العلوم الاجتماعية وصنع السياسات في الوطن العربي: نحو منهجية لتجسير الهوة

إبراهيم المرشيد | Brahim Morchid

الملخّص

تتناول هذه الدراسة موضوع البعد المنهجي لظاهرة الفجوة بين الأبحاث الاجتماعية وصنع السياسات العامة في الوطن العربي. وتكشفت عن وجود عدة عوامل متشابكة ساهمت في هذا الوضع، أهمها: غياب الثقة بين الباحثين وصناع القرار، والتبعية المنهجية، وغياب ثقافة تقييم الأبحاث العلمية، وضعف الشجاعة الفكرية والأخلاقية لدى الباحثين، وضعف الإقبال على استعمال التعدد والتكامل في المقاربات، وغياب ثقافة تحرير النواتج الإعلامية المحددة الهدف. تخلص الدراسة إلى أن نجاح تعزيز التنسيق والتقارب بين مخرجات البحوث الاجتماعية وصنع السياسات العامة في الوطن العربي رهين بمدى احترام الحريات الأكاديمية فيه، فهي تشكل أحد أهم مقومات العملية البحثية وعوامل جذب الكفاءات، إضافة إلى إعطائها دورها الكامل في تطوير البحث العلمي الجاد والنافع. كلمات مفتاحية: صنع السياسات العامة، مناهج البحث، مراكز الأبحاث. This study addresses the methodological dimension of the gap between social research and public policymaking in the Arab region. It demonstrates several intertwined factors that contributed to this phenomenon, the most important of which are: lack of trust between researchers and decision makers, methodological dependency, the absence of a scientific culture that promotes research based evaluation, the lack of intellectual and moral courage among researchers and weak demand for the use of multifaceted holistic approaches. The study concludes that the success of enhancing coordination between social science research and policymaking in the Arab region depends on the extent to which academic freedoms are respected, considering this constitutes one of the most important elements of scientific research and competency. Academia must also be allowed to fulfill its role in developing serious and applicable scientific research. Keywords: Public Policymaking, Research Methods, Research Centers.

Social Science and Public Policymaking in the Arab Region: ­Towards Building a Methodology to Bridge the Gap

مقدّمة

يتفق معظم الخبراء والباحثين على دور العلوم الاجتماعية في الرقي بالأمم وتعزيز قدراتها المعرفية والإنتاجية. ويكون هذا الدور فعّالً، من خلال مدّ جسور التواصل والتعاون المثمرَين بين الباحثين الأكاديميين وصنّاع السياسات العامة. وعلى الرغم من الجهود المبذولة، فإنّ هذه الجسور تبقى هشة، بل منعدمة في بعض الأحيان. ففي حين تقلصت الهوة بين الأبحاث العلمية وصنع السياسات العامة وتنفيذها في ميدان العلوم الطبيعية، فإنّ عملية تفعيل العلوم الاجتماعية ما زالت متعثرة، خاصة في البلدان النامية. وقد نجم عن ذلك جدل واسع في الأوساط البحثية والسياسية، يركز أساسًا على مكامن الخلل، وجوانب تقصير مختلف الفاعلين المعنيين بالأمر. ويكتسي هذا الجدل أهمية خاصة في الوطن العربي، في ظل الأزمة البنيوية التي تتخبط فيها العلوم الاجتماعية، والتعارض المتزايد بين طموح الباحثين الأكاديميين وواقع ممارسة السياسات العامة. أضفت هذه الوضعية غير السليمة جوًا من انعدام الثقة، وتبادل الاتهامات بشأن الجهة المسؤولة عن فشل عملية نسج الروابط بين الأبحاث الاجتماعية وحقل السياسات العامة في الوطن العربي. وفي هذا الإطار، يلاحَظ أنّ كل طرف يحاول اتهام الطرف الآخر؛ فصُنّاع القرار يتهمون الباحثين بكونهم يعيشون في أبراج عاجية منفصلة عن الواقع، وهم يعتقدون أنّ أساس المشكلة يكمن في الطابع المعقّد للغة الأبحاث الاجتماعية ومخرجاتها، ومن ثمّ صعوبة تفعيلها. أما الباحثون الاجتماعيون، فيرون أنّ المشكلة تكمن أساسًا في سلوك صنّاع القرار، وراسمي السياسات العامة الذين تنقصهم الإرادة والقدرات الضرورية لترجمة نتائج الأبحاث إلى قرارات وتطبيقات ميدانية تخدم الاقتصاد والمجتمع، كما أنهم لا يُوفُون تلك الأبحاث حقّها، على الرغم من كونها تهتم بدراسة ظواهر بالغة الأهمية، كمًا ونوعًا. تعدّ دراسة هذه الإشكالية من مختلف الجوانب تمرينًا صعبًا؛ نظرًا إلى طابعها الثنائي (العرض والطلب)، وتشعّب المحددات المؤثرة فيها. وبدلً من القيام بدراسة شاملة تؤدي إلى نتائج غير دقيقة، ارتأت هذه الدراسة التركيز على محدد واحد، ألا وهو المحدد المنهجي، ومحاولة فهم مدى تأثيره في ضعف التلاحم بين الأبحاث في العلوم الاجتماعية وصنع السياسات العامة في الوطن العربي. إنّ مفهوم المنهجية، كما نتصوره في هذه الدراسة، له دلالة واسعة تتعدى الجانب التنظيمي والمنطق الشكلي البروتوكولي لهذا العمل البحثي، ليشمل منظومة من الأدوات والآليات والأساليب والخطوات التي تحكم الأسس التوجيهية العامة، تساعد على فهم العلاقة بين الباحثين في حقل العلوم الاجتماعية وصنّاع السياسات العامة. وعلى هذا الأساس، نحاول الإجابة عن سؤالين متكاملين، يتعلّق الأول بالأسباب التي أدّت إلى اتساع الهوة بين الأبحاث في مجال العلوم الاجتماعية، وصنع السياسات العامة في الوطن العربي، ومدى مسؤولية البعد المنهجي في ذلك؛ أمّا السؤال الثاني، فيتعلّق ب "الوصفات المنهجية" التي يمكن اعتمادها لجسر الهوة بين ما "تنتجه" الأبحاث في العلوم الاجتماعية وما "تستهلكه" صناعة السياسات العامة في الوطن العربي. اتبعت الدراسة منهج ثنائية الاتجاه، كما طوّره مايكل هيبرمان 1 1ومونيكا ثرولر، في عام 991؛ فهي تشخص مستوى الارتباط بين الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية وصنّاع السياسات العامة من جهة، وتحاول بناء إطار منهجي يساعد على فهم مختلف جوانب هذه العلاقة في أفق مأسستها وإثرائها من جهة أخرى. وتنقسم إلى ثلاثة محاور؛ يعرض المحور الأول الأدبيات السابقة، وذلك من خلال استحضار الأسس الموضوعية التي بُني عليها الإطار المفاهيمي وتحليلها، لاستخدام مخرجات الأبحاث بصفة عامة، والأبحاث الاجتماعية بصفة خاصة؛ أما المحور الثاني، فيقدّم الأسباب الرئيسة لاختلال الجانب العملي والتطبيقي للأبحاث الاجتماعية في الوطن العربي؛ ويناقش المحور الثالث كيفية تحويل الأبحاث الاجتماعية إلى أداة للتأثير في السياسات العامة. وأخيرًا، تعرض الخاتمة أهم نتائج البحث.

أولا: الإطار المفاهيمي لاستخدام مخرجات الأبحاث، الأطروحات الرئيسة

تعدّ العلاقة بين البحث العلمي والسياسات العامة من المواضيع التي تحظى بأهمية كبيرة في أوساط الباحثين. واستنادًا إلى الدراسات السابقة، يمكن التمييز بين نوعين من النماذج التوضيحية لاستخدام الجهات الفاعلة لمخرجات الأبحاث، بما في ذلك صنّاع السياسات العامة، وهما نماذج أحادية الاتجاه، ونماذج ثنائية الاتجاه.

1 - النماذج أحادية الاتجاه

تركّز هذه النماذج على الطبيعة الخطية للعلاقة بين منتجي الأبحاث ومستخدميها، على نحوٍ لا يحقق التفاعل بين العرض والطلب؛ حيث

يتم التحرّك وفق مسارين مختلفين، ينطلق الأول من العرض نحو المتلقي (نموذج البحث الأساسي الحر)، أما الثاني فيتجه من الطلب نحو المُنتِج (النموذج الموجه.)

نموذج البحث الأساسي الحر

يُعرف نموذج البحث الأساسي الحر بنموذج دفع العلوم Science Model Push، ويحاول الكشف عن الحقائق والنظريات والقوانين العلمية الجديدة التي يمكن أن تسهم في تنمية المعارف الإنسانية في مجال معيّن، من دون الاهتمام بتطبيقاتها على المدى القصير والنظر إلى أي غاية نفعية محددة. وبناءً عليه، فهو أقرب إلى العلوم الطبيعية منه إلى العلوم الاجتماعية. وترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنّ هذا النوع من الأبحاث غير موجه إلى طرف بعينه؛ إذ ليس له أي ارتباط مباشر بمتطلبات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو غير قابل للتسليع، وتُنشر نتائجه في مجلات متخصصة، مع مراعاة القيود المتعلقة بالمنافسة2، كما أنّ الباحثين أحرار في اختياراتهم وطرائق عملهم.

ويعود ظهور نموذج البحث الأساسي الحر أو الصافي إلى أوائل خمسينيات القرن الماضي، أي الفترة التي كانت فيها البلدان المتقدّمة متشبثة بالبحث الأساسي مصدرًا من مصادر النمو والازدهار. وقد كان لنشر تقرير فانيفار بوش Bush Vannevar في Science-The Endless Frontier العلم: الحدود اللانهائية مجلة أثر كبير في الخيارات الغربية في مجال السياسات البحثية؛ إذ دافع المؤلف عن فكرة بسيطة، مفادها أنّ الابتكار هو نتيجة للتقدّم الخطي للعلوم، ومن واجب الحكومات ضمان حرية البحث والتزام تمويله، فكلما زاد دعم هذا النوع من الأبحاث وإنتاجه، ازدهرت القطاعات الرئيسة للاقتصاد، وتحقق السلم الاجتماعي3. ويستند هذا النموذج ذو الطابع الأساسي التقليدي إلى ثلاثة مبادئ رئيسة، تتمثّل في استقلالية الأبحاث العلمية، وتقييم أهل الاختصاص تلك الأبحاث (مراجعة الأقران)، وترك مهمة القيام بالأبحاث العلمية للجامعات، بدلً من المراكز المختصة الأخرى4. كما أنه يولي آليات تحويل نتائج البحث للمستخدمين المحتملين (كل عرض بحثي يخلق طلبًا خاصًا به) أهمية كبيرة؛ إذ يتخذ استخدام البحث شكل تسلسل خطي أحادي الاتجاه، من الباحث إلى المستخدم. وعلى هذا الأساس، تكون نتائج البحث هي الأداة الرئيسة لتحسين أداء كل المنظمات؛ فحين يتوصل البحث إلى نتائج إيجابية، يساعد المستخدمين أو العملاء على تطوير أفكار ومنتجات جديدة على المدى الطويل؛ ما سيساهم إيجابيًا في إحداث دينامية تنموية على أكثر من صعيد. ويرى جوناثان لوماس، وهو أحد مؤيدي هذا النموذج، أنّ عرض الأبحاث يعتمد إلى حدّ بعيد على مجالات البحث وتخصصاته وطبيعة مخرجاته وسماتها5. وعلى الرغم من توافر العديد من الاستراتيجيات لتشجيع مخرجات الأبحاث وتيسير نقلها إلى المجتمع، فإنّ الأدلة على نجاعة هذه العملية وفاعليتها قليلة. وتم التعامل مع هذا النموذج بشيء من التحفظ يتعلق بإمكانية استخدامه في العلوم الاجتماعية، خاصة أنّ الأبحاث ذات الطابع الحر لا تكون قابلة للتطبيق بالشكل المطلوب وفي الوقت المناسب، على نحوٍ يستدعي تسخير مهارات إضافية لدى المستخدمين المحتملين، ليختاروا ما يفيدهم من المصادر العلمية المناسبة. ويتميّز هذا النموذج، أيضًا، بغياب التواصل المباشر بين منتجي الأبحاث والمستخدم، وإضفاء الطابع الفردي الأحادي على العملية

البحثية، حيث تُنقل المعرفة في اتجاه واحد، من دون أن يتمكن الطرف الآخر من القيام برد فعل سريع6.

النموذج الموجّه

يُطلق على النموذج الموجّه أيضًا اسم نموذج سحب الطلب Model Pull Demand، وطُوّر في أوائل سبعينيات القرن الماضي، حيث ارتفع الطلب على نتائج الأبحاث الإجرائية ارتفاعًا ملموسًا، على نحوٍ دفع العديد من الباحثين إلى التشكيك في مدى صدقية "نموذج دفع العلوم" وموضوعيته. إنّ توجيه البحث لم يعد مقتصرًا على عرض الباحثين، بل تجاوزه من خلال التركيز على الطلب المبني على احتياجات الاقتصاد والمجتمع، كما أنّ الباحثين ليست لهم الحرية المطلقة في تحديد أولويات أعمالهم وأهدافها. ويركّز هذا النموذج أساسًا على عملية اكتساب البحث أو حيازته؛ ما يستوجب وجود نوع من الارتباط بين الباحث والمتلقي (مستخدم نتائج البحث)، على شاكلة العلاقة بين العميل والمورّد، حيث يتصرّف الأول بوصفه مورّدًا يقدّم خدمة مقابل رسوم، أو عائدات تم التفاوض عليها مسبقًا، ويتصرّف الثاني مثل العميل الذي يحدد احتياجاته. وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار السوق محرّكًا رئيسًا لتطوير البحث العلمي؛ ذلك أنّ حاجات العملاء ورغباتهم هي التي تلهم الباحثين، ومن ثم فإنّ الطلب المتنامي على العلوم هو الكفيل بتحويل الأفكار الوليدة إلى منتجات بحثية وخلاصات واقعية قابلة للتنفيذ. ويرى هيبرمان وثرولر أنّ استخدام نتائج بحث معيّن يكون فاعلً، عندما يشعر العملاء أو المستخدمون بأنه يلبي احتياجاتهم، وأنهم في الوقت نفسه قادرون على إدراك قيمة هذه النتائج في سياقهم الخاص7. ومن هذا المنطلق، يمكن تحديد أطروحتين رئيستين، الأولى أطروحة استخدام الأبحاث بوصفها حصيلة أو منتجًا علميًا، أما الثانية فهي أطروحة استخدام الأبحاث بوصفها عملية إجرائية8. يزعم مؤيدو الأطروحة الأولى أنّ نتائج الأبحاث غالبًا ما ترتبط بقرار أو حدث معيّن يخصّ المستخدمين. وفي هذا السياق، يتسنّى التمييز بين ثلاثة استخدامات ممكنة، هي الاستخدام المفاهيمي، والاستخدام الآلي، والاستخدام الرمزي9. يشير الاستخدام المفاهيمي إلى الحالات التي ينتج فيها البحث أفكارًا ونظريات جديدة تؤدي إلى تفسيرات جديدة للقضايا والحقائق المحيطة بمسألة معيّنة تقدَّم لصنّاع القرار10. أما الاستخدام الآلي، فيتجلى في الحالات التي تكون فيها نتائج البحث سببًا مباشرًا لاتخاذ المستخدمين إجراءات عملية محددة. وأخيرًا، يتخذ الاستخدام الرمزي لنتائج البحث شكل دعم قرارات معدة سلفًا أو برامج قائمة بذاتها وتبريرها. وكلّما ازداد تركيز الباحثين على المشاريع ذات الأولوية بالنسبة إلى المجتمع، فغالبًا ما يزداد استخدام البحث، بوصفه منتجًا. وعلى هذا الأساس، يرى ماريو أورلاندي أنّ الأبحاث الفنية أكثر إفادة للمجتمع من الأبحاث ذات البعد المفاهيمي أو النظري11. وإضافة إلى ذلك، فإنّ مستوى تكوين المستخدمين، ومدى مشاركتهم في عملية صنع القرار، وكذا فضولهم المعرفي، كلها محددات تؤثر في قدرة هؤلاء على استخدام مخرجات الأبحاث12. وقد لخّص ديفيد غلوفر دور البحث العلمي داخل المجتمع في ثلاث مهمات رئيسة13، تتمثّل في وضع شروط النقاش حول القضايا السياسية والاجتماعية، وتحليل الحقائق الحالية والسابقة لاستخلاص الدروس التي تساعد على التأثير في محتوى السياسات العامة، وتقييم الحقائق والفرص عند ظهورها. أما مؤيدو الأطروحة الثانية (استخدام الأبحاث بوصفها عملية إجرائية)، فيرون أنّ استخدام الأبحاث يمكن اعتباره عملية تنطوي على مراحل تراكمية ومترابطة14. وفي هذا الإطار، يرى بيير وتريس أنّ هذه العملية معقدة، وتتضمن أربعة مكونات رئيسة،

هي المعرفة، والمشاعر، والاختيارات، والإجراءات15. وأكّد جوناثان لاموس أنّ تكثيف نشر الأبحاث يمرّ حتمًا عبر تحقيق تفاهم أفضل بين الباحثين ومستخدمي مخرجات الأبحاث. فهو يرى أن صنّاع القرار ينبغي لهم أن يدركوا أنّ البحث ليس حصيلة فحسب، بل هو عملية تستغرق وقتًا طويلً، وتمرّ عبر عدة مراحل، بدءًا بتحديد الإشكالية، وانتهاءً بنشر المخرجات16. يجب أن يُنظر إلى استخدام الأبحاث بوصفها استراتيجية لإحداث التغيير المطلوب. ومن هذا المنظور، اقترح جون لافيس وآخرون طريقة إرشادية لصياغة هذه الاستراتيجية، من خلال الأخذ في الاعتبار ما يجب استخدامه، ومن سيستخدمه، ولمصلحة من، وبأي طريقة، وبأي تأثير17. وفي الإطار نفسه، اقترحت ساندرا نوتلي وآخرون خطة من خمس مراحل لإنجاح عملية نقل نتائج الأبحاث إلى الجمهور المستهدف، هي النشر (تقديم نتائج الأبحاث إلى المستخدمين المحتملين)، والتفاعل (إنشاء روابط بين الباحث ومستخدمي البحث)، والتأثير الاجتماعي (إقناع المستخدمين بقيمة البحث)، والتيسير (توفير الدعم التقني والمالي والتنظيمي والعاطفي لتحسين استخدام البحث)، والحوافز (مكافأة جهود استخدام الأبحاث)18.

