تحت الحصار انحسار الفضاء الإنساني في غزة

Ghassan ElKahlout غسان الكحلوت |

الملخّص

يشير مفهوم "الفضاء الإنساني" إلى بيئة عمل يتم التمسك فيها بحق السكان في الحصول على الحماية والمساعدة الإنسانية، حيث يمكن أن تقوم المنظمات الإنسانية بعمل إنساني فاعل من خلال الاستجابة لحاجات السكان بطريقة نزيهة ومستقلة. تعرض الدراسة كيف أضحى قطاع غزة مثال ا حيًّا لانحسار الفضاء الإنساني تحت الحصار. وتقسم أربعة محاور، يبدأ أولها بماهية الفضاء الإنساني، استنادًا إلى أدبيات منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والدراسات الأكاديمية. ويوضح ثانيها أثر التسييس في انحسار الفضاء الإنساني. في حين يُبرِز ثالثها أهم ملامح الحصار وتحليل حجم الكارثة الإنسانيّة التي عاناها سكان القطاع بعد عام 2006 في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والصحية والنفسية. ويناقش المحور الرابع كيف تداخلت عوامل تسييس العمل الإنساني في القطاع مع الحصار المفروض عليه، على نحوٍ أدّى إلى تدهور الوضع الإنساني وانحسار الفضاء الإنساني فيه. كلمات مفتاحية: فلسطين، قطاع غزة، الوضع الإنساني، الفضاء الإنساني، الحصار. "Humanitarian space" refers to an operational environment that allows humanitarian actors to deliver humanitarian aid according to humanitarian principles and in line with international humanitarian law. The paper reviews how the Gaza Strip exemplifies the decline of humanitarian space under a prolonged siege. It is divided into three sections. First, it examines the concept of the humanitarian space. Second, it highlights the main features of the siege and analyses the magnitude of the humanitarian crisis experienced by Gaza Strip over the last 12 years in various fields. The third section discusses the factors led to the shrinking of the humanitarian space in the besieged Gaza Strip. "Humanitarian space" refers to an operational environment that allows humanitarian actors to deliver humanitarian aid according to humanitarian principles and in line with international humanitarian law. The paper reviews how the Gaza Strip exemplifies the decline of humanitarian space under a prolonged siege. It is divided Keywords: Palestine, Gaza Strip, Humanitarian Situation, Humanitarian Space, Siege.

Shrinking Humanitarian Space in Gaza Strip Under Siege

مقدمة

شهد العالم بعد انتهاء الحرب الباردة أنماط حروب جديدة، فاقمت الأزمات الإنسانية وزادت معاناة البشر، وانتهكت المواثيق والقوانين الدولية. وفي المقابل، قلّت فرص المنظمات الإنسانية لتخفيف المعاناة؛ إذ أصبحت القيود على العمل الإنساني كثيرة ومنوّعة، تشمل: طبيعة الحرب، والعجز في الموازنات، وعدم حماية العاملين، وسيطرة "الأجندات" السياسية والعسكرية على سياقات العمل الإنساني، وسن قوانين الحرب وتشريعاتها على الإرهاب، ومنافسة القطاع الخاص، والجيوش، وشركات الأمن الخاص، والمنظمات الإنسانية الدولية. تُعدّ فلسطين، كما تقول سوسن البرغوتي، "حالة نادرة"، حيث إصرار المغتصبين على إلغاء شعب بأكمله، تِبعًا لمقولة إن فلسطين "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض"، وانتزاع هويته، وسطو مسلح على حقوقه الثابتة تاريخيًا وجغرافيًا، إلى المطالبة بتحييد الاحتلال والنظر إلى قضية احتلال شعب واغتصاب أرضه باعتبارها قضيةً إنسانيةً بحتة1. عمد الاحتلال الإسرائيلي إلى تضييق الخناق على الفلسطينيين، عمومًا، طوال السبعين عامًا الماضية. أما قطاع غزة، محط تركيز دراستنا، الذي قُدّر له أن يكون رمز المعاناة الفلسطينية منذ عام 2006، فيرزح تحت حصار شديد، منع أكثر من مليوني شخص من حقهم في التنقل والسكن الملائم والعمل والتعلّم والمساعدة الإنسانية والخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والماء الصالح للشرب والغذاء. وفوق ذلك، زادت معاناة القطاع بتعرّضه لثلاث جولات متعاقبة من الحروب والعمليات العسكرية الإسرائيلية في الأعوام /2008 2009 و 2012 و 2014، نتج منها تدهور الوضع المأساوي لسكان القطاع. وتحت الحصار، انتُهك القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان2، وغابت القيم الإنسانية3، وعملت المؤسسات الإغاثية على هدم تلك القوانين والانقلاب عليها، على حساب مئات الآلاف من البشر الذين عانوا أشد الضرر، كما لم تلبِّ أدنى حاجاتهم وحقوقهم. أَضِ ف إلى ذلك كله، أن الانقسام الفلسطيني المرير ساعد في انهيار الوضع الإنساني على نحو أكبر من خلال الإجراءات التي اتُّخذت لمعاقبة سكان القطاع، من قطع رواتب الموظفين وإجراءات وتعقيدات ظالمة، جعلت من القطاع حلبة سياسية لتصفية القضايا الخلافية وإظهار التفوّق والنفوذ4. تقدم هذه الدراسة تحليلً لانحسار الفضاء الإنساني في قطاع غزة باعتباره أحد تجلّيات تسييس المعونة الإنسانية، عارضة آثار الحصار الطويل السلبيّة في السكان، وفي العاملين في المجال الإنساني أيضًا، مع تحليل كيف وصلت الأمور إلى ما آلت إليه. واعتمدت في ذلك على مصدرين رئيسين للمعلومات: ا لأول إجراء مقابلات مع خبراء في المنظمات غير الحكومية وأكاديميين متخصصين من داخل قطاع غزة؛ والثاني الاعتماد على مصادر ثانوية، حيث جرى الحصول على المعلومات من تقارير الباحثين والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام. وشأنه شأن أيّ فلسطيني من قطاع غزة، واجه الباحث مشكلة السفر لإجراء المقابلات، فاستعان بدلً من ذلك بمساعد باحث للقيام بجمع المعلومات وإجراء المقابلات. والجدير ذكره هنا، أن الباحث زار قطاع غزة في أواخر عام 2014 في مهمة بحثية لإعداد دراسة لحساب إحدى منظمات العمل الإنساني الدولية عن تأثيرات الحرب في غزة.

