صعود التكنوقراط وتحولات النظام العالمي: مراجعة نقدية لكتابَي باتريك وود عن التكنوقراط

219219
219
* باحث، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
Researcher, Arab Center for Research and Policy Studies.
. Technocracy Rising: The Trojan Horse of Global Transformation عنوان الكتاب الأول في لغته:
عنوان الكتاب: صعود التكنوقراط: حصان طروادة للتحول العالمي.
المؤلف: باتريك وود Wood M..Patrick
سنة النشر:.2015
.Coherent Publishing الناشر:
عدد الصفحات: 742 صفحة.
. Technocracy: The Hard Road to World Order عنوان الكتاب الثاني في لغته:
عنوان الكتاب: التكنوقراط: الطريق الصعب إلى النظام العالمي.
المؤلف: باتريك وود Wood M..Patrick
سنة النشر:.2018
.Coherent Publishing الناشر:
عدد الصفحات: 021 صفحات.
* Ihab Maharmeh إيهاب محارمة |
صعود التكنوقراط وتحولات النظام العالمي: مراجعة نقدية
لكتابَي "صعود التكنوقراط: حصان طروادة للتحول العالمي"
و"التكنوقراط: الطريق الصعب إلى النظام العالمي"
Technocracy Rising and Global Transformation:
Critical Reviews of "Technocracy Rising: The Trojan Horse of
Global Transformation" and "Technocracy: The Hard Road to
World Order"

مقدمة

أدت الموجة الثانية من الانتفاضات العربية التي بدأت بانتفاضة السودانيين في 13 كانون الأول/ ديسمبر 0182، ثم انتفاضة الجزائريين في 22 شباط/ فبراير 0192، وأخيرًا انتفاضة العراقيين واللبنانيين في مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 0192، إلى تفعيل النقاش بشأن صعود التكنوقراطية في البلدان العربية. ولم يُخفِ الباحثون المهتمون بالحركات الاحتجاجية والتحول الديمقراطي في العالم العربي توجسَهم من التحول نحو التكنوقراطية في بلدان الموجة الثانية للانتفاضات العربية، بوصفها مخرجًا للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها هذه البلدان؛ ذلك أن تنامي المطالبة بتولي حكومات تكنوقراط مهمة إدارة شؤون الحكم، وإن كانت تقليدًا تاريخيًا لطالما لجأت إليه الأنظمة السياسية كلما واجهت أزمات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، يمكن أن يكشف عن أزمة تمثيلية في قواعد الحكم وأسسه في البلدان العربية1. ولعل التحول نحو التكنوقراطية، أو حكم الكفاءات أو المستقلين أو الاختصاصين، يعود في أصله إلى الكتابات التأسيسية في الفلسفة السياسية، من خلال السؤال: من يجب أن يحكم؟ فلطالما ظل هذا السؤال حاضرًا في كتابات منظري العلوم السياسية والسياسات والإدارة العامة، بل ملازمًا للتحولات التي مرت بها هذه الحقول، وصولً إلى صعود الثورة الرقمية على الساحة الدولية أواخر القرن العشرين، وتأثيرها في الكتابات البحثية النقدية في السياسة والحكم. في مطلع القرن العشرين، ازدادت الدراسات النقدية للتكنوقراط أهمية، ولا سيما بعد انطلاق الموجة الثالثة للثورة الصناعية، أو الثورة الرقمية، تحديدًا في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا، بوصفها مقاربة نقدية في أدبيات العلوم السياسية والسياسات والإدارة العامة. وهي تسعى لتقديم فهمٍ معمق عن هذا الشكل من أشكال الحكم من جهة، ولنقد تجارب حكم التكنوقراط وتطبيقاته من جهة أخرى. ويستند كُتّاب الدراسات النقدية للتكنوقراط إلى النظريات النقدية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، مع التركيز على التنظير الذي قدمته مدرسة فرانكفورت خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ولا سيما في كتابات يورغن هابرماس Jürgen Habermas عن الهيمنة التقنية/ الأداتية التي يروّج لها التكنوقراط، ودورها في إعادة تنظيم المجتمع، بوصفها أداة ملائمة تساعد من يحكم في اختيار طريقة الحكم2. ونتيجة للانزياح نحو الهيمنة التقنية في إدارة المؤسسة السياسية، برز نقاش أكاديمي يبحث في تأثير التكنوقراط في المجتمعات العالمية، ومنه مناقشة تأثير التكنوقراط في الديمقراطية التمثيلية، ورأى كثير من الباحثين أهمية هذا النقاش، ولا سيما أن حكومات التكنوقراط حلّت محل الحكومات الديمقراطية المنتخبة، وباتت تهديدًا للديمقراطية التمثيلية3. وفي العقود التالية، وتحديدًا في أواخر القرن العشرين، ارتفعت أهمية الدراسات النقدية للتكنوقراط، وحاجّ كثيرون بأن نماذج الحكم تتعرض إلى هيمنة نخبة تقنية، تسعى لفرض نموذج سياسة واحد، وحصري، قائم على تطبيق التقنيات الإلكترونية4؛ وهو ما يعني أن الحلول التقنية وحدها يمكن أن تساهم في إيجاد حلول للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بشرط ضبط عملية تدخل السياسيين في الحكم5. وقد برزت هذه الدراسات في فروع متعددة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، من بينها دراسات التنمية، ولا سيما بعد اعتماد 781 دولة في العالم جدول أعمال القرن الحادي والعشرين 21 Agenda، وهو عبارة عن خطة تنموية مستدامة صاغها مجموعة من الخبراء التكنوقراط الدوليين، وأُقرت في قمة ريو دي جانيرو بالبرازيل في حزيران/ يونيو 992.1 على هذا النحو، اكتسبت الحجج التي تناقش في أبحاثها صعود التكنوقراط أهمية أكثر مما كانت عليه من قبل6. وبعبارة أخرى، دخلت الدراسات النقدية للتكنوقراط مرحلة ذهبية بعد أن بات حكم

  1. إن الناظر إلى السودان والجزائر يرى أن رؤساء مجالس وزراء الحكومات التي أُلفت أخيرًا في البلدين، وأعضاءها هم من فئة التكنوقراط؛ إذ اتفق المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير في السودان على اختيار عبد الله حمدوك، وهو خبير اقتصادي في الأمم المتحدة، لرئاسة وزراء الحكومة الانتقالية السودانية، وكذلك اختار عبد المجيد تبون، أول رئيس جزائري منتخب - بعد الانتفاضة الجزائرية التي أطاحت الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة - عبد العزيز جراد، وهو أستاذ جامعي، لرئاسة حكومة المستقلين في الجزائر. إضافة إلى ذلك، لا يزال المنتفضون في العراق ولبنان يرون في حكومات
  2. يورغن هابرماس، المعرفة والمصلحة، ترجمة حسن صقر، مراجعة إبراهيم الحيدري (كولونيا: ألمانيا، منشورات الجمل،.)2001
  3. Bruce Gilley, "Technocracy and Democracy as Spheres of Justice in Public Policy," Policy Sciences , vol. 50, no. 1 (2017), p. 11.
  4. Miguel Angel Centeno, "The New Leviathan: The Dynamics and Limits of Technocracy," Theory and Society , vol. 22, no. 3 (June 1993), p. 314.
  5. Frank Fischer, Technocracy and the Politics of Expertise (California: SAGE Publications, 1989), p. 43. 6  Theodoia Carroll-Foster (ed), A Guide to Agenda 21 (Ottawa: International Development Research Centre, 1993), pp. 40-41.
  6. التكنوقراط مخرجًا للتخلص من تحكم الطبقة السياسية الحاكمة التي تتحمل، في نظرهم، مسؤولية الإخفاق السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي وصل إليه بَلَداهم. رياني /يناثلا نوناك ناك

صعود التكنوقراط وتحولات النظام العالمي: مراجعة نقدية لكتابَي "صعود التكنوقراط: حصان طروادة للتحول العالمي" و"التكنوقراط: الطريق الصعب إلى النظام العالمي"

