المناحي السياسية للدبلوماسية الموازية: دروس من العالم المتقدم ****
الملخّص
تركز هذه الدراسة على ظاهرة "الدبلوماسية الموازية"، التي برزت على نحوٍ ملحوظ في الديمقراطيات الليبرالية الصناعية الغربية. وتبدأ بالتمييز بين ثاث طبقات من الدبلوماسية الموازية، وتُحًاجّ بأنها يمكن أن تكون أداة متعددة الوظائف لتعزيز المصالح وحماية الهوية. وتناقش الخيارات المنوعة التي ينبغي إقرارها عند تطوير الدبلوماسية الموازية، بما في ذلك إيجاد هياكل جديدة واختيار شركاء جدد. وبعد ذلك، تتناول الدراسة مسألة العاقات البينحكومية في سياق الدبلوماسية الموازية، وبصورة أكثر تحديدًا، موقف الحكومة المركزية عندما يكون لدى الوحدة الفرعية، التي تطور نشاطات تُدرج ضمن الدبلوماسية الموازية، تطل عات قومية. كما تناقش، على نحو مقتضب، ما تُخل فه الدبلوماسية الموازية من أثرٍ في الديمقراطية، والتداول الديمقراطي، وعمليات التمثيل. كلمات مفتاحية: الدبلوماسية الموازية، الدبلوماسية، العاقات الدولية، الحكومات الإقليمية. This study centers on the phenomenon of 'paradiplomacy' that has become prominent in Western industrialized liberal-democracies. It begins by distinguishing three layers of paradiplomacy, arguing that paradiplomacy can be a multifunctional vehicle for reinforcing interests and protecting identity. It then discusses the various choices that are made when developing a paradiplomacy, including designing new structures and selecting partners. Next, the study addresses the issue of intergovernmental relations in the context of paradiplomacy and, more specifically, the attitude of central government towards a sub-state units developing activities that could be classified as constituting paradiplomacy, when these last nourish nationalist aspirations. Finally, the last section offers a brief discussion of the implications of paradiplomacy for democracy, democratic consultation and representation.
Political Issues of Paradiplomacy: Lessons from the Developed World
Keywords: Paradiplomacy, Diplomacy, International Relations, Regional Governments.
مدخل
لم تنقطع اللامركزية عن أن تكون موضوعًا للدراسة، سواء على مستوى السلطة السياسية أو في حدود المسؤوليات الإدارية، لما لها من تأثير في المؤسسات السياسية والسياسة العامة. وقد كان يجري، في هذا الإطار، التعامل مع حكومات الوحدات الفرعية، الإقليمية أو المحلية Local or Regional، بوصفها أطرافًا فاعلةً في السياسة الداخلية، ذلك أن حكومات الأقاليم تتمتع بأهمية قصوى في هذا المجال، سواء تعلق الأمر بتصميم السياسة العامة أو تطبيقها ضمن حدود إقليمها اللامركزي، أم بالتفاعل مع حكومة المركز. غير أن حكومات الأقاليم تعمل كذلك ضمن إطار دولي واسع، ويمكن أن تكون أطرافًا دوليةً فاعلة. وهو أمر يُغفَل غالبًا. وقد برزت ظاهرة حكومات الأقاليم هذه، التي عبّ ت عن تطوّر في العلاقات الدولية، يُطلق عليه غالبًا "الدبلوماسية الموازية"1، على نحوٍ ملحوظ في الديمقراطيات الليبرالية الصناعية الغربية؛ إذ كرّست أقاليم مثل كيبيك في كندا، وكاتالونيا والباسك في إسبانيا، وفلاندرز ووالونيا في بلجيكا، إضافة إلى عدد من المقاطعات الألمانية وبعض الأقاليم الفرنسية، جهودًا معتبرة لتطوير العمل الدولي2. ولم يتوقف الأمرُ على هذه البلدان، بل لقد شهدت بعض البلدان النامية والمجتمعات ما بعد الشيوعية تجاربَ في الدبلوماسية الموازية، فانخرط العديد من الوحدات الفرعية في هذه البلدان في ممارسة شكل من أشكال هذه الدبلوماسية، فعلى سبيل المثال، دخلت عدة مقاطعات أرجنتينية في علاقات عبر الحدود مع حكومات الوحدات الفرعية في تشيلي وباراغواي وبوليفيا والبرازيل؛ من أجل إدارة تحرّكات الأفراد والسلع3. وقد جرى ذلك عبر ما عُرف ب "لجان التكامل" Integrations of Committees، بتنسيق من وزارة الخارجية. وفي الهند، تفاوضت حكومات الولايات مباشرة مع منظمات مالية دولية، مثل البنك الدولي ومصرف التنمية الآسيوي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، على الرغم من أن هذه المفاوضات تتطلب مباركة الحكومة الاتحادية4. وفي ماليزيا، تعمل ولاية بينانغ Penang، بنشاط، على تعزيز وجودها باعتبارها مركزًا لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في جنوب شرق آسيا5. وتفيد دراسةُ هذه التجارب في فهم منطق هذا النشاط، وفي تسليط الضوء على الخيارات الرئيسة التي يتعيّ إقرارها، ولَفت الانتباه إلى التحديات التي يحتمل أن تنجم عن إقامة وحدات فرعية لعلاقات دولية. تنقسم هذه الدراسة أربعة أقسام رئيسة، يميّز أولها بين ثلاث طبقات من الدبلوماسية الموازية، ويُحاجّ بأن هذه الدبلوماسية يمكن أن تكون أداةً متعددة الوظائف لتعزيز المصالح وحماية الهوية. ويناقش ثانيها الخيارات المتنوعة التي يجب إقرارها عند تطوير الدبلوماسية الموازية، بما في ذلك إيجاد هياكل جديدة واختيار شركاء جدد. أما ثالثها فيتناول مسألة العلاقات البينحكومية في سياق الدبلوماسية الموازية، وتحديدًا، موقف حكومة المركز عندما يكون لدى "الوحدة الفرعية" التي تطور نشاطًا معيّنًا من نشاطات الدبلوماسية الموازية تطلّعات قومية، في حين يناقش القسم الأخير، باقتضاب، الآثار التي تُخلّفها الدبلوماسية الموازية في الديمقراطية والتداول Deliberation والتمثيل.