أولا: تسييس العمل الإنساني: ظاهرة عالمية

جاء في افتتاحية التقرير الختامي للمؤتمر الذي نظمه معهد التنمية الدولي في لندن، في شباط/ فبراير 2001، أن العمل الإنساني كان دائمًا نشاطًا سياسيًا، وأن الاعتبارات السياسية للحكومات المانحة كانت دائمًا تؤثر في قرار الشروع في المساعدات وشكلها وحجمها وتوقيتها واختيارها الجهات المستفيدة. ومنذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، برزت أهمية العمل الإنساني في العلاقات الدولية وتوسُّع نطاقه5. كان من أهم مظاهر الاهتمام بالعمل الإنساني إدراجه ضمن "أجندة" السياسات الخارجية للدول الكبرى، كما ظهر في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ما يحدّد طبيعة العمل الإنساني وآلياته6.

  1. سوسن البرغوتي، '"أنسنة' القضية الفلسطينية"، المركز الفلسطيني للإعلام، 2007/6/5، شوهد في 2020/1/21، في https://bit.ly/2JbnAHi:
  2. Omar Shaban, "The Implications of Siege and the Internal Palestinian Division on the Situation in the Gaza Strip Since 2007",  Palestine-Israel Journal of Politics, Economics, and Culture , vol. 22, no. 2-3 (2017), p. 70.
  3. Jean Pictet, "The Fundamental Principles of the Red Cross",  International Review of the Red Cross Archive , vol. 19, no. 210 (1979), pp. 130-149.
  4. Alison Martin et al., "Israel Tightens Gaza Blockade, Civilians Bear the Brunt", Oxfam Library (July 2018), accessed on 21/1/2020, at: https://bit.ly/33JyX2v
  5. Devon Curtis,  Politics and Humanitarian Aid: Debates, Dilemmas and Dissension , Report of a conference organized by ODI, POLIS at the University of Leeds and CAFO, London, 1/2/2001, Humanitarian Policy Group-Overseas Development Institute, Report, no. 10 (April 2001), accessed on 15/3/2020, at: https://bit.ly/2Qk4HG1
  6. Thomas G. Weiss, "Principles, Politics, and Humanitarian Action",  Ethics & International Affairs , vol. 13, no. 1 (March 1999), pp. 1-22.

شهدت التسعينيات نموًا دراماتيكيًا في العمل الإنساني على كل الصعد. وفي هذا الإطار، يُعلّل الأكاديمي الأميركي مايكل بارنيت7 في دراسة بعنوان "العمل الإنساني في مرحلة ما بعد الحرب الباردة" أن انهيار الاتحاد السوفياتي، وما تبعه من تحولّات في النظام الدولي، كان عاملً رئيسًا في ظهور حالات الطوارئ الإنسانية المعقدة، تجلّت في فشل الحكومات وانهيارها وهجرات السكان وسيطرة الميليشيات المسلحة؛ ما أدى، في نظره، إلى زيادة وتيرة العمل الإنساني وحجمه. ولفت هذا النمو، بطبيعة الحال، الحكومات الكبرى، وبدا العمل الإنساني كأنه متشابك مع "الأجندات" السياسية، فأصبحت تحتاج العمليات أو المعونات الإنسانية وتوجيهها إلى قرار سياسي، بل، في بعض الأحيان، إلى تدخّل من مجلس الأمن لضمان وصولها. مع بداية الألفية الجديدة، مثّلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 علامة فارقة في تاريخ العمل الإنساني؛ إذ في مرحلة لاحقة، خاصة بعد إعلان الولايات المتحدة الحرب على الإرهاب، فُرض المزيد من القيود على العمل الإنساني، ورُبط أيضًا بسلسلة من القوانين والعقوبات التي أربكت، بل أرهبت، المنظمات الإنسانية، وحدّت من قدرتها على أداء عملها. وفي إثر ذلك، تعرّض بعض المنظمات الإنسانية لحزمة من العقوبات، منها: حظر أعمالها، وإغلاق مكاتبها، وعقاب المسؤولين عنها، والحجز على أرصدتها المالية8. وفي هذا السياق، أعطى قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 1373)2001(مساحة واسعة للحكومات للتحكم في المعونات الإنسانية وتوظيفها. وفي ما بعد، ومع تنامي ظاهرة سيطرة الجماعات المسلحة، مثل تنظيمَي الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" والقاعدة، على مناطق النزاع، وقعت المنظمات الإنسانية في حرج كبير؛ وأصبحت في حاجة إلى التعامل مع سلطات الجماعات المسلحة لضمان وصول المساعدات إلى المحتاجين، لكن هذا الأمر لا يبدو سهلً، لأنه ببساطة يوقع المنظمة العاملة تحت طائلة القانون. وبناء عليه، ساهمت أعمال تسييس العمل الإنساني وتجريمه وقوانين مكافحة الإرهاب في انحسار الفضاء الإنساني على نحو بعيد.