التكنوقراط نموذجًا عالميًا في الحكم، تُصدّره دول "العالم الأول" إلى دول "العالم الثالث"؛ بهدف مساعدتها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ومنذ مطلع الألفية الثانية، كُثف النقاش البحثي عن التكنوقراطية، مع المطالب الجديدة في العلوم السياسية والسياسات والإدارة العامة للتوجه نحو تعظيم الاعتماد على التكنولوجيا في الحكم. وكان ظهور البيانات الذي ساعد في تطوير تحليل السياسات القائمة على الأدلة، في قطاعات الصحة والتعليم والعمل الاجتماعي والبيئة ومكافحة الجريمة، أهم استجابة لصعود التكنوقراط. وقد برزت المطالبة بتعظيم الاعتماد على البيانات في الحكم إبان اتفاق الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة عام 0002 على الأهداف الإنمائية. فهذه Millennium Development Goals (MDGs) للألفية الخطة وضعت مجموعة من مؤشرات القياس المعتمدة على توافر البيانات؛ لمساعدة الدول النامية في مكافحة الفقر والجوع والأمراض والأمية، والتمييز ضد المرأة. لذلك، بات عصر البيانات والرقمنة والإنترنت وتقنيات الذكاء الصناعي والروبوتات باعثًا إضافيًا على الترويج لحكم التكنوقراط؛ الأمر الذي عزز لدى الدراسات النقدية القول إن زيادة قوة التكنوقراطية، وتحكمها في المؤسسات المالية الدولية، قد يؤثران في الحكومات العالمية7. من هنا، اكتسبت الحجج المؤيدة لنقاش تأثير صعود التكنوقراط في الحكومات زخمًا إضافيًا جديدًا، عُزز من خلال التحولات التي طرأت على ممارسات الحكم؛ فهذا هو العصر الذي جادل فيه التكنوقراط بوجوب أن تحل التقنيات والبيانات والمؤشرات محل المشاورات السياسية، باعتبار أن حلّ المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية يتطلب مقاربة تقنية عقلانية صارمة، لا سياسية. وفي العقدين التاليين، شهدت الكتابات النقدية عن التكنوقراط تطورًا معرفيًا إضافيًا برز، تحديدًا، بعد وقوع الأزمة المالية العالمية عام 008.2 ففي إثرها أقرت برلمانات دول الاتحاد الأوروبي تشكيل حكومات تكنوقراطية في اليونان وإيطاليا وإسبانيا؛ لإنقاذها من الأزمة التي حلت بها. ومنذ الأزمة المالية العالمية باتت حكومات التكنوقراط تؤدي دورًا مهمًا في رفد العمل العام بنخبة من الخبراء والتقنيين، وبذلك بدأت تظهر أزمة جديدة في دول الاتحاد الأوروبي، تمثّلت في تغييب مهم للمواطنين؛ إذ إن التكنوقراط يعني حكم الخبراء، وليس حكم الشعب8. وفضلً عن ذلك، وتحديدًا مع طرح خبراء التكنوقراط في الأمم المتحدة سبعة عشر هدفًا، كانوا ينشدون من خلالها تحقيق أهداف التنمية المستدامة Sustainable Development Goals (SDGs) مع نهاية عام 0302، بدا لدى رواد الدراسات النقدية أن التكنوقراطية التي بشرت بهيمنة البيانات والمؤشرات القياسية، باتت تعمل باعتبارها جزءًا من منظومة الحكم العالمي، وعلى الدول والحكومات الاستجابة لهذا الشكل من الحكم، إن أرادت تحقيق أهداف التنمية المستدامة. وأخيرًا، ولا سيما مع صعود حكومات "اليمين المتطرف" و"اليمين الشعبوي" في أوروبا والولايات المتحدة، طرح كثير من الباحثين سؤالً مركزيًا عن مستقبل الديمقراطية التمثيلية، وحاجّوا بأن الديمقراطية التمثيلية تمر بأزمة حقيقية؛ فالشعبويون إلى جانب التكنوقراط - وهم نخب صاعدة في طريقها إلى الحكم - يقدمون أنفسهم بوصفهم بديلً من الحكومات السياسية المنتخبة9. في ضوء ما ورد، وعملً بضرورة ضبط النقاش البحثي عن التكنوقراط، تُعنى هذه المراجعة بعَرض كتابين، من أبرز الكتب النقدية المنشورة أخيرًا، ومناقشتهما، وقد بحثَا صعود التكنوقراط في الولايات المتحدة منذ مطلع القرن العشرين إلى يومنا هذا، Technocracy Rising: The Trojan Horse of Global وهما Technocracy: The Hard Road to World و Transformation ". الكتابانCoherent Publishing" اللذان صدرا عن دار Order لباتريك وود، وهو باحث وخبير اقتصادي تنموي دولي، وأحد أشد الخبراء النقديين لسياسات التنمية المستدامة، يركز على سياسات حكومات التكنوقراط، والكيفية التي ساهمت بها في تحويل السياسة والاقتصاد في العالم. وتنطوي المراجعة على استخلاص أهم ما ورد في الكتابين، مع التركيز على خلفية صعود التكنوقراط، والتحولات التي فرضها على الاقتصاد والحكم والإنسان والقانون

  1. Sanjay Reddy & Antoine Heuty, "Global Development Goals: The Folly of Technocratic Pretensions," Development Policy Review , vol. 26, no.
  2. Christina Ribbhagen, Technocracy within Representative Democracy: Technocratic Reasoning and Justification among Bureaucrats and Politicians , Bo Rothstein (ed.) (Gothenburg: University of Gothenburg, 2013), pp. 15-16.
  3. ينظر أيضًا: Daniele Caramani, "Will vs. Reason: The Populist and Technocratic Forms of Political Representation and Their Critique to Party Government," American Political Science Review , vol. 111, no. 1(February 2017); Christopher Bickerton & Carlo Invernizzi Accetti, "Populism and Technocracy: Opposites or Complements?" Critical Review of International Social and Political Philosophy , vol. 20, no. 2 (2017).

والتنمية المستدامة والنظام العالمي. ثم تناقش أبرز أفكار الكاتب، وأخيرًا تقدم خلاصة استنتاجية عن قدرة التكنوقراطية في إنقاذ العالم من التحديات التي تواجهه.

صعود التكنوقراط: حصان طروادة للتحول العالمي10

يتناول الفصل الأول خلفية تاريخية لصعود التكنوقراط، مع التركيز على المرحلة التاريخية الممتدة ما بين عامَي 8909301 و.1 ويحاول وود في هذه الخلفية تفسير صعود التكنوقراط، في ضوء مجموعة من المداخل النظرية والفلسفية في العلوم الإنسانية والاجتماعية والحركات السياسية، من أبرزها: الوضعية Positivism، والعلموية Scientism، والتقدمية Progressivism، والداروينية Darwinism، والفاشية Fascism، والاشتراكية Socialism، والفابيانية Fabianism (ص. 11-14) ويركز هذا الفصل على دور مجموعة من أبرز الفلاسفة الذين نظّروا للتكنوقراطية، بوصفهم مساهمين في تحول الحكومات السياسية إلى حكومات تقنية، يديرها علماء ومهندسون وخبراء، كل في تخصصه، ويطبقون آخر اكتشافات العمل والتكنولوجيا لحل المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويشير، هنا، إلى هنري سان سيمون Saint-Simon de Henri الذي يعدّ أول من وضع نظرية للتكنوقراطية، وأوغست كونت Comte Auguste، وهو مؤسس الفلسفة الوضعية، وثورستين فيبلين Veblen Thorstein، وهو من أوائل دعاة تأسيس "حركة التكنوقراط" Movement Technocracy، وهي حركة اجتماعية نشأت في مطلع القرن العشرين، وفريدريك Frederick Winslow Taylor صاحب وهو، تايلور وينسلو نظرية الإدارة العلمية. وأخيرًا يحاول هذا الفصل القول إن فكرة التكنوقراطية في بدايتها لم تكن سيئة، على العكس من ذلك، فدعوتها إلى تولي حكومات تقنية يديرها علماء ومهندسون وخبراء كانت تهدف إلى السير نحو تنظيم اشتراكي للشؤون الاقتصادية، وذلك تعبيرًا عن رفضهم للرأسمالية العالمية، وما الدعوة إلى حكم الأكاديميين والفلاسفة والعلماء سوى لقدرتهم على تقديم حلول تساعد في تطور الإنسان من جهة، وإعادة توزيع الثروة على الناس من جهة أخرى (ص. 14-17) ويبحث وود في الفصل الثاني، في تفسيره لصعود التكنوقراط، في دور مبادئ الإدارة العلمية، وهي مجموعة من المبادئ تهدف إلى تحسين الكفاءة الاقتصادية. وقد استندت هذه المبادئ إلى المدرسة الوضعية التي طوّر أفكارها كونت، وهو الذي اقتنع بإمكانية تحسين كفاءة العمل وفاعليته، من خلال قيام مجتمع المهندسين بتطبيق مبادئ الإدارة العلمية، كما تُطبق في العلوم الطبيعية. وفي هذا السياق يرى وود أن أفكار تايلور وجدت أرضية خصبة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، فالخبراء والتقنيون رأوا أن الحرب خطأ تاريخي ارتكبه السياسيون الفاسدون، وأن التكنوقراط وحدهم هم القادرون على حماية العالم من تكرار هذه الأخطاء (ص. 0)2 ونتيجة لذلك بدأت مجموعة من المهندسين والعلماء والخبراء، يترأسهم المهندس الأميركي هوارد سكوت Scott Howard، بتأسيس "التحالف التقني" Alliance Technical عام 9191، وهو تحالف دعا إلى مجتمع أكثر عقلانية وإنتاجية يرأسه خبراء. لم يكن التحالف منظمة جماهيرية، وأخفق، إلى حد ما، في استقطاب كثير من المهندسين والخبراء والعلماء. ولكن سكوت، إلى جانب والتر راوتينشتراوخ Rautenstrauch Walter، أستاذ الهندسة الصناعية في جامعة كولومبيا، ظلا متمسكين بالفكرة، وأسهما في تشكيل حركة التكنوقراط، وهي الحركة التي دعت إلى قيام مجتمع أكثر عقلانية وإنتاجية برئاسة خبراء تقنيين، وهو ما يعني استبدال السياسيين بعلماء ومهندسين وخبراء لديهم الخبرة والقدرة الفنية لإدارة الدولة. وقد حظيت الحركة باهتمام كبير بعد تأسيسها؛ لتزامنها مع وقوع حادثة الكساد الكبير 933-19291 (ص. 29) ويركز الفصل الثالث على دور "اللجنة الث ثااية" التي أُTrilateral Commission سست في الولايات المتحدة عام 9731، بوصفها لجنة تضم خبراء وعلماء ومهندسين من عوالم الأعمال والأكاديميات والصحافة والإعلام والمجتمع المدني، ومن أبرزهم ديفيد روكفيلر Rockefeller David، وزبيجنيو بريجنسكي Brzezinski Zbigniew. ويرجع ذلك إلى رغبة هؤلاء التكنوقراط في بناء نظام اقتصاد دولي جديد في الولايات المتحدة، وأوروبا الغربية، واليابان، وأميركا الشمالية، عماده الرئيس المناطق الصناعية في العالم (ص. 48) وفي إطار الدعوة إلى تأسيس النظام الاقتصادي الدولي الجديد، انطلق بريجنسكي من فلسفة تقول إنّ العالم بطريقته الحالية مليء بالمشكلات؛ لذلك فإنه يحتاج إلى إطار عمل جديد، يستند إلى مقاربة تقوم على الحكم المعولم (ص. 53) ولتحقيق ذلك يستوجب تعيين جزء من أعضاء اللجنة الثلاثية في مناصب عليا في المؤسسات السياسية والاقتصادية والتجارية، وإقناعهم بأهمية فلسفة اللجنة. وبالفعل، رصد وود هيمنة اللجنة الثلاثية على مناصب سياسية،

