كيف أسست حماس جيشها في غزة؟

Ahmed Qasem Hussein أحمد قاسم حسين |

الملخّص

The study takes up the topic of the evolution of Hamas' military action from the foundation of the Izz al-Din al-Qassam Brigades between 1987 and 1992, the movement's military wing, and beyond, drawing upon memoirs and testimonies of the movement's political and military leaders in Palestine and on available data regarding military confrontations with the Israeli occupation. The study starts from the assumption that the evolution of Hamas's military action as an active "agent" in the region differs across the different stages of the Palestinian-Israeli conflict on the one hand, and with the development of the movement's political thought and relations with regional and international systems on the other. These stages have been formational of the movement's variable identity, one that has led it to defining its regional interest and role on the basis of military strength. It transformed into a "semi-classical" army in Gaza specifically, after having been a movement of modestly equipped and armed groupings, as it continues to be to this day in the West Bank. This study attempts to monitor this evolution across the successive confrontations with the Israeli occupation in the wars of 2008, 2012 and 2014.

تطور العمل العسكري لكتائب عز الدين القسام قراءة في

How Did Hamas Establish its Army in the Gaza?

The Evolution of the Military Action of the Izz al-Din al-Qassam Brigades

تتناول الدراسة تطور العمل العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" عشية انطلاقها عام 1987، ويمتد إلى مرحلة تأسيس "كتائب عز الدين القسام" الجناح العسكري للحركة عام 1992 وما بعدها، اعتمادًا على مذكرات قادة الحركة السياسيين والعسكريين في فلسطين وشهاداتهم، وعلى البيانات المتوافرة حول المواجهات العسكرية مع الاحتلال الإسرائيلي. تنطلق الدراسة من افتراض أن تطور العمل العسكري لحركة حماس باعتبارها فًاعلا Agent في الإقليم يختلف باختلاف مراحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي من ناحية، وبطبيعة تطور الفكر السياسي للحركة وعلاقاتها ببنية النظامين الإقليمي والدولي Structure من ناحية أخرى، وهو ما صاغ هوية Identity متغيرة للحركة قادها إلى تحديدها مصلحتها ودورها في الإقليم، بناءً على قوتها العسكرية التي تحولت إلى جيش "شبه كلاسيكي" في غزة على وجه التحديد، بعد أن كانت مجموعات ذات تسليح وعتاد متواضعين، وهذا ما يزال ينطبق على الضفة الغربية إلى يومنا هذا. تحاول الدراسة رصد ذلك في المواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي في حروب 2008 و 2012 و 2014. كلمات مفتاحية: فلسطين، حماس، كتائب القسام، إسرائيل.

Keywords: Palestine, Hamas, Al-Qassam Brigades, Israel.

"لا حل للقضية الفلسطينية إلا بالجهاد، أما المبادرات والمؤتمرات الدولية فمضيعة للوقت"

مقدمة

مثّل العمل العسكري، أو ما عرف ب "الكفاح المسلح"، الركيزة الأساسية في فكر وممارسة فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية وقواها المعاصرة منذ عام 1967، وقد شددت تلك القوى على أهمية العمل العسكري باعتباره أداةً لتحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي، واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني. ولا تكاد تخلو الأدبيات السياسية والعسكرية للفصائل الفلسطينية، على اختلاف مشاربها الأيديولوجية، من ذكر "الكفاح المسلح" وأهميته في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. وبناء عليه، لا يمكن دراسة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة من دون التطرق إلى العمل العسكري، وأهميته والغاية منه، وتأثيره في علاقات تلك القوى بمحيطها الإقليمي والدولي. وليس بخافٍ على أحد تجربة العمل العسكري الفلسطيني انطلاقًا من الدول العربية المحيطة بإسرائيل (سورية، والأردن، ومصر، ولبنان) وتداعياتها السلبية على المشروع الوطني الفلسطيني، وعلى الوجود الفلسطيني في مراحل التناقض والاختلاف مع سياسات تلك الدول.

هذا من دون شك ينطبق على حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، فقد احتل العمل العسكري موقعًا متقدمًا في فكرها وممارساتها واستراتيجيتها، ولكنها قصرت عملياتها العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما أكسبها شعبية جماهيرية في داخل فلسطين وخارجها، كما أنه مصدر أساسي للشرعية السياسية داخل الساحة الفلسطينية. وبناء عليه، تتناول الدراسة بالبحث والتحليل تطور العمل العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" عشية انطلاقها عام 1987، وتمتد إلى مرحلة تأسيس جناحها العسكري "كتائب عز الدين القسام" عام 1992 وما بعده، اعتمادًا على مذكرات قادة الحركة السياسيين والعسكريين في فلسطين وشهاداتهم، وعلى البيانات المتوافرة حول المواجهات العسكرية مع الاحتلال الإسرائيلي.

تنطلق الدراسة من افتراض أن تطور العمل العسكري لحركة حماس بًاعتبارها فاعل Agent في الإقليم يختلف باختلاف مراحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي من ناحية، وبطبيعة تطور الفكر السياسي للحركة وعلاقاتها ببنية النظامين الإقليمي والدولي Structure من ناحية أخرى، وهو ما صاغ هوية Identity متغيرة للحركة قادها إلى تحديد مصلحتها ودورها في الإقليم، بناءً على قوتها العسكرية التي تحولت إلى جيش "شبه كلاسيكي" في غزة على وجه التحديد، بعد أن كانت مجموعات ذات تسليح وعتاد متواضعين، وهذا ما يزال ينطبق على الضفة الغربية إلى يومنا هذا. تحاول الدراسة رصد ذلك في المواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي في الحروب على غزة أعوام /2008 2009 و 2012 و 2014. ولتتبع تلك المراحل، تنتظم الدراسة في أربعة محاور متسلسلة، يناقش أولها تاريخ الحركة الإسلامية في فلسطين ومحاولاتها المبكرة للعمل العسكري بعد حرب حزيران/ يونيو 1967، في حين يتناول ثانيها محاولات الحركة الإسلامية مأسسة العمل العسكري، خاصة عشية اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، ويركز ثالثها على انطلاق حركة المقاومة الإسلامية حماس عام 1987، وتأسيسها جناحها العسكري "كتائب الشهيد عز الدين القسام" عام 1992، أما المحور الرابع والأخير فيخصص الحديث عن مراحل تطور العمل العسكري لكتائب القسام في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا سيما بعد الانتفاضة الثانية عام 2000 حتى حرب عام.2014

أولا: الحركة الإسلامية في فلسطين: خطوات متعثرة نحو العمل العسكري

من نافل القول إن الحركة الإسلامية في فلسطين هي امتداد لجماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا)1949-1906(في مصر1، وقد مرت جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين بسلسلة من التحولات والتغييرات التي شملت نشاطها وعملها وبنيتها التنظيمية بعد احتلال فلسطين عام 1948 وإعلان دولة إسرائيل؛ إذ ضُ مت الضفة الغربية إلى الأردن عام 1950، واندمج إخوان الضفة الغربية في جماعة الإخوان المسلمين في الأردن في تنظيم موحد، واقتصر نشاطهم على العمل السياسي والدعوي والتربوي، واستقطاب وتنظيم أفراد جدد للجماعة من خلال الجمعيات والمؤسسات الأهلية، وساعدهم في ذلك المناخ السياسي هناك، حيث غض النظام الأردني طرفه عن نشاطاتهم وحركتهم مقابل أن يشكلوا كتلة موازنة لنشاط التيارات الناصرية والبعثية ذات الشعبية المتزايدة، والتأثير في الخريطة السياسية الداخلية في الأردن آنذاك2. في حين بات قطاع غزة تابعًا للإدارة المصرية. ويمكننا القول، في هذا السياق، إن فاعلية إخوان غزة كانت تفوق فاعلية إخوان الضفة الغربية نسبيًا، ومردّ ذلك إلى قوة التيار الديني

  1. خالد الحروب، 2 حماس: الفكر والممارسة السياسية ب (وررت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،)1996، ص.19

في عموم فلسطين، إضافة إلى دور الإخوان السياسي والعسكري وموقفهم من حرب فلسطين 1948. لكن سرعان ما أثّر تراجع نفوذ الإخوان المسلمين وقوتهم في مصر، في إثر ضربتهم في عهد الملك فاروق بن فؤاد عام 1949، على نحو أساسي، في إخوان قطاع غزة، ومن ثم الاصطدام مع نظام جمال عبد الناصر وحظر الجماعة واعتبارها غير مشروعة، عندها تحولت جماعة الإخوان في غزة إلى حركة سرية3. وفي الضفة الغربية، انحسر نشاط الإخوان هناك مع قوات الحرس الوطني، وهي قوات شعبية انتشرت في الضفة الغربية عند خط الهدنة، وكانت تمثل رأس الحربة في مواجهة إسرائيل، فضلً عن عدم قدرة الإخوان في تلك الفترة على الحشد والتعبئة لتوفّر لها حاضنة اجتماعية مقارنة بالفصائل الفلسطينية المسلحة التي بدأت في الصعود في مطلع ستينيات القرن الماضي، كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، ولذلك انضم عناصر من الإخوان إلى تلك التشكيلات العسكرية وقاتلوا معها. وفي قطاع غزة، شهد العمل العسكري مطلع خمسينيات القرن الماضي نشاطًا محدودًا، انتهى بحل الجماعة عام 1954 في مصر، وظهور محاولات فردية لتشكيل خلايا عسكرية بهدف مواجهة الاحتلال الإسرائيلي قام بها مجموعة من الشبان الذين كان ولاؤهم لجماعة الإخوان المسلمين، وقد كان تأثيرها في مسار النضال الفلسطيني والكفاح المسلح واضحًا وجليًا، كما أن بعضها أصبح بمنزلة النواة الأولى لحركة التحرير الوطني "فتح" عام 1959. ومن أبرز تلك التشكيلات العسكرية السرية التي تأسست في مطلع خمسينيات القرن الماضي مجموعة "شباب الثأر" التي كان من عناصرها صلاح خلف)1991-1933(، وعمر أبو الخير، وسعيد المزين)1991-1935(، وأسعد الصفطاوي)1993-1934(، إضافة إلى مجموعة "كتيبة الحق" التي كان من عناصرها خليل الوزير)1988-1935(، وحمد العايدي، وحسن عبد الحميد4، وقد حددت معركتها الأولى مع الإدارة المصرية التي كانت تحكم قبضتها على قطاع غزة وتعيث فيه فسادًا وقهرًا وسرقة، قبل الانتقال إلى التفكير في العمل العسكري ضد إسرائيل بحسب خليل الوزير الذي وصف تلك المرحلة في كراسه "البدايات" قائلً: "بدأ في التكوين والتبلور خط المقاومة المسلحة للعدو الصهيوني، وقد بدأناها بتدريب مجموعات من شباب فلسطين على السلاح[...] ونفذنا العديد من العمليات خلف خطوط الهدنة"5. وجدير بالذكر أنه، منذ حرب 1948 إلى تأسيس حركة فتح ثم إلى حرب حزيران/ يونيو 1967، لا يمكن الحديث عن نشاط عسكري إخواني منظم يتاح رصده في مواجهة إسرائيل سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، فقط كانت محاولات من إخوان فلسطين لإعادة تنظيم صفوفهم بمبادرة من القيادات الشابة، أبرزها عبد الله أبو عزة وعبد البديع صابر، اللذان نظما اجتماعًا في صيف 1962 في قطاع غرة حضره 15 مندوبًا، انتخبوا فيه هاني بسيسو مراقبًا عامًا للإخوان المسلمين في فلسطين، وهذا التنظيم يضم عناصر إخوانية فلسطينية في قطاع غزة ودول الخليج العربية وسورية، ولم يضم إخوان الأردن، بما في ذلك الضفة الغربية، لوجود تنظيم الإخوان في الأردن6. ومن المفيد القول هنا إن حرب حزيران/ يونيو 1967 مثلت صدمة كبيرة لكل التيارات السياسية العربية؛ فقد احتلت إسرائيل أراضيَ تبلغ ثلاثة أضعاف مساحتها، وسيطرت على كل من سيناء والضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان. هذا وقد فتحت تلك الهزيمة الباب مشرعًا أمام كتابات حاولت البحث في أسبابها العديدة، منها ما أحالها إلى سياقات عامة كالجهل، وانتشار الأمية، والتبعية الاقتصادية، وبعضها ربطها بالدين والتدين، فانتشرت كتابات أيديولوجية، علمانية ودينية، تحاسب كل واحدة منها الأنظمة من منطلقها، فتدّعي مثلً أنه لو كان النظام يتبع الاشتراكية العلمية لما وقعت الهزيمة، ولو كان إسلاميًا لما دُحرت جيوشه؛ فالهزيمة عقوبة إلهية على التخلي عن تعاليم الإسلام ونظمه7، وفي هذا السياق، ورد في كتيب صادر عن الإخوان المسلمين في الأردن أن من أسباب الهزيمة غير المباشرة هو "البعد عن الله، وترك كتاب الله وسنة رسوله والاعتزاز بغير الله، بل بأعداء الله، ورفضهم للمنهاج الإسلامي في الحكم والتشريع والتربية"8. في ظل هذا المناخ السياسي، بدأت جماعة الإخوان تطرح سؤال العمل العسكري والكفاح المسلح في مواجهة إسرائيل بعد الهزيمة، وأصبح الشغل الشاغل لاجتماعات الإخوان في البلاد العربية، فقد ظهرت دعوات إلى تأسيس عمل عسكري للإخوان في الأردن من خلال إقامة معسكرات خاصة بهم9، وفي هذه الفترة مرَّ تنظيم الإخوان المسلمين في فلسطين بتغييرات في بنيته التنظيمية والفكرية، حيث غلب على

  1. المرجع نفسه، ص.22-21
  2. أبو عمرو، ص.78
  3. محسن صالح، "المسار من الإخوان المسلمين الفلسطينيين إلى حماس"، 6 الجزيرة نت، 2016/12/28، شوهد في 2020/2/1، في https://bit.ly/2vr4VDv:
  4. عزمي بشارة، "ما قبل حرب حزيران وما بعدها: كي لا يتجنب النقدُ النقدَ"، 7 سياسات عربية، العدد 26 (أيار/ مايو)2016، ص.11-7
  5. الكارثة الفلسطينية وحرب 5 حزيزان (عمان: الإخوان المسلمون في الأردن،)1967، المصدر: الأرشيف الخاص للباحث بلال محمد شلش.
  6. 5 خليل الوزير، "حركة 'فتح:' البدايات "، (وثيقة خاصة) مجلة الدراسات الفلسطينية،، مج 26، العدد 104 (خريف)2015، ص.60

