"الجهادية العربية" لحسن أبو هنية
المؤلف: حسن أبو هنية. سنة النشر: 2.018 الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. مكان النشر: الدوحة/ بيروت. عدد الصفحات: 624 صفحة.
"Arab Jihadism" by Hassan Abu Hania
الجهادية العربية: اندماج الأبعاد، النكاية والتمكين بين "الدولة الإسلامية" و"قاعدة الجهاد عنوان الكتاب:."
يضيف حسن أبو هنية هذا العمل إلى سلسلة طويلة من بحوثه التي تعالج مختلف أوجه الظاهرة الجهادية التي غدت في السنوات الأخيرة أحد أكثر الملفات إلحاحًا وارتباطًا بقضايا الأمن والتحول الديمقراطي والتحديث السياسي في العالم العربي. وكما في معظم كتاباته، يتميز تحليله للوثائق في هذا العمل، بتجاوز جفاف السرد النظري بما يزيد من سهولة قراءة النص، ولا سيما للقارئ العام في المنطقة العربية. يتألف الكتاب من تسعة عشر فصلً موزعة على ثلاثة أقسام رئيسة يتناول أوّلها أيديولوجيا الجهادية العالمية، في حين خُصص القسمان الآخران للحديث عن صعود تنظيم "الدولة الإسلامية"، وفروع تنظيم "قاعدة الجهاد" في العالم العربي. يعالج القسم الأول أيديولوجيا الجهادية العالمية، ويتتبع مسارها منذ المرحلة الاستعمارية وحتى زمن "الثورة المضادة" التي تلت ربيعًا عربيًا قصيرًا. يجمع هذا القسم بين الطابعين النظري والتوثيقي حيث يقدم فيه أبو هنية، ولو باقتضاب، مفاهيم أساسية كالتمكين والنكاية والجهاد التضامني والجهادية العالمية، وذلك في سياق تتبعه صيرورة الحركة الجهادية وتمايز خطابها الأيديولوجي وتبلور أبعادها المحلية والإقليمية والدولية خلال القرن العشرين. وكما يوحي عنوان الكتاب، يرصد الكاتب اندماج تلك الأبعاد في أعقاب "الحرب على الإرهاب" والاحتلال الأميركي للعراق عام.0032 إبان بنائه لمراحل تطور الجهادية العالمية، يتَّبع أبو هنية منهجًا كرونولوجيًا تقليديًا يبدأ بشرح أهمية المرحلة الاستعمارية بوصفها الحاضنة التي رعت بذرة الأيديولوجيا الجهادية، وأسست لتنامي الظاهرة لاحقًا في سياق الأنظمة ما بعد الكولونيالية. ويوضح كيف حافظت الحركة الجهادية على طابعها المحلي، وانخراطها في مواجهة مع ما تسميه "العدو القريب" المتمثل بالأنظمة العربية طيلة الفترة الممتدة حتى الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 9791 ، حيث شهدت ثمانينيات القرن العشرين تحول الجهادية نحو نموذج "الجهاد التضامني" الذي يستحث الراغبين في الجهاد على الهجرة لمؤازرة مجاهدين آخرين والدفاع عن أراضي المسلمين (ص. 51) يرى أبو هنية أن التأسيس لفكرة الجهاد التضامني قد تمّت على أيدي ثلاثة منظرين فلسطينيين هم، بدايةً، عبد الله عزام الذي ارتكز فكره على فكرة جهاد الدفع، وتبعه في ذلك أبو قتادة الفلسطيني وأبو محمد المقدسي (ص 45 - .)64 ويرى أن التأسيس النظري والعملي لفكرة الجهاد التضامني "الدفاعي" كان نقلة مهمة في اتجاه الجهاد المعولم الذي صبغ السنوات الأخيرة من القرن العشرين ومطلع القرن الحالي، خاصة بعد أن أعلن أسامة بن لادن قيام "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين" في شباط/ فبراير 9981 . وعمليًا، تأسست خلال تسعينيات القرن الماضي شبكات جهاد تضامني لتوجيه نشاط المجاهدين، وتنظيم حركتهم بين جبهات أفغانستان والبوسنة وطاجكستان واليمن والصومال والشيشان. تدريجيًا، ومع تبدّل الظروف الدولية والإقليمية، أتاحت الشبكات الجهادية المؤسسة سابقًا المجال لظهور خلايا جهادية تتمتع بالكثير من الاستقلالية، والقدرة على تنفيذ عمليات تستهدف المصالح الغربية في مناطق مختلفة، كتنزانيا وكينيا واليمن، بهدف النكاية واستثارة غضب الولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص. واستمر تركيز تنظيم القاعدة الممثل الحركي الرئيس للتيار السلفي الجهادي، على جهاد النكاية حتى هجمات 11 سبتمبر 0012 التي كانت التعبير الأوضح لذلك النهج (ص. 71) كان لتلك الهجمات أثر زلزالي في الحركة الجهادية وفي علاقة الولايات المتحدة بالعالم الإسلامي. فما تلا ذلك من "حرب عالمية على الإرهاب" أدى إلى إضعاف تنظيم "القاعدة"، وتحوّله نحو اللامركزية بعد خسارة ملاذه الآمن في أفغانستان. يوضح الباحث أنّ توجُّه بن لادن، ومن خلفه تنظيم "القاعدة"، نحو عولمة الجهاد واعتماد استراتيجية النكاية جاء نتيجة فشل التجارب الجهادية المحلية والتضامنية (ص 79 .) إضافة إلى ذلك، أدى تزايد الحضور العسكري الأميركي المباشر في منطقة الخليج العربي، بعد أن اجتاح نظام صدام حسين الكويت عام 9901 ، إلى اشتداد العداء للولايات المتحدة وللأنظمة المحلية التي استدعت ذلك الحضور. عمومًا، يلخص الكاتب العوامل التي قامت بدور مهمّ في تركيز أجندة التنظيمات الجهادية على مسألة قتال العدو البعيد بما يلي: غياب الديمقراطية وترسيخ الاستبداد، وعدم التوصل إلى حلّ عادل للقضية الفلسطينية، وتعاظم هيمنة الإمبريالية الأميركية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. أتاح الغزو الأميركي للعراق 003(2 ) بذريعة نشر الديمقراطية فرصة تاريخية لاستعادة زخم النشاط الجهادي عبر بوابة مقاومة الاحتلال (ص 113 .) وتحديدًا، أتاحت "السياسات الهوياتية" التي اعتمدتها الإدارة الأميركية في العراق فرصة مواتيةً لتقارب الجماعات الجهادية، ومكّنت شبكة الزرقاوي من التوسع والانتشار واستغلال مشاعر المظلومية عند سنّة العراق العرب، خاصة بعد "معركة الفلوجة" الأولى في نيسان/ أبريل 0042 (ص 611 .) ويرى الباحث أن الزرقاوي نجح خطابيًا في صياغة وتعميم أفكار سلفية جهادية لاقت صدى عند شريحة واسعة من المسلمين والعرب. وبمساعدة منظرين جهاديين معروفين كالمقدسي وأبو قتادة وأبو عبد الله المهاجر، إذ أظهر الزرقاوي الغزو الأميركي بمظهر "الحملة الصليبية"، وكفَّر الأنظمة
العربية والإسلامية المتعاونة مع أميركا، واستدعى مبررات شرعية لأسلوب العمليات الانتحارية وقتل المدنيين و"استراتيجيات الرعب من دون ضوابط" (ص. 012) يضيف الباحث أن أبرز ما ميز واقع الجهادية العالمية في سياق الاحتلال الأم كيرر للعراق كان المزاوجة بين نهجَي "النكاية" و"التمكين" على نحوٍ غير مسبوق (ص. 711)، وهي مرحلة يسميها "اندماج الأبعاد." في هذه المرحلة، اختلط البعدان المحلي والعالمي في أجندة التنظيمات الجهادية، فلم تعد تسعى فقط للنكاية وإرباك "العولمة العسكرية الأميركية" انسجامًا مع مقولة أولوية مواجهة "العدو البعيد"، بل تجاوزت ذلك وصارت أيضًا تسعى إلى التمكين والسيطرة، فطوّرت استراتيجيات للتمدد والانتشار وانخرطت في مواجهة مع "العدو القريب" متمثلً بالأنظمة السلطوية في المنطقة العربية مستغلة مشاعر الاحتقان الشعبي وغياب الأمن. ومن أبرز الملاحظات التي يشير إليها الباحث هي أن انطلاق عدد من الثورات والانتفاضات الشعبية في أكثر من بلد عربي في مطلع عام 0112 قد أدى إلى تغييرات بنيوية دفعت السلفية الجهادية للدخول في مرحلة من "التكيف الأيديولوجي" (ص 136 .) ويوضح كيف أنّ خطاب قيادات تنظيم "القاعدة" في المرحلة المبكرة من الربيع العربي تضَ مَّن انتقالً من "النخبوية" إلى "الشعبوية"، تلخصه دعوة أبو يحيى الليبي المجاهدين "لاستثمار أجواء الشجاعة والجرأة والتحدي والاندفاع التي تعيش هذه الشعوب نشوتها" لتحقيق التغيير الحقيقي، وهو "إقامة حكم الله تعالى" (ص 143 .) من جهته، يدعو عطية الله الليبي مجاهدي "القاعدة" لعدم الدخول في مواجهة مع "الطوائف المختلفة معهم في الحركة الإسلامية، كإخوة النهضة في تونس مثلً أو غيرهم، بل ينطلقون في العمل البنّاء الإعدادي، وهكذا الإخوة في مصر وسيناء ورفح وغيرها" (ص 514 .) تزامن ذلك مع تحول تنظيم "القاعدة" من كونه "تنظيمً مركزيًا نخبويًا مسلحًا بأجندة معولمة" إلى "شبكات شعبوية محلية بمسمى "أنصار الشريعة" تمهد لبناء منظومة إقليمية متحدة تعتمد الحوكمة المحلية وتناهض الهيمنة الغربية" (ص. 521) في الواقع، هنالك غموض يحيط بما يقصده الكاتب عند حديثه عن التكيف الأيديولوجي الحاصل، فسواء كان الحديث عن انزياح نحو الشعبوية واللامركزية التنظيمية أو عن مهادنة إسلاميين آخرين، جميع ذلك يشير إلى تكيف في الأدوات والاستراتيجية المعتمدة سبيلً للوصول إلى رؤية أيديولوجية ثابتة متمركزة حول الجهاد والتمكين وإقامة حكم الشريعة. ولم يشمل ذلك التغيير في المنهج، أيضًا، أحد أبرز أقطاب السلفية الجهادية، أي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، الذي استمر في التمسك بنهجه العنفي وتوسعه في اللجوء لأسلوب العمليات الانتحارية، وتوظيفه لخطاب هوياتي مذهبي متشدد قبل انطلاق ثورات شعبية في أكثر من بلد عربي، وبعده. يتابع الباحث عرضه التاريخي، ويبين أن انزياح ثورات الربيع العربي من السلمية نحو العسكرة بعد أقل من عامين على انطلاقها، وتزايد نفوذ قوى الثورة المضادة في أكثر من بلد عربي، مضافًا إليها تزايد حدة الصراعات الطائفية، كلها أتاحت فرصة تاريخية لظهور جماعات جهادية جديدة وتنشيط التنظيمات الخاملة وتجديد قدرة الخطاب السلفي الجهادي على الإقناع والحشد والتجنيد (ص 133 - 134 .) لكن في ظل هذا الواقع الذي يسميه في كتابه "ربيعًا" للجهادية (ص. 81)، لم تعد استراتيجية "اندماج الأبعاد" ممكنة، وتوضحت الاختلافات بين استراتيجيي التنظيمات السلفية الجهادية ومنظريها حول الأولويات والسياسات العملية رغم المشتركات الأيديولوجية بينهم (ص 621 .) وبناء عليه، انشطرت الجهادية العالمية إلى نهجين (ص 161 - 621 :) يمثل تنظيم "الدولة الإسلامية" النهج الأول الأكثر تشددًا في مسعاه لتمكين الشريعة وإقامة الخلافة، ويركز على مواجهة العدو القريب وينشط مدفوعًا باعتبارات هوياتية طائفية. مقابل ذلك، بقيت عدة تنظيمات جهادية أخرى ملتزمة بالنهج التقليدي لتنظيم القاعدة الذي يولي مواجهة العدو البعيد، خاصة الولايات المتحدة، اهتمامًا رئيسًا ويسعى أيضًا لتطبيق الشريعة وإقامة الخلافة لكن بأسلوب أكثر براغماتية. مشكلة هذا التقسيم هي ما يوحي به من ثبات في ما يتعلق بأجندات التنظيمات الجهادية والحدود الفكرية والتنظيمية التي تفصل بينها. في الواقع، تنظيم "الدولة الإسلامية" استهدف عدوَّيْه القريب والبعيد في الوقت ذاته ودون تمييز، وأسّس لذلك شرعيًا من خلال قاعدة "ملة الكفر واحدة" التي تتكرر في خطابات العدناني وغيره من قادة التنظيم وشرعييه. من ناحية أخرى، امتنعت "جبهة النصرة" و"حراس الدين" وغيرهما من أفرع "قاعدة الجهاد" عن استهداف الولايات المتحدة الأميركية أو أيّ ممّن يصنفونهم بالعدو البعيد (ص 434 .) وهناك كثير من الشواهد الأخرى التي تشير إلى عدم ثبات الأجندة الجهادية، وصعوبة تقسيم الجماعات الجهادية بناءً على تفضيلاتها المرحلية. من ناحية أخرى، يلاحظ المراقب للنشاط الجهادي والتنظيرات الشرعية والتبريرات المصلحية الموازية في العقود السابقة أنّ ما يطرحه أبو هنية بخصوص تعاقب أنماط العمل الجهادي، بدءًا من "الجهادية النضالية" (ص. 9) ثم جهاد العدو القريب وبعدها الجهاد التضامني والجهاد المعولم ومن ثم اندماج الأبعاد في مرحلة
الحرب على الإرهاب وأخيرًا انشطار الجهادية العالمية، هو في الواقع ليس بتلك السلاسة والوضوح ويترتب عليه عدة قضايا إشكالية. أولً: الربط التاريخي والنظري بين النضال ضد المستعمر والتنظيمات الجهادية المعاصرة يبدو مجانبًا للصواب. فما يشير له الباحث من جهاد ضد المحتل الأجنبي والنضال ضد الاستعمار لم يكن ذا طابع إسلامي بحت، بالرغم من الرمزية التي يحملها مصطلح "الجهاد." فتوظيف حركات التحرر الوطني ومن بعدها الأنظمة العربية العلمانية لمصطلح "الجهاد"، وغيره من المفردات الدينية، لا يعدو كونه توظيفًا خطابيًا مرحليًا بهدف الحشد والتعبئة والشرعنة، ويجب ألّ يُستخدم للتأسيس لرابط أو امتداد تاريخي قد يكون ضعيفًا. ويرتبط تزايد التنظيمات السلفية الجهادية وتوسّع رقعة نشاطها مؤخرًا بظروف سياسية متميزة صبغت العقود الأربعة الأخيرة، ويعالجها الكتاب باستفاضة في عدة مواضع. أما بخصوص الإرهاصات المبكرة لصعود النشاط الجهادي فهي محصورة بدرجة كبيرة في مصر في مرحلة ما بعد سيد قطب، ولم تتسرب خارج ذلك السياق التاريخي والجغرافي سوى في النصف الثاني من السبعينيات. والسلفية الجهادية كما نشهدها اليوم، خطابيًا وتنظيميًا، بالرغم من أهمية تلك المراحل المبكرة، هي ابنة تلاقح السلفية الوهابية مع الحركية الإخوانية القطبية على أرض أفغانستان في الثمانينيات1، ولم تنْمُ وتترعرع وتصبح فاعلً محليًا وإقليميًا ودوليًا سوى في عالم القطب الواحد. أما إن كان الحديث عن ظاهرة الإسلام السياسي عمومًا، فبالطبع للمرحلة الاستعمارية وتفكك الدولة العثمانية عظيم الأثر في توظيف الدين إطارًا للعمل السياسي والحشد الشعبي في المجتمعات العربية والإسلامية. ثانيًا: وفق ذلك العرض التاريخي الذي يقدمه أبو هنية يبدو مسار الجهادية العالمية سلسلة من ردات فعل: ظهرت الجهادية ردًا على الاستعمار. اتخذت منحى يركز على مواجهة عدوها القريب المتمثل بالأنظمة السلطوية المستبدة التي حكمت الدول العربية بعد الاستقلال. ركزت على الجهاد التضامني نظرًا إلى قمع الأنظمة السلطوية والغزو السوفياتي لأفغانستان واستغلال الأنظمة العربية وأميركا للمجاهدين. "دخلت الجهادية في طور العالمية ردةَ فعلٍ على دينامية العولمة" وسياسات الهيمنة (ص. 17) اندمجت الأبعاد الجهادية كردة فعل على الاحتلال الأميركي للعراق والسياسات الطائفية التي انتهجتها الحكومة العراقية وخاصة تهميش السنّة العرب. كان من نتائج عسكرة الثورات السلمية وتمكّن الثورات المضادة من مفاصل القوة في أكثر من بلد عربي أن انشطرت الجهادية وتباعدت أقطابها. يتسم التحليل البنيوي السابق بنسبة كبيرة من الصحة، لكنه في الوقت نفسه يصادر فاعلية الإسلاميين ذاتهم ويجعل منهم مجرد منفعلين. من الواضح أن هنالك الكثير من الأدلجة والالتزام العقائدي في صفوف الإسلاميين الحركيين، لكن هنالك أيضًا الكثير من العقلانية والتخطيط الاستراتيجي. والعلاقة الجدلية المستمرة وغير المستقرة بين الأيديولوجيا واعتبارات الواقع هي بالضبط ما يجعل محاولة التنبؤ بمسار الحركات الجهادية في غاية الصعوبة. يخصص الباحث القسم الثاني من الكتاب لتتبع صعود "الدولة الإسلامية"، بدءًا من الغزو الأميركي للعراق عام 0032 وحتى إعلان التنظيم قيام "الخلافة الإسلامية" في حزيران/ يونيو 0142 . كما يرى أن التنظيم بدأ شبكة سلفية جهادية أسسها الزرقاوي مباشرة بعد الغزو الأميركي للعراق تطورت وتوسعت لاحقًا، حتى أصبحت "منظمة بيروقراطية عسكرية بالغة التعقيد" ممتدة جغرافيًّا، ومدعّمة بجهاز أمني متماسك وأجهزة دعاية فاعلة (ص 189 - 901 .) حرص التنظيم، سواء في بداياته تحت قيادة الزرقاوي أو لاحقًا في ظل قيادة أبو عمر البغدادي وأبو بكر البغدادي، على تقديم نفسه "هوياتيًا ممثِّلً إسلامًا سنّيًا ممتهَنًا يتعرض لخطر التمدد الشيعي في المنطقة، ومناضلً ضد الإمبريالية العالمية والدكتاتورية المحلية" (ص. 901) وفي معرض تحليله العوامل التي ساعدت على ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية"، يركز على دور الاحتلال الأميركي في "ترسيخ الاختلافات الهوياتية الدينية والمذهبية بين السنة والشيعة" (ص. 841)، حيث مكّن الاحتلال القوى الشيعية الموالية لإيران من الهيمنة على مفاصل الحكم في العراق، وعمل على "تهميش السنّة كإجراء عقابي لانخراطهم في النظام السابق ومعارضتهم الاحتلال" (ص 841 .) كما يضيف عاملً آخر يتعلق بشخصية الزرقاوي ونهجه الجهادي المختلف، وقدرته على تسخير ظروف ما بعد الاحتلال لتوسيع شبكته الجهادية وتقويتها (ص 185 - .)861 ويسلط الضوء على دور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في زيادة شهرة تنظيم "الدولة الإسلامية" ونشر رسائله ودعاياته حول
العالم، لكنه لا يفصّل في الحديث عن ظاهرة "المقاتلين الأجانب" وأسباب نجاح التنظيم في اجتذاب وتجنيد شبان وشابات ممن وُلدوا وترعرعوا في الغرب، ولم يختبروا مباشرة قمع الأنظمة الدكتاتورية والتمييز الطائفي وظروف الغزو الأميركي للعراق وما تَبعه من "أزمة سنية"2. وفي القسم الثالث والأخير من الكتاب، يستعرض الباحث تجارب فروع تنظيم القاعدة في بلاد الشام وجزيرة العرب وبلاد المغرب الإسلامي، ويستفيض عند الحديث عن "جبهة النصرة" في سورية وتحولاتها التنظيمية والأيديولوجية وارتباطها بتنظيم القاعدة المركزي، وحيثيات فك ارتباطها به لاحقًا. يلاحظ الكاتب نزوع النصرة نحو البراغماتية وبحثها المستمر عن استقلالية تنظيمية وأيديولوجيا تميزها من باقي الفصائل المسلحة في سورية ومن تنظيم "الدولة الإسلامية"، ويستشرف بقاء الطبيعة الملتبسة للنصرة كونها عالقة بين انتمائها السلفي الجهادي وضغط الواقع السوري وتبدلاته السياسية والعسكرية. عمومًا، وفي سياق تأطيره ظواهر كتنظيم "الدولة الإسلامية" و"أنصار الشريعة"، يؤكد الباحث لا استثنائية التنظيمات الجهادية عن غيرها من التنظيمات العقائدية المسلحة حول العالم، خاصة من حيث تلوّنها بلون الظروف المحيطة بها وسعيها للتكيف بما يستجيب لحاجات محلية معينة. لكن كما في معظم دراسات الحركات الإسلامية المسلحة يبقى السؤال حول هامش المناورة والتكيف بلا إجابة في هذا الكتاب. ما حدود قدرة منظري العمل الجهادي وقادته على صياغة خطاب مرتبط بالظرف التاريخي والواقع السياسي الموجود؟ بمعنى آخر، هل الخطاب الأيديولوجي مطواع بيد هؤلاء القادة يصوغونه كيفما اقتضت الحاجة، أم أن هنالك ثوابت عقائدية تفرض نفسها على الخطاب الجهادي والاستراتيجية المعتمدة مهما كانت الظروف؟ تجدر الإشارة إلى أن عامل فشل الدول العربية في بناء هويات وطنية قادرة على استيعاب التنوع العرقي والديني والمذهبي يكاد أن يغيب عن التحليل الذي يقدمه الباحث؛ إذ تعود لحظة البداية إلى ما قبل الغزو الأميركي، إلى عقود سابقة فشلت فيها الأنظمة السياسية المحلية في تعزيز الانتماء الوطني الجامع وساهمت عبر القمع والتهميش في تهتك النسيج الاجتماعي ومهدت لتشظي الهويات عند أول منعطف سياسي. أسهم ذلك الفشل في تقوقع المواطنين ضمن تجمعاتهم الفئوية ما قبل الوطنية، وتسبب في بقاء النزعات الفئوية حاضرة وجاهزة للاستثمار والظهور عند أي أزمة على المستوى الوطني، وهو ما ظهر جليًا عقب الغزو الأميركي للعراق وما رافقه من غياب لحركة مقاومة وطنية جامعة. الشرخ الهوياتي الديني والمذهبي والعرقي ذاته، كان قد ظهر سابقًا في أعقاب حرب الخليج الثانية، وظهر بوضوح أيضًا في الحرب الأهلية اللبنانية ومؤخرًا في الحرب الأهلية السورية، فتلك السمة مرافقة للمجتمعات العربية منذ المرحلة الاستعمارية، واستثمرتها أنظمة ما بعد الاستقلال في أكثر من بلد عربي، وليس فقط في عراق صدام وسورية الأسد، ولا يقتصر وجودها على ظروف الاحتلال الأميركي. فمسؤولية أميركا وروسيا وإيران لا تنفي مسؤولية الأنظمة العربية التي استثمرت في النزاعات الأهلية والتقسيمات الفئوية في سبيل إطالة عمرها، واكتساب شرعية محلية ودولية بوصفها حاميًا للفئات المجتمعية من بعضها البعض وضامنًا للسلم الأهلي. منهجيًّا، يعد الباحث في مقدمة الكتاب بأن يقدّم رؤية مغايرة للتفسيرات الاستشراقية التبسيطية التي تختزل أسباب الظاهرة الجهادية في عوامل عقائدية وثقافية مزمنة ونابعة من الإسلام ذاته (ص 8 .) لذا يعتمد في كتابه إطارًا سياسيًا اقتصاديًا لتفسير الظاهرة. لكن في الواقع ليس ذلك الإطار جديدًا تمامًا، بل تذخر الإصدارات الحديثة المتعلقة بدراسات التطرف والإرهاب بتحليلات بنيوية تولي تأثير عوامل، كالفقر والجهل والاستبداد في انتشار التطرف الديني والعنف المؤدلج، عناية خاصة. لكنّ أيًا من المدخلين، البنيوي والثقافوي، لا يقدم منفردًا تحليلً متكاملً لصعود تنظيمات "الدولة الإسلامية" و"جبهة النصرة" و"حراس الدين" وغيرها. لا بد من الإشارة إلى أنه إضافةً إلى تلك العوامل الموضوعية، تتوافر عوامل ذاتية تتعلق بالجماعات والشبكات الجهادية نفسها، فتلك الجماعات مكونة من أفراد لهم رؤاهم وتفضيلاتهم وأسبابهم الذاتية التي قد ترتبط بتنشئتهم والتزاماتهم العقائدية ومصالحهم الخاصة وعلاقاتهم ببعضهم وبالمجتمع المحيط بهم، فضلً عن مسألة ركود الفكر الإسلامي عمومًا وغياب، أو تغييب، أي نزعة إصلاحية داخل المنظومة الفكرية الإسلامية طيلة ما يزيد على قرن من الزمن (ص 13 .) مجمل تلك العوامل الذاتية يجعل التنظيمات الجهادية أكثر من مجرد منفعل، سواء في ما يتعلق باستجابتها للظروف التاريخية المحيطة، بما فيها التفسيرات الدينية والأنماط الثقافية والأيديولوجية وطرق التفكير السائدة، أو حتى ما يتعلق برغبة تلك التنظيمات وقدرتها على المساهمة الواعية والموجهة بصناعة الواقع المحيط بها.
ذلك هو الانطباع العام، لكن الباحث أكثر خبرة من أن يعزو تطورات الجهادية العربية والعالمية لمجرد ردات فعل عفوية أو اعتباطية، فهو يدرك تأثير العوامل الذاتية النابعة من صلب التجربة الجهادية والعلاقات بين قادة الجماعات وأولوياتهم ومصالحهم المتنوعة. لكن من الواضح أن الكاتب قد اختار التركيز على العوامل الموضوعية، التي من السهل الوصول إليها في الكتاب، فهي على الأغلب مذكورة في مقدمات الفصول. أما العوامل الذاتية وخلافات القادة وتنوع التوجهات والمصالح والأولويات فهي مدفونة في متن النص في مواقع متفرقة قد يصعب الوصول إليها. من ناحية أخرى، تتفرع عن إغفال فاعلية الإسلاميين إشكالية أخرى تتلخص في تثبيت دعاية الجماعات الجهادية؛ فتلك الجماعات تحمّل الآخرين مسؤولية العنف والتدمير وتظهر نفسها على أنها مغلوبة على أمرها، ولا تملك سوى الدفاع عن مصالح الأمة ومستضعفيها أمام هجمات الآخرين وعدوانهم على الأرض والهوية. فلطالما استثمرت الحركات الجهادية في مشاعر المظلومية حتى بات ذلك منهجًا في الحشد والتجنيد ومخرجًا للتملص من الكثير من الاعتبارات الأخلاقية والقانونية. طبعًا ليس المقصود التقليل من أهمية الغضب كدافع للنشاط السياسي والعسكري، ولا التشكيك في صحة وقوع الظلم والتهميش ابتداء، بل لفت الانتباه لدور الإسلاميين وفاعليتهم في رسم مسار الفعل الحركي وتأطيره أيديولوجيًا وتحديد أدواته وهياكله التنظيمية.
المراجع
العربية
أبو هنية، حسن ومحمد أبو رمان. تنظيم الدولة الإسلامية: الأزمة السنية والصراع على الجهادية العالمية. عمان: مؤسسة فريدرش إيبرت،.0152
الأجنبية
Wiktorowicz, Quintan. "Anatomy of the Salafi Movement." Studies in Conflict & Terrorism. vol. 29, no. 3 (July 2006).