أحلام من دون أوهام: العائق البيروقراطي والفساد الإداري ومستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية
| 87 87 | ||
|---|---|---|
| * Mohamed Arafa محمد عرفة | أحلام من دون أوهام: العائق البيروقراطي والفساد الإداري ومستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية * * Dreams without Illusions: Bureaucratic Obstacles, Administrative Corruption and the Future of Democracy in the Arab Region * مدرس القانون الجنائي، كلية الحقوق، جامعة الإسكندرية، وأستاذ القانون المساعد الزائر، كلية الحقوق، جامعة كورنيل، نيويورك. Assistant Professor of Criminal Law, Faculuty of Law, Alexandria University, and Visiting Assistant Professorships, Faculty of Law, Cornell University, New York. ** تتكون هذه الدراسة من قسمين، يقدّم القسم الأول المنشور هنا مدخلً نظريًا لمفهوم الفساد الإداري وعلاقته بالديمقراطية. والقسم الآخر الذي يُنشر في العدد 43، يتناول الكيفية التي يمكن بها مقاومة الفساد من خلال حالتَي تونس ومصر، بما يشكّل امتدادًا للمدخل النظري (هيئة التحرير.) من سياسات عربية تبحث هذه الدراسة في ميكانيزمات إدارة شؤون الحكومة والشروط اللازمة لحوكمة فاعلة، مــع التركيــز على اقتــراح مدوّنات لقواعد الســلوك، وذلك بهــدف الحدّ من الفســاد. وتتعامل الدراســة مع الفســاد بوصفه مرض ًا متفش ّ ــيًا في المنطقة العربية، خصوصًا في مجال الإدارة العامة. وتتعامل مع الإدارة العامة بوصفها مجموعة من الهياكل والإجراءات والممارسات، مــع التركيــز على إجــراءات إصلاح القطاع العــام. وتتعامل مع الحوكمــة، بوصفها مجموعة مــن القوانيــن والقواعــد القانونيــة التي تقوم بهــا الحكومــة/ الدولة، أو تقوم بها شــبكات الأعمال، مع التركيز على عمليات الاتصال وصنع القرار للجهات الفاعلة المشــاركة. تســتنتج الدراســة أن القطــاع العام فــي معظم بلدان المنطقــة العربية يُعدّ الذراع الرئيســة للحكم، وإن بدرجــات متفاوتــة. والقطــاع العام في هذه البلــدان ضخم، وربما منتفخ ومتشــعّ ب جدًا، ومتعدّد الطبقات بالتأكيد، وذو طابع رســمي ومركزي إلى حدٍ بعيد، ويعتمد الإدارة التراتبية القائمة على الأوامر والسيطرة. كلمات مفتاحية: الفساد، البيروقراطية، الديمقراطية. This study examines the mechanisms of government affairs administration and the conditions for effective governance, focusing on proposing codes of conduct in the aim of reducing corruption. The study deals with corruption as a pervasive disease in the Arab region, especially in the field of public administration. It treats public administration as a set of structures, procedures and practices, with an emphasis on public sector reform measures. It deals with governance as a set of laws and legal rules that the government/state or business networks implement, with an emphasis on communication and decision-making processes among the actors involved. The study concludes that the public sector in most countries of the Arab region is the main arm of the government, albeit to varying degrees. The public sector in these countries is huge, perhaps bloated, certainly multi-layered, and largely formal and centralized, relying on hierarchical management based on orders and control. Keywords: Corruption, Bureaucracy, Democracy. | ||
مقدمة ونظرة إجمالية
على الرغم مما تتمتع به المنطقة العربية من مزايا، على المستوى الجيوسياسي، والديموغرافي (حيث النسبة السكانية العالية من الشباب الذين يزداد مستوى تعلّمهم تدريجيًا، وعلى مستوى الثروات، وعلى الرغم من أن عددًا من بلدان المنطقة نفّذ، على مدى عقود، عدة إصلاحات لزيادة الانفتاح الاقتصادي وتنويع مصادر النمو الاقتصادي وتطوير القطاع الخاص، فإن المنطقة تعيش الآن حالة اضطراب، حيث يشهد العديد من بلدانها حروبًا أهلية، تتسبّب بأضرار لا توصف لحياة البشر والبنية التحتية المادية، ويعاني عدد آخر عدم اليقين بشأن مستقبله السياسي. وإذا جاز لنا أن نفترض أن هذه المنطقة تشهد مرحلة انتقالية مضطربة، سياسيًا واقتصاديًا، فإن الأسئلة عن علاقة الدولة بالمجتمع المدني والسوق والحدود بين القطاعين العام والخاص والإصلاح الإداري، ستكون أهمَّ من أي وقت مضى1. يملك عدد من الدول العربية مؤسسات إدارية ذات طابع غربي لا تتوافق تمامًا مع الأنماط الثقافية والبُنى الاجتماعية والسلوك الفردي غير الغربي. وقد بدأت تبرز قيم الحوكمة الأفضل والفاعلة التي تشمل الشفافية والنزاهة والإنصاف والمساءلة؛ ما زاد الآمال بأنها لا بد من أن تغير العلاقة بين المواطنين والحكومة، ولا سيما المؤسسات العامة2. لا تركّز هذه الدراسة على السيرورات السياسية، بل على إدارة شؤون الحكومة والشروط اللازمة لحوكمة فاعلة، تُفهَم باعتبارها حكمَ القانون المطّرد والعمل الجماعي للسيطرة على الفساد، ولا سيما عبر وضع مدوّنات لقواعد السلوك. وتتعامل الدراسة مع الفساد بوصفه مرضًا متفشّيًا في المنطقة العربية، خصوصًا في مجال الإدارة العامة التي تُعرّف بأنها مجموعة منوعة من المبادئ العامة التوجيهية التي تُنظم كيفية إدارة الحكومات شؤونها. كذلك، تعرَّف الإدارة العامة من حيث التطبيق العملي بأنها مجموعة من الهياكل والإجراءات والممارسات، ويتصل بذلك إصلاح القطاع
رياني /يناثلا نوناك ناك
العام من حيث آليات تقديم الخدمات العامة (التسويق والتبادل التجاري والخصخصة والتعاقد الخارجي)، إلى جانب الإصلاحات الإدارية، مثل التغيير التنظيمي البيروقراطي وإصلاح الإجراءات في ما يتعلق بالفساد وإدارة الملِاك الوظيفي وطريقة إعداد الميزانية والإدارة المالية والحكومة الإلكترونية. وفي ما يخص الحوكمة، فهي تشمل العمليات الفائقة الأهمية كلها، سواء التي تقوم بها الحكومة/ الدولة أو التي تجري في السوق أو التي تنفّذها شبكات الأعمال في إطار النظام الاجتماعي، وسواء جرى ذلك من خلال القوانين، أو القواعد القانونية، أو سلطة المجتمع المنظم، أو أسلوبه. ومن ثم، تتعلق الحوكمة بعمليات الاتصال وصنع القرار بين الجهات الفاعلة المشاركة في مسألة جماعية تؤدي إلى إنشاء المعايير والمؤسسات الاجتماعية أو تعزيزها أو إعادة إنتاجها. ويمكن وصفها بكلمات أخرى بأنها العمليات السياسية القائمة داخل المؤسسات الرسمية وفي ما بينها. ويمكن لمجموعة منوعة من الكيانات (الهيئات الحاكمة) أن تحكم ويكون من مسؤوليتها وسلطتها اتخاذ قرارات مُلزمة في نظام جيوسياسي معيّن (مثل الدولة) عبر قوانين وقواعد راسخة. يتناول المحور الأول من هذه الدراسة العلاقة بين الفساد والديمقراطية. في حين يركز المحوران الثاني والثالث على الإطار القانوني النظري لما يمكن القيام به في الحرب ضد الفساد.
أولا: أ حجية الفساد: هل يلُازم الفساد تلبية الحق في الديمقراطية؟
هل هناك حق إنساني مشترك عالمي في الديمقراطية؟ تجيب الدساتير والقوانين ووثائق حقوق الإنسان الدولية بوضوح: "نعم"، فدستور الولايات المتحدة ينص على أن نظامها السياسي (نظام الحكم) يقوم على الحكم التمثيلي3. وتنصّ المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 9481 على أن "لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده، إمَّا مباشرةً، وإمَّا بوساطة ممثِّلين يُختارون بحرِّية"4. كما ينص إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام الذي وقعته الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي في عام 9901، في المادة 91 منه، على المساواة في
أحلام من دون أوهام: العائق البيروقراطي والفساد الإداري ومستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية
الحماية أمام القانون: "يستوي في ذلك الحاكم والمحكوم"، وعلى أن حق اللجوء إلى القضاء مكفول للجميع5. يتمثل جوهر الحق في الديمقراطية في أن تكون الحكومة التمثيلية خالية من الفساد، الذي يعرِّفه علماء السياسة والباحثون القانونيون بأنه "سلوك ينحرف عن الواجبات الرسمية لدور عام بسبب[...] مكاسب مالية أو متعلقة بالمكانة، أو ينتهك القواعد والقوانين عن طريق ممارسة أنواع معيّنة من النفوذ الخاص، بما في ذلك الرشوة والاختلاس"6. وقد أكدت معايير القانون الدولي والاجتهاد القضائي الأميركي أن القضاء على الفساد أمرٌ لا بدّ منه في الديمقراطية. وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 0032 في ديباجتها على أنها وُضعت بسبب "خطورة ما يطرحه الفساد من مشكلات ومخاطر على استقرار المجتمعات وأمنها ما يُقوِّض مؤسسات الديمقراطية وقيَمها والقيم الأخلاقية والعدالة، ويُعرِّض التنمية المستدامة وسيادة القانون للخطر"7. وتجدر الإشارة إلى أن المحكمة العليا الأميركية في قضية Buckley Valeo V.، بشأن تمويل الحملات الانتخابية، ذكرت "أن تقديم المناصب الحاليين والمحتملين الأموال لقاء أصحاب مقابل سياسيّ يُقوِّض نزاهة نظامنا الديمقراطي التمثيلي"8. وكما هو معروف عمومًا، فإن المحاكمة لا تكون عادلة إذا ارتشى القاضي، والموظف العام الذي يعمل لأجل ملء جيبه الخاص، لا يعمل بما يخدم المصالح العامة للمجتمع، والانتخاب لا جدوى منه إذا بقيت النتيجة ثابتة9. وبتعبير آخر، يتزعزع استقرار الديمقراطية العاملة الفاعلة إذا غابت المحاسبة بشأن النزاهة العامة10. لكن مجرد غياب الفساد لا يُحفّز المناخ الديمقراطي، والديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن توجد عندما يزدهر الفساد، بحسب ما كشفته التحليلات الكمية لتأثير الفساد في المجتمع11. فعلى سبيل المثال، حدّد استقصاء بشأن الفساد في أميركا اللاتينية أن له، إضافةً إلى نتائج الفساد العام في حد ذاته، تأثيرًا واضحًا ومدمّرًا يؤدي إلى انتشار "ثقافة عدم الثقة" والمحسوبية واللامبالاة تجاه المؤسسات العامة12. وبالمثل، وجدت دراسة عن الفساد في كوريا الجنوبية أن الفساد السياسي هو السبب الأهم في قضية ثقة الجمهور بالنظام السياسي للبلد13. وفي هذا الصدد، خلصت دراسة دولية أُجريت في عام 0022 بشأن الأسباب الجذرية للفساد، إلى أن المنافسة السياسية تُقلّل من الفساد، لأن حرية تبادل المعلومات وتكوين الجمعيات تقيِّدان الفرص المتاحة أمام أفعال الفساد14؛ ذلك أنّ
الفساد "يقطع العلاقة بين صنع القرار الجماعي وقدرة الناس على التأثير في القرارات الجماعية من خلال التعبير عن الرأي والتصويت، وهي العلاقة ذاتها التي تعرِّف الديمقراطية"15.
