our Future Selves to Ameliorate Global Climate Change." Policy Sciences. vol. 45. no. 2 (2012). Linder, Stephen H. & B. Guy Peters. "Instruments of Government: Perceptions and Contexts." Journal of Public Policy. vol. 9, no. 1 (1989). ________. "From Social Theory to Policy Design." Journal of Public Policy. vol. 4, no. 3 (1984).
McCain, Roger A. Game Theory and Public Policy. Cheltenham: Edward Elgar, 2009. Meltsner, Arnold. Policy Analysis in the Bureaucracy. Berkeley, CA: University of California Press, 1976. Pawson, Ray. Evidence-Based Policy: A Realist Perspective. London: Sage, 2006. Peters, B. Guy. American Public Policy: Promise and Performance. 11 th ed. Thousand Oaks, CA: Sage, 2018. ________. Policy Problems and Policy Design. Cheltenham: Edward Elgar, 2018. Peters, B. Guy & Jon Pierre (eds.). Handbook of Public Policy. London: Sage, 2007. Peters, B. Guy & John A. Hoornbeek. "Understanding Policy Problems: A Refinement of Past Work." Policy and Society. vol. 36, no. 3 (2017). Qvortrup, Matt. Referendums around the World. London: Macmillan, 2018. Rittel, Horst W. & Melvin M. Webber. "Dilemmas in a General Theory of Planning." Policy Sciences. vol. 4, no. 2
Salamon, Lester M. The Tools of Government: A Guide to the New Governance. New York: Oxford University Press, 2002. Samier, Eugenie. "Islamic Public Administration Tradition: Historical, Theoretical and Practical Dimensions." Administrative Culture. vol. 18, no. 1 (2017). Sieber, S. D. Fatal Remedies: Dilemmas of Social Intervention. New York: Plenum, 1980. Sunstein, Cass R. "The Value of Statistical Life: Some Clarifications and Puzzles." Journal of Benefit-Cost Analysis. vol. 4, no. 2 (2013). Van Egen, Nadine. et al. "Bringing History In: Policy Accumulation and General Policy Alienation." Public Management Review. vol. 18, no. 7 (2016).
رياني /يناثلا نوناك ناك
Wildavsky, Aaron. Speaking Truth to Power: The Art and Craft of Policy Analysis. New Brunswick, NJ: Transaction, 1987. Wright, James D. (ed.). International Encyclopedia of the Social and Behavioral Sciences. Oxford: Elsevier, 2015.