2. النماذج ثنائية الاتجاه

تركّز نماذج ثنائية الاتجاه على مبدأ التعلّم القائم على النسق التعاوني أو التفاعلي، خلال عملية إنتاج الأبحاث ونشرها. وهي تنطوي على الروابط المتبادلة بين الباحثين ومستخدمي مخرجات الأبحاث. ويمكن تقسيم هذه النماذج إلى نوعين، هما النموذج المؤسسي، والنموذج التفاعلي.

النموذج المؤسسي

يعتمد تصوّر النموذج المؤسسي Institutional Model على مأسسة العلاقة بين الباحثين والمستخدمين المحتملين لمخرجات الأبحاث. ويرى ريان لاندري وآخرون أنّ هذه العلاقة ينبغي لها أن تقوم على مبدأ التكامل من حيث الأولويات، ومعايير الاشتغال، والأسلوب المستخدم، وكذلك ثقافة العمل19. وهكذا، أصبح التركيز ينصبّ على نحو متوازٍ على العرض والطلب، أي على الجهود التي يبذلها الباحثون ومستخدمو مخرجات البحث على حدٍ سواء.

ويؤكد مؤيدو هذا النموذج أهمية التدابير المؤسسية بوصفها آلية محفزة لنشر مخرجات الأبحاث، وتكييفها مع الاحتياجات الحقيقية لصنّاع القرار، والمجتمع بصفة عامة20. فالمستخدمون الذين يشتغلون في سياقات تتميّز بكثافة آليات الربط بالباحثين وتنوعها هم الأشد قابلية واستعدادًا لتضييق فجوة الاختلافات والتمايزات التي تبرز بين الطرفين. كما أنّ المستخدمين ذوي العلاقات الوثيقة بالمؤسسات البحثية، والتفاعلات المتكررة والمنظّمة معها، مؤهلون أكثر من غيرهم للوصول إلى المعارف العلمية الجديدة، والاستفادة منها21. ويرى هيبرمان وثرولر أنّ استخدام مخرجات الأبحاث هو بمنزلة بنية ثقافية لها حركيتها الخاصة22؛ حيث يوجد الباحث في صلب هذه الحركية، ليس فقط على مستوى الإنتاج، ولكن على مستوى النشر وملاءمة الأبحاث أيضًا. وفي هذه الحالة، يكون الاستخدام الأمثل لمخرجات الأبحاث رهنًا بالجهد والوقت المخصصيْن لمراحل نشرها المختلفة، ومدى إمكانية وضع استراتيجية فاعلة وواقعية، لتحقيق التقارب بين دوائر البحث وأوساط المستخدمين. إنّ مخرجات الأبحاث هي بمنزلة رصيد استراتيجي بالنسبة إلى المستخدمين المحتملين، خاصة صنّاع السياسات العامة، فحتى وإن لم تتوافق هذه المخرجات مع وجهات نظرهم، فإنّ هناك فرصًا عديدة للاعتماد عليها، بحسب الأوضاع السياسية السائدة. فهُم غالبًا

ما يلجؤون إلى استخدام بعض الأبحاث وسيلةً لتقوية مواقفهم وتبريرها أمام خصومهم السياسيين، ومن ثم الوصول إلى قرارات تحظى بتأييد الرأي العام. ومن هذا المنطلق، نفهم أنّ مخرجات الأبحاث تُستخدم أداةً للمساومة السياسية بين مختلف الفاعلين المعنيين، من أحزاب، وجماعات مصلحة، ومنظمات أهلية. إضافة إلى ذلك، يسلّط النموذج المؤسسي الضوء على مختلف أشكال نشر مخرجات الأبحاث العلمية. وهكذا، صنّف أورلاندي أشكال النشر صنفين، هما النشر الفاعل، والنشر الخامل23. ويستند النوع الأول إلى مبدأ "دفع الأمور في الاتجاه الصحيح"، أي خلق تفاعلات إيجابية بين منتجي الأبحاث ومستخدميها، مع التركيز على تحسين فاعلية نقل المعرفة، من خلال إجراءات ملموسة، كالربط الشبكي، وتنظيم نشاطات مشتركة، والاعتماد على وسطاء المعرفة. أما النوع الثاني، فيقوم على مبدأ "ترك الأمور تأخذ مجراها الطبيعي"، أي نشر مخرجات الأبحاث في مجلات علمية مرموقة ومحكّمة، من دون تخطيط مسبق بشأن إمكانية إيصالها إلى المستخدمين المحتملين الذين تُفترض فيهم القدرة على تحديد المعلومات التي يحتاجون إليها في مجال عملهم وإدراكهم لها. وقد اعتمد إيان غراهام وآخرون على التصنيف نفسه، مع التأكيد على الطابع المباشر للنشر الفاعل، من خلال مشاركة المستخدمين المحتملين وانخراطهم في كل مراحل عملية إعداد الأبحاث وإصدار مخرجاتها. أما النشر الخامل، فيتخذ طابعًا غير مباشر، بحيث إنّ معظم الباحثين يلجؤون إلى استخدام قنوات النشر التقليدية، كالمجلات، والدوريات، وملاحق الصحف المتخصصة24.

النموذج التفاعلي

يرى العديد من الباحثين، أمثال كولن روبسون25 وبيتر رياسون وهيلاري برادبوري26، أنّ المتغيّرات التي حدّدتها النماذج ذات الطابع الخطي ضرورية، ولكنها ليست كافية لفهم استخدام الأبحاث فهمًا عميقًا ودقيقًا؛ فهي تتجاهل رد فعل مستخدمي الأبحاث تجاه ما يستقبلونه من مخرجات، وردّ الباحثين تجاه تعليقات المستخدمين وملاحظاتهم. وعلى هذا الأساس، تمّ اقتراح نموذجٍ أكثر واقعية، ذي طابع غير خطي، وهو نموذج التفاعل الاجتماعي Model Interaction Social، الذي يستند إلى فكرة مفادها أنّ نجاح استخدام مخرجات الأبحاث رهين بطبيعة التفاعلات التي تنشأ بين الباحثين والمستخدمين، سواءً بطريقة مباشرة أو من خلال وسطاء؛ إذ كلما انتعشت هذه التفاعلات، ازداد احتمال تسخير الأبحاث العلمية لخدمة المجتمع، مع الإشارة إلى أنّ الثقة تؤدي دورًا مهمًا في هذه العملية.

وعلى عكس النماذج السابقة، يولي النموذج التفاعلي الثقافة المشتركة والعلاقات المتبادلة بين الباحثين ومستخدمي مخرجات الأبحاث، في مختلف مراحل المشاريع البحثية (التصميم، والإنتاج، والنشر، والاستخدام، والتقييم) اهتمامًا بالغًا. كما أنه يهتم بالسلوك والتصرفات، وهذا طبيعي في العلاقات الاجتماعية التي تنشأ بين الأفراد والجماعات استجابة لنشاط أو رد فعل اجتماعي. ويعتبر أنطونيو غرامشي من أشد المدافعين عن هذه الفكرة، إذ ذهب إلى حدّ اقتراح تحالف بين الباحثين أو المثقفين والفاعلين الاجتماعيين. وقد ارتبط اسم غرامشي بمفهوم "المثقّف العضوي"؛ أي صاحب الكفاءة الفكرية العالية الذي يتحسس آلام المجتمع ويمكنه التأثير فيه، ذلك المفكّر الذي يعيش هموم الفقراء والطبقة العاملة والكادحين. فالمثقّف العضوي، بحسب غرامشي، "مرتبط بطبقة معيّنة، حيث يقوم بتنظيم وظيفتها الاقتصادية بهدف تحقيق قبول وإجماع الطبقات الأخرى، وذلك من خلال عمله في مختلف الهيئات الثقافية والإعلامية، كالمدارس والجامعات وأجهزة النشر وغيرها"27.

وخلافًا للمثقف التقليدي الذي يعيش في برجه العاجي، منفصلً عن هموم الناس، فإنّ المثقف العضوي ملتزم بأهداف الحركة الاجتماعية، ويعمل لأجلها، وهو لا يكتفي بوصف الأحداث ودراسة الظواهر وفقًا للقواعد العلمية المتعارف عليها، بل يُعبّر عن التجارب والمشاعر التي لا تستطيع الجماهير التعبير عنها بمفردها. ويمكن اعتبار البحث الإجرائي أو التدخلي Research Action مثالً جيدًا لفهم أطروحة الشراكة أو التحالف بين الباحثين ومستخدمي مخرجات الأبحاث داخل المجتمع. ويرى أصحاب هذه الفكرة أنّ العلاقة بين الفاعلين داخل الحقل المعرفي لا تقتصر على التعاون الفني حول إعداد الأبحاث واستخدامها، بل تتعداه لتشمل عملية التكييف، بهدف معالجة بعض الأحكام المسبقة. فحاجات المجتمع هي التي تدفع إلى إعادة بناء المفاهيم والتصوّرات التي يتم على أساسها النظر والتفكير28. وبدلً من تصوّر البحث مجالً منفصلً عن المجتمع، يدافع البحث الإجرائي عن نمط تفاعلي أشدّ التصاقًا بقضايا المجتمع، يكون فيه الباحث ممارسًا أيضًا، ويتم تقييمه على أساس معايير جديدة، مثل الملاءَمة والمرونة وقابلية نقل المعارف29. وقد عدّد ديفيد بارجال وآخرون للبحث الإجرائي ست خصائص تميّزه، هي التالية: التخطيط والمراقبة على نحو دوري من أجل تقييم النتائج؛ ورصد ردود أفعال مجموعات المصالح المعنيّة إزاء هذه النتائج؛ وتوثيق التعاون بين الدوائر العلمية والممارسين والعملاء من بداية العملية البحثية إلى نهايتها؛ وتطبيق المبادئ التي تحكم عملية صنع القرار الجماعي؛ ومراعاة الاختلافات في نظم القيم وهياكل النفوذ لدى الأطراف المشاركة في العملية البحثية؛ والاستخدام المتزامن للأبحاث الإجرائية لحل مشكلة معيّنة وتوليد معارف جديدة30. وفي السياق نفسه، استخدم بيير بورديو مفهوم "المثقف الجماعي"؛ أي ذلك الباحث الذي يمتد حضوره إلى قاعدة الممارسة الفعلية داخل المجتمع، مع الحفاظ على استقلاليته ومؤهلاته العلمية. ويساهم هذا الباحث في التغيير بتأديته ثلاث وظائف أساسية، تتمثّل في الاضطلاع بمهمة حيوية تشكّل قوة مضادة، والمشاركة في الحياة العامة لتوظيف كفاءته العلمية، والانخراط في الحركة الاجتماعية لمناهضة الإمبريالية الليبرالية31. وتقدّم نظرية التعلّم الاجتماعي حججًا إضافية، لدعم فكرة التحالف بين الباحثين ومستخدمي مخرجات الأبحاث. وهي تعتمد على مبدأ القوة السلوكية؛ أي احتمالية المشاركة في سلوك معيّن وفي ظروف معيّنة. فحين يكتشف العملاء وجود نتائج بحثية إيجابية ومرغوب فيها، بالنظر إلى سلوك الباحثين الذي يلاحظونه، تزداد احتمالية محاكاتهم وتبنّيهم هذا السلوك. وفي هذا الإطار، اقترح إتيان فينغر وآخرون مفهوم "مجتمع الممارسة" of Communuty Practice الذي يصفه بأنه مجموعة من الأشخاص أو المؤسسات الذين يتقاسمون الاهتمامات نفسها، ويتعلّمون كيفية التعامل السليم معها من خلال الروابط التي تجمعهم32. وبطبيعة الحال، فوجود مثل هذا الفضاء يتوقف على توافر عدة عوامل، منها وجود شبكة اتصال بين الأشخاص الذين يتشاركون مجال الاهتمام نفسه، والتزام الأعضاء القيام بالنشاطات المشتركة، وشفافية المعلومات، وتقاسم دليل الموارد والخبرات.

ثانيًا: مكانة البعد المنهجي في فهم الفجوة بين الأبحاث في العلوم الاجتماعية وصنع السياسات العامة في الوطن العربي

يتفق معظم المفكرين والمهتمين بالشأن البحثي في الوطن العربي على أنّ مستوى التنسيق والارتباط بين الباحثين العرب في حقل العلوم الاجتماعية وصنّاع السياسات العامة كان ولا يزال محدودًا. وهذا يدفعنا للتساؤل عن أسباب الخلل؛ أيرتبط بالباحثين، أم بالمستخدمين، أي صنّاع السياسات العامة، أم بالاثنين معًا؟ قبل استقراء ضعف الجانب العملي والتطبيقي للأبحاث الاجتماعية في علاقته بالجانب المنهجي، نرى أنه من الضروري عرض قراءة موجزة لمختلف تجليات هذا التشخيص.

مؤشرات الفجوة القائمة بين الأبحاث في العلوم الاجتماعية وصنع السياسات العامة في الوطن العربي

إنّ متتبع واقع البحث العلمي في الدول العربية، وبخاصة شقّه الاجتماعي، يستطيع أن يلمس مؤشرات أزمة عميقة، إن على مستوى الإنتاج والنشر، أو على مستوى الترويج والاستخدام العملي. وتدل عدة مؤشرات سلبية على عمق الأزمة، ولعل أبرزها انتهاج الأنظمة السياسية العربية "سياسة الإقصاء"، ومن بعدها "سياسة التجهيل"، إزاء العلوم الاجتماعية. فمنذ ستينيات القرن الماضي، تم تضييق الخناق على بعض مكونات هذه العلوم، خاصة الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع؛ لأنها كانت في نظر السلطات الحكومية رمزًا للإلحاد، وخطرًا محدقًا بالنظام السياسي القائم، من خلال نشر أفكار تمردية وثورية تخالف مبادئ المجتمع وقيمه.

صحيح أنّ الأمور تغيّرت تدريجيًا في الاتجاه الصحيح، وأُعيد إلى هذه التخصصات "المزعجة سياسيًا" نوع من الاعتبار، بعد أن استوعبت الحكومات العربية أهمية العلوم الاجتماعية في خلق الوعي والإرادة لدى أفراد المجتمع، وترشيد السياسات في ظل تنامي بعض الظواهر الاجتماعية السلبية، بما فيها ظاهرة الإرهاب. ولكنّ الأضرار كانت بالغة، وتجلّت أساسًا في ثلاثة مظاهر، أولها تدني الإنتاج البحثي المرتبط بالعلوم الاجتماعية، وثانيها تراجع مستوى التكوين العلمي، وثالثها تفكك الجماعة العلمية. إنّ إلغاء سياسة الإقصاء أعطى العلوم الاجتماعية في الوطن العربي نَفَسًا جديدًا، خاصة مع اتساع هامش الحريات، إلّ أنّ الأبحاث المنتَجة حديثًا في هذا المجال، على قلتها، لا تجد بالضرورة طريقها إلى التطبيق، ومن ثم تنوير السياسات العامة. ويُعزى ذلك أساسًا إلى السياسة الجديدة التي رسمتها جلّ الدول العربية تجاه العلوم الاجتماعية، والتي أطلق عليها المؤرخ الأميركي روبرت بروكتور 33اسم "سياسة التجهيل" Agnotology. إنّ الغرض الأساسي من هذه الخطوة هو خلق مسافة فاصلة بين صنّاع السياسات والمعرفة المنبثقة من العلوم الاجتماعية بفروعها المختلفة. وتُعدّ إثارة الشكوك في مخرجات الأبحاث ذات الصدقية العلمية أبرز استراتيجية مستخدمة لنشر ثقافة الجهل التي يتم إنتاجها وتوزيعها، بغرض خدمة أجندات سياسية معيّنة. وتلجأ بعض المنظمات الحكومية، أيضًا، إلى صناعة الحيرة، برعاية أبحاث علمية مزيفة تساهم في خلط الأوراق، وخلق جو من الارتباك والتضليل، في أوساط المؤسسات المعنية بصنع السياسات. وغالبًا ما يتم استغلال الإعلام العام للترويج لهذه الأطروحة، وتمرير الرسائل المرافقة لها. وأخيرًا، يلجأ بعض صنّاع القرار، خاصة البيروقراطيون، إلى التظاهر بصعوبة التعامل مع مخرجات الأبحاث ذريعةً لتبرير عدم استخدامها. ومن المعلوم أنّ السبب الرئيس يتمثّل في ضرورة تغليب طرف سياسي على آخر، أو إيجاد نوع من التوازن بين مقتضيات العمل وما يفرضه أصحاب المصالح من أنماط سلوكية. يضاف إلى ذلك أنّ اتساع نطاق البحث عن الريع Rent-seeking، في المجتمعات العربية، لا يساعد على إيجاد بيئة حاضنة لتطبيق توصيات الدراسات البحثية في المجالات الاجتماعية ومقترحاتها. فالمؤسسات العامة والإدارات المركزية والأقاليم التي يُفترض أن تضطلع بدور الراعي والكفيل لمخرجات الأبحاث لها طرائقها الخاصة في التعامل مع القضايا التي تواجهها، والتي غالبًا ما تتسم بالارتجال وتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. ففي ظل غياب أي صيغة إلزامية للأخذ بنتائج الأبحاث، تلجأ هذه المنظمات إلى تجاهل توصيات بعض الباحثين المحليين أو غض الطرف عنها، خوفًا من تكلفتها السياسية الباهظة، وفي المقابل، تحبّذ صنع سياسات عامة معتمدة على دراسات فضفاضة يعتريها كثير من الشوائب (غياب الأدلة والحجج العلمية)، أو على نماذج مستوردة من مجتمعات لا تتلاءَم ظروفها بالضرورة مع ظروف المجتمعات العربية. وعلى صعيد آخر، يبدو أنّ ضعف ممارسة الحرية الأكاديمية في معظم الدول العربية يمثّل عائقًا إضافيًا أمام تطبيق مخرجات الأبحاث الاجتماعية في رسم السياسات العامة. فمن المعروف أنّ هذه الحرية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتوجهات الأيديولوجية الرسمية للدولة، وبما أنّ مستوى الانفتاح الديمقراطي في بعض الدول