  1. هذا القسم مخصص لمناقشة الكتاب الأول. رياني /يناثلا نوناك ناك

صعود التكنوقراط وتحولات النظام العالمي: مراجعة نقدية لكتابَي "صعود التكنوقراط: حصان طروادة للتحول العالمي" و"التكنوقراط: الطريق الصعب إلى النظام العالمي"

يفترض أن يتولاها أعضاء في أبرز حزبين سياسيين في الولايات المتحدة، وهما الجمهوري والديمقراطي، ولا سيما منذ تولّي جيمي كارتر (1981-1977) Carter Jimmy رئاسة الولايات المتحدة، وهو الذي اختار بريجنسكي، مؤسس اللجنة الثلاثية، مستشارًا خاصًا له، فضلً عن ثلاثة آخرين. ورصد وود أعضاءً من اللجنة الثلاثية، عُينوا في مناصب عليا في إدارات عدد من رؤساء الولايات المتحدة، من بينهم رونالد ريغان (1989-1981) Reagan Ronald، وجورج بوش الأب (1993-1989) Bush W. H. George، وبيل كلينتون (2001-1993) Clinton Bill (ص. 56)، كما رصد تعيين ستة رؤساء للبنك الدولي من أصل ثمانية من الأعضاء الرئيسين في اللجنة الثلاثية (ص. 57) ويهتم الفصل الرابع بمناقشة التحول الاقتصادي، مع التركيز على مقاربة النظام الاقتصادي الدولي الجديد الذي اقترحه التكنوقراط، ويرتبط بالخطط التنموية التي طبقتها الأمم المتحدة منذ قمة ريو دي جانيرو. ويذهب وود إلى أن هذه الخطط التي اقترحتها وكتبتها مجموعة من الخبراء والمختصين التكنوقراط، من بينهم أعضاء اللجنة الثلاثية، باتت أجندة العالم التنموية (ص. 77-80) أما الفصل الخامس، فيناقش التحول في الحكم، مع التركيز على الانتقال إلى تطبيق الكفاءة والفاعلية والوظيفية على حساب أنظمة الحكم التقليدية. ويناقش الكيفية التي قادت بها التكنوقراطية عملية التحول في السياسة التقليدية في الولايات المتحدة إلى الحكم المعولم القائم على تجاوز فكرة السيادة. وبما أننا أمام نوع جديد من أنواع الحكم، فإن وود يرى أن هذا التصور يلغي المجال أمام تطبيق المشاركة في صنع القرار. فمن جهة، يستند القرار إلى الكفاءة والفاعلية؛ بهدف تعظيم الفائدة للمستفيدين، لا على أساس النقاش الديمقراطي أو التصويت (ص. 00)1 ومن جهة أخرى، يضع العالم أمام نموذج موحد، لا يأخذ في الاعتبار الاختلافات والخصوصيات لكل دولة (ص. 104-106) فضلً عن ذلك، يستشهد وود بدعوة الرئيس الأميركي بيل كلينتون، من أجل إعادة اختراع الحكومة؛ وهي الفكرة التي ظهرت بعدئذ في كتاب لديفيد أوسبورن وتيد David Osborne جايبلر Reinventing Government: How the Ted Gaebler، وعنوانه. Entrepreneurial Spirit is Transforming the Public Sector يعتقد وود أن فكرة إعادة اختراع الحكومة، في حقيقتها، هي فكرة تكنوقراطية، مهمتها الوحيدة تحويل العمل الحكومي؛ لتعظيم الاعتماد على الكفاءة والفاعلية في صنع القرار، بدلً من الاهتمام بتعظيم المشاركة الشعبية (ص. 02-101)1 وهذا يعني، في نظر وود، تحولً راديكاليًا في تشغيل بيروقراطية الدولة؛ من القوانين والسياسات التي يضعها منتخبون على المستوى الوطني، إلى تشغيلها عبر قوانين وسياسات يضعها التكنوقراط، همّها الرئيس المعايير والمؤشرات والمقاييس الإحصائية (ص. 106) ينتقل الفصل السادس إلى مناقشة التحول الثالث من التحولات التي فرضها حكم التكنوقراط؛ ففضلً عن التحول في الاقتصاد والحكم، يرى وود أن التكنوقراطية فرضت تحولً نحو العلموية، بوصفها الطريق الوحيد لتقديم حلول للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه بلدان العالم (ص. 9)11 ويرى وود أيضًا أن النتيجة الحتمية للعلموية هي الانزياح نحو الشمولية؛ لذلك فإن هذا الانزياح لا يزودنا بمعرفة كاملة عن الواقع وتعقيداته، ولا سيما أن تعميم استعمال المنهج العلمي لفهم الواقع وتفسيره، غير كافٍ من دون اختبار الواقع نفسه لإيجاد حلول وبدائل سياسية وسياساتية. أضف إلى ذلك أن التكنوقراط يعتمدون في نزعتهم العلموية على البيانات فقط، وهذا في حد ذاته أمرٌ مشكوك فيه؛ نظرًا إلى احتكار السلطة للبيانات (ص. 6)12 ويبحث الفصل السابع في التحول الرابع من التحولات التي فرضها التكنوقراط، وهو التحول في القوانين. فوفق وود، لم يكن لعولمة القوانين المحلية أن تأخذ مكانها لولا ضغوط اللجنة الثلاثية من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ويضيف وود أن التحول في المنظومة القانونية بات أمرًا واقعًا، في حال رغبة البلدان في الحصول على تمويل لمشروعاتها التنموية. وهذا يعني تحولً في السياسة والاقتصاد والقانون، بما يضمن تمكين صعود النظام الاقتصادي الدولي الجديد الذي يعمل التكنوقراط على تنفيذه (ص. 9)12 وخير دليل على ذلك الدور الذي أدته منظمة التجارة العالمية في عولمة قوانين التجارة في العالم. وينتقد وود هذه القوانين، ويرى أنها مجحفة بحق الشعوب، ولا سيما أن سكان العالم لم يصوتوا عليها؛ ما يعني أن تطبيق هذه القوانين يسري بطريقة قسرية (ص. 137-138) ويستعرض الفصل الثامن من الكتاب التحول الخامس من التحولات التي فرضها التكنوقراط، مع التركيز على قطاع الطاقة العالمي، ولا سيما الشبكة الذكية Gird Smart. ويحاجّ وود في هذا الفصل بأن التحكم في قطاع الطاقة يعد المفتاح الرئيس لتطبيق حكم التكنوقراط، ويقصد بذلك التحكم في الاستهلاك والتوزيع؛ لذا، فإن الشبكة الذكية، وهي التي بدأت رسميًا إبان ولاية الرئيس الأميركي جورج بوش الابن (2009-2001) Bush W. George، جاءت استجابة لضغوط اللجنة الثلاثية التي عملت بكثافة من أجل تعميم الشبكة