طبقات الدبلوماسية الموازية
يمكن أن تركّز الدبلوماسية الموازية، كما هي مُطبّقة من حكومات الوحدات الفرعية في المجتمعات المتقدمة، على عدة اهتمامات مختلفة. ولا يعني هذا أن مقاربات حكومات الأقاليم لعلاقاتها الدولية متماثلة بين هذه الحكومات. يمكن هنا التمييز بين ثلاث طبقات من الدبلوماسية الموازية. تقتصر الطبقة الأولى على القضايا الاقتصادية، وفي هذا الخصوص، تهدف الوحدات الفرعية إلى تطوير وجود دولي لجذب الاستثمارات الأجنبية، أو استدراج الشركات العالمية إلى المنطقة، أو استهداف أسواق جديدة للصادرات. وليس لهذه الطبقة من الدبلوماسية الموازية بُعدٌ سياسي واضح، كما أنها لا تُعير القضايا الثقافية اهتمامًا؛
ففي المقام الأول، تكمن وظيفة هذه الطبقة في المنافسة الاقتصادية على المستوى العالمي. والمثال النموذجي، هنا، هو الولايات الأميركية التي ينصرف نشاطها الدولي في الأساس إلى السعي لتحقيق المصالح الاقتصادية. ويمكن إدراج الولايات الأسترالية في هذه الفئة، مع أنها لا تحظى بالوجود الدولي الذي تحظى به نظيراتها في الولايات المتحدة الأميركية6. وكذلك الحال مع المقاطعات الكندية (ما عدا كيبيك)، ولا سيما أونتاريو وألبرتا، التي لها بعض التجارب على الصعيد الدولي.
أما الطبقة الثانية من طبقات الدبلوماسية الموازية فتتضمن التعاون الثقافي، والتعليمي، والتقني، والتكنولوجي، وما شابه ذلك. وهنا، تكون الدبلوماسية الموازية، بخلاف الطبقة الأولى، واسعةً ومتعددةَ الأبعاد، لا يقتصر تركيزها على الربح الاقتصادي فحسب. وتُدرج بعض الولايات الألمانية في إطار هذه الفئة، وأبرزها بادن فورتمبيرغ Baden-Wurttemberg التي كانت رائدة في إنشاء محركات أوروبا الأربعة Europe of Motors Four، وجمعية المقاطعات الأوروبية. وتزعّمت بادن فورتمبيرغ أيضًا Assembly of European Regions العديد من المبادرات العابرة للحدود، وشاركت في تعزيز التعاون بين الشمال والجنوب، وفي توفير المساعدات التنموية7. وهناك، على الأقل، مقاطعة فرنسية واحدة، رون ألب Rhone-Alpes، تتميز بنشاطاتها في هذه الطبقة8. وإضافة إلى عضويتها في محركات أوروبا الأربعة، وفي العديد من التجمعات العابرة للحدود (على سبيل المثال صلاتها بالمقاطعات السويسرية) مثل جنيف وفود Vaud وفاليه Valais، طوّرت رون ألب سلسلة من العلاقات الثنائية مع عدة وحدات محلية في أفريقيا (مالي، والسنغال، وتونس)، وآسيا (فيتنام)، وأوروبا الوسطى (بولندا.) وتتخذ هذه العلاقات التي تُصَّور باعتبارها نوعًا من "التعاون اللامركزي"، شكل المساعدات التنموية والمبادلات الثقافية والتعليمية، وكذلك التعاون العلمي والتقني. وتملك حكومة كيبيك هي الأخرى شراكات مماثلة مع بلدان مختلفة، مثل رواندا وتوغو والسنغال والصومال ولبنان وفيتنام وكمبوديا. وأما الطبقة الثالثة من طبقات الدبلوماسية الموازية فهي تنطوي على اعتبارات سياسية. وتنحو هذه الطبقة إلى التعبير على المستوى الدولي، وعلى نحو صريح، عن هوية متمايزة عن تلك التي تطرحها حكومة المركز، كما هي الحال في أقاليم كيبيك وفلاندرز وكاتالونيا والباسك9. وهذه الوحدات ذات طموح كبير، يتبدّى في المنطق الذي تسيّ به المشروعات الدولية. وهنا، تسعى حكومات الوحدات الفرعية لتطوير مجموعة العلاقات الدولية التي من شأنها تأكيد التمايز الثقافي والاستقلال السياسي والطابع القومي للمجتمع الذي تُ ثّله. وبالطبع، لا يلزم أن تنطوي الاعتبارات السياسية على مسألة الهوية بالضرورة؛ إذ يمكن أن تكون للحكومات المحلية غايات سياسية أخرى بدلً من كسب الاعتراف بها بوصفها أمة أو جماعة متمايزة (على سبيل المثال، قد تسعى هذه الوحدات للتأثير في سلوك منطقة مجاورة.) إن طبقات الدبلوماسية الموازية هذه طبقات تراكمية. وفي الواقع، تتسم جميع أنماط الدبلوماسية الموازية في البلدان الصناعية المتقدمة بوجود عنصر اقتصادي. وتضيف إليه العديد من حكومات الأقاليم، عادة، عنصرًا آخر، في إطار التعاون المشترك، في حين يحظى عدد قليل مختار (من تلك الحكومات) بنشاطات إضافية ذات طابع سياسي. ويكمن الدرس الرئيس هنا في أن الدبلوماسية الموازية يمكن أن تكون أداةً متعددةَ الوظائف؛ إذ قد تُقرّر الوحدات الفرعية التوجّه نحو الخارج لدعم عملية التنمية الاقتصادية، لكنها يمكن أن تُضيف، في الوقت نفسه، طبقات جديدة؛ أي أن تُدرِج اهتمامات أخرى تتعلق بالمصالح أو بالهوية.
أما في المجتمعات النامية، فمن المنطقي أن تُقارب الوحداتُ الفرعية الدبلوماسيةَ الموازية بطريقة شاملة، وأن تضمّنها أهدافًا عدة مختلفة. وعلى سبيل المثال، إذا نظرنا في مسألة "التعاون" فسنجد أن الوحدات الفرعية في البلدان المتقدمة عادة ما تكرّس جزءًا من دبلوماسيتها الموازية لإقامة علاقات تعاون، وهذا يرجع جزئيًا إلى رغبة تلك الحكومات في تطوير شخصيتها الدولية، مع أن الرغبة الصادقة في دعم التنمية خارج الحدود تشكل كذلك، وعلى الأرجح، جزءًا من الدافع وراء "التوجه نحو الخارج" بهذه الطريقة. وعلى أي حال، يمكن أن تُسفر اتفاقات التعاون عن علاقة متعددة الجوانب ومفيدة للوحدات الفرعية في البلدان النامية. وفضلً عن الاحتكاك المباشر في إطار الخبرات (إنشاء المدارس، وتدريب قوة الشرطة، وتنظيم الخدمة المدنية، وغير ذلك)، يمكن أن تنطوي علاقة المعونة على بعدٍ ثقافي يأخذ، على سبيل المثال، شكل المبادلات التعليمية - المدرسية. ويمكن أن يكون لهذا كله أثر إيجابي في التنمية، وكذلك في الفرص الاقتصادية التي يحتمل أن تنشأ عن الترابط الشبكي مع الاقتصادات الصناعية المتقدمة. إضافة إلى ذلك، ومن خلال التعاون الموجّه إلى حدٍ ما، يمكن تطوير علاقة سياسية أكثر شمولً؛ الأمر الذي يخدم تقوية المؤسسات المحلية أو الإقليمية.