قياداته وقواعده فكر الإخوان الكلاسيكي الذي جاء به المؤسس حسن البنا، أو ما بات يطلق عليه "التيار البناوي"، ولا شك في أن تلك التغييرات أثرت تأثيرًا مباشرًا في رؤية التنظيم للانتقال إلى العمل العسكري ضد الاحتلال الإسرائيلي10، وقد تزامن ذلك مع صعود تيار من شباب الإخوان في فلسطين بعد حرب حزيران/ يونيو 1967 يمكن وصفه ب "التيار الحركي الإصلاحي"، طالب بإجراء سلسلة من الإصلاحات داخل تنظيم الإخوان، وبضرورة التركيز على مفهوم الجهاد العملي والشروع في التسلح وبناء قوة عسكرية. وفي هذا السياق، يصف إبراهيم غوشة)-1936(الذي كان أحد أولئك الشبان آنذاك تلك الحركة ب "الحركة التصحيحية" داخل تنظيم الإخوان، بوصفها ردة فعل على "التيار البناوي"، فكتب قائلً: "كنا نريد أن نصحح بعض السلبيات في صف الإخوان، وأن نبدأ مشروعنا الجهادي، وقد توسعت الحركة في الأردن وكان من قياداتها تحسين خريس وآخرون، كنا نعد نشرة سرية داخلية، يكون التركيز فيها على هذه المواضيع، والإعداد والاستعداد للجهاد"11. استمرت هذه الحركة الداخلية حتى اندلاع أحداث أيلول/ سبتمبر 1970، وهي حركة غير معلنة بلغ عدد المنضوين إليها نحو مئة شاب، ولكن سرعان ما اكتشفت قيادات الإخوان في الأردن هذه الحركة، وهاجمتها وأجرت تسوية مع شبابها أفضت إلى إنهاء تلك التجربة12. لقد تحفظ هذا التيار على التجربة العسكرية للإخوان المسلمين في الأردن عام 1967، التي جاءت نتيجة اتفاق بين المكتب التنفيذي للإخوان المسلمين في البلاد العربية13 وحركة فتح بغية انخراط الإخوان في العمل العسكري ضد إسرائيل، وقد جرى الاتفاق على أن يعمل الإخوان المسلمون في الأردن عسكريًا تحت مظلة حركة فتح، من ناحية إصدار البيانات والتسليح والتموين، في حين يقدم الإخوان الدعم المالي الذي كان يأتي عبر التبرعات من إخوان الخليج، ولا سيما أن إخوان الكويت، ويشاركهم إخوان مصر، كانوا يعتقدون أن فتح حركة إخوانية، وقد ربطت قيادات فتح مع الشخصيات الإخوانية المعروفة على المستوى الفردي علاقات ودية، وبالأخص من الكويت عبر رجل الأعمال عبد الله العلي المطوع، ومن مصر عبر عز الدين إبراهيم ومحمد توفيق، ومن سورية من خلال عمر بهاء الأميري14. وقد تدرب الإخوان في معسكرات (جرش، والأزرق، والعالوك) فيما بات يعرف لاحقًا ب "قواعد الشيوخ" وكان من أبرز قادة القواعد عبد الله عزام، وأحمد نوفل، وذيب أنيس، ولكن سرعان ما توقفت أيضًا تجربة قواعد الشيوخ عند اندلاع أحداث "أيلول الأسود" عام 1970 وخروج منظمة التحرير من الأردن، ومعها توقفت مشاركة الإسلاميين في العمل العسكري الفلسطيني15.

بناء على ما تقدم، اقتصر دور جماعة الإخوان في فلسطين بعد حرب حزيران/ يونيو 1967 ونشاطها على العمل الدعوي، ولم يكن لها أي نشاط عسكري مقاوم وقوة عسكرية منظمة تابعة لها، كما دخلت في نفق التبريرات الفكرية حول جدوى العمل العسكري وحشد الجماهير المسلمة وتعبئتها، الأمر الذي يتطلب بناء أرضية إسلامية حقيقية تؤدي، وقبل كل شيء، إلى إنشاء جيل مسلم ملتزم بالدين ومستعد للتضحية، يبدأ ذلك كله بتنشئة الفرد المسلم تنشئة إسلامية عقائدية.

  1. توفي هاني بسيسو الذي كان يقيم في القاهرة في السجون المصرية عام 1968، وانتخب عبد البديع صابر الذي كان يقيم في الدوحة مراقبًا عامًا عام 1969، إلا أنه استُعفي بعد عام من انتخابه وحل محله عبد الله أبو عزة عام 1970 الذي لم يستمر طويلً في قيادة التنظيم وذلك لنقده فكر سيد قطب الذي كان تأثر بفكره معظم القيادات الإخوانية في تلك الفترة، حيث قدم استقالته من الجماعة عام 1972، وحل محله عمر أبو جبارة الذي كان يقيم في الكويت مراقبًا عامًا عام 1973، ولكنه توفي بعد عامين وخلفه خيري الأغا، رجل الأعمال الفلسطيني الذي كان يحمل جنسية سعودية، وكان حمد سليمان الذي يقيم في الكويت نائبًا له، وفي عام 1977 طرحت فكرة دمج التنظيمات الإقليمية في "تنظيم بلاد الشام"، وقد حُل مجلس شورى الإخوان في الأردن وفي فلسطين عام 1987 وانتخبت قيادة جديدة برئاسة عبد الرحمن خليفة وانضمت تشكيلات إخوان الفلسطينيين في غزة والكويت والإمارات وقطر والسعودية إلى هذا التنظيم، وانبثق منه لجنة متخصصة تتابع الشأن الفلسطيني، ينظر: صالح.
  2. إبراهيم غوشة، 11 المئذنة الحمراء: سيرة ذاتية (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،)2008، ص.107
  3. المرجع نفسه، ص 109
  4. المكتب التنفيذي للإخوان المسلمين في البلاد العربية: يمثل القيادة العليا للإخوان المسلمين في البلاد العربية، وكان قد تشكّل من رئيس ونائب رئيس، وأمين سر وأمين مالي وأعضاء. وقد انتُخب عصام العطار رئيسًا للمكتب التنفيذي، ومحمد عبد الرحمن خليفة نائبًا له، للمزيد ينظر: أبو عزة، ص 112؛ "مراجعات مع المفكر السوري عصام
  5. أبو عزة، ص.123-124 غسان دوعر، 15 قواعد الشيوخ مقاومة الإخوان المسلمين ضد المشروع الصهيوني 1970-1968  ، مراجعة وتحرير محسن صالح (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،)2018، ص.53
  6. العطار، الحلقة 7 تلفزيون الحوار "، مراجعات،، 2009/5/30، شوهد في 2020/2/1، في: (https://bit.ly/2FohwZO الدقائق)36-33

إن عدم قدرة الإخوان في فلسطين خلال الفترة 1967-1948 على تأسيس عمل عسكري منظم ارتبط بشكل أساسي بتعريف الجماعة لنفسها بأنها حركة إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي من ناحية، وتصوراتها للبنى الاجتماعية والسياسية التي تعمل من خلالها والتي كانت على خلاف وتناقض معها، وهو ما حدد سلوكها السياسي ونشاطها العسكري. وقد ساد ضمن الجماعة الإسلامية في فلسطين جيل شكّل "النواة الصلبة" التي طورت تصوراتٍ وأفكارًا حول وجوب التمكين والإعداد قبل العمل العسكري، في مقابل جيل الشباب الذي كان مندفعًا، ويطالب بضرورة البدء في العمل العسكري ضد إسرائيل، إلا أن اعتبارات السمع والطاعة وعدم الفرقة داخل صفوف الجماعة شكّلت قيدًا تنظيميًا كبح طموح تلك الفئة الإخوانية الشابة التي سيكون لها بالغ الأثر في العمل السياسي والعسكري مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وذلك بعد قيامها بعملية مراجعة المسلمات والفرضيات، وتجديد فكري وسياسي لما تبناه الجيل الأول، أي إن الصراع الجيلي داخل الحركة الإسلامية شكّل محطة مهمة في فهم السياق الذي تطور خلاله العمل العسكري للحركة الإسلامية في فلسطين. وفي هذا السياق، يذكر أحمد ياسين)2003-1936(الذي كان واحدًا من تلك الفئات الشابة آنذاك، في شهادته أن قيادات الإخوان المسلمين "الجيل الأول" لم تكن مقتنعة في فترة ما بعد حرب حزيران/ يونيو 1967، على وجه التحديد، بجدوى العمل العسكري من خارج فلسطين، وكانت رؤيتها للعمل المسلح بأنه لن يؤثر في مسار الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وأن تكلفته السياسية والأمنية على الدول العربية أكبر بكثير من مكاسبه، وهو ما أدخل الفلسطينيين في مواجهة مع النظام الرسمي العربي، في مصر والأردن وأخيرًا في لبنان16، وقد جاء عبد الله أبو عزة على ذكر اللقاء الذي جمعه بأحمد ياسين في عمان عام 1968، الذي كان موضوعه بدء العمل العسكري في الداخل وإمكانيات دعم الإخوان المسلمين في الخارج له، وقد وضح أبو عزة المعوقات العملية والموضوعية التي تحول دون ذلك، منها ظروف الإخوان في المنطقة العربية، والموقف الحالي من التيار الإسلامي، إذ ساد مناخ معادٍ ومحاصر لهم، فضلً عن تحالفات القوى الوطنية الفلسطينية والعربية آنذاك مع قوى دولية معادية أصلً للتيار الإسلامي17. لم يكن اع اررض إخوان فلسطين على البدء في العمل العسكري من ناحية المبدأ، فهم كانوا يؤمنون بالعمل العسكري باعتباره "واجبًا دينيًا"، لكن تصوراتهم للعمل العسكري يجب أن تسير وفق مسارين18: الأول، مقاومة الاحتلال الإسرائيلي من الداخل، أي من طرف سكان الضفة والقطاع، وما يتطلب ذلك العمل من إمداد (السلاح، والذخيرة، والتموين... إلخ)، وهو ما سيتحول إلى استراتيجية العمل العسكري للحركة الإسلامية في فلسطين، من ناحية حصر جميع العمليات القتالية ضد الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي المحتلة، وقد كان الوضع السياسي والمالي للجماعة في البلدان العربية غير قادر على تمويل العمل العسكري. والمسار الثاني هو التحرك من الخارج بمهاجمة العدو عبر الحدود وإخراجه بالقوة، وهو ما ستتخلى عنه حماس لاحقًا في فلسطين، وذلك بسبب عدم جدوى الأعمال العسكرية انطلاقًا من الدول العربية المحيطة بفلسطين المحتلة، فقد تعرضت الحركة الوطنية الفلسطينية لضغوط كبيرة، ودفعت تكلفة مادية وبشرية وسياسية في عدد من الدول العربية، وعليه لا بد من حصر المعركة مع إسرائيل على الأرض الفلسطينية. تجدر الإشارة إلى تأثر الجيل الثاني في الحركة الإسلامية في فلسطين بأفكار سيد قطب)1966-1906(، ولا غرو عند وصف التوجه الفكري لهم خلال مطلع سبعينيات القرن الماضي ب "القطبي" نسبة إلى سيد قطب، حيث شكلت كتاباته بريقًا عند جيل الشباب الذين وافقوا أفكاره، خاصة في ما يتعلق بوضع الحركة الإسلامية في عموم الدول العربية، وفلسطين على وجه التحديد، حيث تواجه حالة شبيهة بالحالة التي كانت عليها المجتمعات البشرية يوم جاء الإسلام أول مرة، من ناحية الجهل بحقيقة العقيدة الإسلامية، والبعد عن القيم والأخلاق19، وعليه فإن صيانة الدعوة تستوجب تربية جيل مسلم، وعدم إضاعة الوقت في الأحداث السياسية الجارية، ويترافق هذا البرنامج التربوي مع تدريب جماعات فدائية لحماية الحركة من الاعتداء عليها من الخارج وتدميرها ووقف نشاطها، وتعذيب أفرادها وتشريد عائلاتهم، على ألا تبدأ تلك المجموعات الفدائية بالاعتداء، ولا تتدخل إلا لصد الاعتداء وضرب القوة المعتدية بالقدر الذي يسمح للحركة بأن تستمر في طريقها20. ويمكن تلمّس تأثير كتابات قطب عند معظم أبناء الجيل الثاني من الحركة الإسلامية، ومنهم محمد أبو طير الذي يعد واحدًا من قادة الحركة الإسلامية في فلسطين الذي غادر حركة فتح وانضم إلى صفوف الحركة الإسلامية لاحقًا، بقوله "من خلال قراءتي لكتاب المعالم [معالم في الطريق لسيد قطب]، تبين لي الكثير مما كنت أجهل[...]ووقفت مع نفسي قبل أن تخرج الجماعة للنور، وقلت:

  1. أحمد ياسين: شاهد على العصر، الجزء الثالث"، شاهد على العصر، قناة 16 الجزيرة،
  2. مراجعات مع عبد الله أبو عزة، الحلقة 3 تلفزيون الحوار "، مراجعات،، 2010/5/31،
  3. أبو عزة، مع الحركة الإسلامية في الدول العربية، ص.130-129 سعود المولى، 19 الجماعات الإسلامية والعنف: موسوعة الجهاد والجهاديين (دبي: مركز مسبار للدراسات والبحوث،)2012، ص.245 20 المرجع نفسه، ص. 246
  4. 1999/5/1، شوهد في 2020/2/1، في: https://bit.ly/2FyDUQl (الدقائق)6-4
  5. شوهد في 2020/2/1، في: https://bit.ly/2N62Rqn (الدقائق)28-24

مالك؟ وما لهؤلاء الناس؟ أخذت قراري بمفاصلة التنظيم [في إشارة إلى فتح"]21، أما عدنان مسودي، أحد قادة الحركة الإسلامية في الضفة الغربية، ومن مؤسسي حركة حماس، فيصف في مذكراته المنهاج الذي تعلمه في دمشق عند دراسته الطب في الفترة 1970-1964 وعاد به إلى الضفة الغربية، وبدأ نشاطه السياسي اعتمادًا على ما ورد فيه بأنه "يهيئ الإخوة للالتزام وتنفيذ ما في المنهاج تنفيذًا عمليًا بعد أن يسقط النظام الجاهلي وإقامة النظام الإسلامي والمجتمع الإسلامي والحكومة الإسلامية جزء منه[...]وهذا المنهاج يعتمد على ما هو مكتوب في 'ظلال القرآن' في طبعته الثانية، وعلى كتاب 'معالم في الطريق' لسيد قطب، وكتاب 'جاهلية القرن العشرين' لمحمد قطب"22. أما في غزة، فقد قام أحمد ياسين، أحد مؤسسي حماس في قطاع غزة بطباعة نحو ألفي نسخة من الجزء الثلاثين من كتاب في ظلال القرآن الذي قسمه إلى خمسة أجزاء ووزعها مجانًا على الأفراد والمساجد والمكتبات في سبعينيات القرن الماضي، ما ساهم في التنشئة الاجتماعية والدينية لأفراد الحركة الإسلامية23. كما كتب إبراهيم المقادمة)2003-1952(، أحد منظّري الحركة الإسلامية في فلسطين، لاحقًا كتابًا بعنوان معالم في الطريق إلى تحرير فلسطين حيث استعار من قطب عنوان كتابه، ويشرح فيه مآلات القضية الفلسطينية وواقع الحركة الإسلامية في فلسطين. ثم ينتقل إلى توصيف حالة شباب الحركة الإسلامية بعد حرب حزيران/ يونيو الذين كانوا أمام مفترق طريقين "إما أن تبدأ بعملية قتال عصابات ضد اليهود كما فعلت المنظمات الفلسطينية[...]وبهذا تكون امتدادًا لكل ما حدث في الماضي، وتعيد تكرار أخطائه، أو أن تبدأ الحركة الإسلامية عملية بعث حضاري شامل للأمة في سبيل إحياء الإسلام في نفوسها، ومن ثم، بعد عملية البعث هذه، تكون الانطلاقة نحو التحرير"24، أي إن عملية الإعداد والتنشئة يجب أن تكون سابقة على العمل العسكري. لذا شكلت المساجد بالنسبة إلى الحركة الإسلامية في فلسطين، ومن ثم الكتل الإسلامية في الجامعات، وهي ذراعها الطلابية، نواة جذب الشباب وحشدهم من خلال حلقات الدروس التي كانت تعقد فيها، وكانت بمنزلة المؤسسة التي من خلالها يمكن تنشئة جيل مسلم وفق منظور قيادات الإخوان المتأثرين بفكر سيد قطب. واللافت أن عدد المساجد في الضفة الغربية وقطاع غزة قد زاد بين عامي 1967 و 1987 من 600 مسجد إلى 1350 مسجدًا25. وفي الوقت الذي اتسم فيه العمل الحركي للإخوان في غزة بالسرية، بدأ الاتجاه الإسلامي في منتصف السبعينيات يظهر بقوة على الساحة الفلسطينية في الداخل والخارج، وبدأت تُلحظ قوته في الجامعات الفلسطينية، وبات الطرح الجهادي يلقى شعبية واسعة في الأوساط المختلفة، وبدأت تتزايد الجمعيات الخيرية ولجان الزكاة والتكامل الاجتماعي في الضفة الغربية وقطاع غزة26. ففي الضفة الغربية تأسست "لجنة زكاة نابلس" عام 1977، بمبادرة من الشيخ محمد راضي الحنبلي، بهدف مساعدة الفقراء والمحتاجين في المدينة عبر إحياء ركن الزكاة. كما نشطت الكتل الإسلامية في الجامعات التي كان لها دور كبير في التواصل مع الروابط والاتحادات الطلابية27 في الخارج، وعلى وجه التحديد في الكويت وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية. أما في قطاع غزة فقد أسس أحمد ياسين عام 1976 "الجمعية الإسلامية"، وهي بمنزلة نادٍ يجمع الشباب ويوفر لهم الملاعب الرياضية اللازمة، ويستوعب طاقاتهم الرياضية والفكرية من خلال الندوات والنشاطات التي تشرف عليها، أي كان نشاطها الأساسي هو استقطاب الشباب في قطاع غزة المهتم بالرياضة. وقد سمحت إسرائيل بنشاط الجمعية في قطاع غزة رغبة منها في تقوية تيار إسلامي في مواجهة منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها. كما تأسس "المجمع الإسلامي" في إطار توسيع البنية المؤسساتية للحركة الإسلامية في قطاع غزة، ولم يقتصر نشاط "المجمع" على الجانب الرياضي، بل تعداه ليكون دعويًا وتربويًا على الرغم من تضييق سلطات الاحتلال على نشاط القائمين عليه، إلا أنه أخذ