الذكية في ألمانيا وفرنسا وروسيا واليابان والهند وأستراليا وجنوب أفريقيا، بوصفها الطريق نحو تمكين عولمة النظام الاقتصادي الدولي الجديد (ص. 142-150) واضح أن تعميم الشبكة الذكية يقع على كاهل اللجنة الثلاثية، وهي التي تدعم مشروعات معهد شبكة الطاقة العالمية Global Energy Network Institute المنتدى ومشروعات، الاقتصادي العالمي The World Economic Forum؛ بهدف تقليل انبعاثات الكربون، والتحذير من التغير المناخي في العالم (ص. 53)1 والتكنوقراط، في نظر وود، لن يكون لهم فرصة لتحقيق التحول في السياسة والاقتصاد والقانون، من دون النجاح في التحكم في قطاع الطاقة العالمي (ص. 56)1 ويناقش وود، في الفصل التاسع، التحول السادس من التحولات التي فرضها التكنوقراط، مع التركيز على استعمال المعرفة ودورها في تعزيز مراقبة المجتمعات، فيستند في محاجّته إلى اهتمام التكنوقراط في الولايات المتحدة بتعزيز استعمال البيانات في الحكم، فبالنسبة إلى التكنوقراط، تساعد البيانات، ولا سيما البيانات الضخمة Big Data التي طُورت منذ مطلع سبعينيات القرن العشرين، في إيجاد حلول للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه بلدان العالم. ويستند وود في محاجّته أيضًا إلى دور هذه البيانات في تعزيز المراقبة، ويستدل على نشأة مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي ودوره وأعضائه بأنه، من جهة، مجلس أُسس في عهد رونالد ريغان، بوصفه أول رئيس للولايات المتحدة اعتمد على اللجنة الثلاثية في حكمه، ومن جهة ثانية، ساعد هذا المجلس، بوصفه مركزًا للتفكير الاستراتيجي والمراقبة، صناع القرار في الولايات المتحدة في تقدير السياسة الخارجية والأمن القومي الأميركي وتحليلهما، وهو، من جهة ثالثة، مجلس معظم رؤسائه، منذ عام 9791، أعضاء في اللجنة الثلاثية (ص. 67-165)1، ويستنتج وود أن هذه اللجنة باتت أقوى من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، في الولايات المتحدة حتى في الوظائف السياسية الحساسة، ولا سيما أن رؤساء الولايات المتحدة باتوا يفضلون تكنوقراطيًا لرئاسة لجنة الاستخبارات على عضو من أعضاء الحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة (ص. 172) ويختتم وود رصده للتحولات التي فرضها التكنوقراط بمناقشة تحول الإنسانية Humanity Transforming، مع التركيز على انزياح المجتمعات إلى تعظيم الفردانية Individualism على حساب الجماعية Collectivism، فيرى أن فكرة الفردانية التي تعظم القيمة المعنوية للفرد، على حساب القيم الجماعية للمجتمع، سوف تساعد السلطة في التحكم في مصائر البشر (ص. 87)1 ويناقش وود توائم الأفراد في العالم مع التغير التكنوقراطي، بالتركيز على نقاش ما بعد الإنسانية Posthumanism، أو الإنسانية الانتقالية Transhumanism، بوصفهما مدرستين فكريتين تدرسان العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، والتغيير الذي ستفرضه التكنولوجيا على الأفراد وعاداتهم وطبيعتهم، مع التركيز على الكيفية التي سيحل فيها الذكاء الاصطناعي بدلً من ذكاء الإنسان. وأخيرًا يرى وود أن الانزياح الذي تسعى لإحداثه تكنوقراطية تحاول فرض الشمولية العلمية على البشر، وإن قدمت أفكارًا قد تكون جذابة للناس بهدف دعم التحول نحو الاعتماد الكلي على العلم، قد يكون وعودًا طوباوية (ص. 88)1 ويقدم وود في الفصلين الأخيرين مجموعة من الملاحظات بشأن التحولات التي فرضها التكنوقراط. ففي الفصل الحادي عشر، يناقش الكيفية التي يمكن من خلالها وقف صعود التكنوقراط، ويطرح هنا طريقتين، هما المقاومة العلنية والمقاومة الخفية، ويرى أنهما محفوفتان بالأخطار؛ بسبب قدرة التكنوقراط على تقديم طروحاتهم ومحاجّاتهم والدفاع عنها (ص. 94)1 أما في الفصل الثاني عشر، فيناقش خطورة تحكّم مجموعة صغيرة من النخب بتحويل مجتمعاتنا إلى نظام سلطوي شمولي، يعتمد على النزعة العلموية الموجودة في التطبيقات التقنية، لا على النزعة نحو الشراكة والديمقراطية في إيجاد الناخبين حلولً لمشكلاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية (ص. 201-206)

التكنوقراط: الطريق الصعب إلى النظام العالمي11

يركز الفصل الأول على حادثة الكساد الكبير، ودورها في صعود التكنوقراط إلى سدّة الحكم. ويستند وود إلى دور الصحافة الأميركية، ولا سيما ويليام راندولف هارست Hearst Randolph William، وهو رجل أعمال أميركي، وصاحب أكبر شبكة صحف في الولايات المتحدة في مطلع القرن العشرين، في الهجوم على السياسيين بوصفهم "أغبياء" و"فاسدين" و"متذمرين"، والمصرفيين بوصفهم "متورطين" في الكساد الاقتصادي (ص. 7-9) ويضيف وود أن هارست، من خلال امتلاكه أهم الصحف الأميركية المؤثرة، دعم أفكار نيكولاس موراي بتلر Butler Murray Nicholas، وهو أكاديمي ورئيس جامعة كولومبيا 947-19021، في تحضيره لصعود

  1. هذا القسم مخصص لمناقشة الكتاب الثاني.

صعود التكنوقراط وتحولات النظام العالمي: مراجعة نقدية لكتابَي "صعود التكنوقراط: حصان طروادة للتحول العالمي" و"التكنوقراط: الطريق الصعب إلى النظام العالمي"