الجدول 1() الإنفاق العام على البحث العلمي في الوطن العربي (نسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي)

20152014201320122011
1.548030.512820.503090.483760.48745الدول العربية
2.697492.669342.653732.62784.268653أميركا الشمالية
2.059142.060342.026261.96125.189347شرق وجنوب شرق آسيا
1.695141.68981.674091.65268.1614124المعدل العالمي

العربية لا يزال مترددًا وخجولً، فإنّ محتوى الأبحاث الاجتماعية المنتَجة والمنشورة في هذه الدول لا يستجيب في كثير من الأحيان لمعايير الجودة والموضوعية المتعارف عليها دوليًا. ونعتقد في هذه الدراسة أنّ تقليص هامش الحرية الأكاديمية لا يساعد على التعمّق في فهم الظواهر الاجتماعية، ومن ثم بناء توصيات ذات صدقية علمية. وإضافة إلى الرقابة الرسمية المفروضة على نشر الأبحاث المزعجة سياسيًا وثقافيًا، تنتشر في أوساط الباحثين العرب ظاهرة الرقابة الذاتية المرتبطة بما يفرضه الباحث على نفسه من قيود وإكراهات بعدم الخوض في مواضيع معيّنة؛ خوفًا من العواقب المحتملة (مضايقات، طرد، ملاحقات، اعتقال... إلخ.) وفي هذه الظروف، نفهم أنّ الباحث العربي في مجال العلوم الاجتماعية لا يستطيع الاضطلاع بمسؤولياته البحثية في احترام تام لمبادئ الحرية الأكاديمية، كما حددتها الإعلانات الدولية ذات الصلة، كإعلان ليما بشأن الحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي لعام 9881، وإعلان كمبالا بشأن الحرية الفكرية والمسؤولية الاجتماعية لعام 990.1 فقد نصّ البند السادس من إعلان ليما على أنّ "جميع أعضاء المجتمع الأكاديمي الذين يضطلعون بمهام بحثية لهم الحق في إجراء بحوثهم دون أي تدخل، رهنًا بالمبادئ والمناهج العالمية للبحث المحدّد، كما أنّ لهم الحق أيضًا في إبلاغ نتائج بحوثهم في حرية إلى الآخرين ونشرها دون رقابة"34. وقد عملت بعض الحكومات العربية، وتحديدًا سلطات بعض الدول العربية، على نهج سياسة العصا (التخويف) والجزرة (التحفيز)، قصد "تدجين" الباحثين الاجتماعيين، وهي السياسة التي عرفت نجاحًا معتبرًا. فقد تنصّل عدد كبير من هؤلاء الباحثين من مسؤولياتهم المهنية والأخلاقية، بدخولهم في ركاب السلطة، والترويج لسياساتها غير المقنعة، وسلوكياتها غير اللائقة. إن من شأن زيادة الإنفاق الحكومي على الأبحاث الاجتماعية أن تساهم في زيادة الإنتاج وتنويعه وتحسين جودته، ومن ثم تعزيز فرص مدّ الجسور بين المؤسسات البحثية ومؤسسات رسم السياسات العامة في الوطن العربي، إلّ أنّ الحال يوحي بغير ذلك. وكما يبيّن الجدول)1(، لا يتعدى ما أنفقته الدول العربية على البحث العلمي بكل مكوناته، في عام 0152، نسبة 0.55 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 702. في المئة في أميركا الشمالية، مع العلم أنّ المعدل العالمي بلغ 691. في المئة خلال الفترة نفسها. وعلى الرغم من أنّ البيانات المتعلقة بتوزيع الإنفاق بحسب نوعية الأبحاث غير متاحة في أغلب الدول العربية، فإنها تشير إلى تهميش واضح للعلوم الاجتماعية؛ فسلطنة عُمان مثلً لا تخصص سوى 9.41 في المئة من حجم الإنفاق العام على البحث والتطوير للنهوض بالأبحاث في مجال العلوم الاجتماعية، بينما تنخفض هذه النسبة إلى أقل من 6 في المئة في العراق35.

  1. مؤسسات التعليم العالي لعام "1988، 019/4/192، شوهد في 020/2/4:2، في https:// bit.ly/380OYlW رياني /يناثلا نوناك ناك معهد اليونسكو للإحصاء، 35 قاعدة بيانات اليونسكو المتعلقة بالتعليم، 2018/6/14، في https://bit.ly/2H1fkIx: العلوم الاجتماعية وصنع السياسات في الوطن العربي: نحو منهجية لتجسير الهوة

لا تساعد محدودية الدعم الحكومي للبحث العلمي في مجال العلوم الاجتماعية على خلق قاعدة بحثية رصينة، ومن ثم الوصول إلى مخرجات تنافسية جاهزة للتسويق والاستخدام النهائي. فمن جهة أولى، يؤثر ضعف التمويل في الاستثمار في قواعد البيانات والدراسات الميدانية، والبرمجيات التي من دونها يصعب إنتاج بحوث علمية موجّهة نحو الاستهلاك. ومن جهة ثانية، يؤدي تدني الدعم المالي إلى التركيز على النشاطات البحثية السطحية وعديمة الفائدة، بدلً من النشاطات الابتكارية ذات الجانب العملي التطبيقي. ومن جهة ثالثة، وفي غياب الدعم المالي اللازم، يصعب على الباحثين الاجتماعيين التواصل مع مستخدمي مخرجات بحوثهم على النحو المطلوب (تكاليف الوساطة، تكاليف النشر، علاقات عامة... إلخ.) وفي النهاية، لا بد من الإشارة إلى ضعف الوساطة المعرفية في الوطن العربي، وخاصة المتعلّقة منها بالعلوم الاجتماعية. فعلى الرغم من احتضانها عددًا محترمًا من الباحثين، سواءً موظفين أم متعاقدين مستقلين، فإنّ وسائل الإعلام العربية لا تواكب الإنتاج العلمي في حقل العلوم الاجتماعية على الوجه المطلوب. ويتجلى هذا التقصير أساسًا في محدودية المساحة المخصصة للتعريف بمخرجات الأبحاث في مختلف الصحف والمجلات ذات الانتشار الواسع، وهو ما أكّده التقرير الأول الصادر عن المرصد العربي للعلوم الاجتماعية لعام 0152؛ فقد أشارت النتائج إلى أنّ نسبة حضور المواد العلمية، في عيّنة مختارة من المجلات والصحف العربية، خلال الفترة 014-20102، لم تتجاوز 02 في المئة و 5 في المئة، على التوالي36. إضافة إلى أنّ مشاركة الباحثين العرب في البرامج الإذاعية والتلفزيونية تعتريها بعض النواقص التي قد تُضعف الغاية المنشودة منها؛ صحيح أنّ عددًا كبيرًا من وسائل الإعلام يستضيف باحثين بهدف تنوير الرأي العام حول مواضيع اجتماعية معيّنة، وفي الوقت نفسه تسويق بعض مخرجات أبحاثهم لدى صنّاع السياسات العامة، إلّ أنّ هذا الحضور يتسم في كثير من الأحيان بالطابع السطحي الذي يتجلّى في بناء خطاب قائم على إعطاء وجهات نظر مسبقة ومرسلة، بدلً من خطاب قائم على الأدلة والحقائق.

بعض الأسباب المنهجية للاختلالات التي تعتري الجانب العملي والتطبيقي للأبحاث الاجتماعية في الوطن العربي

من المعروف أنّ جلّ المواضيع التي يتم تناولها في إطار العلوم الاجتماعية معقّد ومثير للجدل؛ ما يتطلب التزام الباحثين بمنهجية سليمة وبناء دقيق، في كل مراحل البحث العلمي، وهو ما لا تحترمه العديد من الإنتاجات العلمية العربية. واستنادًا إلى نتائج التقرير الأول، الصادر عن المرصد العربي للعلوم الاجتماعية في عام 0152، فإنّ نحو 50 في المئة من الدراسات المنشورة في الدوريات العلمية العربية لا تحتكم إلى أي إطار منهجي معلن37؛ ما يعني أنها مجرد كتابات إنشائية حول موضوع معيّن أو نظريات معيّنة، أو أنّ أصحابها يلجؤون إلى ما يمكن تسميته ب "الارتجالية العلمية"، أي عدم التقيّد بقواعد البحث العلمي وضوابطه داخل حقل العلوم الاجتماعية.

ويتطلب إنجاح العملية البحثية في العلوم الاجتماعية نوعًا من الجرأة والكفاءة والنزاهة. وإذا كانت هذه الشروط متوافرة عمومًا في العالم الغربي، فإنّ حالة الوطن العربي تبدو مقلقة؛ ليس فقط بسبب القيود السياسية والعراقيل الحكومية، كما شُرح آنفًا، ولكن أيضًا بسبب الضغوط التي يمارسها المجتمع نفسه على الباحثين قصد التزام بعض القواعد، وتجنّب الخوض العميق في المواضيع ذات الطبيعة الحساسة والمثيرة للجدل، مثل الدين والعِرق والإثنيات والفساد والمشكلات الحياتية. وهذا ما يدفع الكثير من الباحثين إلى "تقزيم" الإطار المنهجي المتّبع للوصول إلى نتائج لا تتعارض مع قيم مختلف شرائح المجتمع وتوقعاتها، ومن ثم تفادي ردود الأفعال الغاضبة أو العنيفة.

  1. محمد بامية، العلوم الاجتماعية في العالم العربي: أشكال الحضور، التقرير الأول
  2. (بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، 015)2، ص 71،.78 37 المرجع نفسه، ص.61

يتخذ هذا التقزيم عدة أشكال، أهمها انعدام الدقة والوضوح، من خلال استعمال مفاهيم فضفاضة وغامضة، مفتوحة على كل أنواع التفسيرات والاجتهادات، وكذلك الانغماس في الجانب النظري على حساب الدراسات الميدانية التي تعدّ ضرورية لفهم التحولّات الاجتماعية والمساهمة في الرقي بالمجال المعرفي. ويرى التقرير الثاني الصادر عن المجلس العربي للعلوم الاجتماعية في عام 0182، أن أكثر من نصف الدراسات المنشورة في المجلات العربية يطغى عليها الطابع النظري الصرف، أي إنها قراءة عامة لنظريات معيّنة، لا يتم تجريبها ميدانيًا أو مناقشتها اعتمادًا على معطيات مقتبسة من مصادر أخرى38. ويمكن تفسير هذه الظاهرة باستمرار وجود عقبات ذات طابع إداري وتمويلي، وربما أمني، تحول دون القيام بالدراسات الميدانية المطلوبة. وهناك توجّه عام نحو توظيف تقنيات بحثية غير مناسبة، من خلال الإسقاط المبالغ فيه لآليات البحث العلمي التجريبي على حقل العلوم الاجتماعية، من دون اعتبار لخصوصيته المحددة، والمتعلقة بالإنسان وبيئته الاجتماعية39. وتشكّل هذه النزعة العلموية Scientism نوعًا من المجازفة، خاصة أنها غالبًا ما تختزل العملية البحثية في مجموعة من الأرقام والقياسات. إنّ ترجيح البعد الكمي أو التكميمي على البعد الكيفي في دراسة الظواهر الاجتماعية من شأنه أن يُحدث خللً في المنهجية العلمية ذاتها، مع العلم أنّ التحليل الكيفي يؤدي دورًا محوريًا في فهم هذه الظواهر، من خلال خصائصه الجوهرية المتمثّلة في الشمولية، والصبغة الذاتية، والاعتماد على الاستقراء، والنظرة الأنثروبولوجية نحو العالم، وأيضًا من خلال ارتباطه بالبناء الاجتماعي للواقع، أي النظر في كيفية تطوّر الظواهر في سياقات اجتماعية مختلفة. ومن الأخطاء ذات الطابع المنهجي التي تُضعف جودة الأبحاث الاجتماعية، ومن ثم قدرتها العملية، عدم احترام القوانين الإحصائية كما هو متعارف عليها. فبعض الباحثين يلجؤون إلى استعمال بيانات ثانوية غير ملائمة أو مشكوك في صدقيتها. أما البعض الآخر، فيلجأ إلى جمع بيانات أولية عن طريق الاستقصاء، إلّ أنّ هذه العملية غالبًا ما تعتريها ثغرات ونقائص، أهمها الاعتماد على عينات محدودة وغير ممثلة لمجتمع الدراسة؛ على نحو يؤدي إلى استنتاجات غير قابلة للتعميم، ونتائج لا تتعدى مستوى الاستكشاف. ويكتفي كثير من الباحثين باستخدام أدوات إحصائية مبسّطة جدًا، كالرسوم البيانية، والنسب المئوية، والمتوسط الحسابي، والانحراف المعياري. وتبعًا لذلك، يطغى على بحوثهم الطابع الوصفي والسردي، الأمر الذي لا يسمح سوى باستنتاجات متواضعة حول الظواهر الاجتماعية المطروحة للبحث والتحليل، تتسم غالبًا بالتعقيد والتركيب. إضافة إلى ذلك، يعاني العديد من الباحثين العرب المنتمين إلى حقل العلوم الاجتماعية عزلة علمية؛ إذ يغلب على أعمالهم الطابع الفردي، والدوافع الشخصية (الإنتاج من أجل الترقية)، وهذا ما أكّده التقرير الأول للمرصد العربي للعلوم الاجتماعية الذي كشف أنّ نسبة الدراسات المنشورة في الدوريات العلمية العربية، والتي تم إعدادها في إطار أعمال مشتركة، لا تتعدى 6 في المئة40. ومن شأن هذه النسبة المتدنية التأثير سلبيًا في جودة البحوث المنجزة، ومن ثم إمكانية ترويجها وتسويقها. فمن المعروف أنّ جلّ المشكلات الاجتماعية المعقدة يتطلب التزامًا علميًا مشتركًا في إطار منظّم تتكفل به مراكز البحث العلمي، ويقتضي وعي جميع المتدخلين بأهمية إيجاد تكامل معرفي محترم بين مختلف التخصصات العلمية، مع ضرورة تقليص الحدود بينها. إنّ رأس المال المعرفي لتخصص علمي معيّن لم يعد يكفي وحده لمقاربة ظاهرة اجتماعية معيّنة. فإذا أخذنا ظاهرة الهجرة غير الشرعية مثلً، فإنّ فهمها في إطار سياق عالمي متغيّر يتطلب الاعتماد على تقاطع عدة تخصصات، كالعلوم الاقتصادية، والعلوم القانونية، والعلوم السياسية، وعلم الاجتماع، وعلم السكان (الديموغرافيا)، وعلم الإنسان (الأنثروبولوجيا)... إلخ. وعلى الرغم من أنّ بعض الأبحاث القليلة تحترم الضوابط الشكلية والموضوعية، فإنه غالبًا ما يصعب تسويقها، نظرًا إلى عدم تضمينها خلاصات عملية وتوصيات فاعلة مرتكزة على أدلة، خاصة أنّ اللغة المستخدمة في كتابتها تتسم بنوع من التعقيد والغموض، كما أنّ أصحابها لا يتقنون جميعهم تقنية إعداد أوراق السياسات Policy Briefs التي تُعتبر من القنوات الرئيسة لإيصال مخرجات الأبحاث إلى المستخدمين المحتملين، بمن فيهم صنّاع السياسات. ويمكن أن نضيف إلى ذلك ضعف، إن لم نقل انعدام، نشاطات الوساطة (سمسرة المعارف)، والتنسيق بين منتجي الأبحاث الاجتماعية وصنّاع السياسات العامة؛ فمن دون هذه المواكبة يصعب إيجاد التفاهمات والتوافقات الضرورية لتطوير الجانب العملي التطبيقي للأبحاث.

