السياسات التنظيمية لقطاعات الاتصالات في المنطقة العربية في فترة ما بعد التحرير الاقتصادي: تجارب عربية مختارة
| 138 138 | ددعلالا رياني /يناثلا نوناك ناك | |
|---|---|---|
| * Ahmed Badran أحمد بدران | السياسات التنظيمية لقطاعات الاتصالات في المنطقة العربية في فترة ما بعد التحرير الاقتصادي: تجارب عربية مختارة The Regulatory Policies of the Telecommunications Sectors in the Arab Region in the Post-Economic Liberalization Period: Selected Arab Experiences * أستاذ السياسات العامة، قسم الشؤون الدولية، جامعة قطر. Assistant Professor of Public Policy, Department of International Affairs, Qatar University. تتبنى هذه الدراسة أطروحة الدولة المنظ ّ مة، في محاولة لإلقاء الضوء على التغيّرات التي طرأت على الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة، ومن ثم الطريقة التي ت عال ُ ج بها مشكلات َ السياسات العامة. وترك ّ ز النقاش على سياسات التنظيم لقطاعات الاتصالات، بعد التحرير الاقتصادي لتلك الأسواق وفتحها للمنافسة، وذلك من خلال بحث ثلاث حالات في المنطقة العربية، وهي: المصرية، والإماراتية، والقطرية. وتنطلق الدراســة من فرضية أساسية مفادها أنّ التحوّل في دور الدولة من نموذج دولة الرفاه، الذي كانت تؤدي فيه الدولة ومؤسســاتها الــدور الرئيــس فــي عمليــات تقديــم خدمــات الاتصالات، إلــى نمــوذج الدولة المنظ ّ مــة، الذي تتبنى الدولة في إطاره اســتراتيجيات التحرير الاقتصادي لتلك الأســواق، قد ترت ب عليه إفســاح ّ المجــال للفاعليــن غيــر الحكوميين لتأديــة دورٍ متنامٍ كمقــدّم لخدمات الاتصالات ومشــغ ّ ل لها، في الوقت الذي أصبحت فيه الدولة بمنزلة المنظ ّ م الذي يتحك ّ م في سلوك الفاعلين الجــدد، مــن خــ لاا صنع اللوائــح والقوانيــن والتشــريعات التي تضبــط إيقاع عمليــات تقديم الخدمة في أسواق الاتصالات المحررة، بما يضمن جودة الخدمات المقدّمة، وبطريقة تحقق مصلحة المستخدمين. كلمات مفتاحية: الدولة المنظ ّ مة، سياسات تنظيم قطاعات الاتصالات، التحرير الاقتصادي لقطاعات الاتصالات. This study adopts the regulatory state thesis to highlight the changes that have occurred in the economic and social role of the state and then the way in which public policy problems are addressed. The discussion focused on the regulatory policies of the telecommunications sectors following the economic liberalization of these markets and their opening to competition, through examining three cases in the Arab region: Egypt, the UAE and Qatar. The study is based on the hypothesis that the shift in the role of the state from the welfare state model, whereby the state and its institutions played the main role in the operations of providing communications services, to the regulatory state model, whereby the country adopts strategies to liberalize those markets, has necessitated making room for non-state actors to play an expanding role as a telecommunications service provider and operator. At the same time, the state has become the regulator that controls the behavior of new actors by designing regulations and legislation that control the rhythm of service delivery processes in liberalized telecom markets, in a manner that guarantees the quality of the services provided, and in a way that benefits the users. Keywords: Regulatory State, Telecommunications Regulation Policies, Economic Liberalization, Telecommunications Sectors. | ||
السياسات التنظيمية لقطاعات الاتصالات في المنطقة العربية في فترة ما بعد التحرير الاقتصادي: تجارب عربية مختارة
مقدمة
شهدت قطاعات الاتصالات في المنطقة العربية تحولً كبيرًا، في الآونة الأخيرة، تماشيًا مع التحولات العالمية في هذا المجال. فمنذ عقود طويلة، كان يُنظر إلى هذه القطاعات على أنها حكر على نطاق عمل الدولة ومؤسساتها الحكومية، من ناحية التمويل والتشغيل والتنظيم، نظرًا إلى ما لها من أهمية قصوى، وتقاطعها مع العديد من اعتبارات الأمن القومي. وقد اختلف هذا التصوّر، إلى حدّ بعيد، تحت ضغط التحوّل نحو إعادة النظر في دور الدولة؛ في المجتمع عمومًا، وفي الحياة الاقتصادية خصوصًا. في هذا الصدد، تتبنى الدراسة أطروحة الدولة المنظّمة The State Regulatory، وهي أطروحة تفيد أنّ تحولً جوهريًا قد طرأ على دور الدولة، نتيجة للعديد من التغيّرات العالمية، وفي مقدمتها قصور نموذج دولة الرفاه State Welfare، وعدم قدرة العديد من الدول على الوفاء بما تعهّدت به من التزامات، تحت وطأة الضغوط المالية. وفي ظل هذا التحوّل، تخلّت الدولة عن دور المقدّم المباشر للخدمة ومموّلها في العديد من القطاعات، ومنها قطاعات الاتصالات، لتصبح هي المنظّمة لها، ومن ثم المتحكّمة في سلوك فاعلي السياسات Actors Policy، وفي مقدمة هذه القطاعات شركات الاتصالات الخاصة، من خلال وضع القواعد التنظيمية. وهكذا، تتمحور الإشكالية الرئيسة للدراسة في محاولة التعرّف إلى التغيّرات التي طرأت على سياسات الاتصالات عمومًا، نتيجة التغيّر في دور الدولة، وتحديد التغيّرات التي طرأت على أسواق الاتصالات العربية، نتيجة عملية التحرير الاقتصادي لهذه الأسواق. وبناءً عليه، تحاول الدراسة الإجابة عن تساؤل محوري هو: إلى أي مدى أدّى التحوّل في دور الدولة إلى حدوث تغيّر في طبيعة السياسات العامة المنظّمة لقطاعات الاتصالات، وفي أدوار الفاعلين الرئيسين في تلك القطاعات؟ تجيب الدراسة عن هذا التساؤل من خلال استعراض الجدل النظري حول طبيعة الدولة المنظّمة ودورها، وكيفية ممارستها هذا الدور في صنع السياسات العامة، في ظل هذا النموذج الجديد. ثم تنتقل لتوضيح أهم ملامح نموذج الدولة المنظّمة، من خلال الإشارة إلى التغيّرات التي شهدتها أسواق الاتصالات في مصر والإمارات وقطر. ويرجع السبب في التركيز على هذه الحالات الثلاث إلى كونها تعكس درجات متفاوتة من عمليات التحرير الاقتصادي لأسواق الاتصالات، ما يمكّن من تحليل أثر تلك العمليات في مستوى المنافسة، والدور الذي تؤديه الدولة في ضبط إيقاع الفاعلين غير الحكوميين من خلال السياسات التنظيمية. كما أنّ الاختلاف في حجم السوق المصرية، مقارنة بحالتَي الإمارات وقطر، يمكّن من إلقاء الضوء على المحدّدات التي تبني عليها الجهات التنظيمية القرارات الخاصة بتحرير الأسواق وتنظيمها. من هذا المنطلق، تعتمد الدراسة في منهجيتها على مدخل دراسة الحالة من منظور مقارن، وتحاول من خلاله تحديد التغيّرات التي شهدتها أسواق الاتصالات، ومن ثم تحليلها، في الحالات موضع الدراسة، نتيجة للتغيّر في دور الدولة وسياسات التحرير الاقتصادي التي ساعدت على نمو دور الفاعلين غير الحكوميين. ولتحقيق هذا الغرض، تعتمد الدراسة على أسلوب تحليل المضمون الكيفي لمحتوى التقارير الصادرة عن الجهات الرسمية المسؤولة عن رسم سياسات الاتصالات وتنفيذها، في الدول موضع التحليل، علاوة على المسح المكتبي للدراسات والأبحاث السابقة، بهدف تقديم قراءة نقدية تحليلية لأدبيات التنظيم والدولة المنظّمة.
أولا: السياسات التنظيمية ونموذج الدولة المنظ مة: الجدل النظري
أثارت عمليات التحرير الاقتصادي لقطاعات المنافع العامة، ومنها قطاعات الاتصالات، العديد من التساؤلات حول طبيعة الدور الذي يتعيّن على القطاع الخاص تأديته في عملية رسم سياسات هذه القطاعات، وعملية تقديم الخدمة، علاوة على التساؤل الأهم عن كيفية حماية حقوق المستخدمين، والحفاظ على مستوى معيّن من جودة الخدمات المقدَّمة1. وتزامنت هذه التساؤلات مع إعادة ترسيم الحدود بين العام والخاص، وإعادة توصيف دور الدولة في علاقتها بالمجتمع، والتي أسفرت عن نموذج جديد في علاقة الدولة بالأطراف المجتمعية، يُعرف بنموذج الدولة المنظّمة. في هذا الإطار، يتمحور الجدل النظري في أدبيات السياسات التنظيمية، وصعود نجم الدولة المنظّمة حول ثلاث قضايا رئيسة. فالقضية الأولى تتعلق بالتأصيل النظري والمفاهيمي لمصطلح الدولة المنظّمة، وما يتطلّبه ذلك من تعريف مصطلح التنظيم والسياسات التنظيمية. والقضية الثانية، ترتبط بتحديد الدوافع وراء تنظيم الدولة للقطاعات الاقتصادية، ومنها قطاعات الاتصالات، في فترة ما بعد التحرير الاقتصادي. أما القضية الثالثة، فتتناول آلية العمل التي تطبّق من خلالها الدولة المنظّمة سياساتها التنظيمية.
وفي ما يلي تتعمّق الدراسة في مناقشة هذه النقاط من خلال أربعة محاور؛ يتناول المحوران الأول والثاني الأسس النظرية والمفاهيمية لسياسات التنظيم ونموذج الدولة المنظّمة. أما المحور الثالث، فيناقش المنطق والدوافع وراء تدخّل الدولة في تنظيم القطاعات المحررة اقتصاديًا، ومنها قطاعات الاتصالات. في حين يناقش المحور الرابع (الأخير) آلية تنفيذ السياسات التنظيمية على أرض الواقع، من خلال ما يُعرف بالأجهزة التنظيمية المستقلة.
1. التحوّل من نموذج دولة الرفاه إلى نموذج الدولة المنظ مة
قال سكوت جاكوبس، الرئيس التنفيذي لبرنامج الإصلاح التنظيمي في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إننا نعيش الآن العصر الذهبي للتنظيم والدولة المنظّمة2. وما قصده جاكوبس من هذا القول أننا أصبحنا نشهد تجليات نموذج الدولة المنظّمة في العديد من مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية؛ ففي إطار إعادة ترسيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحديد علاقات الفاعلين الحكوميين، في مجال رسم السياسات العامة وتطبيقها، بغيرهم من الفاعلين غير الحكوميين، تحوّل دور الدولة ومؤسساتها في العديد من القطاعات، بما فيها قطاعات الاتصالات، من مقدّم مباشر للخدمات إلى منظّم لتلك العملية. بمعنى آخر، لم يعد من الضروري أن تتدخل الدولة تدخلً مباشرًا، من خلال ملكيتها وسائل تقديم الخدمة، في عملية تقديمها لها، وإنما أصبحت تمارس دورًا لا يقلُّ أهميةً عن دور مقدّم الخدمة، وهو دور المنظّم الذي يتحكّم في سير العملية، من خلال وضع القواعد المنظّمة لحركة كافة الفاعلين داخل منظومة صنع السياسات العامة. والسؤال الذي يُطرح في هذا السياق هو: كيف نشأ وتطوّر نموذج الدولة المنظّمة؟ وما العوامل التي مهّدت لظهوره وساعدت في انتشاره على نطاق واسع بين مختلف الدول؟3 على عكس ما كان متوقعًا، أدّت سياسات التحرير الاقتصادي والخصخصة في قطاعات الاتصالات إلى تنامي دور جديد للدولة في تنظيم عملية دخول القطاع الخاص إلى هذه القطاعات الحيوية. وهذا التغيّر من نموذج الدولة المتدخّلة، المعروف أيضًا بنموذج
رياني /يناثلا نوناك ناك
دولة الرفاه، إلى نموذج الدولة المنظّمة، قد دفع العديد من الدارسين إلى البحث في أسباب التحوّل في دور الدولة ودوافعه.