التكنوقراطية، وذلك من خلال مساندته النظام الاقتصادي الدولي الجديد، إلى جانب هوارد سكوت، وهو النظام القائم على تدخل الخبراء والعلماء والمهندسين بدلً من السياسيين، وتجسد مع تأسيس حركة اجتماعية للتكنوقراط؛ من أجل إنقاذ العالم من الأزمة المالية (ص. 10) ويستند وود، في الفصل الثاني، إلى أطروحة التكنوقراط الاقتصادية، بوصفها مدخله إلى فهم بروز مفهوم التنمية المستدامة، أول مرة، عام 9801، عن طريق الاتحاد العالمي للمحافظة على البيئة International Union for Conservation of Nature، وبتأثير من اللجنة الثلاثية (ص. 7)1 ويضيف وود أن الأمم المتحدة، عام 1983، عينت جرو هارلم برونتلاند Brundtland Harlem Gro، وهي عضو من أعضاء اللجنة الثلاثية، ومساهمة رئيسة في فكرة النظام الاقتصادي الدولي الجديد، بتأسيس اللجنة العالمية للبيئة والتنمية World Commission on Environment and Development، ورئاستها؛ بهدف التحضير لصياغة مسودة جدول أعمال القرن الحادي والعشرين. ومنذ ذلك الحين يرى وود أن مصطلح التنمية المستدامة دخل عالم السياسية والأكاديميات والعمل الحكومي وغير الحكومي، بوصفه الحاجة الرئيسة لتلبية حاجات الحاضر والأجيال المستقبلية (ص. 18-19) بحسب هذا الفصل، تعاني التنمية المستدامة، على الرغم من جمالية الشعارات التي تحملها، عددًا من الإشكاليات، أهمها ما يلي: أولً، تعتمد التنمية على تعزيز الاستثمار التكنولوجي وليس الاستثمار البشري. ثانيًا، إن مصادر التنمية تحتكرها دول معينة؛ ما يعني أنها ليست متاحة أمام كل الدول بالتساوي. ثالثًا، إن التنمية مرتبطة بالنمو الاقتصادي، وهذا يلبي حاجة النخبة الاقتصادية الحاكمة، ولا يلبي حاجة الفقراء. رابعًا، إن مشروعات التنمية محكومة ببنية التطور العلمي والتكنولوجي، وهذه البنية غير متاحة في كثير من الدول الفقيرة. خامسًا، إن مشروعات التنمية لا تلائم كثيرًا الدول الفقيرة؛ فمشروعات التغير المناخي والاحتباس الحراري ليست مشروعات ذات أهمية بالنسبة إلى الدول الفقيرة. سادسًا، إن مقاومة المؤسسات التقليدية، في بلدان العالم للتغيرات المطروحة، من المؤسسات الدولية هي نتاج لعدم جدوى أسلوب التغيير المفروض من أعلى إلى أسفل (ص. 0-19)2 ويتناول الفصل الثالث دور الأمم المتحدة واستراتيجياتها في تغيير النظام الاقتصادي الدولي، ويحاجّ بأهمية تأثير أعضاء اللجنة الثلاثية في أجندات التنمية المستدامة منذ عام 992.1 ويذكر منهم جرو هارلم برونتلاند، وكريستيانا فيغيريس Figueres Christiana، الأمين العام التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية الخاصة بالمناخ 016-2010()2، وجون بوديستا Podesta John، رئيس مركز التقدم الأميركي، وعضو اللجنة التأسيسية لكتابة أهداف الأمم المتحدة ما بعد 015.2 فضلً عن ذلك، يذكر وود الكثير من رؤساء البنك الدولي من أعضاء اللجنة الثلاثية، ممن أسهموا في التأثير في أجندات التنمية العالمية (ص. 4-20)3 ويتناول الفصل دور النخبة التكنوقراطية المعولمة في تطبيق أهداف اللجنة الثلاثية، منذ قمة ريو دي جانيرو حتى أجندة التنمية لعام 0302، وتشديدها جميعها على تحقيق النمو الاقتصادي، وتعزيز التجارة الحرة، والاهتمام بالتغير المناخي والبيئة، وتعزيز الاعتماد على العلوم والتكنولوجيا، بوصفها سياسات تساعد الحكومات في تحقيق أهداف التنمية المستدامة (ص. 7)2 ويرى أن هذه النخبة التي احتكرت تحديد مقاربة التنمية المستدامة شرعت، منذ مطلع تسعينيات القرن العشرين، في مهمة تغيير فهمنا للتنمية؛ فقد بات فهمنا للتنمية مرتبطًا بمؤشرات وأهداف وفترة زمنية محددة، حددها مجموعة من التكنوقراط (ص. 40) ويسلط الفصل الرابع الضوء على صعود المدن المعولمة، ودورها في دعم النظام الاقتصادي الدولي الجديد، من خلال التركيز على تعزيز التجارة الحرة الذي ظهر رسميًا مع تأسيس منظمة التجارة العالمية عام 995.1 ويرى وود في هذا الفصل أن أهداف التنمية المستدامة التي حددها المجتمع الدولي، منذ قمة ريو دي جانيرو عام 9921، تركز على ضرورة عولمة المدن، ولا سيما في البلدان النامية؛ بهدف التغلب على غياب التنمية. وقد استندت هذه الأجندات التنموية إلى فرضية مفادها أن تعزيز التجارة الحرة بين البلدان يساهم في عولمة المدن، وهذا بدوره يساهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبلدان النامية (ص. 44)؛ ولذلك تعمل هذه النخبة على تحويل المدن إلى مدن حضرية معولمة لزيادة فرص التشغيل الاقتصادي، ورفع معدل النمو الاقتصادي. يستكمل وود في الفصل الخامس نقاشه عن المدن المعولمة، ويركز تحديدًا على نمط المدن الذكية Smart City التي تعتمد على التكنولوجيا، فيحاجّ بأن التحول نحو المدن الذكية يعدّ لبّ طموح التكنوقراط، ذلك أن هذه النخبة تسعى لتحويل نمط حياة الإنسان بربطه بالإنترنت؛ فمن خلال الإنترنت يمكن توفير بيانات ضخمة تساعد الحكومات في إيجاد حلول للمشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويمكن كذلك دعم العولمة بإلغاء السيادة بين جميع المدن (ص. 59)

ويُتِمّ وود في الفصل السادس نقاشه عن التحضر، أو التمدن، بالتركيز على عملية بناء شبكات المدن؛ فيحاجّ في هذا الفصل بأن التكنوقراط غالبًا ما يهتمون بمشروعات البنية التحتية؛ بهدف تسهيل عولمة المدن من جهة، وتسهيل عملية التحول من مؤسسات رسمية بيروقراطية إلى مؤسسات رسمية تعتمد نموذج الكفاءة والفاعلية في العمل من جهة أخرى (ص. 78) ويستند وود في محاجّته في هذا الفصل إلى مبادرة "حزام واحد طريق واحد" The Belt and Road Initiative، وهي مبادرة أطلقها الرئيس الصيني شي جينبينغ Jinping Xi عام 0132؛ من أجل تطوير البنية التحتية الصينية بإنشاء طرق تجارية واقتصادية تربط المدن الصينية بعضها ببعض، والمدن الصينية بدول الجوار (ص. 73) ويرى أن الصين خير نموذج للتكنوقراطية، وأنها محكومة لنخبة تقنية تعمل ضمن رؤية وأيديولوجيا سلطوية شمولية. فضلً عن ذلك، يرصد وود تركيز البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على مشروعات البنية التحتية في البلدان النامية، مقارنة بغيرها من المشروعات التنموية الخاصة بالتعليم والصحة (ص. 83-84) ثم ينتقل وود، في الفصل السابع، إلى التركيز على ثلاث نقاط رئيسة، اعتمد عليها التكنوقراط في الترويج لنظام حكمهم، وهي الطوعية، والتشاركية، والمحلياتية؛ فوفقًا لوود، يقوم المفهوم التأسيسي للتكنوقراطية على فكرة اعتماد الأنظمة الرسمية على التغذية العكسية والتعلم الذاتي الطوعي، للاستفادة من أخطائها. لكن مشكلة الطوعية في حكم التكنوقراط تكمن في عدم قدرتها على العمل في فراغ؛ فهي في جميع الأحوال تخضع لسلطة الأقوى، وهذا في حد ذاته قد يجعل الطوعية فكرة سلطوية. ويستدل وود على ذلك بامتثال الدول النامية الطوعي لتطبيق مؤشرات التنمية؛ فهي تُقدم لحكومات العالم طوعيًا، ولكن بمجرد عدم الالتزام بهذه المؤشرات، تشرع المنظمات الدولية في الضغط على الحكومات لتطبيقها قسرًا (ص. 85-89) أما بشأن التشاركية، فيرى وود أن هذا النمط من الحكم برز منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين، بوصفه تدبيرًا يقوم على إشراك أصحاب المصلحة في عملية صنع القرار. لكن مشكلة التشاركية في حكم التكنوقراط أنها اقتصرت على المشاركة مع القطاع الخاص. أما الجهات غير الحكومية، فقد ظلت خارج مفهوم التشاركية (ص. 89-94) وأخيرًا، يشير وود إلى أن التكنوقراط ساهموا في الترويج للحكم اللامركزي من أجل ربطه بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، منذ طرحهم جدول أعمال القرن الحادي والعشرين. وعلى الرغم من أهمية هذا النوع من أنواع الحكم، فإنه ارتبط أخيرًا بعملية التحول نحو المدن المعولمة والمدن الذكية التي لا مجال فيها لتحقيق مشاركة المواطنين في عملية صنع القرار (ص. 94-96) وفي الفصل الثامن، يسلط وود الضوء على التكنولوجيا المالية Fintech في مناقشته دور التكنوقراط في إعادة ضبط النظام المالي الدولي، ويرى أن التكنوقراط يسعون للانتقال إلى الاقتصاد الأخضر، بوصفه نموذجهم المأمول لتحقيق أهداف التنمية، على أن يكون ذلك من خلال استبدال العملات الحالية بعملات رقمية Cryptocurrency. ولعل أبرز الأمثلة، في هذا السياق، هو عملة "بيتكوين" Bitcoin، أي إن التكنوقراط يروجون لدمج التكنولوجيا في النظام المالي العالمي؛ للتحكم في تمويل مشروعات التنمية المستقبلية وطبيعتها (ص. 103-112) ويركز الفصل التاسع على مناقشة اهتمام التكنوقراط بتطوير استعمال التكنولوجيا، والكيفية التي تساعد بها الحكومات في توفير بيانات ضخمة، بهدف إدارة شؤونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فيركز وود على الوعاء التكنولوجي الذي يعيش به الإنسان، ويشمل الهاتف الذكي، وكاميرات المراقبة، والبريد الإلكتروني، وبرامج تعرف بصمة الوجه، وغير ذلك، وأثرها في إنتاج بيانات ضخمة عن الإنسان (ص. 4-119)12؛ لذلك يسلط هذا الفصل الضوء على المدن الذكية التي يطمح إليها التكنوقراط، بوصفها مدن مراقبة مخصصة لرصد حركة الناس وتتبعها (ص. 129-133) ويهتم الفصل العاشر بمناقشة النزعة العلموية عند التكنوقراطية، بوصفها الطريق الوحيد لإيجاد حلول للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه بلدان العالم. ويرى وود أن التكنوقراط، استنادًا إلى مرجعيتهم العلمية، بوصفهم تقنيين وخبراء، يخلطون بين العلم Science والعلموية؛ لذلك فهم يعتقدون حقًا أن الحقيقة الوحيدة هي الحقيقة العلموية، وهذه الحقيقة مبنية على احتكار البيانات والمؤشرات في إيجاد حلول للمشكلات التي تواجه المجتمعات (ص. 136-137) ويقدم وود، في الفصلين الأخيرين، مجموعة من الاستنتاجات لطريق التكنوقراط الصعب إلى النظام العالمي الجديد؛ ففي الفصل الحادي عشر يناقش ضرورة مقاومة التحولات التي يفرضها التكنوقراط على المجتمعات، بالتركيز على محاربة تدخل التكنوقراط، ومراقبتهم لتحركات الناس الهادفة إلى جمع بيانات تساعد الحكومات في عملها (ص. 58-156)1 أما في الفصل الثاني عشر، فيقدم تلخيصًا لأهم التحولات التي مر بها النظام العالمي منذ عام 9731، وصولً إلى عام 0152، مع التركيز على اعتماد الأمم المتحدة أجندة التنمية