1. تعريف الفساد
ربما يتعيّن علينا، كما يفعل كثيرون، الانطلاق في التفكير بشأن مشكلات الفساد من دراسة الأسلوب الذي يزعزع به استقرار المؤسسات الديمقراطية. لكنّ باحثين كبارًا في شؤون الفساد يبرزون آثاره في نطاق أوسع من ذلك؛ فالقاضي جون نونان كتب تاريخًا موسَّعًا للرشوة16، وتتبّع أصولها في فترات وأماكن ومؤسسات لم تكن ديمقراطية على الإطلاق، كما كتب روبرت كليتغارد عن آثار الفساد الاقتصادية والتنموية، ووجده يتكاثر في الكثير من الأحيان في أماكن لا تتوافر فيها الديمقراطية17. يختلف هذان الباحثان في النظرة إلى الفساد، لكنهما يدركان أن للفساد معنى مزدوجًا غير عادي. ويتّسم أول تعريف للفساد تُقدّمه المعاجم بالطابع الأخلاقي البحت، فهو يشير إلى أي سلوك أو فرد متهتك أو منحرف أو ساقط أخلاقيًا18. وغالبًا ما يرتبط المفهوم الثاني ارتباطًا وثيقًا بالاحتيال أو، على نحو أضيق، بالاستخدام غير الصحيح لموقع يتمتع بالثقة بغية تحقيق منفعة شخصية (عدم الأمانة)19. وفي حين يهتم كليتغارد أكثر بالقيم العملية ذات الصلة بخيانة الثقة التي أُنيطت بالفرد حين مَنْحه موقعًا محددًا في العمل أو الحكومة20، فإن نونان يُسلّط الضوء على المعنى الأخلاقي الأوسع لما هو فاسد21. ومع ذلك، يركز كلاهما على
رياني /يناثلا نوناك ناك
منح وتلقّي منافع خاصة أو شخصية في مقابل معاملة تفضيلية من طرف موظف عمومي يفترض أن يكون قراره بخصوص موضوع معيّن بعيدًا عن مصالحه الخاصة22. وبناءً على ذلك، لا يعدّ الفساد، من قبيل تلقّي منافع خاصة خفيةً للتأثير في قرار يُفترض أن يُتخذ لمصلحة الآخرين بعيدًا عن التأثر بالمكاسب الخاصة، مجرد مشكلة للحكومات فحسب23؛ ففي هذا الصدد، قد يكون وكيل الشراء لشركة ما فاسدًا أيضًا حين يطلب إغراءات للتأثير في قراراته بخصوص المشتريات، ومن المؤكد أن الفساد لا يمثل مشكلة للديمقراطيات فحسب24، بل مشكلة اجتماعية شاملة أيضًا. وفي ما يخص اهتمام القاضي نونان بالمسألة الخُلقية، يرى أن كل ما يحيط بذلك يشترك في بعض السمات الجوهرية أخلاقيًا؛ فعندما يكون الشخص محلَّ ثقة على أساس أنه سيتصرف نيابة عن مصلحة شخص آخر وفقًا لمعايير معيّنة مفهومة (قواعد قانونية)، ويتلقّى أو يطلب، بدلً من ذلك، منافع خاصة، ويعلم (مسبقًا) أن ذلك سيؤثر في قراره، نكون في هذه الحالة أمام خيانة للثقة وخداع واحتيال وسوء استخدام للسلطة25، ويُعدّ من أعطى ذلك الشخص الحقَّ في التصرف نيابة عنه ضحيةً لإساءة استخدام الثقة، وأما ضحايا إساءة استخدام السلطة فهُم أولئك الذين حُرِموا من فرصة التعامل مع مؤسسة وفق قواعد الأمانة26. ومن ثم، تُعدّ هذه المفاهيم أساسية، ولذلك ليس من المستغرب أن نرى الدول كلها تحظر الرشوة باعتبارها شكلً أساسيًا من أشكال خيانة الأمانة والعمل اللاأخلاقي27. ومن وجهة نظر كليتغارد، تُحبِط خيانة الأمانة غايات المؤسسة التي وَضَ عت ثقتَها في موظف لها غير أمين28. وقد استطاعت العديد من الدول الاستعانة بالشركات الخاصة للتعرف إلى الفساد، ولا سيما في آسيا وأميركا اللاتينية وأوروبا. لكن الفساد لا ينسجم مع تنفيذ أغراض الإدارة والحكم الرشيد، التي قد تتعارض مع حاجات اللاعبين
أحلام من دون أوهام: العائق البيروقراطي والفساد الإداري ومستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية
الأثرياء في القطاع الخاص29. وعلى المدى الطويل، لا ينسجم مع الابتكار والتحديث الذي تتطلّبه الشركات التي تُحفّزها المنافسة؛ إذ تصبح المدفوعات غير المشروعة بديلً جذابًا من خفض الأسعار أو ابتكار المنتوجات30. ومختصر القول إنه حتى أكثر المؤسسات العامة بدائية وبساطة، لا يمكنها أن تعمل من دون الثقة بين أعضائها. وعمومًا، يتطلّب التعاون المتبادل الثقةَ، كما يتطلب التعاون العملي الفاعل إرادةَ الالتزام بالسعي الحثيث لتحقيق أهداف الوظيفة العمومية31. وقد يُطلب من بعض الأفراد في المؤسسة الانحراف عن الثقة والأمانة لأجل تحقيق مكاسب فردية وشخصية، ويكون ذلك بحثّه على الانحراف عن الصلاحيات الممنوحة له ومتابعة الأغراض المختلفة تمامًا لشخص خارج المنصب، مع أن هذا الفرد يكون قد وافق على الاضطلاع بدور في مؤسسة تعاونية ومُنح سلطة الآخرين على أساس أن تلك المنافع سوف تستخدم حصريًا لتحقيق أهدافهم32. ومن ثم، تحظر المؤسسات كلها رشوة أعضائها، وتعمل الدول على إنفاذ هذا الحظر عند التعامل مع مؤسسات حقيقية يتعيّن فيها تحصين التعاون33. ويجدر التنبيه إلى أمر قبل ترك هذا المجال الأكثر عمومية. ففي الحياة الواقعية، لا يمكن الفصل تمامًا بين الدوافع الخاصة واستخدام السلطة المؤتمَنة لأغراض محددة غير شخصية34. وقد لا يُمكن تنقية مجموعات الأشخاص المُنوط بهم سلطة وسائل أخرى؛ من ولاء لأحد أفراد الأسرة أو العشيرة، أو الأمل في عمل مستقبلي، أو توسل المساعدة اعتمادًا على صداقة قوية35؛ لذلك يجب رسم خطوط فاصلة تكون منوعة بحسب المجتمعات. وأمّا أن يكون تحديد الموقع الدقيق لهذه الخطوط موضوع جدال أو حتى تعسفيًا، فهذا لا يدحض الفكرة العامة القائلة إنه يجب علينا حظر المدفوعات التي يُظنّ أنها تخرق الثقة التي تعتمد عليها النشاطات التعاونية36.
2. الديمقراطية والفساد
في السياقات التي لا تكون فيها الديمقراطية متجذّرةً على نحو حاسم، يصبح السؤال عن الفساد سؤالً عمن تخدمهم الحكومة الديمقراطية وتتجه إليهم. تحدث الرئيس الأميركي أبراهام لنكولن في خطاب غيتيسبيرغ عن حكم "الشعب بالشعب ولأجل الشعب"، وتساءل إن كان هذا الحكم يدوم وكم سيدوم37. ونحن نتساءل ما إذا كان يمكن أي نوع آخر من الحكم الديمقراطي أن يستمر. فمن المرجح أن يبدو الحكم الديمقراطي الفاسد مُرضيًا للأغنياء وذوي الشأن والنفوذ، لكنه ليس بيد الشعب، ومن أجل الشعب. تكون الديمقراطية معرّضة لمخاطر كبرى إذا بدا أنه يتعيّن على كثير من السكان الاختيار ما بين شخصيات منتخبة تخدم مصالح دوائر انتخابية ضيقة، لكنها ثرية، أو حكومات أوتوقراطية تخدم مصالح أوسع بكثير38.
تكون الديمقراطية أيضًا عُرضة للاتهام بالفساد أكثر من الأشكال الأخرى للحكم لسببين: أولً، تُتيح حرية الصحافة والتعبير والاختيار السياسي المرافقة للديمقراطية، لمعارضي الحكم الفاسد، إساءةَ استخدام الموارد العامة، في حين لا يسمح الحكم العسكري أو حكم النظام الدكتاتوري ببساطة بهذا الأمر39. ثانيًا، تواجه عمل الديمقراطيات مشكلة واضحة تتمثل في تمويل النشاطات السياسية الإضافية التي إذا لم تُموَّل من عائدات الضرائب، فيجب تمويلها من أشخاص ذوي نشاطات خاصة من الذين سيرغبون، ولا ريب، في الحصول على شيء من المرشحين الذين يدعمونهم40. إن الثقة التي يمنحها الناس لهم سوف تتأثر حتمًا بمكاسبهم الشخصية من جمع
الأموال اللازمة للانتخاب41، وهذا شكل من أشكال الرشوة، على الرغم من أننا لا نميل إلى استخدام هذا المصطلح، لأنه يُضعف دعم الحكومات المنتخبة بطريقة لا تحصل مع الحكومات الأخرى. إضافة إلى ذلك، هناك استفسار عما إذا كان كبح الفساد في الديمقراطية أصعب، أم أسهل، من غيره. يكره الناس في أي بلد الفساد الذي يشعرهم بالخداع. وكلما زادت استجابة الحكومة لحاجات مواطنيها، زاد احتمال شعور المسؤولين العموميين بالتعويض عن إغراءات الفساد. إضافة إلى ذلك، يوفر وجود صحافة حرة وسيطًا ومؤشرًا حيويًا للرأي العام؛ إذ يمكن لهذه الصحافة اكتشاف وقائع الفساد وتوثيقها وفضحها أمام سكان كثيرين، الأمر الذي يمكن أن يشكّل رادعًا مؤثرًا42.