ثانيًا: انحسار الفضاء الإنساني عالميًا

ظهر أول ملامح مفهوم "الفضاء الإنساني" في أميركا الوسطى خلال الحرب الباردة، بوصفه مساحة العمل الإنساني التي تتداخل فيها السياسة؛ إذ كانت الولايات المتحدة الأميركية تُنافس الاتحاد السوفياتي على النفوذ في العالم، وزاد تناول المفهوم، خصوصًا بعد تشابك عمليات الأمم المتحدة من أجل السلام والتنمية في تسعينيات القرن الماضي، حيث أصبح الغموض يزداد بشأن مدى تأثير كل من المتغيرين في الآخر في حيّز العمل المشترك9. ويشير مفهوم الفضاء الإنساني الذي صاغه أول مرّة رئيس "منظمة أطباء بلا حدود"، روني بومان، إلى بيئة العمل من أجل حق السكان في الحصول على الحماية والمساعدة، في أثناء وقوع الكوارث الطبيعية أو النزاعات المسلّحة، حيث يمكن منظمات الإغاثة أن تقوم بعمل إنساني فاعل من خلال الاستجابة لحاجات السكان بطريقة نزيهة ومستقلة10. ويشمل الفضاء الإنساني كل العوامل والظروف التي تؤثر في عمل الأفراد والمنظمات الإنسانية، مثل: ملاءمة الظروف الأمنية واللوجستية والتمويلية ومدى إمكان وصول البعثات الإنسانية والمساعدات بكل أشكالها إلى الفئات المتضرّرة والمحتاجة. كما يشمل مدى القدرة على تقديم المساعدات من دون الإخلال بمبادئ العمل الإنساني الأساسية: الحياد، وعدم الانحياز، والاستقلالية، والإنسانية. ويُعرَّف الحياد بأنه قرار سياسي تتّخذه المنظمات الإنسانيّة يقضي بألّ تكون طرفًا من أطراف النزاع على حساب طرف آخر. أمّا عدم الانحياز، فيعني عدم التمييز في تقديم العون إلى فئة معيّنة على أساس العرق أو الدين أو التوجّه السياسي أو غير ذلك، وأن يقتصر تقديم المساعدات على أساس الحاجة11. في حين تشير الاستقلالية إلى أنه يجب أن يكون العمل الإنساني مستقلً عن الأهداف السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية أو   غيرها12. توضح اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن مفهوم "الفضاء الإنساني" متجذّرٌ في القانون الدولي الإنساني، حيث يركّز على أعمال الأطراف المتنازعة في ما يتعلق بمسؤوليتهم في دعم القانون. وهذا يشمل مسؤوليتهم عن تلبية الحاجات الإنسانية أو السماح للمنظمات الإنسانية المحايدة بتوفير الإغاثة وحماية المدنيين13.

  1. Michael Barnett, "Humanitarianism Transformed",  Perspectives on Politics , vol. 3, no. 4 (November 2005), pp. 723-740.
  2. Barnett.
  3. María Celeste Sanchez Bean, "Creating Humanitarian Space in the Era of the Global War on Terrorism: Context of the Gaza Strip", Master thesis in Advanced Studies in Humanitarian Action, Centre for Education and Research in Humanitarian Action (CERAH), Université de Genève, 2015, accessed on 21/1/2020, at: http://bit.ly/2xeuokr
  4. OI Policy Compendium Note on United Nations Integrated Missions and Humanitarian Assistance", Oxfam International, Oxfam Library (January 2008), accessed on 18/3/2019, at: http://bit.ly/2PYrwPg
  5. Denise Plattner, "ICRC Neutrality and Neutrality in Humanitarian Assistance",  International Review of the Red Cross Archive , vol. 36, no. 311 (April 1996), pp. 161-180.
  6. What are Humanitarian Principles?" OCHA, OCHA on Message: Humanitarian Principles (June 2012), accessed on 21/1/2020, at: https://bit.ly/2WFfYEQ
  7. Johanna Grombach Wagner, "An IHL/ICRC Perspective on 'Humanitarian Space'",  Humanitarian Exchange Magazine , no. 32 (2005), pp. 24-25.

بينما يسلّط معهد التنمية الخارجية Institute, Development Overseas ODI الضوء على السياق الذي يحدث فيه العمل الإنساني، وعلى الطبيعة السياسية للمهمات التي تسعى المنظمات الإنسانية لتحقيقها، وعلى أن الحاجات الإنسانية هي نتاج التفاعل الدينامي المعقّد للفاعلين والمصالح والمؤسسات والعمليات السياسية والعسكرية والقانونية14.

في أدبيات الأمم المتحدة، يرتبط مفهوم الفضاء الإنساني بأمن العاملين في المجال الإنساني والقدرة على الوصول إلى المستفيدين، ومقدار تفاعل العاملين الإنسانيين مع حاجات الفاعلين الآخرين وتصوّراتهم بشأن مساحة ذلك الفضاء ومقدار فاعلية "الصوت الإنساني" ووجوده15. بينما يحدّ الفضاء الإنساني عوامل عدة: مستويات العنف المرتفعة والأيديولوجيا والأهداف والتكتيكات والعمل في مناطق الجماعات المسلّحة والقيود القانونية والبيروقراطية التي تفرضها الحكومات المانحة والحكومات المضيفة على المنظمات الإنسانية، إضافة إلى قدرة تلك المنظمات على الحصول على مشروعية وقبول لدى المستفيدين، والتزامها بالقوانين والمبادئ الإنسانية من جهة، وبالتعاون والتنسيق في ما بينها من جهة أخرى16. يرتبط الفضاء الإنساني بوصفه متغيًّا بأربعة أنواع من أصحاب المصالح الذين يشمل أحدهم المفهوم، أو ربما يشملهم جميعًا: فهو أولً، يعبّ عن بيئة التشغيل التي تعمل في حدودها المنظمات الإنسانية وتطبّق خلالها مبادئها أو تؤثر فيها؛ وثانيًا، هو مساحة ينشط فيها المجتمع المدني المتلقي المعونة الإنسانية؛ وثالثًا، هو مجال لإنفاذ القانون الدولي الإنساني الذي يحمي المدنيين في الحرب؛ ورابعًا، هو المساحة الإنسانية في محيط مسيّس17.

ثًالث ا: قطاع غزة: ملامح الكارثة الإنسانية

إذا أسقطنا مفهوم الفضاء الإنساني وسياقاته على قطاع غزة، فستُعدّ الأزمة الإنسانية المعقدة في القطاع من أكثر تجلّيات انحسار الفضاء الإنساني فيه؛ ذلك أن الغزيين لا يحصلون على المساعدة الإنسانية الكافية بحسب ما نصّت عليه المعايير الدولية من الحق في العيش بكرامة والحق في الحماية والمساعدة الإنسانية. مبدئيًا، لم يكن قطاع غزة فضاءً إنسانيًا حرًّا في أي مرحلة من تاريخه، لكن يُعطي الحصار المفروض عليه مثالً أكثر وضوحًا عن انحسار الفضاء الإنساني فيه. وإذا نظرنا إلى قطاع غزة بطبيعته الجغرافية والديموغرافية، حيث يغطي مساحة صغيرة على الساحل الفلسطيني، تقدّر بنحو 365 كلم 2، ويتجاوز عدد سكانه مليوني نسمة تقريبًا، 68 في المئة منهم لاجئون 1.4(مليون شخص)18، نعلم أن الأحداث الجسام التي شهدها القطاع منذ بداية الألفية الثالثة، التي بدأت مع انتفاضة الأقصى في خريف 2000، ثم الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من القطاع في عام 2005، ثم الانقسام الفلسطيني بين الفصيلين الرئيسين، حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وما صاحبه من فرض الحصار الخانق عليه في عام 2007، زادت من شدّة الأزمات الإنسانية وعملت على انحسار الفضاء الإنساني فيه على نحو غير مسبوق. وما عقّد ذلك المشهد أكثر هو أن إسرائيل استهدفت القطاع بثلاث حروب دمّرت بنيته التحتية ومرافقه الإنتاجية والمساكن والمنشآت والمصانع والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية وشبكات المياه والأراضي الزراعية.