  1. عبد الله حمودي، 38 العلوم الاجتماعية في العالم العربي: مقاربة الإنتاجات الصادرة باللغة العربية 2016-2000()، التقرير الثاني (بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، 018)2، ص.103
  2. شكيب بن بديرة الطبلبي، 39 توسعة المرصاد: مدخل نقدي مختصر لمفاهيم الاقتصاد
  3. السياسي (تونس: دار المتوسط الجديد، 014)2، ص.43 رياني /يناثلا نوناك ناك 40 بامية، ص.64 العلوم الاجتماعية وصنع السياسات في الوطن العربي: نحو منهجية لتجسير الهوة

وعلى صعيد آخر، يعاني البحث الاجتماعي في الوطن العربي خلطًا بين النهج العلمي ومنطق التدخّل. إذ يقدّم كثير من الباحثين دراسات استشارية لفائدة بعض المصالح الحكومية والمؤسسات الخاصة، ويصنّفونها في خانة البحث العلمي؛ والواقع أنها ليست سوى خدمات تجارية ذات محتوى تقني محدّد ومُتفاوَض بشأنها بين الطرفين. وخلافًا للباحث الاجتماعي الذي يعمل، بجدّ ونكران ذات، على التحقق من ظاهرة اجتماعية معيّنة باتباع أساليب ومناهج علمية محددة، فإنّ الخبير الاستشاري مهووس بالمقابل المادي، ويسعى للوصول إلى حلول عملية وفورية لمشكلة ملحّة، وذات طابع خصوصي، بالاعتماد على التجربة والكفاءات المكتسبة في الميدان. وعلى هذا الأساس، يتضح أنّ الباحث يتبنّى مواقف أخلاقية، ويتمتع بنوع من الاستقلالية في ما يخصّ المواعيد والحرية في اختيار الموضوع وأساليب العمل. إنّ لهذا الخلط ما يبرّره في الواقع العربي، فالمشرفون على صنع السياسات غالبًا ما يقعون تحت ضغوط سياسية ومالية؛ ما يضطرهم، بذريعة الاستعجال، إلى التعامل مع الخبراء بدلً من الباحثين. وقد ساهم هذا الوضع في ظهور صنف جديد من الباحثين الاجتماعيين، أطلق عليه عالم الاجتماع الجزائري علي الكنز اسم "الباحثون الاستشاريون"41. لقد كان من الممكن تجاوز هذا الالتباس، عن طريق تشجيع الأبحاث الإجرائية التشاركية في مجال العلوم الاجتماعية؛ نظرًا إلى ارتباطها الوثيق بالمشكلات اليومية والمهنية داخل المؤسسات، إلّ أنّ واقع هذا النوع من الأبحاث في الوطن العربي ما زال هشًا، مقارنة بما هو عليه في الدول المتقدّمة، بل حتى في بعض الدول الناشئة كجنوب أفريقيا. ويمكن تفسير هذه الهشاشة بالبيئة العامة داخل المؤسسات العربية، التي تتسم بنوع من الجمود ومقاومة التغيير، خاصة أنّ الهدف الأسمى من تبنّي الأبحاث الإجرائية التشاركية هو إجراء التحقيقات العملية، ومواكبة مسلسل التغيير التنظيمي. وعلى صعيد آخر، تعاني العلوم الاجتماعية في الوطن العربي التبعية المنهجية للنموذج الغربي؛ فبذريعة الطابع الشمولي للعلوم الاجتماعية، يلجأ العديد من الباحثين إلى تحليل أحداث وظواهر اجتماعية اعتمادًا على مفاهيم ونظريات نشأت في مجتمعات ذات خصائص وبنى مختلفة عن المجتمعات العربية. ويشكّل هذا التقليد أو الاقتباس المنهجي نوعًا من المجازفة العلمية، خاصة أنه يفضي في كثير من الأحيان إلى الاستنتاجات نفسها التي خلصت إليها الدراسات الأصلية، مع العلم أنّ السياقين مختلفان ومتباعدان جذريًا. وهذا ما تطرّق إليه العديد من علماء الاجتماع العرب، وعلى رأسهم محمد عابد الجابري الذي يرى أنّ النخبة العصرية العربية لا تُشرّع للمجتمع العربي انطلاقًا من تحليل واقعه المعيش، بل باعتماد نتائج تحليل واقع آخر، ألا وهو الواقع الأوروبي. وكان من نتائج هذا السلوك، بحسب الباحث، أن برزت فجوة بين الفكر والواقع، بين النخبة والجماهير العربية42. وتعاني الأبحاث المنجزة في إطار العلوم الاجتماعية الانحياز التام لبعض الباحثين العرب في تمجيد فضل دور المستعمِر في البحث العلمي العربي، فهؤلاء لم يستطيعوا التخلص، ولو نسبيًا، من جلباب أساتذتهم، حيث واصلوا العمل على المنوال نفسه، وباستخدام الأساليب والتقنيات نفسها، لدراسة المواضيع نفسها. واللافت في الأمر أنّ هذا الجيل من الباحثين العرب ساهم هو الآخر في نقل رأس المال المعرفي والمنهجي نفسه إلى جيل جديد من الباحثين أنتجتهم، وما زالت تنتجهم، الجامعات في مختلف الدول العربية؛ فكان من نتائج هذا السلوك أن سقط معظم الأبحاث الاجتماعية العربية في نوع من الروتينية والعشوائية من حيث اختيار المواضيع وطرائق معالجتها. وأخيرًا، تعاني الأبحاث المنجزة في إطار العلوم الاجتماعية غياب ثقافة التقييم. صحيح أنّ معظم الدول العربية عملت على مأسسة تقييم البحث العلمي بصفة عامة، من خلال خلق هيئات متخصصة، إلّ أنّ الأمور لا تسير دائمًا في الاتجاه الصحيح، خاصة في مجال العلوم الاجتماعية. ويمكن اختزال النواقص التي تشوب منظومة التقييم في البيروقراطية، وغياب الصدقية، وعدم الانتظام، وضعف الحكامة (احترام المعايير، والتدابير، والمتابعة... إلخ)، وضعف الخبرة لدى المقيّمين. كما أنّ بعض الجوانب المنهجية، كصياغة الفرضيات، وبناء نموذج البحث، واختيار المنهج السليم، لا يحظى في الكثير من الأحيان بالأولوية والتدقيق اللازمين. ويبقى تقييم الأبحاث المرتبطة بالعلوم الاجتماعية في الوطن العربي فضفاضًا، على الأغلب، ويقوم على مبدأ "التقييم من أجل التقييم." كما أنّ الانتشار "الفوضوي" للمجلات الإلكترونية ساهم في تسويق "الركاكة العلمية" بجميع أشكالها، في ظلّ غياب تام للمراقبة والمساءلة الأكاديمية. وقد ساهم نظام الترقية الإدارية في وظائف الجامعة ومراكز البحث العلمي في تفشّي هذه الظاهرة المشينة، نظرًا

  1. محمد عابد الجابري، 42 وجهة نظر: نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر (بيروت: منشورات المركز الثقافي العربي، 992)1، ص.148 رياني /يناثلا نوناك ناك
  2. 41  Ali El Kenz, "Les sciences humaines et sociales dans les pays arabes de la Méditerranée," Insaniyat, no. 27 (2005), p. 23.

إلى اعتماده على المعايير الكمية (عدد النصوص التي تم نشرها)، بدلً من المعايير الكيفية (جودة الأبحاث، وسمعة المجلات العلمية.)

ثًالث ا: تحويل الأبحاث الاجتماعية إلى أداة للتأثير في السياسات العامة

وفقًا لما تمت مناقشته سابقًا، تواجه العلوم الاجتماعية في الوطن العربي تحديًا كبيرًا، يتمثّل في وجود عدة اختلالات تحول دون تقليص الفجوة بين مخرجات الأبحاث والسياسات العامة. وإضافة إلى الإجراءات الهيكلية (تطوير الإدارة، والزيادة في الإنفاق، وتنمية الموارد البشرية... إلخ)، يحتاج التغلّب على هذه الاختلالات إلى إجراءات منهجية محددة، تساعد على إرساء قواعد متينة لإنتاج أبحاث نافعة، وإيصال مخرجاتها إلى صنّاع السياسات العامة. ضرورة إعادة النظر في منهجية إعداد الأبحاث الاجتماعية في الوطن العربي وتسويقها أثار عمق الفجوة بين مخرجات الأبحاث الاجتماعية والسياسات العامة في الوطن العربي نقاشًا فكريًا وسياسيًا، داخل الأوساط المعنية من باحثين وسياسيين ومجتمع مدني. وعلى الرغم من الاختلاف في وجهات النظر حول الأسباب والمسؤوليات، فإنّ ثمة شبه إجماع على ضرورة تطوير المناهج المستعملة، سواء في إعداد الأبحاث أم وضعها رهن إشارة صنّاع القرار وراسمي السياسات العامة. إنّ أهم خطوة ينبغي القيام بها، في نظرنا، تتمثّل في تحرير العلوم الاجتماعية من التبعية المنهجية للآخر (الغرب)، ومن ثم العمل على بناء نموذج يأخذ في الاعتبار خصوصيات المجتمعات العربية، وذلك باستعمال الحسّ النقدي والمنطق العلمي. صحيح أنّ هذه العملية ليست سهلة، خاصة في حقل معرفي واسع ومعقد، وكذلك للمنحى الشمولي الذي ما فتئت تتخذه العلوم الاجتماعية في ظل العولمة، إلّ أنها ضرورية لتدارك الاختلالات المنهجية والتحليلية التي تشوب إعداد المشاريع البحثية. إننا نعتقد أنّ العلوم الاجتماعية لا يمكن فصلها عن البيئة التي تحتضن الأحداث والظواهر المنتجة لمواضيع الأبحاث، وهو ما يتطلب نوعًا من الشجاعة الفكرية والأخلاقية لدى الباحثين، خاصة في ظل التأثير السلبي المتزايد الذي تمثّله بعض الجماعات الضاغطة. إضافة إلى التخلّص من التبعية المنهجية للآخر، ينبغي التحرر قدر المستطاع من المعايير والقيم والاعتبارات الانفعالية؛ أي العمل على توجيه العلوم الاجتماعية نحو مزيد من الموضوعية. ولكي تتحقق هذه الغاية، على الباحث أن يتنصل من واقعه الذاتي (أيديولوجيا، وماضٍ، وثقافة، وقيم... إلخ)، وهو أمر في غاية الصعوبة، لأنه (أي الباحث) نفسه شريك في الأحداث والوقائع التي تُفرز مواضيعه البحثية. فالباحث كائن اجتماعي، ومن الطبيعي أن يتأثر ببيئته وبالأحداث التي مرّت عليه، لكن المهم أن يكون واعيًا بمخاطر مهمته، وأن يتجنب الأحكام المعيارية، حتى لا يقع في فخ العمل الوعظي أو التنظيري. ويُعدّ التصريح القبلي بالقيم والأحكام المعيارية التي يتبناها الباحث أحد الشروط الأساسية التي اقترحها ماكس فيبر لإعطاء الأبحاث الاجتماعية قسطًا محترمًا من الموضوعية. وتجدر الإشارة إلى أنّ الموضوعية لا تعني بالضرورة الحياد، أو الوقوف المتأرجح بين طرفين أو أكثر، بل الانحياز إلى الحقيقة، وفق منهج نقدي وعقلاني. فالحياد هو عدم القدرة على اتخاذ موقف سليم ومسؤول بسبب الخوف أو الضعف الناجميْن عن الانتماء إلى جماعة معيّنة أو حماية مصالح شخصية، وهو في هذه الحالة يُعدّ خيارًا للهروب من تحمّل المسؤولية، ومن ثم عملً غير أخلاقي. إنّ من واجب الباحث التحلي بالصدقية، وذلك من خلال عرض نتائج بحثه وتبريرها، ثم إبداء رأيه ومقارنة موقفه بمواقف الآخرين، قبل أن يرجّح الموقف الذي يراه مناسبًا. وبما أنّ الوقائع والظواهر الاجتماعية في الوطن العربي تتسم بالتعقيد الشديد وعدم الثبات، فإنه ينبغي تشجيع الباحثين وتوجيههم نحو تبنّي المقاربة التعددية أو المركّبة خلال عملية إنجاز الأبحاث. وهذه العملية يمكنها أن تأخذ شكلين متكاملين، هما التثليث المنهجي، والتكامل المنهجي. يشير الشكل الأول إلى استخدام عدة أدوات وطرائق في جمع البيانات وتحليل الموضوع، للتحقق من النتائج وتدعيم الخلاصات، وهو ينطوي أساسًا على فكرة التكامل بين الأسلوب الكمي والأسلوب الكيفي. وعلى الرغم من أنّ لكل أسلوب خصوصياته، فإنّ دمج الأسلوبين في إطار دراسة ظاهرة اجتماعية معيّنة أصبح ممكنًا، بل مستحبًا، خاصة في ظل تواضع مخرجات الأبحاث التي تعتمد على الأسلوب الواحد. وجاء التثليث المنهجي بعدة مزايا، أهمها التقليل من هامش الخطأ، من خلال تعدد أدوات جمع البيانات ومصادرها، ورسم صورة متعددة الأوجه لحقيقة الظاهرة موضوع الدراسة. وإضافة إلى ذلك، يساهم هذا الأسلوب في الرفع من جودة النتائج المتحصّل عليها وصدقيتها. أما التكامل المنهجي، فيُقصد به تلك القدرة على خلط أكبر عدد من التخصصات، سواء المشكّلة للعلوم الاجتماعية أم الخارجة عنها، للوصول إلى نتائج أكثر فاعلية وأكثر صدقية. وتوجد أربعة

مستويات لتفعيل هذا التكامل؛ يتمثل المستوى الأول في عبور التخصصات Crossdisciplinarity، وهو الأقل تعقيدًا والأقل أهمية، ويأخذ شكل تجاور وتقاطع بسيط بين مجموعة من التخصصات المنتمية إلى حقول معرفية مختلفة، وقد تكون متباعدة في أصلها كالرياضيات وعلم النفس، لبلوغ هدف مشترك. ويُنصح باعتماد هذا المستوى عندما يتطلب حل مشكلة معيّنة استعارة معلومات من تخصصات أو قطاعات معرفية أخرى، من دون المساس بالضوابط التي تحكمها في تخصصها الأصلي43. ويتجلّى المستوى الثاني في تعدد التخصصات Multidisciplinarity؛ أي مقاربة ظاهرة اجتماعية معيّنة من منظور حقول معرفية مختلفة في الآن نفسه، مع الميل إلى إغناء مستوى التداخل بينها، من خلال مواءمة المفاهيم المستعارة مع النسق المعرفي لموضوع الدراسة ضمن منهاج متكامل44. ومن خاصيات هذا المستوى أنّ كل باحث متخصص يحتفظ باستقلاليته ومفاهيمه الأصلية، فإذا أخذنا مثلً موضوع حوادث السير، فيمكن دراسته وفق رؤية يتقاطع فيها الاقتصاد مع العلوم الطبية، بما فيها علم النفس، وعلم الاجتماع، والعلوم القانونية، بل حتى العلوم الدينية والفلسفية. ومن شأن هذا التقاطع تعميق إدراكنا لهذه الظاهرة، وتشخيص عميق لأسبابها، وبلورة حلول جذرية لها. أما المستوى الثالث فيركّز على البينمنهجية Interdisciplinarity، أي خلق تعاون حقيقي بين مجموعة من الميادين المعرفية، من خلال استعمال طرائق اختصاص معيّن لتغذية اختصاص آخر. وهو ما يؤدي في الغالب إلى إثراء تخصصات موجودة، أو توليد تخصصات علمية جديدة تتناول مجالات بحثية تقع على هامش التخصصات العلمية الأصلية. فإذا أخذنا مثلً موضوع اللجوء البيئي، فهو فرع علمي جديد، حيث يلجأ الباحث الاجتماعي إلى استلهام بعض المفاهيم العلمية المرتبطة بتغيّر المناخ، ويربطها بأخرى مستوحاة من الجغرافيا السكانية والقانون الدولي. ومن شأن هذا التداخل أن يساهم في بلورة منتج علمي خاص بظاهرة اجتماعية بالغة التعقيد. وإذا كانت هذه المستويات الثلاثة الأولى غير غريبة عن الأبحاث الاجتماعية العربية، بفضل المبادرات والتجارب غير المؤسسية التي راكمتها بعض الفِرق البحثية النشيطة، فإنّ المستوى الرابع، والمتمثّل في "العبرمناهجية" Transdisciplinarity، يمثّل تحديًا كبيرًا بالنسبة إلى الباحثين العرب المهتمين بالمواضيع الاجتماعية المعقدة. إنّ هذه المقاربة لا تكتفي بخلق تقارب وتفاعلات بين الميادين المعرفية المختلفة، بل تتعداها لتضع هذه الارتباطات داخل منظومة عابرة للحدود الفاصلة بين المعارف45. ويبقى أهم هدف للعبرمناهجية هو فهم الظواهر التي تبدو متشعبة ومتناقضة، وذلك من خلال نقل الإشكالية إلى مستوى تدبير العلاقة بين الذات الباحثة وموضوع البحث العلمي.

إننا واعون بصعوبة تبنّي هذه المقاربة، وترجمتها على أرض الواقع. لكنّ الاهتمام بها، وتلقينها للباحثين الشباب في حقل العلوم الاجتماعية، من شأنهما خلق بيئة مواتية للدفع بالمناهج العلمية نحو آفاق واعدة. وعلى صعيد آخر، نعتقد أنه من الضروري ترسيخ ثقافة تقييم الأبحاث العلمية في الوطن العربي، في مختلف مراحلها؛ فمن دون تقييم صادق وفاعل لا يمكن تطوير الأبحاث، ومن دون أبحاث قيّمة لا يمكن إثارة اهتمام صنّاع السياسات العامة. وبهذا يمكن أن نؤكد أنّ التقييم أمر بديهي وجزء من المنظومة البحثية، إذ يساهم على نحو وثيق في الرفع من جودة الأبحاث وتثمين جهود الباحثين، والتحقق من مدى احترام الأبحاث للأدلة العلمية. هذه الممارسة ضرورية في مختلف مراحل البحث، ويجب أن تتمّ ضمن إطار من الضوابط، ليس بالاعتماد على المعايير الفنية والموضوعية فقط، بل أيضًا وخصوصًا على المعايير الأخلاقية (الأمانة في التوثيق، والسرية، والشجاعة الفكرية، واحترام الخصوصية، والصدق... إلخ) التي من دونها لا يرتقي العلم بالباحثين، ولا يمنحهم الاحترام الذي يليق بهم.

  1. Jean Piaget, "Intellectual Evolution from Adolescence to Adulthood," Human Development , vol. 15, no. 1 (1972), p. 8.
  2. Basarab Nicolescu, La transdisciplinarité: Manifeste (Monaco: Les éditions du Rocher, 1996), p. 28.
  3. Basarab Nicolescu, "Une nouvelle approche scientifique, culturelle et spirituelle: La transdisciplinarité,"  Passerelles , no. 7 (1993), p. 105.

