فهم "حماس:" تأملّات في ثلاثة مداخل نظرية مختلفة ومتشابكة
الملخّص
This study distinguishes between three Interrelated theoretical approaches prevalent in writings of researchers seeking to understand the emergence of the Islamic Resistance Movement, "Hamas". The first of these approaches examines the movement from the portal of ideology, stressing the importance of international and regional dimensions and the rise of political Islam after the "setback" (Naksa) of the 1967 Six Day War. The second approaches Hamas as representing a social movement seeking to revisit the historical narrative of Palestinian society. The third considers it to be the heir of the Palestinian national liberation movement, attributing its rise to transformations witnessed in Palestinian identity and the Palestinian community's definition of itself. Although the three readings do not contradict each other, a focus on one of them can lead to oversimplification or exaggeration: emphasis on the first approach is at risk of overlooking transformations in the movement in its later stages and a marginalization at the micro level of local dimensions; emphasis on the second approach can result in the overestimation of the effectiveness of collective action; exaggerated emphasis on the third approach deprives social actors of their effectiveness. Hence this study proposes situating Hamas in the intersection of these three approaches.
Understanding Hamas: Remarks on Three Different and Interrelated Theoretical Approaches
تميّز هذه الدراسة بين ثلاثة مداخل نظرية مختلفة ومتشابكة سائدة في كتابات الباحثين لفهم نشوء حركة المقاومة الإس ماايّة "حماس." يدرس المدخل الأول الحركة من بوابة الأيديولوجيا مشددًا على أهمية الأبعاد الدولية والإقليمية وصعود الإس ماا السياسي بعد نكسة 1967ً، ويرى المدخل الثاني حماس بوصفها ممثلة لحركةٍ اجتماعيّة سعت إلى إعادة النظر في السردية التاريخية للمجتمع الفلسطيني. أما المدخل الثالث، فيعدّها وريثة لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، ويردّ صعودها للتحولّات التي شهدتها الهويّة الفلسطينية وتعريف "الجماعة الفلسطينية" لنفسها. وعلى الرغم من أن القراءات الثلاث لا تناقض بعضها، فإنّ الاقتصار على واحدة منها يقود غالبًا إلى الإفراط في التبسيط أو المبالغة في التهويل؛ إذ يؤدي التشديد على المقاربة الأولى إلى إغفال التحولّات التي شهدتها الحركة في مراحلها المتأخرة وتهميش الأبعاد المحلية على مستوى المايكرو، ويؤدي التشديد على المقاربة الثانية إلى المبالغة في تقدير فاعلية الفعل الجمعي، أمّا المبالغة في توظيف المدخل الثالث فتسلب من الفاعلين الاجتماعيين فاعليتهم. لذلك تقترح الدراسة إيجاد حماس في منطقة التقاطع بين المقاربات الثلاث.
كلمات مفتاحية: حماس، الحركات الاجتماعية، الانتفاضة، الإخوان المسلمون.
Keywords: Hamas, Social Movements, the Intifada, the Muslim Brotherhood.
مقدّمة: كيف فهم الباحثون حركة حماس؟1
بدأت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" مشوارها النضالي رسميًا عشية انطلاقة الانتفاضة الأولى)1987(، بعد ما يزيد على عقدين ونيف من ولادة الحركة الوطنية الفلسطينية بنسختها الأكثر معاصرة بقيادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" التي انتزعت، بفضل الكفاح المسلّح، قيادة منظمة التحرير الفلسطينية (م. ت. ف)، عنوان الكيانية الفلسطينية. غير أن حماس التي كانت آنذاك نسخةً فلسطينية من جماعة الإخوان المسلمين وثورةً جيليةً عليها في الآن نفسه؛ شكلّت مسارًا كفاحيًا خاصًّا، وطبعت النضال الفلسطيني ببصمتها الخاصة التي لا تخلو من التصميم؛ ذلك التصميم الذي جعل "صاروخ القسّام"، الذي بدا حين صنعه مهندسون فلسطينيون أول مرة أقرب إلى السهم المشتعل، يصبح، بعد أقل من عشر سنواتٍ، ذا شأنٍ يُوضَ ع بسببه على طاولة المفاوضات، كما جعل جناح الحركة العسكري الذي بدأ بمجموعاتٍ صغيرة محلّية الطابع، يتحوّل اليوم إلى جيشٍ بعشرات الأجهزة والوحدات المنظّمة باحتراف. وعلى الرغم من تأخرها الزماني، وبالتحديد لأنّها متأخرة زمانيًا عن سابقيها من فصائل منظمة التحرير، فقد قدّمت توليفةً مطوّرةً، تجتمع فيها عناصر مكثّفة من الهوية الفلسطينية والأسلمة والتنظيم الصارم، جعلتها قادرةً على العمل في ظروفٍ قد تكون أشدّ ضراوةً من تلك التي عاشها و بيروت محاصَ)1982(. تلك التوليفة كانت عاملً من العوامل المتعددة التي دفعت الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات)2004-1929(، بفراسته الإشكالية، للمغامرة بتوقيعه "أوسلو"؛ لكي يقطع الطريق على ما فهمه أنه مشروع قيادةٍ جديدة للشعب الفلسطيني، في سياقٍ بدا فيه أنّ المنطقة العربية برمّتها تخطو نحو تحولّاتٍ عميقة على الصعيد الثقافي، وتتأثر بتحولّاتٍ أخرى عميقة على مستوى النظام الدولي. ولهذا السبب، ولأسبابٍ أخرى كذلك، أصبحت حركة حماس موضوعًا تنوعت فيه مقاربات الباحثين، الذين توسّلوا لفهمها تفسيراتٍ مختلفة، وإن كانت غير متناقضة. لا تهدف هذه الدراسة إلى تقديمِ فهمٍ شمولي لتحولّات الحركة في خطابها وممارساتها، وهو الموضوع الذي سال فيه حبرٌ كثير في العقود الثلاثة الماضية، بل تقتصر على تسليط الضوء على ثلاثة مداخل نظرية مختلفة، لكنها متشابكة، لدراسة حركة المقاومة الإسلامية - الفلسطينية التي تسود في كتابات الباحثين، والتي تشدد جميعها على البُعد الثقافي، ولكنّها في قراءتها لسلوك الحركة السياسي، تتفاوت في التركيز بين الأيديولوجيا والمجتمع والهُويّة. يتناول المدخل الأول حماس من بوابة الأيديولوجيا بوصفها حركةً إسلاميّة، يشغل فيه تحليل الخطاب Analysis Discourse موقعًا مركزيًا، بينما يتناول المدخل الثاني الحركة بوصفها ممثلةً لحركةٍ اجتماعيَّة، مركّزًا على الفعل Social Movement الاجتماعي الجمعي وعقلانيته النسبية، بينما يفهم المدخل الثالث حماس في سياق التحولّات التي شهدتها الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة، وتحولّات تعريف الجماعة الفلسطينيّة لنفسها، ويعدّها التعبير الأكثر تأخرًا لحركة التحرر الوطني الفلسطيني. وعلى الرغم من أهميّة المداخل الثلاثة المختلفة، فإنّ الاقتصار على مدخلٍ واحدٍ منها يقود إلى التشديد على أبعاد تحليلية مهمَّة، لكنه يهمّش أبعادًا مهمّة أخرى، ليقود بذلك إما إلى المبالغة في التبسيط، وإما إلى الإفراط في التهويل. ولأنّ السياقات المعقّدة يلزمها قراءاتٌ معقّدة، فإنّ أقترح إيجاد حماس في منطقة التقاطع بين المقاربات التحليلية الثلاث.
أولا: "البدايات:" حماس بوصفها حركة إسلاميّة
أولى هذه المقاربات التفسيرية هي دراسة ح ساا، من بوابة الأيديولوجيا؛ أي بوصفها حركةً إسلاميّة، وهو المسلك "الأسهل" الذي يسلكه دارسوها في مقاربةٍ تستند أساسًا إلى تحليل الخطاب، ومنه تُرى الحركة بوصفها جزءًا من كلّ. أمّا الجزء، فهو تقاليد التنشئة والعمل الحركي الذي يختلط فيه الروحي بالزمني، وينقلب فيه الداعية الديني إلى سياسي، وتبدو فيه لغةُ السياسة المعاصرة متطهرةً، وكأنّها تتدفّق من زمنٍ بعيد؛ إذ الأمّة هي جماعة المسلمين، والحُكْم هو شورى بينهم، والقتال جهادٌ واستشهاد، أما النصر فليس سوى صبر ساعة. وأمّا الكل، فلا يقتصر على الارتباط بجماعة الإخوان المسلمين، بل يتعداه بوصفه تجلّيًا من تجليات خيالٍ سياسي جديد نشأ بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967، وترسّخ بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وجرى عبره تثوير الإسلام، أو للدقة أسلمة الثورة2. فكما تخيّل القوميون العرب البلاد العربية وطنًا كبيرًا، وسكّانها العرب أمّة واحدةً تحلم أن تسود نفسها؛ وسّع هذا الخيال السيادة لتُوجَد أينما وُجدَت جماعة المؤمنين، لتغدو نظريًا بلا حدود، ولكنّها في واقعها المتحقق، أي في مجتمعاتٍ يغلب عليها التنوّع الثقافيّ، إنما وضعت ألف حدٍّ وحد3.
وفي العقود الماضية، سال حبرٌ كثيرٌ حول الديناميكيات التاريخية التي أسهمت في صعود الإسلام السياسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتشدد الأدبيات ذات العلاقة على أهميّة عوامل عديدة؛ منها: ترييف المدن ودوره في انتشار المحافظة الاجتماعية4، وأفول القومية العربية بعد النكسة؛ ما أنتج فراغًا أيديولوجيًا ملأته أيديولوجيا الثقافة الشعبية5، ودور الثورة الإسلامية في إيران6، والآثار السلبية لعملية بناء الدولة7، إضافة إلى تعميق اللامساواة في مرحلة الطفرة النفطية في السبعينيات والتي أسهمت في تحويل الإسلام إلى أيديولوجيا احتجاجية8، عداك عن النزعة العالمية في "إعادة اختراع التقليد" Re-traditionalization والتحوّل إلى اليمين بتوظيف سياسات الهُوية Identity Politics 9. وبالإجمال، يمكن القول إنّ القاسم المشترك بين مختلف تلك القراءات في هذا الاتجاه هو تشديدها على التحولّات الكبرى على المستوى الكلي Scale Macro وعلى الدور المهم الذي تؤدّيه الأيديولوجيا. لا شكّ في أنّ مقاربة حماس بوصفها حركة إسلامية، تحمل في ثناياها بُعدًا تفسيريًا مهمًّ، خاصةً في مرحلة "البدايات" في النصف الثاني من السبعينيات وفي الثمانينيات. ففي تلك المرحلة المفصلية، شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلّة عام 1967 تطوّرات جذرية هي نتاج العديد من الديناميكيات التاريخية المختلفة التي أنتجتها الحياة تحت الاحتلال، وأنتجت بدورها وضعًا تشابكت فيه "مشاكل اقتصادية مع استياءٍ اجتماعي وسياسي لينتج عن ذلك خليطٌ سياسيّ متفجّر"10. وقد أسهم ذلك في إنتاج شريحة اجتماعية كبيرة جاهزة للتعبئة السياسية منعتها أوضاعها الطبقية والاجتماعية من الانخراط في العمل السياسي المنظم، وفي إجراء نقلة نوعية في أشكال العمل السياسي الفلسطيني قادت إلى أفول النخب السياسية التقليدية الهشّة أصل11، وبلورة مجتمعٍ سياسي جديد عميق التواصل مع فكرة الدولانية التي مثّلتها منظمة التحرير، وهو ما أعطى الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة دفعةً لا مثيل لها12. غير أنّه كما عززت هذه الديناميكيات المختلفة، والتي سأناقشها في هذا الجزء من البحث، من نفوذ منظمة التحرير وثقلها السياسي، إلا أنها وفّرت أرضيةً مناسبة لتطوّر موازٍ وسريع للتيار الإسلامي، وما يشبه "الانقلاب الجيلي" داخل الحركة الإسلامية في فلسطين.