كانت الحرب الإسرائيلية الأخيرة، في عام 2014، الأسوأ والأكثر عدوانية والأشدّ ضررًا، سواء من الناحية البشرية والمادية أم من حيث التداعيات الاقتصادية والاجتماعية19. ونتيجة الأضرار الجسيمة

  1. Sarah Collinson & Samir Elhawary,  Humanitarian Space: A Review of Trends and Issues, Humanitarian Policy Group-Overseas Development Institute , Humanitarian Policy Group-Overseas Development Institute, Report, no. 32 (April 2012).
  2. Abby Stoddard, Adele Harmer & Katherine Haver, "Safety and Security for National Humanitarian Workers: Annex I to: to Stay and Deliver, Good Practice for Humanitarians in Complex Security Environments", OCHA, Policy and Studies Series (2011), accessed on 18/3/2019, at: http://bit.do/eL3t2
  3. Victoria Metcalfe, Alison Giffen & Samir Elhawary, UN Integration and Humanitarian Space: An Independent Study Commissioned by the UN Integration Steering Group (London: ODI; Washington, DC: Stimson Center, 2011).
  4. Ibid.
  5. Where we Work", UNRWA, 1/1/2018, accessed on 21/3/2019, at: https://bit.ly/3bpcY3y
  6. غازي الصوراني، "عملية إعادة إعمار غزة: شرعنة الاحتلال أم إعمار"، ورقة قدمت في ندوة "الحوار المفتوح"، غزة، 2014/10/27، شوهد في 2019/3/18، في: https://bit.ly/2GzCKbc

التي لحقت بمعظم البنية التحتية والقاعدة الإنتاجية، فإن آثارها انعكست في أداء الاقتصاد الفلسطيني؛ إذ ارتفعت معدلّات البطالة والفقر، وشهد القطاع انخفاضًا حادًا في مستويات المعيشة وانعدام الأمن الغذائي20. كما لم يسلم قطاع السكن والبنية التحتية والطرق والنقل والمواصلات، إضافة إلى قطاعي الزراعة والصناعة اللذين تلقّيا ضربة شديدة ومدمّرة21. أعلنت حكومة الاحتلال، في حزيران/ يونيو 2007، قطاع غزة "كيانًا معاديًا"، أي بعد أحداث الاقتتال والانقسام الفلسطيني وانفراد حركة حماس بحكم القطاع. وبموجب الحصار المفروض، يسيطر الاحتلال كلّيًا على معابر قطاع غزة، ويحدّد آلية سيرها وإغلاقها على نحو مباشر أو غير مباشر، كذلك على مستوى التنقل والحركة. في هذا الصدد، يمكننا تلخيص جوانب الحصار التي شهدها قطاع غزة، ولمّا يزل، في نقاط عدة: تضييق شديد على حركة الناس، حيث هناك معبر وحيد للقطاع مع مصر، معبر رفح الذي شهد إغلاقًا مستمرًا دام خمسة أعوام في فترة الحصار الأولى، ثم شهد "تنفيسات" عدة لم تُلبّ حاجات السكان في التنقل بحرّية. وهناك معبر "إيرز" مع الاحتلال الإسرائيلي في شمال القطاع، يُشترط على سكان القطاع من أجل عبوره الحصول على تصاريح من الاحتلال، تمكّنهم من مغادرته، وتُتَّبع في هذه التصاريح سياسة صارمة تمنع حامله من الحصول على تصاريح للسفر، سواء إلى الخارج أم حتى إلى الضفة الغربية أو القدس، إلا لفئات محددة، مثل "التجار والمرضى والعاملين في المنظمات الدولية والحالات الإنسانية الاستثنائية"22، وتصل فترة صدور التصريح إلى 70 يومًا أو أكثر، ينتظر فيها طالبه جوابًا يسمح له بالسفر أو لا. انقطاع التيار الكهربائي المستمر الذي بدأ منذ قصف محطة توليد الكهرباء الرئيسة في القطاع في 28 حزيران/ يونيو 2006، وتوقفها عن العمل تمامًا23، ولا تزال هذه المشكلة قائمة حتى كتابة هذه الدراسة، وتصل ساعات الانقطاع إلى 20 ساعة يوميًا24. إضافة إلى ذلك، لا تتوافر مصادر ثابتة لتزويد المحطة بالوقود بسبب إغلاق المعابر من جهة، وارتفاع أسعار الوقود والضرائب المفروضة عليه من جهة أخرى25. وينتج من تفاقم أزمة الكهرباء توقف الحياة الطبيعية وزيادة معاناة المواطنين وتهديد حياتهم على نحو خطر؛ على سبيل المثال ينجم عن تعطُّل عمليات معالجة المياه انقطاع المياه فترات طويلة تتجاوز أربعة أيام في الأسبوع، إضافة إلى الآثار السلبية لانقطاع التيار الكهربائي عن المرافق العامة والمدارس والجامعات والمصانع والمستشفيات، واضطرارها إلى تقليص ساعات العمل، ما يؤدّي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي في القطاع26. نتج من المشكلتين السابقتين المتمثلتين في إغ قاا المعابر ومحدودية دخول البضائع والمواد الخام وانقطاع التيار الكهربائي المتواصل، شللٌ اقتصادي زاد الوضع الإنساني في القطاع تعقيدًا، تمثَّل في معدلات فقر غير مسبوقة، حيث يعيش 33.8 في المئة تحت خط الفقر المدقع، في حين وصلت نسبة البطالة بين الغزيين إلى 65 في المئة27. ويبلغ معدل أجر العامل اليومي 62.1 شيكل (أي ما يعادل 16.8 دولارًا)28. أما السوق المحلية، فتعاني انخفاضًا في معدلات التدفق النقدي؛ ما يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية بنسبة 30 في المئة29، وانخفاض حجم الواردات والحركة التجارية في الأسواق. ونتيجة ذلك، شهد عام 2018، مثلً، إغلاق مئات المنشآت الاقتصادية وتسريح آلاف العاملين، ما انعكس، بدوره، على حالة السيولة النقدية وانعدام القدرة الشرائية. وتتجلّ الكارثة الاقتصادية في حجم الصكوك المرتجعة التي وصلت قيمتها إلى نحو 86 مليون دولار في عام 2018 30.