يمكننا مناقشة علاقات الفساد والديمقراطية من جهة أن الفساد قد يحدث في المستويات العليا، أو المستويات الدنيا، عبر النظام؛ إذ قد يكون منتشرًا ومُمنهجًا في أي مستوى من مستويات الأداء، أو قد يكون متقطعًا وظرفيًا43. وتجدر ملاحظة أن خطر إعادة إنتاج الفساد للتشاؤم والمحسوبية والشك، يعتمد عدم ثقة المواطن؛ ليس في الإدارة العليا فحسب، بل في الطريقة التي تُختار بها الحكومات، أي الانتخابات الديمقراطية. ويُعدّ الفساد في المستويات العُليا أكثر خطورة على الديمقراطية من الفساد في المستويات الأدنى؛ لذلك، إذا كانت المستويات العُليا نزيهةً، فالأرجح أن يسعى المواطنون لتغيير الإدارة العليا، وأن يطالبوا بالنزاهة في المستويات الأدنى44. ويُعدّ الفساد الممنهج أكثر خطورة على الديمقراطية من الفساد
رياني /يناثلا نوناك ناك
الظرفي والمتناثر؛ إذ إنه قد يغير موقف السكان كلّيًا، ويجعلهم يهجرون الشعور بالثقة كما لو أنهم كانوا سُذّجًا، ويُشجع الأطفال والكبار على قبول الخداع باعتباره أسلوبَ حياة. يتخلل الفساد الممنهج مؤسسات الدولة الرئيسة، ويمتد من الأعلى إلى الأسفل، وهو ذو طبيعة سياسية في الأساس. وفي العقود الأخيرة، فتحت ديناميات العولمة وتكنولوجيا المعلومات المتطورة الأبواب التي يمكن من خلالها أن ينتشر الأداء الفاسد من بلد إلى آخر. ففي روسيا مثلً، وهي واحدة من أكثر البلدان "فسادًا ممنهجًا" من الناحية الاقتصادية والسياسية، يلُاحظ أن الجريمة المنظمة تخترق قطاع "الأعمال عبر العالم"، وتحوّل الشركات إلى "آلات غسل للأموال"، وتولّد "أخلاقيات أعمال مغايرة"45. في انتفاضات الربيع العربي عام 0112، احتل الفساد مكان الصدارة في قائمة المظالم التي رفعها المتظاهرون46. ففي المغرب العربي على وجه الخصوص، عبّر المواطنون عن القلق من جودة الحكم، بما في ذلك حماية الحقوق واستقلال القضاء وحكم القانون والفساد، جنبًا إلى جنب مع المطالبة بالديمقراطية47. وقد صنَّف مؤشر مدركات الفساد لعام 0172، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية International Transparency، الدول وفق مقياس متدرّج من 0 (الأكثر فسادًا)، إلى 01 (الأكثر نزاهة)، وسجلت فيه العشرات من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا درجاتٍ متدنيةً، خصوصًا المغرب والجزائر وتونس وليبيا ولبنان ومصر48. وبناءً عليه، إذا كان الحق في الديمقراطية يشترط غياب الفساد السياسي، فيجب على بلدان الربيع العربي أن تكافح بفاعلية وكفاءة ثقافةَ الفساد من أجل تمكين هذا الحق. فحتى كانون الثاني/ يناير 0192، بقي إرث الربيع العربي لعام 0112 غير مستقر، ويوصف على غرار ما وصفه جون إف. كينيدي بأنه "حالم بلا أوهام"49، ولذلك أدرك سكان شمال أفريقيا أن الحكم على نجاح الربيع العربي لن يكون من خلال إعلاء شعارات المعايير الديمقراطية السامية في شوارع تونس أو ميدان التحرير، بل عن طريق ترجمة هذه المبادئ إلى
أحلام من دون أوهام: العائق البيروقراطي والفساد الإداري ومستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية
إصلاحات ديمقراطية حقيقية دائمة50. احتفلت تونس ومصر بخروج الدكتاتورَين من الحكم، لكن يبقى أن نرى ما إذا كانت المؤسسات في هذين البلدين تُمارس أدوارًا مُجدية في الحكم51. وقد اتخذت كل من المغرب وتونس ومصر خطوات إلى الأمام في مجال مكافحة الفساد المتجذّر الذي استمر عقودًا على مستويات الحكومة كلها، لكنّ العلاج يجب أن يؤدي إلى خفض شامل للفساد إذا أرادت هذه الدول تحقيق الديمقراطية52.
ثانيًا: إلى أين تتجه الإدارة العامة في المنطقة العربية؟
في بلدان عدة من المنطقة العربية، تتعاظم آمال المواطنين وقادة الأعمال والمجتمع المدني في ضرورة تأسيس الحكومات معايير متطورة للأخلاقيات والنزاهة وتقديمها في مجال الخدمة المدنية العامة، والوكالات الحكومية (الوزارات والهيئات شبه الحكومية)، والحكومة في حد ذاتها (الإدارة العامة)53. وقد صعدت هذه الآمال بعد تحسّن تركيز الصحافة واهتمام الإعلام الجماهيري والرقابة العامة، والمطالب المتزايدة من جهة عموم المواطنين والمجتمع المدني الذين يرغبون في رؤية نهاية للأداء الفاسد وأفعال الاحتيال التي كانت سائدة54. ومن ثم، ينبغي تعزيز مدوّنات قواعد السلوك والأخلاقيات الملائمة بعد اعتمادها كي تصبح فاعلة، وذلك بوساطة مجموعة منوعة من الآليات الأخرى والتدريب والقيادة الإدارية والسياسية. وإذا كان قد أُحرز مؤخرًا بعض التقدم في مجال تطوير أخلاقيات الخدمة المدنية الفاعلة ومدوّنات قواعد السلوك وآليات الشفافية وأنظمة النزاهة ووكالات مكافحة الفساد، فإن ثمة حاجة ماسّة إلى التركيز على المجالات ذات الصلة بمشكلات إحلال النزاهة والأخلاق في عمل الحكومات الديمقراطية وهيئات الخدمة المدنية55. وفي الديمقراطيات الضعيفة حيث ينتشر الفساد، يكون لدى كبار السياسيين الذين مكّنوا أنفسهم بطريقة غير مشروعة، حوافز قوية للتشبث بالسلطة بأي وسيلة وتجنّب المقاضاة، ومن ثم الاستمرار في كسب المال لإثراء أنفسهم. ولأجل البقاء في السلطة، قد يسعى القادة الفاسدون لإضعاف الضوابط الديمقراطية على سلطتهم؛ على
سبيل المثال، عن طريق زجر المنافسة السياسية من خلال الاحتيال الانتخابي وتطهير أوساط الخدمة المدنية من خصومهم ووهن الهيئات التنظيمية. وغالبًا ما يتجاوزون المؤسسات الرسمية المعنية بتمكين الشفافية في الإنفاق الحكومي وغيره من القرارات، وفي الوقت نفسه، يُسيّسون الهيئات الرقابية والقضائية، أو يتركونها في وضع ضعيف. وفي بعض الحالات، تُستخدم مؤسسات الدولة باعتبارها آليات قمعية تضمن استمرار الحكم القائم؛ وفي الحصيلة، يجري الانتقال من "حكم القانون" إلى "الحكم بالقانون"، وتُقوّض هذه الإجراءات عمليات ترسيخ الديمقراطية، وتعوّق المزيد من الدمقرطة56. توضع مدوّنات الأخلاقيات بُغية إرشاد السلوك، ويجب أن يتضمن أيُّ تحليل نهائي لفاعلية المدوّنة معرفةَ مدى تأثيرها في السلوك. ويناقش الباحثون القانونيون ما إذا كانت المدوّنات الأكثر عمومية هي مجرد بديهيات، وما إذا كان على المدوّنات الأكثر تفصيلً
أن تتضمن توجيه السلوك في موضوعات الخلاف بين الأفراد العاديين57. وتقترح الأبحاث النفسية الاجتماعية الحديثة الحالية بقوة أن المدوّنات يمكن أن توجه، أو تشجع، في البلدان النامية السلوك الذي يُعدّ حيويًا في الأداء الفاعل للخدمة العامة58. ولا تُوجَّه المدوّنات إلى الأشخاص "السيئين"، بل إلى الذين يرغبون في التصرف خُلقيًا، فنادرًا ما يتبع الشخص الفاسد مدوّنة، في حين أن معظم الناس، ولا سيما موظفو الخدمة العامة، يرغبون في الحصول على إرشاد أخلاقي في المواقف الصعبة أو غير اليقينية59. إن الشخص العادي لا يكون فاسدًا تمامًا، لكنه غالبًا ما يكون متمنيًا في نفسه، وأحيانًا مرتبكًا، حين يواجه موقفًا أخلاقيًا؛ ذلك "حين تكون الإغراءات كبيرة، وحين يكون ثمن الالتزام مرتفعًا (من حيث التضحية بمصالحك على سبيل المثال)، وحين تكون العواقب الاجتماعية للانتهاك (أذى الآخرين) بسيطة نسبيًا، وحين تكون تكاليف الانتهاك منخفضة؛ ففي مثل هذه الظروف، يسهل عليك أن تبتعد عن القيام بما يجب عليك فعله"60. ينبغي للاهتمام الاجتماعي العام، بغية تدارك ما يُهدد المُثل الأخلاقية وقيم النزاهة في القطاع العام، أن يُعالج أفعال الترهيب الممنهجة التي يمكن أن تؤدي إلى تراجع الولاء للقيم الأخلاقية الأساسية في القطاع العام وتدهور الالتزام بالحكم الرشيد، وأن يهتم بصوغ الاستجابات السياسية والإدارية الأساسية61. ووفقًا لمبادئ القانون الإداري العامة، يكون من الضروري تعزيز الكفاءة الأخلاقية لموظفي الخدمة المدنية، وإنشاء آليات لدعم "الأخلاقيات المهنية" لموظفي الخدمة العامة من خلال تبنّي أساليب جديدة لإضفاء الطابع المؤسسي على اتخاذ القرارات التي تتطلب كفاءة أخلاقية، وتقديم المشورة غير المُتحيّزة للحكومة، وفي المآل، ترسيخ "ثقافة أخلاقية" تُعزّز المسؤولية المهنية والانضباط الذاتي وتدعم سيادة القانون62.
رياني /يناثلا نوناك ناك
وإضافة إلى ذلك، يتطلب تطوير ممارسات وعمليات إدارية تدعم الفلسفات الأخلاقية والنزاهة عبر اقتراح قوانين أخلاقية جديدة، تنفيذًا فعليًا؛ مثلً من خلال ممارسة الإدارة الفاعلة للأداء التي تدعم تطبيق القيم الأخلاقية والقيادة الأخلاقية المنصوص عليها في مدوّنات الأخلاقيات ذات الصلة بالخدمة المدنية (وشبه الحكومية)63. إن مدوّنات الأخلاقيات الفاعلة ليست نصوصًا مجردة، بل إنها تضع المبادئ والقيم الأساسية لأي خدمة عامة. ويمكن أن تشمل تلك المدونات مبادئ توجيهية ذات صفة قانونيّة، مثل القيود المفروضة على تعزيز الشفافية ومنع تضارب المصالح64، كما تشمل قيمًا أيضًا. إن العناصر الأساسية للمدوّنة مشتقة من فلسفات أخلاقية. وقد ميّز الفيلسوف البريطاني جيرمي بينثام بين مفهومي "المبدأ" و"القيمة"65، فالمبدأ هو "قانون عام أو قاعدة عامة توجّه السلوك أو القرارات"، في حين أن القيمة تُعبّر عن "طموح إلى حالة أخلاقية مثالية"66. وحديثًا، وضّ ح تيري ل. كوبر هذه العلاقة في مجال الخدمة العامة، فقال: "المبدأ الأخلاقي بيان يتعلق بالسلوك أو حالة الوجود المطلوبة لتحقيق قيمةٍ من القيم، ويربط المبدأ بوضوح بين القيمة والأسلوب العام للفعل. وعلى سبيل المثال، يمكن اعتبار العدالة قيمةً مهمةً، لكن المصطلح نفسه لا يُخبرنا عن أي قاعدة يتعيّن على السلوك أو حالة المجتمع أن تتبعه إذا أدرجنا العدالة في نظام قيمنا. نحتاج إلى مبدأ للعدالة يُبيّن لنا نمط الفعل الذي يجسّد العدالة بوصفها قيمةً. فمن بين الأشكال الشائعة لمبدأ العدالة: 'عامِلْ المتساوين على نحوٍ متساوٍ، وغير المتساوين على نحوٍ غير متساوٍ.' قد نفسر هذا المبدأ كما يلي: إذا كان جميع المواطنين البالغين متساوين سياسيًا، فيجب أن يتمتعوا جميعًا بالحقوق والواجبات السياسية نفسها. فإذا كان للمرء حق التصويت، فيجب أن يحصل عليه الجميع"67.
أحلام من دون أوهام: العائق البيروقراطي والفساد الإداري ومستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية
يسعى الكثير من مؤسسات الخدمات العامة الحديثة إلى وضع مدوّنة أخلاقيات وتطويرها بالاستفادة من مدخلات مُستقاة من موظفيها، وهذا يولِّد بيئةً للمساهمة، وكذلك لتطوير الشعور بأصالة مجموعة من الالتزامات الرئيسة وسياقًا لتلك الواجبات، تقول كارول لويس: "تكمن سلطة الأشخاص الذين في المناصب/ الخدمة العامة، مقارنة بمن يخدمونهم، وراء الفكرة الحيوية المتمثلة في أن 'الخدمة العامة هي ثقة عامة'، وتفسِّر لماذا يفرض الكثير من المدونات الإدارية والمهنية مسؤوليات خاصة على الموظفين المدنيين الذين، بوصفهم مفوَّضين بالخدمة مؤقتين، يمارسون سلطة ومرجعية عامتين"68، وهذا يتكفّل بتطوير حُكم المسؤول العام نحو الديمقراطية، ذلك حين يكون الوضع معكوسًا في الدول التي تخضع للطغيان أو "حكم اللصوص" Kleptocracy، حيث يكون موظفو الخدمة العامة مفوَّضين بالخدمة، ويمارسون باستمرار السلطة نيابة عن الحكام. الديمقراطية ليست حالة ثابتة، بل سيرورة عضوية. وكجزء من هذه السيرورة، تطوِّر البلدان المُتّجهة نحو الديمقراطية المزيد من الأفكار الراقية بشأن القيم والمبادئ. وحتى في البلدان المتقدمة كثيرًا، يمكن أن تُصبح هذه القيم أكثر شمولً حين يواجه المجتمع تحدي فضائح الفساد69؛ فالسلوك الذي كان يُعدّ في السابق مناسبًا، يُدان حين ينظر إليه من خلال عدسة المبدأ. تُعيد هذه العدسة موضعة الفعل في الكثير من الأحيان، وتعتبره سلوكًا لا يُطاق من شخص في منزلةِ مفوَّض مؤقت بتحقيق المصلحة العامة70. وغالبًا ما يُنظر إلى هذه المشكلة باعتبارها مشكلة "دولة"، لكنها في الواقع تحدث في أي منظمة عامة، بما في ذلك المنظمات المُتعدّدة الفروع71. ففي ظل الديمقراطية، يجب أن تتوافر سلسلة شاملة من القيم الأخلاقية الجوهرية في الخدمة العامة، منها القيم التي تتجاوز السلوك الفردي لتُعالِج قضايا الثقافة الأخلاقية داخل المنظمات72. جادل باحثون قانونيون وعلماء سياسة في أنه ينبغي أخذ بعض الاستراتيجيات المحددة في الاعتبار، وهي تشمل:.1 تشريعات عملية فاعلة تتطلّب من المسؤولين العموميين تبرير قراراتهم الرسمية (على سبيل المثال، قانون حرية المعلومات)،.2 مواقف من الإدارة تشجع جميع موظفي الخدمة العامة وموظفي الخدمة المدنية على التعامل بحسم مع الفساد والأفعال غير الأخلاقية عندما يواجهونها، مثل قانون حماية "المبلغين" لضمان وحماية "التبليغ عن معلومات من أجل المصلحة العامة" في ما يخص سوء سلوك المسؤولين،.3 مراجعة الأخلاقيات للتعرف إلى المخاطر التي تُهدّد عمليات النزاهة (الإدارة المالية، والعطاءات، والتوظيف والترقية، والإقالة والانضباط)، 4. سياسات جديدة لإدارة الموارد البشرية، تتناول "التقصير في الأداء" الأخلاقي والإجراءات التأديبية اللازمة والترقية والتعيين على أساس الجدارة، إلى جانب الحماية من التمييز، 5. التدريب والتطوير في محتوى مدوّنات قواعد السلوك (مثل، مبادئ الإدارة الأخلاقية، وعدم إساءة استخدام السلطة، ومتطلّبات المسؤولية المهنية)، 6. إجراءات فاعلة خارجية وداخلية بشأن الشكاوى وجبر الضرر73. حاليًا، بات من المعترف به عمومًا، أنه لا غنى عن مدوّنات الأخلاقيات الهادفة والقابلة للتنفيذ، المرتبطة بممارسات وإجراءات ممنهجة، والقائمة على القانون، والمستندة إلى قيادة إدارية والتزام سياسي رفيع المستوى، وتدريب مستمر على "الأخلاقيات المهنية"74. تبقى المشكلة الرئيسة التي تواجه تنفيذ مدوّنات قواعد السلوك على نحو فاعل في بلدان المنطقة العربية هي ألّ يكون لأي قانون أو مدوّنة قيمة كبرى ما دام موظفو الخدمة العامة يفتقرون إلى الكفاءة الفنية للتعرف إلى المشكلات الأخلاقية، أو لا يعرفون المعايير التي تتوقعها مؤسساتهم منهم، أو (وذلك هو الأسوأ) لا
يرون أنّ من مصلحتهم، شخصيًا أو مهنيًا، اتخاذ موقف لمصلحة الشفافية والنزاهة وضدّ الفساد75. وسيكون من الأفضل حينها، أن تكون المدوّنات الأخلاقية بيانًا عامًا عن "القيم الأساسية" تُحدّد الدور المهني للخدمة المدنية، فتضع مبادئ عريضة عالية المستوى، مثل النزاهة والمساءلة والجدارة بالثقة، وما إلى ذلك، لكنها لا تولي سوى القليل من الاهتمام لكيفية تطبيق هذه المبادئ في أوضاع محددة76. تجدر الإشارة إلى أن المدوّنة تخدم أغراضًا مهمةً عدة خارجيًا، إن الامتثال للتشريعات، مثل قانون ساربينز حيث -أوكسلي Sarbanes-Oxley لعام 2002 77، يتطلّب من الأفراد العاملين في مجالس الإدارة والقادة التنظيميين في الشركات العامة تطبيق مدوّنات وتنفيذها، أو توضيح لمَ لمْ يفعلوا ذلك78. ويُعدّ الترويج أيضًا أمرًا حيويًا، حيث تعمل المدوّنة بوصفها بيانًا عامًا لما تُمثّله المؤسسة العامة، ولواجبها في ما يتعلق بالمعايير العالية والسلوك السليم79. يُضاف إلى ذلك أيضًا تخفيف المخاطر؛ حيث يمكن المؤسسات العامة التي لديها مدوّنات سلوك وتتبع خطوات محددة أخرى، كما في إرشادات إصدار الأحكام الفدرالية للجنة إصدار الأحكام في الولايات المتحدة، تقليل المخاطر المالية المرتبطة بالغرامات الحكومية على سوء السلوك الأخلاقي من خلال الإشارة إلى أنها فُرضت "بحُسن نيّة" لمنع الأعمال غير القانونية80. وفي الحدّ الأدنى، تتبنّى غالبية الوظائف العامة الحديثة أو القوانين الأخلاقية أو مدوّنات قواعد السلوك المتعلقة بالخدمة المدنية، مجموعة المبادئ التالية:
1. خدمة المصلحة العامة (الخير العام)
يُتوقع من المسؤولين العامين والموظفين المدنيين الحفاظ على ثقة العامّة بالحكومة وتعزيزها عبر إظهار أعلى معايير الكفاءة
رياني /يناثلا نوناك ناك
المهنية والفاعلية والأهليّة، ودعم الدستور والتشريعات إلى جانب اللوائح التنظيمية والسعي لتعزيز الخير العام للمجتمع دائمًا81.
2. الشفافية والنزاهة
يُتوقع أن يستخدم الموظفون المدنيون السلطات والموارد المُتاحة لهم في سبيل الخير العام والخدمة العامة بموجب سياسة الحكومة. ويجب أن يتحملوا المسؤولية عن القرارات التي يتخذونها، ويكونوا على استعداد لتبرير أفعالهم. ويجب أن يتصرفوا بموجب المصلحة العامة فحسب، من دون اعتبار لمصالحهم الخاصة أو الشخصية. ولمّا كانت المناصب العامة هي أمانة عامة، فإن إساءة استخدام منصب الخدمة العامة (تضارب المصالح)، يُعدّ إخلالً خطرًا بالواجب ويمكن أن يُعدّ جريمةً جنائيةً في النظم القانونية في مختلف البلدان82.
3. حق حماية التبليغ عن سوء سلوك غين رسمي (حماية "المبل)"
في ما يتعلق بتحسين المساءلة وتعزيز مكافحة الفساد الإداري، سنّت بعض البلدان تشريعات لإقرار حق محمي يجوز للفرد فيه "التبليغ لأجل المصلحة العامة" عن أي فساد، أو سوء سلوك من موظف عام، مشتبه فيه أو فعلي. وتكون المهمة الرئيسة للأحكام المتعلقة بحماية "المبلغين" الحفاظ على توازن معقول وفاعل في ما يخص التبليغ الاختياري عن المخالفات الرسمية عبر حماية أولئك المُبلّغين من أعمال الثأر أو الانتقام83. وتجدر الإشارة إلى أن الانتقام قد يُعرَّف بأنه فعلٌ من أفعال سوء السلوك إذا كان الشخص موظفًا عامًا، أو انتهاكٌ للقانون الجنائي إذا كان الشخص مواطنًا عاديًا84.
أحلام من دون أوهام: العائق البيروقراطي والفساد الإداري ومستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية
ومن الناحية القانونية، تتطلّب قوانين حماية المُبلّغين من الوكالات الحكومية توفير إجراءات إدارية فاعلة وملائمة لتشجيع التبليغ من أجل المصلحة العامة وضمان الحفاظ على هوية المُبلِّغ سريّةً إلى أقصى حد ممكن بما يتماشى مع التحقيق الجاري بشأن التبليغ. إضافة إلى ذلك، يتعيّن على المؤسسات الحكومية توفير الإجراء المستحَق والفاعل لضمان حماية هذا الفرد المُبلِّغ من الأفعال الثأرية أو الانتقامية85. اعتمدت بلدان عدة ضوابطَ قانونيةً صارمةً بشأن إدارة الأموال العامة وإنفاقها؛ بهدف مراقبة الإنفاق العام، والتقليل من الفساد واختلاس الأموال العامة86. وتشرف على معظم هذه التدابير مؤسسة تدقيق مستقلة، إضافة إلى لجنة للحسابات العامة، تعتمدها بعض البرلمانات بغرض تكثيف الرقابة على ميزانية الحكومة87. وفي ما يتعلق بالإصلاح التنظيمي، أقرّت بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، القضاء على "الروتين الإداري" الذي لا داعي له، أو البيروقراطية الاستنسابية، الأمر الذي قد يساهم إلى حد بعيد في خفض التكاليف الحكومية عن طريق تقليل حجم جهاز الإدارة العامة وتكاليف الامتثال للمجتمع88. وعلى أي حال، فإن أهم هذه الإصلاحات هو القضاء على "الفساد الصغير"، عن طريق المساهمة في الحدّ من الضوابط الإدارية عبر تقليل الإجراءات الإدارية التي يتوسّلها البيروقراطيون، ومن ثم منعهم من أخذ رشاوى أو إتاوات، فضلً عن "مدفوعات التيسير" من بين أمور أخرى كثيرة من أفعال الاحتيال89. تُعدّ اختبارات النزاهة من أهم الآليات المستخدمة لتتبع نتائج تطبيق مدوّنة قواعد السلوك وكيفية عملها في مؤسسة عامة، حيث تستخدم هذه الاختبارات وكالاتُ التوظيف أو هيئات مكافحة الفساد للكشف عن الأفراد المستعدين لقبول رشوة، أو أي حافز آخر، بغرض التصرف بطريقة فاسدة عن طريق القيام (أو عدم القيام) بشيءٍ ما يتعيّن عليهم القيام به بموجب منصبهم90. ومن التطوّرات الحديثة نسبيًا في هذا الصدد، إدخال اشتراطات رسمية، حيث يُطلب من جميع المواطنين في معاملاتهم الرسمية مع الهيئات العامة والمسؤولين العموميين المطالبة بأفعال مشروعة وصادقة من دون أي نيّة فاسدة؛ وذلك، على سبيل المثال، عن طريق تقديم حوافز إلى موظفي الخدمة المدنية على نحو غير صحيح91. وبموجب هذا الالتزام القانوني، يُتوقع من المواطنين الامتناع عن ارتكاب أي سلوك خادع أو مضلِّل أو احتيالي، وإبلاغ الجهة المختصة عن أي نشاط فاسد أو سوء سلوك فعلي أو مشتبه فيه92، وهذا يساعد هيئات التدقيق وحفظ السجلات إلى جانب وكالات مكافحة الفساد في إجراء تحقيقات شاملة واتخاذ تدابير جدّية ضدّ الأفراد الفاسدين في الوظيفة العمومية الذين يسيئون استخدام المنصب، أو يحاولون تقويض تنفيذ مدوّنة الأخلاقيات93. في ظل مثل هذه الدروس، نرى أنه ينبغي لبلدان المنطقة العربية أن تعيد النظر في تأثير ممارسات إدارات الموارد البشرية، بما تُقدّمه من خدمة مدنية، سابقًا وراهنًا، في المناخ الأخلاقي المحيط. وإنّ المؤسسة العامة التي تفشل في تطبيق مدوّناتها الأخلاقية من خلال التدريب المناسب، والقيادة الإدارية الفاعلة، وفرض إجراءات تأديبية قوية، لن تكون قادرة على محاربة الفساد، أو تقديم الخدمات إلى الجمهور. ويعتمد الترقي والتوظيف في معظم ممارسات الخدمة المدنية الحديثة على مقاييس الجدارة، وليس على المحسوبية
(الصلات السياسية أو العائلية)، ويكون ذلك محميًّا بالقانون94. فمن الناحية القانونية، يحظر القانون بصفة عامة المحسوبية والوصاية، وتتكفّل بذلك آليات تنظيمية مستقلة وفاعلة95. إضافة إلى ذلك، يجب أن يكون التأديب (العقوبات) في الخدمة المدنية والممارسات الإدارية موضوعيًا وعادلً ومعقولً، حيث يُفترَض أن يكون المديرون قد تلقوا تدريبًا يُتيح لهم إجراء تقويم دقيق لأداء الموظف في الخدمة المدنية96. وتجدر الإشارة إلى أن الموظفين العامين لن يتقيّدوا بمدوّنة قواعد السلوك إذا ما لاحظوا، روتينيًا، أن الانتهاكات الجسيمة للمدوّنة تتجاهلها القيادة، حيث يتعيّن على المديرين التنفيذيين، بما في ذلك القيادة السياسية، أن يكونوا النموذج الذي يُحتذى.
4. الشرعية والإنصاف
يُطلب من الموظفين العامين تولّي إدارة القوانين واللوائح وممارسة السلطة الإدارية نيابة عن الحكومة أو البرلمان، أو أي هيئة أخرى متخصصة من هذا القبيل97. ويجب أن تمارس تلك السلطة بطريقة قانونية ومستقلة ومن دون خوف أو محاباة، حيث تُحقق أغراضها العامة الملائمة كما هو محدد، ويجب على الموظفين المدنيين اتخاذ القرارات والتصرف بطريقة مُنصفة وعادلة، من دون تحيّز أو تمييز أو تحامل، واضعين، فحسب، في أذهانهم مراعاة الأسس الموضوعية للمسألة المطروحة أمامهم واحترام حقوق المواطن98.
رياني /يناثلا نوناك ناك
5. الكفاءة والفاعلية والوعي
يُطلب من الوكلاء وموظفي الحكومة خدمة مصالح الحكومة والموظفين المدنيين الآخرين وجميع المواطنين وحاجاتهم الحقيقية، في الوقت المحدد، مع الرعاية والتقدير واللطف، كما يُطلب منهم الحصول على أفضل قيمة للأصول العامة وتجنب هدر أو إساءة استخدام أو اختلاس الأصول والأموال العامة99. بصفة عامة، وفي مجال الخدمة المدنية، يؤكد تقديم الخدمات الذي طوّرته وكالات الخدمة المدنية وشبه الحكومية، والقانون الإداري، تدريجيًا الخدمة والمساءلة باعتبارهما جانبين رئيسين في إصلاح الخدمة المدنية، وفي هذا الصدد رُسِّخت أيديولوجيات أخلاقية أساسية ومواقف وممارسات صريحة عدة، منها: الخدمة: للمواطنين حقوق في السلع والخدمات من مختلف الأنواع، ويُتوقع من الموظفين العامين التركيز، على نحو رئيس، على خدمة عموم المواطنين والحكومة، وتجنّب أي مصالح خاصة أو منافع شخصية. وإن أي عوائق إدارية زائدة "(البيروقراطية" أو "الروتين)" أمام تقديم الخدمة الفاعلة يجب تمييزها وإزالتها100. المساءلة: يجب أن تكون القرارات التي يتخذها الموظفون المدنيون والموظفون الرسميون شفافة ومبررة على أسس معقولة ومُتاحة في أي وقت101.
أحلام من دون أوهام: العائق البيروقراطي والفساد الإداري ومستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية
الشكاوى: يُطلب من الموظفين العامين نيابة عن وكالاتهم توفير آليات عملية فاعلة يمكن من خلالها للمواطنين ومجتمع الأعمال تقديم شكاوى بشأن أداء الوكالة وتلقّي المعالجات الملائمة. وتجدر الإشارة إلى وجوب أن تراقب كل مؤسسة إجراءات الشكاوى الإدارية داخليًا لضمان إعادة فحص الأنظمة، ومن ثمّ تحسين أدائها102. لا توجد عصًا سحرية لمحاربة الفساد الإداري. وقد أحرزت بلدان كثيرة تقدمًا واضحًا في كبحه، لكنّ الممارسين يترقبون دومًا الحلول ويرصدون الدلائل على مدى تأثيرها. وقد جادل باحثون قانونيون بأن هناك خمس طرائق يمكن بوساطتها أن يُحرز المواطنون والحكومات تقدمًا في مكافحة الفساد الإداري، خصوصًا في مجال الخدمة العامة: وضع حد للإفلات من العقاب: يُعدّ إنفاذ القانون الساري واللوائح التنظيمية أمرًا حيويًا لضمان معاقبة الفاسدين وكسر حلقة الإفلات من العقاب أو عدم المحاكمة أو الخسارة. وتُدعم طرائق الإنفاذ الناجحة بإطار قانوني قوي، وبأقسام إنفاذ القانون ونظام قضائي مستقل وفاعل. ويستطيع المجتمع المدني مؤازرة هذه العملية بمبادرات على غرار حملة منظمة الشفافية الدولية للكشف عن الفساد103. تعزيز الشفافية والوصول إلى المعلومات: تملك البلدان الناجحة في الحد من الفساد الإداري تقليدًا طويلً من الانفتاح الحكومي وحرية الصحافة والشفافية والوصول إلى المعلومات. ويزيد الوصول إلى المعلومات من تقبّل الهيئات الحكومية، ويُحقق في الوقت نفسه نتائج إيجابية على صعيد المشاركة العامة في البلد104. تمكين عموم المواطنين: يُعدّ ترسيخ حق مطالبة المواطنين بمكافحة الفساد وتمكينهم من مساءلة الحكومة منظورًا له ما يُبرّره، وينبغي الحفاظ عليه لأنه يساعد في بناء الثقة المتبادلة بين المواطنين والحكومة. فعلى سبيل المثال، ساهمت مبادرات المراقبة المجتمعية في بعض الحالات في الاعتراف بالفساد وخفض تدفّقات الأموال إلى الخارج وتحسين كمية الخدمات العامة ونوعيتها105. إصلاح الإدارة العامة والإدارة المالية: حققت الإصلاحات التي تركّز على تحسين الإدارة المالية وتعزيز دور وكالات التدقيق في الكثير من البلدان مفعولً أقوى من إصلاحات القطاع العام الهادفة إلى كبح الفساد، ولا سيما في مجال مكافحة الرشوة والنصب واختلاس الأموال العامة، إلى جانب استغلال النفوذ. ومن بين هذه الإصلاحات، الإفصاح عن معلومات الميزانية الذي يحول دون إهدار الموارد وإساءة استخدامها، إضافةً إلى الإفصاح عن أي نشاطات إجرامية احتيالية106. منع منافذ التهرّب الدولية وإغلاقها: من دون الوصول إلى النظام المالي الدولي، لن يتمكن الموظفون الحكوميون الفاسدون في أنحاء العالم كلها من غسل عائدات أصول الدولة المنهوبة وإخفائها. وينبغي للمراكز المالية الرئيسة - على نحو عاجل - وضع طرائق لمنع مصارفها ومراكزها المالية الخارجية المساعِدة من استيعاب التدفقات غير المشروعة للأموال، كما ينبغي لها النهوض في مجال استرداد الأصول وتطويرها. ففي هذا الصدد، وافق الاتحاد الأوروبي مؤخرًا على التوجيه الرابع لمكافحة غسل الأموال الذي يطلب من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إنشاء سجلات للمالكين المستفيدين من الشركات المُنشأة داخل حدودها، لكن هذا التوجيه لا يطلب نشر هذه السجلات علنًا107. إن هذه المعايير التي تقترحها المبادئ العامة للقانون العام، خصوصًا القانون الإداري، لا تضبط كيفية تواصل الموظف العام مع الجمهور وخدمته فحسب، بل قد تُستخدم أيضًا في تطبيق معايير السلوك الأخلاقي من خلال حظر طلب الرشوة أو المغريات أو العمولات ووضع المساءلة موضع التنفيذ بتوفير سُبل معالجة
الشكاوى وعدالة الإجراءات من خلال المطالبة ب "مراعاة الأصول القانونية" وسيادة القانون في صنع القرارات والسياسات. وبتعبير آخر، يُرجّح تحسين الوكالات الحكومية لوصول المواطنين إلى "جودة الخدمات" أن يجعل أعمال الحكومة والخدمة المدنية أكثر شفافية وقابلية للمساءلة108. وفي هذا الصدد، يمثل اتخاذ القرارات الرسمية بطريقة مخالفة للقانون وتعسفية وغير معقولة، ومن دون أي سبب معقول، جزءًا من سوء الإدارة المنتشر في البلدان العربية، فهي تفتقر إلى المزايا أو عدالة الإجراءات (ما يعني أنها طريقة فاسدة)109. ويمكن أن يتجسد سوء الإدارة في إساءة استخدام المنصب. وإساءةُ استخدام المنصب العام لتحقيق مكاسب خاصة هي التعريف القياسي للفساد110. ومن هنا، ينبغي للكثير من البلدان العربية مراجعة القرارات الرسمية التي نتجت من سوء الإدارة مراجعةً مستقلة، ومن خلال جهاز للتحقيق في المظالم أو محكمة الاستئناف الإدارية (القضاء)؛ ومن ثمّ إصلاحها، وتأديب موظفي الخدمة المدنية المسؤولين عنها111. يُضاف إلى ما سبق، وإلى جانب إنشاء وكالات مكافحة الفساد، وبموجب القوانين التي تحمي المواطنين حين الإبلاغ عن الفساد، أن دولً عدة وضعت وفرضت التزامًا أعلى على المسؤولين العامين (الموظفين المدنيين) للإبلاغ الإلزامي عن حالات الفساد وسوء السلوك الرسمي المشتبه فيها كلها، بما في ذلك ما يقع من انتهاكات خطرة لمدوّنات قواعد السلوك112. وتوفر بعض الحكومات (معظمها ليس في الشرق الأوسط) للمواطنين حقًا مشروطًا يتيح لهم الوصول إلى أي معلومات رسمية، باعتباره أحد حقوق الإنسان العالمية التي لا غنى عنها لضمان مساءلة المسؤولين العامين والحكومات،
رياني /يناثلا نوناك ناك
وذلك على وفق تشريعات تؤمّن حرية المعلومات113. وفي السياق نفسه، يتمتع المواطنون بموجب القانون بحق غير مشروط في إبلاغهم بأسباب أي قرار رسمي يخصهم مباشرة. ويتضمن هذا الحق إبلاغ المواطن رسميًا في وقت اتخاذ القرار بالدلائل وغيرها من المعلومات التي اعتمدها صانع القرار، والإجراء المتبع، إن وُجِد، لمراجعة القرار114. وينبغي للمواطنين، بموجب القانون، أن يتمتعوا بضمانات بشأن مراعاة الأصول القانونية (حماية عدالة الإجراءات) في ما يتعلق بالقرارات الرسمية التي تؤثر فيهم تأثيرًا مباشرًا؛ ما يعني أن لهم الحق في جلسة استماع بشأن المسألة قبل اتخاذ أي قرار نهائي، والحق في معرفة الادعاء (أو القضية) ليتمكنوا من الدفاع على نحو عادل ونزيه115. وبناءً على ما سبق، تهدف مدوّنات قواعد السلوك إلى استباق أنواع معيّنة من السلوك وتجنّبها؛ ومن بينها مثلً، تضارب المصالح والتعامل الذاتي المنفعة والإتاوات والأفعال غير الملائمة. وعلى الرغم من أن مدوّنات قواعد السلوك يمكن أن تكون مختصرة، فإنها غالبًا ما تكون طويلة ومفصلة، انطلاقًا من أساس منطقي مفاده أن من الضروري حماية الموظف، وفي الوقت نفسه حماية سمعة الحكومة116. وتركز غالبية مدوّنات قواعد السلوك على "النواهي" (لا تفعل)، بدلً من التركيز على الالتزامات الإيجابية، حيث تُفصِّل في أفعال مُحدّدة لا يجوز للموظفين العموميين المشاركة فيها117.
أحلام من دون أوهام: العائق البيروقراطي والفساد الإداري ومستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية
وفي ما يتعلق بالإدارة العامة، يجب أن يكون لكل من مدوّنات الأخلاقيات ومعايير السلوك سياقٌ محددٌ. ويُعدّ وجود نظام فاعل للإدارة العامة أحدَ العناصر الضرورية جدًا. وهذا لا يعني أن نظام الإدارة العامة البيروقراطية المُعقّد يجب أن يوجَد قبل أن تكون هذه المدوّنات فاعلة118. ففي بعض الحالات، استُخدمت المدوّنات باعتبارها أحد المكوّنات لبناء نظام حديث للإدارة العامة، أساسه الجدارة. ويجب أن يعتقد المسؤولون العامون أنهم جزء من ملِاك له معايير مهنية119. وتركّز أنظمة الإدارة العامة الناجحة جهودها على التنشئة الاجتماعية والتواصل لتعزيز فكرة الخدمة العامة120. ويمكن أن يشمل ذلك أداء قَسم خاص عند شغل المناصب العامة، والخضوع لدورات تدريبية ممنهجة، أو منتظمة، تتناول ما هو متوقع من الموظفين العامين121. ويمكن أن يشمل أيضًا تقديرات خاصة (جوائز ومراسم تكريمية)، ونظامًا "خاصًا" للرواتب والأمن الوظيفي والحوافز أيضًا، بل حتى مناصب خاصة. لقد بقيت التنشئة الاجتماعية ومكافآت الموظفين الحكوميين موضع اهتمام المنظّرين طوال عقود. وفي المآل، يُترك جزء كبير من التنشئة الاجتماعية للمديرين الذين يتعيّن عليهم أن يضعوا ويوضّ حوا نموذجًا للسلوك المأمول داخل المؤسسات.
ثًالث ا: ما الذي يمكن فعله لإنهاء الفساد الإداري المؤسسي؟ وهل هذا ممكن؟
يتّسم كل بلد بأشكال معيّنة من الفساد، ومؤسسات وسلطات معينة أيضًا يمكنها كشفه والتعامل معه. وتكون كل دولة ديمقراطية فريدة من نوعها في الدعم الذي يُقدّمه كبار المسؤولين العامين وعموم الجمهور إلى المعركة ضد الفساد. وعلى أي حال، فإن أي ديمقراطية تحارب الفساد، تواجه مشكلة، وهذا يحدث عمومًا أينما كان الفساد. وللتعرف إلى هذه المشكلة التي تواجهها الديمقراطية في مراقبة الفساد، ثمة تمرينٌ ذهني فحواه محاولة تصوّر بيئة مثالية للنشاطات الفاسدة، تُغري بقوة حتى الشخص الصادق المحترم122. إن الحصول على رشوة ضخمة يعني أن هناك مخاطر كبرى على المصالح الشخصية، وفهم ذلك يؤول إلى قرار عام يتّخذه فرد واحد، أي المرتشي. لذلك، إذا كان اتخاذ القرار يعتمد على عدد من الأفراد في الوقت نفسه، فإن مقدار الرشوة لكل فرد يقل، والمخاطرة تزداد123. ويلزم للحماية من الاكتشاف أن يكون اتخاذ القرار إما استنسابيًا جدًا ومعاييره في أدنى الحدود، حيث لا يبدو عقد الصفقة من قبيل خيانة الثقة، أو يُتخذ على نحو مخفي، كما هي الحال في المستويات الدنيا من الأعمال الحكومية124. تكون المهمة الرئيسة حين مكافحة الفساد والأفعال الاحتيالية هي إزالة أكثر ما يمكن من تلك الشروط، ويكون جزء من المشكلة أن بعضها يرتبط ببعضها الآخر بقوة. وقد لا يمكن تغيير السلوك في المؤسسات العامة أو الحكومة من دون تقليل الفرص المُتاحة أمام المنافع المرتبطة بالفساد. ويثير البدء في الإجراءات المشددة الضرورية لتقليص فرص الفساد إشكالاتٍ سياسيةً حين تسود اللامبالاة التي تكبح المطالبات الاجتماعية بالأمانة125. وتتمثل مهمة من يحارب الفساد في التعامل مع كل هذه الشروط على نحو متزامن خلال مسار كشف الفساد، ما يُثير غضب المواطنين في البلد الديمقراطي، ومن ثم في الاعتماد على الدعم من ردة الفعل الشعبية، لإقامة الدعاوى القضائية التي من شأنها إثبات أن الفساد ليس آمنًا126. وبناءً على ذلك، ينبغي أن يُعالج الفساد على الفور في أربعة مجالات مختلفة. هناك الطريقتان الرئيستان في التعامل معه، اللتان تستلزم كل واحدة منهما تغييرات جوهرية في ما قد يكون الطريقة المفضلة في إدارة أعمال الحكومة: أولً، يمكن تنظيم شروط السوق بما يُقلّل الرهانات الخاصة التي يمكنها تغيير القرار الذي يتّخذه شخص بمفرده127، وثانيًا، يمكن إجراء تغييرات في آليات العمليات الحكومية لتقليل الاستنساب الذي يمارسه
الموظفون العامون128، و ثالثًا، تغيير المقاربات العامة والتنظيمية في ما يخص التعامل الذاتي في نشاطات الهيئات الحكومية، و رابعًا، تطوير سياسات الإدارة وإنفاذ القانون بهدف إظهار الفساد على الرغم من رغبة الأطراف المنخرطة فيه في الإبقاء عليه مخفيًا129. وفي ما يتعلق بالسياسات الهادفة إلى إظهار الفساد الإداري، ينبغي القول إن التصوّر الأساسي لاستراتيجيات الإدارة وإنفاذ القانون، بات يشمل إدراك صعوبات المشاركة في الفساد سرًا في مختلف البيئات. إن الانخراط في نشاط فاسد يوجب على الموظف العام والطرف الخاص أن يعدّ كلّ منهما الآخرَ شريكًا محتملً فاسدًا، ثمّ إيجاد طريقة للتوصل إلى اتفاق أو وعد، ثم تسليم ما وعد به كل منهما من دون أن يُكشف أمره، ويمكن أن تكون كل خطوة من هذه الخطوات بالغة التعقيد، لأن في كل واحدة منها نقاطَ ضعفٍ معرَّضةً للكشف130. وفي السياق نفسه، فإن لعمليات الفساد في السوق نقاطَ ضعفٍ مرتبطةً بها. وإن استغلال نقاط الضعف هذه، بمجرد التعرف إليها، هو المفتاح الأساسي الذي تستخدمه أي استراتيجية لإنفاذ القانون أو الإدارة للسيطرة على الأفعال الفاسدة131. ويتطلّب تحديد نقاط الضعف المعرَّضة للكشف، في مختلف البيئات، إدراك العُرف المُتّبع أو الممارسة المُعتادة التي من المحتمل أن تُملي آليةَ فعل عبر ثلاثة أمور: العثور على شركاء فاسدين، وتسديد المدفوعات، وتسليم المطلوب من كل طرف بأسلوب بعيد عن الشبهة132. وفي هذا الصدد، تعتمد الصفقة الفاسدة أيضًا على مجال النشاط الحكومي. فإلى جانب إساءة استخدام الممتلكات الحكومية، من المحتمل أن تختلف طرائق ممارسة الفساد، ومن ثم التعرّض للكشف، ويكون لها أشكالٌ عدة، من فساد الشرطة، وبيع الإعفاءات من التنظيم أو الضرائب، ودفع الإكراميات لتسريع عملية بطيئة، أو المشتريات الفاسدة، أو بيع الوصول إلى المعلومات الداخلية والتشريعات والأحكام القضائية، وما إلى ذلك133. لذلك، تكون ثمة
رياني /يناثلا نوناك ناك
حاجة إلى سياسات مختلفة بحسب الحالات والطرائق المختلفة التي يحدث بها الفساد، كما يجب أن تعتمد الخطط على نقاط الضعف التي تؤدي إلى كشف كل نوع من أنواع الأعمال الفاسدة إن كان في أثناء البحث عن شركاء فاسدين أو تسديد المدفوعات أو تسليم ما اتُّفق عليه134. إضافة إلى ذلك، تُعدّ ضوابط الإدارة ضرورية، حيث تتمتع استراتيجيات الإدارة بميزة السماح لرئيس المؤسسة بوضع أنظمة تتخذ قرارات غير مألوفة، أو تتيح منافع غير قانونية أو اتفاقات ذات صلة بها135. هناك تناقض في فكرة مكافحة الفساد عن طريق إجراء تغيير إداري في أنظمة العمل الداخلية. فالموظف العام المخادع والمستعد لتلقّي الرشوة في مقابل التخلّي عن الالتزامات التي تعهّد بها، سيكون حريصًا على تجاهل، أو التحايل على، متطلّبات حفظ السجلات أو المراجعة أو غيرها من متطلّبات الإدارة المصمَّمة لإظهار أي نشاط فاسد136. وعلى المنوال نفسه، يُعدّ وجود مجموعة من الهياكل المؤسسية والسياسية الداعمة، أمرًا ضروريًا لإنفاذ القانون أو سياسة الإدارة في مجال محاربة الفساد. وتعتمد الاستفادة من إنفاذ القانون وإجراءات الإدارة، استنادًا إلى تحليل قابلية الكشف عن الفساد في بيئات مختلفة، على أربعة شروط:.1 القوانين الموضوعية الضرورية التي تشير إلى السلوك غير المشروع والقواعد القانونية اللازمة التي تفرض تدابير وقائية؛ من قبيل القاعدة التي تفرض تقديم طلبات العطاءات بالظرف المختوم، أو القاعدة التي تمنع القاضي من الاجتماع مع طرف واحد على انفراد،.2 الإدارة المرغوب فيها ومراجعة الحسابات (حفظ الدفاتر) وسلطات التحقيق لمعرفة ما إذا كان يجري الامتثال للقوانين العملية،.3 الهياكل المؤسسية اللازمة للنهوض بتطبيق القوانين، 4. الدعم السياسي المشترك الكافي لمحاربة الفساد لإقناع القادة المنتخبين على أعلى المستويات بما يكفي لمواجهته، ويستحق هؤلاء اهتمامًا خاصًا في ما يتعلق بعلاقة الفساد بالديمقراطية137.
أحلام من دون أوهام: العائق البيروقراطي والفساد الإداري ومستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية
وإضافة إلى ذلك، يجب على وحدات الشرطة المخصصة تعزيز وحدات التحقيق الداخلية باعتبارها أحدَ أجهزة الفحص الإلزامي لنشاطها ونزاهتها. كما لا يجوز إلا للوحدات الشرطية إجراء تحقيق خارج نطاق المؤسسات العامة، أو تدقيق تصرفات الأطراف الخاصة المعنية بالفساد138. ونظرًا إلى أن قوانين مكافحة الفساد يصعب تفسيرها، تكون التحقيقات المتعلقة بمكافحة الفساد بطبيعتها أكثر اتساعًا، ومن ثم أصعب وأكثر حساسية من التحقيقات المعنية بالشكاوى المتعلقة بضحايا مُحدّدين139. ومن المحتمل أن تتعزّز في الوحدات المخصصة للفساد التابعة للشرطة روحُ الانتماء التي تُزوّد أفرادها بالطاقة اللازمة للتحمل بمرور الوقت. ويحتاج أعضاء هذه الوحدات على نحو رئيس إلى الحماية من انتقام الشخصيات السياسية القوية، فضلً عن حاجتهم إلى التدريب المتخصص140. ولعلّ المشكلة الأخطر التي تواجه أي بلد، خصوصًا البلدان النامية، أن يُزعم تورّط المُدّعين العامين مع الأهداف المحتملة لتحقيقاتهم؛ ومن ثم يُشتبه في أنهم يُحابون أصدقاءهم ضمن أصحاب النفوذ، أو يُوَجِّهون، بطريقة غير أخلاقية، معارضي أصحاب النفوذ141. ويُضاف إلى ذلك أنّ محامي الادعاء الذي ينجح تدريجيًا في تجسيد مطالبات الجمهور بمتابعة الفاسدين ومعاقبتهم، يتحوّل إلى شخصية سياسية بارزة، الأمر الذي يزيد الشكوك في دوافعه142. وبناءً عليه، يتعيّن التأكيد بطريقة موثوقة للجمهور أن المدعي العام مستعدٌ لرفع دعاوى ضد أصحاب النفوذ ومقاومة الضغط الذي يُمارس عليه من أجل رفع قضايا لا مبرر لها ضد معارضي أصحاب النفوذ143. وفي ما يتعلق بالنظام القضائي الكافي (المحاكم)، تُعدّ الملاحقات الجنائية أمرًا حيويًا لضمان نزاهة النظام، خصوصًا حين يكون موضوعها من المسؤولين الرفيعي المستوى، وينبغي أن تعتمد على أنظمة المحاكم الفاعلة والمستقلة بما يكفي لمحاكمة الشخصيات الرفيعة. وفي البلدان النامية، لا يمكن افتراض توافر هذه القدرة أو الاستقلالية، وتكون النتيجة تأخر الفصل في أيّ محاكمة من هذه المحاكمات وتوقفه بين حين وآخر، ومن المشكوك فيه أن تؤدي إلى حكم بالإدانة حتى عندما تكون الدلائل تبرر ذلك بوضوح144. ويتعيّن متابعة مثل هذه المحاكمات، وإلّ فإن نظام مكافحة الفساد سيكون مفتقرًا إلى الموثوقية. وحين تكون ترقية القضاة في مهنتهم، أو التعيين السياسي في المستقبل، في نظام يختار قُضاته بطريقة تعتمد بوضوح على مصالح الذين يُحاكَمون، فإنّ النتائج ستكون مفتقرة إلى الجدارة بالثقة والحياد أيضًا145.
خاتمة
يُعدّ القطاع العام في معظم بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذراع الرئيسة للحكم، وإن بدرجات متفاوتة. والقطاع العام في هذه البلدان ضخم، وربما منتفخ ومتشعّب جدًا، ومتعدّد الطبقات بالتأكيد، وذو طابع رسمي ومركزي إلى حدٍ بعيد، ويعتمد الإدارة التراتبية القائمة على الأوامر والسيطرة. إن البيروقراطيات العامة هي ربّ العمل المفضل، لأنها توفّر وظائف مضمونة في أوضاع أفضل من تلك المعروضة في القطاعات الأخرى، وتتّسم عمليات إعداد الميزانيات الحكومية بالمركزية. ولمحاولة فهم العائق البيروقراطي في دول الشرق الأوسط، ركزت هذه الدراسة على مفهوم الفساد، والكيفية التي تساعد بها الديمقراطية، وما تقتضيه من مساءلة ومحاسبة وشفافية في محاربة الفساد. هذا فضلً عن ضرورة التركيز على تفعيل الخطط الاستراتيجية، والضوابط الإدارية، وتحديد الهياكل الإدارية والسياسية والمؤسسية، وتفعيل قوانين مكافحة الفساد والفاسدين، واستحداث وحدات شرطة مخصصة للتحقيق الداخلي، وذلك إن رغبت هذه الدول في مكافحة الفساد.
المراجع
Aalberts, R. J. & M. M. Jennings. "The Ethics of Slotting: Is this Bribery, Facilitation Marketing or Just Plain Competition?" Journal of Business Ethics. vol. 20, no. 3
Abbink, K., B. Irlenbusch & E. Renner. "An Experimental Bribery Game." Journal of Law, Economics & Organization. vol. 18, no. 2 (2002). Agere, S. & I. Mendoza. Enhancing Policy Development and Management in the Public Service. London: Commonwealth Secretariat, 1999. Arafa, Mohamed. "Battling Corruption within a Corporate Social Responsibility Strategy." Indiana International & Comparative Law Review. vol. 21, no. 3
________. "Towards a Culture for Accountability: A New Dawn for Egypt." Phoenix International Law Review. vol. 5, no. 1 (2011). _______. Towards A New Anti - Corruption Law in Egypt After Mubarak: A Comparative Study Between the United States Foreign Corrupt Practices Act , Egyptian Anti - Bribery Law , and Islamic Law. Riga: Lambert Academic Publishing, 2013. Ben Ali, Mohamed Sami (ed.). Economic Development in the Middle East and North Africa: Challenges and Prospects. New York: Palgrave Macmillan, 2016. Bentham, Jeremy. An Introduction to The Principles of Morals and Legislation. Oxford: Clarendon Press, 1907. Bhuiyan, Shahjahan H. "Can Democratic Governance Be Achieved in Egypt?" International Journal of Public Administration. vol. 38, no. 7 (2015). Broucker, Bruno. "Defining the Impact of Public Administration Programmes for Public Sector Organizations." Teaching Public Administration. vol. 33, no. 2 (2015).