  1. محمد أبو طير، 21 سيدي عمر: ذكريات الشيخ محمد أبو طير في المقاومة وثلاثة وثلاثين عامًا من الاعتقال، تحرير بلال شلش (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،)2017، ص.84
  2. عدنان مسودي، 22 إلى المواجهة: ذكريات الدكتور عدنان مسودي عن الإخوان المسلمين في الضفة الغربية وتأسيس حماس، تحرير بلال محمد (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،)2013، ص 51.
  3. أحمد ياسين - شاهد على العصر - الجزء الثالث."
  4. إبراهيم المقادمة، 24 معالم في الطريق إلى تحرير فلسطين (غزة: مؤسسة اليم،)1994، ص.245
  5. عقل صلاح، 25 حركة حماس وممارستها السياسية والديمقراطية 2012-1992   (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،)2016، ص.72
  6. محسن صالح، 26 الطريق إلى القدس: دراسة تاريخية في رصد التجربة الإسلامية على أرض فلسطين منذ عصور الأنبياء وحتى أواخر القرن العشرين (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،)2012، ص.165
  7. شكّل الطلاب الفلسطينيون في جامعة الكويت "كتلة الحق الإسلامية" التي رأسها خالد مشعل عام 1976، وبعد مواجهة عوائق حالت دون مشاركتها في الانتخابات جرى الإعلان عن تحويل هذه القائمة إلى "الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين" في جامعة الكويت وذلك عام 1980 ورأسها جواد الحمد، وفي الفترة نفسها شهدت الجامعات المصرية حراكًا للطلاب الفلسطينيين الذين ينتمون إلى الحركة الإسلامية، وقد انضم إليها كل من موسى أبو مرزوق، وفتحي الشقاقي وبشير نافع وعبد العزيز عودة، كما تأسست في بريطانيا "رابطة الشباب المسلم الفلسطيني" عام 1979، وفي كندا وأميركا الشمالية تأسس "الاتحاد الإسلامي لفلسطين" عام 1981. ينظر: "خالد مشعل: ولادة على مراحل في غزة والضفة والشتات سهلت انبثاق 'حماس' من رحم 'الإخوان' اجتماع في الخارج في 1983 قرر تأسيس "، صحيفة الحياة المشروع الإسلامي الفلسطيني للقضية وتحضير متطلبات نجاحه)2(، حاوره غسان شربل، 2003/12/5، شوهد في 2020/2/1، في: http://bit.ly/2SMQWQD

تراخيص مزاولة النشاطات عام 1979. ترافق ذلك مع تأسيس الشيخ محمد عواد "الجامعة الإسلامية" في قطاع غرة بدعم من رجال أعمال فلسطينيين في الكويت والسعودية. وقد أدت الجامعة الإسلامية دورًا كبيرًا في التنشئة السياسية لشريحة واسعة من الطلاب إسلاميًا، وقد شهدت تلك الفترة تنافسًا بين الحركة الإسلامية ومنظمة التحرير، ممثلة بالفصيل المهيمن عليها "فتح"، على الجامعة الإسلامية وإدارتها، ويمكن القول إن نواة الانقسام والخلاف بين فتح وحماس على التمثيل في مؤسسات العمل السياسي والاجتماعي في الساحة الفلسطينية بدأت مع التنافس على الجامعة الإسلامية وبين الكتل الطلابية في قطاع غزة التي شهدت موجات من الصدام بين الجانبين في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وامتد التنافس بين الحركة الإسلامية وفتح ليشمل الجمعيات ونشاط الكتل الطلابية في الضفة الغربية.

ثانيًا: الحركة الإسلامية ومأسسة العمل العسكري

لم تنعكس القوة التنظيمية للحركة الإسلامية في فلسطين خلال الفترة 1987-1978 في مجالات العمل الاجتماعي (كتل طلابية، وعمل خيري، وعمل تربوي... إلخ) على نشاطها العسكري والأمني الذي بدأته في مطلع ثمانينيات القرن الماضي؛ إذ كان للحركة الإسلامية في غزة، وكذلك في الضفة الغربية، بنية تنظيمية قوية، ويمكن تلمس مظاهر نشاطها من خلال ازدياد أعداد المنضمين إليها بطريقة لافتة، وبروز نشاطها في الجامعات والمساجد والاحتفالات ومهرجانات الأعراس29. قرر الإخوان المسلمون في فلسطين عقد مؤتمر داخلي عام 1983 لمناقشة واقع القضية الفلسطينية والبحث في إمكانيات بدء عمل عسكري داخل فلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي، وقد ترأس الاجتماع المراقب العام للإخوان في الأردن محمد عبد الرحمن خليفة)2006-1919(، حضره من قطاع غزة عبد الفتاح دخان)-1936(، وعن الضفة حسن القيق)2006-1940(وآخرون، وعدد من إخوان الخليج منهم خالد مشعل)-1956(عن الكويت، وقد قدم إبراهيم منطلقات العمل الإيجابي غوشة في هذا الاجتماع ورقة سماها ""30 في إشارة إلى العمل العسكري ضد الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، حيث اتفق المجتمعون على دعم كوادر الإخوان في الضفة الغربية وقطاع غزة بالمال لشراء السلاح، على أن يباشروا العمل العسكري عند توافر الظروف الموضوعية المناسبة له، وكان من النتائج التي ترتبت على هذا الاجتماع أن شرع الإخوان عام 1985 في تأسيس "جهاز فلسطين" الذي يُعنى بمتابعة الأوضاع السياسية للتنظيم في الضفة الغربية وقطاع غزة31، جاءت تشكيلة هذا الجهاز لتضم جيلين: جيل شيوخ جماعة الإخوان فلسطين، وجيل الشباب وهم من الكويت والسعودية والولايات المتحدة وبريطانيا، وكان مسؤول الجهاز خيري الأغا)2014-1934(32، ونائبه موسى أبو مرزوق33.

ومن خلال السياق العام نستنتج أن العمل العسكري تُرك لتقدير قيادات التنظيم في الضفة والقطاع وللظروف المناسبة، وإعلان انطلاقه بعد الإعداد والتحضير اللازمين له، على أن يتولى إخوان فلسطين في الخارج توفير الدعم المالي اللازم للعمل العسكري في فلسطين. وقد اشترت الحركة الإسلامية في قطاع غزة أول قطعة سلاح عام 1983، بعد تشكيل لجنة في القطاع بغرض المتابعة والتحضير للعمل العسكري تتألف، آنذاك، من عبد الرحمن تمراز)-1942(وإبراهيم المقادمة وأحمد الملح)-1951(كانت مهمتها شراء السلاح وجمعه34، وقد استمر العمل على شراء السلاح حتى بلغ ما تملكه الحركة الإسلامية في قطاع غزة نحو 80 قطعة في عام 1984، وقد مثّل

  1. 32 موسى أبو مرزوق، مشوار حياة: ذكريات اللجوء والغربة وسنوات النضال، ج 1 (إسطنبول: دار النداء للنشر والتوزيع،)2019، ص.142 عاطف عدوان، 33 الشيخ أحمد ياسين: حياته وجهاده (غزة: [د. ن].،)1991، ص.130-129 المصدر: من إعداد الباحث.
  2. يشير مصطلح الإيجابي إلى العمل العسكري، كأن يقال إن فلانًا منخرط بالعمل
  3. غوشة، ص.156-155
  4. رجل أعمال فلسطيني يحمل الجنسية السعودية، وقد كان له دور كبير في تأسيس حركة المقاومة الإسلامية حماس، وقد ترأس "جهاز فلسطين" الذي انضوت تحت مظلته كل الأطر الإخوانية الفلسطينية، وهي الروابط الطلابية، ولجنة الداخل، ولجان فلسطين التي كانت تعمل في البلدان العربية. ومع انطلاقة حماس في كانون الأول/ ديسمبر 1987، تابع الأغا قيادة العمل، وأصبح أول رئيس لحركة حماس. قام بعد أن أعاد مجلس الشورى انتخابه 1993 رئيسًا للحركة، بالاستعفاء من منصبه فاسحًا المجال للشباب لقيادة الحركة، وتسليم موقعه لنائبه في ذلك الوقت موسى أبو مرزوق، ينظر: محسن صالح، "خيري الأغا مقاومًا وقائدًا لحماس"، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2019/5/24، شوهد في 2020/2/1، فh يttps://bit.ly/37IzTFF:
  5. 28 مسودي، ص.95
  6. الإيجابي، أي إنه ينتسب إلى كتائب القسام في يومنا هذا في قطاع غزة.

الدعم المالي الخارجي عاملً أساسيًا في شراء هذه الكمية35، والجدير ذكره أن الدعم المالي الخارجي لازم مسارات تطور العمل العسكري خلال كل مراحل تطور الحركة الإسلامية في فلسطين. وقد نتج مما يمكن وصفه ب "بساطة البدايات"، التي عادةً ما يغلب عليها الطابع الأيديولوجي ويغيب عنها الطابع المهني والاحترافي في مجال العمل العسكري، داخل صفوف الحركة الإسلامية اختراقاتٌ أمنية من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي اكتشفت أمر السلاح، وألقت القبض على أحمد ياسين ورفاقه عام 1984 وحكمت عليه بالسجن مدة 13 عامًا لحيازته السلاح، وكانت التهمة الموجهة إليه تدمير دولة إسرائيل، وقد أفرج عنه بعد عام في صفقة تبادل أسرى بين الجبهة الشعبية وإسرائيل خرج فيها نحو 1200 أسير فلسطيني مقابل 3 جنود إسرائيليين، وقد جاء في لائحة الاتهام ضد أحمد ياسين الصادرة في 5 آب/ أغسطس 1984 نوعية الأسلحة وكميتها كما يوضح الجدول)1(36. الجدول)1(لائحة الاتهام ضد أحمد ياسين بأنواع الأسلحة وكميتها 1984

النوعالعدد
مسدس من أنواع مختلفة20
بندقية هجومية M1611
بندقية كلاشنكوف AK-473
رشاش كارل جوستاف Carlo1
بندقية جليل Galil IMI1
قنبلة يدوية غير صالحة للاستعمال1
رشاش بازوكا غير صالح للاستعمال Bazooka1
رشاش عوزي Uzi5
خزانات وذخيرة لكل سلاح

ترسخت قناعة لدى أحمد ياسين بعد الإفراج عنه بضرورة العمل العسكري ضد إسرائيل، وبقي عامًا كاملً من دون أن يعود إلى المكتب الإداري في القطاع، لدواعٍ أمنية احترازية وخشية من تكرار اعتقاله وكشف القيادات العاملة في الحركة الإسلامية. لكن سرعان ما شغل عضوية المكتب الإداري الذي كان يرأسه عبد   الفتاح دخان في قطاع غزة عام 1986 37، واستمر في التحضيرات للمواجهة العسكرية، آخذًا في تلك الفترة منحى عدم شراء سلاح جديد، والاقتصار على استخدام كميات السلاح المتوافرة التي لم تكتشفها إسرائيل ولم تصادرها، والتشديد على العمل السري الذي يتطلب تلافي الخروق الأمنية التي شملت جسم الحركة الإسلامية على مستوى قيادة الصفين الأول والثاني. وتطلب ذلك ضرورة بناء جهاز أمني متماسك للحركة، تحقق مع تأسيس أحمد ياسين أول جهاز أمني باسم "مجد"، اختصارًا ل "منظمة الجهاد والدعوة"، في قطاع غزة عام 1986، بالاعتماد على شباب الحركة الإسلامية، وذلك لتدارس الأوضاع الأمنية في قطاع غزة، خاصة بعد الضربة التي تعرضت لها الحركة الإسلامية، وقد كانت مهمة الجهاز معرفة العملاء والمرتبطين بسلطات الاحتلال، وجمع المعلومات حول محلات بيع أشرطة فيديو إباحية، ولاحقًا إحراقها في مناطق مختلفة من القطاع، كما قاموا بخطف عدد من الأشخاص المتهمين بالتعاون مع سلطات الاحتلال والتحقيق معهم. وقد قُسم القطاع منطقتين، منطقة عمل الجنوب يرأسها يحيى السنوار)-1962(، ومنطقة عمل الشمال يرأسها روحي مشتهى)-1959(38. كما قام جهاز "مجد" بتوزيع نشرات أمنية حول مفاهيم العمل الأمني ومقوماته وطرق الإسقاط التي تقوم بها المخابرات الإسرائيلية، ومن أشهر الكراسات والدراسات الأمنية التي وزعها الجهاز في مجال التوعية الأمنية ("فرسان الشهادة"، "صراع الأدمغة"، "مصائد الشيطان"، "المجاهد في التحقيق والتعذيب)"39. ثم تبدأ بعدها مرحلة جديدة في العمل العسكري للحركة الإسلامية تقوم على تطهير قطاع غزة من العملاء والجواسيس، والحشد والتعبئة من خلال ضم عناصر موثوقة جديدة للحركة الإسلامية، تمهيدًا لعمل عسكري أكثر انضباطًا وتماسكًا ضد الاحتلال الإسرائيلي، في حين شهدت الضفة الغربية التجربة ذاتها من ناحية تأسيس مجموعات من عناصر الحركة الإسلامية تقوم بتقييم الأوضاع الأمنية استعدادًا لبداية العمل العسكري، بالتزامن مع الاستمرار في العمل السياسي والاجتماعي.