1. تحولّات جذرية في الأراضي المحتلة: الديموغرافية والتعليم والاقتصاد والاستيطان
في النصف الثاني من السبعينيات وفي الثمانينيات، ضربت إسرائيل أزمة اقتصادية حادّة؛ حيث تراجع معدّل النموّ السنوي للاقتصاد الإسرائيلي إلى الصفر، تحوّل بموجبه من اقتصاد "جائع للعمالة" إلى
آخر غير قادر على امتصاص فائض قوة العمل، وقد أثّر ذلك تأثيرًا كبيرًا في الظروف المعيشية لسكّان الأرض المحتلّة، فقد عمل أكثر من مئة وعشرين ألفًا منهم في قطاعات الصناعة والزراعة والبناء الإسرائيلية والخدمات، ليصُرف العديد منهم من أعمالهم13. كما ضربت الأزمة الاقتصادية نفسها الأردن بقطاعه الزراعي المتطوّر آنذاك، ودول الخليج التي كانت مصدرًا رئيسًا لتحويلات العمالة الفلسطينية المهاجرة14. وأسهمت القيود التي فرضتها الدول العربية على هجرة الفلسطينيين، وأبرزها الأردن ودول الخليج، مخافة تفريغ الأرض المحتلّة؛ في زيادة نسبة الشباب تحت سن الثلاثين عامًا في مجتمع الضفة الغربية وقطاع غزة عن 70 في المئة. ونتيجةً لذلك، كما وصف جيفري أورونسون الحال، فللمرّة الأولى منذ عام 1967 "وجد جيلٌ كاملٌ من الشباب الفلسطيني نفسه معتصرًا بصورةٍ متزايدة في إطارِ قيدٍ اقتصادي لا يُطاق"15. وقد نتج من ذلك ازديادٌ مطّرد في أعداد المدارس والجامعات والكليات المهنية التي أُسِّسَت لتعويض صعوبة التحاق الشباب بالمؤسسات التعليمية في البلدان العربية. وسرعان ما وفّرت مجالً عامًّا التقى فيه جيل شاب من الطلبة الفلسطينيين من مختلف الخلفيات الاجتماعية، والذين أسهموا في تشكيل أذرعٍ طلابيّة للفصائل الفلسطينية المختلفة16. وقد كان من نتائج ذلك زيادةٌ كبيرة للمعدّل السنوي لأعداد خريجي الجامعات والكليات الأهلية الذي بلغ عشية الانتفاضة الأولى نحو 1000 خريج سنويًا، إضافة إلى ما يزيد على 10500 متخرج سنويًا من المدارس، شكلّوا ضغطًا كبيرًا على سوقٍ محدودة ومتخمة وضعيفة ومعزولة؛ إذ لم يتمكن سوى 20 في المئة من مجموعهم الكلي من إيجاد عمل17. كما بدأت سلطات الإدارة المدنية الإسرائيلية منذ عام 1981-1980 تفرض الضرائب الباهظة على بقية سكّان الأراضي المحتلّة، بعد أن اقتصر فرضها منذ عام 1976 على أهالي القدس الشرقيّة، وهو الأمر الذي عزز قناعة شرائح واسعة من البرجوازية الصغيرة وسكان المدن الصغيرة والتجّار بصعوبة التكيف تحت الاحتلال، ودفعهم، كما ترى هلغى باومغرتن Baumgarten Helga، إلى الارتماء في "أحضان الوطنية الفلسطينية المنظمة"18. ومع صعود حكومة الليكود في أواخر السبعينيات، شهدت الأراضي المحتلّة ازدياد وتائر سياسات اللاتنمية De-development التي ترتبت على استراتيجيات الضمّ والإدماج الإسرائيلية المتسارعة. وقد شمل ذلك الاستغلال المكثف للعمالة الرخيصة، وإفقار شرائح واسعة في المدن والقرى وسلخها من العمل في الزراعة المحليّة التي مثّلت آنذاك عماد الاقتصاد المحلي، ودفعها إلى العمل المأجور الرخيص19. وترافق ذلك مع تسارع التوسع الاستيطاني؛ حيث ارتفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية من صفر عام 1967 إلى ما يزيد عن 67000 مستوطنٍ عشية الانتفاضة الأولى، إضافة إلى عددٍ أكبر يقيم في المستوطنات المحيطة بالقدس الشرقية، وترتّب على ذلك مصادرة الأراضي والسيطرة على مصادر المياه والثروات الطبيعية، وتشييد شبكة طرقٍ عكست بوضوح التخطيط المنحاز لمصالح المستوطنات الإسرائيلية على حساب احتياجات النقل العربي20، ليبدأ سكّان القرى الفلسطينية يشعرون، أكثر من أيٍّ وقتٍ مضى، بالتضييق والتهديد وبخطر المشروع الصهيوني21.
2. تعبئة سياسية غير مسبوقة وبنية تحتية سياسية جديدة
قادت مجمل السياسات الإسرائيلية التمييزية ضد الفلسطينيين إلى زيادة قابلية المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1967 للتعبئة السياسية، وإلى بروز ما وصفه جميل هلال ب "المزاج الجماهيري المُدرَّب" الذي تميّز ب "استعدادٍ كفاحي عالٍ ومتجذر في المواقف السياسية" في مختلف المناطق22، وأقنعت شرائح جديدة، لم تكن
مقتنعة بمواجهة إسرائيل من قبل، بدعم العصيان المدني والتظاهر السلمي الذي جرى تتويجه باندلاع الانتفاضة الأولى عام.1987 وليس أدلّ على ذلك إلا الزيادة السريعة في عدد المظاهرات التي شهدتها البلاد بين عامي 1985 و 1987، وفاقت الزيادة في نسبتها ال 3000 في المئة، بينما ازدادت الهجمات المسلحة على أهدافٍ إسرائيلية من 351 عام 1983 إلى 870 عام 1986 23. وحتى عام 1985، قُدِّرت ما نسبته 40 في المئة من جميع الراشدين في الأراضي المحتلّة تعرّضهم للاعتقال لليلة واحدة على الأقل24. وقد فاقمت سياسة القبضة الحديدية والعقوبات الجماعية التي فرضتها إسرائيل على بلداتٍ أو مدنٍ بعينها عقب اندلاع احتجاجاتٍ شعبيّة أو عملياتٍ عسكرية فيها، من النقمة الجماعية على سلطات الاحتلال الإسرائيلي، موفّرةً بيئة خصبة للتعبئة والتنظيم السياسي25. في موازاة ذلك، تميّزت هذه المرحلة كذلك برغبة قيادة منظمة التحرير في تعويض خسارتها لمعقلها في لبنان)1982(عبر التركيز على الاستثمار السياسي في الأرض المحتلة (القطاع الغربي)، مستفيدةً من تخبّط استراتيجيات السيطرة الإسرائيلية. وشرعت من خلال قنواتٍ غير رسمية في تمويل بناء مؤسسات وطنية موازية لمؤسسات الاحتلال، بما في ذلك دعم النقابات واتحادات العمال والغرف التجارية والمؤسسات التعليمية المختلفة ولجان المرأة ولجان الإغاثة والحركات الطلابية. ولكن ما يوازي ذلك أهمّية، كما يرى كلّ من ليزا تراكي وسليم تماري، نجاح المنظّمة في تشكيل منظمّاتٍ جماهيريّةٍ شبه رسمية، وذات طابع زبائني، مثل "الشبيبة الفتحاوية" ومنظمة "العمل" التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وغيرها، التي أظهرت فاعلية عاليةً بالتواصل مع عشرات الآلاف من الشباب في المخيمات والقرى الفلسطينية، الذين لم يكن بإمكانهم الالتحاق بمجموعات المقاومة السريّة، وفي الآن نفسه، استُبعِدوا من العمل السياسي المؤسسي ل "أسبابٍ طبقية"، أو بسبب الحساسيّات الناجمة عن الانقسامات الاجتماعيّة26. ومنحت هذه المنظمات، بحسب تراكي، المجموعات المهمّشة حق المشاركة السياسية27، أما بحسب تماري، فقد تبنَّت هذه البنى شبه الرسمية خطابًا شعبويًا استهدف بشكلٍ خاصّ ثقافة نخب المدن الصغيرة التقليدية والمحافظة التي حرصت على اتخاذ مسافة من منظمة التحرير28، وأسهمت الاعتقالات الإسرائيلية واسعة النطاق في صفوف هذه المنظمات، بأحكامِ سجنٍ قصيرة ومتوسطة، في أن يصبح المعتقل حيّزًا فعّالً للتثقيف الوطني والأمني لآلاف الأعضاء29، كما أسهمت في تدريب آخرين، ممن أفلتوا من الاعتقال، على مهمات التنظيم والقيادة. وقد نجحت منظمة التحرير حتى عام 1987 في بناء شبكة واسعة جدًا من البنى المحلية شبه الرسمية في جميع أنحاء المناطق المحتلة، وتجنيد آلاف الناشطين الشباب والقيادات الصغرى، وشكّلت هذه الشبكة في مجملها بنية تحتية سياسية كاملة30. غير أنّ هذه البنية، كما تقول باومغرتن، تكوّنت من "مجموعة من أنظمة مختلفة، ومستقلّة كليًا عن بعضها البعض، وتعمل في الغالب على أساس مبادئ يطبعها التناقض بشكلٍ جزئي، ويلفّها ويجمعها ويسيطر عليها أن لا سند لها سوى القيادة في الخارج"31.
3. في خضمّ الانتفاضة الأولى: انقلاب "جيلي" في الحركة الإسلاميّة في فلسطين
في هذا السياق المركّب، كان مجتمع الإخوان المسلمين يشهد توسّعًا نوعيًا وموازيًا في نشاطه الدعوي والاجتماعي في الضفة الغربية وقطاع غزة، مستفيدًا من الهامش الذي أتاحته سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي راهنت على أن تمدّد الإسلاميين سوف يُضعف نفوذ منظمة التحرير. واستندت إسرائيل في رهانها إلى تقديرٍ أمنيّ، ثبُتَ خطؤه لاحقًا، وهو أن إدارة المناطق الفلسطينية من خلال قياداتٍ محليّة أقلّ تكلفة من التفاوض مع قيادة منظمة التحرير في المنفى32.