صعود التكنوقراط وتحولات النظام العالمي: مراجعة نقدية لكتابَي "صعود التكنوقراط: حصان طروادة للتحول العالمي" و"التكنوقراط: الطريق الصعب إلى النظام العالمي"

المستدامة 0302، وأثرها في التحول نحو النظام الاقتصادي الدولي الجديد (ص. 169)

كيف نقرأ الكتابين ونناقش أفكارهما؟

يعدّ هذان الكتابان من الكتب المهمة التي تحمل قيمة مضافة لمناقشة صعود التكنوقراطية، وأثرها في النظام العالمي. وعلى الرغم من ذلك، فإنهما لا يخلوان من بعض القضايا التي تحتاج إلى مناقشة؛ ففضلً عن القيمة المعرفية المهمة التي قدمها وود في كتابيه، فإن هذا القسم يقدم ملاحظتين تساعدان في فهم صعود التكنوقراط إلى الحكم؛ إذ تبحث الأولى في مفهوم التكنوقراط؛ من جهة أن هذا المفهوم ظل لصيقًا بمعنى الكفاءات أو المستقلين أو الاختصاصيين أو الخبراء. وتبحث الثانية في أسباب صعود التكنوقراط، مع التركيز على الأسباب المستبعدة من النقاش في هذين الكتابين. أولً، في مفهوم التكنوقراط: لا شك في أن مناقشة مفهوم التكنوقراطية يحتاج إلى مزيد من الدراسات النقدية، فكثير من الدراسات النظرية لا تزال تستعمل التكنوقراطية استعمالً غير واضح. ربما تكون المشكلة هي أن أهمية التكنوقراط تتطور تطورًا متسارعًا يومًا بعد يوم من جهة، وأن المفهوم تعرض لمجموعة من التحولات من جهة أخرى؛ فالتكنوقراطية اليوم لا تعني تحديدًا التكنوقراطية كما نظّر لها هنري سان سيمون في مطلع القرن التاسع عشر. ولذلك، من شأن التعريف التقليدي للتكنوقراطية أن يكون غير كافٍ لفهم التطور الذي واكب المفهوم، وأثره في منظومة الحكم العالمي، ولا سيما أن التعريف التقليدي يشير إلى "نظام حكم يحكم فيه الخبراء المدربون تقنيًا؛ لمعرفتهم المتخصصة، وموقعهم في المؤسسات السياسية والاقتصادية المسيطرة"12. والخبراء هنا يعرفون بوصفهم من يطبقون المعرفة التقنية؛ بهدف تطوير المجتمع الصناعي، فقد كانت النظرة إلى المجتمع الصناعي آنذاك رؤية تكنوقراطية خالصة13. وبعدئذ، خلال النصف الثاني للقرن العشرين، بدا أن التكنوقراطية نوع مستقبلي ممكن للحكومة، ورأى كثيرون أن الخبراء سيحلون محل السياسيين التقليديين؛ إذ تولى كثير من التكنوقراط، في نسق متزايد، مناصب حكومية في نظم ديمقراطية وغير ديمقراطية14. وبعد ذلك، ركز كثير من الباحثين على تعريف التكنوقراط، وخصوصًا على مجتمع ما بعد الصناعة، بوصفهم الممارسين للسلطة بحكم اختصاصهم، وهنا أصبحت المهارات والخبرة هي طريقة الوصول إلى السلطة15. غير أن خصوصية التكنوقراط الرئيسة برزت مع ارتفاع أهمية الثورة الرقمية، واستقرار العولمة، وظهور نموذج أحاديّ القطبية في النظام الدولي، وتراجع أهمية الأيديولوجيات السياسية الكلاسيكية؛ حتى إن القضية الحاسمة لتعريف التكنوقراطية باتت غير متمثلة بمن يحكم (خبراء، أو مختصين، أو غيرهم)، بل بكيفية حُكم مَن في السلطة (سواء أكانت حكومات تكنوقراط أم حكومات سياسية.) ووفق هذا المنظور، لم تعد القضية متمثلة بمجموعة من الخبراء الذين يستعملون خبرتهم ومعرفتهم بهدف تقديم سياسات وإجراءات حكومية محلية لحل مشكلات البلدان السياسية والاقتصادية والاجتماعية16، بل باتت القضية الملحّة في الحكم عبارة عن نموذج تقني طوّرته نخبة تكنوقراطية، وصدّرته إلى حكومات العالم من خلال المؤسسات الدولية المانحة؛ كي يستعملها من في الحكم من أجل صنع القرارات والسياسات العامة. لذلك، على الدراسات النقدية للتكنوقراطية - إلى جانب فهمها للتكنوقراط على أنها نخبة تحكم وفقًا لاختصاصها التقني - التركيز على فهم التحولات التي مرت بها عملية إدارة الدولة حتى وصلت إلى الاعتماد المطلق على نماذج الحكم التقني التي يستعملها صناع السياسة والسياسات في إدارة بلدانهم وتطبيقاتها. وهذه نقطة غابت عن كتابَي وود، وهو الذي توقف في فهمه للتكنوقراط عند تعريفهم، من جهة، على أنهم نخبة دخلت إلى عالم السياسة؛ بسبب اختصاصها التقني، مع تركيزه على دور اللجنة الثلاثية، وتعريفهم، من جهة أخرى، بأنهم نخبة فرضت مجموعة من التحولات على المجتمعات في السياسة والاقتصاد والقانون. ولكن الفصل بين من يحكم (النخبة)، وكيف يحكمون (النماذج والتطبيقات التقنية في إدارة الدولة) مهم، ولا سيما أن ثمة حكومات سياسية كثيرة

  1. Jean Meynaud, Technocracy , Paul Barnes (trans.) (New York: The Free Press, 1968), p. 31.
  2. Robert B. Carlisle, "The Birth of Technocracy: Science, Society, and Saint-Simonians," Journal of the History of Ideas , vol. 35, no. 3 (July-
  3. Christina Ribbhagen, "What Makes a Technocrat? Explaining Variation in Technocratic Thinking among Elite Bureaucrats," Public Policy and Administration , vol. 26, no 1 (November 2010), p. 23.
  4. Daniel Bell, The Coming of Post-Industrial Society: A Venture in Social Forecasting (New York: Basic Books; Reissue edition, 1976), pp. 344-349. 16  Ribbhagen, "What Makes a Technocrat?" pp. 27-28.
  5. September, 1974), p. 448.