رياني /يناثلا نوناك ناك
"Buckley V. Valeo, 424 U. S. 1 (1976)" JUSTIA US Supreme Court. 10/11/1975. at: http://bit.ly/2RUqPGK "Cairo Declaration on Human Rights in Islam." Organization of the Islamic Conference (OIC). 5/8/1990. at: https://bit.ly/2RrkOCr Coady, Margaret & Sidney Bloch (eds.). Codes of Ethics and the Professions. Melbourne: Melbourne University Publishing, 1996. Cooper, Terry L. The Responsible Administrator: An Approach to Ethics in the Administrative Role. 6th ed. San Francisco, CA: Jossey-Bass, 2012 "Corruption Perceptions Index 2017." Transparency International. 21/2/2018. at: http://bit.ly/2ujMyjw Dixon, John, Shahjahan Bhuiyan & Yılmaz Üstüner. "Public Administration in the Middle East and North Africa." International Journal of Public Administration. vol. 41, no. 10 (2018). Eisenhardt, Kathleen M. & Melissa E. Graebner. "Theory Building from Cases: Opportunities and Challenges." Academy of Management Journal. vol. 50, no. 1 (2007). ElGammal, Walid, Abdul-Nasser El-Kassar & Leila Canaan Messarra. "Corporate Ethics, Governance and Social Responsibility in MENA Countries." Management Decision. vol. 56, no. 1 (2018). Feldman, Martha S. et al. "Ways of Knowing and Inclusive Management Practices." Public Administration Review. vol. 66, no. S1 (2006). Gilman, Stuart C. "Contemporary Institutional Arrangements for Managing Political Appointments and the Historical Processes of Depoliticization: The Experience of the United States at the Federal Level and in Some States." Unpublished paper prepared for the World Bank and presented at the International Anticorruption Conference. Seoul, May 2003.
أحلام من دون أوهام: العائق البيروقراطي والفساد الإداري ومستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية
Goodwin-Gill, Guy S. Free and Fair Elections. New Inter-Parliamentary Geneva: Edition. Expanded Union, 2006. Harms, Brian C. "Holding Public Officials Accountable in the International Realm: A New Multi-Layered Strategy to Combat Corruption." Cornell International Law Journal. vol. 33, no. 1 (2000). Heidenhof, Guenter. "Strengthening Governance & Institutions in MENA: Issues & Priorities." World Bank. MENA Knowledge and Learning. no. 114 (January 2014). at: http://bit.ly/2unBmSQ Hess, David & Thomas W. Dunfee. "Fighting Corruption: A Principled Approach: The C Principles (Combating Corruption)." Cornell International Law Journal. vol. 33, no. 3 (2000). Heywood, Paul (ed.). Political Corruption. Oxford/ Massachusetts: Blackwell, 1997. Huberts, Leo. The Integrity of Governance: What It Is , What We Know , What Is Done , and Where to Go. New York: Palgrave Macmillan, 2014. Jain, Arvind (ed.). Economics of Corruption. Boston, MA: Kluwer Academic Publishers, 1998. Jensen, Tommy, Johan Sandström & Sven Helin. "Corporate Codes of Ethics and the Bending of Moral Space." Organization. vol. 16, no. 4 (2009). Johnson, Roberta. "Comparative Whistleblowing: Administrative, Cultural, and Ethical Issues." Proceedings of International Conference on Public Administration. Chengdu. China, 21-22/10/2005. Johnston, Michael. "Fighting Systemic Corruption: Social Foundations for Institutional Reform." The European Journal of Development Research. vol. 10, no. 1 (1998). Joyce, Philip. "The Culture of Ethics That the Public Sector Needs." Governing. 15/10/2014. at: http://bit.ly/3axGrsm Kennedy, David. "The International Anti-Corruption Campaign." Connecticut Journal of International Law. vol. 14, no. 455 (1999). Kim, J. Young. "'Bowling Together' isn't a Cure-All: The Relationship between Social Capital and Political Trust in South Korea." International Political Science Review. vol. 26, no. 2 (2005). Klitgaard, Robert. Controlling Corruption. Berkeley, CA: University of California Press, 1988. ________. "What Can be Done?" UNESCO Courier (June 1996). Kolthoff, Emile, Rodney Erakovich & Karin Lasthuizen. "Comparative Analysis of Ethical Leadership and Ethical Culture in Local Government." International Journal of Public Sector Management. vol. 3, no. 7 (2010). Lawton, Alan & Alan Doig. "Researching Ethics for Public Service Organizations: The View from Europe." Public Integrity. vol. 8, no. 1 (2006). Lewis, Carol W. & Stuart C. Gilman. The Ethics Challenge in Public Service: A Problem-Solving Guide. 3 rd ed. San Francisco, CA: Jossey-Bass, 2012. Lewis, Carol W. "Ethical Norms in Public Service: A Framework for Analysis." Presented at the Conference on Ethics and Integrity of Governance: A Transatlantic Dialogue. Held by Public Management Institute of the Katholieke Universiteit Leuven, Belgium. 2-5/6/2005. at: https://bit.ly/3aETLeJ Lincoln, Abraham. Lincoln: Speeches and Writings, 1859- 1865. New York: Library of America, 1989. Macaulay, Michael & Alan Lawton. "From Virtue to Competence: Changing the Principles of Public Service." Public Administration Review. vol. 66, no. 5 (2006). MacGregor, Karen. "From Africa: From Democracy to Development." International Bar Association. 4/10/2011. at: http://bit.ly/2Gb5LGE
Melgar, Natalie, Maximo Rossi & Tom Smith. "The Perception of Corruption." International Journal of Public Opinion Research. vol. 22, no. 1 (2010). Miller, Carla. "The Tail Wagging the Dog: Institutional Corruption and the Federal Sentencing Guidelines for Organizations (FSGO)." Edemand J. Safra Center of Ethics. Harvard University. 20/8/2013. at: http://bit.ly/3aAYJZP Misra, Suresh. Strengthening of Ethical and Moral Values in Governance. New Delhi: Indian Institute of Public Administration, 2016. Montinola, Gabriella R. & Robert W. Jackman. "Sources of Corruption: A Cross-Country Study." British Journal of Political Science. vol. 32, no. 1 (2002). Moody-Stuart, George. Grand Corruption: How Business Bribes Damage Developing Countries: Problem of Trade and Business in Developing Countries. Oxford: Worldview Publications, 1997. Müller, Jan-Werner. What Is Populism ? Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2016. Noonan, John T. Bribes: The Intellectual History of a Moral Idea. Berkeley, CA: University of California Press, 1987. Nye, Joseph S. "Corruption and Political Development: A Cost-Benefit Analysis." American Political Science Review. vol. 61, no. 2 (1967). Olken, Benjamin A. "Monitoring Corruption: Evidence from a Field Experiment in Indonesia." Journal of Political Economy. vol. 115, no. 2 (2007). Olsen, William P. The Anti - Corruption Handbook: How to Protect Your Business in the Global Market Place. Hoboken, NJ: Wiley, 2010. Pahis, Stratos. "Corruption in our Courts: What it Looks Like and Where it is Hidden." The Yale Law Journal. vol. 118, no. 8 (2009).
رياني /يناثلا نوناك ناك
Paine, Lynn S. et al. "Up to Code: Does Your Company's Conduct Meet World-Class Standards?" Harvard Business Review. vol. 83, no. 12 (2005). Palidauskaite, Jolanta. "Codes of Ethics in Transitional Democracies: A Comparative Perspective." Public Integrity. vol. 8, no. 1 (2006).
Perry, James L. "Revisiting the Core of Our Good Government Ethos." Public Administration Review. vol. 75, no. 2 (2015).
Perry, Peter J. Political Corruption and Political Geography. London/ New York: Ashgate Publishing, 1997. Podgor, Ellen S. White Collar Crime: Law and Practice. 3rd ed. Saint Paul, MN: West Academic Publishing, 2009. "Professionalism and Ethics in the Public Service: Issues and Practices in Selected Regions." United Nations - Public Administration Division (2000). at: http://bit.ly/2RhH1D4 Progress in Public Management in the Middle East and North Africa: Case Studies on Policy Reforms. Paris: OECD Publishing, 2010. Rose-Ackerman, Susan. Corruption: A Study in Political Economy. New York: Academic Press, 1978. ________. Corruption and Government: Causes , Consequences, and Reform. Cambridge: Cambridge University Press, 1999. ________. "Trust, Honesty, and Corruption: Reflection on the State-Building Process." Yale Law School Legal Scholarship Repository. 14/9/2001. at: http://bit.ly/2vd615O Rothstein, Bo & Davide Torsello. "Is Corruption Understood Differently in Different Cultures?" Department of Political Science. University of Gothenburg. Working Papers , no. 5 (2013). at: https://bit.ly/398ai9d Rothstein, Bo & Nicholas Sorak. "Ethical Codes for the Public Administration: A Comparative Survey." University of Gothenburg. Working Paper Series. no. 12 (2017). at: http://bit.ly/37n4wjM
أحلام من دون أوهام: العائق البيروقراطي والفساد الإداري ومستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية
Salbu, Steven R. "A Delicate Balance: Legislation, Institutional Change, and Transnational Bribery." Cornell International Law Journal. vol. 33, no. 3 (2000). Shihata, Ibrahim F. "Corruption: A General Review with an Emphasis on the Role of the World Bank." Dickinson Journal of International Law. vol. 15, no. 3 (1997). Sorensen, Theodore C. Kennedy. 5 th ed. London: Pan Books, 1965. Sparling, Robert A. "Impartiality and the Definition of Corruption." Political Studies Journal. vol. 66, no. 2 (2018). "The Constitution of the United States: The Bill of Rights & All Amendments." Constitutionus.com at: http://constitutionus.com Thompson, Dennis F. "Two Concepts of Corruption: Making Campaigns Safe for Democracy." The George Washington Law Review. vol. 73, no. 5-6 (2005). Thompson, Dennis. "Mediated Political Reality: The Case of the Keating Five." The American Political Science Review. vol. 87, no. 2 (1993). "United Nations Convention Against Corruption." United Nations General Assembly. 31/10/2003. at: http://bit.ly/2uitW3f "Universal Declaration of Human Rights." OHCHR. 10/12/1948. at: https://bit.ly/38IWn9E Warren, Mark E. "What does Corruption Mean in a Democracy?" American Journal of Political Science. vol. 48, no. 2 (2004). Windsor, Duane & Kathleen A. Getz. "Multilateral Cooperation to Combat Corruption: Normative Regimes despite Mixed Motives and Diverse Values." Cornell International Law Journal. vol. 33, no. 3 (2000). Yingling, M. Patrick & Mohamed Arafa. "After the Revolution: Egypt's Changing Forms of Corruption." Journal of International Law. vol. 2, no. 1 (2013).