وقد عكست السياسة الأمنية الإسرائيلية قبل الانتفاضة الأولى هذا التفكير، فقد جرى توظيف سياسة القبضة الحديدية التي هندسها وزير الدفاع آنذاك إسحاق رابين)1990-1984(33، ضدّ شبكات فصائل منظمة التحرير وتجفيف مصادرها المالية ونفي قياداتها المحلية، وأفسحت في المقابل المجال أمام النشطاء الإسلاميين لملء الفراغ السياسي الناجم، لتصبح سنوات الثمانينيات عقدًا ذهبيًا لتوسع النشاط المؤسسي للحركة الإسلامية في مختلف المدن والمخيمات الفلسطينية، ولتتبلور تحت فضاءاتها المؤسساتية والدعوية المختلفة الشبكات السياسية التي أسست حركة حماس وقادتها لاحقًا. وقد برزت في الضفة الغربية عشرات الجمعيّات والمؤسسات الخيرية ولجان زكاة. ولكنّ التجلّ الأهمّ للشبكات الاجتماعية الإسلامية كان أُفي قطاع غزة الذي برز فيه كلٌّ من جمعية المجمع الإسلامي (سِّس عام 1973 ومنحته إسرائيل الرخصة القانونية عام)1979، الذي أشرف على ما نسبته 40 في المئة من مساجد القطاع وبعضويّة أكثر من ألفي عضوٍ، والجامعة الإسلامية (سِّست عام أ)1978. ودرس فيها آنذاك نحو خمسة آلاف طالب34. وقد شكلت كلا المؤسستيَن حيّزًا عامًّا تشكلت في فضاء أطرهما المؤسساتية، المجموعات الأولى التي قادت حماس في الانتفاضة. ويوضح إياد البرغوثي أنّ دور المجمع الإسلامي تجاوز دور "دائرة الأوقاف" الحكومية في الضفة الغربية، ليشكّل في غزّة "سلطةً قضائية غير رسمية"؛ حيث كانت تُعرض على مؤسسه الشيخ ياسين كثيرٌ من القضايا العالقة للبتِّ فيها35. غير أنّ رياح المجتمع الفلسطيني جرت بما لا تشتهيه التقديرات الأمنية الإسرائيلية، وكانت إسرائيل مصيبةً في قراءة التنافس والخلاف بين الحركة الإسلامية ومنظمة التحرير، وفي فهم الفجوة الواسعة بينهما، ولكنّها لم تدرك، كما بدا آنذاك من سياساتها، أن مجتمع الإخوان المسلمين في الأراضي المحتلّة كان يتعرّض لنفس الديناميكيات التاريخية التي تعرّض لها المجتمع الفلسطيني بأكمله. فعشية الانتفاضة الأولى، عاد العديد من النشطاء الإسلاميين من طلبة الجامعات العربية، الذين انفتحوا هناك على أفكار جيلٍ راديكالي من الإخوان المسلمين في الدول العربية، ثمّ سرعان ما أصبحوا صلة الوصل التنظيميّة والتمويليّة بين "الداخل" و"الخارج." وفي سياقٍ اتسم بالتنافس الفصائلي، وحتمية التصادم مع الاحتلال الإسرائيلي، والشعور بخطر تمدد نفوذ حركة فتح التي كانت على استعدادٍ لدعم مجموعات من النشطاء الإسلاميين الساخطين على موقف قيادات الإخوان المسلمين التقليدية36، قاد هذا التيار ما يشبه "الانقلاب" الجيلي الهادئ على جيلٍ سابقٍ من الإخوان المسلمين الفلسطينيين كان قوام التغيير لديه هو الدعوة، وقوام الدعوة هو التربية الفرديّة، وصوغ ميثاق الحركة على عَجَلٍ، ليعكس في تلك المرحلة أكثر من أيِّ أمرٍ آخر، نقطة الانتقال الحاسم بين الدعوة والسياسة37. وقد ميّز بسام الصالحي بين مجموعتين قادتا وأدارتا المجمع الإسلامي في غزة؛ الأولى ضمّت نواة المؤسسين الأوائل الرسميين، وهي مكوّنةٌ من الشيخ أحمد ياسين، إضافة إلى مجموعة من الشخصيات الإخوانية التقليدية، من بينهم: أسعد حسنية، وسليم شرّاب، وأحمد دلول، وإسماعيل أبو العوف، ومصطفى عبد العال، ولطفي شبير، ويعقوب أبو كويك، وأحمد أبو الكاس. أما المجموعة الثانية، فعدّها "الفريق التنفيذي العملي، الذي قاد المجمع بصورة فعليّة"38، والذي
يمثل الجيل الثاني الشابّ من جماعة الإخوان وأغلبهم مهنيون، ومن هؤلاء: عبد العزيز الرنتيسي، ومحمود الزهّار، وإبراهيم اليازوري، ومحمد صيام وغيرهم. وبحسب الصالحي، اتسعت دائرة المجموعة الثانية، صاحبة القيادة التنفيذية، وازداد نفوذها، بعد أن رفدت الحركةَ الإسلامية بمزيد من الشباب من مختلف الخلفيات الاجتماعية، وقد برز منهم العديد من الدعاة والمنظرين والقيادات الشبابية والميدانية، التي ازداد دورها مع توسع النشاط الجماهيري للحركة الإسلامية في الانتفاضة الأولى، بينما ظلّ الشيخ أحمد ياسين يمثّل القاسم المشترك لمختلف الأوساط التقليدية والجديدة، ويحتفظ بالمكانة الاعتبارية بوصفه مرشدًا روحيًا للحركة39. كانت حماس بعلاقتها مع "إخوان فلسطين"، بهذا المعنى، منزلً في "بيتٍ بمنازل كثيرة"، ولكن مع نهاية الانتفاضة الأولى، ابتلعت السياسة "الدعوة" برمّتها، وأفرزت قيادةً شابّةً جديدةً أكثر راديكالية في موقفها من إسرائيل حتى مقارنةً بقيادة الحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج. ولاحقًا، بعد الانتفاضة الثانية، وسيطرة حماس على السلطة في غزّة عام 2007، سوف تشهد الحركة حراكًا جيليًا آخرَ، عبّ عنه سيطرة العسكر على مقاليد اتخاذ القرار على حساب الساسة40. وقد أنتجت سنوات الانتفاضة الأولى وضعًا سياسيًا جديدًا في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، كان من أبرز معالمه تعميم الهوية الوطنية الفلسطينية بنسختها التي أنتجتها منظمة التحرير في الخارج، وتوحيد مختلف القوى الوطنية والإسلامية ضدّ الاحتلال الإسرائيلي خلف شعار المقاومة الذي أصبح أهمّ مصادر الشرعيّة والزعامة. كما سمحت الانتفاضة بانخراط شرائح اجتماعيّة جديدة في العمل السياسي المنظّم، خاصّةً بعد اندثار مجموعة من الانقسامات الاجتماعية التي حالت دون انخراطها، مثل الانقسامات الريفية والمدينية واللاجئين المحليين41. وحسمت الانتفاضة بعنفٍ لم يخلُ من الإفراط والظلم، مع شريحة من الوجهاء والشخصيات التي اتُّهِمَت بإبداء الاستعداد للتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي، وكان من مظاهر ذلك انتشار ظاهرة اغتيال العملاء، فقد قُدّر أنّه من أصل كل ثلاثة فلسطينيين لقوا حتفهم منذ عام 1987 إلى عام 1993، قُتِل أحدهم بأيدٍ فلسطينية بتهمة العمَالة، في مرحلةٍ كان تعريف "العميل" فيها ما زال إشكاليًا42. غير أنَّ الانتفاضة أيضًا أنتجت تناقضاتٍ أخرى من نوعٍ جديد لم يعهدها الفلسطينيون مسبقًا؛ أهمّها بروز تيارَين أساسيين في الحقل السياسي الفلسطيني الجديد43 ذوَي مرجعيات أيديولوجية مختلفة لفهم الصراع مع إسرائيل. أوّلهما تيارٌ مخضرمٌ ومتنوع وذو شرعيّةٍ تاريخيّة متينة، وعلاقاتٍ دوليةٍ واسعة، بقيادة حركة فتح. وقد عرّف هذا التيّار الصراع مع إسرائيل في إطار الدولانية Statism وحقّ الفلسطينيين في الاستقلال في دولة ذات سيادة مشددًا على البعد الوطني/ القومي. في المقابل، برز تيّارٌ ثانٍ، بقيادة حركة حماس، لا يقلّ تجذرًا لكنّه أقلّ خبرة بحكم يفاعته، عرّف الصراع بمفاهيمه الدينية على خطى مختلف الحركات الإسلامية آنذاك. وهو ما انعكس بوضوحٍ في ميثاق الحركة الذي عدَّ فلسطين أرض وقفٍ إسلامي، يحرّم بأيّ حال من الأحوال المساومة على أيِّ شبرٍ منها44. كما عزا تبنّي منظمة التحرير "فكرة الدولة العلمانية" التي تناقض "الفكرة الدينية مناقضةً تامّة"، إلى التأثّر بما "يسود العالم العربي من بلبلة فكرية، نتيجة للغزو الفكري الذي وقع تحت تأثيره العالم العربي منذ اندحار الصليبيين، وعززه الاستشراق والتبشير والاستعمار"45. كما انعكس كذلك في خطابها التربوي والتعبوي في المساجد والمدارس والجامعات وفي كتابات دعاتها ومثقّفيها46. ومع قرب نهاية الانتفاضة بدا أنّ الصراع بين هذين التيارَين هو من سمات المرحلة الجديدة، عكسته بالتحديد حرب البيانات السياسية
والتصريحات الصحفية بين حماس من ناحية، و"القيادة الموحّدة للانتفاضة" التابعة لمنظمة التحرير من ناحيةٍ أخرى، إضافة إلى العديد من حوادث الاشتباك بين الطرفين والصراعات في السجون47، ولم يحسم هذا الصراع بشكلٍ مؤقت، سوى توقيع "أوسلو" الذي أعاد قيادة المنظمة من الخارج عام 1994 لقيادة مشروع السلطة الفلسطينية الجديدة.
على الرغم من أهميّة مقاربة "حماس"، من بوابة الأيديولوجيا؛ أي بوصفها فرعًا من شجرة الإس ماا السياسي، خاصّةً في مرحلة "البدايات"، فإنّ الاقتصار على قراءتها من هذه الزاوية يؤدي إلى المبالغة في التبسيط. فمنذ نهاية الانتفاضة الأولى، تدفّقت في نهر السياسة الفلسطينية مياهٌ كثيرة، تفاعلت فيها عناصر البراغماتية والأيديولوجيا، و"الأسلمة" و"الفلسطنة"، وتجاوزت فيها الحركة تناقضات "الخارج والداخل"، و"غزة والضفة"، و"العسكر والساسة" بمروحةٍ من المكاسب السياسية والخسائر التنظيميّة48. وبهذا المعنى غدت "حماس" بعد ما يزيد على ثلاثين عامًا من تأسيسها، وعلى الرغم من احتفاظها بالعديد من سمات الحركات الإسلامية، خاصّةً في خطابها التعبوي، مختلفةً عن طفولتها في الثمانينيات. كما أن المبالغة في توظيف هذه المقاربة تقود من ناحيةٍ إلى التشديد على دور الأيديولوجيا والنصوص والخطاب على حساب دور النشاط الاجتماعي والفعل الاجتماعي الجمعي الذي يتسم بالحراكية، وهو من ناحيةٍ أخرى يغلّب الأبعاد الكلية الإقليمية والدولية على الأبعاد والتفاعلات المحليّة، وقد يصل حدّ اعتبار الثانية ترجمةً أوتوماتيكيّة للأولى، بما يهمّش من الأهمية الكبيرة التي يمثّلها التفاوض بين المستويين. وسبق أن لاحظت سلوى إسماعيل، أن التشديد المفرط على التحولات الكبرى في البنى، قد يتجاهل دور ال اررع بين المجتمعات المحلية على مستوى المايكرو، وبين آثار التحولّات الكبرى على مستوى الماكرو في إنتاج أشكال جديدةٍ من الفعل الاجتماعي المنظم وشبه المنظم49.