ومن بين الجوانب التقنية والمنهجية التي يجب الاهتمام بها، والتي لا تكلّف إلّ القليل، تسهيل نقل مخرجات الأبحاث على نحو ودي يتقبله صنّاع السياسات العامة. لقد أظهرت التجارب السابقة أنّ أغلب الباحثين المهتمين بتسويق أبحاثهم يلجؤون إلى استعمال آليات سلبية، تقتصر على Passive Dissemination النشر باستخدام لغة أكاديمية محضة، من دون الإشارة إلى التأثيرات المحتملة لهذه الأبحاث. ولتجاوز هذه الوضعية، اقترح بواي تانج وتوم سانكلير خطة تتكون من خمس مراحل رئيسة، هي الالتزام (تحديد الأهداف والاستراتيجيات)، والمشاركة (إشراك المجموعات المستهدفة في إنتاج الأبحاث)، والنقل (إيصال نتائج الأبحاث إلى الجهات أو المجموعات المستهدفة)، والتنفيذ (تحفيز المجموعات المستهدفة إلى استخدام مخرجات الأبحاث)، والتقييم (إصدار حكم قيمي بشأن مخرجات الأبحاث)46. وفي الاتجاه نفسه، يرى إيل ميسترز وري كيرتينز أنّ عملية نقل مخرجات الأبحاث تمرّ عبر أربع مراحل، هي الوعي، والتبنّي، والتنفيذ، والمراقبة47. أما بول شولت وآخرون، فيرَون أنّ الإنتاج العلمي يتكوّن من أربع فئات متتالية: الإنتاج الأوّلي أو الآني، ويتمثّل في الأبحاث الأصلية (دراسات، كتب، تقارير... إلخ)؛ والإنتاج المتوسط، وهو عبارة عن منشورات تكييف الأبحاث (ترجمات، موجزات، توصيات، أدلة... إلخ)؛ والإنتاج ما قبل النهائي، ويتمثّل في الجزء المستعمل في صنع السياسات؛ وأخيرًا الإنتاج النهائي، أي تحويل نتائج الأبحاث إلى إجراءات عملية، بهدف تحقيق أكبر قدر من المنافع الاقتصادية والاجتماعية48. وفي الاتجاه نفسه، ثمّة حاجة ماسة إلى تشجيع عملية إنشاء نواتج إعلامية محددة الهدف، وهي آليات مصممة تحديدًا لتسويق مخرجات الأبحاث بأسلوب مبسّط، ومن ثم تقريبها من مستخدميها المحتملين. وتعدّ أوراق السياسات واحدة من القنوات التي ينبغي تطويرها وترسيخها في أوساط الباحثين الاجتماعيين، خاصة أنها مصممة لإبقاء المؤسسات الحكومية، ومراكز الفكر، ومنظمات المجتمع المدني، على اط عاا دائم على مخرجات الأبحاث والدراسات العلمية. إلى جانب أوراق السياسات، يمكن الاستعانة بآليات أخرى كالمراسلات الرسمية، Official Correspondance والقضايا الموجزة Issues in Brief التي تعطي إيضاحات مختصرة تشمل أمثلة لتأثيرات مخرجات الأبحاث في الحياة العامة، والأدلة والكتيبات Booklets and Guides ذات الطابع الإرشادي والتوجيهي، والرسائل الإخبارية Newsletters التي تسعى للحفاظ على تواصل منتظم مع راسمي السياسات العامة، وأخيرًا التنبيهات الإلكترونية E-Alerts التي يتم تصميمها لإبلاغ هؤلاء على عجل بمستجدات الأبحاث العلمية واستنتاجاتها. إنّ الغاية من تبنّي هذه الآليات، واستخدامها في مجال العلوم الاجتماعية، لا تقتصر على تبسيط اللغة العلمية، بل تتعدّاه لتشمل الدور البيداغوجي والإرشادي، والحفاظ، أيضًا، على قنوات الاتصال مفتوحة باستمرار بين منتجي الأبحاث ومستخدميها. وبطبيعة الحال، يقتضي هذا الإجراء القيام بدورات تكوينية لفائدة الباحثين حول طريقة إعداد نواتج الاتصال المحددة الهدف من حيث المضمون والشكل واللغة، وكذا تعزيز القدرات التواصلية. وفي سياق آخر، ينبغي تطوير ثقافة الأبحاث التشاركية المندمجة التي تنجزها فرق متكاملة من الباحثين الاجتماعيين وصنّاع السياسات العامة خاصة والعمل على تشجيعها. وغالبًا ما تكون مخرجات هذا النوع من الأبحاث ذات صدقية ومعدة لإحداث التغيير. وعلى غرار ما هو معمول به في الدول المتقدّمة، يمكن اقتراح مجموعة من الآليات النظامية في أفق الجمع بين منتجي الأبحاث الاجتماعية ومستخدميها في مجال صنع السياسات العامة. وتعدّ مراكز الأبحاث حول السياسات العامة Think Tanks واحدة من هذه الآليات، وتتخذ في الغالب شكل معاهد غير ربحية وغير حزبية، يتركّز اهتمامها على القيام بأبحاث مشتركة، بهدف التأثير في الرأي العام، وتقديم المشورة لأصحاب القرار. وكما أكّد ديان ستون، فإنّ أعضاء هذه المجموعات يعملون على جعل النظريات الأكاديمية والمنظورات العلمية أشد أهمية من الناحية السياسية49. وتعدّ حاضنات السياسات العامة Public Policy Incubators من الآليات المهمة التي يمكن تسخيرها لمصلحة العمل المشترك في مجال العلوم الاجتماعية. صحيح أنّ الحاضنات موجّهة أصلً إلى تطوير منشآت الأعمال ورعايتها وتمكينها من الاستمرار خلال

  1. Puay Tang & Tom Sinclair, "Exploitation Practice in Social Science," Science and Public Policy , vol. 28, no. 2 (2001), pp. 131-137.
  2. Ilse Mesters & Ree Meertens, "Monitoring the Dissemination of an Educational Protocol on Pediatric Asthma in Family Practice: A Test of Associations between Dissemination Variables," Health Education & Behavior , vol. 26, no. 1 (1999), pp. 103-120.
  3. Paul Schulte et al, "Information Dissemination and Use: Critical
  4. Components in Occupational Safety and Health," American Journal of Industrial Medicine, vol. 44, no. 5 (2003), pp. 515-531. رياني /يناثلا نوناك ناك 49  Diane Stone, "Think Tank Transnationalisation and Non-Profit Analysis, Advice and Advocacy," Global Society , vol. 14, no. 2 (2000), p. 154. العلوم الاجتماعية وصنع السياسات في الوطن العربي: نحو منهجية لتجسير الهوة

فترة الإنشاء الحرجة، إلّ أنه ومع نجاح التجربة أصبح من الممكن تعميم الفكرة وتطبيقها في مجال إرشاد السياسات العامة وتوجيهها. وتعمل هذه الهياكل على توفير خدمات بحثية متكاملة في مجال العلوم الاجتماعية، من آليات المساندة الفنية والمادية والاستشارية والتنظيمية، تحت سقف واحد، كما أنها توفر الجو المناسب للعمل المشترك بين مختلف الفاعلين (الباحثون، وصنّاع القرار، والوسطاء... إلخ.)

إنّ حاضنات السياسات العامة هي بمنزلة مختبرات للابتكار، خاصة بصياغة المشاريع البحثية وإعدادها وتفعيلها في المجالات ذات الصلة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ومن شأن تبنّيها والإشعار بأهميتها المساهمة في تطوير الأبحاث الاجتماعية، وجعلها أكثر فاعلية وأشدّ جاذبية بالنسبة إلى صنّاع القرار والساهرين على صياغة السياسات العامة. وفضلً عمّا سبق ذكره، فإنّ دمج بعض صنّاع القرار في فرق أو مراكز البحث النشيطة، داخل المؤسسات الجامعية المهتمة بالعلوم الاجتماعية، يمكن أن يساعد على خلق الظروف الملائمة لتعزيز الأبحاث التعاونية Research Cooperative ذات المنحى العملي. ويتجلّى ذلك أساسًا في تقريب وجهات النظر بين مختلف مكونات الهيئات البحثية الموسعة، والمساعدة على تحديد الأولويات وإعداد برامج بحثية تتماشى مع الاحتياجات المعبّر عنها. وهذه العملية غير المكلفة ماديًا محبذة لإسباغ نوع من الشرعية والغطاء السياسي على مخرجات الأبحاث.

نحو بناء إطار منهجي يساعد الأبحاث الاجتماعية على التأثير في صنع السياسات العامة

إنّ الهدف الأسمى من إنتاج الأبحاث، كيفما كان نوعها، هو تحقيق التطوّر والرفاه لأفراد المجتمع، ويمرّ ذلك حتمًا عبر التأثير في السياسات العامة التي تُعتبر إحدى أهم الآليات التي تعتمدها الدولة لتحقيق أهداف التنمية والعدالة الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، يبدو من الضروري تحديد وضبط العناصر المؤثرة في استخدام راسمي السياسات العامة لمخرجات الأبحاث. وقد استأنست الدراسة ببرنامج الأبحاث والسياسات في مجال التنمية الذي صممه معهد التنمية البريطاني لما وراء البحار ODI Development Institute, Overseas لوضع إطار منهجي يساعد على إدراك الدور الذي يمكن أن تؤديه الأبحاث الاجتماعية في التأثير في السياسات العامة، آخذين في الاعتبار خصوصية هذا النوع من الأبحاث. ويشمل هذا الإطار ثلاثة عناصر أساسية اعتمدتها معظم الدراسات السابقة، هي السياق، والأدلة، والروابط50. ثم أضفنا إليها عنصرًا بالغ الأهمية في مجال العلوم الاجتماعية، ألا وهو عنصر الأخلاق. ويمكن ضم كل هذه العناصر، قصد بناء مصفوفة لتحليل العلاقة بين الفضاءَين المذكورَين وتوجيهها، أي الأبحاث الاجتماعية والسياسات العامة. وبهدف إبراز أهمية كل عنصر على حدة في المساعدة على ردم الهوة القائمة بين الأوساط البحثية في حقل العلوم الاجتماعية وصنّاع السياسات، فإنّ الباحثين مدعوون إلى الانخراط في عملية تقييم وتتبع تقوم على ثلاث ركائز أساسية، تتمثّل في المعارف (ما الذي ينبغي معرفته؟)، والتدابير أو المهمات (ما الذي ينبغي فعله؟)، والوسائل (كيف يمكن فعله؟.) في ما يتعلق بالعنصر الأول، أي السياق، وكما أُشير إلى ذلك سابقًا، يلاحَظ أنّ الظروف السياسية السائدة لها تأثير واضح في طبيعة العلاقات بين منتجي الأبحاث الاجتماعية وصنّاع السياسات العامة ومستواها. فكلما كانت هذه الظروف مواتية (استقرار، وحرية، وديمقراطية، وانفتاح... إلخ)، ويطبعها التفاهم والاحترام، توطدت العلاقة بين هذين الفاعلَيْن، وازداد احتمال استخدام مخرجات الأبحاث.

  1. Julius Court & John Young, "Bridging Research and Policy: Insights from 50 Case Studies," Overseas Development Institute, Working Paper 213 ما الذي ينبغي معرفته؟ ما الذي ينبغي فعله؟ طبيعة القوى الفاعلة في صنع السياسات. التعرّف إلى صنّاع السياسات. طبيعة الأفكار التي يبحث عنها التعرّف إلى أجندات صنّاع صنّاع السياسات. السياسات والتزاماتهم. خصائص عملية صنع السياسة. تحديد المؤيدين والمعارضين. موقف صنّاع السياسات من الباحثين. الاستعداد لاغتنام الفرص المتاحة. الفرص المتاحة لتزويد صُنّاع البحث عن استغلال الفرص غير المتوقعة. السياسات بالإسهامات. التوقيت المناسب لتزويد صنّاع السياسات بالإسهامات. المصدر: من إعداد الباحث، استئناسًا ب Daniel Start & Ingie Hovland, “Tools for Policy Impact: A Handbook for Researchers,” Overseas Development: Institute, Research and Policy in Development, RAPID, October 2004, p. 21, accessed on 10/2/2020, at: https://bit.ly/2OHn2fa ما الذي ينبغي معرفته؟ ما الذي ينبغي فعله؟ أهم الخطابات السائدة. العمل على تعزيز الصدقية على المدى الطويل. أهم النظريات السائدة. العمل على كسب المشروعية. مدى تباين الأدلة الجديدة. اختيار الأسلوب والأدوات المناسبين. نوع الأدلة التي تقنع صنّاع السياسات. البحث عن حجج مقنعة. بناء الحجج في ضوء النظريات السائدة. المصدر:.Ibid رياني /يناثلا نوناك ناك كيف يمكن فعله؟ التعاون مع المؤيدين من صنّاع السياسات. مواجهة المعارضين بالأدلة والحجج. تجنب الخوض المتسرّع في المسائل الأكثر حساسية. مواكبة محطات صنع السياسات. تخصيص الموارد والوقت اللازمين للتقرّب من صنّاع السياسات. كيف يمكن فعله؟ اعتماد مقاربات تشاركية لاكتساب المشروعية. اعتماد لغة مبسطة ومفهومة. اعتماد أبحاث إجرائية. اعتماد مقارنة مرجعية. اعتماد أبحاث ذات قيمة عملية.

الجدول)2(تأثير السياق في عملية تجسير الهوة بين الأبحاث الاجتماعية وصنع السياسات العامة

ويقدّم الجدول)2(أمثلة للأجوبة التي ينبغي للباحث استحضارها لأخذ فكرة واضحة عن كيفية تأثير السياق في عملية تجسير الهوة بين الأبحاث الاجتماعية وصنع السياسات العامة. أما الأدلة، فالواضح أنّ مساهمتها في فهم الدور الذي يمكن أن تؤديه الأبحاث الاجتماعية، من حيث التأثير في السياسات العامة، مهمة وضرورية؛ لأنّ قبول فكرة معيّنة أو رفضها لا يعتمد على مجرد

الجدول)3(تأثير الأدلة في عملية تجسير الهوة بين الأبحاث الاجتماعية وصنع السياسات العامة

وجهات نظر أو انطباعات شخصية، بل على بينات وبراهين فكرية أو مادية قوية. إنّ تجاهل هذا العنصر أو تهميشه من شأنه أن يؤثر سلبيًا في مخرجات الأبحاث، وصدقية أصحابها، ومن ثم في اهتمام مستخدميها المحتملين. فالأدلة هي بمنزلة القلب النابض لأي بحث علمي ناجح، والمرآة الحقيقية لتسويق نتائجه. ويقدّم الجدول)3(لائحة غير حصرية للأجوبة التي ينبغي للباحث التقيّد بها لتكوين فكرة واضحة عن الأدلة.

وتشكّل الروابط حلقة وصل بين مختلف مكونات المنظومة؛ إذ غالبًا ما يتم ربط الأبحاث بالسياسات عند نقطة التقاء الهياكل السياسية القائمة بأصحاب المصالح من جماعات وأفراد فاعلين في الحقلين المعرفي والسياسي. ويمكن تجسيد هذه العملية التواصلية على أرض الواقع من خلال خلق مجموعات عمل تنشط في مجال السياسات، وإقامة شبكات واسعة من الشراكات بين الباحثين وصنّاع السياسات الذين يتقاسمون الأفكار نفسها. ويبيّن الجدول 4() بعض الأجوبة الممكنة عن الأسئلة المتعلقة بهذا العنصر، أي الروابط.

الجدول)4(تأثير الروابط في عملية تجسير الهوة بين الأبحاث الاجتماعية وصنع السياسات العامة

وعلى الرغم من أنّ هذه العناصر الثلاثة متكاملة ومتفاعلة، وفق منظور شمولي، فإنها لن تكون مجدية لفهم عملية تجسير الهوة بين الأبحاث الاجتماعية وصنع السياسات العامة، ما لم يتم ربطها بالأخلاق؛ فلا معنى للأبحاث من دون أخلاق. إنّ الضوابط الأخلاقية أصبحت ضرورية في كل مراحل العملية البحثية، ابتداءً من مرحلة التخطيط، وانتهاءً بمرحلة استخدام المخرجات والتقييم؛ فهي تعزّز أهداف البحث من خلال التقليل من هامش الخطأ، وتمنحه مزيدًا من الشرعية، كما تساعد على الرفع من الدعم الشعبي للباحثين، ومن ثم تقوية صدقية أبحاثهم. ويقدّم الجدول 5() بعض الأجوبة

الجدول)5(تأثير الأخلاق في عملية تجسير الهوة بين الأبحاث الاجتماعية وصنع السياسات العامة

المستفيضة التي ينبغي للباحث تقديمها لفهم واستيعاب مكانة الأخلاق في عملية بناء الثقة بينه وبين صنّاع السياسات العامة. إنّ هذه العناصر جميعها متشعبة، وتتكامل لتشكّل منظومة يمكن توظيفها لتتبع الباحثين في حقل العلوم الاجتماعية وتقييم مدى نجاحهم (أو فشلهم) في ردم الهوة التي تفصلهم عن صنّاع السياسات العامة. وعلى هذا الأساس، يمكن الاسترشاد بها لتوجيه الباحثين نحو اعتماد طرائق ذكية لإنتاج أبحاث تلبي احتياجات الاقتصاد والمجتمع. وبالرجوع إلى الواقع العربي، وفي غياب دراسة إمبريقية ذات صدقية، يصعب التحقق من مدى التزام الباحثين العرب هذا الإطار المنهجي. إلّ أنه، واعتمادًا على التشخيص الذي قدّمناه في التحليل السابق، يمكن الوقوف على عدة مؤشرات مقلقة ناتجة من تراكمات امتدت عدة سنوات. ففي ما يخصّ السياق، نلاحظ أنّ الظروف السياسية العامة، في معظم الدول العربية، غير مريحة، وتتسم بنوع من الغموض وعدم اليقين، ومن ثم فهي لا تساعد الباحث الاجتماعي الذي يلتزم الموضوعية على التواصل إيجابيًا مع صنّاع السياسات العامة. أما الأدلة، فإنّ المتأمل في الواقع البحثي العربي يدرك أنّ كثيرًا من الأبحاث التي ينجزها الباحثون العرب، في حقل العلوم الاجتماعية، تتسم عمومًا بطابعها التقليدي، وعدم دقة مصادرها، وبساطة الأدوات التحليلية المستخدمة، وهشاشة الإطار المفاهيمي المستخدم، بل أكثر من ذلك، توجد أبحاث منشورة في دوريات محكّمة أشبه ما يكون بتمارين إنشائية منها بأبحاث علمية جادة ورصينة. إضافة إلى ذلك، يلاحَظ ضعف المقاربات التشاركية، وتدني مساحات النقاش المجتمعي لمخرجات الأبحاث الاجتماعية. في ما يتعلق بالروابط، يبدو أنّ خللً بنيويًا يطبع العلاقات بين مختلف المتدخلين في السلسلة البحثية (باحثون، صنّاع سياسات، مانحون، مجتمع مدني، خبراء... إلخ)، إذ إضافة إلى تآكل عنصر الثقة بين هؤلاء، نسجّل غياب، أو تغييب، إطار مؤسسي تشاوري ينظّم هذه العلاقات ويضبطها، كاللجان المشتركة، والهياكل المختصة في الوساطة المعرفية. كما أنّ القنوات غير الرسمية، مثل القرابة العشائرية، والعلاقات الشخصية، والانتماءات الحزبية، ما زالت تتحكّم في إمكانية تحويل جزء ضئيل من مخرجات الأبحاث الاجتماعية إلى نواتج تدعم السياسات العامة. وأخيرًا، كما تمت الإشارة إلى ذلك سابقًا، نسجّل نوعًا من عدم الالتزام بالضوابط الأخلاقية لدى عدد كبير من الباحثين العرب في مجال العلوم الاجتماعية؛ ما يعتبر عقبة حقيقية أمام إمكانية تفاعلهم الإيجابي مع صنّاع السياسات العامة.