في العالم، وإن لم تكن حكومات تكنوقراط، تحكم بنماذج وتطبيقات تكنوقراطية. ثانيًا، أسباب صعود التكنوقراط: يحدد وود في كتابَيه سببًا واحدًا ورئيسًا لصعود التكنوقراط في الولايات المتحدة والعالم، وهو العولمة. ويرى أن فلسفة اللجنة الثلاثية، بوصفها لجنة نخبوية، جاءت لدعم العولمة للوصول إلى نظام اقتصادي دولي جديد. وعلى هذا الأساس، يفسر في كتابيه التحول الذي فرضته نخبة التكنوقراط في الحكم والاقتصاد والقانون والتنمية والمجتمع والإنسانية. وفي هذا السياق، يجب أن نضع في اعتبارنا ثلاثة أسباب إضافية، أسهمت في صعود التكنوقراط إلى الحكم لم يتطرق إليها وود في كتابيه عن صعود التكنوقراط والتحولات في النظام العالمي، ومن أهمها: الليبرالية الجديدة وصعود التكنوقراط: أتت الانطلاقة الحاسمة لليبرالية الجديدة في نهاية سبعينيات القرن العشرين17، وحملت معها صعودًا مهمًا للتكنوقراطية، برز تحديدًا مع قدرة التكنوقراط على التأثير في سياسات الحكومات والدول والمؤسسات الدولية المانحة من أجل تعزيز حرية السوق، والخصخصة، وتقليص الدعم الحكومي، وتعزيز اتفاقيات التجارة الحرة، وتعزيز الاعتماد على القطاع الخاص. وبعد ذلك برز "إجماع واشنطن" 989()1 الذي وضعه الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدولي جون وليامسون Williamson H. John، بوصفه انطلاقة ثانية لسياسات الليبرالية الجديدة في الاقتصاد؛ فهذه السياسات التي أسهم في صياغتها خبراء تكنوقراط، حملت معها تحولً مهمًا في طبيعة إدارة الدولة، برز تحديدًا في التركيز على نماذج وتطبيقات الحوكمة والحكم الرشيد والتنمية المستدامة، بدلً من التركيز على الديمقراطية والمشاركة وحكم الشعب18. وبعدئذ، منذ وقوع الأزمة المالية العالمية عام 0082، وهي نتاج أزمة سياسات الليبرالية الجديدة، بدا واضحًا أن الحكومات الأوروبية استعانت بالتكنوقراطية لإيجاد مخرج لأزمتها المالية والاقتصادية، وهذا ما حصل في إيطاليا وإسبانيا واليونان. وبناءً على ذلك، استفادت التكنوقراطية من الأزمة المالية بتصدرها للمشهد السياسي في الحكومات الأوروبية. وفي المقابل، كان لنجاح خطط التكنوقراط بفرض مجموعة من الإصلاحات الليبرالية الجديدة أثرٌ مهم في تخطي الحكومات الأوروبية للأزمة المالية العالمية؛ وهي التي شكلت حافزًا إضافيًا وجَّه كثيرًا من دول العالم إلى تعيين حكومات تكنوقراطية لتخطي أزماتها. ومن هنا، استغلت التكنوقراطية الأزمة المالية العالمية للبقاء في الحكم، والترويج للنماذج والتطبيقات التقنية، مستغلةًالفرصة لتمرير الإصلاحات الليبرالية الجديدة بتخفيض الإنفاق الحكومي على القطاع العام، وخفض الدعم الحكومي، الأمر الذي يعني أن التكنوقراط، من جهة، استفادوا من صعود الليبرالية الجديدة في دعم السياسات الاقتصادية لليبرالية الجديدة، بوصفها الطريق الوحيد نحو تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية، والتحول نحو النظام الاقتصادي الدولي الجديد، واستفادوا، من جهة أخرى، من أزمة الليبرالية الجديدة في السيطرة على المجال العام لتمرير الإصلاحات الليبرالية الجديدة، بدلً من الحكومات السياسية المتهمة بالفساد وسوء إدارة الدولة. المشروطية وصعود التكنوقراط: ارتبطت المشروطية في الدول النامية بالإصلاح السياسي والاقتصادي، إذ اشترطت دول كثيرة - ومن أهمها الدول المانحة - مجموعة من السياسات الهادفة إلى إصلاح النظام السياسي والاقتصادي، إن رغبت في الحصول على الدعم المالي. وقد تزامنت المشروطية التي برزت منذ تسعينيات القرن العشرين مع صعود التكنوقراط في البلدان النامية، ممن نادوا بضرورة تطبيق نماذج الحوكمة وتطبيقاتها وبرامجها، والحكم الرشيد، والتعددية والانفتاح السياسي، إن رغبت هذه البلدان في تحقيق أهداف التنمية المستدامة19. لا تزال مؤسسات عديدة مانحة ترى ضرورة إخضاع البلدان النامية مشكلاتها للمنظور التكنوقراطي، إن أرادت إيجاد حلول للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك على الرغم من معاناة معظم البلدان النامية نزاعات وحروبًا وصراعات، هي في حد ذاتها مشكلات سياسية واجتماعية وليست مشكلات تقنية. وكذلك لا تزال هذه المؤسسات تدعو إلى ضرورة أن يأخذ التكنوقراط دورهم في رسم مسار التنمية؛ فهذه المؤسسات ترى أن حل مشكلات الفقر والبطالة والتعليم

  1. كان ذلك، تحديدًا، مع وصول مارغريت تاتشر Margaret Thatcher (1990-1979) إلى رئاسة وزراء المملكة المتحدة، ووصول رونالد ريغان (1989-1981) Reagan Ronald إلى رئاسة الولايات المتحدة.
  2. Justin Cruickshank & Ross Abbinnett, "Neoliberalism, Technocracy
  3. and Higher Education: Editors' Introduction," Social Epistemology , vol. 33, no 4 (July 2019). رياني /يناثلا نوناك ناك 19  Carolyn Baylies, "'Political Conditionality' and Democratization," Review of African Political Economy , vol. 22, no. 65 (September 1995), p. 332.

صعود التكنوقراط وتحولات النظام العالمي: مراجعة نقدية لكتابَي "صعود التكنوقراط: حصان طروادة للتحول العالمي" و"التكنوقراط: الطريق الصعب إلى النظام العالمي"

والصحة ليس حلً سياسيًا، ولا يمكن أن يقوم به الساسة، إنما يوجب حلولً تقنية، مرتبطة بتطبيق مجموعة من النماذج والتطبيقات والمؤشرات والمعايير. تواجه المشروطية التي تفرضها المؤسسات المانحة الدولية، بفرض حلول تقنية تكنوقراطية، كثيرًا من الصعوبات في أثناء محاولة تطبيقها في البلدان النامية، ولا سيما عند مقارنتها بتجارب وحلول نجحت في أماكن أخرى من العالم؛ ذلك أن نَقْل سياسة محددة، وإن نجحت في دولة ما، لا يعني بالضرورة نجاحها في دول أخرى. الاستبداد وصعود التكنوقراطية: يوصف النظام السياسي الاستبدادي بأنه النظام الذي تكون فيه الحرية الفردية والسياسية والاقتصادية تابعة تبعية تامة لسلطة الدولة، ومتمركزة في يد شخص واحد، أو مجموعة صغيرة لا تخضع للمساءلة الدستورية أمام الشعب. وقد ارتبط عدد من الأنظمة الاستبدادية بحكومات تكنوقراطية، سعت من خلالها لإظهار عدم تدخل السياسيين المستبدين في الحكم، وبرز ذلك في أنماط متعددة للاستبداد قائمة على الحكم الوراثي أو الأيديولوجي أو العسكري20. وثمة أمثلة كثيرة لأنظمة استبدادية لجأت إلى تعيين حكومات تكنوقراطية، من بينها الأنظمة العسكرية في أميركا اللاتينية، تحديدًا في البرازيل والأرجنتين، والهدف هو إظهار واجهة مدنية للحكم21. وكذلك نجد النظام السياسي في روسيا الذي استعان بالتكنوقراطية قبل انتهاء الحقبة السوفياتية في مطلع تسعينيات القرن العشرين، وبعدها؛ بهدف تقديم واجهة مدنية يسعى من خلالها للقول إنه مهتم بالإصلاحات السياسية والاقتصادية؛ وذلك قبل أن يعي التكنوقراط الروس أنهم يواجهون إشكاليات بنيوية في النظام الروسي، من قبيل تأثير السياسيين التقليديين وجماعات المصالح ورجال الأعمال وغيرهم22. فضلً عن ذلك، نجد أن عدة أنظمة استبدادية، ولا سيما في البلدان الأفريقية والآسيوية النامية، ترى ضرورة إعطاء التكنوقراط فرصة لتطبيق النماذج والتطبيقات التقنية؛ لتحقيق الإص حاا السياسي والاقتصادي الذي تسبب به السياسيون والأحزاب السياسية23، وذلك على الرغم من وجود عدد من التجارب التي أثبتت عدم نجاعة النموذج التكنوقراطي في الحكم في ظل غياب الديمقراطية. فهذه الأنظمة الساعية لحماية حكمها من جهة، والمستعينة بالدعم الدولي المشروط من جهة ثانية، والمستغلة لتراجع دور الأحزاب السياسية والأيديولوجيات الكلاسيكية من جهة ثالثة، ترى أن التطبيقات التقنية تساهم في تقديم حلول للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، فالمقاربة التي تضمن لها البقاء في الحكم تتطلب تدخلً تقنيًا، لا سياسيًا.