ثانيًا: حماس بوصفها حركة اجتماعية
إذا كانت قراءة حماس بوصفها حركةً إسلاميّةً ضروريّة، فإنّ المقاربة الثانية التي توازيها أهميةً هي دراستها بوصفها منظمة حركةٍ اجتماعيّة Social Movement Organization, SMO سبيل في تناضل موقعها في السردية التاريخية الفلسطينية الممأسسة. وتعني "الحركة الاجتماعيّة" في أحد تعريفاتها المتعددة: مجموعة الأفعال الجماعية المنظمة أو شبه المنظمة طويلة الأمد، التي يقودها مهمّشون في التاريخ الرمزي للمجتمع، بهدف التأثير في توجهاته الثقافية Orientations، لكي تتيح لهم الاندماج فيه50. أما منظمة الحركة الاجتماعية فهي البنية المؤسساتية أو الحركية التي تنتظم تحت شعار تمثيل الحركة الاجتماعية وتحقيق أهدافها التاريخية51. وعلى الرغم من أنّ هذه المقاربة لا تتناقض مع سابقتها وتشترك معها في جوانب عديدة، أهمّها الجانب الثقافي، فإنّها أكثر تركيزًا على المنطقة الوسطى بين المحلّ
والإقليمي/ الدولي Level Meso 52، وأكثر تشديدًا على مفاهيم العيش المشترك وجدل الثقافة والمجتمع، وهو ما يعبّ عنه آلان تورين بالسردية التاريخية للمجتمع The historicity of society 53. وفي العقدين الماضيين، وظّف باحثون كُ رر مقاربة الحركات الاجتماعية لفهم طبيعة الفعل الجمعي للحركات الإسلامية، وذلك على الرغم من اعتراض باحثين آخرين انتقدوا توظيف المقاربة بدافعٍ من "اقتناعهم بأن الحركات الدينية لا تمثل تحديات جادّة للنظام الاجتماعي السائد"54. غير أنّ ذلك لم يمنع تيارًا من الباحثين من النظر إلى الإسلاميين بوصفهم فاعلين سياسيين يسعون إلى التغيير السياسي والاجتماعي، مشددًا على أهمية رصد الأبعاد المحلية و"العمليات والتفاعلات اليومية في محاولة لفهم دورها في تشكيل هويات الإسلاميين ورؤاهم نحو العالم"55، وإعطاء وزنٍ أكبر لمعاني الأفعال الاجتماعية على حساب الأيديولوجيا والنصوص56. ولا شكّ في أن فهم حماس في ضوء نظرية الحركات الاجتماعية يفيد في فهم تعقيد الفعل الجمعيّ ودوره في تحدّي الهيمنة الرمزية، لكنه كذلك يثير إشكالات منهجية أخرى سأبيّنها في هذا الجزء.
1. الكفاح المسلّح، الفدائي، ونشوء السرديّة الفلسطينية المعاصرة
برزت السردية الوطنية الفلسطينية المعاصرة في مرحلة صعود القومية العربية، وحملت العديد من سمِاتها، وأسهم الكفاح المسلّح والمعارك البطولية التي خاضتها منظمة التحرير، وعلى رأسها حركة فتح، في بلورة هويّة كفاحية حاولت تعويض الظلم والضيم الذي عاناه الفلسطينيون في مخيمّات اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، بسبب النكبة التي قطّعت أوصال المجتمع الفلسطيني وألقته في متاهات التذرير والاغتراب بكل مستوياته الماديّة والمعنويّة، وكذلك بسبب سياسات الأنظمة العربية الاستغلالية التي حمّلت اللاجئين مسؤولية لجوئهم، وأمعنت في إذلالهم وحوّلتهم إلى أحزمة فقر على هوامش المراكز الحضرية57. ومع بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي، حققت منظمة التحرير أهمَّ إنجازاتها وآخرَها، متمثلة بتحقيق الكيانية الفلسطينية وانتزاع التمثيل الرسمي والحصري للشعب الفلسطيني في مختلف مناطق وجوده58.
كما هو الحال مع نشوء أيّ هُويّة سياسيّة وحاجتها إلى "آخر" تتناقض معه59، كان لدى الهُوية الفلسطينية الناشئة في الخارج "آخريْن" اثنين؛ أولّهما: الصهيونية التي اقتلعت الفلسطينيين من أرضهم، وثانيهما: العرب أنفسهم الذين نكثوا وعودهم بتحرير فلسطين. وقد ترك ذلك أثره في تشكّل السردية الوطنية الفلسطينية المعاصرة وخطابها السياسي الذي قلّل، قدر الإمكان في سبيل صياغته للشخصية الفلسطينية الجمعية، من حضور البعد الديني، وذلك ردة فعلٍ على فكرة الدولة اليهودية ذات الأساس الديني-الإثني 60، وكذلك في سبيل مواجهة محاولات التوطين واحتمالية ذوبان الهُوية الفلسطينية في محيطها الاجتماعي الأوسع. وفي المقابل، عزز خطاب الحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج من فكرة العودة إلى الوطن
القومي الضائع، والبعد الإثني المتخيّل، وذاكرة "القرية المفقودة"، بهدف تسييس الفلّ حين المبعثرين في مخيمّات اللاجئين61. وقد انعكس هذا الحضور في ممارسات فصائل منظمة التحرير الخطابية التي أعادت إحياء الفولكلور الفلسطيني في مخيمّات الشتات، وشددت على العلاقة بين الفلّ ح والأرض62، وربطت بين الكفاح المسلّح والفلّ حين63، مستدعيةً تاريخًا طويلً من تمرداتهم وثوراتهم ضد الانتداب البريطاني والاستيطان الصهيوني قُبيل النكبة، لتحويلهم في واقعهم الجديد إلى "فدائيين"64. ويرى عزمي بشارة أنه بدلً من مواسمهم الزراعية ومواعيدهم الشعبية الدينية التي افتقدوها بعد تشريدهم، "حلّت مؤتمرات موسمية تدعو إلى العودة، وراديو 'ترانزستور' يعدهم بالتحرير"65، وجرى اختزال قراهم إلى "حنين ونوستالجيا، ثمّ إلى وطن سياسي، أعقبه بلورة حركات سياسية وعمل فدائي ومؤسسات لهوية فلسطينية حديثة"66. في هذا السياق، برزت التنظيمات الفلسطينية في المخيمّات الفلسطينية في الشتات، وقد عدّها عشرات الآلاف من اللاجئين الأمل الوحيد المتبقّي، خاصّةً عقب هزيمة الناصرية وأفول آمال الوحدة العربية. غير أنّ دور الفصائل الفلسطينيّة لم يقتصر على التعبئة والتنظيم السياسي فحسب، بل امتدّ ليشمل تعويض حالة التذرير والتشوّه الاجتماعي التي نتجت من تدمير النظام الاجتماعي القديم بفعل الاقتلاع والتهجير الذي قوّض معه الأدوار التضامنيّة التي أدّتها بنى المجتمع الأهلي والروابط الوشائجيّة Attachments Primordial، خاصّةًالعائلة، في حماية الأفراد من الاغتراب. وقد وجدت الفصائل الوليدة نفسها، في الواقع الجديد، في موضع خلق روابط تضامنيّة جديدة تشدد على الأخوّة، والرفاقية والفداء، ووحدة الهدف والمصير. وقد كان من مظاهر ذلك تصوير قيادات الفصائل الفلسطينية الناشئة حديثًا بوصفهم آباء، وتقلّدُ أكثريتهم كُنيات حركيّة ترمز إلى ذلك (أبو عمّ ر، أبو جهاد، أبو إياد)...، ولُقّب بعضهم بألقابٍ بطريركيّة أقرب في مدلولاتها السيميائية إلى كبار القوم (ياسر عرفات- الختيار، جورج حبش-الحكيم)...67. ومثلما صُوّر قادة الفصائل الفلسطينية بذلك، فإنهم تصرّفوا كذلك على هذا النحو، فقد حرص زعيمُ الفصيل الفلسطيني على الظهور بمظهر الأب الفخور بأبنائه الفلسطينيين، والمحبّ لهم، والمتسامح معهم، والكريم تجاههم، لكن كان عليه كذلك أن يكون شديد العقاب68. ولكي ينجح في الاضطلاع بهذا الدور، كان عليه أن يحتكر الموارد الماديّة ويسيطر عليها؛ ما يمكّنه من إنشاء شبكاتٍ زبائنيّة ومراكز قوّةٍ عديدة لضمان الموازنة بينها، ولاختراق الفصائل الفلسطينية الأخرى وشقّها، وهي إحدى السمات الرئيسة التي ميّزت الإدارة السياسية في منظمة التحرير وفصائلها المتعددة، ثمّ انتقلت مع قيادتها إلى سلطة الحكم الذاتي داخل فلسطين عقب توقيع "أوسلو"69، جالبةً معها تناقضاتها التي كان لها الأثر الواسع في السياسة الفلسطينية حتى هذا اليوم.
2. إعادة نظر "إسلامويّة" في السرديّة التاريخيّة الفلسطينيّة
كانت مجمل الممارسات الخطابية التي انتهجتها منظمة التحرير مفهومةً، بل ربما ضروريةً، في السياق المركّب والمبعثر الذي عاشه فلسطينيو الشتات. غير أنّ السردية التاريخية التي نتجت منها لم تعكس تجربةَ شريحةٍ وازنةٍ من فلسطينيي "الداخل"، سواء في المدن أو في المخيمّات، الذين كانوا على تماسٍ مباشرٍ مع الصهيونية، ولم يختبروا ثنائية "الآخر" (أي التناقض مع الصهيونية والأنظمة العربية في الآن نفسه) بالحدّة نفسها التي اختبرها أشقاؤهم في "الخارج"، ومن ثمّ كان الخيار الأكثر ملاءمةً بالنسبة إليهم هو تعريف الصراع بمفاهيمه الدينية. وبهذا الشكل، لم تنطبق شخصية "الفدائيّ" الرمزيّة Ethos التي صقلها خطاب منظمة التحرير تمامًا مع شخصيّة "المجاهد" الرمزية المصقولة في لغة الإسلاميين الذين ضاقت عليهم لغة المنظمة بما رحبت من ممكنات. ومع نهاية الثمانينيات، ومع اتساع حدة تسييس الفلسطينيين في الأراضي المحتلّة بشكلٍ غير مسبوق، بفضل ازدياد وتائر التعليم والتهميش، وبفضل استثمار منظمة التحرير الواسع في "القطاع الغربيّ" لتعويض خسارتها لمعقلها في لبنان (ينظر الجزء السابق)، بدا أنَّ تاريخ الشعب الفلسطيني السياسي في "الداخل" كأنّه يُكتَب من جديد، وأنّه هو ذاته تاريخ منظمة التحرير، بشكلٍ يجعل كلَّ نضالٍ آخر ممكن مذيلً.ّ بشكلٍ أوتوماتيكي بالسردية الرسميّة ويسهم في تقوية رمزيتها ولم يكن الإسلاميون الذين التحقوا فيما بعد، الوحيدين المحرومين من الاعتراف، فقد سبقهم قبل ذلك الشيوعيون الذين أسهموا منذ وقتٍ مبكرٍ بأشكالٍ متنوعة من التنظيم السياسي والمقاومة السرية في الأراضي المحتلّة70، لكنّهم الوحيدون الذين امتلكوا الموارد الماديّة والاجتماعية لمقاومة الهيمنة الرمزيّة داخل الحقل السياسي الفلسطيني71، ليبادروا، عن وعيٍ أو بتلقائية، منذ بداية الثمانينيات، إلى إطلاقِ نسخةٍ نضاليةٍ جديدة بوجهين؛ فهي من ناحية حركة مقاومةٍ أصيلة، ذات طابعٍ إسلاميّ، للاحتلال الإسرائيلي، وهي من ناحية أخرى، رغبةٌ في إعادة صياغة السرديّة الفلسطينية بشكلٍ يسمح لهم بإيجاد مكانٍ فيها. ولم يَعْدمْ إسلاميو الأراضي المحتلّة الذين نجحوا عشية اندلاع الانتفاضة الأولى في بناء شبكاتٍ واسعة من الجمعيات والمؤسسات ولجان الزكاة - بدعمِ دولٍ خليجيّة خاصّة - في قطاع غزة72، من إيجاد مرجعيّةٍ مفاهيميّة - إسلامية بديلة تتجاوز قاموس الحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج. فمع انتشار التعليم، لم يكن من الصعب إعادة التواصل مع تاريخ جهاد المسلمين في فلسطين للغزو الأجنبي المتكرر منذ عهد الحملات الصليبية، ولا إعادة اكتشاف الأبعاد الدينية لتاريخ مقاومة الشعب الفلسطيني للانتداب البريطاني والحركة الصهيونية قبل النكبة، واستعارة حمولته الرمزية وإعادة تأويلها أيديولوجيًّا، وهو للمفارقة، التاريخ ذاته الذي أسهمت منظمة التحرير، بباحثيها ومثقفيها، في توثيقه وتعميمه73. وفق هذه القراءة، يمكن فهم نشوء حماس بوصفها ممثلةً لحركةٍ اجتماعيّة واسعة لم تقتصر على مقاومة المشروع الكولونيالي الصهيوني فحسب، بل ناضلت في سبيل حقّها في المشاركة في صياغة السردية التاريخية للمجتمع الفلسطيني Historicity of society بما يكفل
لها حصّةً في "كعكة" الموارد الرمزيّة التي احتكرتها منظمة التحرير74. وتميل هذه المقاربة إلى فهم التوظيف السياسي للإسلام من باب مفهوم "التأطير الثقافي"75، إضافة إلى نظريّة "تعبئة الموارد" الماديّة والرمزيّة Mobilization Resource، وهي شرط نجاح الحركة أو فشلها، وتركز على المعاني التي ينتجها الفعل الجمعيّ ودور الشبكات الاجتماعية في تحدّي الهيمنة الرمزية76. وقد عكس سلوك المجموعات التي شكلّت الحركة قبل الانتفاضة الأولى وفي أثنائها هذا المسعى، ولم يقتصر على الخطاب التربوي في المساجد والمدارس والجامعات ومنشورات الدعوة وشعارات الجدران77، وتغيير مسميات الفضاءات العامّة (أسماء الأحياء والمساجد والشوارع وغيرها)78، بل ظهر أيضًا بشكلٍ مبكّر على التسميات التي أطلقتها المجموعات الإسلاميّة المسلّحة على نفسها وخضعت إلى تغيير مستمرّ؛ من فرقة "المجاهدين الفلسطينيين" التي أسسها الشيخ أحمد ياسين عام 1984-1983، مرورًا إلى "كتائب الشهيد عبد الله عزّام" وهو أحد قادة "المجاهدين العرب" من أصولٍ فلسطينيّة ناضل ضد السوفيات في أفغانستان، وأخيرًا إلى الاستقرار على "كتائب الشهيد عزّ الدين القسّام" التي أُسِّست عام 1991 79. ولا شكّ في أن اللجوء إلى رمزية الشيخ القسّام)1935-1982(ذو دلالة مزدوجة، فهو من جهة أهمّ رموز ثورة عام 1936 المُحتفى بها من مختلف اتجاهات العمل الوطني على الرغم من أصوله غير الفلسطينية80، ومن جهة ثانية إمامٌ وخطيبٌ ورجل دين. وقد عبّ الحسم في اتجاه اختيار "القسّام"، على الأغلب، عن رغبةٍ في كسب يْالعالم.َ؛ عالم الوطنية الفلسطينية وعالم الإسلام وفي نهاية المطاف، نجحت حركة حماس، بعد أقلّ من عقدَين من يْنشوئها في المسعي، فهي من جهة قدّمت نموذجًا متطوّرًا من المقاومة العسكريّة، وعلى الرغم من فشله في الضفة الغربيّة، فقد حوّل قطاع غزة إلى معقلِ صمود محشور بحدود ضيّقة82. وهي من جهةٍ أخرى، أنتجت سرديتها الخاصّة التي أثّرت بصورة حاسمة في اللغة السياسية الفلسطينية التي جرت أسلمتها. وقد ظهر ذلك جليًّا في التغييرات الملحوظة على الخطاب السياسي لفصائل منظمة التحرير المختلفة حتى اليسارية منها، وعلى الممارسات السياسية والتشريعية والقانونية لسلطة الحكم الذاتي83. ويلاحظ خالد الحروب، على سبيل المثال، أنّ الأثر الإسلامي انعكس على بنود الوثائق النظرية والدستورية "المؤسسة للإجماع الفلسطيني"، ك "القانون الأساسي" للسلطة الوطنية الفلسطينية الذي قِرَّ عام أ 2002، وتطرق إلى الدين بشكل يخالف الرؤية التي حملها "الميثاق الوطني الفلسطيني")1968(، كما انعكس على مسودات
الدستور الفلسطيني التي ناقشها المجلس التشريعي الفلسطيني في مطلع الألفينيات، وهو ما شكّل برأي الحروب "تنازلً عن المقدمات العلمانية للخطاب الوطني الفلسطيني" بهدفِ منافسة التيار الإسلامي الفلسطيني في خطابه وحقل مفرداته84. غير أنّ نجاح حماس كان على حساب "المسألة الفلسطينية" التي أنتجت انقسامًا فلسطينيًا، أصبح في أحد جوانبه الجوهرية، وبشكلٍ لم يخبره الفلسطينيون من قبل، صراعَ سرديّات. كما أدّى تسارع أسلمة المجتمع الفلسطيني إلى التأثير في نضال الشعب الفلسطيني بوصفه حركة تحررٍ وطني وخسارة القضيّة الفلسطينية لحلفاء دوليين تاريخيين نظروا إليها من هذا المنظور. وعلى الرغم من الأهميّة الكبيرة التي تمثّلها الأطر المفاهيمية ل "الحركات الاجتماعيّة" في فهم نشوء حركة حماس، فإن الإفراط في التشديد على هذه المقاربة، قد يؤدّي إلى المبالغة في تقدير فاعلية Agency الفاعلين الاجتماعيين وعقلانية الفعل الاجتماعي الجمعي، على حساب تحولّاتٍ أوسع ترصد تحولّات الهُويّة الجمعيّة85، وقد يؤدي كذلك إلى إغفال ما يُسمّى في العلوم الاجتماعيّة "النتائج غير المقصودة للفعل الجمعي في السياقات المؤسساتيّة"86. ويجادل خليل العناني في معرض نقده للقدرة التفسيرية لمدخل "الحركات الاجتماعية" لفهم تمدد جماعة الإخوان المسلمين في مصر، بأنّ النظرية، على الرغم من مرونتها العالية، تشكو من مشكلات عديدة عند توظيفها لدراسة السلوك السياسي للإسلاميين عمومًا. فهي من ناحيةٍ أولى، قد تعطي الأولويّة لل "العملية السياسية" على حساب "البنية" في خلق الفعل الاجتماعي87، وهي من ناحية ثانية، تفشل في تفسير نجاح الإسلاميين، دون غيرهم من الحركات والجماعات، في الاستفادة من بنى "الفرص السياسية"88. ويخلص العناني إلى أنّه لا يمكن للنظرية أن توفّر أرضيةً تحليليةً قيّمة لفهم ديناميات الحركات الإسلامية "إلّ إذا أمكن دمجها ضمن أطرٍ تحليلية أخرى"89. وتنطبق ملاحظات العناني (الذي عالج جماعة الإخوان المسلمين في مصر) على حالة حماس، فبالقدر الذي تساعد مقاربة الحركات الاجتماعية على فهم الفعل الجمعي ومعانيه السياسية والتاريخية وتفكيكها كما بيّ هذا الجزء من الدراسة، إلا إنّها لا تسهم في فهم نجاح الإسلاميين الفلسطينيين وحدهم في إنشاء هياكل تعبوية واستثمار الفرص السياسية، على الرغم من توافر الموارد الماديّة والرمزيّة لغيرهم من حركات يسارية. غير أنّ الأهمّ من ذلك في الحالة الفلسطينية يكمن في أنّ الاقتصار على هذه المقاربة قد يهمّش الدور المفصلي للسياق الاستعماري- الاستيطاني، وذلك بالمبالغة في تقدير الاستقلالية النسبية للحقل السياسي الفلسطيني.
ثًالث ا: "القوميّة الفائقة:" "حماس" بوصفها وريثة الحركة الوطنية الفلسطينية
تشترك المقاربة الثالثة مع المقاربتين السابقتين في التشديد على التوتر الكامن في الهوية الفلسطينية بين بُعديها الوطني والإسلامي، لكنها تتميز منهما بتركيزها على التحولّات العميقة التي شهدتها فكرة "التمثيل" و"شرعيّة" المؤسسة السياسيّة الفلسطينية، أسوةً بالتغيّ ات الجذريّة التي طرأت على علاقة المجتمعات العربيّة بدولها ومؤسساتها السياسية في العقود الثلاثة الأخيرة. ويُنظَر إلى صعود حماس، وفق هذا المنطلق، بوصفه تعبيرًا عن "القومية الفائقة" nationalism Hyper أو الوطنيّة المستجدة Neo-nationalism 90 بدفعِ المكوّن الإسلامي في الهوية الفلسطينية إلى مداه الأقصى، وهي الصيرورة التي لا تتوقّف عند حدود الحركة، بوصفها حركةًاجتماعيّة، بل تمتدّ لتشمل التحوّل في "الوطنية الفلسطينية" برمّتها. وتُعدّ حماس، بهذا المعنى، النسخة الفلسطينية التي تقابل النُسَخَ المختلفة ل "الجماعات الأهليّة" في بلدان المشرق العربي، التي ورثت الدولة أو حصصًا منها بعد تآكل شرعيتها. إنّها، بحسب هذا الفهم، استمراريّةٌ نسقيّة تاريخيّة للحركة الوطنية الفلسطينية ووريثتها الشرعيّة. وتكمن أهمية هذه القراءة في تركيزها على تحولات "الجماعة المتخيّلة" وتعريفها لنفسها، بدلً من التشديد على الشبكات الاجتماعية والفعل الاجتماعي الجمعي، ولكنّ الإغراق
في توظيفها، كما سوف يوضح هذا الجزء، قد يؤدي إلى تفسيراتٍ متأثرة بتصوّرٍ خطي للتاريخ يسلب من القوى المحليّة فاعليتها السياسية.
1. صنمية الدولة في الخطاب السياسي الفلسطيني المعاصر
بدأ هوس الفلسطينيين بفكرة الدولانية بعد فترةٍ وجيزةٍ من تأسيس منظمة التحرير التي أنجبها النظام العربي الرسمي في مرحلة الفكرة القومية العربية والمشاريع الكبرى. وليسوا قلّة من لاحظوا أنّ هيكل المنظمة، ببيروقراطيته المتضخمة وشبكاته الممتدة، يماثل في بنيته وخطابه، منذ وقتٍ مبكّرٍ، أيَّ نظامٍ عربي آخر، وذلك على الرغم من وجوده في المنفى وافتقاده الإقليم الذي يسوده. وقد أنتجت هذه. الوضعية تضخ مً كبيرًا في الخطاب يقابله تواضعٌ في الممارسة السياسية ومنذ ذلك الحين، كما يقول بشارة، جرى تصنيم فكرة الدولة التي انتمت إلى مجال اللغة لا مجال الواقع، لتصبح أشبه بالأيديولوجيا التي يجري عبر استعادتها في الخطاب تعويض الوقائع المنحطّة91. ولكن ينبغي القول إنّ "الدولة" بوصفها هدفًا واستراتيجية لدى الحركة الوطنية الفلسطينية لم تكن من ناحيةٍ تاريخيّة خيارًا فلسطينيًا، بل كانت حصيلةَ شبه توافقٍ في النظام الرسمي العربي، حكمته حسابات الأنظمة العربية بقيادة مصر في الستينيات، وكان أحد أهدافه تحميل عبء حلّ قضيّة فلسطين إلى الفلسطينيين أنفسهم بتأسيس منظمة التحرير عام 1964. وسرعان ما تقاطعت هذه الحسابات مع تفكير نخبة شابّة قادت التنظيمات الفلسطينية، وخاصّةً حركة فتح التي برز نجمها عقب معركة الكرامة)1968(، وقد سوّقت لشعاراتٍ غير واقعيّة وشعبويّة، مفادها أنَّ على الفلسطينيين تحمّل مسؤولية مستقبلهم السياسي بأنفسهم بشكلٍ مستقلّ، وأنَّ مسؤوليتهم تتمثل بتحرير فلسطين عبر الكفاح المسلّح، ويشكّل تحريرها طريقًا إلى الوحدة العربيّة، لا العكس كما كان الافتراض السائد في تلك المرحلة92. وكان على الفلسطينيين، كما عبّ عن ذلك غسّان كنفاني في رجال في الشمس روايته)1963(التي عُدَّت المانفستو الأدبي للثورة الفلسطينية، أن يطرقوا "جدران الخزّان" بأنفسهم. وقد بيّ عديدون أنه لم يكن المقصود من تلك الشعارات أن تشكّل استراتيجيّةً على الرغم من ادّعاء قادة الحركة الوطنية الفلسطينية في المنفى ذلك، بل كان الهدف هو الخطاب في حدّ ذاته الذي سعى إلى تعبئة المجتمعات الفلسطينية سياسيًا واحتكار تمثيلها وصولً إلى المطالبة ب "الدولة" بوصفها النتيجة المنطقية لهذا المسار93. وقد اتضح هذا الهدف وجرى تبنّيه من مختلف فصائل منظمة التحرير تدريجيًا، بدءًا من إقرار برنامج "النقاط العشر" عام 1974 الذي دعا إلى إنشاء سلطة وطنية على أي قطعة محررة من أرض فلسطين، ووصولً إلى إعلان استقلال دولة فلسطين من الجزائر في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1988. وخاضت منظمة التحرير معارك دامية ضدّ "العديد من الأعداء"94، راح ضحيتها عشرات الآلاف من الشهداء دفاعًا عن شرعية هذا الهدف. ومنذ ذلك الحين، كما يقول أحمد جميل عزم، أصبحت "الدولة هي العامل المستقلّ، والحركة الوطنيّة هي العامل المتغي "95. كانت شعبويّة الخطاب الوطني الفلسطينيّ في هذه المرحلة ضروريّة كما كانت ضرورية عند مختلف الحركات القومية وحركات التحرر الوطنيّ في التاريخ96. والحال، أنّه لولا شعبويّة الفصائل الفلسطينية،
وتشديدها المبالغ فيه على استقلالية القرار الفلسطيني، ومركزية فلسطين، ووحدة الشعب الفلسطينيّ وحقّه في تقرير مصيره، لكان بالإمكان تخيّل استيعاب "المسألة الفلسطينية" بطرقٍ أخرى؛ كالاندماج والتوطين والرضا بالأمر الواقع. ولكن ما حصل بالفعل أن منظمة التحرير نجحت في بناء هوية فلسطينية منعت ذوبان الفلسطينيين في مجتمعات وجودهم، ولكنها فشلت في أن تتوّج هذه الهُوية بدولة، وهذا هو باختصار لبّ المسألة الفلسطينية الحديثة97.
2. تعميم فكرة "الدولة" في الأراضي المحتلّة والصراع على التمثيل
كان مشروع "الدولة" وليد السياقات المعقّدة التي واجهتها الحركة الوطنية الفلسطينية في الشتات، ولم يكن بعد مشروعًا مقنعًا لفلسطينيي الأرض المحتلّة عام 1967، الذين راهنت نخبهم السياسية الضعيفة حتى نهاية السبعينيات على صِ يغٍ بديلةٍ أكثر واقعيّة من وجهةِ نظرهم آنذاك. فبالنسبة إلى الضفّة الغربيّة، كان "الخيار الأردنيّ" ما زال حاضرًا لدى العديد من الوجاهات التقليدية التي طمحت إلى استعادة مواقعها ك "شريكٍ صغيرٍ في هيكليّة السلطة خلال فترةِ الحكم الأردنيّ" وفق صيغةٍ تقاسمٍ وظيفيّ لحكم الضفّة الغربية بين الأردن وإسرائيل98. ولقي هذا الخيار كذلك قبولً، ولكن من منطلقاتٍ مختلفة، لدى تيّارٍ شيوعي فلسطيني-أردني ناشط عوّل على تحولّاتٍ في النظام الدولي99. كما كانت شريحةٌ من نخب المدن (الأكثر تسيّسًا) لا تزال تعاني صدمة هزيمة حزيران/ يونيو 1967، وبقيت تنتظر تقدّمًا ما في موقف النظام الرسمي العربي، الذي رفع في مرحلةٍ ما شعار تحرير فلسطين، قبل أن يفاقم صدمتها هرولة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات)1981-1971(إلى السلام مع إسرائيل، وخروج مصر نهائيًا من المواجهة بعد توقيع اتفاقيّة "كامب ديفيد")1978(، دون الأخذ في الاعتبار إعادة النظر في موقعهم100. في حين لم تمانع نخبٌ قرويّة وتجارية من إيجاد صيغةٍ للتعايش مع الأوضاع الجديدة تحت الاحتلال، عبّ عنها مشروع "روابط القرى" الإسرائيلي وشبكات التجّار الوسيطة101. أمّا قيادات الإخوان المسلمين، والإسلاميون بعامّة، لا سيمّا في القدس وقطاع غزة، فقد حملوا في الغالب وجهات نظرٍ "مسيانية" تجاه الوضع القائم، وأسهم بعضهم في ترويجِ تأويلاتٍ دينيّة تبشّ بقرب زوال إسرائيل بفعل تدّخل إلهي ما وقيام دولة الخلافة102. وعلى أي حال، لم يكن مجتمع الأرض المحتلّة بعدُ قد طوّر مجتمعًا سياسيًا وازنًا، ونخبةً سياسيةً متماسكةً ذات هُويّة فلسطينيّة متبلورة، كتلك التي تطوّرت مبكرًا في مخيمّات اللاجئين في الشتات، على الرغم من بروز محاولاتٍ جادّة، كتجربة "الجبهة الوطنيّة" التي ضمّت عددًا من الشخصيّات ذوي الميول اليسارية، وجرى إجهاضها نتيجةً لما بدا أنّه تقاطع مصالح، وتوافقٌ ضمني، بين إسرائيل والأردن ومنظمة التحرير103. وكان على مجتمع الأراضي المحتلّة أن ينتظر بروز جيلٍ جديد Regeneration أكثر جاهزية للتعبئة والتنظيم السياسي وأكثر تواصلً مع فكرة الوطنيّة الفلسطينية التي نشأت في مخيمات اللاجئين في الشتات، ولم يحصل ذلك إلا في الثمانينيات، وفي سياقٍ تضافرت فيه عوامل اقتصادية ودولية واجتماعية (سبق نقاشها في الجزء الأوّل من هذا المقال)، أدت بمجملها إلى قناعة شعبيّة واسعة بصعوبة قبول التكيّف مع الاحتلال الإسرائيلي. وقد كان من أهمّ تبعات ذلك، تعميم فكرة "الدولة الفلسطينية" على المجتمع السياسي الجديد للأرض المحتلّة في ظلِّ نقاشٍ دولي لفكرة "الحكم الذاتي"104، وما بدا أنّه غيابٌ للبدائل، وشمل تعميم فكرة الدولة بالطبع جيلٌ جديدٌ من الإسلاميين، خاصّةً في خضمّ التعبئة والحراك السياسي غير المسبوق الذي شهدته سنوات الانتفاضة.
ومن أهم نتائج الانتفاضة الأولى انتصارُ فكرة "الوطنيّة الفلسطينيّة"، بنسختها التي ناضلت لأجلها منظمة التحرير طيلة عقود في الشتات، داخل الأرض المحتلة. وهو الأمر الذي أعطى قبلة الحياة للمنظّمة التي كادت أن تلفظ أنفاسها السياسية الأخيرة في تونس، كما نُقِل ثقل الحركة الوطنيّة الفلسطينية للمرّة الأولى منذ النكبة إلى الداخل. لكنَّ تعميم "الوطنيّة الفلسطينيّة" أعاد تجديد صراع "التمثيل" بين "الداخل" و"الخارج" الذي حسمته المنظمة سابقًا في الشتات. فكما كانت منظمة التحرير نتيجةً من نتائج النظام العربي الرسمي القديم، فإنّ شرعيتها قد هُدِّدَت مع تقويضه بعد حرب الخليج الثانية، وخروجها من لبنان)1982(، والخروج الفلسطيني من الكويت)1991(، وتجفيف منابع الدعم المالي، وكذلك عقب تفكك الاتحاد السوفياتي الذي أذن ببداية نظامٍ دولي جديد بقيادة الولايات المتحدة الأميركيّة. وقد أبصرت المنظمة، بشكلٍ جليّ، النسخة الفلسطينية من "المسألة العربية"105، والتي تمثلت أساسًا بهشاشة الأطر المؤسساتية الشرعيّة، ما فتح إمكانات انقضاض قوىً من الأسفل، من قاع المجتمع الفلسطيني في الأرض المحتلّة، وانتزاعها التمثيل السياسي عبر المزاودة في الخطاب. وقد أدرك عرفات، بفراسته، مبكّرًا هذه الإمكانيّة، فرأى فيها الهاوية، وغامر بتوقيعه "أوسلو" لقطع الطريق على حماس106، غير أنّه لم يدرك أنَّ الهاوية، في الآن نفسِه، كانت تنظرُ إليه. في هذا الصدد، ترى باومغرتن أن حركة حماس هي "المرحلة الثالثة" من الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، على اعتبار أنّ مرحلتها الأولى تمثلّت ب "حركة القوميين العرب" (سِّست عام أ)1952، ومرحلتها الثانية تمثلّت بحركة فتح (سِّست عام أ)1965، وقد فصل بين كلّ مرحلة وأخرى ما يناهز العقدَين من الزمن، وغذّى صعود كل حركة فشل سابقتها في تحقيق أهدافها107. أمّا كيميرلنغ، فيرى أنّه لا يمكن فهم صعود حماس إلا في سياق "تصادم الهويّات" بين المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي الذي أنتجه احتلال إسرائيل المديد للضفة الغربية وقطاع غزّة. بهذا المعنى، مثّلت أسلمة الوطنية الفلسطينية المقابل الموضوعي للتشديد على الهويّة اليهوديّة على مستوى الثقافة السياسية للنخب الإسرائيليّة108. ولا يعدّ كيمرلنغ أسلمة الهوية الفلسطينية مقتصرًا على صعود حماس فحسب، بل كان سمةً أساسيّة للتناقض بين نسخة حداثيّة-غربية من الحركة الوطنية الفلسطينية مثّلتها شريحة "الحرس القديم" العائدة من المنفى، ونسخة حداثية- أصوليّة من "الحرس الجديد" المحليين قادت الانتفاضة الأولى، وهي شريحة عابرة للفصائل109. تشدد هذه القراءة، إذًا، على أهميّة قراءة التعبيرات الهُوياتيّة في "الجماعة الفلسطينيّة" بموازاة التحوّل الهُويّاتي داخل "الجماعة اليهوديّة"؛ إذ يجري هنا فهم الصعود السياسي للإسلاميين بوصفه نِتاجًا للتشديد على البعد الإسلامي في الوطنيّة الفلسطينيّة، الذي قابل صعود "الليكود" في السبعينيات، بوصفه نتاجًا للتشديد على "الهويّة اليهودية" في الحركة الصهيونيّة110. لذلك لا يرى هذا التيّار حركة حماس مقابلً لحركة فتح، بل يراها استمراريةً بنيويّةً/ نسقيّةً لها، وتطويرًا عليها، ووارثةً لها، بشكلٍ يماثل وراثة اليمين الصهيوني لإرث الحركة الصهيونيّة السياسي الذي أسّسه علمانيّون. غير أنَّه من المهم التنبيه في هذا السياق إلى أنّ الإغراق في توظيف هذه المقاربة يمكن أن ينتج فهمً خطيًا للتاريخ لا تحتمله حراكية المجتمعات التي تتسم بالتنوّع والتشعّب. كما يؤدّي الاقتصار على قراءة حماس بوصفها حركةًاجتماعية إلى المبالغة في تقدير أهمية الفعل الاجتماعي الجمعي للفاعلين الاجتماعيين إلى حدّ تهميش السياق الاستعماري-الاستيطاني، فإنّ المبالغة في التشديد على المقاربة الهُويّاتية قد تؤدّي إلى سلبهم فاعليتهم الاجتماعية، باعتبار الهويّة الفلسطينية انعكاسًا للهوية الصهيونية أو ردّة فعلٍ عليها. على أيّ حال، تفيد هذه المقاربة في بيان فشل جميع محاولات الوفاق بين منظمة التحرير وحركة حماس غداة الانتفاضة الأولى، فمنذ مرحلةٍ مبكّرة، فهم عرفات من شروط حماس التعجيزية للانضمام إلى المجلس الوطني الفلسطيني111، ومن سلوكها السياسي في الانتفاضة الأولى الذي مايز نفسه من "القيادة الموحّدة للانتفاضة"،
إضافةً إلى سيلٍ لا ينتهي من التصريحات الصحفيّة وإصدارها ميثاقًا خاصًّا بها يوازي "الميثاق الوطني الفلسطيني")1968(؛ أنّ الحركة لا ترى نفسها شريكًا لمنظمة التحرير، بل بديلً منها. وفي الواقع، لم يعدم الشيخ أحمد ياسين الوضوح في أحد حواراته الصحفية في أبريل/ نيسان 1989؛ أي قبل توقيع "أوسلو" بسنوات، حينما صرّح بأن حركته تعدّ منظمة التحرير ممثلةً للفلسطينيين في الخارج، لا في الأرض المحتلة112، مضيفًا في تصريحٍ آخر: "نحن لا نختلف مع منظمة التحرير. لنا فكر وللمنظمة فكر، والحاكم الوحيد هو الشعب، وما يقرّه الشعب هو المقبول لدينا"113. وقد مثّل ذهاب عرفات إلى "أوسلو"، في جانبٍ منه، ما يشبه تقاطع أجنداتٍ بين منظمة التحرير وإسرائيل لقطع الطريق على حماس، ولم يخلُ سلوك هذه الأخيرة السياسي في التسعينيات، بمقاطعتها مؤسسات سلطة الحكم الذاتي الجديدة، ومحاولتها كذلك عرقلته عبر العمليات التفجيريّة، ثم انخراطها بكلِّ عنفوانها في الانتفاضة الثانية)2005-2000(؛ من تقاطعٍ مع إسرائيل من نوعٍ آخر، عبّ عنه الشيخ ياسين في أحد لقاءاته الإعلاميّة بقوله: "أرادوا جرّنا للمساومة، فجررناهم للمقاومة".
غير أن نزوع حماس لأن تكون بديلً من منظمة التحرير، بغضّ النظر عن واقعيته، لم يعنِ أنّها قدّمت بديلً من مشروع الدولة الفلسطينية في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، وهو ذاته مشروع "أوسلو"، بل عنى تذويتًا ضمنيًا لصنمية الدولة وخطابها وأسلمةً له في الآن نفسه، وكأنّ الدولة في قَدَرِ الفلسطينيين السياسي أصبحت أشبه بتعويذةٍ سحرية تسيطر على لغة البدائل. بهذا المعنى، نجحت حماس، بعد ثلاثين عامًا من المراوغة والدماء والتضحيات، في حصولها على نسختها المعدّلة من الدولانية، أقلّه في قطاع غزة، ولكنها كغريمتها في رام الله، سرعان ما اكتشفت أنّها دولانية بلا دولة.
خاتمة
تناولت الدراسة ثلاث قراءات مختلفة ومتشابكة في الآن نفسه يوظّفها الباحثون لفهم حركة المقاومة الإسلاميّة حماس وسلوكها السياسي والاجتماعي، تراوح بين النظر إليها، 1. بوصفها حركةً إسلاميّة؛ إذ تشدد هذه المقاربة على البعد الإقليمي والدولي في فهم نشوء الحركة وعلى الدور المحوري للأيديولوجيا والخطاب، أو 2. بوصفها ممثلةً لحركةٍ اجتماعيّة تشدد على مركزيّة الفعل الاجتماعي الجمعي، وعقلانيته النسبيّة، في إعادة تعريف سردية المجتمع الفلسطينيّ التاريخيّة، أو 3. بوصفها تعبيرًا عن تحوّلٍ في تعريف الجماعة الفلسطينيّة لنفسها، مشددةً بدورها على التوتّر الكامن بين مكوّناتِ الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة، بوصفه ردّة فعلٍ على التحولّات في تعريف الجماعة اليهودية. وعلى الرغم من اعتماد هذه القراءات على مداخل منهجيّة متباينة، فإنّها لا تناقض بعضها، وتعمد العديد من الأبحاث الرصينة على الدمج بينها، أو أقلّه بين مقاربتين منها. ولا شكّ في أن التمييز المنهجي بين المداخل النظرية يساعد كذلك في فهم سلوك الحركات الإسلاميّة في مناطق أخرى. غير أنّ الاقتصار على قراءة واحدة، كما بيّنت هذه الدراسة، يؤدي إما إلى الإفراط في التبسيط وإما المبالغة في التهويل. فالنظر إلى حماس بوصفها فرعًا من شجرة الإسلام السياسي يساعد في فهم المرحلة المبكرة من نشوء الحركة، لكنه قد يتجاهل تحولّاتها في مراحلها المتأخرة، ويُغفل ديناميات الفعل الجمعي والشبكات الاجتماعية. في المقابل، فإنّ الإفراط في توظيف مقاربة الحركات الاجتماعيّة يُعدّ مبالغة في تقدير دور الفاعلية السياسية للإسلاميين الفلسطينيين والاستقلالية النسبية للحقل السياسي الفلسطيني، وقد يؤدي إلى إهمال السياق الاستيطاني-الاستعماري. أمّا الاقتصار على فهمها بوصفها نتاج التحولّات الحاسمة التي شهدتها الهويّة الفلسطينيّة، فيؤدّي غالبًا إلى فهمٍ خطي للتاريخ ونزع الفاعلية السياسية للفاعلين الاجتماعيين، ويتجاهل حراكية المجتمع المتشعبة التي تفتح الباب لعددٍ نهائي من الممكنات. لهذا السبب، تقترح هذه الدراسة إيجاد حماس على مفترقِ طرقِ القراءات الثلاث.