خاتمة

استهدفت الدراسة البعد المنهجي للفجوة بين الأبحاث الاجتماعية وصنع السياسات العامة في الوطن العربي. وانطلاقًا من الإطار المفاهيمي الذي يضبط العلاقة بين هذين المجالين، خاصة نموذج ثنائية الاتجاه، قدمت صورة قاتمة لمستوى استخدام صنّاع السياسات مخرجات الأبحاث ذات الطابع الاجتماعي. فمن جهة، وكما أشار إلى ذلك محمد بامية، فإنّ معظم الأبحاث المنتَجة ذات قيمة علمية متوسطة، إن لم نقل ضعيفة51، خاصة أنّ غاية أصحابها تبقى في الغالب الترقية من رتبة أو درجة إلى أخرى، فيكون مصيرها الإتلاف، أو رفوف المكتبات، أو دواليب المحفوظات. ومن جهة أخرى، يبدو أنّ صنّاع السياسات العامة في الوطن العربي غير متحمسين لاستخدام مخرجات الأبحاث، خاصة تلك المتعلّقة بالعلوم الاجتماعية؛ فغالبيتهم لا تؤمن بجدوى هذه الأبحاث، مقارنةً بما توفره لهم استشارات الخبراء من خطط عمل سريعة، ومبادرات تنفيذية. إنّ نظرتهم إلى الباحثين الاجتماعيين غالبًا ما يطبعها نوع من الشك والريبة، وهذا السلوك ليس غريبًا في مجتمع ينظر سياسيوه إلى العلوم الاجتماعية على أنها أحد مصادر التوترات الاجتماعية والحركات الاحتجاجية، ومن ثم ينبغي محاصرتها، من خلال الحدّ من الحرية الأكاديمية، وتبخيس المخرجات البحثية. ومهما يكن من أمر، فإنّ للجانب المنهجي مسؤولية لا يستهان بها في تفسير هذه الوضعية، ذلك أنّ الطرائق والأساليب التي يتبعها الباحثون في ميدان العلوم الاجتماعية لا تسمح ببناء الثقة مع صنّاع القرار، ومن ثم وضع أسس علاقات تفاعلية مستدامة. وتتجلّى هذه المسؤولية في التبعية المنهجية، وغياب ثقافة تقييم الأبحاث العلمية، وضعف الشجاعة الفكرية والأخلاقية لدى الباحثين، وضعف إقبال معظم الباحثين على استعمال التعدد المنهجي والتكامل المنهجي، وأخيرًا غياب ثقافة تحرير النواتج الإعلامية ذات الهدف المحدد، وخاصة أوراق السياسات. كما أنّ تردد مراكز الأبحاث في احتضان صنّاع السياسات العامة لا يساعد على ربط علاقات مباشرة، ومن ثم إعداد أبحاث مشتركة ذات صدقية وأهداف طموحة. وانطلاقًا من هذا المعطى، قمنا بإعداد بعض "الوصفات المنهجية" التي يمكن اعتمادها لتعزيز التنسيق والتقارب بين مخرجات

  1. بامية، ص.61 العلوم الاجتماعية وصنع السياسات في الوطن العربي: نحو منهجية لتجسير الهوة

الأبحاث الاجتماعية وصنع السياسات العامة، وذلك في أفق ردم ولو جزء من الهوة الفاصلة بينهما. وتتمثّل الوصفة الأولى في مراجعة أساليب الأبحاث الاجتماعية وأنماطها، ويمرّ ذلك حتمًا عبر مراجعة طريقة الترقية في الجامعات ومراكز البحث، والرفع من مهارات الباحثين وقدراتهم، وبرمجة تكوينات ودورات تدريبية في مجال التكامل المنهجي والتعدد المنهجي، والبرمجيات الإحصائية الرائدة، وتطبيق معايير الجودة من خلال التقييم الموضوعي للأبحاث. أما الوصفة الثانية، فتتمثّل في وضع آليات عملية لتسويق مخرجات الأبحاث، وتقريبها من صنّاع السياسات العامة، ويمرّ ذلك أساسًا عبر تطوير ثقافة إعداد أوراق السياسات وترسيخها، وباقي آليات التواصل الناجعة، مثل المراسلات الرسمية، والقضايا الموجزة، والرسائل الإخبارية، والتنبيهات الإلكترونية. وأخيرًا، تعتمد الوصفة الثالثة على تشجيع ثقافة الأبحاث التشاركية المندمجة التي تنجزها فِرق متكاملة من باحثين في حقل العلوم الاجتماعية وصنّاع السياسات العامة. ويمكن تفعيل هذه التوصية عن طريق خلق وتشجيع حاضنات السياسات العامة التي تمثّل مختبرات للابتكار، في مجال إعداد المشاريع البحثية المتعلّقة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويُنصح، أيضًا، في إطار "الأبحاث التعاونية"، بتشجيع صنّاع السياسات العامة على الانضمام إلى المراكز البحثية النشيطة في مجال العلوم الاجتماعية، بهدف تعزيز الثقة بين الطرفين، وإضفاء نوع من الشرعية على مخرجات الأبحاث. وتتجلى أهم توصية في بناء إطار منهجي، يساعد على إدراك الدور الذي يمكن أن تؤديه الأبحاث الاجتماعية في التأثير في السياسات العامة، ويتكون هذا الإطار من أربعة عناصر رئيسة، هي السياق العام للأبحاث، والأدلة، والروابط، والأخلاق. إنّ من شأن هذا الإجراء الوقوف باستمرار على مدى انخراط الباحثين الاجتماعيين العرب في إنتاج أبحاث ذات جودة محترمة، تتماشى مع احتياجات الاقتصاد والمجتمع، ومن ثم العمل على إصلاح الخلل وإثراء العملية البحثية. وفي النهاية، يجب تأكيد أنّ نجاح كل هذه التوصيات، ذات الطابع المنهجي، رهين بمدى احترام الحريات الأكاديمية وصيانتها، فهي تشكّل أحد أهم مقومات العملية البحثية، وعاملً محفزًا للكفاءات، قصد القيام بدورها الفعلي والحقيقي المتمثّل في الخلق والإبداع العلمي.

المراجع

العربية

بامية، محمد. العلوم الاجتماعية في العالم العربي: أشكال الحضور. التقرير الأول. بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية،.2015 الجابري، محمد عابد. وجهة نظر: نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر. بيروت: منشورات المركز الثقافي العربي، 992.1 حمودي، عبد الله. العلوم الاجتماعية في العالم العربي: مقاربة الانتاجات الصادرة باللغة العربية 2016-2000(). التقرير الثاني. بيروت: المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، 018.2 الطبلبي، شكيب بن بديرة. توسعة المرصاد: مدخل نقدي مختصر لمفاهيم الاقتصاد السياسي. تونس: دار المتوسط الجديد،.2014 غرامشي، أنطونيو. قضايا الماديّة التاريخيّة. ترجمة وتحقيق فوّاز طرابلسي (عن الفرنسية.) بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 971.1 سجل المنتدى الثالث للشراكة المجتمعية في مجال البحث العلمي، البحث العلمي والتبادل المعرفي. الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 013:.2 في https://bit.ly/38dWIkt

الأجنبية

Bargal, David, Martin Gold & Miriam Lewin. "Introduction: The Heritage of Kurt Lewin." Journal of Social. vol. 48, no. 2 (1992). Beyer, Janice & Harrison Trice. "The Utilization Process: A Conceptual Framework and Synthesis of Empirical Findings." Administrative Science Quarterly. vol. 27, no. 4

Bourdieu, Pierre. Contre-feux 2. Paris: Liber-Raisons d'agir, 2001. Court, Julius & John Young. "Bridging Research and Policy: Insights from 50 Case Studies." Overseas Development Institute. Working Paper 213 (2003). Djebali, Taoufiq. "Recherche et développement dans les universités américaines: Quel rôle pour les pouvoirs publics?" Revue LISA e-journal. vol. 4, no. 1 (2006). El Kenz, Ali. "Les sciences humaines et sociales dans les pays arabes de la Méditerranée." Insaniyat. no. 27 (2005). Glover, David. "Policy Researchers and Policy Makers: Never the Twain Shall Meet?" Philippine Journal of Development. vol. 21, no. 1-2 (1994). Graham, Ian et al. "Lost in Knowledge Translation: Time for a Map." The Journal of Continuing Education in the Health Professions. vol. 26, no. 1 (2006). Groulx, Lionel-Henri. "Liens recherche et pratique: Les thèses en présence." Nouvelles Pratiques Sociales. vol. 7, no. 2 (1994). Guba, Egon & Lincoln Yvonna. Effective Evaluation. San Francisco: Jossey-Bass, 1981. Huberman, Michael & Monica Gather Thruler. De la recherche à la pratique: Éléments de base. New York: Peter Lang, 1991. Landry, Réjean. Nabil Amara & Moktar Laamary. "Utilization of Social Science Research Knowledge in Canada." Research Policy. vol. 30, no. 2 (2001). Larsen, Judith. "Knowledge Utilization: What is it?" Knowledge: Creation, Diffusion, Utilization. vol. 1, no. 3 (1980). Lavis, John et al. "How Can Research Organizations More Effectively Transfer Research Knowledge to Decision Makers?"  Milbank Quarterly. vol. 81, no. 2 (2003). Lomas, Jonathan. "Diffusion, Dissemination, and Implementation: Who Should do What?." Annals of the New York Academy of Sciences. vol. 703, no. 1 (1993). _______. "Improving Research Dissemination and Uptake in the Health Sector: Beyond the Sound of One Hand Clapping." Centre for Health Economics and Policy Analysis, McMaster University, 1997. Mesters, Ilse & Ree Meertens. "Monitoring the Dissemination of an Educational Protocol on Pediatric Asthma in Family Practice: A Test of Associations

between Dissemination Variables." Health Education & Behavior. vol. 26, no. 1 (1999). Mirenowicz, Jacques. Sciences et Démocratie, le couple impossible?: Le Rôle de la recherche dans les sociétés capitalistes depuis la Seconde Guerre mondiale: Réflexion sur la maîtrise des savoirs. Paris: Les Éditions-Diffusion Charles Léopold Mayer, 2000. Nicolescu, Basarab. "Une nouvelle approche scientifique, culturelle et spirituelle: la transdisciplinarité."  Passerelles. no. 7 (1993). _______. La transdisciplinarité manifeste. Monaco: Les éditions du Rocher, 1996. Nutley, Sandra et al. Using Evidence: How Research Can Inform Public Services. Bristol: Policy Press, 2007. OCDE. Méthodes type proposés pour les enquêtes sur la recherche et le développement expérimentale. Paris: OCDE, 2002. Orlandi, Mario. "Health Promotion Technology Transfer: Organizational Perspectives." Canadian Journal of Public Health. vol. 87, Supplement

_______. "Promoting Health and Preventing Disease in Health Care Settings: An Analysis of Barriers." Preventive Medicine. vol. 16, no. 1 (1987). Piaget, Jean. "Intellectual Evolution from Adolescence to Adulthood." Human Development. vol. 15, no. 1 (1972). Proctor, Robert. Agnotology: The Making and Unmaking of Ignorance. Redwood City: Stanford University Press, 2008. Pronovost, Gilles & Carl Lacharité (dir.). Comprendre la famille: Actes du 7e symposium québécois de recherche sur la famille. Sainte-Foy, Canada: Presses de l'Université du Québec, 2004. "Research and Development Expenditure ( % of GDP)." World Bank. at: https://bit.ly/39k3CF8 Reason, Peter & Hilary Bradbury (eds.). SAGE Handbook of Action Research: Participative Inquiry and Practice. London: SAGE, 2008 Rich, Robert. "Measuring Knowledge Utilization Process and Outcomes." Knowledge and Policy. vol. 10, no. 3

Robson, Colin (ed.). Real World Research. New Jersey: Wiley, 2011. Schulte, Paul et al. "Information Dissemination and Use: Critical Components in Occupational Safety and Health." American Journal of Industrial Medicine. vol. 44, no. 5 (2003). Start, Daniel & Ingie Hovland. "Tools for Policy Impact: A Handbook for Researchers." Overseas Development Institute. Research and Policy in Development, RAPID. October 2004. at: https://bit.ly/2OHn2fa Stone, Diane. "Think Tank Transnationalisation and Non-Profit Analysis, Advice and Advocacy." Global Society. vol. 14, no. 2 (2000). Sunesson, Sune et al. "Intervening Factors in the Utilization of Social Research. Knowledge in Society." The International Journal of Knowledge Transfer. vol. 2, no. 1 (1989). Tang, Puay & Tom Sinclair. "Exploitation Practice in Social Science." Science and Public Policy. vol. 28, no. 2

Wenger, Etienne, Richard McDermott & William M. Snyder. Cultivating Communities of Practice: A Guide to Managing Knowledge Seven Principles for Cultivating Communities of Practice. Cambridge: Harvard Business Press, 2002.

68
68
ددعلالا
رياني /يناثلا نوناك ناك
حامد التجاني علي | Ali E. Hamid *
** Marmar F. Abdou مرمر فريد عبده |
تكوين رأس المال ومعدل العائد على رأس المال والتفاوت
الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
Capital Formation, Rate of Return on Capital, and Economic
Inequality in the Mena
*  أستاذ السياسات العامة، معهد الدوحة للدراسات العليا، والجامعة الأميركية في القاهرة.
Professor of Public Policy at the Doha Institute for Graduate Studies and the American University in Cairo.
** باحثة، الجامعة الأميركية في القاهرة.
Researcher at the American University in Cairo.
يُعــدّ التفــاوت الاقتصــادي من أكثــر القضايــا إلحاحًا فــي القرن الحادي والعشــرين، نظــرًا إلى
تحك ّ ــم أقليــة صغيــرة في الاقتصاد العالمي وامتلاكها الســلطة الأشــد نفوذ ًا؛ مــا يؤدي إلى
تصاعــد عدم الاســتقرار السياســي وانخفاض درجة الاندمــاج الاجتماعي، وقــد تجل ّ ى ذلك في
الأســباب التي أوردتها الدراســات المتعلقة بالربيع العربي. وتتقصّ ى هذه الدراســة تجريبيًا أثر
تكويــن رأس المــال ومعــدّل العائــد علــى رأس المــال فــي التفــاوت الاقتصــادي فــي بلــدان
المنطقة. وأظهرت النتائج التجريبية أن العوامل المستخدمة في قياس تكوين رأس المال،
مثــل إجمالــي الادخــار المحل ّ ــي وإجمالي تكويــن رأس المال الثابــت، ترتبط إيجابيــا بالتفاوت
الاقتصادي، أي تزيد من فجوة التفاوت. وعلى العكس من ذلك، ترتبط العوامل المستخدمة
فــي قيــاس معــدل العائــد علــى رأس المــال، مثــل الفائــدة الحقيقيــة ومعــدّل الفائــدة علــى
الودائع، سلبيًا بالتفاوت الاقتصادي؛ فعندما يزداد معدل الفائدة على الودائع، يقل التفاوت
الاقتصــادي. ومــن الضــروري مراجعة السياســات الماليــة والنقدية لإصلاح الضرائــب والفوائد
لزيادة أثرها في العدالة وإعادة التوزيع وتفادي أثر تراكم رأس المال والسلطة.
كلمات مفتاحية: التفاوت الاقتصادي، معــدل العائد على رأس المــال، تكوين رأس المال،
النمو الاقتصادي.
Economic inequality is one of the most pressing issues in the twenty-first century,
given that a small minority controls the global economy and most influential power.
This has led to an escalation of political instability and a decrease in social inclusion,
as evidenced by studies related to the Arab Spring and the ongoing turmoil in the
MENA. This quantitative study investigates the effect of capital formation and the
rate of return on capital on economic inequality in countries of the region. The
results demonstrated that the factors used to measure the formation of capital, such
as total domestic savings and total fixed capital formation, positively correlate with
economic inequality - increasing the inequality gap. Conversely, factors used to
measure the rate of return on capital, such as real interest and the interest rate on
deposits, correspond negatively with economic inequality. When the interest rate
on deposits increases, economic inequality decreases. It is necessary to review fiscal
and monetary policies to reform taxes and benefits to increase their impact on equity
and redistribution, and to avoid the impact of capital and power accumulation.
Keywords: Economic Inequality, Rate of Return on Capital, Capital Formation,
Economic Growth.

