الأهمية الجيوبولتيكية للخليج في استراتيجية الهند

Emad Y. Kaddorah عماد قدورة |

الملخّص

تشارك الهند بنشاط في إظهار نفوذها خارج نطاقها الجغرافي، ولديها حاليا سياسة استباقية مبنية على المصالح القومية ومدفوعة باحتياجاتها المتزايدة، ولا سيما الطاقة، والطموح في تحقيق مكانة مرموقة على الصعيد العالمي. وتتمتع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بأهمية جيوبولتيكية كبيرة في استراتيجية الهند نظرًا إلى قربها الجغرافي، ووفرة موارد الطاقة فيها، وتوافرها على أصول مالية كبيرة، فضل ا عن أنها مكان يجمع أكبر جالية هندية في المهجر. ومع ذلك، قد يتحدى العديد من المنافسين الإقليميين مصالح الهند في هذه المنطقة. تناقش هذه الدراسة الأهمية الجيوبولتيكية والاقتصادية لدول مجلس التعاون وموقع الخليج في استراتيجية الهند، وتستكشف العوامل الدافعة للشراكات الاستراتيجية الجديدة بين الطرفين. وتحلل مدى تأثير علاقات الفاعلين الإقليميين الآخرين مع دول الخليج أو الهند في علاقتهما؛ مثل الصين وباكستان وإيران. وتركز أيض ا على سياسة الاحتواء الجديدة بين الهند والصين وتنافسهما الجيوبولتيكي على منطقة الخليج ومواردها الهيدروكربونية وأصولها المالية. كلمات مفتاحية: الهند، دول الخليج العربية، المحيط الهندي، الصين، الجيوبولتيكس، سياسة الاحتواء الجديدة. Today, India is actively engaged in projecting its influence beyond its geographic proximity. It has a proactive policy based on national interests and driven by its growing needs, particularly for energy imports, and an ambition to achieve a position of global prominence. The Gulf Cooperation Council (GCC) is of great geopolitical importance to India's strategy because of its geographic proximity, the abundance of energy resources, the great financial assets, and as the place with the largest Indian immigrant community. Nevertheless, many regional contenders may challenge India's interests in the region. This article discusses the geopolitical and economic importance of the GCC states and their current position in India's strategy. It explores the driving forces behind novel strategic partnerships between them. It also analyses how third - party relations with the GCC states or India may affect their relationships, such as China, Pakistan, and Iran. It also focuses on the new containment policy of India and China and their geopolitical contest over the Gulf and the GCC's hydrocarbon and financial assets. Keywords: India, GCC States, Indian Ocean, China, Geopolitics, New Containment Policy.

The Geopolitical Significance of the Gulf in India's Strategy

مقدمة

يحظى الخليج العربي بأهمية كبيرة؛ إذ يقع وفق التوصيفات الجيوبولتيكية على أطراف منطقة أوراسيا، وضمن مناطق "الحزام المحيط" التي تعد جزءًا من سياسة الاحتواء التقليدية. ويتميز الخليج بموقعه المحوري على طريق التجارة والممرات البحرية التي تتزايد أهميتها مع الانتقال التدريجي لمركز الثقل الاقتصادي الدولي نحو الشرق. يعد الخليج حاليًا ركنًا أساسيًا في استراتيجية الهند البحرية في المحيط الهندي؛ إذ إنه جزءٌ مما تطلق عليه "سلسلة اللؤلؤ" String of Pearls التي ترى أن الصين تسعى إلى تطويقها بها عبر إنشاء مواقع استراتيجية على طول الممرات البحرية التي من شأنها أن تحيّد ميزة الهند الجغرافية في منطقة المحيط الهندي. ويحتل الخليج مكانة "شريان الحياة" في تغذية الاقتصادات الصاعدة للهند والصين بسبب اعتمادهما عليه بنسبة تفوق الثلثين من وارداتهما النفطية، ومن ثمّ يتنافس الطرفان لتحقيق الأفضلية الاستراتيجية فيه وفي المحيط الهندي أيضًا، ويسعى كل منهما لاحتواء تحدي الآخر لمصالحه. وفي هذا السياق، تستفيد الهند من أفضليات عديدة، مثل العلاقة الاستراتيجية بالولايات المتحدة ودعمها الكبير لها، والقرب الجغرافي من الخليج، والعلاقات التاريخية التي تربطها به، والوجود الديموغرافي الهندي المتفوق فيه. وتسعى الصين للتغلب على هذه الأفضليات واحتواء قوة الهند التي يحتمل أن تهيمن على الخليج؛ وذلك عبر تعزيز نفوذها البحري جنوبًا عبر الطريق البحرية الواصلة إلى الخليج، ونفوذها البري شمالً من خلال طريق الحرير البرية الجديدة التي تصلها بأوروبا.

من جهة أخرى، تعد علاقات باكستان المتينة مع دول الخليج العربية تحديًا بالنسبة إلى الهند لعقود عديدة. لذلك، تسعى الأخيرة من خلال شراكاتها الاقتصادية الجديدة مع هذه الدول إلى موازنة التأثير التقليدي لباكستان. وبالنسبة إلى إيران ومشاكلها الإقليمية مع دول الخليج العربية، تسعى الهند إلى الاعتماد على مبدأ الحياد وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وإعطاء أولوية لمصالحها القومية المتعلقة بأمن الطاقة وتنويع مصادر النفط والغاز، حيث تعد إيران أحد هذه المصادر المهمة إلى جانب دول الخليج. وفضلً عن ذلك، تسعى الهند إلى التأكيد على أن العلاقات بأي طرف ليست على حساب الطرف الآخر؛ لأن القضايا السياسية الملحة التي تعطيها الأولوية تقع إجمالً في مجالها الجغرافي القريب في آسيا. تناقش هذه الدراسة أولًالأهمية الراهنة للخليج العربي ودوره المتنامي في النظام الاقتصادي الدولي، وتتناول ثانيًا مكانة الخليج في استراتيجية الهند وسياستها الخارجية، وتحلل ثالثًا مدى تأثير علاقات الفاعلين الإقليميين في تلك الاستراتيجية، مثل الصين وباكستان وإيران. ونظرًا إلى أهمية التنافس الراهن والمستقبلي بين الهند والصين وانعكاساته الإقليمية، فقد جرى التوسع في تحليل توازن القوى بين الدولتين في المحيط الهندي، والتطبيقات الحالية لسياسة "الاحتواء الجديدة" بينهما، والمكانة المركزية للخليج العربي في هذا السياق.

أولا: الأهمية الجيوبولتيكية للخليج

ينطوي الخليج العربي على أهمية جيوبولتيكية راهنة، من النواحي: الجغرافية الثابتة، والمكانة الاقتصادية المتزايدة في العالم، وفي انتقال مركز الثقل الاقتصادي العالمي إلى الشرق. ومع أن التوصيفات التقليدية المعروفة للموقع الجغرافي للخليج لا تزال قائمة (مثل الموقع المتوسط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتقاطع طرق التجارة البحرية)، فإن مكانته الاستراتيجية والاقتصادية تتزايد أهميتها في الوقت الراهن؛ إذ يختزن أكثر من ثلث احتياطات العالم من النفط والغاز، وتملك دوله أصولً وفوائض مالية ضخمة، وقوة شرائية كبيرة، واستثمارات خارجية واسعة. ولم يعد يحظى بأولوية مصالح الدول الغربية فحسب، بل أصبح عصب الدول ذات الاقتصادات الصاعدة في الشرق كالهند والصين.

1. الأهمية الجغرافية الثابتة

تمثل الجغرافيا المسرح الذي تفاعلت فيه الأمم طوال التاريخ، وهي عاملٌ مهمٌ في السياسة الدولية بوصفها العنصر الدائم والثابت. ولهذا تحدِّد الجغرافيا رؤى قادة دول العالم، وتؤثر في

صناعة قراراتهم في شؤون السياسة الخارجية1. ويقع الخليج بحسب التوصيفات الجيوبولتيكية على حدود "منطقة القلب الأوراسية" Heartland Eurasian. كما يتميز بوقوعه على أحد أهم تقاطعات الطرق في التجارة، والثقافة، والدين، والقوة، في العالم. وأصبح واحدًا من أكثر الممرات المائية أهمية في العالم، وموطنًا لأهم مجموعة من الدول من حيث المكانة الجغرافية، والموارد (لا سيما الطاقة)، والاقتصاد السياسي العالمي والنفوذ الإقليمي2. لقد حدد العالم الجغرافي هالفورد ماكيندر Halford Mackinder جغرافيّة ما سماه "أوراسيا" Eurasia، وبلور مفهومه الأكثر شهرة وهو "المنطقة المركزية" أو "قلب الأرض" Heartland، فقال في عام 9191 : "تضم قلب الأرض بحر البلطيق ونهر الدانوب السفلي والأوسط الصالح للملاحة، والبحر الأسود، وآسيا الصغرى، وأرمينيا، وإيران والتبت ومنغوليا"، وافترض أن "من يسيطر على قلب الأرض يحكم جزيرة العالم، ومن يسيطر على جزيرة العالم يحكم العالم"3. لم يذكر ماكيندر الخليج ضمن هذه المنطقة المركزية، لأنه كان يحلل الأفضلية الجغرافية في سياق التنافس الروسي – الأوروبي على السياسة العالمية، فاهتم بالمنطقة الفاصلة بينهما وبضرورة السيطرة عليها لتحقيق الهيمنة. ولكنه، ذكر إيران التي تشرف على الخليج، لأنها الطرف الجنوبي الذي يمكن لروسيا أن تصل من خلاله إلى المياه الدافئة في الخليج والمحيط الهندي؛ بمعنى تهديد الهيمنة البريطانية في مركزها الآسيوي في الهند والخليج. إلا أنّ أهمية الخليج، وكذلك الهند، ظهرتا بوضوح في التوصيفات الجيوبولتيكية اللاحقة، أي في عام 9421 ، حين جادل العالم الأميركي نيكولاس سبايكمان Spykman J. Nicholas بأنّ ثمة ضرورة لقيام القوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة باحتواء الاتحاد السوفياتي، من خلال سلسلة من الأحلاف العسكرية والأمنية التي تسيطر على مناطق "الحزام المحيط" Rimland؛ لمنعه من التمدد نحو المياه الدافئة، أو أوروبا الغربية؛ وكي لا يتمكن، من ثمّ، من السيطرة على "مصائر العالم." فقام بتحديث مقولة ماكيندر، وافترض أنّ: "من يسيطر على الحزام المحيط يحكم أوراسيا، ومن يحكم أوراسيا يسيطر على مصائر العالم" 4. وبحسب وصفه تتكون مناطق الحزام المحيط من أوروبا، وصحراء الجزيرة العربية والشرق الأوسط، والمنطقة الآسيوية (شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا)5. وقد حثّ الدبلوماسي الأميركي جورج كينان Kennan F. George، الذي كان يقيم في موسكو، الولايات المتحدة على تطبيق مفاهيم سبايكمان عبر "احتواء القوة التي تسيطر على أوراسيا"6. لقد ابتدع سبايكمان فكرة "الحزام المحيط" التي تشمل السيطرة على المناطق والنقاط البحرية المهمة أو التحالف مع الدول الواقعة عليها، والتي تحيط كلها ب "البر الأوراسي"، من أجل عزل القوة المسيطرة عليه. وقد ظهرت أهمية الخليج والهند ومكانتهما في هذا التصور الذي أسّس لاستراتيجية غربية هيمنت على السياسة الدولية في النصف الثاني من القرن العشرين تحت مسمى "الاحتواء." ولا يبدو أن صلاحية تلك الفكرة قد انتهت في القرن الحادي والعشرين؛ فهذه المناطق الواقعة في المحيط الهندي لا تزال تتمتع بالأهمية ذاتها، ويجري التفكير فيها استراتيجيًا في سياق مدّ النفوذ أو الاحتواء (كما سنبحث ذلك لاحقًا في المحورين الثاني والثالث.) كان الخليج يقع استراتيجيًا إبان الحرب الباردة في منطقة الاحتكاك Friction Zone بين القوتين العظميين7؛ أي يقع على أطراف نفوذ كل منهما. وفي الوقت الذي سعت الولايات المتحدة إلى الحفاظ على إرث الهيمنة البريطانية في الخليج بعد أن أعلنت بريطانيا نيتها الانسحاب في بداية السبعينيات، فإن الاتحاد السوفياتي لم يترك فرصة في المنطقة إلا حاول استغلالها لملء الفراغ ما بعد بريطانيا. من جهة أخرى، لم يكن دور الخليج في استراتيجية الولايات المتحدة في أفغانستان بعد الغزو السوفياتي إلا تأكيدًا لمركزيته وقيمته الاستراتيجية في النظام الدولي. ومع أن نهاية الحرب الباردة أدت بالطبع إلى تغيير جوهري في الخريطة الجيوبولتيكية العالمية، فإن الرأي القائل بأن هذا خفّض الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج ليس له أساس من الصحة، لأن موارده النفطية بقيت ذات أهمية استراتيجية (للغرب والاقتصادات الآسيوية الصاعدة)، بل وتزايدت أهميتها. كما استمرت ديناميكيات