  1. الأمم المتحدة، مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، "انعدام الأمن الغذائي في الأرض الفلسطينية المحتلة: 1.3 مليون فلسطيني في قطاع غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي"، نشرة الشؤون الإنسانية، تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، شوهد في 2019/3/18، في: https://bit.ly/3bmVCEh
  2. 27   " الطبّاع: معدلات الفقر والبطالة تجاوزت %65 الوطنية بغزة"، (الوكالة الوطنية للإعلام - غزة)، 2019/2/16، شوهد في 2019/3/18، في: https://goo.gl/LGAt9L 28 دولة فلسطين، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، "الإحصاء الفلسطيني يعلن النتائج الأساسية لمسح القوى العاملة للربع الأول 2018 دورة (كانون الثاني – آذار ")2018، 2018/5/8، شوهد في 2019/3/18، في https://bit.ly/3dnQ52l: 29  The World Bank, "Economic Monitoring Report to the Ad Hoc Liaison Committee", (September 2018), accessed on 18/3/2019, at: https://bit.ly/3bkaIKO علاء الحلو، "اقتصاد غزة في الرمق الأخير"، 30 العربي الجديد، 2019/3/14، شوهد في 2019/3/21، في https://bit.ly/2WOLQDB:
  3. 2017: Tightening of the Closure A Round-up of 10 Recent Measures Imposed by Israel Further Limiting Movement of People to and From Gaza",
  4. Gaza: Widespread Impact of Power Plant Attack: Curtailed Sewage
  5. Gaza's Electricity Shortage at Crisis Level", VOA News , 13/7/2017, accessed on 18/3/2019, at: http://bit.do/eEryr
  6. Essential Services on Verge of Shutting Down in Gaza due to Lack of Emergency Fuel", OCHA, 22/7/2018, accessed on 18/3/2019, at: http://bit.do/eErxZ
  7. United Nations, Gaza Ten Years Later , United Nations Country Team in the Occupied Palestinian Territory (July 2017), accessed on 18/3/2019, at: https://bit.ly/3dpTcGV
  8. 21 حازم حلّس، "استراتيجيات إعادة الإعمار في قطاع غزة بعد الكوارث والحروب حالة دراسية: تجربة المجلس الفلسطيني للإسكان"، رسالة ماجستير في الهندسة المعمارية، كلية
  9. الهندسة، الجامعة الإسلامية، غزة، 2016، شوهد في 2019/3/18، في: https://bit.ly/2QIoWgM
  10. Gisha (2017), accessed on 18/3/2019, at: https://bit.ly/2CpbHdO
  11. Treatment, Food and Water Supply, Hospital Operations", Human Rights Watch, 10/8/2014, accessed on 18/3/2019, at: https://bit.ly/2JbbbmH

في هذا الإطار، كان قطاع البناء واحدًا من أكثر القطاعات نشاطًا في قطاع غزة، لكن منذ بدء الحصار، تعمّد الاحتلال منع دخول معظم المواد الخام وأدوات البناء إلى القطاع، ما تسبّب في إيقاف قرابة 90 في المئة من المشروعات التي كانت تديرها المنشآت الصناعية، وحال دون إنشاء مشروعات جديدة وتشغيل الأيدي العاملة، بل فقدَ أكثر من 75 ألف موظف، يعيلون نحو نصف مليون شخص، وظائفهم منذ عام 2007 31. إضافة إلى ذلك، واجهت مشروعات إعادة بناء الوحدات السكنيّة والبنى التحتيّة بعد الحروب قيودًا على إدخال مواد البناء اللازمة إلى القطاع؛ إذ في أواخر آب/ أغسطس 2014، عندما بدأت جهود إعادة الإعمار بموجب آلية سيري لإعادة الإعمار32، صُنّف بعض المواد الأساسية لعملية البناء مواد "ذات استعمال مزدوج"33، أي تلك التي يمكن استخدامها لأغراض عسكرية، وعليه يُ نع إدخالها إلى القطاع، ومنها قضبان الحديد. كذلك شمل المنع دخول عدد من أصناف الخشب، بحجة أنها تُستخدم لبناء الأنفاق، وشملت القيود المفروضة أيضًا بعض معدّات البناء، مثل خلّ طات الإسمنت والمضخّات وغيرها34. وإجمالً، أدّت هذه القيود المشددة إلى انحسار عمليات إعادة الإعمار وإضعاف فاعليتها. يعاني معظم الأسر في قطاع غزة انعدام الأمن الغذائي بمستوياته كافة، ما أدّى إلى تردّي الظروف الصحية وانتشار الأمراض الناجمة عن سوء التغذية، خاصة لدى الأطفال. وتشير الإحصاءات إلى أن نحو 68 في المئة من السكان يعانون انعدام الأمن الغذائي أو نقص الغذاء35، إضافة إلى أن 80 في المئة منهم يعتمدون على المساعدات الإنسانية من منظمات إغاثية36. تعرّض القطاع الزراعي لعجز في الإنتاج الاعتيادي، وصل إلى 27 في المئة، بينما وصل العجز في الثروة الحيوانية والسمكية إلى 54 في المئة، وأدّت الحروب المتعاقبة إلى تدمير أكثر من 800 بئر مياه زراعية، إضافة إلى تدمير أكثر من 30 في المئة من الأراضي الزراعية37. وما يزيد هذا الوضع صعوبة، بحسب معايير منظمة الصحة العالمية للمياه، أن قرابة 97 في المئة من مياه القطاع تعتبر غير صالحة للشرب، بسبب تعطّل مجارير الصرف الصحي ومنع وصول المعدات اللازمة لتنقية المياه إلى محطات المعالجة38. ويضطر نحو 80 في المئة من السكان إلى شراء مياه الشرب39، في حين لا   تستطيع الأسر الفقيرة توفير مياه شرب آمنة لتغطية حاجاتها اليومية. يعاني القطاع الصحي أزمة حادّة ونقصًا شديدًا في الأجهزة والمعدّات الطبية، من جراء عدم سماح الاحتلال الإسرائيلي بتوريدها عبر معابر القطاع الحدودية، أو توريد القطع البديلة منها40. هذا إضافة إلى نقص الأدوية الخاصة بمرضى السرطان والتلاسيميا والغسيل الكلوي وغيرها بسبب عدم كفاية المساعدات الإنسانية. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية،، في عام 2018، نفد 40 في المئة من الأدوية الأساسية كلّيًا41. إضافة إلى ذلك، يعاني القطاع الصحي نقصًا حادًّا في 58 في المئة في المختبرات42، ما يعني أنه لم يُفحَص أكثر من 58 في المئة من العيّنات المخبرية في مختبرات وزارة الصحة. وفاقم من تدهور الأوضاع الصحية النقص الطويل الأمد في الأدوية والقدرات المحدودة المتاحة للمنشآت الطبية، إضافة إلى عدم قدرة المصابين والمرضى على مغادرة قطاع غزة لاستكمال رحلات العلاج من معبرَي رفح أو إيرز. أضف إلى ذلك كله استفحال أزمة الكهرباء والوقود التي تشل القطاع الصحي.

  1. عمر شعبان، "إعمار غزة بين وعود التمويل وآلية الأمم المتحدة وبقاء المعاناة"، 31 أمد
  2. هي خطة أممية، جرى التوصّل إليها في 16 أيلول/ سبتمبر 2014، بعد اتفاق بين
  3. 39   " إنسانية العالم تذوب مع كل يوم جديد لحصار غزة"، المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، 2015/5/20، شوهد في 2019/3/18، في: http://bit.do/eEBz7
  4. Two Years Later: The Long Road to Reconstruction and Recovery", Gisha (2016), accessed on 18/3/2019, at: https://bit.ly/39kYJvi
  5. United Nations, "Food Insecurity in the oPt: 1.3 million Palestinians
  6. التقرير الأسبوعي حول الانتهاكات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة 29(
  7. للإعلام، 2017/10/12، شوهد في 2019/3/18، في: https://bit.ly/2xZpeJB
  8. حكومة الاحتلال والسلطة الفلسطينية لإدخال مواد البناء إلى غزة، تشمل آلية لمراقبة ضمان عدم استخدام مواد البناء التي سيتم توريدها إلى القطاع لأغراض أخرى بخلاف عملية الإعمار.
  9. 33 يصل عدد السلع والأصناف التي يمنع الاحتلال دخولها إلى نحو 400 سلعة، منها الأسمدة والحديد والخشب والقوالب الصناعية لصبّ الخرسانة وغيرها الكثير، ويضع الاحتلال حجة الاستخدام المزدوج سببًا لأي شيء لا يريد إدخاله إلى قطاع غزة المحاصر.
  10. المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، "قطاع غزة: حصار لم يتوقف وإعمار لم يبدأ: تقرير حول أثر سياسة الحصار الإسرائيلي على المدنيين في قطاع غزة بعد ثلاثة أعوام من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة: يونيو 2010 - نوفمبر "2011، 2011/12/21، شوهد في 2019/3/18، في https://bit.ly/2QIS5s0: 41  " WHO Calls for Sustainable Solution to Health Sector Power Shortages in Gaza", World Health Organization, 8/2/2018, accessed on 18/3/2019, at: http://bit.do/eL3CD 42  " Two Million People Benefit from QC's Health Projects in Gaza", Qatar Charity, Relief Web, 20/10/2018, accessed on 18/3/2019, at: http://bit.do/eL3CK
  11. in the Gaza Strip are Food Insecure", OCHA, The Monthly Humanitarian Bulletin (November 2018), accessed on 18/3/2019, at: http://bit.do/eEjt9
  12. نوفمبر 5– ديسمبر 2018)، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، 2018/12/6، شوهد في 2019/3/18، في https://bit.ly/2UgRdND: 37   " في يوم الأغذية العالمي: %80 نسبة انعدام الأمن الغذائي بغزة"، المركز الفلسطيني للإعلام، 2017/10/16، شوهد في 2019/3/21، في: https://bit.ly/2ytr6YM أحمد فياض، "تلوث المياه يهدد غزة"، 38 الجزيرة نت، 2009/9/10، شوهد في 2019/3/18، في http://bit.do/eL3x6:

بناء على ما سبق، أدّت تلك الظروف دورًا محوريًا في نخر مشكلات اجتماعية خطرة في جسد المجتمع الفلسطيني في القطاع، مثل انتشار التسوّل والجريمة والعنف الأسري وضعف القدرة على التكيّف وزيادة عدد المنتحرين. في حين دفعت هذه الظروف نفسها آلافًا آخرين إلى السفر والبحث عن فرص عمل وحياة كريمة وآمنة خارج القطاع المحاصر؛ إذ في الفترة من 12 أيار/ مايو إلى 10 حزيران/ يونيو 2018، غادر 8937 شخصًا القطاع43، كانت غالبيتهم من حملة الشهادات العلمية والأكاديمية والباحثين عن فرصة للاستثمار؛ فعلى سبيل المثال، بلغ عدد الأطباء المهاجرين 110 أطباء44. على صعيد آخر، قدّرت منظمة الصحة العالمية، في أعقاب الحرب التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة في عام 2014، أن ما يصل إلى 20 في المئة من السكان أصيبوا بمشكلات نفسية تتطلّب رعاية نفسية اجتماعية45؛ فثمة أكثر من 300 ألف طفل في غزة احتاجوا، بسبب الحروب، إلى نوع من أنواع الرعاية النفسية الاجتماعية46. وفي بعض المناطق التي قُصفت قصفًا مدمّرًا خلال حرب عام 2014، سُجّل 54 في المئة من الأطفال بصفتهم يعانون اضطرابَ ما بعد الصدمة الحاد47؛ تقول جنيفر موورهيد، المديرة القُطْرية لصندوق إنقاذ الطفولة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إن الكثيرين من أطفال غزة لم يعرفوا شيئًا في حياتهم سوى الحصار والحرب ودورة متنامية من الحرمان. ويزداد التوتر والقلق لديهم مع كل يوم يعيشون فيه حالةً من عدم اليقين. وإضافة إلى ذلك، أُصيب كثيرون منهم أو تعرّضوا لشكل من أشكال العنف48. وتتفاقم الأزمة النفسية وضعف القدرة على علاجها بسبب التمويل الضعيف، فيعاني المرضى نقصًا في الإمدادات والأدوية الأساسية، بما في ذلك بعض الأدوية النفسية. هذا إضافة إلى نظرة المجتمع الفلسطيني السلبية إلى المشكلات النفسية ومن يعانونها.

رابعًا: تسييس الفضاء الإنساني في قطاع غزة وانحساره

يتّفق الفلسطينيون على أن أهم إنجازات منظمة التحرير الفلسطينية التاريخية هو نجاحها في تأكيد أن القضية الفلسطينية ليست قضية لاجئين يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية، بل هي قضية شعب يناضل من أجل حق عودته وتقرير مصيره. لكنّ إحكام الحصار على قطاع غزة يؤدي إلى إعادة القضية الوطنية إلى قضية إنسانية مادية49، وأن دولة الاحتلال تسعى ل "التخفيف من معاناة السكان." يؤكد مصطفى اللداوي أن سلطات الاحتلال ما فتئت تدّعي رغبتها في التخفيف عن الفلسطينيين في غزة وتحسين أحوالهم والنهوض بمقدّراتهم الاقتصادية، وتخليصهم من مشكلاتهم الاجتماعية ومعاناتهم اليومية وتوفير أفضل السُبل لرعايتهم الصحّية وتقديم أفضل الخدمات الطبية لهم، وإعادة بناء ما دُمّر خلال الحروب الأخيرة، وتمكين الدول الداعمة والمؤسسات الراغبة في تقديم العون والمساعدة إلى فلسطينيي غزة ورفع الحصار عنهم وفتح معبر رفح بصورة دائمة وتطوير عمل بقية المعابر التجارية لتنقّل الأفراد50. ويشير اللداوي أيضًا إلى أن هذه المطالب المشروعة

البسيطة يجب أن تكون ثمنًا يريده المحتل، وهو تجريد القضية من جوهرها وتحويلها إلى قضية إنسانية. تحاول إسرائيل دائمًا الظهور

  1. محمد ريان، "غزة.. حتى لا تكون الهجرة هروبًا إلى الجحيم"، 43 نون بوست، 2018/6/27، شوهد في 2019/3/18، في http://bit.do/eL3CW:
  2. لماذا يهاجر أطباء غزة"، 44 شبكة راية الإعلامية، 2018/8/28، شوهد في 2019/3/18، فh يttp://bit.do/eL3C2:
  3. Erin Cunningham, "Gazans Have Survived Years of War. Now Depression is Killing them", The Washington Post , 20/6/2018, accessed on 18/3/2019, at: http://bit.do/eHUtr
  4. Ibid.
  5. Abdelaziz M. Thabet & Sanaa S. Thabet, "Stress, Trauma, Mental Health and Ways of Intervention of Palestinians in the Gaza Strip", Degenerative Intellectual & Developmental Disabilities , vol. 1, no. 3 (May 2018), accessed
  6. Generation of Children in Gaza on the Brink of A Mental Health
  7. on 18/3/2019, at: https://bit.ly/33Tphmh
  8. Crisis, New Research Shows", Save the Children, 1/6/2018, accessed on 18/3/2019, at: https://bit.ly/2JpHT3Q " القضية الفلسطينية تعيش أصعب مراحلها من سياسية إلى إنسانية"، 49 النجاح الإخباري، 2019/2/22، شوهد في 2019/3/21، في: http://bit.do/eMF3r 50 مصطفى اللداوي، "قطاع غزة بين سلاح البندقية وأنسنة القضية"، أمد للإعلام، 2017/6/14، شوهد في 2019/3/21، في https://bit.ly/2QyA8MK:

بمظهر إنساني من جهة، ودور الضحية من جهة أخرى. حتى في أوقات العدوان على قطاع غزة، ما فتئت إسرائيل تُظهر على شاشاتها وهي تسمح بدخول شاحنات المساعدات أو الشاحنات التجارية للتخفيف من وطأة الحصار و"استجابة للحاجات الإنسانية في القطاع"، كما نشر ذلك موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية51، كما سمحت لحملات تضامنية عدة بدخول القطاع وإيصال ما تحمله من أدوية ومستلزمات طبية إلى مرضى القطاع. إضافة إلى ذلك، في الجولات العدوانية، كما في الحرب الأخيرة في عام 2014، تظهر إسرائيل بدور المستجيب لطلب الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار في قطاع غزة ساعات عدة أو يومًا للسماح لها بتوصيل المساعدات الإنسانية52. في حين تبرز إسرائيل أن عملياتها العسكرية تأتي في إطار الدفاع عن النفس في مواجهة تهديدات فصائل المقاومة العسكرية في قطاع غزة ومنع إطلاق "صواريخها" ووقف حفر الأنفاق في اتجاه المستوطنات المحاذية للقطاع، وما تترك إسرائيل فرصة عند زيارة مسؤول دولي رفيع المستوى، حتى تصف له ميدانيًا حجم "التهديدات" الآتية من قطاع غزة53.