مقدمة

يتحوّل التفاوت Inequality الاقتصادي إلى إحدى أهم القضايا المُلحّة عالميًا، حيث يتطرق إليه اقتصاديون وسياسيون وناشطون اجتماعيون ومسؤولو سياسات عامة ووسائل إعلام، إضافةً إلى علماء الاجتماع. ويرى توماس بيكيتي أن القوة الأساسية المُسبّبة للتفاوت، عادة، هي زيادة العائد على رأس المال (متوسط المعدل السنوي للعائد على رأس المال) أكثر من النمو الاقتصادي (الزيادة السنوية في الدخل أو الناتج)، وأن الثروات الأكبر تولّد عوائد أعلى. كما أظهرت الدراسة أننا نعيش في ما سمّاه بيكيتي "رأسمالية إرثية" Patrimonial نتيجة لثروة موروثة يُهيمن عليها حكم أوليغارشي. ولا تقتصر المشكلة العالمية المُلحّة الآن على تعاظم الفجوة بين الأغنياء والفقراء بسرعة، فالأهم هو أن الفجوة بين واحد في المئة، وهي الشريحة الأغنى في العالم، وباقي العالم، آخذة في الاتساع. وبحسب منظمة أوكسفام، يمتلك واحد في المئة من سكان الأرض في عام 0162 أكثر من باقي أفراد العالم مجتمعين، ويملك 62 فردًا ما يُعادل ملكية نصف سكان العالم الأفقر، في مقابل 883 فردًا في 2 عام 010802، و فردًا في عام 015. وأقرّ صانعو سياسات في أنحاء العالم كلها، في مسح عالمي أجراه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بأن التفاوت في بلدانهم كبير عمومًا ويمثّل تهديدًا للتنمية الاجتماعية والاقتصادية الطويلة الأمد. كانت ثورات الربيع العربي منذ عام 0112، أكبر شاهد على حجم الخطر الذي يُشكّله التفاوت الاقتصادي وسوء الأوضاع الاجتماعية على الاستقرار والتنمية في الكثير من بلدان المنطقة. وأثارت الاضطرابات السياسية قضيتَي العدالة الاجتماعية والمساواة؛ إذ لم تكن الانتفاضات نضالً ضدّ قواعد الحكم الاستبدادي فحسب، بل إنّ سببها الأساسي هو تصاعد التفاوت الاقتصادي واتساع الفجوة بين أنظمة الحكم الاستبدادي في الشرق الأوسط وشعوبها. ثمّة دراسات ونقاشات كثيرة بشأن أسباب التفاوت والعوامل التي أثرت في مستوياته بين بلدان العالم، وداخل كل منها. إلا أن هناك ندرة في المؤلفات التي تُحلّل أسباب التفاوت والعوامل التي تُحدّد مستواه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من خلال التركيز على تأثير رأس المال ومعدّل عائداته. وهناك أيضًا تقييدات على توافر البيانات عن التفاوت في المنطقة ودقّتها. استخدمت هذه الدراسة بيانات البنك الدولي، ومنظمة الأمم للتنمية الصناعية (اليونيدو المتحدة)، اللتين تتوافر فيهما الدقّة والصدقية، عوضًا عن البيانات الصادرة عن الهيئات الوطنية المعدومة التناسق، فضلً عن عدم توافر بياناتها في بعض الأعوام. ويرى حامد علي أن "دراسة التفاوت في بلدان المنطقة توفر فرصة لتقييم العوامل الداخلة في تكوين مستوى الرفاه الاقتصادي لهذه البلدان، ولهذا تأثير أكبر في السياسات العامة من ناحية طريقة توزيع موارد المجتمع النادرة لتلبية حاجات متضاربة". يحصل تراكم رأس المال في المنطقة، ولا سيما في بلدان الخليج العربية، من موارد النفط الوفيرة أساسًا. غير أن الاعتماد الكبير على عائدات النفط، يُعرّض بدوره رأس مالها ومواردها للخطر عند انخفاض أسعار النفط؛ ما يسبب تراجع نموّها ويُوسّع فجوة التفاوت الاقتصادي. والأمر ذاته أثر، أيضًا، في بلدان المنطقة الأخرى التي كانت تستفيد من الموارد الرأسمالية والطبيعية لبلدان النفط الغنية عبر هجرة مواطنيها إلى بلدان الخليج والعمل برواتب أعلى؛ ولذلك تأثرت بلدان المنطقة كثيرًا، أكانت مُصدّرة للنفط، أم لا، بتقلّبات قطاع النفط في الأعوام الأخيرة. غرض هذه الأطروحة، إذًا، سدّ هذه الثغرة البحثية تجريبيًا Empirically عبر تناول تأثير تكوين رأس المال ومعدّل عوائده في مستوى التفاوت الاقتصادي في المنطقة، والإحاطة بالنمو الاقتصادي وريع الموارد الطبيعية. واختيرت هذه المتغيرات لأن الاضطرابات السياسية في المنطقة ناتجة أساسًا من أسباب اقتصادية واجتماعية برزت في شعار الربيع العربي: "خبز، حرية، عدالة اجتماعية"؛ إذ يُبيّن هذا الشعار كيف يعاني مواطنو الدول العربية تدهورَ ظروفهم المعيشية في الغذاء والتعليم والصحة، إضافةً إلى اتساع الفجوة بين طبقات المجتمع، ما يؤدي إلى الحرمان الاجتماعي للطبقات

  1. Thomas Piketty , Capital in the Twenty-First Centur y (Cambridge, MA/ London: The Belknap Press of Harvard University Press, 2014), p. 5.
  2. Working for the Few: Political Capture and Economic Inequality," Oxfam Briefing Paper, no. 178, 20/1/2014, accessed on 6/2/2020, at: http://bit.ly/2RyGjRU
  3. United Nations, "Goal 10: Reduce Inequality within and among Countries," Sustainable Development Goals, 2016, accessed on 6/2/2020, at: http://bit.ly/2TZrHwB
  4. مشروع تتعاون فيه جامعتَا تكساس ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، ويحمل اسم UTIP-Unido، ويركز على قياس وشرح عدم المساواة في الأجور والأرباح وأنماط التغيير الصناعي في جميع أنحاء العالم. وتحسب بيانات UTIP-UNIDO بناء على مقاييس عدم المساواة في الأجور الصناعية، وتستند إلى بيانات منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، وتوفر مجموعة بيانات UTIP-UNIDO مقياس Theil لعدم المساواة في الأجور بالنسبة إلى 511 دولة في الفترة 015-1963.2 للمزيد، ينظر: " UTIP-UNIDO dataset," InGRID, accessed on 16/2/2020, at: https://bit.ly/31WMJhr
  5. Hamid Ali, "Military Expenditures and Inequality in the Middle East and North Africa: A Panel Analysis," Defence and Peace Economics , vol. 23, no. 6 (2012), pp. 575-589.

الفقيرة والمتوسطة. وقد تفاقمت الحالة حين أسرفت الطبقة العليا الأغنى في مراكمة رأس المال بدعم من سلطة الحكّام المُستبدين الفاسدين. وهذه الدراسة هي مساهمة في الدراسات القليلة عن أثر تكوين رأس المال ومعدل عوائده والنمو الاقتصادي والموارد الطبيعية في التفاوت في المنطقة؛ ومن ثم فهي تساعد واضعي السياسات والحكومات في صوغ سياسات إعادة توزيع الثروة وإصلاحات ضريبية للحدّ من هذا التفاوت. وتؤدي السياسة الضريبية التصاعدية وتدعيم شبكة الأمان الاجتماعي في توزيع الدخل دورًا في تخفيف التفاوت المتزايد في المنطقة، وذلك بالرغم من عدم وجود سياسة تعويضية محددة تساهم فعليًا في سدّ الفجوة المُتسعة بين الأغنياء والفقراء. وفي الواقع، سارت التغييرات التي طرأت على النظام الضريبي وشبكة الأمان خلال العقود الثلاثة الماضية، في الكثير من الحالات، في الاتجاه المعاكس. ومن المُرجّح أن تؤدي التغييرات الأخيرة في السياسة التي أدخلها قانون ضريبة القيمة المضافة في بعض الدول إلى تفاقم الاتجاهات الحالية لزيادة عدم المساواة في الدخل. يرى غيلبر الأشقر أن "الريعية" و"التوريث" خاصيتان محوريتان لطريقة عمل رأس المال في المنطقة، وهو ما يتجلّى في مستويات عالية من التفاوت الاجتماعي، وتدنّي مستويات الاستثمار، وقوة عاملة غير نظامية، وارتفاع البطالة، ولا سيما بين الشباب، وانخفاض مستويات مشاركة المرأة في سوق العمل. ويُعد مفهوم "الدولة الريعية" وسيلةً لتفسير ديمومة الأنظمة العربية غير الديمقراطية. فإيرادات "الدولة الريعية" وفق تحليل الأشقر "تتولّد أساسًا من تحصيل الريع (مثل الدخل الناتج من السيطرة على الموارد الطبيعية بما فيها النفط والغاز، أو الدخل الذي تُحصّله الدولة من قوى خارجية في مقابل منحها حق الوصول إلى مواقع استراتيجية، مثل الأرض لإقامة قواعد عسكرية)، وليس من جباية جزء من فائض قيمة إنتاج الرأسماليين والعمال على شكل ضرائب". ويرى حازم الببلاوي أن هذا "الترتيب يركز السلطة الاقتصادية والسياسية في أيدي أقلية صغيرة، تغدو إعادة توزيعهم للثروة بمنزلة 'مكرمة من الحاكم' وليس تعبيرًا عن عقد اجتماعي بين المواطنين والحكم". ومع انعدام الحاجة إلى فرض ضرائب من أجل تمويل نشاطات الدولة، يصبح المواطنون "أقل تطلّبًا بكثير للمشاركة السياسية"، وتنتشر "عقلية ريعية" في المجتمع نتيجة تحطّم العلاقة بين "العمل والأجر". ويضيف الأشقر أنّ فكرة "الدولة الريعية" تقترن غالبًا بمفهوم التوريث الذي يعتبره علامة على "نوع من السلطة الاستبدادية الوراثية المطلقة" التي "تُصادر الدولة لمصلحتها"، فتصبح الإدارة العسكرية والحكومية ملكًا للحاكم، وتدين بالولاء له وحده، وليس للدولة أو المواطنين، ويعتبر الحاكم الأصول الاقتصادية للبلاد إرثًا خاصًا به؛ ما يفتح الباب تلقائيًا أمام فساد أشد غورًا. أشار هيرالا وترك - أريس إلى تحكّم عدم الاستقرار السياسي، في الأعوام الماضية، في تراكم رأس المال في المنطقة التي عانت اضطرابات سياسية. كما أشار أيضًا إلى أن عدم الاستقرار السياسي يشدد القيود على الاقتراض ويُعرقل تراكم رأس المال؛ ما يؤثر سلبيًا في النمو الاقتصادي. وهذا يؤكد أن التنمية المالية في بناء النظام المصرفي الذي يُشجّع الادخار والاقتراض والاستثمار هي مفتاح التنمية الاقتصادية في المنطقة، وأنها ستُفضي في نهاية المطاف إلى المساواة الاقتصادية.

أولا: مراجعة للأدبيات

لا تزال العلاقة بين التفاوت والنمو الاقتصادي محل سجال ومراجعة بين الباحثين في دراساتهم النظرية والتجريبية، مع ملاحظة نتائج متباينة لها. يدعم فوربس وبارتريدج فرضية أن هناك علاقة طردية بين التفاوت والنمو الاقتصادي، وأن لازدياد التفاوت على المديين القصير والمتوسط تأثيرًا إيجابيًا في النمو الاقتصادي المستقبلي في البلدان الغنية. وفي المقابل، وجد آخرون، من

  1. Gilbert Achcar, The People Want: A Radical Exploration of the Arab Uprising , Geoffrey Michael Goshgarian (trans.) (Oakland, CA: University of California Press, 2013), p. 77.
  2. Ibid.
  3. Hazem Beblawi, "The Rentier State in the Arab World," in: Hazem
  4. Giacomo Luciani, "Allocation vs. Production States: A Theoretical Framework," in: Giacomo Luciani (ed.), The Arab State (Oakland, CA: University of California Press, 1990), p. 65.
  5. Achcar, p. 77.
  6. Risto Herrala & Rima Turk-Ariss, "Capital Accumulation in a Politically Unstable Region," Journal of International Money and Finance, vol. 64, (2016), pp. 1-15.
  7. Krisitn J. Forbes, "A Reassessment of the Relationship between Inequality and Growth," The American Economic Review , vol. 90, no. 4 (2000), pp. 869-887. 13  Mark D. Partridge, "Is Inequality Harmful for Growth? Comment," The American Economic Review , vol. 87, no. 5 (1997), pp. 1019-1032. تكوين رأس المال ومعدل العائد على رأس المال والتفاوت الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
  8. Beblawi & Giacomo Luciani (eds.), The Rentier State (London: Routledge, 1987), p. 49. رياني /يناثلا نوناك ناك

أمثال دوبك ودولاكروا وكلارك وبيروتي، أن العلاقة بين التفاوت والنمو الاقتصادي عكسية. بينما توصلت مجموعة ثالثة من الباحثين، مثل بارو وكاستيلو  - كليمنت وباغانو، إلى أن هناك علاقة غير خطية متغيّرة بين التفاوت والنمو الاقتصادي. ويعتقد بعض الباحثين أيضًا، مثل لي ورومر وبانيزا، أنه لا توجد علاقة بين التفاوت والنمو الاقتصادي. ووفقًا لأتكينسون وبيكيتي وسايز، فإن لاستخدام بيانات مسوحات معيشة الأسر لقياس التفاوت الاقتصادي عيوبًا معروفة بسبب الميل إلى التمثيل الناقص للشريحتين العليا والدنيا لتوزيع الثروة. ويدفع ذلك الباحثين إلى استخدام بيانات إدارية، مثل السجلات الضريبية لتقدير دخل الأثرياء جدًا. وأضاف ألفاريدو وبيكيتي أن استخدام تلك البيانات الإدارية لتقدير دخل الأثرياء جدًا لا يمكن الاستفادة منه في هذه المنطقة لندرة توافر سجلات ضريبية صحيحة في البلدان العربية بسبب التهرّب الضريبي. تناقش الأدبيات، على نحو مستمر، مسألة وفرة الموارد الطبيعية إن

الدولةأدنى عشرة في المئةأعلى عشرة في المئة
إيران.25429.55
تونس.25229.07
تركيا.19531.73
اليمن2.3829.99
الضفة الغربية.29326.70
مصر.39626.57

كانت نعمة أو نقمة. فتأييدًا لفرضية "لعنة الموارد"، يُدافع حامد علي وأمنية عبد اللطيف عن أن وفرة الموارد الطبيعية، ولا سيما النفط، تشجع الإنفاق العسكري، وهذا يؤثر سلبيًا في الرفاهية العامة للبلاد. ويرى حامد علي وسارة سامي أن وفرة الموارد الطبيعية لعنة في الوطن العربي، حيث يتميز هذا الجزء من العالم بانعدام الديمقراطية والحقوق السياسية، وبمركزية الحكم وانعدام حقوق الحريات، إضافةً إلى ارتفاع اللامساواة بين الجنسين والتفاوت في التعليم وفرص العمل. وبحسب نكوبي وأنيانوو، تُصنّف المنطقة بوصفها إحدى أسرع المناطق نموًّا في عدد السكان (نحو 57.33 مليون نسمة في عام

الجدول)1(حصة أدنى وأعلى عشرة في المئة دخلً من السكان في عيّنة من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في عام 2005

تميَّزت المنطقة بتفاوت في الثروة والسلطة، ما أدّى إلى اشتداد الاستبداد؛ إذ زاد الحكامُ وصفوةُ رجال الأعمال ثرواتهم وقمعوا أي معارضة محلّية لسياساتهم الاجتماعية والاقتصادية التي وُضِ عَت بهدف المحافظة على رؤوس أموالهم وسطوتهم وسلطاتهم

  1. Davi de la Croix & Matthias Deopke, "Inequality and Growth: Why Differential Fertility Matters," The American Economic Review , vol. 93, no. 4 (2003), pp. 1091-1113.
  2. George Clarke, "More Evidence on Income Distribution and Growth," Journal of Development Economics , vol. 47, no. 2 (1995), pp. 403-427.
  3. Roberto Perotti, "Political Equilibrium, Income Distribution, and Growth," The Review of Economic Studies , vol. 60, no. 4 (1993), pp. 755-776.
  4. Robert J. Barro, "Inequality and Growth in a Panel of Countries," Journal of Economic Growt h, vol. 5, no. 1 (2000), pp. 5-32.
  5. Amparo Castello-Climent, "Inequality and Growth in Advanced Economies: An Empirical Investigation," The Journal of Economic Inequality, vol. 8, no. 3 (2010), pp. 293-321.
  6. Patrizio Pagano, "An Empirical Investigation of the Relationship Between Inequality and Growth," Economic Working Papers, Bank of Italy Economic Research Department (2004).
  7. Woojin lee & John Roemer, "Income Distribution, Redistributive Politics, and Economic Growth," Journal of Economic Growth , vol. 3, no. 3 (1998), pp. 217-240.
  8. Ugo Panizza, "Income Inequality and Economic Growth: Evidence from American Data," Journal of Economic Growth , vol. 7, no. 1 (2002), pp.
  9. Anthony B. Atkinson, Thomas Piketty & Emmanuel Saez, "Top Incomes in the Long Run of History," Journal of Economic Literature , vol. 49, no. 1 (2011), p. 44.
  10. Facundo Alvaredo & Thomas Piketty, "Measuring Top Incomes and
  11. Hamid Ali & Omnia Abdullatif, "Military Expenditures and Natural Resources: Evidence from Rentier States in the Middle East and North Africa," Defence and Peace Economics , vol. 26, no. 1 (2015), pp. 5-13.
  12. Hamid Ali & Sara Sami, "Inequality, Economic Growth and Natural Resources Rent: Evidence from the Middle East and North Africa," in: Joseph E. Stiglitz & Martin Guzman (eds.), Contemporary Issues in Microeconomics (London: Palgrave Macmillan, 2016), pp. 50-76. 26  Mthuli Ncube & John C. Anyanwu, "Inequality and Arab Spring Revolutions in North Africa and the Middle East," Africa Economic Brief, vol. 3, no. 7 (2012).
  13. Inequality in the Middle East: Data Limitations and Illustration with the Case of Egypt," Centre for Economic Policy Research (CEPR), Discussion Paper, no. DP10068, 20/4/2015. المصدر: World Bank, World Development Indicators, accessed on 16/2/2020, at: https://bit.ly/2OYO9me

الاستبدادية. ومع صعود موجة الربيع العربي في نهاية عام 2010 وبداية عام 0112، برزت إلى الواجهة عيوب اقتصادية وسياسية واجتماعية كثيرة في المنطقة، وتحقّقت على أرض الواقع عواقب التفاوت الاقتصادي التي نوقشت سابقًا. وتتصف المنطقة، بحسب أورتيز وكمينز، بتفاوت كبير نسبيًا في الدخل، يصل إلى 8.23 في المئة. لكن استنادًا إلى إيانشوفيشينا، يُفترض أن تأتي معظم بيانات الثروة من السجلات الضريبية، وهذا غير دقيق في المنطقة بسبب التهرّب، لذلك تُقدّر درجة التفاوت في الثروة دائمًا بأقل مما هي عليه، أو تخضع للتشويه، بحسب مارك شيفباور وآخرين وألفاريدو.