على سبيل الخاتمة: هل ينقذ التكنوقراط العالم من أزماته؟

قد يتيح صعود التكنوقراطية تحقيق بعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الهامشية على المدى القصير. لكن ثمة إشكاليات بنيوية كثيرة تواجه بلدان العالم اليوم جرت مناقشتها في هذه المراجعة النقدية؛ مثل استقرار العولمة، والليبرالية الجديدة، والمشروطية، والاستبداد، وصعود "اليمين المتطرف"، و"الشعبوية"، وهي تحتاج إلى استحداث أطر نظرية جديدة تساعدنا في تحليل العالم الذي نعيش فيه وتفسيره وفهمه. فمن جهة، ثمة من يطالب باستعادة تدخل السياسيين والأحزاب السياسية المنتخبة، وهذا يعني إقصاء التكنوقراط كليًّا؛ إذ إن المسألة الرئيسة في الحكم توجب حلولً سياسية، يكرسها مسار سياسي يقوم على تدخل السياسيين، الأمر الذي يعني مسارًا يستجيب لحاجات الناخبين ومصالحهم، لا مسارًا يستجيب لمصالح نخبة محددة، وتوجب أيضًا حلولً سياسية تقاوم الحلول والتطبيقات والنماذج التقنية الموجودة في بلدان يحكمها تكنوقراط أو سياسيون؛ ذلك أن هيمنة البيانات والمؤشرات الإحصائية، بدلً من الحلول الناتجة من المشاورات السياسية، أمرٌ قد يهشّم رسوخ الديمقراطية أو الانتقال إلى الديمقراطية.

  1. Michael Wahmana, Jan Teorellb & Axel Hadenius, "Authoritarian Regime Types Revisited: Updated Data in Comparative Perspective," Contemporary Politics , vol. 19, no. 1 (2013), p. 20.
  2. عبد الفتاح ماضي، "قصة العسكريين في أميركا اللاتينية،" 21 الجزيرة نت، 2015/6/25، شوهد في 020/2/2، في https://bit.ly/37VDwrU:2
  3. Vladimir Gelman, "The Technocratic Traps of Post-Soviet Reforms: Politics Versus Policy," PONARS Eurasia, Policy Memo , February 2018, accessed on 3/2/2020, at: https://bit.ly/37Tlczz
  4. Takashi Shiraishi & Patricio N. Abinales (eds.) After the Crisis: Hegemony, Technocracy and Governance in Southeast Asia (Melbourne: Trans Pacific Press, 2005); Suzanne Grant Lewis & Jordan Naidoo, "Technocratic School Governance and South Africa's Quest for Democratic Participation," in: Holger Daun (ed.) School Decentralization in the Context of Globalizing Governance: International Comparison of Grassroots Responses (Berlin: Springer, 2007). رياني /يناثلا نوناك ناك

وفي موازاة ذلك ثمة من يطالب بمشاركة التكنوقراط الحكم، وتقديم حلول وسياسات بديلة بشأن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، بوصفه أمرًا لا مفر منه، ويقسم هؤلاء إلى مجموعتين؛ أولاهما ترى ضرورة التخلص من الطبقة السياسية، وإعطاء التكنوقراط أولوية مطلقة، بوصفهم مستقلين وكفاءات وخبراء، وقادرين على الحكم، وثانيتهما ترى ضرورة مشاركة التكنوقراط في الحكم، ولكن بشرط أن تكون مشاركتهم ضمن عملية تشاركية تعيد الاعتبار إلى الإطار السياسي، لا الإطار التقني؛ وهو ما يعني رؤية سياسية تبلور الشعوب أفكارها، ويتحمل السياسيون مسؤولية تشريعها، ويقوم الخبراء والكفاءات والمختصون بمساعدة السياسيين في تنفيذها. كيفما كانت الإجابة في هذه الحالة المحددة - ولكل طرفٍ محاجّته المقنعة - فإن الحاجة الرئيسة التي يجب تأكيدها اليوم للسياسيين والتكنوقراط هي الحاجة إلى الديمقراطية؛ أي الديمقراطية التي تضمن حكم الأغلبية، ويكون حكمها راجعًا إلى دستور يضمن الحريات وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون والفصل بين السلطات؛ لذلك يجب أن تعيَ المؤسسات السياسية التقليدية الحاجة الضرورية إلى الديمقراطية، بوصفها أساسًا ومرجعًا لمن يحكم، وكيف يحكم، وبوصفها مسألة تساعد الشعوب في المشاركة في الحكم، وأن تعيَ التكنوقراطية، بوصفها عاملً مساعدًا، لا بوصفها أساسًا ومرجعًا في الحكم. فبدلً من الحدّ من الانزياح العالمي نحو التكنوقراطية، نخبةً ونماذجَ للحكم، نحن في حاجة إلى استيعابها، وجعلها أكثر استجابة لحاجات الناس ومتطلباتهم في داخل المؤسسات التقليدية. إذا لم يحصل ذلك، فإن جاذبية التكنوقراطية ستزداد، في مقابل تراجع جاذبية الديمقراطية.

صعود التكنوقراط وتحولات النظام العالمي: مراجعة نقدية لكتابَي "صعود التكنوقراط: حصان طروادة للتحول العالمي" و"التكنوقراط: الطريق الصعب إلى النظام العالمي"

المراجع

العربية

هابرماس، يورغن. المعرفة والمصلحة. ترجمة حسن صقر. مراجعة إبراهيم الحيدري. كولونيا: ألمانيا. منشورات الجمل،.2001

الأجنبية

Baylies, Carolyn. "'Political Conditionality' and Democratization." Review of African Political Economy. vol. 22, no. 65 (September 1995). Bell, Daniel. The Coming of Post-Industrial Society: A Venture in Social Forecasting. New York: Basic Books; Reissue edition, 1976. Invernizzi Carlo Christopher Bickerton, Accetti. "Populism and Technocracy: Opposites or Complements?" Critical Review of International Social and Political Philosophy. vol. 20, no. 2 (2017). Caramani, Daniele. "Will vs. Reason: The Populist and Technocratic Forms of Political Representation and Their Critique to Party Government." American Political Science Review. vol. 111, no. 1 (February 2017). Carlisle, Robert B. "The Birth of Technocracy: Science, Society, and Saint-Simonians," Journal of the History of Ideas. vol. 35, no. 3 (July-September, 1974). Carroll-Foster, Theodoia (ed). A Guide to Agenda 21. Ottawa: International Development Research Centre. 1993. Centeno, Miguel Angel. "The New Leviathan: The Dynamics and Limits of Technocracy." Theory and Society. vol. 22, no. 3 (June 1993). Cruickshank, Justin & Ross Abbinnett. "Neoliberalism, Editors' Education: Higher and Technocracy Introduction," Social Epistemology. vol. 33, no 4 (July 2019). Daun, Holger (ed.). School Decentralization in the Context of Globalizing Governance: International Comparison of Grassroots Responses. Berlin: Springer. 2007. Fischer, Frank. Technocracy and the Politics of Expertise. California: SAGE Publications, 1989. Gelman, Vladimir. "The Technocratic Traps of Post- Soviet Reforms: Politics Versus Policy." PONARS Eurasia. Policy Memo. February 2018. at: https://bit.ly/37Tlczz Gilley, Bruce. "Technocracy and Democracy as Spheres of Justice in Public Policy." Policy Sciences. vol. 50, no. 1

Meynaud, Jean. Technocracy , Paul Barnes (trans.) New York: The Free Press, 1968. Reddy, Sanjay & Antoine Heuty. "Global Development Goals: The Folly of Technocratic Pretensions." Development Policy Review. vol. 26, no. 1 (2008). Ribbhagen, Christina. "What Makes a Technocrat? Explaining Variation in Technocratic Thinking among Elite Bureaucrats." Public Policy and Administration. vol. 26, no 1 (November 2010). Representative within Technocracy Democracy: Technocratic Reasoning and Justification among Bureaucrats and Politicians , Bo Rothstein (ed.) Gothenburg: University of Gothenburg, 2013. Shiraishi, Takashi & Patricio N. Abinales (eds.). After the Crisis: Hegemony, Technocracy and Governance in Southeast Asia. Melbourne: Transpacific Press. 2005. Wahmana, Michael, Jan Teorellb & Axel Hadenius. "Authoritarian Regime Types Revisited: Updated Data in Comparative Perspective." Contemporary Politics. vol. 19, no. 1 (2013).