من الميليشيا إلى الحزب: كيف تتحوّل التنظيمات المسلحة إلى النشاط السلمي؟ ولماذا؟
الملخّص
تتناول هذه الدراسة التحولات من العمل السياسي المسلح إلى العمل السياسي السلمي، مع التركيز على التعريفات العلمية المستعملة، والمتغيرات السببية، والمسارات الديناميكية، وتداعياتها على الدول. كما تهتم بوضع تحولات العمل السياسي من المسلح إلى السلمي ضمن مسار الانتقال الديمقراطي، وبناء السلم، والعلاقات المدنية - العسكرية، ومكافحة التطرّف العنيف، ومكافحة "الإرهاب." ويستند هذا البحث إلى دراسة ست وعشرين حالة تحوّل وقعت في عشرين بلدًا، وهي تمث ل عينة مختارة بعناية لظاهرة عالمية. وتطرح هذه الدراسة مجموعة من الأسئلة: كيف تحدث عملية تحوّل من الس حاا إلى الس ماا؟ ولماذا تحدث؟ ما الشروط الضرورية لإطلاق عملية تحوّل من الس حاا إلى الس ماا؟ وما شروط استدامتها؟ وما المسارات المختلفة للنأي عن العمل المسلح؟ أيحدث التحوّل بعد تحقيق انتصار عسكري، أم في إثر هزيمة عسكرية، أم أثناء إحراز تعادلٍ في نزاع مسل ح بين جماعات متمرّدة وسلطات قائمة؟ كلمات مفتاحية: التنظيمات المسلحة، الأحزاب السياسية، الانتقال الديمقراطي، العلاقات المدنية - العسكرية. This study focuses on transitions from armed to unarmed political action, focusing on the academic definitions in use, causal variables, dynamic processes, and their implications for states. This paper frames the shifts to unarmed political activism within the trajectory of democratic transition, peacebuilding, civil - military relations, combating violent extremism, and combating "terrorism". The research is based on a study of twenty - six cases of transformation in twenty countries and represents a carefully selected sample from a wider global phenomenon. This study raises several questions: How and why do collective transformations from armed to unarmed activism happen and what are the conditions for initiating and sustaining these processes? What are the different trajectories of moving away from armed action? Does the transformation happen after a military victory, a military defeat, or a draw in an armed conflict between an insurgent group and an incumbent authority? Keywords: Armed Organizations, Political Parties, Democratic Transition, Civil - Military Relations.
From Militias to Political Parties: How and Why Do Armed Organizations Take Up Non - Violent Activism?
مقدمة
تُعدّ التحولات من العمل السياسي المسلح إلى العمل السياسي السلمي ظاهرةً عالمية لم توفَ حقّها من الدراسة والبحث في العالم العربي ومناطق أخرى أيضًا1. يقدّم هذا البحث نظرةً تحليلية عامة عن هذه الظاهرة، وتعريفًا لمصطلحاتها العلمية ومتغيراتها السببية ومساراتها الدينامية وملخصًا لحالات تجريبية مختارة وتداعياتها على السياسات وبعض التوصيات. وتتعلّق هذه التداعيات والتوصيات أيضًا بعمليات الانتقال الديمقراطي وبناء السلم والعلاقات المدنية - العسكرية ومكافحة التطرّف العنيف والحيلولة دون حدوثه ومكافحة الإرهاب2. ومن المفيد التنويه بأن إطار البحث يستند إلى مُخرجات الندوة الأولى لوحدة الدراسات الاستراتيجية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تحت عنوان "من السلاح إلى السلام: التحولات من العمل السياسي المسلح إلى العمل السياسي السلمي"3. ويعتبر المؤتمر الأول من نوعه في العالم العربي، حيث تناول دراسات نوعية عن تحوّل تنظيمات مسلّحة إلى أحزاب سياسية أو حركات اجتماعية سلمية. وتنتمي هذه التنظيمات المتحولة إلى القارات الأربع وتشمل العالم العربي وغرب أوروبا وجنوبها وبلدان أفريقيا جنوب الصحراء وأميركا اللاتينية والكاريبي. وناقش خبراء أكاديميون ومسؤولون حكوميون سابقون وقادة منظمات عمليات التحوّل في الجزائر وسورية والعراق وفلسطين ولبنان وليبيا ومصر وإسبانيا وتركيا والمملكة المتحدة وإثيوبيا وجنوب أفريقيا وأفغانستان والأرجنتين والأوروغواي والبرازيل وتشيلي وكوبا وكولومبيا ونيكاراغوا، وبلدان أخرى. وشملت هذه الحالات تنظيمات تتبنّى عقائد دينية أو يسارية أو عرقية - قومية أو وطنية. يعتمد هذا البحث على دراسة ست وعشرين حالة تحوّلٍ وقعت في عشرين بلدًا، تُ ثّل عيّنة مختارة بعناية لظاهرة عالمية4. وأظهرت دراسة إحصائية أنّ من بين 682 مجموعة مسلحة محدّدة في قاعدة بيانات MIPT مارست نشاطها في الفترة 1968 - 0062 ، مُنيت 02 مجموعة فحسب بالهزيمة بوسائل عسكرية بحتة 7( في المئة)5، في حين التحقت 114 مجموعة 43( في المئة) بالعمل السياسي السلمي - الدستوري، إما بصفتها أحزابًا سياسية أو حركات اجتماعية سلمية داخل المجتمع المدني الأوسع. وأسفرت أع لاا الشرطة والاستخبارات وردّات الفعل الشعبية والضربات العسكرية عن تفكيك 071 تنظيمات مسلحة مذكورة في قاعدة البيانات ( 04 في المئة)، أغلبيتها تنظيمات صغيرة (أقل من 002 مسلح)6. أما المجموعات الأكبر (ولا سيما التي تتجاوز ألف عضو مسلح)، فاعتمدت المسار الأكثر شيوعًا، أي عملية التحوّل إلى النشاط السياسي أو الاجتماعي السلمي7. وخلصت دراسات مبنيّة على قواعد بيانات أصغر إلى نتائج مماثلة. فمن أصل 133 جماعة مسلّحة حاربت ضد أنظمة شتى في الفترة 1990 - 0092 ، تحوّل 54 8. في المئة منها إلى أحزاب سياسية في نحو 50 بلدًا في مختلف أنحاء العالم8. إلّ أن قواعد البيانات المتوافرة في الأدبيات في حاجة إلى تنقيحٍ وتحديث شامليَن، كما سنبيّ في خلاصة هذا البحث. كيف تحدث عملية تحوّل من السلاح إلى السلام؟ ولماذا تحدث؟ ما الشروط الضرورية لإطلاق عملية تحوّل من السلاح إلى السلام؟ وما شروط استدامتها؟ وما المسارات المختلفة للنأي عن العمل المسلح؟ وهل يحدث التحوّل بعد تحقيق انتصار عسكري، أم في أثر هزيمة عسكرية، أو لدى إحراز تعادلٍ في نزاع مسلّح بين جماعات متمرّدة وسلطات قائمة؟ هذه الأسئلة الرئيسة التي يشتبك معها هذا البحث لتفسير عمليات التحوّل من النشاط المسلّح إلى النشاط السلمي. تتكوّن الدراسة من أربعة مباحث، يعرض الأول، بإيجاز، لإطار نظري لعمليات التحوّل ويحدّد المصطلحات والمنهجيات ذات الصلة. ويتناول الثاني بعض أبرز دراسات حالات التحوّل الجماعي من العمل السياسي المسلّح إلى العمل السياسي السلمي؛ بينما يعرض المبحثان التاليان بعض الملاحظات العلمية التي قد تفيد البرامج البحثية المستقبلية، إضافةً إلى التداعيات على السياسات والتوصيات.