  1. Francis P. Sempa, Geopolitics: From the Cold War to the 21 st Century (New Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 2002), p. 5.
  2. Anoushiravan Ehteshami, Dynamics of Change in the Persian Gulf: Political Economy, War and Revolution (New York, NY: Routledge, 2013), pp. 1, 15.
  3. Halford J. Mackinder, Democratic Ideals and Reality: A Study in the Politics of Reconstruction (Washington, DC: National Defense University
  4. Christopher J. Fettweis, "Sir Halford Mackinder, Geopolitics, and Policymaking in the 21 st Century," Parameters (Summer 2000), accessed on 30/3/2018, at: http://goo.gl/d1PlEJ; Nicholas J. Spykman, The Geography of the Peace (New York, NY: Harcourt, Brace and Company, 1943), p. 43.
  5. Fettweis.
  6. X" (George F. Kennan), "The Sources of Soviet Conduct," Foreign Affairs (July 1947), pp. 566 - 582, accessed on 30/3/2018, at: http://goo.gl/QXNM 7  Mohamed Riad, "Geopolitics and Politics in the Arab Gulf States," GeoJournal , vol. 13, no. 3 (October 1986), p. 201.
  7. Press; London: Constable Publishers, 1942), p. 78, accessed on 30/3/2018, at: https://bit.ly/2AmtdOL

هذه المنطقة في التأثير، حتى أضحت تؤثر في تشكيل منطقة الشرق الأوسط8. لذلك، لم يغب التفكير الجيوبولتيكي عن الخليج؛ فقادة الدول الخليجية يصوغون حاليًا سياساتهم من خلال هذا التفكير9، فأصبح الدور الخليجي قوةً دافعةً ونافذةً في السياسات العربية، وبخاصة بعد غياب فاعلية القوى المركزية العربية الرئيسة مثل العراق وسورية ومصر واليمن. وفضلً عن ذلك، أصبح الخليج منطقة تتوسط القوى الإقليمية الرئيسة المتنافسة في الشرق الأوسط؛ كالسعودية وتركيا وإيران، بينما يشكل اليوم أيضًا حجر الزاوية في التنافس الإقليمي الأوسع المتمثل بالهند والصين ضمن استراتيجيتهما الهادفة إلى ضمان أمن الطاقة  -  المحرك الأساسي لاقتصادهما  -  وضمان أمن الطرق والممرات البحرية الواصلة إليها.

2. الأهمية الاقتصادية المحورية عالميًا

اكتسبت منطقة الخليج أهمية استراتيجية عالمية فريدة، لا تتناسب مع مساحتها الجغرافية الصغيرة وحجمها السكاني الضعيف أو قوة دولها (مقارنة بالهند مثلً.) ومع ذلك، تشكل هذه الدول النفطية من الناحية الاقتصادية الجزء الأكثر ديناميكية من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكملها، وجزءًا مهمً من النظام المالي الدولي10. لقد شهدت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية زيادة كبيرة في قدراتها الاقتصادية خلال العقد الماضي، وأصبحت تتمتع بفوائض مالية كبيرة ناتجة من إنتاج النفط والغاز وتزايد الطلب عليهما في الاقتصاد العالمي. وتظهر البيانات الجديدة بين عامي 2016 - 0182 أن حجم احتياطيات النفط في هذه الدول قد زاد عما كان عليه قبل عقود رغم كميات الإنتاج الضخمة التي تم استخراجها واستهلاكها وبيعها. فقد بلغ الحجم الكلي لاحتياطات دول الخليج العربية في عام 0172  نحو 1132  مليار برميل (أي بنسبة 04  في المئة من احتياطيات العالم.) كما تعد دول الخليج العربية أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم، وأحد أهم منتجي ومصدري الغاز الطبيعي. ومع ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية قبل سنوات، تزايدت التدفقات المالية على دول الخليج العربية بصورة كبيرة. فقد ارتفعت أسعار النفط من 02  دولارًا للبرميل عام 0012  إلى 601  دولارًا في عام 0132 . ورغم أنها شهدت انخفاضًا بعد ذلك، فإنها عادت لتحافظ على سعر معتدل حاليًا (نحو 60  إلى 70  دولارًا)، ما يساهم في احتمال استمرارية تراكم الثروة. ونتيجة لذلك، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج العربية مجتمعة إلى 1 5.  تريليون دولار في عام 0172 ، وتزايد حجم صناديق الثروات السيادية الناتجة من هذه التدفقات والفوائض المالية فبلغ نحو 3  تريليونات دولار11. كما توسعت الاستثمارات الخارجية لهذه الدول في أنحاء العالم، وبخاصة مليار دولار12في الاقتصادات الغربية، حتى وصلت إلى نحو 600. وأظهرت الأزمة المالية العالمية عام 0082 ، أهمية الخليج المالية بصورة جلية، فقد شكلت صناديق الثروات السيادية مصادر مهمة للسيولة للمؤسسات المالية الغربية. وخلال تلك الفترة الحرجة، كانت هذه الأموال تمثل ما لا يقل عن ثلث التمويل الطارئ الذي أتاحته الحكومات الأوروبية في استجابتها الأولية للأزمة المالية. كما حصلت تلك الصناديق على حصص مهمة في العلامات التجارية العالمية الشهيرة، وأصبحت تتملك جزءًا مهمً في العديد من الشركات الكبرى في الغرب13. كما ظهر دور هذه الأموال في المنطقة العربية منذ عام 0112  بصورة واضحة عبر توظيفها في الدور السياسي المؤثر الذي قامت به دول الخليج العربية ما بعد "الربيع العربي"؛ فقد أتاحت لها قدراتها المالية تأدية أدوار إقليمية مؤثرة في دول عربية كبيرة.

3. ديناميكية الخليج: البحث عن دور في مراكز الثقل الاقتصادي

أدت احتياطيات النفط والغاز وتصديرهما وتدفقات رأس المال، مع ارتفاع أسعار النفط في الألفية الجديدة، إلى تحوّل الخليج إلى "محور اقتصادي" Pivot تقوم حوله التغيرات الأوسع في ميزان القوى العالمي. وقد أدت الروابط الاقتصادية الكبرى مع روسيا والصين والهند ودول جنوب وشرق آسيا إلى تحويل توجه دول الخليج نسبيًا نحو الشرق أيضًا من خلال تعميق الاعتماد المتبادل في مجال الطاقة والتغيرات في اتجاه تدفقات التجارة غير النفطية مع شركاء آسيويين14. لقد ساهمت الأزمة المالية العالمية في إظهار هشاشة الاقتصادات الغربية في وقت الأزمات، حيث انعكست سلبيًا على استثمارات

  1. Ehteshami, p. 19.
  2. Ibid., p. 24.
  3. 14  Ibid., p. 4.
  4. BP Statistical Review of World Energy (June 2017), accessed on 1/12/2017, at: https://on.bp.com/2BMNpM6; OPEC, "OPEC Share of World Crude Oil Reserves" (2016), accessed on 1/12/2017, at: https://bit.ly/1jKA6cN; Sovereign wealth Fund Rankings (February 2018), accessed on 15/4/2018, at: https://bit.ly/2h9SfKm
  5. Ehteshami, p. 61.
  6. Kristian Coates Ulrichsen, "The Gulf States and the Rebalancing of Regional and Global Power," James A. Baker III Institute for Public Policy (January 8, 2014), p. 5.
  7. 10  Ibid., p. 15.

صناديق الثروات السيادية الخليجية فيها. وأظهرت الأزمة أهمية تنويع الاستثمارات الخليجية وتوزيعها في مناطق عديدة في العالم، وبخاصة في الدول الكبرى الصاعدة التي تشهد معدلات نمو مرتفعة وتتوافر فيها فرص الاستثمار في مشروعات ملموسة وذات مخاطر متدنية وعوائد مرتفعة على المدى الطويل مثل الصين والهند. ومع إعادة إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما توجيه السياسة الخارجية الأميركية وتبني سياسة "التمحور حول آسيا - المحيط الهادئ"، تزايد اقتناع دول الخليج بأهمية تنويع شراكاتها الاستراتيجية مع تلك المنطقة، لأن تركيز الولايات المتحدة قد ينصب على آسيا حيث الثقل الاقتصادي والسياسي المستقبلي. وهو ما قد يعني أيضًا احتمال تخفيف الولايات المتحدة درجة التزامها تجاه منطقة الخليج أو تركيزها على مناطق أخرى. وثمة توقعات بأن تصبح آسيا مركزًا للقوة في منتصف القرن الحادي والعشرين؛ بمعنى أن ينتقل الثقل الاقتصادي والعسكري والترتيبات الأمنية والسياسية إلى آسيا، بفضل التصاعد الديموغرافي والاقتصادي والعسكري في الهند والص نن ع ىى نحو خاص. فهناك تركيز حاليًا على انتقال "مركز الثقل الاقتصادي العالمي" World Economic Center of Gravity، ما يعني إعادة توزيع النشاط الاقتصادي في العالم؛ إذ يشير أحد استقراءات النمو الاقتصادي لنحو 700  موقع في أنحاء العالم إلى أن هذا المركز تحوّل 8004  كيلومتر شرقًا بين عام 9801 ، لما كان يقع في منتصف الطريق تقريبًا في المحيط الأطلسي، وعام 0102  لما وصل إلى خط طول يعادل إزمير في تركيا أو مينسك في روسيا البيضاء. ويُتوقع انتقاله بحلول عام 0502  إلى نحو 5004  كيلومتر أخرى إلى الشرق، لتقع عند نقطة بين الهند والصين15. وقد يؤدي ذلك إلى فتح مسارات بديلة من الوضع العالمي الراهن الذي يتمحور حول الغرب، بحيث يتحول إلى التمحور حول الاقتصادات الناشئة الرئيسة16. إن هذا التحول التدريجي في توازن القوى العالمي – رغم صعوبة التسليم به على إطلاقه  -  ينعكس أيضًا على العلاقات الدولية؛ إذ تتجاوب الدول على نحو متزايد مع تحول مركز الاقتصاد العالمي نحو الشرق من خلال السعي لبناء علاقات مع آسيا17. ويمثل هذا التنوع في المصالح الجيوبولتيكية والجيو  -  اقتصادية منعطفًا مهمً في تعزيز دور الخليج عالميًا18. فمع هذه التوقعات إزاء آسيا، فإن دول الخليج أضحت تهتم بتوثيق علاقاتها بالقوى الرئيسة فيها، وبخاصة الهند، التي شهدت خلال السنوات القليلة الماضية عقد ثلاث شراكات استراتيجية مع دول الخليج، كما سيأتي.

ثانيًا: الخليج العربي في استراتيجية الهند

برز موقع الخليج العربي كممر بحري مهم في التجارة البحرية مع الهند في فترات مختلفة من التاريخ. وقد ارتبط الخليج بالبحر الأحمر، فشكلا معًا شريانًا مهمً يمثل قناةً رئيسةً للاتصال والتجارة بين الساحل الغربي للهند وغرب المحيط الهندي. وقد أدى الربط البحري بين هذه المناطق تاريخيًا إلى تنمية المناطق الساحلية الواقعة عليها مثل غوجرات، ومدن ساحل مالابار19، ومومباي، وكوتشي، وغوا، وكاليكوت، ومسقط، وعدن، ومدن شرق أفريقيا. تتركز الأهداف الاستراتيجية الرئيسة للهند في: حماية أمنها (الخارجي والداخلي)، والازدهار الاقتصادي، وضمان حصولها على وصول عادل للسلع العامة العالمية20، وفي مقدمتها النفط. وتقسّم استراتيجية الهند الكبرى Grand Strategy العالم إلى ثلاث دوائر تتمحور حول الهند: تشمل الدائرة الأولى الجوار المباشر في جنوب شرق آسيا، وقد سعت الهند إلى الهيمنة عليها ومنع القوى الخارجية من ممارسة نفوذ أو أعمال تضر بالأمن القومي الهندي. أما الدائرة الثانية، فتشمل ما يسمى الجوار الإقليمي الممتد عبر آسيا وسواحل المحيط الهندي، وقد سعت الهند إلى تحقيق التوازن مع نفوذ القوى الأخرى، بحيث تمنع تلك القوى من الإضرار بمصالح الهند. وتشمل الدائرة الثالثة الساحة الدولية، إذ تحاول الهند أن تأخذ مكانها بوصفها إحدى القوى الكبرى، وأن تصبح لاعبًا رئيسًا في المساهمة في السلم والأمن الدوليين21؛ ولعل ذلك يتركز حاليًا في تعميق العلاقات الاستراتيجية

  1. Ibid., cited in D. Quah, "The Global Economy's Shifting Centre of Gravity," Global Policy , vol. 2, no. 1 (2011), p. 9.
  2. Ibid., p. 3.
  3. Ehteshami, p. 23.
  4. Ulrichsen, p. 3.
  5. Suchandra Ghosh, "Maritime Trade between the Persian Gulf and West Coast of India (C. 3 rd Century A.D. to 7 th Century A.D.)," Indian History Congress , vol. 64 (2003), p. 132.
  6. Tanvi Madan, "A Note on the China - India - US Triangle and India's Strategy," in: Krishnappa Venkatshamy and Princy George, G rand Strategy for India: 2020 and Beyond (New Delhi: Institute for Defence Studies & Analyses, 2012), p. 195.
  7. C. Raja Mohan, "India and the Balance of Power," Foreign Affairs , vol. 85, no. 4 (July - August 2006), p. 18.

مع روسيا والولايات المتحدة، وفي استمرار مطالبتها بإصلاح هيكلية الأمم المتحدة والحصول على العضوية الدائمة في مجلس الأمن. وهناك عاملان منعا الهند تاريخيًا من تحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية؛ الأول هو تقسيم شبه القارة الهندية على أسس دينية (الهند وباكستان في عام 9471 ، ثم باكستان وبنغلاديش في عام 9711 )؛ ما أدى إلى انشغال الهند بالصراع المستمر مع باكستان والتوتر الديني الداخلي. وقد تسبب نشوء باكستان بوصفها دولة مسلمة وذات علاقات وثيقة مع العالم الإسلامي في إضعاف انخراط الهند في علاقات وثيقة مع الدول العربية وبعض دول الخليج مثل السعودية. وتداخلت هذه التوترات مع منافسات القوى الكبرى الإقليمية والعالمية فقيّدت مجال المناورة للهند وحصرتها في الدائرة الأولى. أما العامل الثاني فهو النظام الاشتراكي الهندي الذي تسبب في تراجع اقتصادي نسبي مطرد، وترتب عليه فقدان النفوذ في العقود التي أعقبت الاستقلال. وقد أضعف نموذج الدولة الاشتراكية في الهند مشاركتها التجارية مع الخارج. ونتيجة لذلك، انفصلت الهند عن أسواقها الطبيعية ومناطقها الثقافية الممتدة في المنطقة22. أما في الوقت الراهن، فهناك عامل ثالث أو تحدٍ كبيرٌ تواجهه الهند ويشغل جل جهدها في سعيها لتحقيق استراتيجيتها في المحيط الهندي، وهو التنافس مع قوة كبرى في المنطقة الجغرافية ذاتها، وهي الصين. ويُعتبر أمن المحيط الهندي مركزيًا في استراتيجية الهند؛ إذ يُنظر إليه على أنه إحدى الطرق السريعة البحرية الكبرى في العالم، حيث يمر 50 في المئة من السفن التجارية في العالم عبر مضيق ملقا23. وتعد رغبة الهند في القيام بدور مستقل ومتفوق في المحيط الهندي والخليج امتدادًا لمفهوم حكومة الهند الشرقية البريطانية حول "السيادة في البحار"، وتعتبر الهند أنها ورثت هذا المفهوم. لذا طورت أسطولها البحري خلال العقدين الماضيين وأصبحت تمتلك حاملة طائرات وغواصات وسفنًا حربية متطورة تستطيع الانتشار على امتداد المحيط وتؤمن الإمدادات اللوجستية اللازمة. وتنطلق فكرة "الخطة الشاملة للأمن القومي"، التي تتضمن المحيط الهندي وسواحل الخليج، من أن الهند يجب أن تؤدي دورًا أبرز في المنطقة، وأنها مستعدة لنشر الموارد الضرورية لهذه المهمات24. ومن هنا، يعدّ أمن الممرات المائية التي ترتبط بتجارة الهند ووارداتها النفطية جزءًا من الأمن القومي الهندي، بما في ذلك أمن مضيقي هرمز وباب المندب. كما تعدّ البنية التحتية للموانئ بالهند من أولويات الأمن القومي، فهي تتعامل مع 90  في المئة من تجارة البلاد. وفي هذا السياق، تملك الهند 12  ميناءً رئيسًا. ومن بين الموانئ الرئيسة ستة على الساحل الغربي (كوتشي Kochi، ونيو مانجالور Mangalore New، ومورموغاو Mormugao، ومومباي Mumbai، وكاندلا Khandala)، وستة على الساحل الشرقي (كولكاتا Kolkata، وباراديب Paradip، وفيساخاباتنام، Visakhapatnam وهايديا، Haidia وتشيناي. 25Chennai، وتوتيكورين)Tuticorin

وتُظهر التحولات المهمة خلال العقدين الماضيين في سياسة الهند الخارجية أهمية الخليج وأولويته في أمن الطاقة وأمن المحيط الهندي. ومن هذه التحولات: الرغبة الجديدة في إظهار قوة الهند وتأثيرها في المنطقة والعالم؛ إذ ثمة رغبة جديدة لديها في أن تقود إقليميًا ودوليًا، وتتزامن هذه الرغبة مع صعودها كقوة كبرى ذات طموحات عالمية. وقد بدأ هذا التحول في عهد حكومات سابقة، حيث ظهرت دعوات للتطلع إلى ما وراء الجوار الجغرافي المباشر وتحديد مناطق بوصفها مجالً حيويًا للهند؛ فقد قال رئيس الوزراء السابق عن حزب المؤتمر الوطني الهندي، مانموهان سينغ Singh Manmohan: "منطقة الخليج هي جزء من منطقتنا الاقتصادية الطبيعية"، كما قال وزير الخارجية السابق جاسوانت سينغ Singh Jaswant: "عندما نتكلم عن إندونيسيا أو آسيا الوسطى أو الخليج، فإن ذلك يعني مصالحنا أو مجال تأثيرنا." وقد وضعت الحكومة الهندية منذ عام 0032 "برنامجًا لعشرين عامًا كي تصبح قوة عالمية يمكن تلمّس تأثيرها عبر

  1. Ibid., pp. 18 - 19.
  2. Sarabjeet Singh Parmar, "The Maritime Dimension in India's National Strategy," in: Krishnappa Venkatshamy & Princy George, G rand Strategy for India: 2020 and Beyond (New Delhi: Institute for Defence Studies & Analyses, 2012), p. 84.
  3. N. Janardhan, "Gulf's Future Security Architecture and India," in: Ranjit Gupta et al. (eds.), India and the Gulf: What Next? (Cambridge: Gulf
  4. Research Centre, 2013), pp. 66 - 67. 25  Parmar, p. 89.

المحيط الهندي والخليج العربي وجميع أنحاء آسيا." كما أضحت الهند تسترجع بعض المقولات الجيوبولتيكية التي تحث على السيطرة والنفوذ، فبرز من جديد في أدبياتها السياسية مقولة: "من يسيطر على المحيط الهندي يهيمن على آسيا"26. أولوية المصالح الذاتية على التوجهات الأيديولوجية التقليدية؛ إذ سيطرت المبادئ الاشتراكية وتأييد حركات التحرر على عقيدة الهند الاستراتيجية طوال الحرب الباردة، مما أبعدها عن إيلاء مصالحها الذاتية في الخارج الأهمية القصوى، وبخاصة في الشرق الأوسط حيث طورت علاقات سياسية متقدمة مع النظم الاشتراكية العربية وأهملت منطقة الخليج التي تعتمد على صادراتها النفطية، وتتركز فيها أكبر جالية هندية مهاجرة. لذلك، تحولت الهند إلى السياسة الواقعية البراغماتية وإلى سياسة الانفتاح الاقتصادي، فأضحت حاجاتها المتنامية ومصالحها القومية تحدد علاقاتها الخارجية بالدرجة الأولى. ولذلك، تقوم الهند بتعزيز علاقاتها الجديدة مع دول الخليج تحديدًا من بين الدول العربية عامة اتساقًا مع نهجها الجديد الذي يولي أهمية للمصالح أولً. أما معظم الدول العربية المركزية التي أقامت الهند معها علاقات قوية وأيديولوجية سابقة مثل العراق ومصر، فلا تتجاوز علاقاتها حاليًا العلاقات الدبلوماسية والتجارية العادية. وصول حزب الشعب القومي الهندي بهاراتيا جاناتا Bharatiya Party Janata إلى الحكم بمفرده؛ إذ شهد عام 0142 تحولً جوهريًا في القيادة الهندية، حيث نجح حزب الشعب الهندي في الحصول على نسبة تأييد شعبي أتاحت له الحكم بمفرده. وعلى الرغم من أن حزب المؤتمر الوطني الهندي دشن كثيرًا من التغييرات التي شهدتها الهند طوال العقد الماضي، فقد ظهر حزب الشعب بزعامة ناريندرا مودي، بوصفه القادر على إحداث تغييرات جذرية سريعة في بنية الاقتصاد، وخطط التنمية، والسياسة الخارجية، ودور الهند العالمي. وقد استند هذا التصور إلى النجاح السريع أو ما دعي ب "المعجزة الاقتصادية" التي حققها مودي في ولاية غوجرات خلال الفترة 2001 - 014.2 ويرى هذا الحزب ضرورة القيام بإصلاحات اقتصادية كبيرة، وتوفير بيئة استثمارية مستقرة، واهتمام الهند بمصالحها في الخارج، واحتلال الهند مكانتها الصحيحة بين الأمم على الساحة الدولية، مما يتطلب إعادة توجيه أهداف السياسة الخارجية. ويركز الحزب على اعتماد "دبلوماسية فعالة" وليس سياسة "الوضع القائم"، وعلى ترويج ما يسميه "ماركة الهند الخاصة" التي يفترض أن تقوي دور الهند عالميًا استنادًا إلى قوتها الناعمة الكامنة في التقاليد العريقة، والمواهب التكنولوجية، والسياحة، والتجارة27. وبهذا، ترتكز رؤية القيادة الحالية على فاعلية الهند خارجيًا، مع إعطاء العلاقات التجارية والاقتصادية أولوية. أما موقع الخليج العربي في استراتيجية الهند وسياستها الخارجية الحالية، فيحظى باهتمام كبير ومكانة مركزية بالنظر إلى أسباب عديدة، منها: تعدّ دول الخليج العربية أهم شريك تجاري للهند على المستوى العالمي؛ إذ يراوح حجم التبادل التجاري بين 80001 و 2 مليار دولار أميركي28. اعتماد صعود الهند على إمدادات كافية ومضمونة من الطاقة، فتنامي صعود الهند لتصبح قوة كبرى عالمية يحتاج منها أن تحافظ على نمو ثابت يراوح بين 8 و 01 في المئة سنويًا خلال العقدين المقبلين. ويتطلب هذا النمو توافر كميات مضمونة ومتزايدة من واردات النفط والغاز، التي يرجح أن يتزايد اعتمادها عليهما إلى نحو 92 في المئة بحلول عام 2030 29.

الطلب على الاستثمارات الخليجية؛ إذ تدرك الهند حجم الفوائض المالية التي حصلت عليها دول الخليج في السنوات الأخيرة نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز، والبالغة نحو ثلاثة تريليونات دولار حاليًا، كما أسلفنا، كما تدرك المساهمات الإيجابية لصناديق

  1. 29  Gupta, "India and the Gulf."
  2. يُنظر البرنامج الانتخابي لحزب الشعب الهندي: BJP Election Manifesto 2014 , pp. 39 - 40, accessed on 30/4/2018, at: https://bit.ly/1qbRjwL
  3. Ranjit Gupta, "The Arab Spring and India," in: Ranjit Gupta et al. (eds.), India and the Gulf: What Next? p. 20; Ranjit Gupta, "India and the Gulf: Looking beyond Energy, Islam and the Diaspora," (November 26, 2013), accessed on 30/4/2018, at: https://bit.ly/2I19eKx
  4. 26  Janardhan, pp. 64 - 66, 68.

الثروات السيادية الخليجية في الاقتصاد العالمي وفي اقتصادات الدول الغربية بعد الأزمة الاقتصادية العالمية. لذا، فهي تتطلع إلى زيادة هذه الاستثمارات فيها لتمويل تطوير البنية التحتية والمساهمة في الصناعات الاستراتيجية. وفي المقابل، تحاول الهند إيجاد فرص لشركاتها الوطنية للعمل في المشروعات الكبيرة في دول الخليج مستفيدة من الوجود الكبير لجاليتها، وربما لتعزيز هذا الوجود وزيادة حجمه. أهمية الجالية الهندية في الخليج، إذ تمثل الهجرة من الهند إلى دول الخليج العربية أهمية كبيرة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الهند30، حيث تساهم العمالة الهندية، التي يبلغ حجمها نحو سبعة ملايين عامل، في الاقتصاد الهندي بنسبة 3 مليار دولار سنويًا31كبيرة من الأموال تقدر بنحو 5.

نتيجة للتحولات في استراتيجية الهند وسياستها الخارجية، ونظرًا إلى الأهمية المركزية لدول الخليج العربية فيها، قامت الهند بأداء سياسة نشطة إزاء هذه الدول في السنوات الأخيرة. فقد قامت بزيارات عالية المستوى، وعقدت عدة اتفاقيات شراكة شملت التجارة والاستثمارات والدفاع والأمن والتنسيق السياسي والتعاون في مجالات التكنولوجيا والفضاء والبنية التحتية، وبخاصة مع السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان. مثّل إعلان الرياض عام 0102 ، الذي تم توقيعه أثناء زيارة رئيس الوزراء الهندي السابق مانموهان سينغ، الأساس للشراكة الاستراتيجية مع السعودية. ووقع البلدان مذكرة تفاهم في الشؤون الدفاعية في شباط/ فبراير 0142 ، تضمنت تبادل المعلومات المتعلقة بالدفاع، والتعاون في مجالات الأمن والإمداد والتدريب والتعليم العسكري32. ويأتي ذلك مكملً للعلاقات التجارية بين البلدين، حيث بلغ التبادل 2  مليار دولار33التجاري بينهما في عام 2016 - 0172  نحو 5، بينما. 2  مليونَ عامل34يبلغ عدد العمالة الهندية في المملكة نحو 8. ووقعت قطر في عام 0082  اتفاقية دفاعية مع الهند، تضمنت بنودًا متطورة تؤسس لمشاركة هندية حقيقية وملموسة في أمن الخليج، منها: مشاركة الهند بالأمن البحري، والمشاركة في المعلومات الاستخبارية، وتوفير الهند الحماية للأصول والمصالح القطرية من التهديدات الخارجية، وقيام شراكة في إنتاج الأسلحة والعتاد العسكري35. كما زار رئيس الوزراء الهندي مودي قطر، في حزيران/ يونيو 0162 ، فأكد أهمية دور قطر، بوصفها أكبر مزود للهند بالغاز الطبيعي المسال، والبالغة نسبتُه 65  في المئة من واردات الهند، بينما يبلغ التبادل التجاري في 2014 - 0152  نحو 51  مليار دولار36. وأكدت زيارة مودي للإمارات في آب/ أغسطس 0152  على تطوير العلاقات الثنائية إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية"؛ إذ تقدر تجارة الهند مع الإمارات بنحو 60  مليار دولار في عام 2014 - 0152 ، وتعد الإمارات ثالث شريك تجاري للهند في العالم بعد الصين والولايات المتحدة، وتبلغ الاستثمارات الإماراتية في الهند نحو 8  مليارات دولار، بينما يتوقع أن تتجاوز استثمارات الشركات الهندية في الإمارات 55 مليار دولار. كما تبلغ الجالية الهندية في الإمارات نحو 6. 2  مليون عامل، وتقوم بتحويل نحو 8  مليارات دولار سنويًا37. وقد نص اتفاق الشراكة الجديد على التعاون من أجل تعزيز الأمن البحري في منطقة الخليج والمحيط الهندي، وتعزيز العلاقات الدفاعية، والتعاون في تصنيع المعدات الدفاعية في الهند، وتشجيع المؤسسات

  1. Irudaya Rajan, "The Developmental Impact of Indian Migrant Workers in the GCC Countries," in: Impact of Labor Mobility on Sustainable Development (Abu Dhabi: Emirates Center for Strategic Studies and
  2. Abu Backer Bagader, "Look East: An Alternative Perspective for GCC
  3. Ankit Panda, "India and Saudi Arabia Sign Defense Cooperation Pact," The Diplomat , 27/2/2014, accessed on 1/5/2018, at: http://bit.ly/1PpgNV8
  4. The Ministry of External Affairs, Government of India, "India–Saudi Arabia Bilateral Relations," accessed on 24/10/2018, at: https://bit.ly/2F6WSzB
  5. Saudi - India ties flourishing on strong footing," Arab News , 26/1/2015, accessed on 14/8/2018, at: https://bit.ly/2I2JpJW
  6. Janardhan, pp. 70. 36  " PM Modi arrives in Qatar, economic cooperation high on agenda," Indian Express , 5/6/2016, accessed on 14/4/2018, at: https://bit.ly/2I1LyWu 37  " Modi Visit to Boost Trade Ties Between India and the UAE," Gulf News , 13/8/2015, accessed on 30/4/2018, at: http://bit.ly/1IX5mDC
  7. Research, 2013), pp. 38, 219.
  8. Countries," in: Ranjit Gupta et al. (eds.), India and the Gulf: What Next? (Cambridge: Gulf Research Centre Cambridge, 2013), p. 12.

الاستثمارية الإماراتية على رفع استثماراتها في الهند إلى نحو 75  مليار دولار، وتعزيز التعاون في الفضاء بما في ذلك إطلاق الأقمار الصناعية والتطبيقات الفضائية38. أما سلطنة عمان، فيحتل موقعها الجغرافي على الخليج العربي وبحر العرب مكانة فريدة بالنسبة إلى أمن الخليج وأمن المحيط الهندي بعامة. فهي من جهة تتحكم في مضيق هرمز، ومن جهة أخرى تعد محطة مهمة للتجارة البحرية العالمية التي تمر بالمحيط الهندي، ومحطة أساسية في استراتيجية الهند والصين في سياق تنافسهما الإقليمي، كما سيأتي في المحور التالي. لذلك، أدى رئيس الوزراء الهندي مودي زيارة إلى عمان في شباط/ فبراير 0182 ، ووقع معها ثماني اتفاقيات في مجالات مختلفة39، منها تطوير التبادل التجاري الذي يبلغ حاليًا نحو 01  مليارات دولار40.

ثًالث ا: التحديات الإقليمية لاستراتيجية الهند تجاه الخليج

ثمة تحديات إقليمية تواجه استراتيجية الهند في المحيط الهندي عامة، وتجاه الخليج العربي خاصة؛ أولها تنامي وجود الصين في المحيط الهندي، وتأسيسها قواعد وتحالفات، وطلبها المتزايد على الطاقة، وسعيها الدؤوب في تأمين مصالحها. وثانيها العلاقات الخليجية التقليدية القوية بباكستان التي كانت تعد أحد عوائق تطوير الهند لعلاقاتها بدول الخليج منذ عقود. وثالثها العلاقات القوية التي تربط الهند بإيران وخشية دول الخليج من تأثيرها في مواقف الهند من القضايا المتعلقة بالعلاقات الخليجية – الإيرانية. فإلى أي مدى تؤثر هذه التحديات والعوائق في استراتيجية الهند في المحيط الهندي وعلاقاتها بدول الخليج؟

1. الصين

تتشارك الهند والصين في امتلاك اقتصادين صاعدين، ولديهما طموحات دولية وإقليمية متنامية، وتبحثان عن الوصول إلى الموارد الطبيعية، والأسواق، وتأسيس القواعد البحرية والتجارية، وتتسابقان على القوة والنفوذ الإقليمي. وتعد الهند القوة الآسيوية الوحيدة التي طالما التزمت بموازنة الصين إقليميًا، منذ أواخر خمسينيات القرن العشرين (عندما سيطرت الصين على التبت وهي المنطقة التي كانت فاصلة بينهما لآلاف السنيين.) وخلال فترة الحرب الباردة، اعتمدت الهند في المقام الأول على الاتحاد السوفياتي، وعلى دورها القيادي في حركة عدم الانحياز لموازنة الصين41. في الوقت الراهن، تعتبر الهند أن مسألة التوازن الخارجي مع الصين أولوية، ويشمل ذلك تعزيز التحالفات القائمة، وتوسيعها، والتعاون مع الدول في الإقليم المحيط من أجل التصدي لأي تهديد أو هيمنة محتملة للصين. ولأن الحفاظ على توازن القوى يشمل تشكيل تحالفات واضحة يترتب عليها التزامات محددة، أو تحالفات فضفاضة تعبر عن توافق عام على القضايا الإقليمية، أو علاقات خاصة على شكل شراكات استراتيجية، فإن الهند لا تخشى بالضرورة غزو الصين لدول أخرى تقع ضمن دائرة مصالحها، ولكن الهند تخشى استخدام الصين مواردها الوطنية الشاملة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والثقافية والمؤسسية لتحويل توازن القوة العام في آسيا لمصلحتها عبر التحالفات والشراكات مع دول المحيط الهندي والخليج، من أجل التأثير في مصالح الهند وسياساتها42.

ووفق هذا المنظور، تخشى الهند من تطور الاعتماد التجاري المتبادل بين الصين ودول الخليج العربية، أو تطوير العلاقات بين الصين وإيران إلى شراكة استراتيجية، أو بالطبع تعميق الروابط الوثيقة التي تجمع الصين وباكستان اللتين تشتركان في تحدي نفوذ الهند ودورها. كما

  1. Joint Statement between the United Arab Emirates and the Republic of India," The Hindu , 17/8/2015, accessed on 30/4/2018, at: http://bit.ly/1U2Lz7z
  2. Modi's Gulf visit: India, Oman signs 8 agreements as PM meets Sultan Qaboos," Standard Business, 12/2/2018, accessed on 30/4/2018, at: https://bit.ly/2vZsUJS
  3. Oman, India explore new avenues to boost trade and investment," Times of Oman , 16/7/2018, accessed on 30/8/2018, at:
  4. Mohan Malik, "India Balances China," Asian Politics & Policy , vol. 4, no. 3 (2012), p. 347. 42  Ibid., p. 356.
  5. https://timesofoman.com/article/138257

تخشى الهند تأسيس الصين قواعد أو نقاطًا استراتيجية على الطرق التجارية في المحيط الهندي. ويرى باحثون هنود أن الصين عززت نشاطاتها في منطقة المحيط الهندي من خلال الاستثمار في اقتصادات الدول الساحلية وبناء الموانئ والبنية التحتية والحصول على موارد الطاقة. كما يعتقدون أنها تقوم بتأسيس ما يسمى "سلسلة اللؤلؤ" لتطويق الهند؛ بمعنى "سلسلة من المواقع التي يمكن للقوات البحرية الصينية أن تعتمد عليها، أو بنية تحتية للدعم في مواقع استراتيجية على طول الممرات البحرية للاتصالات، والتي من شأنها أن تحيّد ميزة الهند الجغرافية في منطقة المحيط الهندي. ومن بين هذه الموانئ والمواقع: صلالة في عمُان، وعدن في اليمن (على حواف شبه الجزيرة العربية)، وكراتشي في باكستان، وكولومبو في سريلانكا على الطرف الجنوبي الشرقي من بحر العرب." ويرى هؤلاء أيضًا أن الصين تعمل على إنشاء محطات دعم استراتيجي من أجل التزود بوقود السفن والإمدادات الضرورية وتناوب القوات والموظفين، وإصلاح المعدات والأسلحة وصيانتها. ومن بين هذه المحطات القائمة والمحتملة43: قواعد الدعم في خط إمدادات شمال المحيط الهندي، وتشمل باكستان عبر ميناء جوادار Gwadar، وسريلانكا عبر استئجار ميناء هامبانتوتا Hambantota لمدة سنة، 99 وميانمار والمالديف حيث تلقتا استثمارات صينية ومن المتوقع أن تنشأ فيهما قواعد صينية. قواعد الدعم في خط إمدادات غرب المحيط الهندي، وتشمل جيبوتي التي تعدّ أول قاعدة عسكرية صينية في الخارج، حيث تم افتتاحها في آب/ أغسطس 0172، وكذلك اليمن وعمان وكينيا وتنزانيا وموزامبيق. قواعد الدعم في خط إمدادات جنوب المحيط الهندي، وتشمل سيشيل ومدغشقر. وفي المقابل، تتمتع الهند بوجود بحري موازن للصين في المحيط الهندي؛ إذ عززت بنيتها التحتية في الموانئ الجنوبية الجديدة، من أجل مواجهة أي تحدٍ من الصين للممرات البحرية ونقاط الاتصالات. وخوفًا من تهديد محتمل للتجارة وإمدادات الطاقة في حالة نشوب أعمال عدائية مع الصين، تسارع البحرية الهندية إلى إقامة صداقات في معظم مناطق المحيط الهندي. وتتبع الهند الاستراتيجية نفسها التي تتبعها الصين؛ إذ تقوم بخلق شبكة خاصة بها من العلاقات بالدول الساحلية لضمان تلبية حاجاتها العسكرية إذا ما دعت الحاجة إلى ذلك. وتقوم البحرية الهندية بتطوير قدرات مضادة من أجل تعزيز مكانتها في مناطق المحيط الهندي أو عرقلة أي محاولة صينية لتطويقها أو منعها من ممارسة نشاطاتها في المحيط44.

وبحسب متحدث باسم البحرية الهندية، تقوم البحرية الهندية بزيادة وجودها في المحيط الهندي من خلال انتشار دائم على طرق بحرية مهمة؛ إذ يجري نشر ما بين 12  إلى 51  سفينة بحرية في النقاط الاستراتيجية على طول الممرات البحرية من مضيق ملقا إلى خليج البنغال ومضيق سوندا "لتوفير حضور أكبر ومراقبة أوسع"، ويجري أيضًا نشر سفن حول جزر موريشيوس وسيشيل ومدغشقر. وتقوم السفن بموجب ذلك بدوريات دائمة وليس مهمات قصيرة كالسابق. ويضيف: "في البداية، كان نشر البحرية الهندية في هذه الأماكن مرة واحدة في السنة. الآن هناك تغيير في الديناميكيات (في المنطقة)، وقد استلزم الوجود الزائد لقوة إقليمية زيادة وجودنا"، من دون أن يسمي دولة بعينها، وهو يقصد الصين هنا. وقد أكدت وزيرة الدفاع الهندية، نيرملا سيتارامان Sitharaman Nirmala، على ذلك؛ إذ ذهبت إلى أن هناك "دولً تحتفظ بوجود خارج نطاقها الإقليمي" وبحضور دائم في منطقة المحيط الهندي متذرعة "ببعض الذرائع[...] إن هذه الدول تؤسس مواقع بحرية أمامية، إضافة إلى بنية تحتية ثنائية الاستخدام في المنطقة[...]هذا النوع من العسكرة يزيد من تعقيدات دول هذه المنطقة"45. وعمومًا، ترى الهند أن هذه المنطقة موطن للثروات والموارد الطبيعية والمعدنية. لذا، فإن عدم قدرة دول

  1. Ibid., pp. 354 - 355; Nirmala Ganaphathy, "India increases its presence in Indian Ocean, with an eye on China," The Straits Times , 8/11/2017, accessed on 28/4/2018, at: https://bit.ly/2r5PXho; "Indian military scrambles to keep up after China moves to put forces in Africa," CNBC , 28/2/2018,
  2. Malik, p. 355. 45  Ganaphathy.
  3. accessed on 28/4/2018, at: https://cnb.cx/2HCtjn5

المنطقة على تسخير هذه الموارد لحمايتها يؤدي تدريجيًا إلى دخول دول إقليمية أخرى، أي الصين. وترى أن هذا الدخول قد يشكل مصدرًا للنزاع المستقبلي الذي من شأنه أن يقوض الأمن البحري، ومن ثم يؤثر في الاستقرار الإقليمي46. لذلك، وقعت الهند في بداية عام 0182  اتفاقية لمدة عشرين سنة مع سيشيل لبناء مهبط للطائرات ورصيف للسفن. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 0172 ، وقعت اتفاقية مع سنغافورة قد تعزز وصولها إلى قاعدة تشانجي Changi البحرية. وأثناء زيارته عمان في شباط/ فبراير 0182 ، بحث مودي منح الهند إمكانية الوصول إلى المرافق البحرية التي تقع بالقرب من مضيق هرمز47. ووفقًا لبعض التقارير، تقوم الهند أيضًا بتشغيل مرفق استخبارات متخصص بالإشارات بالقرب من "رأس الحد" في أقصى نقطة شرق عمُان، على بحر العرب48.

وتقوم شركة "موانئ الهند العالمية" Indian Ports Global Ltd, IPGL بتطوير ميناء تشاباهار Chabahar Port في إيران الذي يُنظر إليه على نطاق واسع بأنه الموازي أو المضاد لميناء جوادار الباكستاني الذي تطوره الصين، فهو يقع على بعد 503  كيلومترًا فقط من جوادار، والهدف منه إنشاء طريق عبور بين الهند وإيران وأفغانستان. ويذهب البعض إلى أنه "لا يمكن استبعاد الاستخدامات العسكرية المستقبلية لميناء تشاباهار الإيراني من قبل الهند"49. ولطالما تطلعت الهند إلى السيطرة على نقاط الاختناق البحرية الضيقة التي تستخدمها السفن المتجهة من المحيط الهندي وإليه، بما في ذلك مضيق ملقا ومضيق هرمز وقناة موزامبيق. وقد انطوى ذلك على بناء قواعدها البحرية والجوية في جزر أندامان Andaman ونيكوبار Nicobar، التي تقع في أحد طرفي مضيق ملقا50. كما تكتسب الهند إمكانية الوصول إلى القواعد التي يديرها شركاؤها الاستراتيجيون في المنطقة. ففي عام 0172  وقعت اتفاقًا لوجستيًا مع الولايات المتحدة من شأنه تسهيل استخدام مرافق الولايات المتحدة من قبل البحرية الهندية والقوات الجوية الهندية في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك في جزيرة دييغو غارسيا Garcia Diego والمرافق الأميركية المختلفة في الخليج العربي. وفي كانون الثاني/ يناير 0182 ، أعلنت الهند أيضًا عن إبرام اتفاق لتبادل الخدمات اللوجستية مع فرنسا يسمح للهند بالوصول إلى المنشآت العسكرية الفرنسية، بما في ذلك القواعد الرئيسة في جيبوتي على البحر الأحمر وفي جزيرة رينيون Réunion Island في جنوب المحيط الهندي51. يعد دور الولايات المتحدة الأميركية مركزيًا في التنافس الصيني - الهندي في المحيط الهندي والخليج العربي. فمع ظهور آراء ومناقشات في الولايات المتحدة حول احتمال انسحابها أو تخفيض مستوى انخراطها في الشرق الأوسط ومشاكله، فقد برزت إلى السطح مسألة ملء الفراغ الاستراتيجي الذي يمكن أن يخلفه تقليص النفوذ الأميركي في الخليج وعموم المنطقة. وقد عزز هذا السيناريو سياسة الولايات المتحدة في عهد باراك أوباما عندما ركزت على سياسة "التمحور شرقًا"؛ بدلً من التركيز على الشرق الأوسط. ولا يزال هذا السيناريو محتملً في ظل محاولات الولايات المتحدة تقليص اعتمادها على نفط الخليج، والتركيز على سياسة استقلال الطاقة. إن أي تخفيض للوجود الأميركي في الخليج العربي يعد هاجسًا للهند والولايات المتحدة نفسها؛ إذ تخشى الدولتان قيام الصين بملء الفراغ وفرض هيمنتها على الخليج أو سواحل المحيط الهندي والنقاط الاستراتيجية فيه؛ وهو ما يمكن أن يعزز قوة الصين ليس إقليميًا بمواجهة الهند فقط، وإنما أيضًا على المستوى العالمي. وفضلً عن ذلك، يخشى الطرفان من أفضلية الصين في الوصول إلى مصادر الطاقة في الخليج، وكذلك تحكمها في الطرق التجارية لهذه السلعة الاستراتيجية.

  1. Parmar, p. 85.
  2. Indian military scrambles to keep up after China moves to put forces in Africa."
  3. David Brewster, "Indian Ocean base race: India responds," The Interpreter, Lowy Institute, 15/2/2018, accessed on 28/4/2018, at: https://bit.ly/2KoB8OQ
  4. Ganaphathy.
  5. David Brewster, "Indian Ocean base race: India responds," The Interpreter , Lowy Institute, 15/2/2018, accessed on 28/4/2018, at: https://bit.ly/2KoB8OQ
  6. Ibid.

وفي هذا السياق، تستفيد الهند من تفضيل الولايات المتحدة لها على الصين. وتظهر هذه الأفضلية بوضوح من خلال استراتيجية الأمن القومي الأميركي، التي لا تُذكر الهند فيها إلا بصورة إيجابية ومؤيدة لها، حتى في منطقة الخليج العربي ذات المصالح الحيوية للولايات المتحدة والتي يتزايد فيها النفوذ الهندي. أما الصين، فتعد في هذه الاستراتيجية تهديدًا وتحديًا واضحًا في الخليج والمحيط الهندي وعلى المستوى العالمي. فعلى سبيل المثال، ترحب استراتيجية الأمن القومي الأميركي بصعود الهند، وتتطلع إلى تعزيز مكانتها في المحيط الهندي؛ إذ تقول: "نرحب بصعود الهند بوصفها قوة عالمية، وشريكًا استراتيجيًا وعسكريًا قويًا. ونسعى إلى زيادة التعاون معها[...]سنقوم بتوسيع تعاوننا في مجال الدفاع والأمن مع الهند، الشريك العسكري الرئيس للولايات المتحدة، ونساند علاقات الهند المتنامية في جميع أنحاء المنطقة[...]سنقوم بتعميق شراكتنا الاستراتيجية مع الهند ودعم دورها القيادي في أمن المحيط الهندي وفي جميع أنحاء المنطقة الأوسع"52. أما الصين، فلا ترد في هذه الاستراتيجية، وبخاصة في ما يتعلق بدورها في المحيط الهندي، إلا في سياق سلبي؛ إذ تقول: "هناك ثلاث مجموعات رئيسة من التحديات تُنافس الولايات المتحدة، وحلفاءنا وشركاءنا، وتعمل ضدها؛ وهي القوى الرجعية: الصين وروسيا، والدول المارقة: إيران وكوريا الشمالية، ومنظمات التهديد العابر للحدود، وخاصة الجماعات الإرهابية الجهادية. تريد الصين وروسيا تشكيل عالم معادٍ للقيم والمصالح الأميركية. وتسعى الصين إلى إبعاد الولايات المتحدة من منطقة الهندو - باسيفيك، وتوسيع نطاق نموذجها الاقتصادي الذي تحركه الدولة، وإعادة ترتيب المنطقة لصالحها. وخلافًا لآمالنا، وسّعت الصين قوتها على حساب سيادة الدول الأخرى[...]تستهدف استثمارات الصين وروسيا في العالم النامي توسيع نفوذهما واكتساب مزايا تنافسية ضد الولايات المتحدة. وتستثمر الصين مليارات الدولارات في البنية التحتية في جميع أنحاء العالم"53. لذلك، تتفق الولايات المتحدة مع الهند في مواجهة تنامي القوة الصينية اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا. ومن غير المستبعد أن تعيد الولايات المتحدة العمل باستراتيجية التحالفات في منطقة "الحزام المحيط" في الخليج وجنوب آسيا وشرقها، لاحتواء نفوذ الصين هذه المرة. وبناءً على ذلك، تتمتع الهند بأفضليات العلاقة بالولايات المتحدة الأميركية، والقرب الجغرافي من الخليج، والوجود الديموغرافي الكبير فيه، في مقابل الصين. إن هذا الأفضليات قد تؤدي من وجهة نظر الصين إلى احتمال وجود تهديدات لمصادر الطاقة الحيوية لاقتصادها في الخليج العربي، أي لما يمكن أن نسميه "قلب الاقتصادات الصاعدة"، فمن دون الخليج ونفطه لا يمكن قوة الصين أو الهند  -  اللتين تعتمدان عليه بنسبة تفوق الثلثين من الطاقة  -  أن تستمرا في الصعود، أو حتى أن تقويا على البقاء كاقتصادات مزدهرة. وتسعى الصين للتغلب على أفضليات الهند في الخليج العربي أو حتى في المحيط الهندي عبر استراتيجية احتواء واسعة النطاق؛ أي باحتواء القوة التي تتمتع بأفضلية في الخليج، أو قد تهدد المصالح الحيوية الصينية في المستقبل. وتقوم استراتيجية الاحتواء الصينية فعليًا على: مدّ نفوذها البحري جنوبًا، من كوريا إلى أفريقيا عبر المحيط الهندي، ويشمل ذلك الاستئثار بالنفوذ في منطقة بحر الصين الجنوبي، وتأسيس القواعد والشراكات في المحيط الهندي حتى ساحل أفريقيا الشرقي، كما أوضحت الدراسة آنفًا، والوصول إلى الدول الأفريقية في أنحاء القارة حيث تعمل بجد منذ عقود. مدى نفوذها البري شمالً، من خلال طريق الحرير البرية التي تصل الصين بأوروبا عبر باكستان وآسيا الوسطى، إذ تقوم استراتيجية الصين منذ عام 0132 على بناء هذه الطريق وعقد اتفاقيات مع الدول التي تمر بها. إذًا، لم تتوقف أهمية "الاحتواء" بوصفه استراتيجية في العلاقات الدولية، فقد تم إحياؤه في الوقت الراهن عبر خطط متضادة في ما بين الهند والصين. فالطرفان يسعيان إلى تحقيق هدف واحد، هو تأمين الوصول إلى نفط الخليج بحرية وتأمين الطرق الموصلة إليه، ومنع أي طرف من الاستئثار بالخليج على نحو يحرم الطرف الآخر من الوصول إلى مصالحه؛ ويؤدي إلى الإخلال بتوازن القوى. من جهة أخرى، قد تفكر الهند في موازنة علاقاتها بالصين والولايات المتحدة، فمهما كانت خلافاتها وتنافسها مع الصين، فإنها تبقى دولة كبرى جارة مؤثرة في مجمل قضايا المنطقة نفسها التي تتشاركها مع الهند. لذلك، فإن خيار التحالف مع الولايات المتحدة ضد الصين قد لا يكون الخيار الأمثل الذي تفكر فيه الهند على المدى البعيد. في الواقع، عند التفكير في كيفية التعامل مع الصين والولايات المتحدة، يذهب باحثون إلى صياغة مجموعة من الاستراتيجيات، مثل54:

  1. The White House, "National Security Strategy of the United States of America," (December 2017), pp. 46 - 47, 50, accessed on 26/4/2018, at: https://bit.ly/2CzLLd7
  2. Ibid., pp. 25, 38.
  3. Madan, p. 195.

عدم الثقة بأحد، استنادًا إلى افتراض أن الدول الأخرى غير موثوق بها، وبأنها ستعمل لتعزيز مصالحها الخاصة، وليس لتعزيز ازدهار الهند. ويمكن لمصالحهم أن تعقِّد تحقيق أهداف الهند. ولذلك، فإن أفضل استراتيجية هي الحفاظ على مسافة واحدة بين كل من الصين والولايات المتحدة، والاستفادة من كليهما عند الاقتضاء، ولكن مع ضرورة تقليص تأثيرهما في الهند. العمل مع الصين، فالولايات المتحدة لها أولوياتها وستهتم بأمنها أولً، وبما أن الصين والهند، كعملاقين آسيويين ناشئين، لديهما أهداف مشتركة، فإن عليهما العمل معًا لتحقيق هذه الأهداف. كما أن العمل من أجل مصالح أطراف ثالثة كالولايات المتحدة، قد يعرض علاقات الهند بالصين للخطر. لذلك، ينبغي للهند أن تعمل مع الصين للحد من دور الولايات المتحدة وتأثيرها في علاقتها، وفي آسيا، وعلى نطاق أوسع في العالم. التحالف مع الولايات المتحدة ضد الصين، وذلك استنادًا إلى افتراض أن الهند والولايات المتحدة لديهما الكثير من القواسم المشتركة، ومنها الديمقراطية. ومن ثمّ، فإن للبلدين أهدافًا متشابهة عندما يتعلق الأمر بالصين، أي باحتوائها. وبناء عليه، ينبغي للهند أن تسعى للتحالف مع الولايات المتحدة لمواجهة الصين. في الوقت نفسه، لا يذهب هؤلاء بالضرورة إلى أن على الهند اختيار إحدى هذه الاستراتيجيات، واستبعاد أخرى، بل قد تأخذ منها جميعًا بما يحقق مصالحها. فقد تغيرت فكرة "الحديقة الخلفية" أو "منطقة التأثير" الخاصة بكل دولة من هذه الدول، فليس جنوب آسيا فقط هو منطقة الهند وإنما شرق آسيا أيضًا، والعكس ينطبق على الصين. أما الولايات المتحدة فقد أصبحت حاضرة في المحيط الهندي والهادئ وفي قلب آسيا، أي في أفغانستان، ومن ثمّ فهي موجودة في منطقتي الهند والصين. ومع سعي البلدان الثلاثة للحصول على الموارد والتأثير، فإن مصالحها تتقاطع في مناطق أخرى من العالم55، وبخاصة في منطقة الخليج. أخيرًا، قد تتساءل الهند عند تحديد استراتيجيتها إن كانت هذه الاستراتيجية ستحل مشاكلها مع الصين أو تفاقمها، من دون المساس بأهداف أخرى. وقد ترى أن السعي إلى تحالف مع الولايات المتحدة ضد الصين قد يفاقم الوضع بدلً من احتوائه. علاوة على ذلك، قد يكون من الممكن تلبية الأهداف النهائية لمثل هذا التحالف  -  مثل الوصول إلى الموارد، والدعم في المحافل الدولية، وخلق الردع – من دون تحالف56. وبناءً على ذلك، فإنه لا يمكن التسليم نهائيًا باستراتيجية واحدة للهند في سعيها لتحقيق أهدافها في المحيط الهندي والخليج العربي. ولكن المؤشرات الحالية (استراتيجية الأمن القومي الأميركي، ووجود حزب الشعب الهندي في السلطة، وتسابق الهند والصين في عقد الاتفاقيات وتأسيس القواعد) تظهر أن تحالف الهند مع الولايات المتحدة حاصل فعلً، لكن من دون الإعلان صراحةً أنه موجه ضد الصين أو بهدف احتوائها. ولكن مضمون هذا التنافس سينعكس بالضرورة على علاقات الطرفين الهندي والصيني بدول الخليج العربية للأسباب التي ذكرناها آنفًا.

2. باكستان

ترتبط باكستان بعلاقات تقليدية مع دول الخليج في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية، كما تعد القوة النووية الوحيدة المسلمة في العالم. وقد أقامت دول الخليج العربية، وبخاصة المملكة العربية السعودية روابط أمنية وثيقة مع باكستان بفضل الجغرافيا والروابط الدينية والثقافية، والتي خدمت الطرفين استراتيجيًا خلال حقبة الثمانينيات؛ إذ استفادت باكستان من الدعم المالي والدبلوماسي السعودي في الوقت الذي وضعت فيه باكستان نفسها جبهة أمامية في الحرب ضد القوات السوفياتية في أفغانستان، كما عزز الجيش الباكستاني قدرة الدفاع السعودية أثناء الحرب العراقية – الإيرانية، من خلال إرسال ما يصل إلى خمسة آلاف جندي إلى المملكة57. ونتيجة للعلاقات الخليجية المميزة مع باكستان، فإنها تعد شريكًا لها يمكن الاعتماد عليه في حال امتلاك إيران للسلاح النووي؛ إذ يبدو شراء التقنية النووية العسكرية من باكستان ممكنًا عند الحاجة بالنسبة إلى بعض دول الخليج، مثل السعودية58. ولعل الهند تعتبر أن العلاقات الباكستانية الوثيقة بالخليج هي أحد معوقات تطوير العلاقات الأمنية الاستراتيجية الهندية مع دوله. فعلى سبيل المثال، يمثل طلب السعودية على نحو صريح في "عاصفة الحزم" من باكستان التعاون العسكري المباشر لمواجهة الأخطار التي تتهدد أمن السعودية ومصالحها في المنطقة، تأكيدًا على مدى متانة هذه

  1. Ibid., p. 196.
  2. Ibid., p. 197.
  3. Ehteshami, p. 16.
  4. Bill Sanderson, "Saudi Arabia to buy nuclear bombs from Pakistan: report," The New York Times , 17/5/2015, accessed on 25/10/2018, at: https://nyp.st/2RmurmX

العلاقة وتجددها باستمرار. ومن اللافت أن المملكة لم تلجأ إلى طلب مساعدة الهند على الرغم من أن هناك اتفاقية دفاعية وقعت بين الطرفين في شباط/ فبراير 0142 .

وتعتبر الهند أن العلاقات المتينة بين غريميها باكستان والصين عامل تحدٍ لها، وبخاصة إذا تحول هذا التحالف  -  الذي تعود جذوره إلى تأييد الصين لباكستان في الصراع مع الهند منذ الاستقلال وبخاصة في مسألة كشمير59  -  إلى تعزيز جهود الطرفين في المحيط الهندي، وكذلك تعزيز الطرفين علاقاتهما الاستراتيجية بدول الخليج العربية. وفي الوقت نفسه، يمثل العداء الهندي  -  الباكستاني تحديًا للسعودية ودول الخليج الأخرى في علاقاتها بالطرفين. ومن ثمّ، فهي تحاول الامتناع عن التدخل في نزاعاتهم الممتدة. فقد أبدت دول الخليج العربية في السنوات الأخيرة، كما بيّنا آنفًا، احترامًا متزايدًا للهند بوصفها قوة اقتصادية صاعدة توفر فرصًا اقتصادية وتعاونًا إقليميًا ودوليًا مهمً. وفي المقابل، تراقب باكستان هذا التحسن المتنامي في العلاقات بين الهند ودول الخليج وتخشى أن يكون على حسابها في وقتٍ ما، وبخاصة أنها قلقة من أن الهند تعمل جاهدة، على المدى الطويل، على إبعاد دول الخليج عن باكستان؛ فتآكل الدعم الدبلوماسي لإسلام آباد، وبخاصة في الأمم المتحدة، هو هدف هندي رئيس. وقد عزز الشكوك الباكستانية، تقليص السعودية حديثها صراحة عن النزاع حول كشمير، على الرغم من أنها تحث الطرفين على التوصل إلى تسوية سلمية60. لكن الهند تعوّل على دعم الولايات المتحدة لها مقابل باكستان في الخليج، كما هو الحال في الموقف الأميركي بين الهند والصين. فاستراتيجية الأمن القومي الأميركي لا تذكر باكستان إلا باقترانها بالتهديدات الإرهابية أو شرط مكافحتها. فبحسب هذه الاستراتيجية: "سنضغط على باكستان لتكثيف جهودها لمكافحة الإرهاب؛ إذ لا يمكن لأي شراكة أن يتم الحفاظ عليها في ظل وجود دعم للمسلحين والإرهابيين الذين يستهدفون أعضاء ومسؤولي شركائنا. كما ستشجع الولايات المتحدة باكستان على الاستمرار في إظهار أنها مسؤولة عن أصولها النووية[...]في باكستان، سنبني علاقات تجارية واستثمارية مع تحسن الوضع الأمني، في حال أثبتت باكستان أنها تساعد الولايات المتحدة في تحقيق أهدافنا في مكافحة الإرهاب"61. ولذلك، تحظى الهند وشركاتها مع الخليج العربي بدعم الولايات المتحدة، وتحظى بالأولوية على أي دور لباكستان في الخليج، وبخاصة العلاقات المميزة التي تربطها بالسعودية.

3. إيران

نظرًا إلى أهمية علاقة الهند بالطرفين الإيراني والخليجي، فإنها تسعى في هذا السياق إلى توظيف المبدأ التقليدي في سياستها الخارجية بوصفها دولة محايدة وزعيمة حركة عدم الانحياز وأن علاقاتها مع أي طرف لن تكون على حساب الأطراف الأخرى. وقد تجلى هذا الموقف بوضوح عندما أجرى الملك سلمان بن عبد العزيز في حزيران/ يونيو 0152  اتصالً برئيس الوزراء مودي بشأن عملية "عاصفة الحزم"، فكان ردّ الأخير دبلوماسيًا وينمّ عن "عدم الرغبة في التدخل"، فقد تمنى "أن يُستعاد السلام والاستقرار تحت قيادة الملك"62. في الواقع، تقوم علاقات الهند بكل من إيران ودول الخليج العربية على أساس براغماتي. من جهة، تتركز العلاقات الهندية – الخليجية أساسًا على المصالح المتبادلة، كما أوضحنا سابقًا. ومن جهة أخرى، فإن الهند وإيران دولتان متجاورتان تكاد لا توجد بينهما مشاكل على المستويين الثنائي والإقليمي، بل ثمة تعاون قائم مهم بينهما. وترتكز العلاقات بينهما على المصلحة الوطنية المتعلقة أساسًا بأمن الطاقة والتعاون الدفاعي. فالهند تسعى إلى تنويع مصادرها من النفط والغاز الطبيعي، حيث تعد إيران ثاني أكبر مصدّر للنفط إليها بعد السعودية. وتعد إيران أيضًا سوقًا مهمةً للصادرات الهندية من المعدات الدفاعية ذات الأصل الروسي، وذلك بموجب التراخيص التي تحوزها الهند لصناعة مثل هذه المعدات. كما تتعاون الهند مع إيران في بناء منشآت لإصلاح السفن الحربية في ميناء تشاباهار الإيراني، ويقيم مهندسو طيران هنود في القواعد العسكرية الإيرانية للمساعدة في تحديث مقاتلات ميج - 92  ولتجديد دبابات تي - 72  وصيانتها. كما

  1. Malik, p. 354.
  2. Robert Mason, "Realizing the Indo - Saudi 'Strategic Partnership': An
  3. The White House, p. 50. 62  " King Salman, Indian prime minister confirm close ties," Arab News , 30/4/2015, accessed on 30/6/2017, at: https://bit.ly/1Fkb0w8
  4. Analysis of the Leading Drivers," in: Gupta et al. (eds.), India and the Gulf , pp. 113–114.

ساعدت الهند إيران في خدمة معداتها البحرية والقوات الجوية وتطوير بطاريات للغواصات تناسب مياه الخليج63. ونظرًا إلى هذه العلاقات المهمة، لا تتوقع دول الخليج دعمً هنديًا جديًا لصالحها في أوقات الأزمات، وبخاصة تلك القضايا ذات الصلة بإيران. فالهند تدرك تمامًا أن اتصال السعودية بها في بداية عاصفة الحزم، المشار إليه أعلاه، لا يتعلق بطلب الدعم. وقد أوضح تلميذ أحمد Ahmad Talmiz، سفير الهند لدى السعودية آنذاك، أن الملك أراد التأكيد على قلق المملكة من التوسع الإيراني العسكري والسياسي في المنطقة، وأن اللجوء لمشاركة باكستان في الدفاع عن مصالح السعودية تجاه اليمن يجب ألا يُقرأ على أنه انتقاص من علاقات السعودية بالهند64. ويؤكد هذا أن السعودية ودول الخليج تدرك أن باكستان لا تزال مستعدة لتقديم المساعدة العسكرية في الأزمات، في حين يصعب الاعتماد على الهند في هذا المجال، حيث تفضّ ل الهند في مثل هذه الحالات استدعاء مبدئها الأساسي في السياسة الخارجية وهو "الحياد." ومع ذلك، لا توجد اعتراضات من دول الخليج على تطور العلاقات بين الهند مع إيران منذ عقود، فهذه الدول تدرك أن الهند دولة إقليمية كبيرة، وقريبة جغرافيًا من إيران، وأنها تحتاج إلى تجارة واسعة معها. لذلك، فهي لا تتدخل في مصالح الهند وعلاقاتها الخارجية. كما يبدو أن الهند من طرفها تتفهم وجهات نظر دول الخليج إزاء إيران ولم تبدِ اعتراضات عليها أو تصدر مواقف بشأنها، فهي تراعي أهمية وحجم مصالحها مع الطرفين.

خاتمة

لا يزال الخليج العربي يحتفظ بأهميته الاستراتيجية، ويعد حاليًا عصب الاقتصادات الصاعدة، ومن ثم يمكن لدوله استثمار ذلك في مصلحتها، فهي التي تملك ال وررات النفطية والمالية اللازمة لتشغيل تلك الاقتصادات. فاعتماد الهند على النفط من الخارج يتصاعد باستمرار، وهي تعتمد بنسبة كبيرة من هذه الواردات على دول الخليج. لذلك، يعد أمن الخليج واستقراره ضمن المصالح الأساسية للهند. ويتطلب إدراك دول الخليج العربية لمكانة الهند الدولية المتنامية وقربها من منطقة الخليج ومصالحها فيها، أن تعزز علاقاتها بها بما يساهم في أمن المحيط الهندي والخليج العربي ودوله. كما يتطلب من دول الخليج العربية أن تنسق سياساتها تجاه الهند، وأن تقيم حوارًا خليجيًا من أجل تطوير الاتفاقيات الثنائية معها، التي تم توقيها مؤخرًا، إلى اتفاق شامل جماعي يزيد قوة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ويعزز مصالحه، ويؤدي مستقبلً إلى ربط العلاقات التجارية مع الهند بالتزامها تجاه القضايا والمواقف الخليجية؛ لأن الهدف من تنويع الشركاء في الخارج هو تعزيز أمن الخليج. تهتم الهند والصين وباكستان بأمن الخليج وتتطلع إلى توسيع نفوذها وتعزيز علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي. وكما تبين من الدراسة، فإن الصين تعد التحدي الأبرز والمنافس الحقيقي للهند في منطقة المحيط الهندي عمومًا، ومنطقة الخليج بخاصة، حيث تعتمد الصين أيضًا على واردات الطاقة من الخليج لتلبية طلبها المتصاعد. وقد تسعى كل من الهند والصين إلى احتواء الطرف المقابل، عبر التنافس على إنشاء القواعد في المحيط الهندي وعلى طرق التجارة البحرية وعبر تعزيز علاقاتها بالدول الساحلية. وتعد الولايات المتحدة عاملً مركزيًا في سياسات الاحتواء الجديدة هذه؛ إذ تعتبر علاقاتها بالهند متينة، بينما تخشى تصاعد نفوذ الصين الدولي والإقليمي المنافس لها. ولذلك، قد تستفيد الهند من هذه الأفضلية المهمة، ولكنها في الوقت نفسه تدرك أهمية الاستقرار في المناطق التي تتشاركها تاريخيًا مع الصين وفي المناطق التي تمثل مصالح حيوية لهما مثل الخليج. وبناءً عليه، من المرجح أن تستفيد الهند من علاقاتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة دونما صدام مع الصين أو تحالف ضدها بالضرورة. ولكن، هذه العلاقات سوف تفيدها من دون شك في تعزيز مكانتها في الخليج العربي؛ بسبب تأييدها لصعود الهند ولسياساتها، فضلً عن ميزة الهند المتمثلة بالوجود الديموغرافي الكبير والقرب الجغرافي. في الوقت نفسه، تعد الهند وباكستان شريكين مهمين لدول الخليج. ومع أن العلاقات السياسية بين الهند ودول الخليج قد شابها الفتور منذ عقود بسبب العامل الباكستاني، فإن شراكات الهند الاستراتيجية الأخيرة مع بعض دول الخليج يتعين ألا تُعد انتصارًا دبلوماسيًا ضد باكستان. فعلاقات دول الخليج بباكستان تقليدية ومتينة، ويتعين في إطار تنويع الشركاء الاستفادة من مميزات كل شريك وألا تكون العلاقات بأي طرف على حساب الآخر، تمامًا مثل النهج الهندي الحالي الذي يفضّ ل الحياد في علاقات الهند بكل من إيران ودول الخليج العربية.

  1. Behzad Shahandeh, "India, Iran, and the GCC: Trilateral Cooperation in the Making," in: Ranjit Gupta et al. (eds.), India and the Gulf , pp. 77–79, 83.
  2. King Salman, Indian prime minister confirm close ties."

المراجع

Ehteshami, Anoushiravan. Dynamics of Change in the Persian Gulf: Political Economy, War and Revolution. New York, NY: Routledge, 2013. Fettweis, Christopher J. "Sir Halford Mackinder, Geopolitics, and Policymaking in the 21 st Century." Parameters (Summer 2000). Ghosh, Suchandra. "Maritime Trade between the Persian Gulf and West Coast of India (C. 3 rd Century A.D. to 7 th Century A.D.)." Indian History Congress. vol. 64 (2003). Gupta, Ranjit et al. (eds.). India and the Gulf: What Next? Cambridge: Gulf Research Centre, 2013. Gupta, Ranjit. "India and the Gulf: Looking beyond Energy, Islam and the Diaspora." (November 26, 2013). at: https://bit.ly/2I19eKx Impact of Labor Mobility on Sustainable Development. Abu Dhabi: Emirates Center for Strategic Studies and Research, 2013. Mackinder, Halford J. Democratic Ideals and Reality: A Study in the Politics of Reconstruction. Washington, DC: National Defense University Press; London: Constable Publishers, 1942. Malik, Mohan. "India Balances China." Asian Politics & Policy. vol. 4, no. 3 (2012). Mohan, C. Raja. "India and the Balance of Power." Foreign Affairs. vol. 85, no. 4 (July - August 2006). OPEC. "OPEC Share of World Crude Oil Reserves." (2016). at: https://bit.ly/1jKA6cN Quah, D. "The Global Economy's Shifting Centre of Gravity." Global Policy. vol. 2, no. 1 (2011). Riad, Mohamed. "Geopolitics and Politics in the Arab Gulf States." GeoJournal. vol. 13, no. 3 (October 1986). Sempa, Francis P. Geopolitics: From the Cold War to the 21 st Century. New Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 2002. Spykman, Nicholas J. The Geography of the Peace. New York, NY: Harcourt, Brace and Company, 1943. The Ministry of External Affairs. Government of India. "India–Saudi Arabia Bilateral Relations." at: https://bit.ly/2F6WSzB The White House. "National Security Strategy of the United States of America." (December 2017). Ulrichsen, Kristian Coates. "The Gulf States and the Rebalancing of Regional and Global Power." James A. Baker III Institute for Public Policy (January 2014). Venkatshamy, Krishnappa & Princy George. G rand Strategy for India: 2020 and Beyond. New Delhi: Institute for Defence Studies & Analyses, 2012. "X" [George F. Kennan]. "The Sources of Soviet Conduct." Foreign Affairs (July 1947).