ثًالث ا: انطلاقة حماس وتأسيس جناحها العسكري "عز الدين القسام"

مرت الحركة الإسلامية في فلسطين في ثمانينيات القرن الماضي بتحولات مهمة كان لها بالغ الأثر في عملها السياسي والعسكري، خاصة بعد

  1. مهيب سليمان أحمد النواتي، 37 حماس من الداخل (عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع،)2002، ص.51-50
  2. 38 المرجع نفسه، ص.53
  3. أبو مرزوق، ص.138
  4. شاهد على العصر: أحمد ياسين، الجزء الرابع"، شاهد على العصر، 34 قناة الجزيرة، 1999/5/8، شوهد في 2020/2/1، في: https://bit.ly/2usXF9D (الدقائق 29؛)35-30
  5. 35 عدوان، ص.136

تجربة الاعتقال الأولى 1984 التي قصمت ظهرها، وهو ما زاد من إصرار قياداتها على العمل المنظم، وخاصة العسكري. كما ازدادت شعبيتها في أوساط الشباب في الضفة والقطاع، الذين تأثروا بتجربة الجهاد الأفغاني، وبالثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وساهم تأسيس "جهاز فلسطين" عام 1985 في تكامل أدوار الحركة الإسلامية في الداخل والخارج، إذ وقع على عاتقه بناء علاقات الحركة الإسلامية على المستوى الإقليمي والدولي، وتوجيه الدعم المالي للحركة وتنظيمه في الضفة والقطاع.

ولا يخفى على أحد حالة الغليان في صفوف الشباب داخل الأراضي المحتلة، ومنهم شباب الحركة الإسلامية، خاصة عند الكتل الطلابية؛ ففي كانون الأول/ ديسمبر 1986 قتلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي طالبين من الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت، هما صائب ذهب وجواد أبو سليمة، أصدرت في إثره الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت بيانًا تنعى فيه الطالبين، وتتوعد إسرائيل بأن "هناك شباب على دربهم، أرواحهم على أكفهم، يحبون الموت في سبيل الله[...]والقافلة ماضية بإذن الله"40، لذا جاء اندلاع انتفاضة الحجارة في  1987/12/8 41 ليعطي دفعًا جديدًا لنشاط الحركة الإسلامية، استثمرت فيها حالة الغليان الشعبي والجماهيري في فلسطين، والتعاطف الدولي والإقليمي مع الانتفاضة، وانتقلت معها نحو تأسيس حركة المقاومة الإسلامية "حماس" والبناء على المرحلة السابقة في مجال العمل السياسي والعسكري. كما تجدر الإشارة إلى أن قرار المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي كان قد اتُخذ قبيل اندلاع الانتفاضة، فقد قرر المكتب الإداري42 في الضفة الغربية قرار المواجهة في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 1987 بعد اجتماع في بيت حسن القيق في دورا قضاء الخليل، وقرر المجتمعون ترك المجال لكل مدينة وتخييرها العمل على مواجهة الاحتلال بكل الطرق، ومنها العسكرية، وبالكيفية التي تراها مناسبة، في حين قرر المكتب الإداري في قطاع غزة بدء تنفيذ العمل العسكري ضد إسرائيل في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1987 43، وقد منح اندلاع انتفاضة الحجارة في 8 كانون الأول/ ديسمبر 1987 في قطاع غزة أسبقية للحركة الإسلامية في قطاع غزة بالعمل العسكري على الضفة الغربية، ولا سيما أن الانخراط الفعلي للضفة الغربية في انتفاضة الحجارة على مستوى المدن والقرى بدأ في كانون الثاني/ يناير 1988 44. صدر بيان انطلاق حركة المقاومة الإسلامية في 14 كانون الأول/ ديسمبر 198745، وقد شهد التأسيس أعضاء المكتب الإداري في غزة، وكان البيان موقعًا بالأحرف (ح م س)، والأعضاء هم: عبد الفتاح دخان، وإبراهيم اليازوري)-1940(، ومحمد حسن شمعة)2011-1935(، وأحمد ياسين، وعبد العزيز الرنتيسي)2004-1947(، وعيسى النشار)-1954(، وصلاح شحادة.)2002-1953(وقد قامت "حماس" حديثة النشأة بصياغة ميثاقها عام 1988 الذي شكّل هويتها في تلك الفترة نتيجة تفاعلها وتصوراتها للبنى القائمة داخليًا وخارجيًا، ومثّل الميثاق برنامج عمل الحركة ومنظورها للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وعن دورها في ظل التغييرات في محيطها الإقليمي والدولي. وقد جاء في المادة الأولى في الباب الأول من ميثاق التأسيس تعريفٌ لها بأن "حركة المقاومة الإسلامية، الإسلام منهجها منه تستمد أفكارها ومفاهيمها وتصوراتها عن الكون والحياة والإنسان، وإليه تحتكم في تصرفاتها ومنه تستلهم ترشيد خطاها." وجاء في المادة الثانية "حركة المقاومة الإسلامية جناح من أجنحة

  1. بيان نعي الشهيدين جواد أبو سلمية وصائب ذهب، وهما أول شهداء الإخوان المسلمين، صادر عن الكتلة الإسلامية، تاريخ الوثيقة 1986/12/6، المصدر: أرشيف الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت.
  2. انتفاضة الحجارة: صدمت سيارة نقل إسرائيلية كبيرة سيارة صغيرة كان على متنها أربعة عمال من مدينة جباليا قضوا نحبهم في 6 كانون الأول/ ديسمبر 1987، ما أثار غليان الفلسطينيين وغضبهم في القطاع وانطلقوا بعد تشييع شهدائهم في مقبرة مخيم جباليا واشتبكوا مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في محيط مركز شرطة جباليا، وتمكنوا من اقتحامه
  3. المكتب الإداري: هو المكتب الذي يدير النشاط الذي يمارسه الإخوان المسلمون في الضفة الغربية وقطاع غزة في الفترة 1990-1969، حيث تقوم كل مدينة باختيار ممثل لها في المكتب الإداري. وفي لحظة تأسيس حركة حماس، كان المكتب الإداري يضم ممثلين اثنين من قطاع غزة، وممثلً عن مدينة رام الله، وممثلً عن مدينة القدس، وممثلين اثنين عن مدينة الخليل، ويقوم المكتب الإداري بالتنسيق مع "جهاز فلسطين" في الخارج.
  4. شاهد على العصر: أحمد ياسين، الجزء الخامس"، شاهد على العصر، قناة الجزيرة، 1999/5/15، شوهد في 2020/2/1، في: https://bit.ly/35FU3Oo (الدقائق)39-36
  5. مسودي، ص.97 " بيان الانطلاقة الأول"، الموقع الرسمي لحركة المقاومة الإسلامية 44 حماس، 1987/12/14، شوهد في 2020/2/1، في /https://hamas.ps/ar/post/39:
  6. والسيطرة عليه، وانتقلت شرارة التحرك من مخيم جباليا لتعم كل مدن القطاع، وانتقلت الانتفاضة إلى مدن الضفة الغربية في كانون الثاني/ يناير.1988

الإخوان المسلمين بفلسطين، وحركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي، وهي كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث"46. أما المادة التاسعة من الباب الثاني فقد حددت هدف الحركة وهو "منازلة الباطل وقهره ودحره، ليسود الحق، وتعود الأوطان، وينطلق من فوق مساجدها الأذان معلنًا قيام دولة الإسلام، ليعود الناس والأشياء كل إلى مكانه الصحيح." في حين جاءت المادة الحادية عشرة في الباب الثالث للتأكيد أن فلسطين وقف إسلامي لا يصحّ التفريط بها أو بجزء منها أو التنازل عنها أو عن جزء منها47. وقد نفّذ الجهاز العسكري لحماس، الذي كان يُعرف آنذاك باسم "المجاهدون الفلسطينيون" ويرأسه صلاح شحادة، ويحمل رمز)101(في قطاع غزة، أولى عملياته القتالية، عبر خلية عسكرية تابعة للجهاز يرأسها محمد الشراتحة وعضوية كل من محمد نصار ومحمود المبحوح)2010-1960(، وهي أسر جنديين إسرائيليين وتصفيتهما، هما الرقيب آفي سبارتوس الذي اختطف في 7 شباط/ فبراير 1989، والجندي إيلان سعدون الذي اختطف في 3 أيار/ مايو 1989. ولكن أدى خلل أمني إلى اكتشاف سلطات الاحتلال الإسرائيلي السيارة التي نُقل فيها الجندي الإسرائيلي، وتم اكتشاف أمر الخلية المنفذة للعملية فهرب أغلب عناصرها خارج قطاع غزة عبر سيناء، ومن ثم شنّت إسرائيل حملة اعتقالات شملت قيادة حماس في القطاع اعتُقل فيها أحمد ياسين بتاريخ 15 حزيران/ يونيو 1989 وعدد من قيادات الحركة، اعترف ياسين في إثرها بتأسيس حماس في غزة، وقد كانت ضربة قوية أطاحت قادة الحركة ومؤسسيها وكشف أجهزتها الأمنية والعسكرية. وفي إثرها، مرت حماس باختبار وجود حقيقي، إذ جرت عمليات اعتقال واسعة لكل من ثبت انتماؤه إلى الحركة الإسلامية في غزة والضفة الغربية. واعتقدت إسرائيل أنها طوت صفحة حماس بعد هذه الضربة، لكن سرعان ما استأنفت الحركة بعد فترة قصيرة نشاطها السياسي وأصدرت بياناتها48، وهو ما يعني أن الأمور باتت خارج نطاق سيطرة الإسرائيليين. يصف موسى أبو مرزوق هذه المرحلة قائلً: "الضربة كانت قوية لدرجة لم يعد هناك أي جهاز من أجهزة الحركة العاملة، لا الجهاز الجماهيري، ولا العسكري، ولا الأمني، ولا التنظيمي، ولا الإعلامي ولا السياسي في قطاع غزة، كل الأجهزة تم إيقافها وتعطيلها. كان الوضع وكأن الحركة اختفت من قطاع غزة"49. وفي إثر ذلك توجه أبو مرزوق، الذي كان يقيم في الولايات المتحدة الأميركية، إلى غزة عبر مصر، وقام بإعادة بناء المكتب الإداري الجديد للحركة من الصفين الثاني والثالث، برئاسة سيد أبو سامح، وتم ربط العمل مركزيًا بالضفة الغربية، الذي كان يتولاه آنذاك حسن القيق. وفي إطار إعادة بناء هيكل الحركة من جديد، تم فصل العمل العسكري عن الأعمال الأخرى، وأُطلق على المجموعة الأولى كتائب عز الدين القسام، وفي هذا الصدد يقول أبو مرزوق "وحينها لم يعلم الإخوة بالتشكيل العسكري في قيادة الحركة إلا لاحقًا باستثناء د. خيري [يقصد خيري الأغا]، وأطلقنا عليه كتائب عز الدين القسام بعيدًا عن الاسم الذي كان شائعًا في ذلك الوقت كتائب عبد الله عزام"50. ولا سيما أنه صدرت بيانات عسكرية بعد اندلاع الانتفاضة توثّق قيام المقاومة الإسلامية باستهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي بأسماء مختلفة منها: مجموعة الشهداء في شمال القطاع، وكتائب عبد الله عزام في الضفة الغربية، وكتائب القسام بمدينة رفح والوسطى. وقد أشار عبد الحكيم حنيني)-1965(، وهو من قادة العمل العسكري شمال الضفة الغربية، في شهادته إلى أن العمليات العسكرية التي كانوا يقومون بها شمال الضفة الغربية كانت تحت مسمى كتائب الشهيد عبد الله عزام51. وفي عام 1992 بات العمل العسكري في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت مسمى كتائب عز الدين القسام. وقد كان صالح العاروري)-1966(مسؤول العمل العسكري في الضفة الغربية، وأشرف على تشكيل خلايا عسكرية مقاومة للاحتلال الإسرائيلي في نهاية عام 1990، إذ كانت الظروف مواتية في الضفة الغربية للشروع في العمل العسكري، باستثناء توافر كميات من السلاح، وتزامن ذلك مع وصول عدد من مطاردي حماس في قطاع غزة، وقد تواصلوا بتنسيق تنظيمي مسبق مع العاروري في الخليل، الذي جهزهم بالسلاح وقام بنقل اثنين منهم، هما طلال نصار، وبشير حماد إلى شمال الضفة الغربية، وأبقى على عماد عقل)1993-1971(في الخليل، ليشكلوا نقاط

  1. للمزيد يُنظر في: "ميثاق حركة المقاومة الإسلامية حماس)1988(الجزيرة نت "،، 1988/8/18، شوهد في 2020/2/1، في http://bit.ly/2SxBybC:
  2. المرجع نفسه.
  3. يصف عدنان مسودي في مذكراته هذه الفترة الصعبة التي مرت بها الحركة: "كان اعتقالي بعد توزيع البيان 42[...]في أثناء وجودنا في المعتقل تمنينا بشدة صدور البيان 43
  4. موسى أبو مرزوق: الجزء الأول"، وفي رواية أخرى، 48 التلفزيون العربي   "، 2018/10/31، شوهد في 2020/2/1، في https://bit.ly/2OXRgLb:
  5. أبو مرزوق، ص. 143 50   " حنيني يكشف تفاصيل عمليات المقاومة ج قناة الجزير 2 ة "، شاهد على العصر،، شوهد في 2020/2/1، في: https://bit.ly/2tUox2w (الدقائق)38-37
  6. حتى تخف عنا شدة التعذيب في التحقيق، ويفيدنا كدليل إثبات أننا لسنا نحن القيادة كما يظنون"، ينظر: مسودي، ص 199.