المراجع
العربيّة
أبو عمرو، زياد. الحركة الإسلامية في الضفة الغربية وقطاع غزة. عكا: دار الأسوار، .1989 أورونسون، جيفري. سياسة الأمر الواقع في الضفة الغربية: إسرائيل والفلسطينيون من حرب 1967 إلى الانتفاضة. ترجمة حسني زينه. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1990. باومغرتن، هلغى. من التحرير إلى الدولة: تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية 1988-1948. ترجمة محمد أبو زيد. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية-مواطن، 2006. البرغوثي، إياد. الأسلمة والسياسة في الأراضي الفلسطينية المحتلّة. القدس: مركز الزهراء للدراسات والأبحاث،.1990 بشارة، عزمي. 'صفقة ترامب – نتنياهو:'الطريق إلى النص، ومنه إلى الإجابة عن سؤال: ما العمل؟ الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 ________. في المسألة العربية: مقدّمة لبيان ديمقراطي عربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 ________. أن تكون عربيًا في أيّامنا. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009. ________. من يهودية الدولة حتى شارون: دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية. القاهرة: دار الشروق،.2005 بنفينستي، ميرون. الضفة الغربية وقطاع غزة: بيانات وحقائق أساسية. ترجمة ياسين جابر. مراجعة وتقديم خالد عايد. عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع،.1987 بوليتا، فرانشيسكا وجيمس م. جاسبر. "الهوية الجمعية والحركات عمران. مج الاجتماعية." ترجمة ثائر ديب. 9. عدد 33 (صيف
تماري، سليم. الجبل ضد البحر: دراسات في إشكاليات الحداثة الفلسطينية. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية - مواطن، 2005. الجرباوي، علي وويندي بيرلمان. "مأزق'فتح'بعد غياب الكاريزما مجلة دراسات فلسطينية. مج والشرعية الثورية." 18. عدد 71 (صيف.)2007 الحروب، خالد. التَّيارُ الإسلاميّ والعلمنةُ السِّ يَاسية: التجربة التُّ كية وتَجاربُ الحركاتِ الإِسلاميّة العربيّة. تعقيب النائب أيمن دراغمة. بيرزيت: جامعة بيرزيت-معهد إبراهيم أبو لغد للدراسات الدولية،.2008 ________. حماس: الفكر والممارسة السياسية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1996. صالح، محسن محمد (محرر). حركة المقاومة الإسلامية حماس: دراسات في الفكر والتجربة. ب وررت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2015. الصالحي، بسّام. الزعامة السياسية والدينية في الأرض المحتلة: واقعها وتطورها، 1993-1967. القدس: دار القدس، 1993. صايغ، أنيس. أنيس صايغ عن أنيس صايغ. بيروت: رياض الريّس للكتب والنشر،.2006 صايغ، يزيد. الكفاح المسلح والبحث عن الدولة: الحركة الوطنية الفلسطينية 1993-1949. ترجمة باسم سرحان. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2002 عبد الجواد، صالح. "فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية في الأراضي مجلة الدراسات الفلسطينية. مج المحتلة وشعارات الجدران." 2. عدد 7 (صيف.)1991 العظم، صادق جلال. دراسة نقدية لفكر المقاومة الفلسطينية. بيروت: دار العودة،.1973 العناني، خليل. داخل الإخوان المسلمين: الدين والهوية والسياسة. ترجمة عبد الرحمن عياش. ب وررت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2018 قضيّة فلسطين ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، ج 1: في الهوية والمقاومة والقانون الدولي. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 كيالي، ماجد. نقاش السلاح: قراءة في إشكاليات التجربة العسكرية الفلسطينية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2020 ميثاق حركة المقاومة الإسلاميّة حماس، المادّة الحادية عشرة. الجزيرة 2005/7/16. في https://bit.ly/30vqAHm:. نت هلال، جميل. "أبعاد مأزق المشروع الوطني الفلسطيني بعد أوسلو." مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 9. عدد 36 (خريف.)1998
________. "تفكك الحقل السياسي الفلسطيني." مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 27. عدد 107 (صيف.)2016 ________. "دلالات الانتفاضة المتجددة." مجلة الفكر الديمقراطي. العدد الأول)1988(.
الأجنبية
Abdel Jawad, Saleh & Yizhar Be ʼ er. Collaborators in the Occupied Territories: Human Rights abuses and Violations. Jerusalem: B ʼ tselem, 1994. Al-Azmeh, Aziz. "Nationalism and the Arabs." Arab studies quarterly. vol. 17, no. 1/2 (Spring 1995). Amin, Galal. Whatever Happened to the Egyptians? Changes in Egyptian Society from 1950 to the Present. Cairo: The American University in Cairo Press, 2000. Araj, Bader & Robert J. Brym. "Opportunity, Culture and Agency: Influences on Fatah and Hamas Strategic Action During the Second Intifada." International Sociology. vol. 25, no. 6 (2010). Aruri, N. H. (ed.). Occupation: Israel over Palestine. 2 nd ed. Belmont, MA: Association Arab-American University Graduates, 1989. Ayubi, Nazih. Political Islam: Religion and Politics in the Arab World. London: Routledge, 2003. Baconi, Tareq. Hamas Contained: The Rise and Pacification of Palestinian Resistance. Stanford, CA: Stanford University Press, 2018. Baer, Gabriel. Fellah and Townsman in the Middle East: Studies in Social History. Oxan/ New York: Frank Cass and Company Limited, 1982. Barakat, Halim. The Arab World: Society, Culture, and State. Berkeley, CA: California University Press, 1993.
Bates, Thomas R. "Gramsci and the Theory of Hegemony." Journal of the History of Ideas. vol. 36, no. 2 (April/ June 1975).
Baumgarten, H. "The Three Faces/Phases of Palestinian Nationalism, 1948-2005." Journal of Palestine Studies. vol. 34, no. 4 (2005). Brenner, Bjorn. Gaza Under Hamas: From Islamic Democracy to Islamist Governance. London: Bloomsbury Publishing, 2016. Brubaker, Rogers. "Populism and Nationalism." Nations and Nationalism. vol. 26, no. 1 (2020). Caridi, Paola. Hamas: From Resistance to Government. Andrea Teti (Trans.). New York: Seven Stories Press, 2012. Castells, Manuel. The City and the Grassroots: A Cross- Cultural Theory of Urban Social Movements. Berkeley, CA: California University Press, 1983. Eickelman, Dale & James Piscatori. Muslim Politics. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2004. Ghanem, As' ad. "Palestinian Nationalism: An Overview." Israel Studies. vol. 18, no. 2 (2013). Gilsenan, M. Recognizing Islam: Religion and Society in the Modern Middle East. London: IB Tauris & Co., 2002. Goffman, Erving. Frame analysis: An Essay on the Organization of Experience. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1974. Harrison, Lawrence E. & Peter L. Berger. Developing Cultures: Case Studies. London: Routledge, 2006. Hinnebusch, Raymond. The International Politics of the Middle East. Manchester: Manchester University Press, 2013. Hunter, Shireen T. "Iran and the Spread of Revolutionary Islam." Third World Quarterly. vol. 10, no. 2 (1988). Ismail, Salwa. Political Life in Cairo's New Quarters: Encountering the Everyday State. Minnesota, MI: Minnesota University Press, 2006. _______. Rethinking Islamist politics: Culture, the State and Islamism. London: Bloomsbury Publishing, 2003.
Khalidi, Rashid. Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness. New York: Columbia University Press, 2010. Kimmerling, Baruch. "The formation of Palestinian Collective Identities: The Ottoman and Mandatory Periods." Middle Eastern Studies. vol. 36, no. 2 (2000). _______. Clash of Identities: Explorations in Israeli and Palestinian Societies. New York: Columbia University Press, 2008. _______. The Palestinian People: A History. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2003. Klein, Menachem. "Competing Brothers: The Web of Hamas‐PLO Relations." Terrorism and Political Violence. vol. 8, no. 2 (1996). London: Reason. Populist Ernesto. On Laclau, Verso, 2005. Lapidus, Ira (ed.). Middle Eastern Cities: A Symposium on Ancient, Islamic, and Contemporary Middle Eastern Urbanism. Berkeley, CA: California University Press, 1986. Massad, Joseph. "Conceiving the Masculine: Gender and Palestinian Nationalism." Middle East Journal. vol. 49, no. 3 (July 1995). McCarthy, John D. & Mayer N. Zald. "Resource Mobilization and Social Movements: A Partial Theory." American Journal of Sociology. vol. 82, no. 6 (1977). Mishal, Shaul. "The Pragmatic Dimension of the Palestinian Hamas: A Network Perspective." Armed Forces & Society. vol. 29, no. 4 (2003). Nagel, Joane. "Masculinity and Nationalism: Gender and Sexuality in the Making of Nations." Ethnic and Racial Studies. vol. 21, no. 2 (1998). Nofal, Mamdouh. "Yasir Arafat, The Political Player: A Mixed Legacy." JPS. vol. 35, no. 2 (2006). O'Ballance, Edgar. The Palestinian Intifada. London: Springer, 1998. Pappé, Ilan. The Modern Middle East. 2 nd ed. London: Routledge, 2010. Peteet, Julie. "The Writing on the Walls: The Graffiti of the Intifada." Cultural Anthropology. vol. 11, no. 2 (1996). Poljarevic, Emin. "HAMAS: Resistance and Mobilization Through Islam." Social Movement Studies. vol. 12, no. 4
Reuveny, Rafael. "Palestinian Islamism and Israeli- Palestinian Peace." Research in Social Movements, Conflicts and Change. vol. 22 (2000). _______. Hamas and Civil Society in Gaza: Engaging the Islamist Social Sector. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2013. Roy, Sara M. The Gaza Strip: The Political Economy of De-Development. Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1995. Sa'di, Ahmad H & Lila Abu-Lughod (eds.). Nakba: Palestine, 1948, and the Claims of Memory. New York: Columbia University Press, 2007. Sayigh, Rosemary. "Sources of Palestinian Nationalism: A Study of a Palestinian Camp in Lebanon." Journal of Palestine Studies. vol. 6, no. 4 (1977). to Peasants From Palestinians: _______. The Revolutionaries. London/ New Jersey: Zed Books Ltd., 1994. _______. Too Many Enemies: The Palestinian Experience in Lebanon. London/ New Jersey: Zed Books, 1994. Sayigh, Yezid. Armed Struggle and the Search for State: The Palestinian National Movement. Oxford: Oxford University Press, 2004.
Schiff, Zeev & Ehud Yaari. Intifada: The Palestinian Uprising--Israel's Third Front. London: Simon & Schuster, 1990. Selbin, Eric. Revolution, Rebellion, Resistance: The Power of Story. London: Zed Books, 2013. Starrett, Gregory. Putting Islam to Work: Education, Politics, and Religious Transformation in Egypt. California: California University Press, 1998. Stone, John et al. (ed.). The Wiley Blackwell Encyclopaedia of Race, Ethnicity, and Nationalism. Hoboken, N J: Wiley-Blackwell, 2015. Szeman Imre & Timothy Kaposy (eds.). Cultural theory: An anthology. Hoboken, N J: Wiley-Blackwell 2011. Szeman Imre & Timothy Kaposy (eds.). Cultural theory: An anthology. Hoboken, N J: Wiley-Blackwell 2011. Tamari, Salim. "The Palestinian Movement in Transition: Historical Reversals and the Uprising." Journal of Palestine Studies. vol. 20, no. 2 (1991). Tamimi, Azzam. Hamas: Unwritten Chapters. London: C. Hurst & Co. Publishers, 2007. Touraine, Alain. The Self-Production of Society. D. Coltman (Trans.). Chicago: Chicago University Press, 1977. _______. The Voice and the Eye: An Analysis of Social University Cambridge Cambridge: Movements. Press, 1981. Whittier, Nancy. "Political Generations, Micro-Cohorts, and the Transformation of Social Movements." American sociological review. vol. 62, no. 5 (October 1997). Wiktorowicz, Quintan (ed.). Islamic Activism: A Social Movement Theory Approach. Indiana: Indiana University Press, 2004. Yoshida, Kei. "Defending Scientific Study of the Social: Against Clifford Geertz (and his Critics)." Philosophy of the social sciences. vol. 37, no. 3 (2007).