في هذه الدراسة، نستخدم مؤشر ثيل لدراسة التفاوت الاقتصادي، وذلك بهدف حساب قيم الوحدات القياسية بين الفئات، وهي الصفر الذي يعني (المساواة الكاملة) واللانهاية التي تعني (أو واحد، في حالة عدم المساواة الكاملة.) ومن السمات الرئيسة لهذا المؤشر، أنه قابلة للتحليل بأكمله؛ أي قد تُقسّم عدم المساواة بحسب فئات السكان، أو مصادر الدخل، أو باستخدام أبعاد أخرى، وهذا الأمر يمكن أن يكون مفيدًا لصانعي السياسات.

ثانيًا: البيانات

يستخدم هذا البحث بيانات مقطعية Panel data من بلدان تمثل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مدة 49 عامًا 012-1963(.)2

1. المتغير التابع

المتغير التابع هو التفاوت الاقتصادي مقيسًا بمؤشر ثيل المحسوب من خلال اتباع المنهجية التي طبّقها مشروع التفاوت في جامعة تكساس بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية. وبحسب غالبريث وكوم، فإن "استخدام مؤشر ثيل لقياس التفاوت يتفادى الكثير من صعوبات استخدام مقاييس توزيع الدخل عبر بيانات دينينغر وسكوير مع معامل جيني Gini. فإحصاءات ثيل أكثر اتساقًا عبر الزمن والبلدان". في حين أوضح غالبريث وهيونسوب كوم أن "إحصاء تي ثيل هو جزء من عائلة إنتروبيا Entropy، وهي طريقة إحصائية لحساب التفاوت بين المجموعات. ومن فوائد استخدامه، قدرته على التحلّل تمامًا إلى مركبات داخل كل مجموعة، وبين المجموعات". إنها مجموعة بيانات عالمية تحسب مقاييس التفاوت في الأجور الصناعية في 671 بلدًا في الفترة 008-1963.2 ويبلغ مجموع ملاحظة، استنادًا إلى إحصاءات اليونيدوما دوِّن 4054. مُلئت بعض القيم الناقصة في مؤشر ثيل باستخدام حسابات سارة سامي من قرص اليونيدو المضغوط في أحد أجزاء عملية جمع بياناتها لدراسة العلاقة بين التفاوت والنمو الاقتصادي بتطبيق الصيغة: log. Theil = حيث، N: إجمالي التوظيف، و: حاصل ضرب إجمالي الأجور في مجموع الموظفين سنويًا، و: المجموع الكلي لحاصل ضرب الأجور في مجموع الموظفين.

  1. Isabel Ortiz & Matthew Cummins, "Global Inequality: Beyond the Bottom Billion, A Rapid Review of Income Distribution in 141 Countries," UNICEF, Working Paper (April 2011), accessed on 6/2/2020, at: https://uni.cf/38Pp58R
  2. Elena Ianchovichina, "Future Development: How Unequal are Arab Countries?" Brookings, 4/2/2015, accessed on 9/2/2020, at: https://brook.gs/38Lr25Q
  3. M. Schiffbauer et al., "Jobs or Privileges: Unleashing the Employment Potential of the Middle East and North Africa," World Bank Group, MENA Development Report (2015), accessed on 9/2/2020, at: http://bit.ly/36wsKqz
  4. Facundo Alvaredo, "A Note on the Relationship between Top Income Shares and the Gini Coefficient," Economics Letters , vol. 110, no. 3 (2011), pp. 274-277. رياني /يناثلا نوناك ناك
  5. James K. Galbraith & Hyunsub Kum, "Estimating the Inequality of Households Income: Filling Gaps and Fixing Problems in Deininger & Squire," The University of Texas Inequality Project, Working Paper, no. 22, 29/10/2003, accessed on 9/2/2020, at: http://bit.ly/36riaks
  6. Pedro Conceição & James K. Galbraith, "Toward A New Kuznets Hypothesis: Theory Growth and Inequality," in: J. Galbraith & Maureen Berner (eds.),  Inequality and Industrial Change: A Global View (Cambridge: Cambridge University Press, 2001), pp. 139-160.
  7. James Galbraith, "Inequality Project," University of Texas, 10/10/2019, accessed on 29/1/2020, at: https://bit.ly/2O8wdVN تكوين رأس المال ومعدل العائد على رأس المال والتفاوت الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المصدر: من إعداد الباحثين، استنادًا إلى: "OECD Income Inequality and Poverty," InGRID, accessed on 16/2/2020, at: https://bit.ly/2Ht21AV

2. المتغيرات المستقلة

استمدّ الباحثان المتغيرات المستقلة التي تتكون من رأس المال، ومعدّل العائد على رأس المال، والنمو الاقتصادي، ومتغيرات اجتماعية اقتصادية، من قاعدة بيانات البنك الدولي.

أ. متغيرات تكوين رأس المال

إجمالي الادخار المحلي (في المئة من الناتج المحلي الإجمالي) استنادًا إلى البنك الدولي، فإنّ إجمالي الادخار المحلي هو الناتج المحلي الإجمالي مخصومًا منه نفقات الاستهلاك النهائي (الاستهلاك الإجمالي.) فإيرادات الفرد (دخل/ أجر) هي أحد المحددات الحاسمة للتفاوت، وكلما زاد دخل الفرد، زاد احتمال ادخاره؛ ومن ثم ترقية طبقته الاقتصادية بين أقرانه.

في الشكل)2(، يتخذ الخط البياني لإجمالي الادخار المحلّي نمطًا متشابهًا بين إيران والكويت، وهما البلدان الأعلى، نظرًا إلى نصيبيهما الكبيرين من الموارد الطبيعية، ولا سيما النفط، كما سيظهر لاحقًا في الشكل.)4(

إجمالي تكوين رأس المال الثابت

الشكل)1(التفاوت الاقتصادي باستخدام مؤشر ثيل في عيّنة من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

بحسب البنك الدولي، يشمل إجمالي تكوين رأس المال الثابت التحسينات على الأراضي (أسوار وخنادق وصرف صحي وغيرها)، وشراء معامل وآلات ومعدّات، وبناء طرق وسكك حديدية وما شابه ذلك، ويشمل هذا الأمر المدارس والمكاتب والمستشفيات والمباني السكنية والتجارية والصناعية. وتُعدّ ملكية الأشياء الثمينة جزءًا من تكوين رأس المال أيضًا. يستخدم نموذجنا في الدراسة المتغيرين المستقلين المذكورين آنفًا بخصوص تكوين رأس المال لاختبار فرضية أن الزيادة في تكوين رأس المال تزيد من التفاوت الاقتصادي. وهذا متوافق مع آراء بيكيتي بشأن أثر تكوين رأس المال في التفاوت، وما اختبره نموذجه في أثر المُدخرات المتراكمة عبر أجيال. وخلص نموذجه إلى أن لدى ورثة الأُسر الغنية فرصة أكبر لجمع رأس المال، وهو أمرٌ يزيد من التفاوت. وما يُعوّق استخدام هذا الاختبار هو أننا لا نملك أي وسيلة للتمييز بين رأس المال الذي يتشكل من موارد الفرد الخاصة، وما يرثه من أسلافه الأغنياء. وبحسب الدراسات، يكون لمتغيري تكوين رأس المال المذكورين سابقًا أثر عكسي في التفاوت الاقتصادي في المنطقة، أي عندما تزداد المتغيرات هذه، يزداد التفاوت أيضًا في الآن نفسه.

ب. متغيرات معدل العائد على رأس المال

معدل الفائدة الحقيقي (في المئة) استنادًا إلى تعريفات البنك الدولي، فإن معدل الفائدة الحقيقي هو معدل فائدة الإقراض معدّلً بحسب التضخم المقيس بمعامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي. وتختلف شروط وأحكام معدلات الإقراض باختلاف البلدان، الأمر الذي يحدّ من قابليتها للمقارنة. معدل الفائدة على الودائع (في المئة) معدل الفائدة على الودائع، بحسب البنك الدولي، هو السعر الذي تدفعه المصارف التجارية أو البنوك المماثلة لودائع تحت الطلب، أو ودائع ادخارية. وتختلف شروط هذه المعدلات وأحكامها باختلاف البلدان؛ ما يحدّ من قابليتها للمقارنة. ومن المعروف على نطاق واسع أن معدل الفائدة على الودائع هو أحد مقاييس معدّل العائد على رأس المال. وبعبارة أخرى، فإن معدّل الفائدة على الودائع (السعر الاسمي) هو النسبة المئوية المُعلنة من سعر الفائدة على الودائع من دون مراعاة التضخّم. ويمكن أن تُرجع إلى الفوائد المكتسبة، أو عوائد أرباح رأس المال أو المقاييس الاقتصادية مثل الناتج المحلي الإجمالي. لذلك سنختبر في هذا النموذج الفرضية القائلة إنّ زيادة معدل العائد على رأس المال (ودائع) يزيد من التفاوت الاقتصادي. ومن المفروض أن نتوصل إلى ذلك إذا كانت فرضية بيكيتي صالحة لبلدان المنطقة. وإضافةً إلى أنه من الناحية المنهجية ثمّة علاقة بين معدل الفائدة الحقيقي ومعدل الفائدة على الودائع؛ إذ إنّ ارتفاع معدل الفائدة على الودائع يعني ارتفاع معدل الفائدة الحقيقي، فإن لإيجاد مصطلح علاقة بين هذين المتغيرين ما يُبرّره. من المتوقع في الدراسات أن يكون للمتغيرات المذكورة سابقًا والمستخدمة بصفة مؤشرات على عوائد رأس المال أثرٌ عكسي في التفاوت الاقتصادي في المنطقة؛ أي عندما تزيد هذه المتغيرات، يزيد التفاوت أيضًا في الآن نفسه.

ج. متغيرات النمو الاقتصادي

نموّ الناتج المحلي الإجمالي تبعًا للبنك الدولي، هو المعدل السنوي لنمو الناتج المحلي الإجمالي بأسعار السوق على أساس العملة المحلية الثابتة. والناتج المحلي الإجمالي هو مجموع القيم الإجمالية المُضافة من جميع المقيمين المنتجين في الاقتصاد، مضافًا إليه أي ضرائب على المنتوجات، مطروحًا منه أي دعم غير مُدرَج في قيمة المنتوجات. ويُحسب من دون إجراء خصومات في مقابل اهتلاك الأصول المصنعة، أو استنفاد الموارد الطبيعية وتدهورها. ومن المتوقع في الدراسات عن نمو الناتج المحلي الإجمالي أن يكون لهذا المتغير أثرٌ إيجابيٌّ في التفاوت الاقتصادي في المنطقة؛ أي عندما يزداد، يقلّ التفاوت في الآن نفسه. ريع النفط ريع النفط، بحسب البنك الدولي، هو الفرق بين قيمة منتج النفط الخام بالأسعار العالمية وتكاليف الإنتاج الإجمالية. وتشير الدراسات إلى أن وفرة الموارد الطبيعية في المنطقة، خصوصًا النفط والغاز، نقمة، وأن لريع النفط أثرًا سلبيًا في النمو الاقتصادي، وهو أمرٌ مبطئ له؛ لذا فهو يزيد من التفاوت الاقتصادي. وسنختبر هذه الفرضية في نموذج دراستنا. ومن المتوقع في الدراسات عن "لعنة الموارد" أن يكون لهذا المتغير أثر سلبي في التفاوت الاقتصادي في المنطقة؛ فعندما يزداد، يزداد التفاوت في الآن نفسه. يُبيّن الشكل 4() أن منحنى ريع النفط في ثلاثة بلدان، يتّخذ، على ما يبدو، نمطًا متشابهًا بسبب مواردها النفطية الضخمة التي تُعد أحد أهم عوامل الثروة في تلك البلدان. نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بسعر الدولار الثابت نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب البنك الدولي، هو الناتج المحلي الإجمالي مقسومًا على عدد السكان في منتصف السنة. وأمّا الناتج المحلي الإجمالي فقد عرّفناه سابقًا. حجم التجارة التجارة، بحسب البنك الدولي، هي مجموع الصادرات والواردات من السلع والخدمات مقيسة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. التصنيع والقيمة المُضافة التصنيع، بحسب البنك الدولي، هو الصناعات التي تنتمي إلى الأقسام 7-153 من التصنيف الصناعي الدولي الموحَّد. والقيمة المضافة هي المخرجات الصافية لقطاع مُعيّن بعد جمع المخرجات كلها وطرح المدخلات الوسيطة، ويحسب ذلك من دون إجراء خصومات في مقابل اهتلاك الأصول المصنعة أو استنفاد الموارد الطبيعية وتدهورها. ويتحدّد أصل القيمة المضافة باعتماد التصنيف الصناعي الدولي الموحَّد.

  1. Kim Petch, "Nominal vs. Real Interest Rate - Effects of Inflation," Money Crashers, 2016, accessed on 5/2/2020, at: http://bit.ly/2RtJAlo رياني /يناثلا نوناك ناك تكوين رأس المال ومعدل العائد على رأس المال والتفاوت الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المصدر:.Ibid

د. متغيرات اجتماعية واقتصادية

الأطفال غير الملتحقين بالمدارس في سن المرحلة الابتدائية من الإناث يُستخدم هذا المتغير في هذه الدراسة للإحاطة بصورة الحالة الاجتماعية والاقتصادية، وهو أحد العوامل المحددة لكيفية تأثير عدم المساواة بين الجنسين في التفاوت في المنطقة. ويعرض الجدول)2(نموذج قائمة البيانات المستخدمة في هذه الدراسة. ويشتمل النموذج على سنة مختارة لكل بلد من بلدان المنطقة العشرين المدروسة. ويُدرَج في القائمة مؤشر ثيل، إضافةً إلى ما درسنا من متغيرات مستقلة أخرى عن تكوين رأس المال ومعدل العائد على رأس المال، إلى جانب متغيرات النمو الاقتصادي وعوامل اجتماعية واقتصادية. فمثلً، ورد فيه أدنى قيمة لمؤشر ثيل في العيّنة المختارة 0.002 في دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 9961، أي إنّ الإمارات في عام 9961 كانت تضم سكانًا متساوين اقتصاديًا تقريبًا. وفي المقابل، ورد فيه أكبر قيمة لمؤشر ثيل في العيّنة العشوائية 0.40 في البحرين في عام 9921، أي إنّ البحرين في عام 9921 كانت تعاني تفاوتًا اقتصاديًا كبيرًا بين سكانها. ومن الأمثلة الأخرى على ذلك إجمالي الادخار المحلّي، حيث بلغ أعلى معدل في العيّنة نحو 70 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وكان في قطر في عام 005.2 أما الأسوأ في العيّنة فكان في لبنان في عام.2007

3. النموذج التجريبي

استخدمنا في هذه الدراسة بيانات مقطعية أو بيانات طولية، حيث لوحظ عدد N على فترات زمنية T، ودرسنا 02 بلدًا من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مدى 49 عامًا 012-1963(.)2 بيد أن البيانات المستخدمة غير متوازنة، لأنها لا تُستكمل على نحو متواصل في البلدان كلها. واستخدمنا في دراستنا نموذجَي انحدار "الآثار الثابتة" و"الآثار العشوائية" اللذين لهما آثار متوسطة ثابتة لكل بلد. وعبر إدراج الآثار الثابتة، نتحكم في متوسط الفروق بين البلدان؛ ومن ثم نُقلّل، إلى حدٍّ بعيد، من خطر الانحراف الناتج من المتغير المفقود. ويُقيّم النموذج العلاقة بين التفاوت الاقتصادي ومعدل العائد على رأس المال.

الشكل)2(إجمالي الادخار المحلّي في عيّنة من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

الشكل)3(معدل الفائدة على الودائع في عيّنة من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

الشكل)4(عائد النفط في عيّنة من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا