"تونس: ثورة في بلاد الإسلام" لعياض بن عاشور
.Tunisie une révolution en pays d'islam عنوان الكتاب في لغته: تونس: ثورة في بلاد الإسلام عنوان الكتاب:. Yadh Ben Achour المؤلف: سنة النشر: 2.017 Tunis،.Cérès éditions الناشر: مكان النشر: تونس. عدد الصفحات: 084 صفحات.
"Tunis: A Revolution in the Land of Islam" by Yadh Ben Achour
هل يمكن أن نتحمل هذه الأيام قراءة كتاب عن ثورةٍ تونسية بدت للبعض سحابة صيف سرعان ما تأتي لتذهب، بعد ما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية من بؤس؟ اقتصاد على حافة الانهيار، فقر يتعاظم، وجائحة تعمق الأزمة، وتحولات سياسية بلا عمليات اجتماعية، ومنجزات تكاد لا تُذكر خاصة إذا ما قارنّاها بتلك الثورات الكبرى التي أعادت إنتاج مجتمعاتها على نحو مختلف، على غرار الثورات الأميركية والبريطانية والفرنسية والبلشفية. كتاب تونس: ثورة في بلاد الإسلام الصادر سنة عياض بن عاشور 0172 ، في طبعته الثانية، واحد من هذه المؤلفات التي يمكن أن ترجعك إلى يوتوبيا الثورة بعد أن فُك السحر عنها، إلى هذا الحد أو ذاك. لماذا هذا الاستثناء؟ لعدة أسباب منها أن المؤلف مختص في النظريات السياسية في الإسلام، وفي القانون العام، وترأس سنة 0112 الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، ويكتب عن الثورة التونسية، متّخذًا نوعًا من المسافة النقدية، وبعد مضي خمس سنوات على قيامها. والسبب الأول والأخير أن بن عاشور يحاول أن يقدم مقاربة مفتوحة على التاريخ وعلى علم الاجتماع وعلى علم القانون الذي هو اختصاصه. هذا الانفتاح على مقاربات مختلفة جعل المؤلف يواجه أطروحة بأخرى، مما عمق حسًا نقديًا حادًّا في بعض مواضع هذا العمل. ثم إن صاحبه يجتهد في اتخاذ مسافة فاصلة عن أحداث ووقائع هو بمنزلة الشاهد عليها لأنه منها. تقوم أطروحة بن عاشور على فكرة مفادها أن لكل ثورة سرها وسحرها وفرادتها، فليس ثمة من معيار يسمح بالحكم لها أو عليها، إلا من داخلها وما تقدمه من استثناء. فالثورة التونسية ليست حدثًا عارضًا يهتز عنده المجتمع في الأول، ويدور في الآخر على غير مقاصده، ليعود على أثره ثورةً مضادة مظفرة. إنها ليست كذلك؛ إذ تمكّن المجتمع التونسي من خلق ثورة لا نظير لها في التاريخ، كما يقول عياض بن عاشور. هي ثورة امتزج فيها القديم بالجديد، بقيادة المجتمع المدني الذي ضمن انتقالً ديمقراطيًا مرنًا يعتمد فن التسويات بين مواقف متباعدة جنّبت البلاد الانزلاق في أتون حرب أهلية. وذاك هو معنى التسوية التي لا تمثل خيارًا بقدر ما تعني التعايش مع الإكراهات. تلك هي الثورة التونسية في ذهابها وإيابها، وفي أخذها وردها، تسويات وتفاوض، ضمن سياق إكراهي ضاغط يجمع فاعلين اجتماعيين من مشارب واتجاهات مختلفة. ومن هذه الناحية بالذات، تأتي فرادتها من جهة قدرتها على التعايش مع المتناقضات والسمو فوقها، لذلك استحقت بجدارة الجائزة العالمية للثورات. هكذا يبدو مفهوم الثورة، إذًا، مفهومًا متفجرًا، مفتوحًا على التعدد، فلا قاعدة عامة مشتركة تحكم لها أو عليها. وإذا ما افترضنا، جدلً، وجود نظرية موحدة للثورات، فإنه يظل من الصعب الاتفاق على هتيمست نكي مل االوم ةروث هتيمست نكي مال مةيعجرم سايق ةدحو كذلك. ومن ذاك الذي يستطيع الحكم على الثورات، بها أو لها أو عليها، إن لم يكونوا الفاعلين أنفسهم؟ أما تصنيفات المؤرخين، فليست سوى بناءات فكرية تنخرط في استعمال جدالي، إنها مفْهَمَة وتعريفات. ويظل لكل سيرورة ثورية منطقها الخاص الذي يرتبط بسياقات إنتاجه وظروفه وأوضاعه. كل ثورة تفتح نافذة في التاريخ بعد أن يكسر الثوريون صفائح صلدة، فيخلقون أفقًا مجددًا للتاريخ. وليس بالضرورة أن يكون للثورة سبب لأنها السبب، بما تخلقه من دينامية جديدة، جعل منها مصدرًا لدورة تاريخية تبدو مختلفة مع بداية هذا القرن. فالثورة ليست بما صارت إليه، بل بما تسعى له فنراه في الأفق الآتي. على أن عياض بن عاشور يبالغ، أحيانًا، في عمق هذه الثورة، حين يوافق على أنها أعادت خلق المجتمع، مستندًا في ذلك إلى نص لسامي الزمني صادر بالإنكليزية سنة 0142 . والرأي، عندي، أنها تحدث دينامية سياسية سريعة، ولكن بلا عمليات اجتماعية عميقة. ومن هذه الناحية يمكن الاستفادة من المفهوم الغرامشي "للثورة السلبية" الذي يفترض بُطئًا في تبدل العلاقات الاجتماعية رغم الحيوية السياسية الظاهرة، ثم إنه يفترض وجود نقيض قوي لمن يعتبرون أنفسهم ثوارًا، هذا النقيض يمكن أن ينزل إلى الساحة بقدرات حاسمة في الكشف والتوضيح والإقناع. يتعلق الأمر بحرب مواقع قد لا تستند إلى برنامج ثوري يدفع حقيقةً في اتجاه تغير المجتمع، وأشدد، هنا على الفارق بين التغير بما هو عملية قاطعة، فجئية، والتغيير بما هو مسار تدريجي. المشكلة هنا، ولعل هذا قد يقلّل من استثنائية الثورة التونسية، أنها، رغم هذه الحيوية السياسية لا آثار اجتماعية حقيقية لها، على الأقل إلى حد الآن، بل يبدو أن الفاعلين الاجتماعيين الثوريين هم الآن خارج السلطة، ومع استبعادهم يتصاعد خطاب منظم يناهض العلمانية والحداثة ليعيد إنتاج الماضي. والثورة التونسية بحسب هذا الكتاب ليست ثورة أيديولوجية، أو حزبية، أو ثورة مقاتلة، وفوق ذلك لم تأتِ برؤية جديدة للعالم، إلا فكرة الفعل في ذاتها من القاعدة. ولأنها كذلك بلا رؤية، فإن آثارها العالمية كانت محدودة. حتى إن بعض فلاسفة التاريخ نزعوا عنها صفة الثورة، خاصة مع صعود الإسلاميين، وما قد يرافق ذلك من تراجع فكري وثقافي. ومع ذلك، ففيها إعادة اعتبار لمبدأ الجمهورية والكرامة المهدورة وأفضت إلى دستور جديد. ثم إنها، إلى هذا الحد أو ذاك تصفي حسابها، بطريقة لا تخلو من صراع، مع الماضي. وهنا يتقدم التاريخ، قفزًا، ويضطر إلى التراجع أحيانًا، تصفية لهذا الحساب. إنه مكر التاريخ وعقله الذي لا يعود إلى الماضي إلا ليسترد حيويته
وطاقته ليسير بعدها قُدُمًا إلى الأمام. وها إن الإسلاميين وقد بلغوا سدة السلطة، ها هم يمضون على دستور غير تيوقراطي، وها هم يُستبعدون، إلى حد ما من السلطة، ثم يعودون إليها، سنة 0192 بمساندة شعبية ضعيفة في الانتخابات. لكل هذا وذاك يشدد بن عاشور أكثر من مرة على أن الثورة ليست مفهومًا علميًا مجرّدًا وعالميًا، بل مصطلح متطور، ضمن سياق مخصوص، وبريشة مفكر بعينه يتموضع ضمن خطاب معيّ. والخطاب، كما يقول ميشال فوكو، منظم ومراقب ومعادٌ إنتاجه. فالثورة رهينة من يكتبها، وليس ثمة ما هو أكثر ألمعية وفائدة من ذاك النص الرائد "الثورة التونسية المجيدة" الذي رافق الثورة التونسية يومًا بيوم، فكتب ذبذباتها وتتبع أنسجتها1. وخلافًا لهذه الرؤية ستعترضك أطروحة مقابلة ترى الثورة انقلابًا على شرعية ما، أو مؤامرة تنخرط ضمن نظرية الفوضى الخلاقة، كما هو الحال مع كل من الهادي دانيال2، والمتفلسف التونسي المازري حداد3. هذا الأخير يرى الثورة حدثًا مبرمجًا ومسقطًا بواسطة فاعلين افتراضيين لا جنسية لهم. غير أن الثورة تُعرف، وخلافًا لهذه الأطروحة "الهزلية"، بأربعة عناصر: احتجاج شعبي، وانتصار مكثف لهذا الاحتجاج يفضي إلى سقوط نظام سياسي، ورسالة حرية وكرامة، وأخيرًا نظام جديد يحل محل القديم. وعندها يصبح المدهش، أو ما يمكن أن يُعدّ مستحيلً، ممكنًا. والمدهش في الثورة التونسية أنها تنبثق ضمن سياق إسلامي يعتمد براديغم الطاعة، ولا يعترف كثيرًا بالمقاومة والاحتجاج، إلا في حالات قليلة تم إسكاتها بالقوة، كما هو الحال مع الخوارج. وسرعان ما يقع وصم الاحتجاج بتصنيفات مختلفة غايتها الإقصاء، من قبيل الزندقة والمروق والخيانة، وأخطرها التكفير. وفي المقابل ترى هذه الحركات الاحتجاجية أن معارضة المستبد واجب شرعي وجب مقاومته حتى بالعنف لدى بعض الطوائف. على أن شرعيتها لا يمكن تبريرها، ما لم تكن تنسجم مع الأحكام الإلهية. ويجب التذكير هنا بأن النظريات السنية، الغالبية منها، لا تبارك الثورة وتراها خروجًا على الجماعة ولو كان الخضوع لإمام جائر، لأنها لن تؤدي إلا إلى الفتنة. ولذلك لم تُفهم الثورات العربية السابقة عبر التاريخ العربي الإسلامي؛ لأنها جاءت لتخلق ضجيجًا وتوترًا في نظام للعالم يقوم على القانون الإلهي. ولذلك كان التاريخ في الثقافة الإسلامية ليس سوى ترسيخ لشريعة الله في الأرض. والحقيقة أن عياض بن عاشور هنا لا يرى، أو لا يكاد يرى إلا زاوية واحدة من التاريخ يختزله في ما هو رسمي مؤسسي، وهذا يوازيه تاريخ مداه الزمن الطويل من الاحتجاج والخروج والتمرد الفكري والعملي غير الرسمي. على أن القرن التاسع عشر في تونس، ومع زعماء الإصلاح، سيحمل معه رؤية جديدة للثورة تنزع عنها، إلى هذا الحد أو ذاك، قيمتها السالبة. نجد هذه الرؤية في نصوص الوزير، أحمد خير الدين باشا، وأحمد بن أبي الضياف، لتتدعم مع ظهور الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار الفرنسي. بعد ذلك، تأتي مرحلة من الاستبداد رافقت حكومة الاستقلال بدءًا من عهد "المجاهد الأكبر" وصولً إلى ما يسمى "عهد التغيير" الذي أعلن عن نفسه يوم 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 9871 . هذه المرحلة تكثفت فيها حركات الاحتجاج والرفض، بمقدار الاستبداد وشراسته ضاربة عرض الحائط الأطروحة القائلة بأن الشعوب العربية ليست سوى شعوب خاضعة أبوية، رخوة، بلا فكر ولا مفكرين، ولا دراية لها بالسياسة. وإذا بالشارع التونسي على نحو خاص، والعربي عمومًا، ينطلق في مسار ثوري وديمقراطي غير مسبوق، فتسقط كل الجدران، إلا جدار الدين الذي، ورغم الرسالة الديمقراطية للثورة، ورغم مكتسبات الدولة المدنية، فإنه يظل راسخًا في حصنه المنيع، بل إن الدكتاتورية خلقت أرضية ملائمة "لدين ما بعد الثورة" عبر رفع شعار ضحايا الاستبداد من عناصر إسلامية وجدت في مناخ الديمقراطية جسرًا ذهبيًا لبلوغ السلطة. وهنا سينجح الإسلاميون في تقارب أطراف متباعدة، لنشهد تركيبة غريبة تمزج بين الديني والدنيوي في عجينة سياسية واحدة، ولكن من دون أن تخفف التوتر والتناقض بين الفاعل التيوقراطي والفاعل الديمقراطي. وسيظل هذا التناقض قائمًا، ليعلن عن نفسه خاصة أثناء الانتخابات وفي النقاش العام حول المرحلة الديمقراطية وصياغة الدستور. ليست الثورة التونسية، مع بن عاشور، وليدة حدث عارض بل نتاج حبكة تاريخية وعلامات مهدت لها فكانت احتجاجات المناطق الداخلية أو ما سُمي "مجتمع الثورة"4 التي حضرت أرضية ملائمة لقيامها. ثم إن الجسد الاجتماعي والسياسي التونسي كان حيًّا بقوى ونزعات فكرية وأيديولوجية متنافرة، ستُعلن عن نفسها إبان الثورة وما بعدها. لذلك لا يُفترض البحث عن الثورة في حد ذاتها، بل في مسارها الثوري، القبلي والبعدي، ولكن أيضًا في البناء المشهدي بما فيه من تركيز على لحظة الانبثاق؛ من أحداث وتعبيرات ثورية ولغة وشعارات، وخطابات، ورسوم، وغرافيتيس، ورسائل رقمية، ورسوم ساخرة. والتاريخ ينبئنا عن طريقتين لقيام الثورات، إما مشروع مفكر فيه، وإما شرارة متبوعة بتمرد، منها ينبثق المشروع. ولقد انطلقت
الشرارة التي أحدثت حريقًا من محمد البوعزيزي في 71 كانون الأول/ ديسمبر 0102 الذي حرك غضبًا شبابيًا التحق به "شعب" بأكمله كانت رسالته الأولى الحرية، ثم الكرامة، ومن أجل هذه وتلك سالت دماء وسقط جرحى. هكذا تكون الثورة غضبًا واحتجاجًا، ورسالة، فإلغاء لقديم فاعترافًا بجديد. والمثير هنا أن الرموز القديمة هي التي هيأت لولادة المرحلة الجديدة شرط أن ينحني الأول للثاني، ويعترف بشرعيته كما فعل المرحوم الباجي قايد السبسي. وهكذا انطلقت المرحلة الانتقالية بإنشاء "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة"؟ ثم ببعث المجلس الوطني التأسيسي، ثم بالانتخابات، وصولً إلى دستور 0142 . غير أن هذه التطورات السياسية قد لا تفضي بالضرورة إلى دينامية ثقافية، بل قد تفسح المجال إلى صراعات مرجعية تقوّي نزعة النكوص عن المكتسبات منذرةً بثورة مضادة تجعل من الهوية مدخلً لتشريع خطابها، وقد تكون خطورتها أشدّ وطأة من دكتاتورية مستنيرة، لولاها لما كان لهذه الثورة أن تكون. هكذا دخلت تونس مرحلة من صراع المرجعيات بين قوى تقدمية بثقافة حداثية، وقوى سلفية تبحث هي أيضًا عن ثورتها، مستفيدة من تطور الثقافة الجهادية على مستوى العالم. نحن هنا إزاء ديمقراطية في بلد الإسلام، وليس من المستغرب أن تفتح الباب لحكومة إسلامية. هذا ما حصل في مجمل المجتمعات العربية الثائرة، ومنها تونس. غير أن صعود الإسلاميين هذا فسح المجال لعشوائيات لم تكن من بين المقاصد التي اندلعت من أجلها الثورة. يسأل جيل كابال Gilles Kepel شابًا تونسيًا إثر اندلاع الثورة عن انتظاراته من فوز حركة النهضة في الانتخابات، فيجيبه أول شيء ستتغير ملابس النساء، فنحن في بلد مسلم. فيذكره الباحث، ولكن راشد الغنوشي يرى غير ذلك، فيقول الشاب: "إنه يفعل ذلك حتى لا يصدم الأجانب، وسنفصح عن أنفسنا بالتدريج"5. هذا المثال يعلن تحرير طاقة الإسلاميين ونزعتهم إلى السلطة، ولكنه يكشف لغة ممتزجة تخبر عن انكسارات داخلية للإسلاموية السياسية. وعند بلوغ الإسلاميين، جزئيًا، سدة الحكم، تدخل تونس مرحلة صراع بين نزعة تدفع في اتجاه أسلمة المجتمع والثقافة، ونزعة أخرى في الطرف الأقصى تدافع عن دمقرطته. وحول هاتين النزعتين، تدور كل الحياة السياسية في تونس. ولم يكن ثمة من بد سوى البحث عن تسوية سياسية بين النزعتين تخفي تناقضات قابلة للانفجار. المثير، وتونس تدخل مرحلة الانتخابات الديمقراطية، ملاحظة التباعد بين شعب الثورة وشعب الانتخابات، بين رسالة الثورة ومقاصدها ورسالة الانتخابات. وهنا يلاحظ بن عاشور انحسارًا للنشاط الثوري وتنامي البعد المطاوع للناخبين، والنتيجة تعلن مفاجأتين الأولى تتعلق بالتعددية السياسية والثانية تعلن تسوية تاريخية بين القوى العلمانية والقوى الإسلامية، كما لو أن الأمر يتعلق بزواج ضد الطبيعة. غير أن الثورة، وهذا معروف في التاريخ، تدور على غير أسمائها لتخرج من رحمها الثورة المضادة لأن الجميع يرى نفسه فيها، فهي ليست لقوة بعينها. وهنا تبدأ فكرة تحصين الثورة ودسترتها. ولعل أشد مظاهر الثورة المضادة خطورة تصاعد العنف والإرهاب، هذا الأخير يتغذى من نظرة متشددة للإسلام، ولكنه أيضًا وليد عجز في تحقيق العدالة الاجتماعية. ولعل أكثر ما شدني إلى هذا الكتاب انتباهه إلى فكرة التسوية التاريخية للثورة، وقد خصص لها قسمً كاملً. وتكمن أهمية الفكرة في أنها تمثل جانبًا من فرادة الثورة التونسية وقدرتها على التزحلق بين المتناقضات، رغم ما في ذلك من وجهٍ خطِرٍ قد يكون وراء اندلاع الأزمات. ولقد جربت المجتمعات الإسلامية عبر تاريخها الممتد فن التسويات بما هو الوجه الأصيل لفن السياسة، بصفته تدبيرًا للواقع بحسب الممكن. هذا الفن في إدارة الخلافات يفرض نفسه، خاصة في الأزمات الكبرى التي لا يمكن الخروج منها إلا بالبحث في مناطق التقاطع والالتقاء في نقطةٍ تسَع الجميع، ودون ذلك الحرب الأهلية حين يندفع مجتمع أو يُدفع إلى أن يُفكك نفسه بنفسه. وفي هذه الحالة تكف التسوية عن أن تكون خيارًا، بل ضرورة لا بد منها. المشكلة الكبيرة في هذه الآلية أنها قد تكون تسوية تسويفية خاصة، إذا ما قربت بين براديغمات متنافرة كليًا. ولكن هل لدينا من خيار آخر غير تأجيل الصراع أو حتى الصدام الذي قد يأتي يومه؟ فالثورة تحرر القوى المتضادة فتعلن عن نفسها، وبعضها ينفرط من عقاله على نحو قصووي، فيبدأ النزاع ومختلف أشكال الصراع مخلّفًا أزمات سياسية طاحنة، أزمات تم استيعابها في تونس بواسطة ما سمّي الحوار الوطني. والدول التي لم تنخرط في مثل هذه التسويات دخلت في أتون حرب أهلية لم تستطع الخروج منها إلى الآن، ودونها عودة للدكتاتورية أو حكم العسكر. وأول لحظة تسوية في تونس، كانت بعث الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة التي ترأّسها مؤلف هذا الكتاب، وثانيها إعلان مسار الانتقال الديمقراطي بعد أقل من سنة على اندلاع الثورة 5(1 أيلول/ سبتمبر 0112 )، وثالثها إعلان التوافق آليةً للتسويات ولصياغة دستور جديد. وتظل التسوية التاريخية تلك التي كانت بين الدولة المدنية والدين، وينزع هذا الأخير، في رأي الكاتب، إلى أن يكون مغريًا لتطلعات الشباب، على نحو ما، ما دام يناهض الحيف واللامساواة الاجتماعية والطغيان والاستيلاب الثقافي والإمبريالي. وما الثورة الإسلامية في نظر المؤلف، استنادًا إلى المفكر الإيراني درويش شايغان Shaygan Daryush، إلا أدلجة للدين تفضي
إلى حوار الطرشان بين رجل الدين والرجل المدني، هذا اللاحوار تنجر عنه أفكار هجينة وزوابع من سوء الفهم، فتسقط في فخ تصادم التشكلات المتعارضة، فلا هي من الإسلام ولا هي من الثورة، وليس ثمة من حل لتجنب هذا التصادم Collision إلا بالتسوية، حتى تتعايش الأطراف المتباعدة. ولقد أُجبر التونسيون على اللجوء إلى حيل العقل السياسي، حتى إذا كان وهمً تعلقًا بصيغة من صيغ التعايش. ويثير الكتاب، بعد هذا، قضية أخرى تتعلق بقوة القانون في الثورة. هذه الأخيرة تقوم على أنقاض دستور قائم تستهدف تفكيكه. فالثورة والقانون ينتميان إلى حقلين متناقضين، وإذا ما قامت الثورة فذاك يعني أن نظامًا قانونيًا جديدًا سيأخذ مكانه، بدءًا من الدستور. هكذا صِ يغ دستور جديد في تونس ليكون الضامن الأساسي لتحوّل ديمقراطي ممكن. وهنا كشفت الطبقة السياسية في تونس عن حرص على تجنب الفراغ القانوني، مع أنه أمر وارد في المنعطفات الكبرى واللحظات الثورية، ولعل هذا ما يؤكد أصالة الثورة التونسية، بالنسبة إلى البعض حين أعطتها بعدًا قانونيًا يضمن استمراريتها، وبالنسبة إلى بعض المؤرخين الذين يرون أن هيمنة الفاعل القانوني كانت سببًا حاسمً في إجهاض الثورة. وهنا تدخل تونس في معارك صياغة دستور، ولكن لأي دولة؟ يبدو أن عقلية التسوية التي سادت أفضت إلى التموقع في المنطقة الرمادية التي تفسح المجال للتأويل الدلالي Semantic كنوع من التجميد المؤقت للصراعات بين نزعة تدفع في اتجاه أسلمة الدولة ونزعة تدافع عن مدنيتها. ويخلص المؤلف إلى أنه يجب التوافق على قيم أساسية، يسارية كانت أو يمينية، لتنجح الديمقراطية. هذه القيم تمثل حجر الزاوية لأي نظام ديمقراطي، وتونس تبدو، في نظره، بعيدة عن بلوغ التوافق الاجتماعي حول مثل هذه القيم. وما حصل خلال السنوات الأخيرة ليس سوى اتفاق شراكة سياسية. ومع الجمود الاقتصادي واستمرار التفاوت الاجتماعي، وتراجع المقدرة الشرائية مع غلاء المعيشة، وتفقير الطبقة الوسطى، يضاف إلى هذا تحالفات سياسية ضد الطبيعة (كما حصل مع الترويكا)، وتفكك الأحزاب السياسية وتفجر التكتلات، مع هذا الوضع المعقد يبدو أن الحلم الاجتماعي بالثورة ينزع إلى أن يصبح كابوسًا. فمقاصدها التي هب من أجلها الفاعلون الاجتماعيون صارت اليوم على المحك، لا فقط لأن العدالة الاجتماعية لم تتحقق، بل لأن التحالفات القائمة حاليًا تدفع، بالرغبة أو من دونها، في اتجاه عودة القديم. وينتهي المؤلف بأسئلة فيها نوع من الخيبة من قبيل، ماذا كانت، إذًا، هذه الثورة؟ مشاريع ورؤى جديدة أم مخاطر جديدة؟ ومع ذلك يخلص إلى القول أنه، مهما حمل المستقبل من مخاطر، فيبدو أن شيئًا ما مهمًّ قد حصل، أقلها التمرن على المواطنة والمعركة على الديمقراطية، هذه وتلك لا تقل قيمة عن الثورة. وتظل المسؤولية ملقاة على عاتق الفاعلين الأساسيين في بطء المسار الديمقراطي، ولعل الجانب الأكبر من المسؤولية تتحمله القوى الإسلامية التي ظلت تراوح بين أسلمة المجتمع ودمقرطته؛ ما أفقد تونس وقتًا ثمينًا استُنزف خاصة في صياغة دستور له ما له وعليه ما عليه من مآخذ. وأظن من جهتي أن تونس لا تزال في المنطقة الرمادية، رغم النجاحات النسبية التي تحققت. وقد تدور على غير ما هو منتظر، إذا ما تفاقم الوضع الاقتصادي وانحدر إلى مزيد التعقيد، حينها قد تكون النكسة كبيرة. هكذا كان هذا الكتاب لعياض بن عاشور الذي يتكون مما يزيد على أربعمئة صفحة دفاعًا حذرًا عن عمق الثورة التونسية وفرادتها عن بقية الثورات العالمية الأخرى بما تميزت به من خصوصيات داخلية.
المراجع
العربية
بشارة، عزمي. الثورة التونسية المجيدة وصيرورتها من خلال يومياتها. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 الهادي، دانيال. ثورة الفوضى الخلاقة: سلال فارغة. دار النقوش العربية،.2011 مجتمع الثورة. تونس: جامعة منوبة قسومي، مولدي.،.2015
الأجنبية
Ben Achour, Yadh. Tunisie une révolution en pays d'islam. 2 ème éd. Tunis: Cérès éditions, 2017. Haddad, Mezri. La face cachée de la révolution tunisienne, Islamisme et Occident, une alliance à haut risque. Préface de Samir Amine. Tunis: Editions Arabesques, 2011. Kepel, Gilles. Passion arabe, Journal 2011–2013. Coll. Témoins. Paris: Gallimard, 2013.