شراكات الدبلوماسية الموازية
ينطوي تطوير مثل هذه الأنماط المتعدّدة الأوجه من الدبلوماسية الموازية على خيارات معينة في ما يتعلق بالشركاء والهياكل البيروقراطية. وبالنسبة إلى الوحدات الفرعية في البلدان النامية، والبلدان التي تمرّ بمرحلة سياسية واقتصادية انتقالية، سيكون من المنطقي إقامة صلات مع الوحدات الفرعية في المجتمعات الصناعية المتقدمة، لأن في إمكان الأخيرة توفير أنواع مختلفة من الفرص، ويمكن أن تنفع مثل هذه الصلات سكان المقاطعات النامية بعدة طرائق؛ أولً، عادة ما تكون الوحدات الفرعية في الغرب في وضع يُ كّنها من توفير الخبرة التقنية في مختلف الميادين. ثانيًا، يمكن أن توجد هذه الوحدات فرصًا للتبادل في المجالات المختلفة، بما في ذلك التعليم العالي. ثالثًا، تبحث هذه الوحدات، على نحو دائم، عن أسواق وفرص استثمارية؛ الأمر الذي من شأنه، في ظل الأوضاع الملائمة، أن يعود بالفائدة على الوحدات الفرعية في البلدان النامية. رابعًا، يمكن أن تطّلع قطاعات عدة من سكان الوحدات الفرعية في البلدان النامية، من خلال تطوير البرامج الثقافية، على ثقافة أخرى مختلفة وذات أهمية من الناحية السياسية. وأخيرًا، من الممكن – من جرّاء هذه النشاطات - أن تتعزز العلاقات السياسية مع الوحدات الفرعية في الدول الديمقراطية، سواء على نحو مباشر من خلال المعونة المشروطة، أو ضمنيًا عن طريق الحوار المحض وعبر ثقافة الحقوق والقيم الليبرالية. ولا ينبغي أن يكون العثور على شركاء، من الوحدات الفرعية في المجتمعات الصناعية المتقدمة، أمرًا صعبًا جدًّا بالنسبة إلى وحدة فرعية نامية؛ لأن فرصة الحصول على الدعم، من خلال المساعدات في إطار التعاون، أضحت حجةً مركزيةً يستخدمها المسؤولون الإقليميون في البلدان المتقدمة لتبرير وجود الدبلوماسية الموازية. ومن المثير للاهتمام في هذا الصدد أن اختيار الشركاء غالبًا ما يتأثر بالروابط الثقافية واللغوية؛ فجهود التعاون التي تبذلها كيبيك، على سبيل المثال، تركز على الأقاليم الناطقة بالفرنسية. وعلى المنوال نفسه، تُولي كاتالونيا والباسك الأولويةَ لأميركا اللاتينية، بينما تستهدف فلاندرز المستعمرات الهولندية السابقة، مثل إندونيسيا وسورينام. إضافة إلى السعي لإقامة علاقات "دبلوماسية موازية" مع حكومات الوحدات الفرعية في البلدان الصناعية المتقدمة، يمكن أن تنتفع الوحدات الفرعية في البلدان النامية أيضًا من العلاقات العابرة للحدود؛ إذ يمكن أن تساعد مثل هذه العلاقات في إدارة المشكلات المشتركة المتعلقة، على سبيل المثال، بالبيئة أو بهجرة السكان. ويمكن كذلك أن تفضي الدبلوماسية الموازية إلى التخفيف من حدّة التوترات الإثنية والاضطرابات العرقية؛ فعلى سبيل المثال، تركز الدبلوماسية الموازية للباسك أساسًا على التعاون مع بلدة الباسك في فرنسا منذ أن أرسى القوميون الباسك تصورهم ل "أوسكادي" Euskadi، باعتبارها أمّةً تمتد عبر الحدود الدولية بين إسبانيا وفرنسا. ومن وجهة نظر سياسية، يُعدّ هذا الموقف، إلى حد بعيد، موقفًا مبدئيًا (مثاليًا)؛ لأن "التوحيد" الرسمي لجميع أراضي الباسك لا يمثل خيارًا واقعيًا. ومع ذلك، فإن الدبلوماسية الموازية للباسك لا تُعامل
الباسك في فرنسا باعتبارهم شريكًا أوروبيًا آخر، أو جماعة خارج الحدود، بل هناك حتى بعض التحفظ في استخدام مفهوم التعاون عبر الحدود Cooperation Transborder. وإن الإطار الخاص بهذه النشاطات هو اتفاق وُقّع في عام 1990 بين الجماعة المتمتعة بالحكم الذاتي في إقليم الباسك في إسبانيا وإقليم آكيتن Aquitaine Region في فرنسا، وانضمت الجماعة المحلية في منطقة نبرة (نافارا) Foral Community of Navarra في إسبانيا إلى الاتفاق في عام 1992. ويتضمن الاتفاق تبادل المعلومات في مجالات السياسة العامة المختلفة (الاجتماعية، والاقتصادية، والاتصالات، والبحث العلمي)، كما يستهدف، على نحو أساسي، تعزيز ثقافة الباسك ولغتها، غير أن أهم جانب في اتفاق التعاون هذا، تمثل في إنشاء صندوق مشترك لتمويل مشروعات الباسك. ونتيجة للدبلوماسية الموازية لحكومة الباسك، حَظيت أكاديمية اللغة الباسكية Euskaltzaindia باعتراف رسمي من الدولة الفرنسية التي زوّدتها بالتمويل والدعم اللازمين. تعطي قضية الباسك فكرة عن الكيفية التي يمكن أن تساعد فيها الدبلوماسية الموازية في إدارة حالات التنوّع الثقافي المنتشرة عبر الحدود الدولية في أفريقيا (على سبيل المثال، بين الكونغو وجيرانها، أو في القرن الأفريقي) وأجزاء من آسيا (مثل السكان التاميل في سريلانكا وجنوب الهند) التي تقود إلى توترات إثنية أو تطلّعات غير محدودة (مثل الحرب الأهلية في الكونغو، وفكرة الصومال الكبرى التي تشمل الصوماليين القاطنين في كينيا وإثيوبيا وجيبوتي.) ويُ كن أن تقللّ الصلات العابرة للحدود بين الأطراف التي تعتقد أنها تنتمي إلى المجموعة الإثنية ذاتها، أو إلى المجتمع القومي نفسه، من الرغبة في الانفصال والاندماج القومي؛ لأن الإشكالات التي تثيرها هذه الأطراف (بشأن موضوع الانتماء) هي دون مستوى "اللعبة الصفرية." وفي الواقع، إن إمكان إقامة روابط سياسية واقتصادية وثقافية ذات مغزى بالنسبة إلى أقلية إثنية معزولة عن السلطة السياسية، بل ربما الاقتصادية أيضًا، في دولة معيّنة، وتتطلّع دومًا إلى ذويها عبر الحدود، قد يكون كافيًا لتثبيط السياسات الانفصالية. وبعبارة أخرى، قد يكون في صالح الدول أن تسمح بصلات ذات مغزى، عبر شكل من أشكال الدبلوماسية الموازية، بدلً من عزل السكان عن ذويهم عبر الحدود الدولية، ذلك أن هذا قد يحدّ من التوترات والنزعات الانفصالية.
التنسيق السياسي و"المنحدر الزلق"
الدبلوماسية الموازية هي نشاط يقع عادة في منطقة قانونية ودستورية رمادية؛ لأن الدساتير تمنح في أغلب الأحيان الدولةَ سلطات حصرية، تقريبًا، في الشؤون الخارجية. إضافةً إلى ذلك، من المرجّح أن يبحث مسؤولو الدولة مع بعض الأقاليم والبلديات Municipalities، موضع الشك، تطوير العلاقات مع الحكومات خارج الحدود. فجزء من هذا الشك يأتي، ببساطة، من اعتقاد مفاده أن كل ما يتعلق بالشؤون الدولية ينبغي أن تتولّ ه حكومة المركز بدلً من حكومات الوحدات الفرعية. بيد أن أكثر ما يدعو إلى القلق يتمثل في أن الدبلوماسية الموازية يمكن أن تُقوّض التماسك الدولي للبلد؛ وبعبارة أخرى، لن يكون البلد قادرًا، بوجود الدبلوماسية الموازية، على تبني خطاب موحّد على المسرح الدولي. ويواجه معظم نماذج الدبلوماسية الموازية في البلدان الغربية هذا النوع من المسائل؛ فالمطالبات التي تقدمت بها حكومة كيبيك لإضفاء الطابع الرسمي على دورها في الشؤون الخارجية، على سبيل المثال، حظيت باهتمام كبير من المراقبين الذين أثاروا مسألة الاتساق10.Coherence
للحدّ من القضايا التي يُحتمل أن تُعوّق اتساق السياسة الخارجية، أرست الدول الغربية، التي طوّرت إحدى مناطقها نموذجًا ذا شأن من نماذج الدبلوماسية الموازية، قنواتٍ وآلياتٍ، للتشاور والتنسيق البينحكومي. ففي كندا، حيث تؤدي المقاطعات دورًا رسميًا في تنفيذ المعاهدات الدولية، تجري مشاورات لتحديد المواقف الكندية (الفدرالية) أو تعريفها بشأن المسائل المتعلقة بالولاية القضائية للمقاطعات في إطار المنتديات القطاعية البينحكومية. وعادة ما تجري مناقشة Sectoral Intergovernmental Forums القضايا الدولية في الاجتماعات السنوية لوزراء الاتحاد والمقاطعات Provincials. وفي بعض الحالات، يتم تأطير آليات التنسيق، لأغراض تنفيذ المعاهدات مثلً، باتفاق رسمي بينحكومي. وفي مجال العمل Labour، فتح الاتفاق المبُرم بين الولايات الأميركية وكندا، الذي صاحب مؤتمر CUSTA، الطريق أمام عقد اجتماعات تخصصية
بينحكومية، أثناء تفاوض كندا على معاهدات دولية (توازي اتفاقات التجارة الحرة الأخرى.) وقد أضفَت الحكومة الكندية في عام 2005 الطابع الرسمي على هذه الممارسة، من خلال اتفاق بينحكومي جديد، وهو إطار يُنشئ آلية (اتحادية - إقليمية) لتنفيذ اتفاق التعاون الدولي في مجال العمل11. وفي مجال البيئة، يُعد المجلس الكندي لوزراء البيئة CCME، الذي يجتمع أعضاؤه عادة مرة في العام، منتدى لمناقشة القضايا أو الأحداث البيئية ذات الطابع الدولي. فعلى سبيل المثال، تعهّد الوزراء، خلال اجتماع عُقد في حزيران/ يونيو 2005، بالعمل معًا مع باقي الأطراف للتحضير لمؤتمر الأمم المتحدة الخاص بالتغير المناخي United Nations Climate Change الذي عُقد في مدينة مونتريال الكندية في وقت لاحق من ذلك العام (تشرين الثاني/ نوفمبر - كانون الأول/ ديسمبر)200512. وبالنسبة إلى العلاقات البينحكومية المعنية بالزراعة، مثل تحسين فرص وصول المنتجات الزراعية الكندية إلى الأسواق الأجنبية، فهي غير مُقننة في اتفاق قائم بذاته، وإنما هي مُدرَجة في إطار بينحكومي أكبر، هو الإطار الزراعي. في بلجيكا، حيث تكون اختصاصات حكومات الوحدات الفرعية في العلاقات الدولية مسألةً تتعلّق بالقانون الدستوري، تُصبح الترتيبات أكثر رسمية. وكي تتخذ بلجيكا موقفًا دوليًا، بما في ذلك توقيع المعاهدات، ذا صلة بمنطقة اختصاص محلي تتبع للإقليم Region، أو للجماعة المحلية Community، يتعيّ على حكومات الوحدات الفرعية ذات الصلة إبداء موافقتها. ولذا، فهو نظام متداخل يعطي كل الأطراف الفاعلة المشاركة في عملية أو قضية دولية حقَّ النقض؛ وذلك نتيجةً للتقسيم الدستوري المحدّد للسلطات. ويعمل هذا النظام على نحو جيد إلى حدٍّ ما؛ إذ لم تضطر بلجيكا قطُّ إلى التعطّل نتيجة لحق النقض الذي مارسته حكومة الإقليم أو الجماعة المحلية. ويسّت التقاليد التوافقية وإلمام الطبقة السياسية في البلاد بجميع الترتيبات المعقدة لضمان التعايش السلمي بين الجماعتين الرئيستين (الناطقتين بالفرنسية والهولندية)، للسياسة البلجيكية عمليةَ التحول نحو "اللامركزية" في إدارة "العلاقات الدولية"، التي تعزّزت بالتغيير الدستوري الذي جرى في عام.1993 ما الدروس التي يمكن أن تستخلصها الأقاليم في البلدان النامية من هذه الحالات عندما يتعلق الأمر بالعلاقة السياسية مع الدولة في سياق جهود الدبلوماسية الموازية؟ قبل كل شيء، من المهم أن نُقدّر عمل حكومات الوحدات الفرعية في البلدان النامية في بيئة سياسية، تختلف إلى حدٍّ بعيد عن بيئة نظيراتها في البلدان المتقدمة، فمثل هذه الحكومات نادرٌ وقليل الوجود في البلدان النامية، وهي تكاد تفتقر إلى السلطة الرسمية [أو الفعلية] و/ أو الشرعية، ذلك أن الدولة الموحَّدة (لا الفدرالية أو اللامركزية) هي النموذج السائد في أفريقيا وآسيا وعموم الشرق الأوسط13. وفي هذا الإطار، يُرجّح أن تكون مسألة اتساق السياسة الخارجية، بوصفها مظهرًا من مظاهر سلطة الدولة ووحدتها الوطنية، ذات أهمية قصوى للمسؤولين الحكوميين. إضافةً إلى ذلك، عندما تكون الديمقراطية الليبرالية هشّةً، بل معدومةً في حالات كثيرة، فإن العلاقة بين المسؤولين الحكوميين في المركز وقادة الأقاليم يُ كن أن تُصبح محفوفةً بالمخاطر بالنسبة إلى الطرف الأخير، وخصوصًا عند وجود انقسامات إثنية أو دينية بارزة. لذلك، بقدر ما يُ كن أن تكون الدبلوماسية الموازية معقدة وشائكة في البلدان المتقدمة، فإنها تواجه عقبات أساسيةً في البلدان النامية. وتكمن المسألة الأساسية التي تحيط بمساعي أي وحدة فرعية تتطلع نحو الخارج في العلاقة بين المسؤولين الإقليميين والحكوميين. فتطوير أحد نشاطات الدبلوماسية الموازية القابل للدوام يتطلّب إقامة القنوات الملائمة للتشاور والتنسيق بين المسؤولين الإقليميين والحكوميين. ومن الواضح أن هذا الأمر يتطلّب قدرًا من قبول مسؤولي الحكومة الفدرالية بالدبلوماسية الموازية. وحتى في حال افتراض وجود مثل هذا القبول، سيعتمد مستوى التشاور والتنسيق، قبل أي شيء آخر، على مدى نشاطات الدبلوماسية الموازية وطبيعة هذه النشاطات. فإذا كان النشاط الخارجي الذي تقوم به الوحدة الفرعية متواضعًا، ذا طابع تعاوني في الدرجة الرئيسة، فإن مجرد تبادل للمعلومات، معقول وحتى إن كان بشكل غير رسمي، قد يكون كافيًا لطمأنة مسؤولي الحكومة الفدرالية. أما إذا كانت نشاطات الدبلوماسية الموازية طموحة على نحو أكبر، وذات صلة بقضايا
اقتصادية وثقافية وبيئية وغيرها مما له تأثير في السياسة الوطنية أو السياسات العامة، فسيكون من المفيد حينئذٍ اعتماد صيغة أكثر دقّة لتنظيم الأمور. وفي مثل هذه الحالة، ينبغي للعلاقة بين الوحدة الفرعية والدولة، في ما يخص نشاطات الدبلوماسية الموازية، أن تتعدّى تقاسم المعلومات، لتشمل التشاور، بل التنسيق الفعلي أيضًا بين الطرفين. وفي هذا الصدد، وبقدر تعلق الأمر بإقرار قنوات وآليات محددة، يوجد خياران، على أقل تقدير، لتنظيم العلاقة بين الأطراف المعنية. الخيار الأول، ومن خلال الاستفادة من التجربة الكندية، يتمثل في إقامة قنوات اتصال بين الهياكل البيروقراطية في الحكومة وما يقابلها في الوحدات الفرعية. وفي هذا السياق، إذا أرادت السلطات في الوحدة الفرعية تنظيم برنامج للتبادل الثقافي مع إقليم أجنبي، فعليها الاتصال بالإدارة (أو الوزارة) الفدرالية المختصة لإطلْاع المسؤولين (أو الرؤساء السياسيين) على المشروع، ومناقشة مدى صلاحيته، بما في ذلك مسألة اختيار الشريك. ويمكن، في حال أسفرت هذه المناقشات عن اتفاق لقبول المبادرة من المسؤولين الحكوميين، استخدام القناة القطاعية الملائمة لتبادل المعلومات في ما بعد بشأن المشروع، بل التنسيق، بقدر ما يمكن الدولة أن تضعه في الحسبان عند مباشرة سياستها الثقافية الخاصة. وفي الإمكان تطوير هذا النهج القطاعي على نحو أكبر من خلال عقد اجتماعات عرضية بين المسؤولين الحكوميين ونظرائهم الإقليميين العاملين في المجال، أو النشاط الذي تتناوله الدبلوماسية الموازية مثلً. وسوف يضفي إنشاء المزيد من المنتديات القطاعية الرسمية (التي يمكن أن تشمل، على سبيل المثال، اجتماعات منتظمة بين الطرفين، عن الجوانب الدولية، وأحيانًا المحلية، في مجال السياسات العامة) المزيد من الطابع المؤسسي على عملية التشاور والتنسيق بين الإقليم والمركز. يتمثل الخيار الآخر للربط بين المسؤولين الإقليميين والحكوميين في إنشاء هيئة بينحكومية محددة للتعامل مع قضايا العلاقات الدولية؛ أي منتدى تُعرَض فيه مبادرات الدبلوماسية الموازية، ويُناقَش فيه مدى مواءمتها للسياسة الخارجية للدولة، إذا بدا هذا ضروريًا. ويؤدي هذا النوع من الترتيبات إلى تنسيق العلاقات الدولية على نحو مركزي، فينطوي على إقرار كامل من الدولة بشرعية الدبلوماسية الموازية، وفي الوقت نفسه، التزام قوي من الوحدات الفرعية بأن تُوائم نشاطها هذا مع السياسة الخارجية للدولة، أو على الأقل تضمن عدم التعارض بين الاثنين. ويندر هذا النوع من المقاربة إلى حدٍّ بعيد؛ لأن الدول تتردد عادة في تبني نهج الوحدات الفرعية على الصعيد الدولي، وفي إضفاء الطابع الرسمي على الآليات البينحكومية المشتركة التي تحيط بهذا النهج. ومن الواضح أن بلجيكا تمثل "استثناءً" في هذا الصدد. وفي الواقع، من الصعب تصدير النموذج البلجيكي الذي يُحدّد، على نحو دستوري، السلطات الممنوحة للأقاليم في العلاقات الدولية، والترتيب البينحكومي الشامل لكل الأطراف المؤسسية الفاعلة، التي تحظى بحق النقض، بنجاح؛ لأنه قائم على التقاليد التوافقية الراسخة في هذا البلد، وهو ما لا يتوافر بسهولة في بلدان أخرى. عادة ما تكون العلاقاتُ البينحكومية ذات الصلة بنشاطات الدبلوماسية الموازية، في البلدان المتعددة القوميات، أو حتى المتعددة الإثنيات، فضاءً صراعيًا Conflictual على نحو أكبر، إذ تعكس عملية تطوير الوحدة الفرعية علاقات دولية تعبير تلك الوحدة عن تمايزها الثقافي وأحيانًا السياسي. ومن ثم، تمثل الدبلوماسية الموازية معضلة للدولة، فإن كان رد فعلها على مطالبات الوحدات الفرعية بزيادة مشاركتها في الشؤون الخارجية إيجابيًا، فإن هذا سيضعف مختلف الحجج المؤيدة للاستقلال؛ مثل فكرة أن الدولة تمثل على نحو سيئ مصالح مجموعة معيّنة في الخارج، أو الفكرة القائلة إن النظامَ مركزيٌّ على نحو مفرط ويفرض قيودًا غير مبررة على هذه المجموعة. ومن ناحية أخرى، قد يُنظر إلى تبني مثل هذا الموقف باعتباره نوعًا من التخلّ عن تعبير أساسي عن سيادة الدولة (أي السياسة الخارجية/ العلاقات الدولية.) ووفق هذا المنظور، تُعدّ الدبلوماسية الموازية تهديدًا للوحدة الوطنية، إلى درجة قد تؤدي معها بالمجموعات غير المنضبطة إلى "منحدر زلق" في اتجاه الانفصال عن الدولة الأم. تبنّت الدول الغربية المتعددة القوميات مواقف مختلفة من الدبلوماسية الموازية للأقاليم التي تضم حركات قومية قوية. وقطعت بلجيكا شوطًا بعيدًا في تطبيق اللامركزية الدستورية في العلاقات الدولية. ففي هذا البلد، يمكن أن نتحدث عن "ما بعد الدبلوماسية الموازية" Paradiplomacy Beyond؛ لأن النشاطات الدولية للأقاليم والمجتمعات المحلية لم تعُد، بأي حال من الأحوال، نشاطات هامشية أو ثانوية، بل أضحت مكونًا أساسيًّا من مكوّنات السياسة الخارجية البلجيكية. والافتراض الكامن وراء هذه الرؤية الثورية لكيفية تنظيم العلاقات الدولية في الاتحاد البلجيكي، هو أن بقاء الدولة البلجيكية يتطلّب إرساء اللامركزية في "العلاقات الدولية" وفي "ما يقابلها" من ترتيبات بينحكومية. وهذا بالطبع ناتج من محفّزين أساسيين، على الأقل، تمثّلً في تطلّع الحركة الفلمنكية Movement Flemish إلى الاستقلال الثقافي (الذي قاد إلى قيام مجتمعات محليّة)، وتطلّع الحركة الوالونية Movement Walloon إلى الاستقلال الاجتماعي والاقتصادي الذي أدى إلى نشوء الأقاليم.
قَبِلَت كندا، على نحو واسع، بنشاطات الدبلوماسية الموازية لإقليم كيبيك، إلى حدّ أنها لم تتحدَّ معظم الجهود الدولية التي تبذلها المقاطعة - وهي جهود معتبرة - أو تُعارضها. ووقّعت كيبيك عدة مئات من الاتفاقات الدولية منذ عام 1964 مع الشركاء، من الدول أو من حكومات الأقاليم، وفي كل القارات14. وتُغطّي هذه الاتفاقات، تقريبًا، كل الميادين التي تنخرط فيها حكومة كيبيك على المستوى المحلي (الزراعة والتنمية الاقتصادية والخدمات الاجتماعية والثقافة والنقل، وما إلى ذلك.) وتتمتع المقاطعة بتمثيل دولي في أكثر من 25 بلدًا، فهي تتباهى بحيازتها سبع "بعثات عامة"، موزّعة على بروكسل ولندن وباريس وميونيخ ونيويورك وطوكيو والمكسيك، وأربع "بعثات" أخرى في بوسطن وبوينس آيرس وشيكاغو وأتلانتا ولوس أنجلوس، إضافةً إلى أكثر من عشر وحدات أصغر، ضمنها مكاتب الهجرة والسياحة15. وفي صيف عام 2006، أعلنت كيبيك عن فتح مكاتب لها في الهند والبرازيل، وتعزيز وجودها في اليابان والصين، ورفع مستوى مكتبها السياحي في واشنطن العاصمة عبر منحه دورًا سياسيًا أكبر16. وإجمالً، تحظى كيبيك بأكثر من 250 منصبًا وظيفيًا في الخارج. وعملت الحكومة الكندية أيضًا على جعل المنظمة الدولية للفرانكوفونية17 تقبل بحكومات الوحدات الفرعية أطرافًا كاملة العضوية، كي يتسنّى لكيبيك ونيو برونزويك المشاركة في فعاليات المنظمة. وفي عام 2005، توصل رئيس وزراء الحكومة الفدرالية، ستيفن هاربر، إلى اتفاق "ذي طابع انتخابي"18 مع كيبيك على الدور الذي يمكن أن تساهم به في نشاطات اليونسكو، بعد أن قدّرت الحكومة أنّ منح كيبيك بعض الحرية في تولّ الشؤون الدولية هو الخيار الأفضل، عند تعلّق الأمر بتأمين التزام الكيبيكيين تجاه كندا. وبعبارة أخرى، توحي فكرة التحدي المستمر لنشاطات الدبلوماسية الموازية لكيبيك بنوع من الصراع بين الطرفين؛ الأمر الذي من شأنه الإضرار بالوحدة الوطنية. وهذا يعني أن الحكومة الكندية ترفض هذه الفكرة، مُعزّزة بذلك موقف حكومة كيبيك، القاضي بأن السلطات المحددة دستوريًا للمقاطعة تمتد، كما في بلجيكا، إلى الساحة الدولية19. بيد أن الحكومة الفدرالية تحرص، في الوقت نفسه، على وضع حدود للعلاقات الرسمية التي يمكن أن تقيمها حكومة كيبيك مع رؤساء الحكومات أو رؤساء الدول. وهذا، تحديدًا، هو واقع الحال عندما يكون حزب كيبيك PQ في السلطة، لأن الحكومة الاتحادية ستشك حينئذ في أنّ الحزب (الانفصالي التوجه) يسعى للحصول على دعم دولي لإعلان الاستقلال في نهاية المطاف، ولا سيما عندما يتعلّق الأمر بعلاقة كيبيك مع فرنسا. كانت الحكومة المركزية الإسبانية أكثر تردّدًا في قبول الدبلوماسية الموازية لإقليمي كاتالونيا والباسك، ولا سيما لهذا الأخير. وقد كانت حكومة الباسك تعتمد تفسيرًا محدودًا لمفهوم "العلاقات الدولية"، يقصره على التمثيل الدبلوماسي الرسمي وقضايا الحرب والسلام وتوقيع المعاهدات، في حين تعد معظم الأمور الأخرى نشاطات محلّية لها، في ظل عالم معولم وامتداد دولي. وعلى النقيض من ذلك، دافعت حكومة المركز عن فهم أكثر شمولً ل "العلاقات الدولية"، وميّزت، في الوقت نفسه، تمييزًا صارمًا بين السياسة الدولية والسياسة المحلية؛ فكانت تدافع عن سلطتها القضائية Jurisdiction الحصرية على المجتمعات المستقلة القائمة [التي تتمتع بالحكم الذاتي.] ويرجع هذا الصراع إلى أواسط الثمانينيات من القرن العشرين، حين أنشأ إقليم الباسك مكتبًا للشؤون الأوروبية، ثم حين سعى إلى فتح ممثلية له في بروكسل، فقد اعترضت الحكومة الإسبانية قضائيًا على دستورية إجراءات حكومة الباسك ذات التمثيل الخارجي تلك. ونتيجة لعملية قضائية مطوّلة، أدارت حكومة الباسك شؤونها الأوروبية، على امتداد عشرة أعوام تقريبًا، من خلال منظمة INTERBASK، وهي منظمة غير ربحية ممولة من القطاع العام. وأخيرًا، انبثقت في عام 1994 من هذه المنطقة الرمادية الدبلوماسيةُ الموازية للباسك، عندما أكّدت المحكمة الدستورية حق حكومة الباسك في أن تكون ممثلةً على نحو رسمي في بروكسل، وذلك وفق القرار 165. وعلى الرغم من هذا الإيضاح القانوني، فإن الدبلوماسية الموازية للباسك ما زالت، إلى حدٍّ ما، محل شدّ وجذبٍ في إطار العلاقة بين حكومة الباسك وحكومة المركز؛ لأن العديد من السياسيين الإسبان ما زالوا ينظرون إليها بوصفها تحدّيًا لوحدة البلد. وبطبيعة الحال، لا يمكن فهم التشنّج إزاء النشاطات الدبلوماسية الموازية للباسك بمعزل عن أجواء المجابهة بين الطرفين في إطارها الأوسع. وفي الواقع، فإن مواقف التشنج وعدم الثقة الواسعة بين الجانبين، وهي أشد بكثير مما هي عليه الحال في كندا مثلً، تفصح عن شكوك الدولة في نشاط الباسك الخارجي.
الديمقراطية والتداول والتمثيل
ما الذي تعنيه الدبلوماسية الموازية للتمثيل والتداول الديمقراطي؟ يمكن المحاجّة بأن الدبلوماسية الموازية تُفضي إلى تقوية الديمقراطية؛ لأنها تُدني بعض عناصر الشؤون الخارجية إلى عموم الناس. إن السياسة العامة في أي بلد، ولا سيما في البلدان الكبرى والسياسات المتنوعة، هي مجموع لعدة مصالح وقيم وهويات مختلفة، وهذه هي حال السياسة الداخلية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السياسة الخارجية. وبناءً على ذلك، فإن الحجة الديمقراطية التقليدية المؤيدة للامركزية (المتمثلة في أن اللامركزية تجعل عملية صنع القرار أقرب إلى عموم الناس، ومن ثم فهي عملية ذات بعد إيجابي بالنسبة إلى الديمقراطية) يجب أن تنطبق على السياسة الخارجية أيضًا. وإن الحوار الجاري بشأن نماذج الدبلوماسية الموازية الأكثر تقدمًا (كيبيك، وكاتالونيا، والباسك، وفلاندرز) يُقيم، ضمنيًا على الأقل، حجة ديمقراطية. ففي حالة كيبيك، على سبيل المثال، يتلخّص التبرير المركزي لتطوير الدبلوماسية الموازية في أن الحكومة الكندية لا تستطيع التعبير عن هوية كيبيك، أو تمثيل مصالحها الخاصة، على نحو وافٍ على الصعيد الدولي. وفي هذا السياق، يُجسّد نشاط حكومة كيبيك الدولي المذكور آنفًا الإرادة الجماعية لمواطني كيبيك، ويخدم أداةً لتعزيز مصالحها والتعبير عن هويتها.
في هذه الحالات "الغربية"، فإن إمكان الفصل بين السياسة الخارجية والتمثيل والتداول الديمقراطي، عندما يتعلق الأمر بالقلق بشأن الديمقراطية، هو الخيار الذي تطرحه الدبلوماسية الموازية. والواقع أنّ الفكرة القائلة إنّ العلاقات الدولية هي امتياز حصري لحكومة المركز تُعَدّ فكرة راسخة في أذهان معظم المواطنين. فعلى هذا النحو يجري التعامل مع السياسة الخارجية في مؤسسات الدولة الوطنية، وضمن هذا السياق الوطني تجري المناقشات بشأن قضايا الشؤون الخارجية في الأوساط الجماهيرية، ولا سيما في أثناء الحملات الانتخابية. لذا، ينبغي أن تقترن لامركزية السياسة الخارجية بلامركزية الأجواء التمثيلية والتداولية. وهذا لم يحدث، على الأقل على نحو صريح، في معظم نماذج الدبلوماسية الموازية، حتى أكثرها تقدمًا. فعلى سبيل المثال، يُدرك معظم الكيبيكيين أن هناك حكومةً إقليميةً تباشر مهمات العلاقات الدولية. ويمكن أن يجادل المرءُ بأن الحكومة الفدرالية تؤيد هذا القرار ضمنيًا، بدليل عدم الطعن في تخصيص الموارد لهذه النشاطات "الخارجية"، لكنّ هناك فرصًا ضئيلةً لمناقشة خيارات سياسية أوسع؛ إذ تُركز الانتخابات الإقليمية، مثلً، على نحو دائم تقريبًا، على القضايا المحلية بدلً من القضايا الدولية20. بالنسبة إلى المناطق النامية التي تكون فيها الديمقراطية يافعة أو هشّة أو في مرحلة انتقالية، تنطوي الدبلوماسية الموازية على إيجابيات ومخاطر في آن واحد. فمن ناحية، تُعدّ فرصةً لجلب "الدولي" إلى "الإقليمي - المحلي"؛ إذ يمكنها إزالة الغموض عن جوانب النشاطات الدولية التي تقوم بها الوحدات الفرعية، وتحفيز النقاش العام بشأن القضايا الدولية. كما يمكن أن تُحفّز جوانبُ التعاون الكامنة في معظم نماذج الدبلوماسية الموازية المشاركةَ الشعبية في الشأن العام، وهذه المشاركة تؤدي بدورها إلى تكريس الديمقراطية. ومن ناحية أخرى، قد ينجم عن إضفاء الطابع اللامركزي على عناصر عملية صنع القرار وضعٌ غير مرغوب فيه من عدم الاستقرار، في بلد لم تتوطد فيه الديمقراطية على نحو كافٍ. ويُعد (التوقيت) متغيرًا حاسمً عند تقييم الكيفية التي يؤثر فيها تطوير الدبلوماسية الموازية، من جانب إحدى الوحدات الفرعية في بلد نامٍ في الديمقراطية.
خلاصة
تشير حالات الدبلوماسية الموازية في الدول الصناعية المتقدمة إلى ثلاثة أمور، على الأقل، يمكن أن تأخذها الأقاليم في البلدان النامية في الحسبان عند شروعها في مباشرة نشاطها الدولي الخاص. يمكن أن تخدم الدبلوماسية الموازية أغراضًا كثيرة ومختلفة، بما في ذلك التنمية الاقتصادية والتقدم التكنولوجي ونشر الثقافة، إضافة إلى تأكيد "الوجود" السياسي. وفي هذا السياق، فإن تطوير القدرة على العمل في الخارج قد يخدم مصالح منوّعة على المدى الطويل. فمن منظور التنمية، يوجد أمام "الأقاليم" في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية الكثير لكسبه عبر إقامة الصلات مع حكومات الوحدات الفرعية، مثل كيبيك، وكاتالونيا، وفلاندرز، والباسك، التي يمكنها تقديم أنماط متنوّعة من الخبرة، مثلما يظهر في اتفاقات التعاون الكثيرة التي تربط
الأولى بالأخيرة. كما يمكن أن تُعزّز هذه الصلات القدرة المؤسسية، إضافة إلى الطبقة السياسية [المحلية] داخل الأقاليم. ينطوي تطوير الدبلوماسية الموازية، بالضرورة، على تغييرات محلية الطابع. ففي الإقليم، تتضمن الدبلوماسية الموازية إنشاء بنى (هياكل) لتوجيه النشاط الدولي وإدارة البرامج ذات الصلة. وعلى صعيد الدولة، تعني الدبلوماسية الموازية إيجاد بعض القنوات، أو استغلال تلك القائمة بطرائق جديدة، مع الحكومة المركزية، لتبادل المعلومات وتنسيق العمل. ولا يتحتم بالضرورة أن ترحّب الدولة بالدبلوماسية الموازية، ولا سيما إذا صدرت عن مجموعات تُعبّ عن هوية متمايزة أو مجموعات لديها تطلعات قومية، لكونها (نشاطات الدبلوماسية الموازية) تؤدي دورًا في تشكيل مفاهيم الوحدة الوطنية، في بلد مثل الهند على سبيل المثال. وفي هذا الإطار، قد تدل الدبلوماسية الموازية على أن علاقات الصراع البينحكومية بدأت تدق جرس الإنذار. تتضمن الدبلوماسية الموازية كلً من المخاطر والفرص المحتملة للتنمية الديمقراطية، وهي مسألة بالغة الأهمية لكثير من الأقاليم في البلدان النامية. فمن الناحية الإيجابية، يمكن أن تخدم الاتصالات مع الحكومات الديمقراطية الليبرالية انتشار هذه القيم (الديمقراطية)، ويمكن أن يفضي سَنّ مشروعات التعاون إلى تعزيز التعبئة والمشاركة المدنية وتقوية المستوى المحلي في الحكم. ومن الناحية السلبية، قد يكبح إضفاء الطابع اللامركزي على جوانب النشاط الدولي اهتمام الجمهور بشؤون العلاقات الدولية؛ لأن من المعتاد تداول هذه الشؤون داخل الإطار الوطني (الدولة.) ولا تخضع الأقاليم بسهولة للتصنيف بوصفها جهات دولية فاعلة، فلا هي دول ذات سيادة، ولا هي فواعل من غير الدول على شاكلة الحركات الاجتماعية أو المنظمات غير الحكومية21. ومع ذلك، فإن تصوّر هذه الوحدات على أنها وكلاء Agents - ليس في السياسة المحلية فقط، بل على الصعيد الدولي أيضًا - يبدو أمرًا ضروريًا على نحو متزايد. والواقع، أن عولمة "الدبلوماسية الموازية لما بعد العالم الغربي" هي عملية تستدعي، إذا ما حافظت على اكتساب الزخم، إعادة التفكير جذريًا في مسألة الوكالة Agency في الإطار الدولي.
المراجع
Aldecoa, Francisco & Michael Keating (eds.). Paradiplomacy in Action: The Foreign Relations of Subnational Governments. London: Routledge, 1999. Duchacek, Ivo. Daniel Latouche & Garth Stevenson (eds.). Perforated Sovereignties and International Relations: Trans-Sovereign Contacts of Subnational Governments. New York: Greenwood Press, 1999. Duthoit, Virginie & Ellen Huijgh (eds.). Discussion Papers in Diplomacy. The Hague: Netherlands Institute of International Relations "Clingendael". 2008. at: https://bit.ly/2NNkAU1 Gouvernement du Québec. Ministère des relations internationales, Répertoire des ententes internationales du Québec, 1964-2000, 2000. Iglesias, Eduardo. et al. La Provincias argentines en el escenario internacional. Bueno Aires: PNUD, 2008. Michelmann, Hans (ed.). Foreign Relations in Federal Countries. Series: Global Dialogue on Federalism Series. Montreal/ Kingston: McGill-Queen's University Press; Ottawa: Forum of Federations, 2009. Michelmann, Hans J. & Panayotis Soldatos (eds.). Federalism and International Relations: The Role of Subnational Units. Oxford: Clarendon Press, 1990. Nagelschmidt, Martin. "Les Relations internationales des länder allemand et l'évolution du système fédéral dans l'Union Européenne: Le Cas du Bade Wurtemberg." Études Internationales. vol. 30, no. 4 (1999). politique et "Fédéralisme Paul. Painchaud, étrangère." Études Internationales. vol. 5, no. 1 (1974). Paquin, Stéphane. Paradiplomatie identitaire en Catalogne. Québec: Les Presses de l'Université Laval, 2003. actions Rhône-Alpes, Rhône-Alpes, Région internationales , 2000. Rosenau, James. "Patterned Chaos in Global Life: Structure and Process in the Two Worlds of World Politics." International Political Science Review. no. 9
United Nations "United Nations Climate Change Conference Agrees on Future Critical Steps to Tackle Climate Change." Press Release. 12/12/2005. at: https://bit.ly/2sN6Wck