وفي إطار البحث عن مسببات التحوّل في دور الدولة، قدّم جياندومينيكو ماجون أطروحة الدولة المنظّمة، وكان أول من صاغ هذا المصطلح، وذلك بهدف إلقاء الضوء على التحولات الجذرية في طبيعة العلاقة بين الدولة والأطراف المجتمعية الفاعلة في منظومة صنع السياسات العامة. وفي معرض تفسيره صعود نموذج الدولة المنظّمة وانتشاره، اعتمد ماجون على أطروحة ألفرد شاندلر Alfred Chandler التي تؤكد أنّ التغيّر في البنى Structures يتحدد وفقًا للاستراتيجيات التي يتّبعها أطراف صنع السياسات العامة. وبناءً عليه، يرى ماجون أنّ مجموعة من التحولات التي شهدتها الدولة خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين قد أوضحت عدم قدرة نموذج دولة الرفاه على الوفاء بما قطعه من وعود للأفراد، وعجزه عن تقديم الخدمات بشكل موسّع في مختلف المجالات، كما كان الحال من قبل. هذه التحولات، وعلى رأسها الأزمات المالية، وزيادة معدلات التضخم، والبطالة، والعجز المستمر في الموازنات الحكومية، قد مهّدت الطريق لصعود نموذج الدولة المنظّمة وانتشاره، ويؤكد هذا النموذج على ضرورة أن تنسحب الدولة ومؤسساتها من القطاعات الاقتصادية والخدمية، وأن تُفسح المجال لمشاركة القطاع الخاص والفاعلين غير الحكوميين في عمليات تقديم الخدمة، من خلال اتباع استراتيجيات جديدة، مثل التحرير الاقتصادي والخصخصة4. ترتّب على اتباع الدولة هذه الاستراتيجيات الجديدة ضرورة تغيير البنى القائمة، وإنشاء كيانات جديدة تُعرف بالأجهزة التنظيمية المستقلة Independent Regulatory Agencies، لتتولى مهمة
السياسات التنظيمية لقطاعات الاتصالات في المنطقة العربية في فترة ما بعد التحرير الاقتصادي: تجارب عربية مختارة
تنظيم عملية دخول القطاع الخاص إلى القطاعات التي انسحبت منها الدولة، وفرض مراقبتها عليه. وهذه الأجهزة هي بمنزلة الأذرع الرئيسة التي تمارس من خلالها الدولة المنظّمة مهماتها ووظائفها، ومن ثم يتعيّن على الدولة أن توفر لها الضمانات المؤسسية التي تمكّنها من تأدية هذا الدور، وعلى رأسها استقلال هذه الجهات عن الوزارات والدوائر الحكومية الأخرى، واستقلالها عن الشركات التي تقوم بتنظيم أدائها ومراقبته في الأسواق. هذا الاستقلال التنظيمي للجهات المنظّمة هو أمر ضروري لضمان عدم تدخّل الاعتبارات السياسية في عملية صنع القرارات الاقتصادية والفنية الخاصة بتنظيم القطاعات المحررة اقتصاديًا. إنّ إنشاء أجهزة التنظيم المستقلة يعدّ أيضًا مؤشرًا على جدية الدولة ومؤسساتها في عملية تمكين القطاع الخاص، ويعدّ مؤشرًا على مدى صدقية سياسات الدولة في مجال التحرير الاقتصادي والخصخصة. وبالنظر إلى الطبيعة الخاصة لقطاعات الاتصالات، وما تحتاج إليه من استثمارات ضخمة، فإنّ إنشاء هذه الأجهزة التنظيمية المستقلة يعدّ ضرورة حتمية لطمأنة أصحاب رؤوس الأموال الخاصة، وتشجيعهم على الاستثمار في القطاعات المحررة، من دون الخوف من ضياع استثماراتهم نتيجة للتغيّر في سياسات الدولة، كما حدث إبان عصر سياسات التأميم5.
من هنا، يمكن الحديث عن الدولة المنظّمة بوصفها دولة تتولى توجيه سلوك الفاعلين في مجال صنع السياسات العامة والقواعد التنظيمية وتنفيذها، من خلال صنع القواعد والتشريعات المنظّمة التي تضبط إيقاع العمل وآلياته داخل الأسواق. بمعنى آخر، فإنه يمكن النظر إلى الدولة المنظّمة كالعامل المحفّز الذي يخلق البيئة المناسبة لإتمام التفاعلات الكيميائية، من دون أن يدخل مباشرة في التفاعل ذاته أو يؤثر في نتائجه. فالدولة المنظّمة تحقق أهداف السياسات العامة من خلال تمكين الفاعلين المجتمعيين، عن طريق وضع الإطار التنظيمي الملائم لمشاركتهم، وبطريقة تضمن تحقق مصالح جميع الأطراف؛ ذلك أنّ الإطار التنظيمي الجيد هو الذي يشجع القطاع الخاص على المشاركة في عمليات تقديم الخدمة، وفي الوقت نفسه يحافظ على مصالح المستخدمين، ويضمن عدم تعرّضهم للاستغلال من جانب الشركات الخاصة. في هذا الإطار، يشبه دور الدولة المنظمة دور حَكم المباراة، فهو لا يشارك في اللعب، ولكنه يراقب جميع اللاعبين للتأكد من التزامهم قواعد اللعبة وعدم مخالفتها. وفي حال المخالفة، تتولى الدولة فرض العقوبات المناسبة، بما يضمن استمرار الإدارة الفاعلة لقطاعات الاتصالات على نحو مستدام. ويتطلب نجاح تطبيق نموذج الدولة المنظّمة التخصص وتوزيع الأدوار، بحيث تركّز الدولة ومؤسساتها على عملية صنع السياسات العامة، ووضع القواعد التنظيمية، في حين تتولى الأطراف الأخرى، كالقطاع الخاص أو مؤسسات المجتمع المدني، الأمور التشغيلية وعمليات توصيل الخدمة، بشرط أن تعمل هذه الأطراف، في إطار ما تضعه الدولة من تنظيمات وتشريعات، لتحقيق أهداف السياسات العامة. يتضح مما تقدّم أنّ تغيّرًا جوهريًا قد طرأ على طبيعة الدور الذي تؤديه الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وأنّ كفاءتها في القيام بدورها الجديد المنوط بها كمنظّم أصبحت تُقاس بمدى جودة التشريعات والقواعد التنظيمية التي تحكم سلوك الأطراف الفاعلة في عمليات صنع السياسات العامة وتنفيذها في مختلف المجالات، بما في ذلك قطاعات الاتصالات. فبعد أن كانت عملية تقديم الخدمات في هذا القطاع، منذ عقود عدة، حكرًا على الدولة ومؤسساتها، وبعد أن كانت الدولة تجمع بين وظيفتَي المنظّم ومقدّم الخدمة، تزايد الاعتماد اليوم على دور القطاع الخاص في عمليات تمويل هذه القطاعات الحيوية، وأصبح شريكًا أصيلً في عمليات تقديم الخدمة وتطوير قطاعات الاتصالات إجمالً. انعكست هذه التحولات، انعكاسات كبيرة، على نموذج صنع السياسات العامة في عدّة قطاعات، وعلى الاستراتيجيات التي تتعامل من خلالها الجهات الحكومية مع مقدّمي الخدمات ومطوّريها. ففي ظِل النموذج التقليدي القائم على هيمنة الجهات الحكومية الرسمية، ولا سيما الوزارات، على عمليات صنع سياسات قطاعات الاتصالات وتنفيذها، كان في إمكان الدولة أن تتبع أساليب
التحكّم والسيطرة، من خلال إصدار الأوامر6 Command and Control. ولكن مع تنامي دور الأطراف غير الحكومية، ولا سيما القطاع الخاص، في عمليات صنع السياسات الخاصة وتنفيذها في هذه القطاعات، لم يعد أسلوب الأوامر هو الأسلوب الأفضل في توجيه الفاعلين الجدد نحو تحقيق أهداف السياسات العامة المحددة لكل قطاع. ففي إطار عمليات تنظيمية تتسم بالطابع السياسي والحركي والتفاعلي، وفي ظل وجود أطراف وفاعلين رسميين وغير رسميين، ذوي توجهات وأهداف مختلفة، أصبحت عمليات صنع السياسات التنظيمية أشبه بمباراة يحاول خلالها كل طرف التأثير في عملية صنع التشريعات التنظيمية، بما يخدم أغراضه ويحقق أهدافه ومصالحه؛ ما يعني أنه لا يستطيع أي طرف من الأطراف المشارِكة في عملية صنع القواعد التنظيمية أن يحدد مسبقًا نتيجة المباراة، وإنما يحاول كل فريق توظيف ما لديه من موارد، عن طريق استراتيجيات محددة، للتأثير في النتيجة النهائية للعملية التنظيمية، بحيث تصدر القواعد المنظّمة على نحو يخدم مصالح الأطراف، ويحقق أهدافها تحقيقًا كليًا أو جزئيًا. 2. السياسات التنظيمية ومفهوم التنظيم لا يوجد تعريف واحد جامع ومانع لمفهوم التنظيم Regulation والسياسات التنظيمية، كما هو حال العديد من مصطلحات العلوم الاجتماعية؛ فكما يقول كريستوفر هود وآخرون، فإنّ هذا المفهوم يشيع استخدامه بين الأكاديميين والممارسين، في الوقت الذي يفتقر فيه إلى التحديد الدقيق والاتفاق على محتواه7. تقليديًا، اتفق الاقتصاديون على استخدام هذا المصطلح للإشارة إلى مختلف أشكال الإجراءات والقواعد التنظيمية التي تؤثر في النشاطات. أ والقرارات الاقتصادية، بما في ذلك القواعد المنظّمة للدخول والخروج من الأسواق، والقواعد المنظّمة للأسعار وهياكل الأرباح، وقواعد المنافسة. في مقابل هذا المنظور الاقتصادي لمصطلح التنظيم، حدّد البعض مفهومًا أوسع له، من منظور اجتماعي، ليشمل كافة القواعد المنظّمة للسلوك في المجتمع، بما في ذلك القواعد المنظّمة للسلوك الاقتصادي. ومقارنةً بالمفهوم الاقتصادي للتنظيم، يبدو
رياني /يناثلا نوناك ناك
المفهوم الاجتماعي أكثر شمولً وعمومية، حيث يشمل، إلى جانب القواعد المنظّمة للسلوك الاقتصادي، مجموعة أخرى من القواعد، تقوم على تنظيم سلوك الأطراف المجتمعية الفاعلة في مجالات غير اقتصادية؛ مثل القواعد المنظّمة للأمن والسلامة، والقواعد التنظيمية الخاصة بحماية المستهلك وحماية البيئة. ومن هذا المنطلق، يتسع مفهوم التنظيم والسياسات التنظيمية ليشمل مجموعة كبيرة من القواعد التي تضعها الدولة لتنظيم مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية من خلال التحكّم في سلوك الفاعلين، على تنوّع خلفياتهم. في ضوء المحددات السابقة، ساق العديد من الكتّاب والباحثين تعريفات متنوعة لمفهوم التنظيم. فعلى سبيل المثال، يؤكد باري ميتنيك على المعنى الاصطلاحي واللغوي للمفهوم، ويستخدم مصطلح التنظيم للإشارة إلى مختلف صور ممارسة السلطة وأشكالها داخل المجتمع8. وعلى نحو أكثر تحديدًا، استخدم هود وآخرون المفهوم للإشارة إلى توظيف سلطة الدولة الرسمية في وضع القواعد والمعايير التنظيمية وتنفيذها، على اختلاف أنواعها وأشكالها9. وفي السياق ذاته، عرّف بروس دورن التنظيم بوصفه قواعد للسلوك مدعومة بقدرة الدولة على معاقبة المخالفين10. وقد أضاف هذا التعريف إلى ما سبقه من تعريفات الجانب العقابي، المتمثّل في تطبيق الدولة ومؤسساتها، عقوبات معيّنة على من يخالف القواعد والسياسات التنظيمية، لتأكيد إذعان Compliance الأطراف الخاضعة للقواعد المنظّمة. وبتحليل التعريفات السابقة، ومن دون الدخول في تفاصيل الجدل المفاهيمي حول ماهية التنظيم، الذي لا يتسع المجال في هذه الدراسة للخوض فيه، يتضح أنّ ثمة قواسم مشتركة تجمع بين تلك التعريفات، لعل من أهمها: القواعد التنظيمية بوصفها أداة لتأطير العلاقة بين الدولة والفاعلين غير الحكوميين، وعلى رأسهم القطاع الخاص: فالتنظيم يمكن تفسيره بمعانٍ متعددة، تصبّ في مجملها في قدرة الدولة، من خلال وضع القواعد التنظيمية، على المنْح والمنْع. وكذلك التحكّم في سلوك الفاعلين غير الحكوميين المشاركين في مختلف أنواع العمليات التنظيمية.
السياسات التنظيمية لقطاعات الاتصالات في المنطقة العربية في فترة ما بعد التحرير الاقتصادي: تجارب عربية مختارة
. ب الجانب العملياتي لمفهوم التنظيم: فالتنظيم هو عملية مستمرة، تتسم بالديمومة، وذات طابع تشاركي تتفاعل خلالها العديد من الأطراف الرسمية وغير الرسمية، في محاولة لرسم السياسات العامة، ووضع القواعد المنظّمة لسلوك الفاعلين المشاركين فيها بطريقة تحقق أهداف هذه السياسات.. ج الطابع الهادف للعمليات التنظيمية: فالتنظيم هو عملية تدخّل واعٍ من جانب الدولة والجهات المنظّمة فيها، لتحقيق أهداف محددة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. وتتمحور أهداف الدولة في هذا المجال بصورة مجملة حول تحقيق "الصالح العام"، والدفاع عن "المصلحة العامة" Public Interests للمستخدمين، وإن كان من الصعب وضع حدود لمفهوم الصالح العام الذي يمكن تفسيره بصور مختلفة في مواقف متباينة. بمعنى آخر، فإنّ مصطلح الصالح العام قد يُفهم، بمعيار كمي، على أنه صالح الأغلبية. وفي الوقت نفسه، يمكن تضييق هذا المفهوم ليشمل مصالح قطاعات معيّنة داخل الدولة. وبناءً عليه، فإنّ وضع حدود المفهوم هي مسألة إجرائية Operational يحددها الباحث أو محلل السياسات.. د الطابع التوفيقي للعمليات التنظيمية: يمكن النظر إلى العمليات التنظيمية على أنها ساحة تمارس فيها جميع الأطراف المشارِكة قوتها ونفوذها. فكل طرف من الأطراف الرسمية وغير الرسمية له أهداف يسعى لتحقيقها من خلال المشاركة في عمليات التنظيم، ويوظّف ما لديه من موارد للتأثير في المخرجات النهائية لهذه العمليات، بحيث تأتي القرارات المنظّمة في خدمة أهدافه ومصالحه. هذا الطابع السياسي والديناميكي للعمليات التنظيمية يجعلها ذات طابع توفيقي، بحيث لا يستطيع أي طرف من الأطراف المشارِكة تحقيق أهدافه بنسبة مئة في المئة؛ ومن هنا عليه أن يعظّم منافعه من خلال بناء التحالفات والسياسات التوافقية، ولكن مع إتاحة الفرصة للأطراف الأخرى للحصول على قدر من المنافع يساعدها في تحقيق أهدافها.. ه الطابع القانوني والسلطوي لمفهوم التنظيم: التنظيم هو شكل من أشكال تدخّل الدولة المدروس، في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، لتعديل أو توجيه سلوك الأطراف الفاعلة في عملية صنع القواعد التنظيمية، عن طريق وضع قواعد قانونية ملزِمة لجميع الأطراف، تقتضي مخالفتها التعرّض للعقاب بدرجاته المختلفة. ويتدرّج العقاب في هذا الصدد وفقًا لفكرة هرم التنفيذ Enforcement Pyramid التي قدّمها جون بريثويت، ومفادها أن يتم الربط بين مستوى عدم الإذعان، أو درجة مخالفة القواعد التنظيمية، والعقوبة المطبّقة من قبل الجهات المنظّمة، لردع المخالفين وتحقيق الإذعان11. على هذا النحو، تتدرج الجهات المنظّمة في تعاملها مع حالات عدم إذعان الأطراف الخاضعة للتنظيم، من الإنذار وتوجيه اللوم إلى فرض الغرامات وسحب التراخيص، إذا اقتضى الأمر. من خلال العرض السابق للجدل النظري والمفاهيمي حول مصطلح التنظيم وطبيعة العمليات التنظيمية، يتضح أنّ مضمون التنظيم قد يتسع ليشمل كافة أنواع القواعد المنظّمة للسلوك داخل المجتمع. كما أنه قد يُستخدم على نحو أضيق للإشارة إلى مجموعة محددة من القواعد القانونية المدعومة بسلطة الدولة وقدرتها على العقاب. والتنظيم، بهذا المعنى، أصبح من بين الوظائف الرئيسة للدولة، بل يرى البعض أنه الوظيفة الأهم التي تمارَس في ظل نموذج الدولة المنظّمة، الأمر الذي يستدعي إلقاء المزيد من الضوء على هذا النموذج، والبحث في أسباب انتشاره وعوامله.
3. دوافع السياسات التنظيمية ومبرراتها
في ضوء التعريف السابق لمفهوم التنظيم، بوصفه شكلً من أشكال تدخّل الدولة الواعي للتأثير في سلوك الفاعلين المجتمعيين، بما يحقق أهداف السياسات العامة في قطاعات الاتصالات، يصبح التساؤل المطروح هو: كيف يمكن تبرير تدخّل الدولة في أسواق الاتصالات من خلال السياسات التنظيمية؟ وفي معرض الإجابة عن هذا التساؤل، سيركّز هذا الجزء من الدراسة على توضيح الحجج والأسانيد النظرية التي تبرر تدخّل الدولة في أسواق الاتصالات. وفي هذا الصدد، تشير مراجعة الأدبيات والدراسات السابقة في مجال التنظيم والسياسات التنظيمية إلى وجود العديد من المداخل النظرية التي يمكن على أساسها فهم مبررات تدخّل الدولة في أسواق الاتصالات، لعل من أبرزها ما يلي:
أ. السياسات التنظيمية من منظور الصالح العام
تُعد أطروحة السياسات التنظيمية من منظور الصالح العام The Public Interest Perspective من أقوى الأطروحات النظرية التي تقدَّم مبررًا لتدخّل الدولة في أسواق الاتصالات، خاصة بعد عمليات التحرير الاقتصادي والخصخصة. ويُنظر إلى السياسات التنظيمية، من هذه الزاوية، بوصفها ضرورة تحتّمها عمليات التحرير والخصخصة لقطاعات الاتصالات، وذلك بهدف التقليل من الآثار
السلبية لدخول رؤوس الأموال والاستثمارات الخاصة على المصلحة العامة لمستخدمي خدمات الاتصالات؛ ففتح الأسواق وتحريرها أمام شركات الاتصالات الخاصة للمشاركة في عمليات تقديم الخدمة، في الوقت الذي تنسحب فيه الدولة بصفتها مقدّمًا رئيسًا لخدمات الاتصالات، قد يترتب عليه الإضرار بمصالح المستخدمين، ويؤثر سلبيًا في جودة الخدمات المقدّمة أو أسعار تقديمها. كان يُنظر إلى أسواق الاتصالات، فترات طويلة، على أنها تمثّل حالة الاحتكار الطبيعي Monopoly Natural، ومن ثم تكون أفضل طريقة لتقديم الخدمة من خلال احتكار الدولة. ولكن مع التوسع في سياسات التحرير الاقتصادي، ومع التطوّر التكنولوجي في مجال الاتصالات والمعلومات، لم يعد هذا المبرر مقبولً بوصفه أساسًا لاحتكار الدولة خدمات الاتصالات؛ لذلك اتجهت معظم الدول لتحرير خدمات الاتصال، وإتاحة المنافسة في أسواق الاتصالات، ولكن ذلك كان بطريقة تدريجية. ففي بدايات التحرير التدريجي لأسواق الاتصالات، سيتوافر عدد محدود من مقدّمي الخدمة من الشركات الخاصة يسيطر على السوق بطريقة قد تمكّنهم من استغلال المستخدمين، أو التحكّم في الأسعار على نحوٍ يخدم مصالحهم على حساب مصلحة المستخدم. من هنا، يرى أنصار المصلحة العامة أنّ الجهات المنظّمة، لما لها من خبرات تخصصية في مجال الاتصالات، تُعتبر المدافع الأول عن المصلحة العامة، ممثّلة في مصلحة مستخدمي خدمات الاتصالات، في وجه الشركات الخاصة، علاوة على دورها الأساسي في تنمية قطاعات الاتصالات وتطويرها؛ من خلال تشجيع الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية لشبكات الاتصال. على الرغم من شيوع هذا المنظور في دراسات التنظيم كمبرر لتدخّل الدولة في أسواق الاتصالات، بعد التحرير الاقتصادي والخصخصة، فإنه تعرّض لهجوم شديد لأسباب عديدة، لعل في مقدّمتها غموض مفهوم الصالح العام في حدّ ذاته. فالصالح العام، أو المصلحة العامة، مفهوم يسهل الحديث عنه، ويمكن على أساسه أن تبرَّر الكثير من السياسات والأفعال التي تقوم بها الدولة وصُنّاع القرار، إلا أنه في الواقع العملي من الصعب جدًا تعريفه على نحو دقيق، أو تحديد المقصود به. فمثلً، يرى منظّرو وباحثو جماعات الضغط أنّ الصالح العام يمكن أن يُفسَّر على أنه صالح أي جماعة من جماعات المجتمع، ومن ثم لا يقتصر فقط على مصلحة المستخدمين، فمصلحة الشركات الخاصة المقدّمة لخدمات الاتصال هي جزء من الصالح العام، وهكذا يتعيّن على الجهات المنظّمة
رياني /يناثلا نوناك ناك
مراعاتها والدفاع عنها بالقدر نفسه الذي تدافع به عن مصالح المستخدمين12. وانتقد البعض، أيضًا، فكرة المغالاة في تقديم الجهات والأجهزة التنظيمية، بوصفها كيانات محترفة تسعى لتحقيق الصالح العام فقط، ومدفوعة في المقام الأول والأخير بتحقيق مصلحة المستخدمين. هذه الرؤية مثالية إلى حدّ بعيد؛ ذلك أنّ للأجهزة التنظيمية أهدافها الخاصة التي تسعى لتحقيقها في إطار عمليات التنظيم، والتي قد تدفعها في بعض الأحيان إلى خدمة أغراض أطراف أخرى ومصالحها، كشركات الاتصالات الخاصة، وتغليب مصلحتها على المصلحة العامة للمستخدمين. من هنا، ومن منطلق نقد نظرية الوكالة Theory Agency، اعترض البعض على اعتبار الجهات التنظيمية وكلاء للمصلحة العامة، وذلك لما يطرحه هذا التصوّر من تساؤلات يصعب جدًا الإجابة عنها بوضوح وصراحة، من قبيل: ما الضمانات التي تفيد أنّ أجهزة التنظيم، كوكلاء للصالح العام، تعمل لما فيه مصلحة المستخدمين؟ وكيف يستطيع المستخدمون التحكّم في عمل أجهزة التنظيم التي تعمل بالنيابة عنهم؟ وماذا لو حدث تعارض بين مصلحة الوكيل (أجهزة التنظيم) والموكّل (المستخدمين)؟
ب. السياسات التنظيمية من المنظور الاقتصادي - التحرري
على عكس ما يقول به أنصار نظرية المصلحة العامة، يرى مؤيدو المنظور الاقتصادي التحرري Economic Libertarian، Perspective وعلى رأسهم جورج ستغلر، أنّ المصلحة الخاصة هي الأساس في نشأة التنظيم، وأنها المحرك الأساسي وراء القرارات التنظيمية. ومن هذا المنطلق، يؤكد ستغلر، في نظريته عن التنظيم الاقتصادي، أنّ سياسات التنظيم تنشأ في المقام الأول نتيجة للضغط الذي تمارسه الشركات الخاصة الخاضعة للتنظيم في صناعات معينة على الحكومة، بغرض تحقيق المزيد من الحماية لأوضاعها، ومن ثم تعظيم الأرباح الخاصة بها. ويرى ستغلر، أيضًا، أنّ الجهات التنظيمية والقائمين عليها كيانات رشيدة تسعى لتعظيم المنفعة الخاصة بها، وأنها ليست مدفوعة بتحقيق المصلحة العامة فقط13.
السياسات التنظيمية لقطاعات الاتصالات في المنطقة العربية في فترة ما بعد التحرير الاقتصادي: تجارب عربية مختارة
رحّب أنصار نظرية الاختيار العام Theory Choice Public، وباحثو الاقتصاد السياسي المنتمون إلى مدرسة فيرجينيا بتلك الأفكار التي قدّمها ستغلر حول طبيعة السياسات التنظيمية ونشأتها. ولعل أهم ما يميّز هذا الاتجاه النظري، في تفسير نشأة السياسات التنظيمية، هو الواقعية والتركيز على أنّ المصلحة العامة هدف يصعب تحديده، ومن ثم قياسه. كما أنّ المنظمين ليسوا أطرافًا محايدة في لعبة التنظيم، وإنما لهم مصالح يسعون لتحقيقها، ولهم أجندات يعملون على تنفيذها، وبناءً عليه، فهم يتفاعلون مع مختلف الأطراف، بما فيها الشركات التي يتولّون تنظيمها. وفي هذا الإطار، لفت أنصار التيار الاقتصادي التحرري، في تفسيرهم نشأة التنظيم وتدخّل الدولة في الأسواق، النظر إلى احتمالية أن تقع الجهات التنظيمية أسيرة لخدمة مصالح الشركات الخاصة، وتحيد عن خدمة المصلحة العامة، وذلك ما سمّوه ب "الأسر التنظيمي" Capture.Regulatory ولعل أبرز ما وُجّه إلى الاتجاه الاقتصادي التحرري من انتقادات يتعلّق بتركيزه، إلى حدّ بعيد، على اعتبارات الرشادة في تصرفات مختلف الأطراف المشارِكة في العمليات التنظيمية وأفعالها، وهو ما يعني أنّ جميع الأطراف تعرف - على وجه الدقة - تفضيلاتها، وأنّ لديها تراتبية معيّنة لهذه التفضيلات، وهو أمر يصعب تحققه في كثير من الأحيان. وانتُقد أنصار هذا الاتجاه، أيضًا، لتقليلهم من أهمية الدور الذي تؤديه بعض العوامل، مثل القيم والمعتقدات الأيديولوجية، في توجيه سلوك الفاعلين في مجال وضع السياسات التنظيمية وتنفيذها، بما في ذلك الجهات القائمة على التنظيم.
ج. السياسات التنظيمية من المنظور المعياري - الإيجابي
من المنظور المعياري – الإيجابي Positive - Normative The Perspective، ينشأ التنظيم لتصحيح الاختلالات الهيكلية في الأسواق14. فعلى العكس مما ذهب إليه أنصار نظرية السوق، من جهة أنّ الأسواق هي الآلية الأفضل لتوزيع الموارد وتوجيه النشاطات الاقتصادية، أثبتت التجربة أنّ الأسواق، وما يرتبط بها من آليات العرض والطلب والأثمان، لا تعمل دائمًا بكفاءة، خاصة في ظل ظروف معيّنة تُعرف بحالات فشل الأسواق. وفي هذا الإطار، تشير نظرية فشل السوق Market Failure Theory إلى عديد الحالات التي تعجز فيها الأسواق عن العمل بالكفاءة المنشودة، والتي تبرر جميعها تدخّل الدولة، من خلال السياسات التنظيمية، لتصحيح ما تعانيه السوق من اختلالات. من بين حالات فشل السوق الأكثر شيوعًا، حالة الاحتكار الطبيعي والسلع العامة، وحالات نقص المعلومات والأرباح غير المتوقعة للشركات، وحالات الآثار الخارجية السلبية والإيجابية، أيضًا، وغيرها من الحالات التي لا يتسع المجال هنا لعلاجها جميعًا. من هنا، يرى أنصار المنظور المعياري – الإيجابي، في تفسير نشأة التنظيم وتدخّل الدولة، أنّ هذه الحالات، وغيرها من حالات فشل الأسواق، يمكن أن تكون مبررًا لتدخّل الدولة، من خلال السياسات التنظيمية، لضبط إيقاع العمل فيها، وعلاج ما تعانيه من اختلالات وأوجه قصور. يشير الجدل النظري حول مبررات تدخّل الدولة، من خلال السياسات التنظيمية، إلى حقيقة رئيسة مفادها أنّ التنظيم والسياسات التنظيمية يمكن أن يقدّما أداة تستطيع من خلالها الدولة أن تؤثر في سلوك الأطراف الفاعلة في مجال صنع سياسات الاتصالات وتنفيذها. وليس من المحبّذ كذلك ترجيح تيار فكري معيّن على غيره، والانحياز إليه انحيازًا كاملً، فالواقع يشير إلى أنّ الدولة لا تستطيع أن تعمل منفردة، وهو ما تؤكده نظرية فشل الدولة State Theory Failure. والأسواق منفردةً لا تقدّم، أيضًا، آلية مثالية لتوزيع الموارد وتوجيه النشاط الاقتصادي، وهو ما تؤكده نظرية فشل السوق على النحو السابق تبيانه. ومن ثم فإنّ المطلوب هو أن تترك الدولة الأسواق والشركات الخاصة تعمل بحرية، حيثما لا يوجد ما يستدعي التدخّل للسيطرة على سلوك هذه الأطراف، والتحكّم في قراراتها، على أن تتدخل الدولة وتقوم بوضع القواعد التنظيمية لعلاج الحالات التي تفشل فيها الأسواق.
4ّ. نموذج الدولة المنظ مة وتأسيس الهيئات التنظيمية المستقلة
يؤكد مايكل ماكونكي أنّ صعود نموذج الدولة المنظّمة يقتضي البحث في آليات عمله، والطريقة التي يؤدي من خلالها الوظائف التنظيمية15. وبناءً عليه؛ بعد عرض الجدل النظري حول ماهية التنظيم والدولة المنظّمة، وبعد شرح مبررات تدخّل الدولة في أسواق الاتصالات، يبقى التساؤل حول آلية العمل ونطاق التنفيذ. وسيجيب هذا الجزء من الدراسة عن تساؤلين رئيسين، هما: كيف تمارس الدولة دورها التنظيمي في أسواق الاتصالات؟ وما نطاق السياسات التنظيمية في تلك الأسواق؟ بمعنى آخر، ما الجوانب التي تخضع لسياسات التنظيم التي تضعها الدولة في مجال خدمات الاتصالات؟
تقتضي الإجابة عن هذين التساؤلين البحث في آلية عمل الدولة المنظّمة، أو الطريقة التي تلجأ الدولة إليها لممارسة دورها التنظيمي. ويعدّ نموذج الهيئات التنظيمية المستقلة، النموذج الأكثر شيوعًا في هذا الصدد. وقد لاحظ عديد الكتّاب انتشار هذا النموذج على نطاق واسع في كثير من الدول، المتقدّمة والنامية على حدّ سواء، على نحو دفع إلى التساؤل عن أسباب انتشاره، والبحث في المزايا التي يحققها في قطاعات الاتصالات16. وقد تبلورت المجهودات البحثية، في هذا الصدد، حول محاولة الإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسة، هي: لماذا تُنشِئ الدولة هيئات مستقلة لتنظيم أسواق الاتصالات لا تخضع مباشرة لسيطرتها؟ وما أسباب الانتشار الواسع لنموذج الهيئات التنظيمية المستقلة؟ وما الضمانات المؤسسية لفاعلية هذا النموذج؟ وقبل الإجابة عن هذه التساؤلات، لعله من المفيد تقديم تعريف مختصر للهيئات التنظيمية المستقلة لتوضيح المقصود بها، والشروط الواجب توافرها لضمان استقلاليتها. تزخر الأدبيات في مجال التنظيم والسياسات التنظيمية بالتعريفات حول ماهية الهيئات أو الأجهزة التنظيمية المستقلة، كما هو حال العديد من مصطلحات العلوم الاجتماعية. وبعيدًا عن التأصيل النظري والمفاهيمي لهذا المصطلح - وهو ما لا يتسع المجال هنا لعرضه بالتفصيل - يمكن النظر إلى الهيئات التنظيمية المستقلة بوصفها "أجهزة تنشأ بحكم القانون، وتعمل على مسافة بعيدة Length Arm's من الجهات الحكومية، ومن الجهات التي تتولى تنظيمها في الأسواق"17. ويؤكد هذا التعريف عنصر الاستقلال الذي يعدّ واحدًا من أهم الضمانات المؤسسية لفاعلية هذه الأجهزة في أداء دورها التنظيمي.
رياني /يناثلا نوناك ناك
ويأخذ الاستقلال هنا أبعادًا عديدة، منها أن تُحصّن هذه الجهات ضد أي تدخّل من الجهات والهيئات السياسية في عملها للتأثير في قراراتها. ويؤثر في عامل الاستقلال طريقة تمويل هذه الأجهزة، حيث يتعيّن أن يكون لها مصادر التمويل الخاصة بها، بما يضمن لها الاستقلال في عمليات اتخاذ القرار. ومن المهم أيضًا أن تستقل هذه الهيئات عن الشركات الخاصة التي تخضع لإشرافها، بحيث لا تخدم القواعد التنظيمية مصلحة هذه الشركات على حساب مصلحة المستخدمين. من هنا، فإنّ استقلال الجهات التنظيمية يقتضي أن تعمل هذه الجهات بعيدًا عن جميع الأطراف المشارِكة في عمليات التنظيم، سواء كانت حكومية أو خاصة. وعلى الرغم من الزخم الكبير في الكتابات الغربية حول أهمية الاستقلال، كعنصر من العناصر المؤسسية التي تساعد في ضمان كفاءة وفاعلية أداء الجهات التنظيمية المستقلة لأدوارها في تنظيم أسواق الاتصالات، توصّلت بعض الدراسات إلى نتائج مغايرة في واقع الدول النامية، حيث لم تشكّل قضية استقلال الجهات المنظمة أولوية لدى أطراف العملية التنظيمية18. وفي معرض الحديث عن أسباب انتشار نموذج الهيئات التنظيمية المستقلة على نطاق واسع في الدول المتقدّمة والنامية، تقدّم أدبيات التنظيم العديد من الأطروحات النظرية، لعل من أهمها: أطروحة عدم اليقين السياسي Uncertainty Political، وأطروحة صدقية السياسات Credibility Policy، وأطروحة التماثل أو التماهي المؤسسي Institutional Isomorphism، إضافة إلى التفسير أو المنطق الغائي Logic Instrumental. في الوقت الذي تصلح فيه أطروحة عدم اليقين السياسي، التي تفيد أنّ الدولة تفوّض سلطاتها لهيئات مستقلة لتحصين سياسات الأحزاب الحاكمة، لتفسير ظهور الهيئات التنظيمية المستقلة في الدول الديمقراطية، تعجز هذه الأطروحة عن تفسير نشأة هذه الأجهزة في الدول النامية غير الديمقراطية التي تفتقر إلى تداول السلطة19. أما عن أطروحة صدقية السياسات، فنجدها أكثر ملاءَمة لتفسير نشأة الأجهزة التنظيمية المستقلة، في الدول النامية والمتقدّمة على حدّ سواء. وتشير أطروحة صدقية السياسات إلى
السياسات التنظيمية لقطاعات الاتصالات في المنطقة العربية في فترة ما بعد التحرير الاقتصادي: تجارب عربية مختارة
أنّ الدولة تُنشِئ الأجهزة التنظيمية المستقلة للتأكيد على التزامها بسياسات التحرير الاقتصادي، والخصخصة في قطاعات الاتصالات، وعدم تراجعها في ما اتخذته من إجراءات في هذا الصدد، على نحو يهدّد رؤوس الأموال والاستثمارات الخاصة20. هذا التأكيد على الالتزام بسياسات الدولة أمر ضروري لجذب الاستثمارات الخاصة، نظرًا إلى ما يتطلبه الاستثمار في قطاعات الاتصالات من رؤوس أموال ضخمة Cost Sunk، ومن ثم فإن صاحب رأس المال الخاص يحتاج إلى التأكد من أنّ سياسات الدولة لن تتغيّر في المدى الطويل بطريقة تضرّ باستثماراته، ومن وجود هيئات مستقلة تعمل بعيدًا عن الاعتبارات السياسية يضمن له ذلك. إنّ أطروحة التماهي المؤسسي تصلح لتفسير نشأة الأجهزة التنظيمية المستقلة في الدول المتقدّمة، وبعض الدول النامية، ومفادها أنّ هناك ضغوطًا من البيئة المؤسسية المحيطة تدفع إلى تبنّي نمط مؤسسي معيّن، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر21. ولعل الجانب القسري Coercive Isomorphism أكثر ملاءَمة لتفسير واقع الحال في الدول النامية التي تتبنى أنماطًا مؤسسية معيّنة، مثل الأجهزة التنظيمية المستقلة، كجزء من مشروطية الجهات المانحة، ومن ثم فإنّ تبنّي تلك الدول هذه الأجهزة يكون على نحو رمزي من دون اقتناع. وأخيرًا، لعل المنطق الغائي هو الأكثر قربًا من تفسير نشأة الأجهزة التنظيمية المستقلة في حالة الدول النامية، وهو أمرٌ يفيد أنّ حاجة هذه الدول إلى جذب رؤوس الأموال، خاصة الأجنبية، للاستثمار في قطاعات الاتصالات، هو ما يدفعها إلى إنشاء أجهزة التنظيم المستقلة، لإعطاء انطباع لشركات الاتصالات الدولية مفاده أنّ الأمور التنظيمية لأسواق الاتصالات تتولى إدارتها هيئات متخصصة لا تخضع في قراراتها للجهات السياسية، الأمر الذي يوفر مناخًا أكثر أمانًا لاستثمارات هذه الشركات22. في ضوء العرض السابق لماهية الأجهزة التنظيمية المستقلة، وهي تعدّ الآلية الرئيسة التي تمارِس من خلالها الدولة المنظّمة دورها في تنظيم قطاعات الاتصالات، يبقى التساؤل حول نطاق عمل هذه الأجهزة على أرض الواقع. بمعنى آخر، ما الذي تقوم تلك الأجهزة بتنظيمه في قطاعات الاتصالات على وجه التحديد؟ ولتنظيم النقاش حول هذه الجزئية، ونظرًا إلى تعدد اختصاصات هذه الجهات المنظّمة، واختلافها من دولة إلى أخرى، سيتم التمييز بين مجالين أساسيين لتنظيم أسواق الاتصالات، يتضمن كل واحد منهما العديد من الأمور التي تتولى الجهات التنظيمية إدارتها والإشراف عليها. أما المجال الأول، فهو تنظيم الأسعار والأرباح للشركات العاملة في أسواق الاتصالات (التنظيم بمفهومه الاقتصادي.) وأما المجال الثاني، فهو تنظيم الجوانب غير الربحية، ويشمل هذا المجال قطاعًا عريضًا من الأمور؛ كالجودة والاعتبارات البيئية واعتبارات الأمن والسلامة، وغيرها من الأمور التي تعبّر عن التنظيم بمفهومه الاجتماعي. من الناحية الاقتصادية، يعدّ تنظيم أسعار تقديم الخدمات في أسواق الاتصالات من المهمات الرئيسة التي يتم إسنادها إلى الجهات المنظّمة، والتي تؤثر بدرجة كبيرة في أرباح شركات الاتصال23. وللجهة التنظيمية أن تقرر الطريقة التي سيتم من خلالها حساب تكلفة تقديم الخدمة، ومن ثم أسعار خدمات الاتصال. ومن بين أكثر الطرائق شيوعًا في تسعير خدمات الاتصال، طريقة معدل العائد Regulation Return of Rate The، وفيها تُحدَّد الأسعار بناءً على التكاليف التي يتحملها المقدّم للخدمة. ولا يدفع هذا الأسلوب الشركات إلى تخفيض التكاليف وتحسين مستوى الكفاءة الاقتصادية للعمليات24. هناك أيضًا الطريقة الخاصة بسقف الأسعار Regulation Cap Price، وفيها تضع الجهة المنظّمة حدًا أقصى لأسعار تقديم الخدمات، ويكون السبيل لتحقيق الشركات الأرباح هو تقليل النفقات وزيادة كفاءة العمليات التشغيلية25. وفي إمكان الجهة المنظّمة، أيضًا، أن تجمع بين مزايا الطريقتين السابقتين من خلال طريقة المقياس المنحدر Regulation Sliding-scale، بحيث تحدد الجهة المنظّمة سقفًا لأسعار الخدمات، ولكنّ هذا السقف يمكن تعديله بالزيادة أو النقصان، بحسب أرباح الشركات المقدّمة للخدمة أو خسائرها26. وأيًا
كانت الطريقة المتبعة في تحديد أسعار خدمات الاتصال، فإنّ على الجهة المنظّمة وضع معايير محددة وملزِمة لجودة الخدمات التي تقدّمها شركات الاتصال؛ ففي إطار سعي الشركات لتعظيم الأرباح وتقليل التكاليف، قد يكون السبيل إلى ذلك هو تقليل الجودة. إلى جانب عملية تنظيم أسعار خدمات الاتصال، تتولى الجهات التنظيمية أيضًا الإشراف على العديد من الأمور غير الاقتصادية، ومنها وضع وتطبيق القواعد التنظيمية التي تضمن عدم تأثر جودة الخدمات، أو تأثر الجوانب الخاصة بالبيئة، سلبيًا، نتيجة لنشاط شركات الاتصال. فالعديد من الجوانب الخاصة بعملية تقديم خدمات الاتصال، والأجهزة المستخدمة لتحقيق هذا الغرض، قد تؤثر سلبيًا في البيئة، ومن ثم تراقب الجهات المنظّمة هذا الجانب من خلال وضع مجموعة من القواعد التنظيمية الخاصة بمواصفات الأجهزة المستخدمة في عمليات تقديم الخدمة، وتنفيذها على نحو يراعي الاعتبارات البيئية. وتتأكد الجهات المنظّمة من أنّ مقدّمي خدمات الاتصال ملتزمون بما تضعه هذه الجهات من قواعد ومعايير لجودة الخدمات المقدّمة، وذلك للحفاظ على مستوى معيّن من الجودة، بما يحقق مصالح المستخدمين. علاوة على ذلك، تمارس الهيئات التنظيمية المستقلة العديد من الصلاحيات في مجال منح التراخيص وتجديدها وإلغائها لمقدّمي الخدمة، إضافة إلى وضع اتفاقيات الربط بين الشبكات ومراقبتها، والتأكد من وصول خدمات الاتصالات للمستخدمين في جميع أنحاء الدولة. وتستطيع الجهات التنظيمية، من خلال الجمع بين وضع السياسات والإجراءات الخاصة بتنظيم الأسعار، وتنظيم الجوانب غير الاقتصادية، أن تحقق هدفها الرئيس المتمثّل في تنمية القطاعات التي تشرف عليها، وتحديث شبكات الاتصال وتطويرها، علاوة على زيادة موارد الخزينة العامة للدولة، وتشجيع المنافسة بين مقدّمي الخدمة في أسواق الاتصالات27.
ثانيًا: تحرير قطاعات الاتصالات وتنظيمها في المنطقة العربية، تجارب مختارة
بعد عرض الأساس النظري لتحرير قطاعات المنافع العامة وتنظيمها، ومنها قطاعات الاتصالات، نخصّص هذا الجزء من الدراسة لنلقي الضوء على تجارب بعض الدول في المنطقة العربية في هذا الشأن.
رياني /يناثلا نوناك ناك
وبصفة عامة، تتميّز قطاعات الاتصالات من غيرها من قطاعات المنافع العامة بالدور المحوري الذي تؤديه بوصفه مسهّلً لعمليات تقديم الخدمات في مختلف الهيئات والمؤسسات الحكومية28. وقد تأثرت أسواق الاتصالات في المنطقة العربية بما يجري من تحولات في أسواق الاتصالات عالميًا، وبالأخص التطوّر في مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وأيضًا في ما يخصّ تحرير أسواق الاتصالات، وفتحها أمام مقدّمي الخدمة في القطاع الخاص للمنافسة فيها.
وقد كان الدافع الأساسي للدول العربية في هذا الصدد مواكبة التطورات العالمية، وما ستحققه عمليات تحرير الأسواق وفتحها للمنافسة من تحسّن في مستوى جودة خدمات الاتصال، وتقليل الأسعار، وتقديم خدمات جديدة، وجذب الاستثمارات التي ستساعد في عملية تحديث شبكات الاتصال وتطويرها29. ولتنظيم النقاش في هذا الجزء من الدراسة، سيتم تحليل الحالات الدراسية موضع البحث من خلال ثلاثة محاور رئيسة، هي: خطوات الإصلاح وإجراءاته، وتنامي دور الفاعلين غير الحكوميين نتيجة لسياسات التحرير الاقتصادي، ودور الهيئات التنظيمية المستقلة في إدارة أسواق الاتصالات.
1. خطوات الإصلاح التنظيمي لقطاعات الاتصالات وإجراءاته
اختلفت نقطة البداية الزمنية في إجراءات الإصلاح التنظيمي لأسواق الاتصالات في الحالات موضع الدراسة (مصر، والإمارات، وقطر)، وإن
السياسات التنظيمية لقطاعات الاتصالات في المنطقة العربية في فترة ما بعد التحرير الاقتصادي: تجارب عربية مختارة
كان هناك تشابه بينها من الناحية الإجرائية والمؤسسية. ففي الحالة المصرية، بدأت عملية الإصلاح التنظيمي، وتحرير أسواق الاتصالات، في عام 9971، من خلال تحرير خدمات الهواتف العمومية، عن طريق البطاقات المدفوعة مسبقًا، بيد أنّ الخطوة الأهم في عملية حاا جاءت في عام الإص 9981، حيث تم الفصل بين الجوانب التشغيلية والجوانب التنظيمية في أسواق الاتصالات. وبدأت الدولة في تحرير خدمات الهاتف المحمول. على المستوى المؤسسي، أنشأت الدولة وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في عام 9991، بوصفها أول وزارة متخصصة في مجال تطوير خدمات الاتصالات. كما قامت بتحرير خدمات شبكات البيانات العامة وخدمات الإنترنت. وخلال الفترة -2001 0022، استكملت الدولة الإطار المؤسسي لعملية الإصلاح، من خلال إصدار مجموعة مهمة من السياسات وتبنّيها، وعلى رأسها الخطة القومية للاتصالات والمعلومات، ووضْ ع مسوّدة قانون الاتصالات الموحّد، وكذلك التأكيد على التزام الحكومة المصرية بتحرير أسواق الاتصالات، وفقًا لقواعد منظمة التجارة العالمية. ولعل عام 0032 كان نقطة التحوّل المفصلية في عملية الإصلاح، حيث شهد إصدار قانون الاتصالات الموحّد، بعد فترة انتظار طويلة، وقد نصّ على إنشاء الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ليتولى مهمة تنظيم القطاع والنهوض ببنيته الأساسية31. وقد مهّد صدور القانون رقم 01، لعام 0032، الطريق أمام اتخاذ إجراءات أكثر تقدمًا، على طريق تحرير أسواق الاتصالات، حيث قامت الحكومة المصرية، في عامي 0040052 و 2، بتنفيذ إعادة هيكلة مالية للشركة المصرية للاتصالات التي كانت تحتكر سابقًا تقديم خدمات الاتصالات وتنظيمها. وطرحت 02 في المئة من أسهم الشركة للاكتتاب العام في سوق المال، كخطوة أولية لخصخصة شركة الاتصالات الأم32. وعلى الرغم من الخطى المتسارعة لعمليات تحرير سوق الاتصالات المصرية، في الفترة 005-19972، شهدت عملية التحرير تباطؤًا، ولا سيما في خدمات الهاتف الأرضي التي كان من المفترض أن ينتهي احتكارها في عام 005.2 بيد أنّ هذه الخدمة ما تزال حتى وقتنا الحالي حكرًا على الشركة المصرية للاتصالات. وبإلقاء نظرة سريعة على أحدث تقارير الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، الصادرة في عام 0172، يتضح أنّ هيكل السوق، بخاصة في مجال خدمات الهاتف النقال والإنترنت، لم يختلف كثيرًا عن عام 0052؛ فما زالت سوق الإنترنت مقسّمة إلى الفئات (أ)، و(ب)، و(ج.) وما زال مقدّمو الخدمة المرخص لهم في كل فئة هم أنفسهم. أما بالنسبة إلى سوق الهاتف النقال، فقد شهدت إصدار تراخيص لشركتين من مقدّمي الخدمات؛ هما شركة "اتصالات"، في عام 0162، وشركة "ووي" التابعة للشركة المصرية للاتصالات، في 2 33عام 017. في عام 0062، أنهت دولة الإمارات العربية المتحدة احتكار مؤسسة الإمارات للاتصالات (اتصالات)، تقديم خدمات الاتصال؛ وذلك بمنح الترخيص الثاني لشركة الإمارات لخدمات الاتصالات المتكاملة (دو)34. وقد حدّد وزير الاتصالات الإماراتي الهدف من منح الرخصة الثانية في رغبة الحكومة الإماراتية في خلق روح منافسة أقوى في هذا القطاع، والارتقاء بنوعية المنتجات والخدمات المقدّمة للعملاء، وتنوّع الخيارات المعروضة، وضمان توافرها. وأعطى الترخيص الجديد الشركة الأم (اتصالات)، والشركة الجديدة (دو)، الحق في تقديم خدمات الهاتف الأرضي والمحمول، محليًا ودوليًا، علاوة على تقديم خدمات الإنترنت. وفي الوقت الذي سارت فيه عملية تحرير قطاع الاتصالات المصري بخطى متسارعة، منذ عام 9971، على النحو السابق تبيانه، ما زالت سوق الاتصالات الإماراتية تعتمد على نموذج الاحتكار الثنائي الذي تتولى فيه مؤسسة الإمارات للاتصالات، وشركة الإمارات لخدمات الاتصالات المتكاملة، تقديم خدمات الاتصال الأرضي والمحمول والإنترنت. وقد تعهّدت الحكومة الإماراتية، منذ 0152، بالمضي قدمًا للوفاء بالتزامات تحرير قطاع الاتصالات، تماشيًا مع التزاماتها الدولية مع منظمة التجارة العالمية، إلا أنّ التقدّم المتحقق في هذا الصدد يكاد يكون محدودًا جدًّا؛ إذ لا تزال الشركتان الرئيستان، "اتصالات" و"دو"، تسيطران على عملية تقديم الخدمة في دولة الإمارات35.
ولعل الخطوة الأبرز على طريق إصلاح قطاع الاتصالات وتحريره في دولة قطر، كانت إنشاء المجلس الأعلى للاتصالات، بموجب المرسوم الأميري رقم 63 لعام 2004 36. وقد منح المرسوم هذا المجلس صلاحيات الجهة المنظّمة لقطاع الاتصالات، علاوة على مسؤوليته عن تحديث القطاع وتطويره، وتطوير الخدمات المقدّمة فيه. وعمل المجلس منذ إنشائه على تحقيق أهداف الخطة الاستراتيجية لقطاع الاتصالات المستقاة من الأهداف الوطنية لدولة قطر ورؤيتها لعام 030.2 وقد نجح المجلس في اتخاذ العديد من الخطوات المهمة على طريق تطوير قطاع الاتصالات القطري وتحديثه، نظرًا إلى ما حظي به منذ اللحظة الأولى من تأييد سياسي على أعلى مستوى37، ودعم السلطات التنظيمية للمجلس لقانون الاتصالات لعام 0062، ومنحه العديد من الاختصاصات في ما يتعلق بتنظيم المنافسة في سوق الاتصالات، ومنح التراخيص للمشغّلين الجدد، بعد تقييم وضع "قطر للاتصالات"، المشغّل الرئيس في ذلك الوقت38. وفي عام 0072، أصدر المجلس الأعلى للاتصالات رخصتين للشركة الأم للاتصالات في قطر، لتقديم الخدمات الأرضية وخدمات الهاتف المحمول39. وتبع ذلك، في عام 0082، إصدار ترخيص لشركة "فودافون"، لتقديم خدمات الهاتف المحمول. أعقبها، في عام 0102، الترخيص للشركة نفسها بتقديم الخدمات الأرضية. وقام المجلس خلال الفترة 012-20102، بإصدار عدد من التراخيص لتقديم بعض خدمات الاتصالات في السوق القطرية. وتدعيمًا لجهود الإصلاح، وتحرير سوق الاتصالات القطرية، استحدثت دولة قطر في عام 0132، وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، لتحل محل المجلس الأعلى للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. وقد اعتُبرت الوزارة الجديدة امتدادًا لمسيرة عمل المجلس الأعلى للاتصالات في الإشراف على قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ورسم الخطط والسياسات التي من شأنها الارتقاء بأوضاع القطاع
رياني /يناثلا نوناك ناك
في مختلف المجالات، علاوة على تطوير شبكات الاتصال والبنية التحتية، بما يعزز الكفاءة الكلية لخدمات الاتصالات، ويحفّز على الإبداع والابتكار في هذا القطاع الاقتصادي المهم والحيوي. وتواصل الآن وزارة الاتصالات والمواصلات جهودها لتطوير قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في ضوء الأهداف الكلية للرؤية الوطنية لحكومة قطر 2030 40. وقد بلغت مساهمة قطاع الاتصالات في دولة قطر في الناتج المحلي الإجمالي، خلال السنة المالية 017-20162، ما نسبته 71. في المئة، وذلك وفقًا للبيانات المنشورة على موقع هيئة تنظيم الاتصالات.
وبالنظر إلى خطوات الإصلاح التنظيمي وإجراءاته في قطاعات الاتصالات في الحالات الثلاث موضع الدراسة، يمكننا ملاحظة أنه في الوقت الذي ساعد فيه حجم السوق الكبيرة في الحالة المصرية على التوسّع في عمليات التحرير الاقتصادي، ومنح التراخيص لشركات الاتصالات الخاصة، مثّل صغر حجم السوق المحلية في الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر أحد القيود أمام إمكانية التوسّع في عمليات التحرير الاقتصادي لأسواق الاتصالات؛ إذ لم يتسع حجم السوق فيها لأكثر من مشغلَيْن للخدمات الأرضية وخدمات الهاتف النقال والإنترنت. ونلاحظ، أيضًا، أنه في الوقت الذي مثّل فيه التدهور في مستوى الخدمات المقدّمة الحافز الأساسي لبدء عمليات الإصلاح في قطاع الاتصالات المصري، يأتي الوفاء بالتزامات منظمة التجارة العالمية، في ما يخص تحرير أسواق الاتصالات، بوصفها محركًا رئيسًا لعمليات
السياسات التنظيمية لقطاعات الاتصالات في المنطقة العربية في فترة ما بعد التحرير الاقتصادي: تجارب عربية مختارة
التطوير والإصلاح في الحالتين الإماراتية والقطرية. وبغض النظر عن حجم السوق، فإنّ أحد أهم العوامل لنجاح جهود الإصلاح التنظيمي، وتحرير أسواق الاتصالات، يتمثّل في توافر الدعم السياسي من جانب القيادة السياسية، واستمرار هذا الدعم خلال المراحل المختلفة لتنفيذ برنامج الإصلاح.
2. سياسات التحرير الاقتصادي لأسواق الاتصالات وتنامي دور الفاعلين غير الحكوميين
أدّت عمليات تحرير أسواق الاتصالات في الحالات موضع الدراسة إلى تنامي أدوار فاعلين جدد في مجال صنع سياسات الاتصالات وتنفيذها. فبعد أن كانت الجهات والهيئات الحكومية مسؤولة، مباشرة، عن عمليات تقديم الخدمة، والإجراءات التشغيلية والتنظيمية الخاصة بهذه الخدمات، كتحديد الأسعار وغيرها، أصبح هناك أجهزة مستقلة تتولى العمل على النواحي التنظيمية للقطاع، في الوقت الذي أُسندت فيه عمليات تقديم الخدمات إلى القطاع الخاص. وبصفة عامة، وباستثناء الحالة المصرية، اتسمت إجراءات التحرير الاقتصادي في الإمارات وقطر بشيء من التحفّظ في ما يخص تقديم المنافسة بين الشركات الخاصة في أسواقها41. بيد أنّ عمليات التحرير الاقتصادي للأسواق أدّت إلى ظهور لاعبين جدد من القطاع الخاص، تعتمد عليهم الدولة في تقديم خدمات الاتصالات، وقد تنامى الدور الخاص بالجمعيات والمؤسسات غير الحكومية المهتمة بقطاعات الاتصالات، وذلك من خلال محاولتها التأثير في رسم السياسات الخاصة بهذا القطاع، والعمل على بعض القضايا ذات الأبعاد البيئية، والأمور الخاصة بحماية المستهلك. ففي الحالة المصرية، التي تعدّ أكثر الحالات المدروسة تقدمًا، في ما يخصّ تحرير أسواق الاتصالات، أدّت عمليات تحرير أسواق الاتصالات المختلفة، بدايةً من عام 9971، إلى تنامي دور القطاع الخاص بوصفه شريكًا في عمليات تقديم خدمات الاتصالات. ولا يكاد يخلو قطاع من قطاعات الاتصالات في السوق المصرية من شكل من أشكال مشاركة القطاع الخاص؛ ففي سوق الهواتف النقالة، على سبيل المثال، هناك أربع شركات خاصة تتولى عملية تقديم الخدمة حاليًا في مصر (اتصالات، وأورانج، وفودافون، وووي)42. وقد تمّ إسناد ترخيص إلى شركة "ووي" في عام 0172، وهي شركة مساهمة مصرية متخصصة في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تابعة لشركة الاتصالات الأم في مصر43. وتجدر الإشارة، في هذا الصدد، إلى أنّ دخول الشركة المصرية للاتصالات سوق الهاتف النقال، من خلال شركة "ووي"، قد أثار العديد من التساؤلات حول دوافع دخول هذه الشركة، على الرغم من أرباحها العالية التي تصل إلى أربعة مليارات جنيه مصري، من عوائد تأجير الشبكة الأرضية وعوائد الهاتف الأرضي، لسوق يسيطر عليها بالفعل لاعبون يتمتعون بحصة سوقية كبيرة وميزة تنافسية عالية44. أبدت العديد من شركات الهاتف النقال، أيضًا، تخوّفها من دخول الشركة المصرية للاتصالات إلى السوق، في الوقت الذي تتمتع فيه هذه الشركة بوضع احتكاري على الشبكة الأرضية، على نحوٍ يؤثر في قواعد المنافسة في سوق الاتصالات، ويمنح الشركة المصرية للاتصالات وضعًا مميّزًا، مقارنة ببقية اللاعبين. ويعزز هذا التخوّف ما قامت به الشركة المصرية للاتصالات من مخالفة لقانون حماية المنافسة في عام 0162، وفصلها لخدمات الإنترنت عن عدد من مقدّمي هذه الخدمة45. ووفقًا لتقديرات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فإن عدد المشتركين في خدمات الهاتف النقال في عام 0182 قد وصل إلى 97.6 مليون مشترك، بنسبة 071 في المئة46. وبالنظر إلى سوق الإنترنت، يلاحَظ أنّ هناك تزايدًا في عدد مقدّمي الخدمة من الشركات الخاصة، مقارنة بسوق الهاتف النقال، بحيث تم تقسيمهم إلى ثلاث فئات؛ (أ) و(ب) و(ج)، ولكل فئة حدود وصلاحيات محددة، في ما يخصّ قدرتها على تقديم خدمات الإنترنت. وقد وصل عدد الشركات الخاصة العاملة في مجال تقديم خدمات الإنترنت في بداية فترة التحرير الاقتصادي، في عام 9971،
إلى 61 شركة، وتزايد هذا العدد تزايدًا كبيرًا ليصل إلى 64 شركة، بحلول عام 2000 47. وبعيدًا عن التفاصيل الخاصة بتحرير هذه الأسواق التي لا يتسع المجال في هذه الدراسة لتغطيتها جميعًا، فإنّ ما يهم الباحث هنا أنّ تعدّد الأطراف الفاعلة، خاصة الأطراف غير الحكومية، قد جعل العمليات الخاصة بتنظيم أسواق الاتصالات أشبه بمباراة بين جميع الأطراف المشارِكة، الحكومية وغير الحكومية، ومن خلال هذه المباراة، يحاول كل طرف أن يوظّف ما لديه من موارد، ويطبق الخطط والاستراتيجيات التي تساعده في تحقيق أهدافه. بمعنى آخر، لم تعد عملية رسم السياسات التنظيمية لقطاع الاتصالات المصري عملية فوقية تتسم بهيمنة شبه كاملة للجهات الحكومية، وإنما أصبحت عملية تشاركية، تشارك فيها الجهات الحكومية جنبًا إلى جنب مع الجهات غير الحكومية التي قد تتفوق في بعض الأحيان على الأولى، لما لديها من موارد وقدرات48. ينطبق الوصف السابق لطبيعة العملية التنظيمية في سوق الاتصالات المصرية على الحالتين الإماراتية والقطرية، ولكن بدرجة أقل، نظرًا إلى محدودية عدد الأطراف الفاعلة في الحالتين الأخيرتين. فكما اتضح من خلال الجزء الخاص بإجراءات الإصلاح وخطواته، فإنّ صغر حجم السوق، في الإمارات وقطر، قد وضع قيودًا على إمكانية التوسع في منح التراخيص، وعلى عمليات تقديم المنافسة في هذه الأسواق. وبناءً عليه، فقد فضّ لت الحكومة، في الحالتين الإماراتية والقطرية، الاكتفاء بنموذج الاحتكار المزدوج Duopoly الذي ينافس فيه مشغّل خاص للخدمات الأرضية، وخدمات الهاتف المحمول، الشركة الأم التي كانت تحتكر تقديم هذه الخدمات قبل مرحلة التحرير الاقتصادي، ويُعدّ هذا النموذج أقلَّ درجات المنافسة. ومن المتوقّع أن تشهد أسواق الاتصالات في كلتا الدولتين خطوات أكثر تقدّمًا على طريق التحرير الاقتصادي لخدمات الاتصالات، بطريقة تزيد من المنافسة بين مقدّمي الخدمة، وتعود بالنفع على المستخدمين.
رياني /يناثلا نوناك ناك
3. الدور التنظيمي للهيئات المستقلة في أسواق الاتصالات
على الرغم من اختلاف نقطة البداية في عمليات الإصلاح التنظيمي لقطاعات الاتصالات في الحالات موضع الدراسة، وعلى الرغم من الاختلاف أيضًا على مستوى بنية هذه الأسواق، ودرجة تحريرها اقتصاديًا، فإنّ الدور المنوط بعمل الهيئات التنظيمية المستقلة يكاد يكون متطابقًا؛ فبالرجوع إلى الجزء النظري من الدراسة، يتضح أنّ عمل هذه الهيئات يمتدّ ليشمل تنظيم العديد من الجوانب، بعضها ذو طبيعة مالية واقتصادية، كتنظيم الأسعار والأرباح، وبعضها الآخر لا يتعلق بالجوانب الاقتصادية؛ مثل منح التراخيص، ووضع القواعد الخاصة بحماية المستهلك، ووضع معايير تقديم الخدمة التي تضمن مستوى جودتها. وبالنظر إلى قوانين الاتصالات المنشِئة للجهات التنظيمية المستقلة في الحالات موضع الدراسة والتحليل، نجدها جميعًا تتفق في منح الصلاحيات التنظيمية السابقة الذكر للجهات المنظّمة؛ فقانون الاتصالات المصري رقم 01 لعام 0032، ينص في مادته الرابعة على أنّ الهدف الرئيس لجهاز تنظيم الاتصالات هو "تنظيم مرفق الاتصالات وتطوير ونشر جميع خدمات الاتصال على نحو يواكب أحدث وسائل التكنولوجيا ويلبي جميع احتياجات المستخدمين بأنسب الأسعار ويشجع الاستثمار الوطني والدولي في هذا المجال في إطار من قواعد المنافسة الحرة"49. هذا الإجمال في وظائف الجهاز، تم تفصيله في عدد من الوظائف، من أبرزها: ضمان وصول خدمات الاتصالات إلى جميع مناطق الجمهورية، وحماية الأمن القومي والمصالح العليا للدولة، وضمان الاستخدام الأمثل للطيف الترددي، وتعظيم العائد منه طبقًا لأحكام هذا القانون، وضمان الالتزام بأحكام الاتفاقات الدولية النافذة، والقرارات الصادرة عن المنظمات الدولية والإقليمية المتعلقة بالاتصالات التي تقرّها الدولة، ومراقبة تحقيق برامج الكفاءة الفنية والاقتصادية لمختلف خدمات الاتصالات. وفي ما يخصّ آلية تحقيق هذه الأهداف، تحدّث الباب الثاني من قانون الاتصالات بالتفصيل عن الصلاحيات الممنوحة لجهاز تنظيم الاتصالات، وضَ مِنَ له الاستقلال المالي والتنظيمي عن وزارة الاتصالات، وإن كان القانون قد أسند تبعية الجهاز إلى وزير الاتصالات، الأمر الذي قد يطرح
السياسات التنظيمية لقطاعات الاتصالات في المنطقة العربية في فترة ما بعد التحرير الاقتصادي: تجارب عربية مختارة
تساؤلات حول درجة استقلالية الجهاز عن الوزارة، وتأثير ذلك في علاقته بباقي الأطراف في أسواق الاتصالات المحررة50. وبالنظر إلى المرسوم بقانون اتحادي رقم 3 لعام 0032، وتعديلاته بشأن تنظيم قطاع الاتصالات في الإمارات، نجد أنّ المهمات والوظائف التنظيمية للهيئة العامة لتنظيم قطاع الاتصالات قد تم تحديدها في الباب الثالث، وبالأخص في المادة 12، التي حدّدت مهمة الهيئة في الرقابة على قطاع الاتصالات والعاملين فيه، إضافة إلى التقدّم بمقترحات السياسات العامة في قطاع الاتصالات لمجلس إدارة الهيئة. وفي تفصيل هذا التفويض العام، أسند المرسوم بقانون إلى الهيئة العديد من المهمات المتعلّقة بتوصيل الخدمات إلى كافة أرجاء الدولة، ووضْ ع معايير الجودة، وتطوير البنية التحتية وأنظمة الاتصال وتحديثهما، ومنح التراخيص. وكما هو الوضع في الحالة المصرية، حاول المرسوم بقانون ضمان الاستقلالية المالية التنظيمية للهيئة، من خلال وضع موازنة مستقلة لها (المادة 6)1، وتحديد مصادر تمويلها، وإعفائها من جميع الضرائب والرسوم (المادة)2151. ولا يختلف وضع هيئة تنظيم الاتصالات في دولة قطر كثيرًا عن الحالتين المصرية والإماراتية، حيث حدّد القرار الأميري رقم 42 لعام 0142 اختصاصات الهيئة في تنظيم قطاع الاتصالات على النحو التالي52: ضمان إدارة الموارد النادرة وتخصيص فاعل لها، وحماية المستهلكين من الممارسات المضللة وغير العادلة في السوق، ووضْ ع معايير لجودة الخدمة ومراقبة عملية الامتثال، وإدارة نظام تسوية النزاعات بطريقة شفافة وعادلة وسريعة وفاعلة. ويلاحَظ من العرض السابق درجة التشابه العالية في اختصاصات الهيئات التنظيمية المستقلة ونطاق عملها في أسواق الاتصالات، في الحالات الدراسية موضع التحليل، الأمر الذي يثير التساؤل حول مدى عالمية نموذج الهيئة التنظيمية المستقلة. فالانتشار الواسع لهذا النموذج في أسواق الاتصالات، على اختلاف مستوى تقدّم الدول التي تأخذ به، يؤكد أنّ هذا النموذج قد أصبح نموذجًا عالميًا Model Universal في تنظيم قطاعات الاتصالات. وبالطبع، يبقى المحك الأخير في الحكم على درجة فاعلية هذه الأجهزة هو قدرتها على ترجمة السلطات والصلاحيات الممنوحة لها بحكم القانون إلى ممارسات على أرض الواقع، فضلً عن ممارسة الهيئات دورها بحيادية واستقلالية عن كافة الأطراف المشارِكة في العمليات التنظيمية.
خاتمة وتوصيات
تناولت هذه الدراسة موضوع التحرير الاقتصادي، والسياسات التنظيمية في أسواق الاتصالات، من منظور أطروحة الدولة المنظّمة، وحاولت في إطار المساحة البحثية المتاحة إلقاء الضوء على تجربة ثلاث دول، هي مصر والإمارات وقطر. وقد أوضحت المراجعة النقدية لأدبيات التنظيم والسياسات التنظيمية تأكيد معظم الباحثين في هذا المجال على أنّ تغيّرًا نوعيًا قد حدث في طبيعة الدور الذي تؤديه الدولة في مجال تقديم خدمات الاتصالات، وأنّ هذا التغيير انعكس انعكاسًا ملموسًا على طبيعة عملية صنع السياسات التنظيمية وتنفيذها، وعلى أدوار الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين، في إطار ما يُعرف بنموذج الدولة المنظّمة. وقد اتضح، من النقاش النظري، الدور المتنامي لأجهزة تنظيم قطاعات الاتصالات المستقلة، بوصفها أذرعًا أساسية للدولة المنظّمة، تساعدها في الوصول إلى أهدافها الخاصة في سياسات قطاعات الاتصالات. هذا الأمر قد تأكد أيضًا من خلال دراسة الحالات التطبيقية التي برز من خلالها أهمية الدور المسند إلى هيئات التنظيم المستقلة، في ما يخصّ تنمية قطاعات الاتصالات وتطويرها وتحديثها، إضافة إلى حماية المستخدمين، ووضع الإطار المنظم لعمل الشركات الخاصة. وتبقى قدرة أجهزة التنظيم المستقلة على تحويل الصلاحيات الممنوحة لها في قوانين الاتصالات إلى إجراءات واقعية، وقرارات نافذة، سؤالً مفتوحًا تختلف الإجابة عنه باختلاف الحالة موضع الدراسة. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ نموذج هيئات التنظيم المستقلة في مجال تحرير قطاعات الاتصالات وتنظيمها، يعدّ الأكثر شيوعًا بين مختلف الدول المتقدمة والآخذة في النمو، وكذلك الديمقراطية وغير الديمقراطية، وهو دليل لدى البعض على عالمية هذا النموذج، وقابليته للتطبيق في مختلف الظروف. وفي ضوء ما تقدّم، تعرض الدراسة، في ما يلي، عددًا من التوصيات التي يمكن أن يأخذ بها صنّاع السياسات العامة في قطاعات الاتصالات، في الحالات موضع التحليل، لتطوير الممارسات التنظيمية، وتحسين مستوى مخرجاتها. في ما يتعلق بإجراءات التحرير الاقتصادي للأسواق، تقترح الدراسة استكمال عمليات التحرير الاقتصادي، وفتح أسواق الاتصالات أمام شركات الاتصالات الخاصة للمنافسة فيه. وهذا الأمر من شأنه أن
يعزز قدرات الدول محل الدراسة، في ما يخصّ توفير الاستثمارات المطلوبة لتحديث قطاعات الاتصالات وتطويرها. إضافة إلى ذلك، تساعد المنافسة بين مقدّمي خدمات الاتصال، وكسر احتكار الدولة هذه القطاعات، في تحسين مستوى جودة الخدمات المقدَّمة، والتقليل من أسعار تلك الخدمات، على نحوٍ يحقق مصالح المستخدمين. وقد كان لتحرير سوق الهاتف النقال في مصر، والانتقال من وضع المنافسة الثنائية إلى درجة أعلى من التحرير، بالترخيص لشركة "اتصالات" ثم شركة "ووي"، تأثير واضح على مستوى جودة الخدمات، وكذلك العروض التي تطرحها هذه الشركات للمستخدمين، بما يشجع على اتباع الإجراء نفسه في الحالتين القطرية والإماراتية، ولكن مع الأخذ في الاعتبار الظروف الخاصة بأسواق تلك الدول. ويبقى المدخل المناسب لعمليات التحرير الاقتصادي لأسواق الاتصالات رهنًا بتجربة كل دولة وظروفها. أوضحت التجربة المصرية في سوق الهاتف النقال أنّ المدخل المتدرج في عملية التحرير الاقتصادي، وفتح سوق المحمول للمنافسة، كان أكثر نفعًا من التحرير المفاجئ لسوق الإنترنت الذي ترتّب عليه العديد من المشكلات لعدد كبير من الشركات العاملة فيه. وبصفة عامة، كانت العملية التنظيمية في سوق تقديم خدمات الإنترنت أشد تعقيدًا من مثيلتها في سوق تقديم خدمات الهاتف المحمول، وذلك بسبب العدد الكبير لمقدّمي خدمات الإنترنت، والتركيب المعقّد للسوق، وتقسيمهم إلى فئات على النحو السابق تبيانه، على نحوٍ أظهر تخبطًا في بعض القرارات التنظيمية الخاصة بهذا القطاع من قطاعات الاتصالات، وانعكست انعكاسًا كبيرًا على ربحية الشركات العاملة فيه، وعلى أدائها عمومًا53. وقد اتضح هذا الأمر جليًا في ما يخصّ قرارات جهاز تنظيم الاتصالات بشأن التكنولوجيا المستخدمة في تقديم خدمات الإنترنت، فخلال الفترة 009-20052، حرص الجهاز على تشجيع مقدّمي خدمات الإنترنت على تبنّي التكنولوجيا اللاسلكية Wireless في عمليات تقديم الخدمة. وشاع بين مقدّمي الخدمة أنّ الجهاز بصدد وضع إطار تنظيمي جديد يعتمد من خلاله إحدى التكنولوجيات الحديثة مثل WiMAX. وعلى الرغم من حرص الجهاز على استشارة مقدّمي الخدمة، من خلال استشارة عامةConsultation Public شارك فيها غالبية الشركات العاملة في هذا المجال، وقدّموا خلالها وجهة نظرهم في ما يخصّ الإطار المقترح للتنظيم، فإنّ الجهاز،
رياني /يناثلا نوناك ناك
طوال أعوام عدة، ترك سوق الإنترنت عرضة للتكهنات والشائعات، دون أن يتخذ قرارًا حاسمًا في هذا الأمر، على نحوٍ جعل العديد من شركات الإنترنت تتساءل حول جدوى المشاركة في مثل هذه الاستشارات. على صعيد العمليات التنظيمية Processes Regulatory، ودور الفاعلين الجدد في تنظيم قطاعات الاتصالات، تقترح الدراسة التخلّي عن الأسلوب الفوقي Approach Top-down في صنع القرارات المنظّمة لهذه القطاعات، والاعتماد بدرجة أكبر على الأسلوب التشاركي الذي يُفسح المجال لمساهمات الفاعلين غير الحكوميين. فقد أدّت عملية التحرير الاقتصادي لأسواق الاتصالات إلى نمو أدوار شركات الاتصالات الخاصة، ومنظمات المجتمع المدني المعنيّة بقضايا الاتصالات، في عمليات رسم السياسات العامة الخاصة بتلك القطاعات وتنفيذها. والدولة، في الحالات الثلاث موضع الدراسة، تعوّل كثيرًا على الاستثمارات الخاصة في تمويل خدمات الاتصالات وتحديثها، بطريقة تجعل القطاع الخاص شريكًا في عملية تنمية أسواق الاتصالات، وليس منفذًا لما تضعه الدولة من سياسات وما تتخذه من إجراءات. ولكون هذا القطاع شريكًا في هذه العملية، يحق له المشاركة في صنع القرارات التي تنظّم نشاطاته الاقتصادية، على نحوٍ يضمن له الدفاع عن مصالحه، من دون إملاء ما يراه من سياسات على الجهات الحكومية. في هذا الإطار، أصبحت العمليات التنظيمية، كما ذُكر سابقًا، أشبه بمباراة يحاول خلالها كل فريق من اللاعبين توظيف ما لديه من موارد، عن طريق استراتيجيات معيّنه، لتحقيق أهدافه. ونتيجة هذه المباراة، أو العملية التنظيمية، لا يمكن تحديدها مسبقًا، وإنما تكون نتاجًا لتفاعل جميع الأطراف الحكومية وغير الحكومية. وبالطبع تتأثر العملية التنظيمية بعدد الأطراف المشارِكة فيها، حيث تؤدي زيادة عدد الأطراف إلى تعقّد العملية التنظيمية، بسبب اختلاف أهداف اللاعبين، وهو ما يعني أنّ عمليات التنظيم في الأسواق الأكثر تحريرًا من الناحية الاقتصادية، كسوق الاتصالات المصرية، تصبح أكثر تعقيدًا، مقارنة بمثيلتها في سوق الاتصالات الإماراتية أو القطرية. في ما يخصّ علاقة الهيئات التنظيمية المستقلة بأطراف العملية التنظيمية، سواء من القطاع الحكومي أو القطاع الخاص، توصي
السياسات التنظيمية لقطاعات الاتصالات في المنطقة العربية في فترة ما بعد التحرير الاقتصادي: تجارب عربية مختارة
الدراسة بأهمية توفير كافة الضمانات المؤسسية التي تكفل لتلك الهيئات الاستقلال التام في قراراتها عن الوزارات المعنيّة وعن شركات الاتصالات الخاصة. وإذا نظرنا إلى العملية التنظيمية من منظور المباريات، فإن دور هذه الهيئات أشبه بدور حَكَم المباراة الذي يتعيّن عليه أن يكون محايدًا، ولا ينحاز لأي من اللاعبين، وإنما يركّز على تطبيق قواعد اللعبة بنزاهة وحيادية على الجميع، ويفرض العقاب على مخالف تلك القواعد. وحتى يتسنى للهيئات التنظيمية المستقلة القيام بدورها على هذا النحو، لا بد من الاستثمار في بناء قدرات هذه الهيئات، وتدريب طاقمها الفني والإداري على أحدث التقنيات وأساليب التنظيم. إنّ مهمة تنظيم قطاعات الاتصالات ليست بالمهمة السهلة، خاصة إذا أُخذ في الاعتبار حداثة عهد عديد الهيئات التنظيمية المستقلة في الحالات موضع الدراسة، وطبيعة اللاعبين وقوتهم في أسواق الاتصالات، خاصة شركات الاتصالات الدولية، مثل "فودافون" و"أورانج" و"اتصالات"، وخبرتهم الطويلة في العمل في هذا المجال. في ما يتعلق بطبيعة العلاقة بين الجهات الحكومية المعنيّة بقطاعات الاتصالات، تقترح الدراسة إنشاء آلية للتنسيق والتعاون بين هذه الجهات، بما يضمن تحقيق الاستفادة القصوى من خدمات الاتصالات، فهناك العديد من الأمور التي تدفع نحو ضرورة التنسيق والتعاون بين أجهزة الحكومة المختلفة. ففي مصر، على سبيل المثال، تتنافس عدة جهات حكومية على استخدام نطاقات الطيف الترددي، كوزارتَي الدفاع والداخلية، الأمر الذي يحتّم ضرورة التنسيق والتعاون بين هذه الجهات للتأكد من الاستفادة العظمى من هذا المورد المهم. ومن الأمور التي تحتّم أيضًا ضرورة التنسيق والتعاون بين جهات الحكومة المختلفة، المشروعات القومية في مجال الحوكمة الإلكترونية الذكية، كما هو الحال في دولتَي قطر والإمارات. فما يتطلبه نجاح مثل هذه المشروعات، من إنشاء منصة موحدة للخدمات الحكومية، يعني ضرورةًالتنسيق والتعاون وتحقيق التكامل بين الجهات الحكومية، كخطوة أولية يستطيع بعدها مطورو التطبيقات الذكية في القطاع الخاص البناء عليها لتصميم خدمات ذكية للمستخدمين. وأخيرًا، قد تتباين وجهات النظر حول مدى فاعلية نموذج الدولة المنظّمة، أو مدى ملاءَمته لشكل معيّن من أشكال الحكم في دولة معيّنة، أو ارتباطه بواقع الدول الأوروبية، حيث نشأ وتطوّر، أكثر من الارتباط بواقع الدول النامية، ولكن لا أحد يستطيع إنكار أننا نعيش في "العصر الذهبي" للدولة المنظّمة.
المراجع
العربية
الإمارات العربية المتحدة. هيئة تنظيم الاتصالات. "مرسوم بقانون اتحادي رقم 3 لسنة 0032 وتعديلاته بشأن تنظيم قطاع الاتصالات." في https://bit.ly/2udkA9j: الإمارات العربية المتحدة. هيئة تنظيم الاتصالات. التقرير السنوي في https://bit.ly/37bdsrl:. 2006 الإمارات العربية المتحدة، هيئة تنظيم الاتصالات. التقرير السنوي https://bit.ly/37bdsrl: في. 2016 جمهورية مصر العربية. "القانون رقم 01 لسنة 0032 بإصدار قانون تنظيم الاتصالات." دلتا القانون. في: https://bit.ly/31oZJvN جمهورية مصر العربية. وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. نهضة الاتصالات في مصر - التقرير السنوي للجهاز القومي لتنظيم مصر 017: (في https://bit.ly/2SXsnlr:2). الاتصالات 2017 جمهورية مصر العربية. وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. تقرير موجز عن مؤشرات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات https://bit.ly/2ONNjZs:2). في 018 (أيار/ مايو دولة قطر. الأمانة العامة للتخطيط التنموي. رؤية قطر الوطنية في https://bit.ly/2GQtyw0:. 2030 دولة قطر. البوابة القانونية القطرية. "مرسوم بقانون رقم 4()3 لسنة 0062 بإصدار قانون الاتصالات." الميزان. في: https://bit.ly/2Sq8fH5 دولة قطر. وزارة المواصلات والاتصالات. "مرئيات العموم عن السياسات الخاصة بفتح سوق الاتصالات في قطر." في: https://bit.ly/3b3RYzT الزندي، لارا عادل جبار. حماية المنافسة في قطاع الاتصالات: دراسة مقارنة. القاهرة: المركز العربي للدراسات والبحوث العلمية، 018.2 مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم والمكتب الإقليمي للدول العربية/ الصندوق الإنمائي للأمم المتحدة. مؤشر المعرفة العربي في https://bit.ly/35MNmdJ:. 2016
رياني /يناثلا نوناك ناك
الأجنبية
Abbott, Malcom. "The Regulatory Governance of the Telecommunication and Electricity Industries in Small, Island Nations." Utilities Policy. vol. 26 (September 2013). Al-Jaber, Hessa & Soumitra Dutta. "Qatar: Leveraging Technology to Create a Knowledge-Based Economy in the Middle East." The Global Information Technology Forum. Economic World Report at: https://bit.ly/2GMX2dU Badran, Ahmed. The Regulatory Management of Privatised Public Utilities: A Network Perspective on the Regulatory Process in the Egyptian Telecommunications Market. Latvia: VDM Verlag Dr. Müller, 2011. ________. "Does Formal Independence Matter for Regulatory Outcomes? Measuring Regulatory Interdependence in Networks: The Case of Telecoms Sector in Egypt." International Journal of Politics and Good Governance. vol. 3, no. 3.2 (Quarter II 2012). ________. "The Rationale Behind the Creation and Diffusion of Independent Regulatory Agencies: The Case of the Telecommunications Sector in Egypt." International Journal of Public Administration. vol. 35, no. 3 (February 2012). ________. "The Role of Public Consultations in Regulatory Decision-Making: Thoughts and Reflections Based on Regulatory Decision-Making Mechanisms in the Egyptian Telecoms Market." The Observatory on Independent Regulators' AIR (2013). at: https://bit.ly/37kOFBj Baldwin, Robert. Martin Cave & Martin Lodge. Understanding Regulation: Theory, Strategy, and Practice. Oxford: Oxford University Press, 1999. Banks, K. et al. (eds.). Global Information Society Watch 2007. Montreal: APC and ITeM, 2007. at: https://bit.ly/2tTM5Vk
السياسات التنظيمية لقطاعات الاتصالات في المنطقة العربية في فترة ما بعد التحرير الاقتصادي: تجارب عربية مختارة
Barry M. Mitnick, The Political Economy of Regulation: Creating, Designing and Removing Regulatory Forms. New York: Colombia University press, 1980. Better Regulation Task Force. Independent Regulators. London: Cabinet Office, 2003. Bishop, Matthew, John Kay & Colin Mayer (eds.). The Regulatory Challenge (Oxford: Oxford University Press, 1995). Christopher Hood et al., Regulation Inside Government: Waste-Watchers, Quality Police, and Sleaze-Busters. Oxford: Oxford University Press, 1999. Devkar, Ganesh A. et al. "Impact of Private Sector Participation on Access and Quality in Provision of Electricity, Telecom and Water Services in Developing Countries: A Systematic Review." Utilities Policy. vol. 27 (December 2013). DiMaggio Paul J. & Walter W. Powell (eds.). The new institutionalism in organizational analysis. Chicago: University of Chicago Press, 1991. Doern, G. Bruce & Stephen Wilks (eds.). Changing Regulatory Institutions in Britain and North America. Toronto: University of Toronto Press, 1998. Dubash, Navroz & Bronwen Morgan (eds.). The Rise of the Regulatory State of the Global South: The Infrastructure of Development. Oxford: Oxford University Press, 2013. El-Haddad, Amirah. "Welfare gains from utility reforms in Egyptian telecommunications." Utilities Policy. vol. 45 (April 2017). Gilardi, Fabrizio, Jacint Jordana & David Levi-Faur. "Regulation in the Age of Globalization: The Diffusion of Regulatory Agencies Across Europe and Latin America." IBEI Working Papers. Barcelona, May 2006. Gilardi, Fabrizio. Explaining Delegation to Independent Regulatory Agencies: The Role of Political Uncertainty. Lausanne, Switzerland: Institut d'Etudes Politiques et Internationales Université de Lausanne, 2003. ________. "Who Learns from what in Policy Diffusion Processes?" American Journal of Political Science. vol. 54, no. 3 (July 2010). at: https://bit.ly/2UM53IC Hawthorne, Ryan et al. Review of Economic Regulation of the Telecommunications Sector. Johannesburg: Centre for Competition, Regulation and Economic Development, 2014. at: https://bit.ly/2QpHQJw Intven, Hank & McCarthy Tetrault. Telecommunication Regulation Handbook. Washington, DC: The World Bank, 2000. Jacobs, Scott. "Governance of Asian Utilities: New Regulators Struggle in Difficult Environments." The Governance Brief. no. 10 (March 2004). Jamison, Mark et al. "Annotated Reading List for a Body of Knowledge on the Regulation of Infrastructure and Utility Services." World Bank (Washington, DC: 2004). at: https://bit.ly/3bq5bmV Kirkpatrick, Colin, David Parker & Yin-Fang Zhang. "Price and Profit Regulation in Developing and Transition Economies, Methods Used and Problems Faced: A Survey of the Regulators." Centre on Regulation and Competition Working Paper Series. Paper no. 88 (November 2004). Majone, Giandomenico. "Nonmajoritarian Institutions and the Limits of Democratic Governance: A Political Transaction-Cost Approach." Journal of Institutional and Theoretical Economics. vol. 157, no. 1 (March 2001). McConkey, M. Thinking Regulation: A Roadmap to the Recent Periodical Literature. Toronto: Institute of Public Administration of Canada, 2003. Nagarajan, K. V. "Egypt's Political Economy and the Downfall of the Mubarak Regime." International Journal of Humanities and Social Science. vol. 3, no. 10 (2013).
Saal, David & David Parker (eds.). International Handbook on Privatization. Cheltenham: Edward Elgar, 2003. State of Qatar. Ministry of Transport and Communication. "Decree Law no. 34 of 2006 on the Promulgation of the Telecommunications Law." at: https://bit.ly/36Cvjbs Stigler, George J. "The Theory of Economic Regulation." The Bell Journal of Economics and Management Science. vol. 2, no. 1 (Spring 1971).
رياني /يناثلا نوناك ناك