ارتكاز العمل العسكري الذي ازدادت وتيرته في الضفة الغربية بعد عملية بشارات في 22 أيلول/ سبتمبر 1992 52. ويبين زاهر جبارين)-1968(، أحد مؤسسي كتائب عز الدين القسام في الضفة الغربية، بدايات الاتصال مع القسام في غزة "وقد عملنا في تلك الفترة من شهر 8 عام 1992 على الاتصال بكتائب القسام في غزة، ونجحنا بفضل الله[...]وقد حضرت إلى منطقتنا مجموعات من كتائب غزة، ولم يكن من بينهم الشهيد عماد عقل، حيث كان وجوده وعمله في منطقة الخليل"53. قام صالح العاروري بالتنسيق مع عادل عوض الله)1998-1967(وإبراهيم حامد)-1965(، وقد تواصل الأخير مع قيادة حماس في الخارج التي زودته بمبلغ قدره مئة ألف دولار أميركي "تحولت إلى قطع سلاح تم شراؤها من تجار سلاح، ومن إخوة تخصصوا بذلك، حتى إنهم حصلوا على بعض هذه الأسلحة من جنود العدو مقابل المال. وتم توزيع هذا السلاح على المجموعات التي كانت جاهزة للعمل[...]وكانت أول عملية نفذتها كتائب القسام في الضفة، نفذها المجاهد محمد بشارات في القدس، ثم توالت العمليات"54. وصدر أول بيان لكتائب عز الدين القسام في 1 كانون الثاني/ يناير 1992 على خلفية قتل الحاخام اليهودي ورون شوشان55. كما قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بعد قيام حماس بخطف الجندي نسيم توليدانو في 13 كانون الأول/ ديسمبر 1992 وقتله، بإبعاد عدد من قيادات الحركة الإسلامية من حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان "مرج الزهور" عام 1992، وقد بلغ عددهم 415 ناشطًا وقياديًا من مختلف الشرائح المجتمعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ورافق ذلك حراك سياسي وإنساني، وصدرت ردات فعل تستنكر ذلك، حيث أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 799، دان تصرف إسرائيل وطالبها بالتكفل بإرجاع جميع المبعدين، حيث وصف هذا القرار إسرائيل بأنها تنتهك التزاماتها بموجب اتفاقية جنيف لسنة 1948 56. وعندها باتت الحاجة ضرورية إلى تأسيس مكتب سياسي يدير شؤون الحركة في الخارج علنًا، مع تصاعد الانتفاضة واشتداد الحصار الإسرائيلي، ومنع الاتصال والتنقل بين المدن وقرى الضفة العربية ذاتها فضلً عن قطاع غرة، ما جعل التواصل بين المكتبين الإداريين في الضفة الغربية وقطاع غزة أمرًا بالغ الصعوبة. وقد مارست إسرائيل ضغطًا على الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا لإيوائهما قيادات حماس أو محسوبة على حماس تقوم بجمع الأموال وممارسة نشاطها السياسي، الأمر الذي يؤدي إلى ازدياد الدور العسكري لحماس في الضفة الغربية وقطاع غزة57. وقد انبثق المكتب السياسي لحركة حماس، الذي رأسه موسى أبو مرزوق، وعضوية كل من: عماد العلمي)2018-1956(، وإبراهيم غوشة، ومحمد نزال)-1963(، وعزت الرشق)-1960(، وسميح المعايطة سكرتيرًا للمكتب، بعد طلب ياسر عرفات الاجتماع بقيادة الحركة للوقوف على تداعيات قضية المبعدين وإعادتهم إلى الداخل، ومعرفة طبيعة القوة الفلسطينية الناشئة وتوجهاتها وآليات التعامل معها ودمجها في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، ودعم الانتفاضة وتصعيدها58. إن تأسيس مكتب سياسي59 يدير شؤون حركة حماس من الخارج هو نقطة التحول المهمة في العمل السياسي والعسكري، الذي عزز من قدرة القوة الفلسطينية الناشئة على المستويين المحلي الفلسطيني والإقليمي، التي يُنظر إليها بعين الريبة والحذر فلسطينيًا وعربيًا؛ ذلك أن المكتب تأسس بالتزامن مع مفاوضات سرية فلسطينية - إسرائيلية انتهت بتوقيع اتفاق أوسلو في أيلول/ سبتمبر 1993 وهو ما كان يتوجس منه الأردن الذي أقام على أراضيه قيادات حماس قيادات حماس، منهم أعضاء المكتب السياسي الذين يحملون جواز سفرٍ أردنيًا، فضلً عن قوة تنظيم الإخوان المسلمين في الأردن. أما سورية التي تقيم على أراضيها مجموعة من الفصائل الفلسطينية، فكانت ترقب التحولات في مشهد الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي

  1. بلال شلش، "تحولات المقاومة المسلحة لحركة حماس في الضفة الغربية في أثناء انتفاضة الأقصى من المركزية إلى الشظايا المتفجرة"، في: أحمد جميل عزم [وآخرون]، قضية فلسطين ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني في الهوية والمقاومة والقانون الدولي، ج 1 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،)2015، ص 424.
  2. زاهر جبارين، 52 حكاية الدم من شرايين القسام: شهادة للعصر والتاريخ (دمشق: مؤسسة فلسطين للثقافة،)2012، ص.35
  3. شهادة صالح العاروري حول بداية العمل العسكري في الضفة الغربية، في: أبو مرزوق، ص.162-159
  4. البيان العسكري الأول لكتائب عز الدين القسام وهو: "قتل الحاخام اليهودي (ورون شوشان) الموقع الرسمي لكتائب الشهيد عز الدين القسام ردنا على جرائم الإرهابي رابين"،، 1992/1/1، شوهد في 2020/2/1، في https://bit.ly/2Ne2TN4:
  5. Resolution 799 (1992): Adopted by the Security Council at its 3151 st meeting on 18 December 1992", 18/12/1992, accessed on 1/2/2020, at: https://bit.ly/37VhhBJ
  6. أبو مرزوق، ص.158
  7. غوشة، ص.199
  8. أجرى المكتب السياسي في تسعينيات القرن الماضي مجموعة من الزيارات إلى دول عربية وأجنبية نتج منها تفاهمات بين حماس وتلك الدول على افتتاح مكاتب تمثيل الحركة فيها، وهي: الأردن (تم إغلاقه لاحقًا بعد توتر بين الحركة والنظام الأردني)، وقطر، وإيران، وروسيا، ولبنان، وسورية (قطعت العلاقات مع حماس على خلفية موقفها من الثورة السورية عام)2012، وجنوب أفريقيا، والجزائر، واليمن، والسودان. فضلً عن علاقات غير معلنة بدول أخرى كالسعودية حيث قاد موقف القيادة الجديدة من الإخوان المسلمين إلى حد القطيعة واعتقال عدد من كوادر الحركة وممثلها محمد الخضري.

بعد عقد مؤتمر مدريد للسلام، وقد اشتركت حركة حماس في صيغة تنسيقية مع الفصائل الفلسطينية الرافضة لمسار التسوية في مدريد أطلق عليها تحالف "الفصائل العشرة"، وصدرت مجموعة من البيانات والدعوات إلى الإضراب العام في فلسطين. ومع أن حماس فصيل فلسطيني إسلامي يختلف أيديولوجيًا مع النظام السوري الذي سن مجموعة من القوانين بعد الأحداث التي عرفت ب "أحداث حماة" عام 1982 تجرّم الانتماء إلى تنظيم الإخوان المسلمين، فإنها تمتلك ميزة نسبية لا تمتلكها الفصائل الفلسطينية في سورية، وهي قدرتها على الحشد والتعبئة والقيام بأعمال عسكرية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تنتشر الحاضنة الشعبية لحماس في الضفة والقطاع على خلاف الفصائل الفلسطينية الأخرى التي خرجت قواعدها العسكرية من لبنان في اتجاه سورية عام 1982، وكانت حواضنها الشعبية في مخيمات الشتات في الدول المحيطة بفلسطين المحتلة. كما رأت دول خليجية، وعلى رأسها السعودية والكويت والإمارات، في حماس لمسار التسوية نقطة ارتكاز جديدة تدعم فيها القضية الفلسطينية، بعيدًا عن منظمة التحرير وزعيمها ياسر عرفات الذي أثار موقفه من غزو صدام حسين الكويت في آب/ أغسطس 1990 نقمة تلك الدول، فضلً عن وجود قيادات الحركة الإسلامية في فلسطين ورموزها على أراضيها، وقد شكلت الدول الخليجية مع تأسيس حماس المصدر الأساسي للتمويل والتبرعات للحركة. اتسمت علاقة حماس بسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني بالتوتر والصدام في مراحل عديدة بعد توقيع اتفاق أوسلو على خلفية العمل العسكري لحماس ضد إسرائيل في مناطق الحكم الذاتي، فقد كانت إسرائيل تصبّ جام غضبها على السلطة الفلسطينية، متهمةً إياها بالسماح لعناصر حماس بالعمل والتحضير للعمليات العسكرية، وباتت الضغوط الإسرائيلية على السلطة تستوجب إجراء حوار سياسي يحاول تفكيك الإشكالية التي واجهت حماس والسلطة معًا، وهي استمرار العمل العسكري ضد إسرائيل والآثار التي يتركها في السلطة وفي حماس60. لم تنجح وسائل القوة الناعمة التي استخدمتها السلطة القائمة على الحوار والتفاوض مع قادة حماس في دمجها في النظام السياسي للحكم الذاتي الناشئ، ولا وسائل القوة الخشنة من خلال محاصرة مواقع النفوذ التقليدية لحماس كالمساجد والجمعيات الخيرية ومؤسسات المجتمع المدني، وشنّ حملات اعتقال واسعة بحثًا عن عناصر كتائب القسام، واعتقال العشرات من قادتها السياسيين عام 1996 مثل محمد شمعة ومحمود الزهار وسيد أبو سامح وإبراهيم المقادمة واستجوابهم بطريقة غير لائقة61. لم تتخلَّ حماس عن العمل العسكري ضد إسرائيل، ولم تنجرّ إلى استخدام العنف ضد السلطة الفلسطينية والانزلاق نحو حرب أهلية، الأمر الذي منحها شعبية جماهيرية، وقوّى من شرعيتها السياسية باعتبارها حركة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. وقد ساهم وجود "مكتب سياسي" للحركة، يمثل الإدارة السياسية للحركة، في تحويل العمل العسكري في هذه المرحلة إلى شبه مركزي، ولم يكن منتظمً في مؤسسة عسكرية متماسكة لديها القدرة على تقييم الأوضاع العسكرية والأمنية في الضفة والقطاع، واتخاذ القرارات الجماعية، بقدر ما كان العمل العسكري على مستوى وجود كل خلية، يوجّهه أفراد من الحركة يمارسون الجهاد كل بحسب استطاعته وقدرته وتقييمه. لذا لم تصمد تلك الخلايا العسكرية في مدن الضفة والقطاع أمام ضربات الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية من خلال عمليات الاعتقال، ومن سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي مارست أيضًا حملات اعتقال وتصفية لعدد من القادة العسكريين في الضفة والقطاع، فضلً عن عدم امتلاك كتائب القسام سجل خبرة في مجال العمل العسكري لدى القائمين عليه في البدايات، وافتقارها إلى العمل في المجال الأمني. وقد أشار عبد الحكيم حنيني في شهادته إلى أن العمل العسكري الذي رأسه صالح العاروري قد بدأ في الضفة الغربية على نحو منظم تحت اسم كتائب عز الدين القسام في أيلول/ سبتمبر 1992، في حين كان عملهم في البدايات في شمال الضفة أمنيًا يقوم بمتابعة الأفراد وضبط العملاء، وحماية مظاهرات الحركة الإسلامية أكثر منه عسكريًا، ومن ثم انتقلوا إبان الانتفاضة الأولى إلى العمل العسكري ولكن على نحو غير منظم، واستمر ذلك حتى تواصل معه صالح العاروري عن طريق زاهر جبارين62، الذي عرّفهم بيحيى عياش)1996-1966(مهندس المتفجرات في حماس الذي يعود إليه الفضل في إجراء أول تجربة لصناعة المتفجرات في الضفة الغربية، حيث قام أول مرة بصناعة البارود وصنع عبوة ناسفة في عام 1992 63، ثم طوّر العمل العسكري

  1. زار ياسر عرفات الجامعة الإسلامية في قطاع غزة في أيلول/ سبتمبر 1994، والتقى قيادات حماس ورموزها، بصفتهم الوظيفية لا السياسية، وقد انخفض نشاط الحركة العسكري العملياتي في النصف الثاني من عام 1995 وذلك بسبب اتفاق غير مكتوب بينها وبين السلطة ينص على التهدئة وعدم القيام بأعمال عسكرية ومنح السلطة فرصة لتجديد الحوار بين الطرفين، ما قاد إلى جولة حوار في الخرطوم في تشرين الأول/ أكتوبر 1995، وفي
  2. المرجع نفسه، ص.123
  3. يأتي زاهر جبارين، أحد مؤسسي كتائب عز الدين القسام في الضفة الغربية، على ذكر بدء العمل الأمني في بدايات عام 1992 وحرب العملاء شمال الضفة الغربية قبل البدء في العمل العسكري، وتحضير مجموعة للرصد وأخرى للخطف والنقل وتوفير مكان آمن للتحقيق مع العميل، وتشكلت لجنة أمنية ضمت في صفوفها، إلى جانب زاهر جبارين، كلً من يحيى عياش، وعدنان مرعي، وعلي عاصي، وقد كان العمل الأمني يعاني عقباتٍ ترتبط بنقص العتاد والمال، إذ لم يكن آنذاك اتصال مع الحركة بسبب انقطاع الخيوط التنظيمية عقب ما تعرضت له حماس عام 1990، للمزيد ينظر: جبارين، ص 29. 62   " حنيني يكشف تفاصيل عمليات المقاومة ج 2"، الدقائق.)8-5(
  4. القاهرة أواخر كانون الأول/ ديسمبر 1995، للمزيد ينظر: الحروب، ص.121-120

ونقله إلى غزة إلى أن تم اغتياله هناك عام 1996، فردّت حماس على ذلك بتنفيذ سلسلة من العمليات الانتقامية، ترافقت مع حملة شرسة قادتها السلطة ضد كوادر الحركة وقياداتها، كما عُقد مؤتمر مكافحة الإرهاب في مصر في آذار/ مارس 1996 والحد من العمليات الفدائية التي تقوم بها حماس، ومع ذلك شهد العمل العسكري لكتائب القسام تطورًا ملحوظًا خلال الفترة 1998-1992 من ناحية: التعبئة: انضمام مجموعات جديدة تشكلت بمبادرات فردية في الضفة الغربية، وازدياد أعداد الأفراد المنتسبين إلى الكتائب في قطاع غزة. التمويل والتسليح: زيادة شراء الأسلحة والعتاد نتيجة ازدياد الدعم الخارجي الذي وفره المكتب السياسي للحركة، وهو ما يؤكد أهمية تكامل العمل السياسي في الخارج، وتطور العمل العسكري في الداخل في تعزيز الصمود المقاوم في مجال العمل العسكري بدلً من الصمود الساكن الذي يرتكز على المبادرات الفردية في تنفيذ العمليات الفدائية. التنفيذ: البدء في تصنيع العبوات الناسفة، والقيام بعمليات استشهادية بلغت ذروتها مع المهندس يحيى عياش، وإصدار البيانات العسكرية عن العمليات ونعي الشهداء. وقد قامت كتائب القسام بتنفيذ عمليات عسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وكان يعقب كل عملية تقوم بها حملة اعتقالات واغتيالات. وقد تمكنت سلطات الاحتلال في نهاية التسعينيات من إحكام قبضتها على الجناح العسكري للحركة من خلال حملات تصفية واعتقال غالبية قياداته في الضفة الغربية الذين قرروا بناء جهاز عسكري جديد مركزي ومتماسك، تستقر هيئة أركانه في السجن، ولكن سرعان ما اكتشفت قوات الاحتلال وأجهزة أمن السلطة الفلسطينية هذا الجهاز مع نهاية عام 1998، واعتقلت واغتالت إسرائيل كوادره الذين خرجوا من سجون الاحتلال الإسرائيلي، على رأسهم عادل عوض الله الذي ارتبط الجهاز العسكري به، وشقيقه عماد عوض الله ومحيي الدين الشريف في الضفة الغربية، بعد أن سيطرت قوات الاحتلال على أرشيفه الموجود مع عادل عوض الله64، والذي شمل مئات الرسائل والوثائق التي تتعلق بنشاط القسام، وكان عادل يحملها معه دائمًا، وقد ساهم فك رموز الوثائق في توجيه ضربة قوية إلى القسام في الضفة الغربية وقطاع غزة65.