إطار نظري
عمليات التحول الجماعية من العمل المسلح إلى النشاط السلمي هي عمليات تغيير نسبي، يمكن أن تراجع، من خلالها، جماعةٌ مسلحةٌ أفكارَها وسردياتها وخطابها وسلوكها و/ أو هيكلها التنظيمي لتبتعد بها عن العمل المسلح، نحو النشاط السياسي و/ أو الاجتماعي السلمي. وتسمي الدراسات الأمنية هذه الظاهرة أحيانًا عمليات "نبذ الراديكالية" radicalisation - De. وهي عمليات ينبذ فيها تنظيمٌ مسلّح تكتيكاته العنيفة بغية تحقيق أهداف سياسية، ترافقُها أيضًا عمليةَ انتقالٍ نحو التدرّج في قبول تغييرات اقتصادية وسياسية واجتماعية إصلاحية في سياق تعددي. لكن لم يُجمع الباحثون الأكاديميون قط على مصطلح دقيق واحد لتلك العمليات، كما اختلف المجتمع الأمني بشأن تعريف "نبذ الراديكالية" وأبعادها9؛ فمن جهة، يذهب بعض الباحثين في الأدبيات إلى ضرورة ارتكاز هذا المفهوم على تغيير المواقف تجاه العنف السياسي ووتيرة التغيير السياسي - الاجتماعي (من جذرية/ سريعة/ ثورية إلى تدرجية/ بطيئة/ إصلاحية)، بدلً من التركيز على الليبرالية - الدستورية والقبول المطلق ل "الآخر"10. وذلك يعني أن الجماعات ستنبذ العنف السياسي وتقبل بالإصلاح المؤسسي البطيء والتدرجي في سياق وضع راهن يقبل الإصلاح النسبي ويخضع له، لكن ستبقى متمسّكة بأفكار رجعية أو غير ليبرالية. ويرى باحثون آخرون أن الأفراد والجماعات الذين نبذوا العنف يجب أن يؤيدوا الليبرالية - الدستورية، ويجب أن يكون ذلك المعيارَ الحقيقي في عمليات "نبذ العنف والراديكالية." تنجم عن تأييد أي من هذين التعريفين تكاليف وتداعيات سياسية؛ إذ إن التعريف الأول (التحول نحو السياسات السلمية عمليًا مع التمسك بوجهات نظر غير ليبرالية أيديولوجيًا وخطابيًا)، قد يُنذر بتقويض التماسك الاجتماعي، ولا سيما في مجتمعات متعددة الثقافات والأعراق والأديان؛ في حين يمكن إساءة استخدام التعريف الثاني بغية رفض تحوّل بعض المجموعات من العمل المسلّح إلى العمل السلمي، لأن هذه المجموعات "أخفقت في نبذ التطرّف والراديكالية"، وبناء عليه، ممارسة الإقصاء السياسي والقانوني تجاهها لأنها لم تغدُ بعد كيانات ديمقراطية ليبرالية، حتى لو كانت البلدان التي تنشط فيها محكومة بدكتاتوريات وحشية. ووجد المؤلف في أعمال سابقة مستندة إلى تجارب العالم العربي11 أنّ من المفيد التمييز بين "نبذ الراديكالية" و"الاعتدال"؛ إذ يصف المصطلح الأخير أيضًا عملية تغيير نسبي معنية أساسًا بالمواقف من الديمقراطية - الليبرالية (لا العنف السياسي) ومرتكزة عليها. ومع ذلك، كما أكدت الباحثة الأميركية جيليان شويدلر12، لا يوجد إجماع بين الباحثين على تعريف مصطلح "الاعتدال"13.
قد يحدث أحيانًا في الأنظمة الاستبدادية، الخلط بين التحوّل إلى النشاط المعارض السلمي والتدجين وشراء الولاء، فلا يُعد "نابذًا للتطرف" أو "معتدلً " إلّ الجماعات والأفراد الذين يؤيدون نظام الحكم بقوة ويُظهرون الولاء للزعيم، سواء أكان رئيسًا سلطويًا أم ملكًا رجعيًا. فإذا غيّ ت جماعة ما الوسائل التي تعتمدها لتحقيق التغيير من الوسائل المسلحة إلى الوسائل السلمية، لكنها بقيت في صفوف المعارضة، فإنها لا تزال "راديكالية" أو "متطرفة" بالنسبة إلى هذا النوع من الأنظمة. تحدُث عمليات التحول من العمل المسلح إلى العمل السلمي في ثلاثة أبعاد: أيديولوجي، وسلوكي، وتنظيمي. وهي بذلك تُقسم ثلاثة أنواع رئيسة. فعندما تتضمن عملية التحوّل الأبعاد الثلاثة تصبح عملية "شاملة"14. وتُسمى عملية تحول "براغماتية" إذا تضمّنت البعدين السلوكي والتنظيمي فحسب (من دون البعد
الفكري/ العقائدي/ الأيديولوجي)، بمعنى أن التنظيم يتخلّ عن العمل المسلح سلوكيًا، ويفكك هياكل أجنحته المسلحة وأطر القيادة والسيطرة ويسلّم سلاحَه تنظيميًا، لكنه لا يدين العمل المسلح في أدبياته الفكرية، وربما يمجّده ويفخر به في خطبه وخطاباته15. واصطلح على تسميتها عملية تحوّل "موضوعية" أو "فصائلية" إذا تضمّنت البعدين الفكري والسلوكي (من دون البعد التنظيمي)؛ أي تتخلّ فصائل من التنظيم (لا التنظيم كله) عن العمل المسلح وتنبذه وتتوقف عن شرعنته فكريًا، لكن ترفض أجنحة أخرى من التنظيم نفسه ذلك وتتمسك بالعمل المسلح16. وبطبيعة الحال، تحدث هذه التحولّات على مستوى التنظيمات أو الفصائل والأجنحة داخل التنظيم الواحد (كلها تحولّات جماعية)، أو على مستوى الأفراد (تحولات فردية.)
يجب توافر أربعة متغيرات رئيسة لازمة لإطلاق عمليات التحوّل الجماعي ونجاحها: القيادة الكاريزمية وضغط المسار المسلح والتفاعلات مع الذات والآخر والمحفّزات المختارة؛ إذ يؤدي، عادة، مزيج القيادة الكاريزمية للتنظيم وحدوث حالة جمود مؤلم17 في الصراع المسلح، وحالة تواصل مع "الآخر" الذي يتبنّى طرائق مغايرة في التفكير ونقاشات وتفاعلات بين صفوف التنظيم نفسه، إضافة إلى تقديم الدولة أو أطراف إقليمية ودولية محفزات تختارها18 ضمن سياق يهدف إلى خفض التصعيد، إلى بدء عمليات التحول نحو السلمية بنجاح. يوجد نمط للتفاعل المتبادل بين هذه العوامل/ المتغيرات على المستويين المتوسّط والجزئي19، حيث غالبًا ما يؤثر الجمود العسكري المؤلم والتفاعل مع أطرافٍ تتبنّى طرائق مغايرة في التفكير، في أفكار قادة التنظيم المسلّح وسلوكهم، على نحو يدفعهم على الأرجح إلى إطلاق ثلاث عمليات داخلية: إجراء حسابات استراتيجية قائمة على تحليل الأرباح والخسائر والاستفادة من التعلم السياسي الذي اكتسبوه في أثناء التواصل مع آخرين يعتمدون طرائق مغايرةً في التفكير وتعديل النظرة الأيديولوجية إلى العالم نتيجةً لأزمات حادة وإحباطات وتغيرات كبرى تطرأ على البيئتين السياسية والعسكرية. وعقب هذه العمليات، تباشر قيادة التنظيم المسلّح عملية تحوّل مدفوعة بحوافز تختارها السلطات المحلية أو القوى الدولية، إضافة إلى التفاعلات الداخلية بين طبقات التنظيم المختلفة (القيادة العليا والقيادة الوسطى والأفراد.) وغالبًا ما تتواصل أيضًا الجماعات التي خضعت لعملية التحوّل السلمي مع جماعات مسلّحة أخرى وتؤثر فيها أحيانًا في بيئة خاضعة للسيطرة والضغوط (السجون أو المنافي أو المعاقل الوعرة.) وتحدُث عمليات مشابهة بالمتغيرات الأربعة نفسها (قيادة كاريزمية مبدعة/ غير تقليدية وضغط المسار المسلح والتفاعلات مع الذات والآخر والمحفزات المختارة) داخل المؤسسات المسلّحة للدولة، سواء أكانت أمنية أم عسكرية. أخيرًا، تُعدّ المتغيرات على المستوى الكلي (على صعيد الدولة أو بين الدول) حاسمةً في الحفاظ على ديمومة عمليات التحول؛ إذ تختلف ديمومة عمليات التحول نحو السلمية عن إطلاق هذه العمليات وبدئها بنجاح. وتحسم الديمومة أربعة متغيرات أخرى: مستوى الديمقرطة ومستوى إصلاحات القطاع الأمني وتوازنات العلاقات المدنية - العسكرية ومستوى عمليات العدالة الانتقالية ومستويات الدعم الإقليمي والدولي لعمليات التحول. ينبغي لنا الإشارة هنا إلى بعض الملاحظات النقدية، منهجيًا ونظريًا، لدراسة عمليات التحول، نظرًا إلى أهميتها21. تشير الملاحظة الأولى إلى كيفية تأثُّر برامج البحث المتعلّقة بدراسة عمليات التحوّل من العمل المسلح إلى السلمي، بخطاب "الحرب على الإرهاب" وتعريف الإرهاب وفقًا لهوية الجناة22 لا الضحايا23، وبتعامل وسائل الإعلام ومراكز السياسات مع ذلك كله لاحقًا. وحال ذلك السياق دون طرح الأسئلة البحثية المهمة وحوّل موضوع التحوّل من السلاح إلى السلام
إلى خدمة أجندات سياسية لا علمية24. أما الملاحظة الثانية فبشأن أثر انحياز الباحثين والباحثات (الإيجابي) إلى السلام وطرائق تعزيزه في استنتاجاتهم ونتائجهم، فعرَّضهم ذلك إلى الجدل التليولوجي 25Teleological أو حتى التوتولوجي Tautological. أما الملاحظة الثالثة، فتتعلّق بالحاجة إلى تصنيفات علمية دقيقة للأشكال المختلفة من النشاطات المسلحة والسلمية، نظرًا إلى التصنيفات غير الدقيقة في كثير من الدراسات الأمنية التقليدية وأدبيات العلوم السياسية. والملاحظة الرابعة والأخيرة هي أن البيئات السياسية الوحشية ربما تتسبّب في عملية تحوّل معاكسة: أي من النشاط السلمي إلى النشاط المسلح. وأثبت بعض التجارب في العالم العربي في الأعوام الأخيرة أن الاستبداد قد لا يترك أيّ مجال للإصلاح السياسي وعمليات الانتقال السلمي. وإذا اقترن ذلك بسياسة تهميش اجتماعي وإهانات جسدية ونفسية لشرائح واسعة من السكان، يؤسس الاستبداد حتمً بذلك لبيئة مواتية للعمل المسلح والعنف السياسي النظامي وغير النظامي26.
بعد تجريبي: خلاصة 26 دراسة حالة
عُقد في آذار/ مارس 0102 مؤتمر رسمي في العاصمة الليبية طرابلس بحضور أكاديميين وصحافيين غربيين ومسؤولين حكوميين دوليين. وشهد المؤتمر إطلاق سراح قادة الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة في عملية "مصالحة" بقيادة سيف الإسلام القذافي الذي كان يُعَدّ وريثًا لدكتاتور ليبيا، معمّر القذافي. وكان "نبذ الراديكالية" مكوّنًا أساسيًا للعملية؛ إذ لم تكتفِ الجماعة المقاتلة بالتخلّ عن العمل المسلح ضد نظام القذافي ودحض فاعليته فحسب، بل وضعت أيضًا 641 صفحة من الحجج الفقهية والأيديولوجية والتاريخية والسياسية التي تدحض الأشكال المختلفة من العمل المسلّح غير النظامي، من بينها تكتيكات الإرهاب المحلّ والدولي. وكانت تلك الوثيقة مفيدة حينئذٍ، واشتهرت بصفتها سرديةً مضادةً لخطاب الجماعات المتطرفة العنيفة وأفكارها، ولا سيما تنظيم القاعدة بفروعه المختلفة27. في آب/ أغسطس 0112 ، وفي خضم ثورة مسلحة، شنّ الأمير السابق للجماعة المقاتلة، عبد الحكيم بلحاج، هجومًا على مجمع باب العزيزية، مقر العقيد القذافي28. وكان ذلك هجومًا مضادًّا على قوات النظام أكثر من كونه "نكثًا للصفقة"، أو تخلّيًا تامًّا عن عملية التحوّل، حيث لم تُتِح البيئة السياسية السائدة بين شباط/ فبراير وآب/ أغسطس 0112 أيّ مجالٍ لنبذ العمل المسلح أو المصالحة. ولم تُستحدَث في ليبيا بين آذار/ مارس 2010 29 وشباط/ فبراير 201130 آليات مؤسسية لتسوية الصراعات من دون عنف؛ إذ لم يُسمع عن أي إصلاحات في قطاع الأمن، أو مراجعة لإجراءات العمل المؤسسي الأمني Standard Operating Procedures, SOPs في أوقات الأزمات السياسية، ولم يُعرف عن أي عملية عدالة انتقالية ذات صدقية. وبعبارة أخرى، لم يحْظ التحوّل من العمل المسلح إلى السلمي إلّ بفرصة ضئيلة أو شبه معدومة للاستمرار، على الرغم من الاستثمارات الكبرى المكرّسة لبدئه والشروع فيه. لم يقتصر هذا السيناريو على ليبيا فحسب؛ إذ يدرك ضباط الوحدة الحربية 431 ومجنّدوها وموظفوها – وهي الوحدة الأميركية المسؤولة عن سجون العراق وقت الاحتلال، بما فيها سجن بوكا (الذي اعتقل فيه أبو بكر البغدادي)، ذلك جيدًا31. ووضعت الولايات المتحدة الأميركية والحكومة العراقية برنامجًا ل "إعادة التأهيل"، يضم عناصر من برامج "نبذ الراديكالية" في السجون العراقية في عام 2 . وكان لهذا البرنامج بعضُ النتائج الأولية32؛ إذ أ 007 طلق بحلول عام 0082 سراح أكثر من 01 آلاف معتقل، في وقت شرعت البلاد في عملية لخفض التصعيد المسلح. وبحلول أواخر عام 0102 ، تبدّد ما تحقق تقريبًا، وبدلً من التحوّل نحو نشاطات سياسية سلمية وأقل طائفية ودستورية ومؤسسية، أُسّس تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في نيسان/ أبريل 0132 على أنقاض هذا البرنامج وعملية خفض التصعيد في العراق عمومًا. لكن، كما أوضحت أدبيات علمية ونقاشات مؤتمر "من السلاح إلى السلام"، لا يعني ما سبق أن عمليات التحوّل نحو النشاط السلمي وبرامج "نبذ الراديكالية" في العالم العربي محكومٌ عليها بالفشل. فالإخفاق في العالم العربي ما هو إلّ تذكير بأهمية الإصلاحات على المستوى الكلي (مستوى الدولة) للمحافظة على عمليات التحول كما
تبيّنه بوضوح في ما يلي الحالات الأوروبية والأميركية اللاتينية والأفريقية. ففي نهاية المطاف، تُعدّ عمليات التحوّل إلى النشاط السلمي أساسية ضمن سياقات المصالحات الوطنية والتماسك الاجتماعي وعمل مؤسسات الدولة وتحقيق الأمن البشري واحترام حقوق الإنسان. ولذلك هي جديرة بالاستثمار فيها والنضال من أجل إنجازها. عندما حدثت تغييرات مؤيدة للديمقراطية على المستوى الكلي، واكتُسبت الحريات السياسية الأساسية فترة وجيزة في أعقاب الانتفاضات العربية في عامَي 0100112 و 2 ، تبنّت مجموعات كبرى كانت مسلحة واستمرت في عمليات التحول من العمل المسلح إلى النشاط السلمي. ولم تتحوّل تنظيمات مثل الجماعة الإسلامية المصرية وفصائل وأفراد من تنظيم الجهاد المصري والجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة إلى أحزاب سياسية فحسب، بل شاركت أيضًا في صوغ الدستور وفي كثير من التسويات السياسية. وفي عام 0112 ، أجرت الجماعة الإسلامية على سبيل المثال انتخابات داخلية، وطلبت من أعضائها ملء استمارات تسجيل حزبية وتوكيلات قانونية للحزب الخاص بها، ونظّمت مسيرات ضدّ العنف الطائفي، وأصدرت بيانات مشتركة مع الكنيسة القبطية في أسيوط لتعزيز التعايش السلمي. ومع ذلك، لم يتغير الموقف من الليبرالية - الدستورية كثيرًا؛ فمثلً، لا تزال الجماعة الإسلامية تُعارض حق أقليات معينة وحق النساء في الترشح لرئاسة الجمهورية. وعلى العموم، لا يزال بعض الأفكار المستلهمة من الوهابية السعودية يؤثر في وجهات نظر أعضاء الجماعة تأثيرًا جزئيًا. وفي الجزائر، ألقت تنظيمات مثل الجيش الإسلامي للإنقاذ وجماعات أصغر سلاحها منذ أواخر تسعينيات القرن المنصرم. لكن على الرغم من إعادة الدمج الاقتصادي - الاجتماعي الانتقائي (الناجح نسبيًا) لبعض قادة هذه الجماعات وأعضائها، لم يُسمح لهذه التنظيمات بالمشاركة في الانتخابات بوصفها أحزابًا سياسية33، كما أن أيّ محاولات بحث في سلوك الأجهزة الأمنية وإجراءاتها وسياساتها في أثناء "المأساة الوطنية"34 و/ أو بحث في عملية العدالة الانتقالية بعد الحرب، تُعاقِب عليها القوانين الجزائرية35. في المقابل، تُظهر حالات (أو حتى محاولات) التحول الأوروبية من العمل المسلح إلى النشاط السلمي اختلافات صارخة على صعيد انطلاق عمليات التحوّل واستدامتها، وعلى مستوى النضج المؤسسي ومرونته ودرجات الصلابة والتسامح لدى الجهات الرسمية والمجتمعية ووعي النخب والقادة والقدرة على إعادة الاندماج. وربما حالات الجيش الجمهوري الإيرلندي المؤقت في المملكة المتحدة ومنظمة أرض الباسك والحرية (إيتا) في إسبانيا وحزب العمال الكردستاني في تركيا، تكون مفيدة للإطار المقارن؛ ففي المملكة المتحدة، أدّت عوامل المستويين الكلي والمتوسط إلى بدء عملية السلام المبنيّة على اتفاق الجمعة العظيمة في عام 9771 وديمومتها حتى تطورات "البريكست"36. وشملت هذه العوامل: القيادة الكاريزمية واستراتيجية الحكومة البريطانية المبتكرة لمكافحة الإرهاب ودعم الاتحاد الأوروبي وتمويله السخي لعملية السلام (الحوافز) ودور المقاتلين السابقين، ولا سيما على المستوى المجتمعي (التفاعلات الداخلية)37. أما في إسبانيا، فبيّنت الانشقاقات عن تنظيم إيتا وتحوّل بعض فصائله وأعضائه إلى العمل السلمي منذ السبعينيات حتى عام 0172 الأهمية الحاسمة لعوامل المستوى المتوسط (خصوصًا القيادة الكاريزمية)، حتى عندما تحدُث تغييرات على المستوى الكلّ (مستوى الدولة/ الدول)، مثل عملية الانتقال الديمقراطي في إسبانيا وسياسة الاتحاد الأوروبي الثابتة في دعم التحوّل نحو النشاط السياسي السلمي؛ إذ تُحدّ عوامل المستوى الكلي (مثل التحول الديمقراطي وإصلاح القطاع الأمني)، بالتأكيد، من خطر وجود تنظيم مسلح قوي للمتمرّدين، يحظى بتأييد محلّ كبير38. لكن، لا يضمن ذلك تحوّل منظمة مسلحة كلّيًا نحو النشاط السلمي من دون وجود عوامل المستوى المتوسط (مستوى التنظيم) المذكورة سابقًا39. أما في تركيا، فيمثل حزب العمال الكردستاني حالة فريدة – خارجة عن النمط العام للتحولات، حيث أخفق الحزب في التحوّل إلى النشاط السياسي السلمي على الرغم من وجود قيادة كاريزمية لدى كلا الجانبين المتحاربين (عبد الله أوجلان بصفته زعيمً
كاريزميًا للمتمردين، في مقابل رجب طيب أردوغان بصفته زعيم كاريزميًا للدولة التركية.) وعلى الرغم من الفرص المتاحة والحرية النسبية للمشاركة في السياسات الانتخابية والدستورية، فإن التطورات الإقليمية والدعم الخارجي وعدم الثقة المتبادل والمكاسب الاستراتيجية التي يعتقد قادة الحزب العسكريون أنهم سيجنونها من العمل المسلح، تفوق المكاسب المتوقعة كلها التي ستنجم عن عملية التحوّل إلى التنافس في صناديق الاقتراع. مقارنةً بالمستوى المرتفع للنضج الديمقراطي والكفاءة المهنية للمؤسسات الأمنية في أوروبا الغربية، يُعدّ الترسخ الديمقراطي في أميركا اللاتينية وإصلاح قطاع الأمن فيها حديثَي العهد نسبيًا. لذلك، قد تكون الدروس المستقاة من حالات التحوّل الناجحة (والفاشلة) في أميركا اللاتينية، ملائمة ومفيدة للعالم العربي. وقدّمت أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي عمليات تحوّل من خلال مسارات مختلفة؛ تشمل عمليات التحوّل التي انطلقت في أثر هزيمة عسكرية، مثل حركة التوباماروز في الأوروغواي، وبصورة عامة التنظيمات اليسارية المسلّحة في تشيلي والأرجنتين والبرازيل. ويتناقض ذلك مع مثال القوات المسلحة الثورية الكولومبية، جيش الشعب (الفارك - إب، اختصارًا)؛ إذ حدثت عملية التحوّل بعد تحقيق ما يشبه التعادل المساوي للجمود المؤلم في الصراع المسلح. ويختلف ذلك أيضًا عن حالة جبهة الساندينيستاز للتحرير الوطني في نيكاراغوا، حيث جرت عملية التحول إلى حزب سياسي بعد تحقيق انتصار عسكري حاسم على قوات نظام السوموزا الدكتاتوري. وفي تلك الحالات كلها، كان المسار المسلح دمويًا ومُكلفًا، ومن ثم كان الضغط للخروج منه عاليًا، بغض النظر عن نتيجته (هزيمة، تعادل/ جمود، نصر.) وبيّنت دراسات الحالات والتجارب في أميركا اللاتينية كيف أن مجموعة مركّبة من المتغيرات المذكورة آنفًا على المستويين المتوسّط والكلي (أي مستوى التنظيمات ومستوى الدولة أو في ما بين الدول)، يمكنها أن تُطلق عمليات تحول للنشاط السلمي وتديمها، على الرغم من محدودية الموارد والثروة، مقارنة بالعالم العربي. نجح كثير من عمليات التحول للنشاط السلمي في أفريقيا، على الرغم من محدودية الموارد فيها أيضًا. وأظهرت التطوّرات في إثيوبيا مسار تحول تنظيمات مسلحة سابقة إلى شركاء في ائتلاف حاكم، وهي تطوّرات لا تزال جارية مع جماعات مسلحة أخرى. لكن تبقى عملية التحوّل والانتقال إلى الديمقراطية في جنوب أفريقيا أكثر نجاحًا، وكانت تلك العملية قد انطلقت بعد جمود مؤلم في المسار المسلح. وتمكّنت قيادة نيلسون مانديلا الكاريزمية من دفع عملية التحوّل والشروع في مفاوضات سلمية على الرغم من القدرة على استخدام السلاح ووجود مقاومة داخلية، أدّت إلى انشقاقات داخل الجناح المسلح لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي (رمح الأمة)، وحتى إلى "حرب داخلية" خاضها الحزب مع منشقيه ومع حركة زولو إنكاتا الإثنو - قومية. وعلى عكس الحالات العربية (الجماعة الإسلامية في مصر والجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا) وبعض حالات أميركا اللاتينية (حركتي 91 نيسان/ أبريل المعروفة ب 19 - M والفارك - إب في كولومبيا) التي لم تحصل على أغلبية الأصوات في صناديق الاقتراع، نجح حزب المؤتمر الوطني الأفريقي نجاحًا كبيرًا في الانتخابات وتمكّن من الفوز عبر الاقتراع، لا الرصاص.
الأجندة البحثية المستقبلية: ملاحظات علمية
من خلال العرض السابق، نستخلص بعض الملاحظات العلمية التالية: تتمثل الملاحظة الأولى بأنّ الأدبيات العربية تفتقر إلى الدراسات التحليلية الأكاديمية عن التحول من العمل المسلح إلى النشاط السلمي، باستثناء عدد محدود من الدراسات الوصفية لحالات واحدة بعينها. وهذا هو الواقع، على الرغم من أن 12 نظامًا عربيًا من أصل 22، إما في حالة حرب أهلية مع مكوّنات وشرائح من مجتمعاتها، وإما في حالة حرب مع جيرانها العرب، أو تعيش المأساتين معًا، على الرغم من أن في المنطقة العربية أعلى معدل في العالم للصراعات الدموية المسلحة40 وأكبر عدد من ضحايا العنف السياسي بأنواعه كلها؛ من الانقلابات العسكرية إلى قمع الأنظمة الحاكمة، وحتى الإرهاب والتطرّف العنيف41. تتعلق الملاحظة الثانية بالأدبيات المتوافرة باللغة الإنكليزية، التي تتناول عمليات التحول الجماعية من العمل المسلح إلى العمل السلمي. فنادرًا ما نعثر فيها على البُعد العابر القارات الذي يشمل المقارنة النوعية بين مناطق العالم المختلفة. ويتناول عدد كبير من الأدبيات الإنكليزية موضوعات ذات صلة؛ فمثلً تطرح الدراسات الأمنية التقليدية أجندة بحثية ذات صلة بمسمى "كيف ينتهي الإرهاب؟"، وفيها يعرض الباحثون
لسلسلة من الأسباب المحتملة التي قد تجعل تنظيمً لجأ في السابق إلى تكتيكات الإرهاب، يتراجع وينبذ العنف السياسي42. غير أن هذه الأجندة البحثية وأدبياتها لا تدرس ما يحدث عندما يتخطّى التنظيم النشاط المسلح ويشارك في نشاطات سلمية، ولا تجيب عن الكثير من الأسئلة البحثية المهمة المذكورة سابقًا43. ويعاني معظم الدراسات في هذه الأجندة التمحور حول الدولة centrism - State، أو التمحور حول النظام القائم centrism - quo - Status، وبناء عليه، تعوّق الفرضيات التي بُنيت عليها هذه الأجندة إجراء بحوث عميقة تدرس ظاهرة عمليات التحول الجماعي، وهي إشكالية منهجية شائعة في كثير من أدبيات الدراسات الأمنية التقليدية. كما يعاني معظم هذه الأدبيات اعتمادًا شبهَ حصري على المصادر الثانوية. أما الملاحظة الثالثة، فتشمل المقاربات والتعاون المحدودين بين الاختصاصات في هذا المجال البحثي، على الرغم من المساهمات القيِّمة من التخصّصات والفروع المنوّعة، مثل الدراسات الأمنية والعلوم السياسية وعلم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ واللاهوت والدراسات الدينية ودراسات السلام ودراسات النزاع والدراسات الاستراتيجية والدراسات العسكرية ودراسات الإعلام والاتصالات. تتعلق الملاحظة الرابعة بالتعاون المحدود نسبيًا بين الأكاديميين والمسؤولين الرسميين الحكوميين وقادة هذه التحولّات غير الحكوميين. وأتاحت الندوة التي أقامها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومخرجاتها البحثية، فرصةً جيدة لذلك44. وأثبتت هذه الفرصة وأخواتها قيمتها بالنسبة إلى الأكاديميين والمسؤولين الحكوميين وقادة التحولّات غير الحكوميين. وهم بصورة عامة، قد أثروا إيجابيًا في البرنامج البحثي. أما الملاحظة الخامسة، فضرورة إجراء مراجعة نقدية للأدبيات المتوافرة بالفعل، مع تنقيح قواعد البيانات وتحديثها، حيث يعود بعض قواعد البيانات المذكورة إلى أكثر من عقد من الزمن، ويحتاج إلى مراجعة بيانات عدة، منها أسماء التنظيمات والتواريخ وبعض التصنيفات وبعض المصطلحات المستخدمة؛ هذا إضافة إلى ضرورة مراجعة الأفكار والفرضيات المتمحورة حول الدولة وتقديم نقد موضوعي للدراسات التي تعزل الأزمات الأمنية عن سياقاتها التاريخية؛ وكلها أمور منهجية مهمة لتطور هذه الأجندة البحثية45. ويجب تطبيق النقد نفسه على الاعتماد المفرط على مصادر المعرفة الثانوية أو غير الأصلية. وينبغي للباحثين في هذا المجال البحثي أن يُحجموا عن تناول الموضوع بمنهجية "حل المشكلات السطحية" وقصيرة الأجل التي ميّزت بعض الأدبيات الموجودة. تتعلّق الملاحظة السادسة والأخ ةرر ببعض الأسئلة البحثية المولّدة فرضيات علمية جديرة بالبحث والتمحيص؛ إذ تمحورت أغلبية الأعمال حول كيفية حدوث هذه التحولات وأسبابها، مع التركيز على دراسة حالة واحدة، أو على مقاربة مقارنة في منطقة جغرافية معيّنة. مع العلم أن التفريق بين بدء التحولات واستدامتها، إضافة إلى شروط استدامتها، يقتضي مزيدًا من الدراسة. كما لم تخضع المسارات المختلفة التي جرى اعتمادها بعد الابتعاد عن العمل المسلح للدراسة بما فيه الكفاية.
تداعيات وتوصيات
استُخدمت عمليات التحول وبرامج "نبذ الراديكالية" بوصفها جزءًا لا يتجزأ من استراتيجيات الأمن ومكافحة الإرهاب في بلدان عربية عدة؛
فمثلً، في فترة سابقة أنشأت السعودية46 والعراق47 واليمن48 برامج منظمة داخل السجون تخضع لسيطرة الدولة أو السلطات، يُستَهدف فيها تغيير سلوك الأفراد (لا المجموعات) وأفكارهم؛ ويتواصل فيها السجناء مع زعماء دينيين أو روحيين ومع أعضاء في المجتمع المدني. واستُخدمت حوافز مختارة تحت سيطرة الدولة لدعم "نبذ الراديكالية" وتخلّ أفراد بعينهم عن العمل المسلح. وتَستخدم هذه البرامج نماذج منوعة ومستويات عدة من الحوافز الاجتماعية والاقتصادية والعلاج النفسي والإرشاد الديني والروحي والنشاطات الرياضية والفنية. لكن النتائج في العالم العربي كانت هزيلة، إن لم تكن هزلية. في العراق، أنتجت البيئة تنظيم داعش، وفشل البرنامج في الحدّ من استقطاب التنظيم شريحةً من الشباب ومن توسّعه وخطورته. وفي السعودية، انضم عشرات من خريجي برنامج "المناصحة" السعودي إلى تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية (في اليمن) وبات بعضهم قادة بارزين فيه49. ولم تكن المشكلة في البرامج في حد ذاتها50، إنما في البيئة السياسية - الاجتماعية التي نُفّذت فيها هذه البرامج، بما في هذه البيئة من مستويات عالية من التمييز الطائفي والفساد الاقتصادي والقمع السياسي، واستمرارية ذلك كله من دون إصلاح جدي أو مكافحة فاعلة. وكانت منهجيات قياس معدلات النجاح (والفشل) في هذه البرامج موضع خلاف شديد، حيث لا يوجد إجماع بشأن كيفية قياس النجاح، خصوصًا نجاح عمليات تحوّل الأفراد، إلّ أن قياس نجاح عمليات التحوّل الجماعية (تنظيمات كاملة أو فصائل وأجنحة داخل التنظيم الواحد) أو فشلها، لا يزال أقل صعوبة وتعقيدًا من قياس نجاح البرامج التي تستهدف تحولّات الأفراد. كما تبقى استدامة هذه البرامج وعمليات التحوّل عمومًا من دون عملية شاملة للإصلاح الأمني والسياسي، ومن دون منظومة عدالة انتقالية، موضع شك كبير. وبغضّ النظر عن النهج المُتّبع لتفسير عمليات التحول نحو النشاط السياسي السلمي، يُجمع الأكاديميون والخبراء على أن هذه العمليات غاية في الحساسية تجاه السياق السياسي والاجتماعي الذي تجري فيه؛ وبعبارة أخرى، في بيئة سياسية يسودها القمع السلطوي والانقلابات العسكرية والحروب الأهلية وأشكال أخرى من العنف السياسي وعدم الاستقرار والتهميش والظلم الاجتماعي، ستكون النتيجة المرجّحة هي استمرارية العنف السياسي على مستويي التنظيمات والأفراد. ويرجّح أن تفشل محاولات التحوّل وبرامجه، أو تنهار بعد أن تبدأ في المديين القصير والمتوسط.
قدّم "الربيع العربي" إلى الباحثين والمتخصّصين دروسًا مهمة عن أثر التغييرات في البيئتين السياسية والاجتماعية في عملية الانتقال إلى العمل السلمي؛ فنجاح تكتيكات المقاومة المدنية في إطاحة نظامين استبدادييَن في تونس 2010( - 0112 ) ومصر 011(2 )، قوّض مؤقتًا المنطق والأفكار التي تنادي بأن العمل المسلح هو أنجع وسيلة (وفي بعض الأيديولوجيات، الوسيلة الأكثر شرعية) لإحداث تغيير اجتماعي وسياسي. ومع ذلك، أفضت التحولات التي طرأت على طبيعة الثورات في ليبيا وسورية منذ عام 0112 وبعده، والتطورات الإقليمية في العراق (في نيسان/ أبريل 0132 وما تلاه)، وفي مصر (تموز/ يوليو 0132 وما بعده)، إلى استنتاجات مختلفة، مفادها أن
القوة الناعمة وتكتيكات المقاومة المدنية محدودة الإمكان، ولإحداث تغيير حقيقي، لا بد من استخدام القوة الصلبة. ويرجح في بيئة كهذه نمو التطرّف العنيف والتجنيد الراديكالي والأطر الأيديولوجية الداعمة العمل المسلح واستمرارها وتفشّيها. ومع ذلك، يمكن عرض بعض التداعيات السياسية والتوصيات للأطراف المعنيّة. 1 - على المدى القصير (بين عام وثلاثة أعوام)
أ. تأسيس منتدى بحثي يعنى بدراسة عمليات التحوّل إلى النشاط السلمي ونقاشها
يهدف المنتدى إلى جمع دروس عملية مستفادة ودراسات علمية حديثة عن عمليات التحوّل إلى النشاط السلمي على النطاقين الإقليمي والعالمي، يَجمع أكاديميين ومسؤولين حكوميين وقادة عمليات التحوّل، بهدف تبادل الخبرات من وجهات نظر مختلفة. ويُعقد المنتدى سنويًا، ويعمل أيضًا بصفته مركزًا لتناول الأفكار وتبادلها بشأن السيناريوهات المستقبلية والمسارات وبدء عمليات التحول إلى النشاط غير المسلح وإدامتها، مع وضع توقعات سنوية وتداعيات وتوصيات سياسية مستندة إلى وجهات نظر عالمية مقارنة ونقدية.
ب. حماية المكاسب الاستراتيجية والحفاظ عليها
أيّد بعض الجماعات المسلّحة الكبرى في العالم العربي عملية التحول من العمل المسلح إلى النشاط السلمي في أثناء فترة "الربيع العربي" القصيرة51. ولا ينبغي أن يؤخذ هذا باعتباره أمرًا مُسلّمً به، بل بصفته مكسبًا استراتيجيًا يمكن أن يُحْدِث تأثيرات متعاقبة في المستويين الوطني والإقليمي52. فكما حصل في كولومبيا مع حركة 91 نيسان/ أبريل وتنظيم الفارك - إب وغيرهما من الحالات في أميركا اللاتينية، ينبغي تعزيز الدروس المستقاة من البحوث والممارسة لتشجيع الاستدامة والاستمرارية وتجنّب العودة إلى العنف. ويمكن تنظيم ذلك وترتيبه مؤسسيًا عبر المنتدى المذكور.
ج. تعزيز المصالحات الوطنية
يُعد التأييد الشعبي للمصالحة الوطنية والحلول الوسط والتسويات والإدماج ومنع التصعيد، أمورًا حاسمةً في دعم عمليات التحول إلى النشاط السلمي. وعملت السياسة الخارجية القَطرية بالفعل على تعزيز المصالحات الوطنية، خصوصًا في السودان واليمن ولبنان وأفغانستان وبقاع أخرى. وينبغي أن يتواصل ذلك، وربما يتوسع إلى بلدان أخرى، على أن يأخذ في الحسبان أن الدعم الشعبي للمصالحات الوطنية أمرٌ متغير؛ إذ قد يضعف بتأثير الغوغائيين والشعبويين وأمراء الحرب الرسميين منهم وغير الرسميين ووسائل الإعلام الهستيرية والتعليم الرجعي. لكن يمكن، بالتأكيد، تعزيزه جزئيًا بالاستثمار في النخب المسؤولة والواعية والتعليم التقدمي ووسائل الإعلام الحرة وبلورة استراتيجيات للتعامل مع مخربّي عمليات المصالحة53.
د. دعم الإصلاحات في وسائل الإعلام ومؤسسات التعليم
الإعلام الحرّ الذي يُروّج للمصالحات الوطنية والتسويات والإدماج ومنع التصعيد العام، ضروري لدعم عمليات الانتقال إلى النشاط السلمي، على النقيض من وسائل الإع ماا الهستيرية التي تعزّز الاستقطاب الاجتماعي والسياسي والطائفي المتطرّف. وينطبق الأمر نفسه على التعليم؛ إذ تشتد الحاجة إلى تعزيز أهمية السلم الوطني ووضع المصالحة في المقام الأول في عملية التعليم الابتدائي والثانوي والتعليم العالي. وينبغي أن تشمل العناصر الأساسية للمناهج الإصلاحية تعريف العنف السياسي ووقف تمجيد أشكاله المختلفة (ومنها الانقلابات العسكرية وقمع الدولة والحروب الأهلية والإرهاب على المستويين الحكومي وغير الحكومي)، وتشجيع آليات حل غير عنيفة للصراعات المسلحة واحترام التنوع والتفكير والفكر المختلف، وتأكيد ضروريات الأمن البشري وأهميته في تحقيق الأمن على مستويات الدولة والمنطقة والعالم54.
2 - على المديين المتوسط والطويل (من خمسة إلى عشرة أعوام)
أ. إصلاح قطاع الأمن متغير أساسي
تبقى احتمالات استدامة التحول من العمل المسلح إلى النشاط السلمي ضعيفةً، ما لم تحصل عملية إصلاح شاملة في قطاع الأمن55. وينبغي أن يشمل الإصلاح تغييرًا في إجراءات العمل الأمني وفي مناهج التدريب والتعليم ومعايير القيادة والترقية، إضافة إلى الإشراف والمحاسبة من المؤسسات المنتخبة والمؤسسات القضائية، وبصورة جزئية وتعاونية من منظمات المجتمع المدني. وساهمت انتهاكات قطاع الأمن وعدم محاسبة المسؤولين عنها في نشأة التطرّف العنيف واستدامته. وبات ذلك خلاصة تجريبية مؤكدة في الدراسات الأمنية التقليدية منها والنقدية.
ب. موازنة العلاقات المدنية - العسكرية
تُشتَق هذه التوصية مباشرة من توصية إصلاح قطاع الأمن المذكور سابقًا. ويعني إعادة تشكيل العلاقات المدنية العسكرية وموازنتها بطريقة تجعل مؤسسات الدولة المسلحة عرضةً لمراقبة السلطات المنتخبة والقضائية ومساءلتها. فتفوّق المؤسسات المسلحة على المؤسسات المنتخبة والقضائية/ الدستورية شكّل ظرفًا سياسيًا، غدا فيه السلاح أهم من صناديق الاقتراع والقوانين والدساتير وأي مؤسسات غير مسلحة (أو حتى محدودة التسليح) للدولة، وصار السلاح أهم أداة للاستحواذ على السلطة السياسية والاحتفاظ بها. فمقارنة بالسلاح وما ينتج منه من انقلابات بعض العسكر، يُعدّ التصويت والدساتير والحكم الرشيد والإنجازات الاقتصادية والاجتماعية وسائل ثانوية للاستحواذ على السلطة والاحتفاظ بها، ويُهمّش عدد كبير من الدول العربية دورها ويَعدّها كماليات.
ج. إجراءات التسريح ونزع السلاح وإعادة الإدماج مكلفة، لكنها تستحق التكلفة
تتعلق التوصية النهائية بأهمية إجراءات التسريح ونزع السلاح وإعادة الإدماج، على الرغم من تعقيداتها وتكلفتها العالية. وأسفر تسييس هذه العملية وإخفاقها في ليبيا واليمن في أعقاب الثورتين الليبية واليمنية، عن ظهور كيانات مسلحة عدة (نظامية وغير نظامية)، غير مقيّدة بأي أطر مهنية أو دستورية أو قانونية أو أخلاقية. وسهّلت تلك الظاهرة الموارد واللوجستيات اللازمة لأمراء الحرب والمتطرفين الذين يعتمدون العنف وأصحاب المشروعات الإثنو - قومية والجهوية والانفصالية والطائفية العنيفة. وتُعدّ إجراءات التسريح وإنهاء مظاهر التسلح وإعادة الدمج، جزءًا لا يتجزأ من أي تحوّل نحو النشاط السلمي، وهي مرتبطة بطبيعتها بالإصلاح في قطاع الأمن وبالعلاقات المدنية - العسكرية. فبعد انتهاء أي صراع مسلح بتسوية، سترفض أغلبية التنظيمات المسلحة تسليم سلاحها وتسريح مقاتليها من دون توافر ثقة متبادلة بينها وبين المؤسسات المسلحة الرسمية أو وجود ضمانات منها أو ضمانات إقليمية/ دولية. ويتفاقم هذا المناخ حين يكون لدى المؤسسات المسلحة الرسمية تاريخ من الانتهاكات والاستهزاء بالقوانين والدساتير على نحوٍ جعلها تاريخيًا فوق الرقابة والمحاسبة. وعلى الرغم من هذه المعوّقات، فإن إجراءات التسريح ونزع السلاح وإعادة الإدماج تستحق تلك التكلفة الباهظة، لأن نجاح التحول نحو النشاط السلمي أو فشله، وكذلك نجاح الانتقال الديمقراطي أو فشله، والمصالحات الوطنية، قد يتوقف عليها.
المراجع
العربية
بشارة، عزمي. "الإرهاب؟ بموجب هوية الفاعل أم بموجب هوية الضحية؟." المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. أوراق بحثية. كانون الأول/ ديسمبر.0172 'Soft' ________. "كلمة الدكتور عزمي بشارة الافتتاحية في ندوة 'من السلاح إلى السلام: أربع ملاحظات في موضوع التحوّل من العمل السياسي المسلح إلى العمل السياسي السلمي."' قدّمها في ندوة "من السلاح إلى السلام: التحولّات من العمل السياسي المسلح إلى العمل السياسي السلمي." المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الدوحة، 3 4– تشرين الثاني/ نوفمبر 018:2 . في SbrpPx https://bit.ly/2
الأجنبية
Ashour, Omar. "De - Radicalization of Jihad? The Impact of Egyptian Islamist Revisionists on Al - Qaeda." Perspectives on Terrorism. vol. 2, no. 5 (2008). at: https://bit.ly/2UkdAiX. The De - Radicalization of Jihadists: Transforming Armed Islamist Movements. London; New York: Routledge, 2009 . ".Post - Jihadism: Libya and the Global Transformations of Armed Islamist Movements." Terrorism and Political Violence. vol. 23 , no. 3 (2011 ). ".Security Sector Reform and the Arab Spring." SETA. 11 /11 /2014 . at: https://bit.ly/2 rm9 gTl ".Collusion to Collision: Islamist - Military Relations in Egypt." Brookings Papers. no. 14 (March 2015 ). at: https://goo.gl/9 gxKxt (ed.). From Bullets to Ballots: Transformations from Armed to Unarmed Activism. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2021 . Azarva, Jeffrey. "Is U.S. Detention Policy in Iraq Working?" Middle East Quarterly. vol. 16, no. 1 (Winter 2009). Barany, Zoltan. How Armies Respond to Revolutions and Why. Princeton: Princeton University press, 2016. Bishara, Azmi. "The Army and Political Power in the Arab Context: Theoretical Problems." Studies. Arab Centre for Research and Policy Studies. 9/4/2017. Arabia's "Saudi Christopher. Boucek, Counterterrorism Strategy: Prevention, Rehabilitation and Aftercare." Carnegie Papers. no. 97 (September 2008). Bjørgo, Tore & John Horgan (eds.). Leaving Terrorism Behind. New York: Routledge, 2009. Chaitani, Youssef, Omar Ashour & Vito Intini. "An Overview of the Arab Security Sector amidst Political Transitions: Reflections on Legacies, Functions and Perceptions." United Nations Economic and Social Commission for West Africa (UN - ESCWA). 2013. Clubb, Gordon & Marina Tapley. "Conceptualising De - radicalisation and Former Combatant Re - integration in Nigeria." Third World Quarterly (2018). at: https://bit.ly/2QQkGOb Cronin, Audrey Kurth. "How Al - Qaida Ends: The Decline and Demise of Terrorist Groups." International Security. vol. 31, no. 1 (Summer 2006). ".Historical Patterns in Ending Terrorism." in: Ending Terrorism: Lessons for Defeating al - Qaeda. Adelphi Papers. no. 394 (November 2007 ). Dehghanpisheh, Babak. "Iraqi Prison Tries to Un - Brainwash Radical Youth." Newsweek. 8/8/2007. at: https://bit.ly/2rj0eX6 Dupuy, Kendra & Siri Aas Rustand. "Trends in Armed Conflict and Security Crises, 1946 - 2016." Conflict Trends. Peace Research Institute Oslo. January 2016. Gates, Scott, et al. "Trends in Armed Conflict and Security Crises, 1946 - 2014." Conflict Trends. Peace Research Institute Oslo. January 2016.
Gemtansky, Anna. "You Can't Win If You Don't Fight." Journal of Conflict Resolution. vol. 57 no. 4 (2012). Gregor, Thomas (ed.). A Natural History of Peace. Nashville, Tenn.: Vanderbilt University Press, 1996. Hegghammer, Thomas. "The De - Radicalization of Jihadists: Transforming Armed Islamist Movements by Omar Ashour." Perspective in Politics. vol. 9, no. 2 (June 2012). Human Rights Watch. "Algeria: New Amnesty Law Will Ensure Atrocities Go Unpunished: Muzzles Discussion of Civil Conflict." 28/2/2006. at: https://bit.ly/2KXglTc Jones, Seth G. & Martin C. Libicki. How Terrorist Groups End: Lessons for Countering al Qa'ida. Santa Monica: RAND Publications, 2008. Keefer, Philip. "Insurgency and Credible commitment in Autocracies and Democracies." The World Bank Economic Review. vol. 22, no. 1 (2008). Manning, Carrie & Ian Smith. "Political Party Formation by Former Armed Opposition Groups after Civil War." Democratization. vol. 23, no. 6 (2016). Pfetsch, Frank & Christoph Rohloff. National and International Conflicts, 1945 - 1995: New Empirical and Theoretical Approaches. London: Routledge, 2000. Porges, Marisa L. "The Saudi Deradicalization Experiment , Expert Brief." Council on Foreign Relations.
Ross, Jeffrey Ian & Ted Robert Gurr. "Why Terrorism Subsides: A Comparative Study of Canada and the United States." Comparative Politics. vol. 21, no. 4 (July 1989). Ṣāyigh, Yazīd. "Missed Opportunity: The Politics of Police Reform in Egypt and Tunisia." Carnegie Paper (March 2015). Schwedler, Jillian. "Can Islamists Become Moderates? Rethinking the Inclusion - Moderation Hypothesis." World Politics. vol. 63, no. 2 (2011). Stedman, Stephen John. "Spoiler Problems in Peace Processes." International Security. vol. 22, no. 2 (Autumn 1997). The United Nations, General Assembly. "Plan of Action for Preventing Violent Extremism: Report of the Secretary - General." 24/12/2015. at: https://bit.ly/1n0F1wu Tlemçani, Rachid. "Algeria Under Bouteflika Civil Strife and National Reconciliation." Carnegie Papers. no. 7 (February 2008). at: https://bit.ly/2EffBs2. United Nations Development Programme. "Threats to Human Security Impede Development in the Arab Countries." 21/7/2009. at: https://bit.ly/2ro1Z5h United States Institute of Peace. "How Terrorism Ends." Washington, D.C., Policy Brief. 25/5/1999. Walter, Barbara. "Why Bad Governance Lead to Repeated Civil War." Journal of Conflict Resolution. vol. 59, no. 7
Young, Simone. "Order from Chaos: Why human security is national security for Small Island Developing States." Brookings. 12/6/2017. at: https://brook.gs/2UhrVNe Zartman, William. Ripe for Resolution: Conflict and Intervention in Africa. Oxford: Oxford University Press, 1989.