رابعًا: جيش حماس: تكامل السياسي والعسكري

تعرّض العمل العسكري لكتائب القسام في الضفة الغربية وقطاع غزة لضربات قوية، أمنية وعسكرية، خلال الفترة 2000-1992، تداعت في إثرها البنية المؤسساتية العسكرية، وبدا كأنها اختفت اختفاءً كاملً، ولم يكن هناك تواصل وتعاون فعال بين مختلف المناطق، حتى إن العلاقات بقيادة الخارج كانت محدودة وهامشية66. كما تراجع النشاط الجماهيري للحركة بسبب الحملة التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي لملاحقة قادة وكوادر حماس واعتقالهم وتصفيتهم، كما عملت السلطة على تضييق الخناق على الحركة ومنعها من التواصل مع الناس. إلا أن انتفاضة الأقصى التي اندلعت في 28 أيلول/ سبتمبر 2000 جاءت بمنزلة إعلان بدء العمل الجماهيري والعسكري من جديد، وترميم ما تعرضت له حماس في السنوات الثلاث التي سبقت الانتفاضة، مع الإشارة إلى أنه قد ظهر داخل حماس عشية اندلاع انتفاضة الأقصى تياران، الأول شكّك فيها واعتبرها مخططًا حاكه دعاة التسوية من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وسيلةً لتخفيف الضغط الداخلي وحالة الاحتقان الشعبية على انسداد أفق التسوية السياسية، في حين رأى تيار آخر أنها انتفاضة شعبية تتطلب الانخراط والمشاركة فيها67.

قامت حماس بتشكيل اللجان والأجهزة من جديد، واستعادت قدرتها على الحشد والتعبئة، خاصة في مجال العمل العسكري، ساعدها في

  1. شلش، "تحولات المقاومة المسلحة لحركة حماس في الضفة الغربية"، ص.429
  2. كشف النقاب عن مزيد من تفاصيل الأرشيف المركزي لحركة حماس"، صحيفة
  3. حسام بدران، كتيبة الشمال: السبّاقون إلى الجنة، تقديم خالد مشعل (:].[د. م المكتب الإعلامي لكتائب الشهيد عز الدين القسام،)2010، ص .17 66 المرجع نفسه، ص.14-13
  4. القدس، 1998/11/28، العدد 10510، ص .3-2

ذلك خروج عشرات من قادتها وكوادرها العاملين في كتائب القسام من سجون السلطة في الضفة والقطاع، أعادوا ترتيب صفوفهم من جديد وبدؤوا مرحلة جديدة من العمل العسكري؛ في الضفة خرج من سجون السلطة إبراهيم حامد الذي ساهم في إعادة تشكيل خلايا عسكرية، وانضم إليه بلال وعبد الله البرغوثي من الجهاز المركزي للقسام الأمر الذي مثّل إضافة نوعية لخبرة عبد الله في مجال صناعة المتفجرات والعبوات الناسفة، وفي غزة أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن صلاح شحادة مؤسس العمل العسكري فيها، فبدأ هو الآخر في إعادة بناء قدرات حماس القتالية في قطاع غزة68. اعتمد العمل العسكري لكتائب القسام في بداية انتفاضة الأقصى على طريقة العمل العسكري في الفترات السابقة لها، وهي الاستناد إلى خلايا مستقلة واعتبار كل خلية جناحًا عسكريًا مستقلً ينفذ عملياته ضد الاحتلال الإسرائيلي بناءً على تقديراته وإمكانياته، وذلك كي لا يلحق سقوط خلية الضرر بالباقي. ويفصّل حسام بدران)-1966(أحد مؤسسي العمل العسكري في شمال الضفة الغربية في هذا الأمر قائلً: "لا تقوم المكاتب الإدارية وغيرها من اللجان القيادية في المناطق باتخاذ قرار مفصل في موضوع العمل العسكري وغالبًا لا يتم تكليف أشخاص محددين لقيادة العمل[...]ويرجع ذلك لأسباب أمنية وأخرى ذاتية تتعلق بطبيعة تشكيل هذه اللجان وآليات عملها واختصاصاتها والظروف التي تعمل فيها"69. كما استمر العمل العسكري في الضفة الغربية بالآلية ذاتها، ولم يرتقِ إلى مستوى المأسسة والتماسك. وغني عن القول إن الفترة 2005-2000 شهدت إعادة بعث للعمل العسكري النظامي للقسام في الضفة وغزة، كما سنوضح لاحقًا. حيث بدأ يتعزز وجود حماس بوصفها فاعلً إقليميًا ضمن محور المقاومة، إذ ما زالت تداعيات الاحتلال الأميركي للعراق وتفاعلاته الإقليمية ماثلة، كما أدى تصاعد الضغط الأميركي - الفرنسي على النظام السوري على خلفية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، الذي نتج منه إنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان في 30 نيسان/ أبريل 2005 70، إلى دفع النظام السوري إلى الاعتماد على القوى السياسية والعسكرية الحليفة له في لبنان كحزب الله وحركة أمل وحماس الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية  –  القيادة العامة وفتح الانتفاضة، وانتقل جزء من تسليح الجيش السوري ومعسكراته إلى تلك القوى، في حين استمرت إيران التي زاد التوتر بينها وبين المجموعة الأوروبية والأميركية حول برنامجها النووي، في تقديم الدعم العسكري واللوجستي اللازم لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين. في الساحة الفلسطينية، يمكننا القول إن انسحاب إسرائيل الأحادي الجانب، عسكريًا واستيطانيًا، من قطاع غزة قبل أيلول/ سبتمبر 2005، مثّل الخطوة الأولى في طريق الصدام العسكري بين فتح التي بدأت تعاني انقسامات تنظيمية بعد وفاة الرئيس ياسر عرفات، وحماس التي استثمرت تحالفاتها الخارجية في تعظيم قوتها العسكرية وتنامي شعبيتها، ما دفع قيادييها إلى اتخاذ قرار خوض الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت في كانون الثاني/ يناير 2006، وفازت حماس فيها بأغلبية مقاعد المجلس على نحو غير متوقع، ما وضعها أمام تحدٍّ محلي وإقليمي جديد يحتّم عليها المزاوجة بين الحكم والمقاومة، وهي التي تصطف في محور المقاومة في مواجهة محور الاعتدال العربي، فدخلت مباشرة في صراع صلاحيات مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، في ظل رفض أميركي وأوروبي وبعض الدول العربية التعامل مع حكومة حماس العاشرة التي تشكلت برئاسة إسماعيل هنية، الذي لم يجد منفذًا لدعم حكومته إلا كلًّ من سورية وإيران والسودان وقطر وتركيا آنذاك، كما ساهم قيام كتائب القسام وألوية الناصر صلاح الدين بأسر الجندي جلعاد شاليط في 25 حزيران/ يونيو 2006 في تعقيد المشهد السياسي الفلسطيني. في غزة، ونتيجة الصراع على الصلاحيات ومقاليد الحكم، مثّل قرار وزير الداخلية الفلسطيني سعيد صيام بتشكيل قوة أمنية تابعة لوزارة الداخلية باسم "القوة التنفيذية"، محطة تصعيد رئيسة بين فتح وحماس، وقد برّر صيام تشكيلها للحد من حالة التدهور الأمني، خاصة في قطاع غزة، بسبب فقدانه صلاحياته على الأجهزة الأمنية فيها. وقد ضمت القوة التنفيذية71 عناصر من كتائب القسام وتنظيمات أخرى علاقاتها جيدة بحماس في القطاع، وهو ما عارضه الرئيس عباس وأصدر قرارًا يلغي فيه قرار صيام، وأمر عباس بتشكيل قوة أمنية جديدة باسم "الحرس الرئاسي"، وهو ما مهّد للصدام المباشر بين حماس وفتح في غزة، الذي انتهى بسيطرة حماس على القطاع وطرد فتح وقادة الأجهزة الأمنية منها في حزيران/ يونيو 2007، في حين قامت السلطة في الضفة الغربية بملاحقة عناصر حماس ونفذت سلسلة من الاعتقالات، نتج منها ضرب البنية السياسية والعسكرية لحماس في الضفة، ولم يعد أي وجود عسكري فاعل ومؤثر لحماس في الضفة، وبذلك تحوّل الانقسام الفلسطيني إلى انقسام جغرافي، حيث

  1. شلش، "تحولات المقاومة المسلحة لحركة حماس في الضفة الغربية"، ص.440
  2. بدران، ص.18
  3. القوات السورية تكمل الجلاء وتسلم آخر مواقعها في لبنان"، 69 الجزيرة نت، 2005/4/25، شوهد في 2020/2/1، في https://bit.ly/38tjOn5:
  4. مريم عيتاني، 70 صراع الصلاحيات بين فتح وحماس في إدارة السلطة الفلسطينية 2006-2007، تحرير محسن صالح (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،)2008، ص.75-62

باتت حماس تسيطر سيطرة كاملة على قطاع غرة، في مقابل فتح التي تدير مؤسسات السلطة في الضفة الغربية72. تجدر الإشارة إلى استمرار المواجهات بين إسرائيل وفصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة التي كانت ترد على الاعتداءات الإسرائيلية بإطلاق صواريخ محلية الصنع، وقيامها باشتباكات أثناء توغلات الجيش في المناطق الحدودية من القطاع. كانت المواجهة الكبرى الأولى بين كتائب القسام وإسرائيل في 27 كانون الأول/ ديسمبر 2008، أطلقت عليها إسرائيل اسم "الرصاص المصبوب"، في حين سمتها القسام حرب "الفرقان"، وقد كانت أهداف إسرائيل إسقاط حكم حماس في غزة، وتدمير القوة الصاروخية للحركة، واستعادة الجندي جلعاد شاليط، إلا أنها لم تحقق أيًا من هذه الأهداف وانتهت المعركة على ذلك.

1. البنية المؤسسية لكتائب القسام: نواة جيش في غزة وخلايا في الضفة

نفذت كتائب القسام في الضفة والقطاع خلال اندلاع انتفاضة الأقصى سلسلة من العمليات العسكرية في الفترة 2005-2000 (إطلاق النار، وتفجير عبوات ناسفة، وعمليات اقتحام، وعمليات استشهادية... إلخ)، لتنتقل الكتائب إلى خطوة متقدمة في تنظيم ومأسسة العمل العسكري في فلسطين، حيث باتت كتائب القسام تأخذ شكل أكثر تماسكًا من ناحية البنية والهيكلية العسكرية في قطاع غزة للاعتبارات الآنفة الذكر. يشرح محمد ضيف قائد كتائب القسام عشية انسحاب إسرائيل من القطاع عام 2005 البنية الهيكلية للكتائب التي تشبه إلى حد بعيد بنية الجيوش النظامية، من ناحية وجود مجلس عسكري أعلى للكتائب التي تتكون من ألوية وكتائب وسرايا وفصائل ومجموعات، ويستكمل نائبه أحمد الجعبري)2012-1960(في تفصيل الأقسام الخاصة بالعمل العسكري في الكتائب، وهي: أقسام علمية، وتطوير عسكري، وثقافية، وتربوية، إضافة إلى محاكم قضاء عسكري73. أما عملية اختيار المتطوعين للانضمام إلى الكتائب تكون في البداية بناءً على شهادة حسن سلوك المتطوع "تزكية"، والتحقق من التزامه الديني والأخلاقي من المسجد المنتمي إليه، ثم يمر بالمراحل التالية: يخضع المتطوع لدورة إعداد تربوي تثقيفي قبل الانتقال إلى التدريب النظري والعملي. يُجري المتطوع سلسلة من المقابلات الشخصية، ويخضع لإجراءات الفحص الطبي وامتحان اللياقة البدنية. ينتقل المتطوع بعدها إلى أكاديمية القسام العسكرية ويقوم بتلقي المحاضرات، وإجراء التدريبات العسكرية على استخدام الأسلحة في الميدان. عند نهاية الدورة يخضع المتدرب لامتحان نظري، وآخر عملي ويستلم شهادة تخرجه في احتفال رسمي. والجدير بالذكر أن المتفوقين في تلك الدورات هم الذين يشكّلون "نخبة كتائب القسام" التي توكل إليها مهمات قتالية بالغة الدقة والتعقيد، ومنها العمليات الاستشهادية74. وتشير التقديرات إلى أن كتائب القسام تتكون من 6 ألوية، وكل لواء يضم 5 آلاف مقاتل، يتوزعون على 4 أو 5 كتائب، ويقدر عدد عناصر كتائب القسام ب 30 ألف مقاتل، ينضوون إلى وحدات تنتشر في قطاع غزة، لكل وحدة مهمات معينة منوطة بها، ومواقع معينة تعمل انطلاقًا منها. أما على المستوى الإعلامي، فقد أسست كتائب القسام مكتبها الإعلامي في أوائل عام 2004، رغم أن النشاط الإعلامي كان يقع على عاتق الخلية التي تقوم بتنفيذ العملية، حيث يقوم أحد الميدانيين بكتابة بيان ويرسله بدوره إلى وسائل الإعلام. لكن انتقلت كتائب القسام إلى الحرفية والمهنية في صياغة رسائلها الإعلامية مع بداية الانتفاضة، وبات لها منصة إلكترونية تتضمن كل نشاطاتها وأعمالها وبياناتها العسكرية75. ولا يمكن الحديث عن تطور العمل العسكري للقسام بعد اندلاع انتفاضة الأقصى من دون البحث في الدعم السياسي والعسكري والمالي للحركة، الذي ساهم التفاعل بين بنية النظام الإقليمي وحماس كفاعل في الإقليم في تحديد هويتها ضمن محور المقاومة الذي بدأ يتشكل في المنطقة بعد احتلال الولايات المتحدة الأميركية العراق في عام 2003، وكان يضم كلً من سورية وإيران وحزب الله. وقاد تطور العلاقة السياسية بين حماس والنظام السوري إلى زيادة الدعم

  1. أطلقت حماس على عملياتها العسكرية ضد فتح في قطاع غزة في حزيران/ يونيو 2007 اسم "الحسم العسكري"، في حين سمته فتح "انقلاب حماس"، وقد سقط من جراء الصدام المسلح بين حماس وفتح في قطاع غزة في الفترة 2007/6/16-7 نحو 161 قتيلً من فتح، من بينهم 43 مدنيًا، و 91 من فتح والأجهزة الأمنية التابعة لها، و 27 من حماس وكتائب القسام والقوة التنفيذية، للمزيد ينظر: '"صفحات سوداء في غياب العدالة:' تقرير حول الأحداث الدامية التي شهدها قطاع غزة خلال الفترة بين 7 – 14 يونيو 2007 "، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، [د. ت].، ص 85-81، شوهد في 2020/2/1، في: http://bit.ly/2vzam3o
  2. سجلت كاميرا "في ضيافة البندقية" في شتاء 2005 وعقب الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة جزءًا من مسيرة كتائب القسام وفيه تسجيلات لقائد الكتائب محمد ضيف، ونائبه
  3. المرجع نفسه. 74 للمزيد يُنظر: الموقع الرسمي لكتائب الشهيد عز الدين القسام، في: https://bit.ly/30yknsX
  4. قناة الجزيرة أحمد الجعبري، ينظر: في ضيافة البندقية،، 2014/8/9، شوهد في 2020/2/1، في (https://bit.ly/2TwdCGF: الدقائق)11:14-12

العسكري من خلال تقديم التسهيلات الأمنية والعسكرية لوجستيًا، حيث يفصّل عبد الحكيم حنيني في كتابه منهجية حركة حماس في العلاقات الخارجية: سورية نموذجًا ذلك الدعم، ومنه توفير بطاقات شخصية أمنية وعسكرية لكل الكوادر الأمنية والعسكرية، ومركبات تحمل لوحات عسكرية في تحركاتهم، ومنح كوادر حماس تصاريح خاصة للسماح لشراء الأسلحة والذخيرة اللازمة لتدريباتهم من السوق الحرة في منطقة الغوطة، وتسهيل مرورهم عبر الممر الحدودي "الخط العسكري"، وإدخال مواد ومعدات عسكرية وأمنية من دون معوقات أو تفتيش، فضلً عن تدريب كوادر حماس العسكرية في الجبهة الشعبية - القيادة العامة، وإجراء كل التجارب الخاصة بالتصنيع العسكري. وقد استفادت حماس من المراكز العلمية التي امتلكتها الجبهة الشعبية - القيادة العامة في تطوير صناعة الصواريخ والطائرات المسيّة. كما خضع للتدريب العسكري مئات من كوادر حماس في إيران انطلاقًا من دمشق، من دون فحص أمني، أو حتى ختم الدخول والخروج من وإلى سورية، وذلك حتى تبقى رحلاتهم طي السر والكتمان، فلا يظهر أي أختام على جوازات سفرهم تدل على أنهم دخلوا سورية أو إيران، ويتلقون تدريباتهم العسكرية المطلوبة في إيران ثم يعودون إلى داخل فلسطين76. أما شحنات الأسلحة بكل أنواعها وأشكالها فكانت تصل إلى قطاع غزة عبر طريقين رئيسين: الطريق البري: تصل شحنات السلاح إلى الموانئ السودانية ومنها عبر قوافل من المركبات إلى سيناء المصرية، حيث تدخل إلى قطاع غزة عبر الأنفاق. الطريق البحري: تهريب شحنات الأسلحة من المياه الإقليمية المصرية إلى ساحل غزة عبر قوارب، أو إلى سيناء ومن ثم إلى قطاع غزة عبر الأنفاق. 2. تطوير التصنيع الحربي في كتائب القسام مرت عمليات التصنيع الحربي في كتائب القسام بمراحل عديدة رغم المعوقات العديدة المرتبطة بنقص المواد اللازمة وندرتها والرقابة الإسرائيلية على دخولها إلى الأراضي الفلسطينية، إذ شددت إسرائيل حصارها ومنعت دخول معظم المواد الأولية التي تدخل في بعض الصناعات وأهمها مواد التنظيف التي تحتوي مركّبات لها استخدامٌ مزدوج، والمواد الزراعية خاصة مادة "اليوريا" التي تدخل بالأساس في تصنيع العبوات الناسفة، وقد أثر ذلك في التصنيع العسكري في الضفة، في حين كان حال غزة أفضل من ناحية قدرتها على الحصول على المواد التي تدخل في التصنيع الحربي من السودان إلى مصر عبر الأنفاق، كما تصل عن طريق الزوارق إلى غزة القادمة من دول أوروبا الشرقية78. تشير المعطيات الحالية وخلال المواجهات الأخيرة بين القسام وجيش الاحتلال الإسرائيلي في أعوام /2008 2009 و 2012 و 2014 إلى أن دوائر التصنيع في القسام في طريقها إلى تطوير صواريخ، وقاذفات، وعبوات ناسفة، وطائرات مسيرة أكثر دقة وأبعد مدى وأشد تأثيرًا في تحصينات قوات الاحتلال الإسرائيلي، حيث قامت كتائب القسام بتطوير صواريخ "القسام" وأنواع أخرى، فضلً عن تدريباتها على استخدام صواريخ روسية وصينية الصنع، كما عملت على تطوير العبوات الناسفة والقنابل اليدوية والطائرات المسيرة.

أ. تطوير الصواريخ

ترجع فكرة تصنيع الصواريخ إلى نضال فرحات)2003-1971(وتيتو مسعود)2003-1967(، اللذين قاما بتصنيع أول صاروخ "قسام 1" الذي يصل مداه إلى 2500 م في حزيران/ يونيو 2011 79، وبعد أربعة أشهر وعلى وجه التحديد في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2001 سقط أول صاروخ محلي الصنع داخل مستوطنة "سديروت" التي تبعد عن القطاع نحو 1.6 ميل، وتبنت كتائب القسام عملية إطلاق صاروخ (قسام)1 الذي بلغ قطره نحو 60 ملم، ووزنه نحو 5.5 كلغ، حينها باتت حماس في قطاع غزة تقوم بتصنيع الصواريخ المحلية وتزويد الفصائل الفلسطينية المقاومة بها خلال الفترة 2005-2001. وقد نقل سائد عواد)2002-1977(، الذي يعود إليه الفضل في تطوير صاروخ "قسام 2"، والذي اغتالته إسرائيل في نيسان/ أبريل 2002، خبرة تصنيع الصواريخ إلى الضفة الغربية. وقد أطلقت كتائب القسام أول ثلاثة صواريخ (قسام)2 محلية الصنع في 24 شباط/ فبراير 2002 من أراضي الضفة الغربية في اتجاه فلسطين المحتلة. وقد شكل تصنيع الصواريخ وإطلاقها من قطاع غزة والضفة الغربية منعطفًا جديدًا في الصراع بين فصائل المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب القسام صاحبة فكرة التصنيع الحربي، وبين إسرائيل، وتجدر الإشارة إلى أن الصواريخ "قسام 1"، و"قسام 2" التي استخدمت في الفترة 2005-2002 تفتقر إلى نظام توجيه وهي غير دقيقة، وعليه فإن أضرارها لا تقتصر على القتلى والجرحى والأضرار المادية في الجانب الإسرائيلي، بل تتمثل بانعكاساتها السيكولوجية

  1. عبد الحكيم حنيني، 75 منهجية حركة حماس في العلاقات الخارجية: سورية نموذجًا  ، 2015-2000 (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،)2018، ص.132-130
  2. أثر الصواريخ الفلسطينية في الصراع مع الاحتلال، تقرير معلومات 3 (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،)2008، ص.9-8 77   " في ضيافة البندقية." الحمولة المتفجرة (كغ) 2/1 الجزيرة نت المصدر: "صواريخ حماس: قسام فرنتيسي ثم جعبري"،، 2014/7/10، شوهد في 2020/2/1، في http://bit.ly/2RNzJHj:

على سكان المستوطنات في غلاف قطاع غزة. حتى باتت الصواريخ وإطلاقها تدخل في مفاوضات التهدئة بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني ممثلً بغرفة عمليات المقاومة. ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الصواريخ لا تقارن، من حيث الدقة والقدرة التدميرية، بالصواريخ التي تستخدمها قوات الاحتلال الإسرائيلي والتي يسقط في إثرها عشرات المدنيين الفلسطينيين. ومع بداية عام 2005 طورت حماس أنواعًا حديثة من صواريخ القسام المعروفة باسم "قسام 3" يراوح مداها الأقصى بين 10 و 12 كلم، وتحمل مواد متفجرة زنتها 20-10 كلغ. تم إطلاق ما يقرب من 450 صاروخ قسام على إسرائيل على مدار عامي 2003 و 2004 80. ولا توجد معلومات تقنية عن صواريخ القسام من مصادر حماس الرسمية، لكن الكتاب المرجعي في الصواريخ المدفعية الصادر عن مؤسسة الأبحاث الدفاعية النرويجية في عام 2010، وضع جدولً يبين فيه المعلومات الأساسية عن صواريخ القسام، على النحو الموضح في الجدول.)2(الجدول)2(معلومات تفصيلية عن أجيال صواريخ القسام المحلية الصنع

م قسام 3قسام 2قسام 1
17015060القطر (ملم)
90325.5الوزن (كغ)
+20018079الطول (سم)
108-33المدى (كم)
1020-102/1الحمولة المتفجرة (كغ)

وقد غيّ ت حماس الطريقة التي تتبعها في تسمية الصواريخ، فبعد أن كانت "قسام 1، و 2، و 3، و 4"، أخذت تسمي الصاروخ بالحرف الإنكليزي الأول من ألقاب قادتها الذين اغتالهم الاحتلال، على النحو التالي: صاروخ M75: يرمز إلى "إبراهيم المقادمة" الذي اغتيل في عام 2003. مداه 75 كيلومترًا، وبرأس تفجيري يزن 70 كيلوغرامًا. صاروخ R160: يرمز إلى "عبد العزيز الرنتيسي" الذي تولى رئاسة الحركة بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين، واغتيل عام 2004. ويزيد مداه على 120 كيلومترًا وبرأس تفجيري يزن 45 كيلوغرامًا. صاروخ J80: يرمز إلى "أحمد الجعبري" قائد كتائب القسام الذي اغتيل عام.2012 وقد أطلقت كتائب القسام نحو 980 صاروخًا خلال أيام حرب "الفرقان"، شملت 345 صاروخ قسام، و 213 صاروخ غراد، و 422 قذيفة هاون، وشمل بنك الأهداف الإسرائيلية قواعد ومواقع عسكرية، ومستوطنات في بئر السبع وعسقلان وأسدود81، ودخل صاروخ كورنيت Kornet-E 82 على خط المواجهة، واستخدمته كتائب القسام أول مرة. إن استخدام القسام هذا النوع من الصواريخ منحها ميزة نسبية في التعامل مع قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تتوغل في مناطق القطاع. وفي المواجهة التي وقعت بين القسام وإسرائيل عام 2012، أطلقت عليها إسرائيل عملية "عمود السحاب" في حين سمتها فصائل المقاومة "حجارة السجيل"، استمرت مدة اثني عشر يومًا، وقد ظهر فيها تطور في العمل العسكري لكتائب القسام على نحو يحاكي جيشًا شبه نظامي على مستوى العمليات العسكرية والمتابعة الاستخباراتية والتغطية الإعلامية، مستفيدة من التراكم في الخبرة في العمل العسكري، فضلً عن الاستفادة من المناخ الإقليمي بعد الثورات الشعبية العربية عام 2011، وخاصة تغيير النظامين المصري والليبي. ولم تُخفِ إسرائيل قلقها من تدفق الأسلحة من ليبيا عبر مصر والسودان إلى غزة وهي في معظمها صواريخ SA-7 المضادة للطائرات، تحمل على الكتف من نوع أرض - جو سوفياتي قصير المدى للطائرات وقذائف صاروخية وذخائر متنوعة، وهو ما دفع رئيس جهاز الأمن الإسرائيلي "الشاباك" في أيار/ مايو 2012، آنذاك يورام كوهين، إلى القول إن ليبيا "بوابة جديدة للجحيم"، بسبب الأسلحة التي تصل إلى حماس وغيرها من الجماعات الفلسطينية في غزة84. حاولت إسرائيل في الأشهر الأخيرة إقناع النظام المصري الجديد الذي يحكمه الإخوان المسلمون تخفيض هذه الإمدادات85. استخدمت كتائب القسام في حرب 2012 صاروخ فجر 5- إيراني الصنع أول مرة، وهو صاروخ أرض - أرض صُمم في تسعينيات القرن الماضي

  1. 82  Ian Black, "Fajr-5 Missile Gives Palestinians Rare if Short-lived Advantage”, The Guardian , 16/11/2012, accessed on 15/11/2019, at: https://bit.ly/30PaIye
  2. معركة الفرقان"، الموقع الرسمي لكتائب الشهيد عز الدين القسام، [د. ت].، شوهد في 2020/2/1، في https://bit.ly/2RgCKzQ:
  3. وهو صاروخ مضاد للدروع، كالدبابات والمركبات المدرعة الخفيفة والتحصينات والأهداف الجوية المنخفضة الطيران، وهو روسي الصنع قام بتطويره مكتب تصميم الأجهزة التابع للشركة الروسية KBP، وموجه ومصوّب بأشعة ليزر بشكل نصف أوتوماتيكي، بحيث يصوّب الرامي الصاروخ نحو الهدف ويوجّه علامة تصويب الصاروخ حتى الإصابة، ينظر: " Kornet-E 9M133 AT-14 Spriggan Antitank Guided Missile System", Army Recognition , 25/7/2018, accessed on 1/2/2020, at: https://bit.ly/2vg44pf
  4. رئيس 'الشاباك' يزعم أن حماس تمتلك 8 آلاف صاروخ و 15 ألف مقاتل"، المركز الفلسطيني للإعلام، 2012/6/3، شوهد في 2019/12/19، في: http://bit.ly/38iTnRy
  5. 78  " Hamas Rockets", Globale Security , [n.d.], accessed on 1/2/2020, at: https://bit.ly/2Rd58CH

وبلغ مدى الجيل الأول منه 40 كيلومترًا، وقامت شركة الصناعات الجوية والفضائية الإيرانية في أيار/ مايو 2006 بتطوير صواريخ "فجر - 5" التي يراوح مداها بين 68 و 75 كيلومترًا، وقد أكد قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري نقل إيران هذه الصواريخ إلى الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة86، وقد كانت المرة الأولى التي يبلغ فيها مدى الصواريخ التي تطلقها كتائب القسام إلى تل أبيب والقدس87. في المقابل، كانت إسرائيل قد طورت نظام القبة الحديدية لاعتراض الصواريخ التي تنطلق من قطاع غزة، وقد اعترضت نحو 421 صاروخًا، وسقط 142 صاروخًا على غزة نفسها، وسقط 875 صاروخًا في مناطق مفتوحة، و 58 صاروخًا ضربت منطقة حضرية في إسرائيل، ورغم فاعلية نظام القبة الحديدية، طرحت تساؤلات عديدة حول قدرتها على صد الصواريخ في حال واجهت إسرائيل حجم كثافة صاروخية أكبر وعلى أكثر من جبهة88، خاصة أن مواجهة 2014 عطلت الملاحة في مطار بن غوريون بعد سقوط صاروخ في مكان قريب شمال المطار89. وقد قامت كتائب القسام باستخدام تكتيك جديد يقوم على استهداف مدن تل أبيب والقدس وحيفا بدلً من قصف مدن سديروت وعسقلان وأسدود، ما يعني امتلاكها مدى صاروخيًّا فاجأ الإسرائيليين، رغم ما قامت به القبة الحديديّة من التصدّي لها، لكنّها أخفقت في منع الشلل والإرباك لأكثر من نصف مساحة الكيان، و 5 ملايين إسرائيلي.

ب. قاذف الياسين

أصدرت كتائب القسام بيانًا في 3 آب/ أغسطس 2004 تناولت فيه تصنيع قاذف الياسين، وقد جاء في البيان "انطلقت القذيفة الأولى من نوع الياسين في تمام الساعة 20:40 من مساء اليوم الثلاثاء 17 جماد آخر 1425 ه في اتجاه ناقة جند في المنطقة الغربية من بيت حانون. إن كتائب الشهيد عز الدين القسام إذ تعلن عن هذه القذيفة الجديدة فإنها تعاهد الله عز وجل أن تواصل مسيرة الجهاد والمقاومة حتى يندحر الاحتلال عن آخر شبر من أرضنا المحتلة"90، وقاذف الياسين هو نسخة من قاذف "آر بي جي" المضاد للدروع يمكنه استهداف آليات العدو، ومنشآته وتحصيناته، ويعمل على نحو فعال في حالتي الهجوم والدفاع ضد أهداف العدو، وعلى وجه التحديد في الاجتياحات. ويصل مداه إلى أكثر من 200 م، والقذيفة لها قدرة على اختراق تحصينات بحدود 16 سم في الحديد الصلب91.

ج. القنابل والعبوات الناسفة

طورت كتائب القسام صناعة القنابل اليدوية التي مرت بمراحل عديدة، وكذلك العبوات الناسفة المضادة للأفراد والمركبات أطلقت عليها اسم "شواظ" خلال الانتفاضة الثانية، وكان النموذج الأول من شواظ يحتوي على 40 كيلوغرامًا من المواد المتفجرة، وقامت كتائب القسام لاحقًا بإدخال تعديلات عليها وطورت نحو سبعة أجيال منها، إذ تحتوي النسخة الأخيرة على 3.5 كيلوغرامات من المواد الشديدة الانفجار، وهي قادرة على اختراق نحو 40 سنتمترًا من الحديد، حيث جرت تجربة النسخة الأخيرة من شواظ على 9 قطع حديد سماكة كل واحدة منها 5 سنتمترات، والمسافة بينها وبين القطع نحو 60 سنتمترًا، ما يعني أنها قادرة على اختراق دبابة الميركافا الإسرائيلية الصنع92.

د. حفر الأنفاق القتالية

كانت أول عملية عبر نفق قتالي في 26 أيلول/ سبتمبر 2001 حفرته عناصر من كتائب القسام في غزة يصل إلى أسفل موقع (ترميد) على الحدود المصرية – الفلسطينية، وتم تفجير الموقع العسكري بعبوة تزن 320 كيلوغرامًا من المواد المتفجرة. وقد واصلت كتائب القسام حفر سلسلة من الأنفاق القتالية وكذلك التجارية التي تنقل من خلالها الأسلحة والعتاد اللازمين للكتائب، إضافة إلى السلع والبضائع التي يحتاج إليها القطاع في ظل الحصار. وعند استهداف شبكة الأنفاق التجارية والعسكرية بين مصر وقطاع غزة من الجانبين المصري والإسرائيلي وجدت "صناعة الأنفاق" نفسها بلا عمل، فكان سهلًالتحوّل إلى الاستخدام العسكري لآليات القطاع وتقنياته وخبراته، والتوسع نحو بناء شبكة من الأنفاق الهجومية في الأراضي الفلسطينية المحتلة93. وقد ميز المواجهة الأخيرة بين حماس وإسرائيل

  1. 83   " إيران: وضعنا تقنية صواريخ فجر 5 قناة العالم في أيدي المقاومة الفلسطينية"،، 2012/11/21، شوهد في 2020/2/1، في https://bit.ly/3aHnbZy:
  2. Ethan Bronner, "With Longer Reach, Rockets Bolster Hamas Arsenal", The New York Times , 17/11/2012, accessed on 1/2/2020, at: https://nyti.ms/2TSAEYm
  3. Charles Levinson & Adam Entous, "Israel's Iron Dome Defense Battled to Get Off Ground", The Wall Street Journal , 26/11/2012, accessed on
  4. حماس: توقف الرحلات إلى إسرائيل انتصار للمقاومة"، 86 الجزيرة نت، 2014/7/23، شوهد في 2020/2/1، في https://bit.ly/3aG0Uvd:
  5. عقول القسام تبتكر قذيفة جديدة من طراز 'الياسين"'، 87 الموقع الرسمي لكتائب الشهيد عز الدين القسام، 2004/8/3، شوهد في 2020/2/19، في: https://bit.ly/30Nw3IF
  6. في ضيافة البندقية " (الدقائق)33-30. 89 المرجع نفسه (الدقائق.)34-32
  7. 1/2/2020, at: https://on.wsj.com/36kyrrx
  8. أحمد جميل عزم، "أنفاق غزة.. نظريتان وكذبة وسؤال"، صحيفة 90 الوطن، 2014/8/7، شوهد في 2020/2/1، في https://bit.ly/2TSHtZX:

في 7 يوليو/ تموز 2014، التي أطلقت عليها إسرائيل اسم "الجرف الصامد" وسمتها حماس اسم "العصف المأكول"، استخدام القسام شبكة كبيرة من الأنفاق القتالية، وهو ما سيضع جيش الاحتلال الإسرائيلي أمام تعديل جديد في قواعد المواجهة، مع دخول الأنفاق القتالية في تكتيكات المواجهة بين الجانبين، إضافة إلى التخطيط وتنفيذ عمليات اجتياح عبر البحر. باتت كتائب القسام تمتلك القدرة، عبر تلك الأنفاق، على تنفيذ عمليات في قلب التجمعات الاستيطانية، والتسلل خلف خطوط القوات المتوغلة والهجوم على مؤخرة قواته أثناء العمليات العسكرية ضد القطاع، إضافة إلى استخدام الأنفاق في تسهيل عمليات خطف الجنود. وتم تشييد الأنفاق الجديدة بمهارة، فهي تصل متوسط عمق يراوح بين 20 و 25 مترًا، جوانبها مغطاة بالباطون، وتحتوي على وسائل متقدمة للاتصالات، ولكل نفق قبوه المركزي الذي يدخل منه الحفارون، ثم يتفرع إلى أقبية أخرى، بعضها عسكري، كل ذلك في أجواء محكمة من السرية، ويستغرق العمل في بناء كل نفق من سنة إلى 3 سنوات، وتراوح وتيرة الحفر يوميًا بين 4 و 16 مترًا عبر حفارين تختارهم كتائب القسام بعناية فائقة. ويوجد تحت مدينة غزة شبكة واسعة ومتشعبة من الأنفاق، تمنح القسام القدرة على المواجهة العسكرية في حال قيام إسرائيل بعمليات برية في القطاع، فضلً عن قدرة القيادة العسكرية والسياسية على إدارة سير المعركة في أماكن محصنة ومنيعة.

ه. الطائرات المسيرة

ترجع فكرة تصنيع القسام طائرة مسيرة من دون طيار لتنفيذ أعمال استخباراتية وقتالية إلى عام 2006، حيث كان النموذج الأول لمشروع هذه الطائرة قد عرف باسم "الطائرة العراقية"، وهو مشروع تخرّج لضابط سابق في الجيش العراقي حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة بغداد، وقد كان مشروع تخرجه إنتاج طائرة مسيرة من دون طيار، وقدّم خبرته لفريق العمل في كتائب القسام المشرف على وحدة إنتاج طائرة من دون طيار، وكان يرأس ذلك الفريق المهندس التونسي محمد الزواري الذي اغتيل في تونس في 15 كانون الأول/ ديسمبر 2016 ، وقد كان المشروع في بداياته، وكان للزواري دور محوري في فريق تصنيع الطائرات، الذي أجرى مجموعة من التدريبات في إيران، والتجارب على إنتاج هذا النوع من الطائرات في سورية. إن نجاح القسام في استخدام طائرات من دون طيار محلية الصنع، ورغم أنها ذات قدرات بدائية، يعكس مدى التصميم وخلفية الاستعداد للمواجهة، ولذلك تمكنت من الجمع بين توظيف جهدها الحربي وتحركها السياسي وحربها النفسية ضد الإسرائيليين في ظل قدرتهم على التحكم بشكل كبير، رغم الظروف الصعبة التي تمر بها. وتمكنت كتائب القسام من تصنيع طائرات من دون طيار تحمل اسم "أبابيل 1"، أنتجت منها 3 نماذج: طائرة A1A ذات مهمات استطلاعية. طائرة A1B ذات مهمات هجومية: إلقاء صواريخ. طائرة A1C ذات مهمات هجومية - انتحارية. وقامت طائرات القسام صباح 14 تموز/ يوليو 2014 ب 3 طلعات، شاركت في كلٍ منها أكثر من طائرة، ولكل طلعةٍ مهمات تختلف عن الأخرى، فُقد الاتصال بإحداها في الطلعة الثانية، ومع أخرى في الطلعة الثالثة، وهي ليست أول مرة تجري فيها طائراتها مهماتٍ في عمق الكيان الإسرائيلي، وأول مرة قامت في إحدى طلعاتها بمهمات محددة فوق مبنى وزارة الحرب "الكرياة" بتل أبيب الذي يقاد منه العدوان على غزة، رغم الغطاء الجوي ومنظومات الاعتراض المتطورة للاحتلال. لذا قرر جيش الاحتلال الإسرائيلي زيادة قواته الجوية في سماء غزة تخوفًا من أن تستخدم حماس طائرات صغيرة من دون طيار تحمل متفجرات، واستخدامها وسيلة هجوم ضد أهداف إسرائيلية، وهي طائرات صغيرة كالمستخدمة في عمليات التصوير، قد تسبب ضررًا كبيرًا في حال انفجرت في مستوطنات الجنوب، التي تصلها، وأوكلت القوات الجوية طائرات في سماء غزة لاعتراض أي طائرات من دون طيار مجهولة قد تطلقها حماس، كجزء من المفاجآت التي تستعد لإظهارها.

خاتمة

لم ترتق محاولات الحركة الإسلامية في فلسطين بعد حرب 1948 إلى تأسيس عمل عسكري منظم في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وذلك لاعتبارات تتعلق بالبنية التنظيمية المدمرة للحركة الإسلامية في فلسطين، وتنامي شعبية وجماهيرية التيارات القومية والناصرية في البلدان العربية ودخولها في صدامات معها. أضف إلى ذلك وجود "صراع جيلي" بين قيادات الحركة الإسلامية في فلسطين، فقد دخل الجيل الأول من الحركة الإسلامية في نفق التبريرات الفكرية والتنظيمية المتعلقة بإرجاء العمل العسكري، في حين دفعت القيادات الشابة

  1. محمد الزواري: طيار المقاومة"، ما خفي أعظم، 91 قناة الجزيرة، 2017/4/30، شوهد في 2020/2/1، في https://bit.ly/2RnJD2e:
  2. حنيني، منهجية حركة حماس في العلاقات الخارجية، ص. 131
  3. العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة: عملية "العصف المأكول" – عملية "الجرف الصامد"، 2014/8/26-2014/7/7، ملف معلومات 22 (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،)2015، ص 54.

"الجيل الثاني" نحو ضرورة البدء في العمل العسكري، وإجراء سلسلة من الإصلاحات داخل تنظيم الإخوان، وضرورة التركيز على مفهوم الجهاد العملي والشروع في التسلح وبناء قوة عسكرية خاصة بعد حرب حزيران/ يونيو 1967، حيث استطاع هذا الجيل تأسيس عمل عسكري شبه منظم في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أي إن الصراع الجيلي داخل الحركة الإسلامية مثّل محطة مهمة في فهم السياق الذي تطور خلاله العمل العسكري للحركة الإسلامية في فلسطين. ولم يكن لهذا العمل العسكري أن يصمد ويستمر في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي لولا تكامل الأدوار بين الداخل والخارج في الحركة الإسلامية بعد انطلاق حركة المقاومة الإسلامية حماس، إذ واجه العمل العسكري صعوبات كبيرة (الاحتلال الإسرائيلي، والسلطة الفلسطينية)، نتج منه في تسعينيات القرن الماضي وأد العمل العسكري في الضفة والقطاع نتيجة ضرب الاحتلال الإسرائيلي بنى المقاومة المسلحة لحماس، وما إن اندلعت انتفاضة الأقصى حتى بعثت الحياة من جديد في العمل العسكري لحماس، التي استثمرت تحالفاتها في الإقليم مع كل من سورية وإيران وتركيا وقطر لتعظيم قدراتها وإمكانياتها العسكرية، وقد أبرزت المواجهات العسكرية غير المتكافئة مع الاحتلال الإسرائيلي /2008(2009، و 2012، و)2014 تطور الأداء القتالي لكتائب القسام التي باتت تتمتع ببنية تشبه إلى حد ما بنية الجيوش النظامية، ما يدل على أن نجاح العمل العسكري وتطوره في فلسطين يتعلقان أولً، بالصمود الشعبي وقوة الحاضنة الاجتماعية للمقاومة العسكرية، وثانيًا، بدعم القوى العربية والإسلامية، على نحو أساسي، للقضية الفلسطينية.

المراجع

أبو طير، محمد. سيدي عمر: ذكريات الشيخ محمد أبو طير في المقاومة وثلاثة وثلاثين عامًا من الاعتقال. تحرير بلال شلش. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2017 أبو عزة، عبد الله. مع الحركة الإسلامية في الدول العربية. الكويت: دار القلم للنشر والتوزيع،.1986 أبو عمرو، زياد. أصول الحركات السياسية في قطاع غرة، 1967-1948. عكا: دار الأسوار،.1987 أبو مرزوق، موسى. مشوار حياة: ذكريات اللجوء والغربة وسنوات النضال. ج 1. إسطنبول: دار النداء للنشر والتوزيع،.2019 أثر الصواريخ الفلسطينية في الصراع مع الاحتلال. تقرير معلومات. 3 بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2008 بدران، حسام. كتيبة الشمال: السبّاقون إلى الجنة. تقديم خالد مشعل. [د. م:]. المكتب الإعلامي لكتائب الشهيد عز الدين القسام،.2010 بشارة، عزمي. "ما قبل حرب حزيران وما بعدها: كي لا يتجنب النقدُ سياسات عربية. العدد النقدَ." 26 (أيار/ مايو.)2016 جبارين، زاهر. حكاية الدم من شرايين القسام: شهادة للعصر والتاريخ. دمشق: مؤسسة فلسطين للثقافة،.2012 الحروب، خالد. حماس: الفكر والممارسة السياسية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.1996 حنيني، عبد الحكيم. منهجية حركة حماس في العلاقات الخارجية: سورية نموذجًا، 2015-2000. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2018 دوعر، غسان. قواعد الشيوخ: مقاومة الإخوان المسلمين ضد المشروع الصهيوني 1970-1968. مراجعة وتحرير محسن صالح. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2018 صالح، محسن. الطريق إلى القدس: دراسة تاريخية في رصد التجربة الإسلامية على أرض فلسطين منذ عصور الأنبياء وحتى أواخر القرن العشرين. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2012 "صفحات سوداء في غياب العدالة: تقرير حول الأحداث الدامية التي شهدها قطاع غزة خلال الفترة بين 7 – 14 يونيو 2007 ". المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، [د. ت.]. في http://bit.ly/2vzam3o:

صلاح، عقل. حركة حماس وممارستها السياسية والديمقراطية 2012-1992. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2016 العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة: عملية "العصف المأكول" – عملية "الجرف الصامد"، 2014/8/26-2014/7/7. ملف معلومات 22. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2015 الشيخ أحمد ياسين: حياته وجهاده. غزة عدوان، عاطف.:].[د. ن،.1991 عزم، أحمد جميل [وآخرون.] قضية فلسطين ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني في الهوية والمقاومة والقانون الدولي. ج. 1 الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 عيتاني، مريم. صراع الصلاحيات بين فتح وحماس في إدارة السلطة الفلسطينية 2006-2007. تحرير محسن صالح. ب وررت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2008 غوشة، إبراهيم. المئذنة الحمراء: سيرة ذاتية. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2008 الكارثة الفلسطينية وحرب 5 حزيزان. عمان: الإخوان المسلمون في الأردن،.1967 مسودي، عدنان. إلى المواجهة: ذكريات الدكتور عدنان مسودي عن الإخوان المسلمين في الضفة الغربية وتأسيس حماس. تحرير بلال محمد. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات،.2013 المقادمة، إبراهيم. معالم في الطريق إلى تحرير فلسطين. غزة: مؤسسة اليم،.1994 المولى، سعود. الجماعات الإسلامية والعنف: موسوعة الجهاد والجهاديين. دبي: مركز مسبار للدراسات والبحوث،.2012 النواتي، مهيب سليمان أحمد. حماس من الداخل. عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع،.2002 الوزير، خليل. "حركة 'فتح:' البدايات"، (وثيقة خاصة). مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 26، العدد 104 (خريف.)2015