1. انتهاكات قانونية وتجاهل دولي

قبل الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة في عام 2005، كان القطاع يخضع لسلطات الاحتلال مباشرة. وبعد انسحابها، سعت الحكومة الإسرائيلية للتخلّ عن مسؤولياتها القانونية تجاه سكانه، التي تتمثل في حماية المدنيين، وتفعيل الحد الأدنى من الحياة الطبيعية، وضمان الممارسات الثقافية والاجتماعية، وتوفير المساعدات الإنسانية لجميع المحتاجين. لكن، يمثّل الحصار المفروض على غزة نموذجًا لانتهاك الاحتلال الإسرائيلي واجباته بوصفه سلطة احتلال بموجب اتفاقية جنيف الرابعة في عام 1949، والبرتوكول الإضافي الأول في عام 1977 المتعلّق بالنزاعات المسلحة الدولية، الملحق باتفاقات جنيف الأربع في عام 1949. وبموجب القانون الدولي، لا يكون الحصار مشروعًا إلّ في الحدود التي يفرضها القانون الدولي، وهي حالة الحصار المنصوص عليه في المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة، وحالة الحصار المنصوص عليه في المادة 42 من الميثاق نفسه. وبناء عليه، لا يدخل الحصار المفروض على قطاع غزة ضمن الحالات المشروطة للحصار. كما ينتهك الاحتلال الإسرائيلي مجموعة من المواد والحقوق، منها على سبيل المثال لا الحصر: المادة 33 التي تنص على أنه لا يجوز معاقبة الأشخاص لارتكابهم جريمة لم ترتكب شخصيًا، كما تحظر العقوبات الجماعية، وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب. كما يُعدّ واجبًا على سلطات الاحتلال أن تعمل على تزويد السكان بالمؤونة الغذائية والإمدادات الطبية اللازمة، حتى إن تطلّب ذلك منها استيراد هذه المواد في حال كانت غير متوافرة. وتنصّ المادة 48 من البروتوكول الأول الإضافي من اتفاقات جنيف، الصادر في عام 1977، على مبدأ أن "تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم توجّه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها"54. وتنص المواد 62-55 من اتفاقية جنيف الرابعة على حماية أفراد الإغاثة الإنسانية، خلال تأديتهم المهمات التي تقع على عاتقهم56. ومن ثمّ، يُحظر على جميع أطراف النزاع القيام بأي عمل يهدّد حياة أيّ من أولئك الذين يقدّمون الخدمات الإنسانية أو سلامتهم. هناك الكثير من الأدلة على انتهاك هذه المواد وغيرها من بنود قانون حقوق الإنسان في قطاع غزة، لا يتّسع المجال هنا لذكرها كلها، لكن إجمالً، انتهك الاحتلال الإسرائيلي الكثير من القوانين والاتفاقات، ولم ينصع لها، لا نصًا ولا روحًا؛ ما يمثّل خرقًا واضحًا لمبادئ القانون الدولي والمعاهدات والمواثيق الدولية57. وساعد الاحتلال الإسرائيلي في مغالاته في تحدي القانون الدولي أن فلسطين كانت حالة مختلفة دائمًا في حسابات المجتمع الدولي، فمع كمٍّ كبير من القرارات التي أصدرها مجلس الأمن ولم يتخذ أي إجراءات لإنفاذها، لم ينصف المجتمع الدولي الفلسطينيين، وبقيت القضية الفلسطينية بعيدًا عن كل ديباجات القانون الدولي.

2. تشديد القيود على المنظمات العاملة في قطاع غزة

في انتهاكٍ صريح للقانون الدولي الإنساني، تقيّد سلطات الاحتلال عمل المنظمات الإنسانية العاملة في قطاع غزة، حيث لا تستطيع وكالات الإغاثة تقديم المساعدات الإنسانية بطريقة سلسة وآمنة. وفي هذا

  1. إسرائيل تسمح بإدخال مساعدات إنسانية لقطاع غزة خلال عملية الرصاص المصبوب "،
  2. الأناضول' توثق يوميات حرب الثلاثين يومًا الإسرائيلية على غزة: تقرير تفصيلي، وكالة الأناضول يوضح أهم ما جري خلال الحرب، يوما بيوم"،، 2014/8/9، شوهد في 2019/2/16، في http://bit.ly/2VXdvW0:
  3. 56 عبد الرحمن لحرش،  المجتمع الدولي: التطور والأشخاص (عنابة، الجزائر: دار العلوم،)2007، ص.28
  4. موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، 2009/1/25، شوهد في 2019/2/15، في: http://bit.ly/3322yDS
  5. 53   " كي مون 'مصدوم' داخل نفق بغزة... و'حماس' تصف تصريحاته ب 'النفاق' السياسي "، القدس العربي، 2014/10/14، شوهد في 2019/2/15، في: http://bit.ly/2xmWCtw 54   " الملحق (وررتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقات جنيف، المعقودة ال)في 12 آب/ أغسطس 1949 والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة"، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، شوهد في 2019/3/18، في: https://bit.ly/3dqxTVv 55 المرجع نفسه.

السياق، تعرّض بعض المنظمات الإنسانية للاستهداف المباشر58؛ الأمر الذي صعَّب على العاملين في المجال الإنساني تحديد حاجات الضحايا ومساعدة السكان في الإجلاء أو فحص الملاجئ وتقديم المساعدة اللازمة في أثناء العمليات العسكرية المتكررة؛ الأمر الذي عوّق بدوره تأدية العمل الإنساني وجعله أكثر صعوبةً وأشدّ تعقيدًا، إضافةً إلى قلة الإمكانات والخبرات وافتقار العاملين إلى الحماية الحقيقية خلال الأزمات؛ كل ذلك يجعل من الصعب على العاملين المغامرة بحياتهم وتعريضها للخطر. تؤكد مها الحسيني، مديرة المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان59، أن ليس ثمة سلامة أو حماية للعاملين في المجال الإنساني على الإطلاق، سواء كانوا فلسطينيين أم أجانب، فالجميع مستهدف من الاحتلال الإسرائيلي. وأشارت الحسيني أيضًا إلى أنهم يواجهون مشكلة في العثور على عدد كافٍ من العاملين الميدانيين للعمل في غزة. كما أن الأمر لا يقتصر على سلامة العاملين فحسب، بل على القيود المفروضة على تنقلهم من غزة وإليها أيضًا؛ إذ يمثل الحصول على تصاريح السفر عبر معبر إيرز عقبة تواجهها المنظمات الإنسانية العاملة في غزة. ويشمل هذا الواقع الموظفين المحليين والخبراء الاستشاريين ومراجعي الحسابات والمدرّبين الذين لا يملكون عادة سوى فرص قصيرة للزيارة، لكنهم غير قادرين على الحصول على إذن بالدخول في الفترة القصيرة المتاحة. وتوضح الحسيني أن التضييق لا يقتصر على العاملين الفلسطينيين فحسب، بل مُنع ممثلو المنظمة الأجانب من دخول قطاع غزة عبر معبر إيرز، وبحسب تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في عام 2018، ارتفع عدد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية الذين مُنعوا عامًا كاملً من إعادة تقديم طلبات للحصول على تصاريح للسفر إلى 70 موظفًا؛ ما يحول فعليًا بينهم وبين تنفيذ أي مهمة خارج غزة60. تحاول المنظمات الإنسانية التعامل بطرائق مختلفة مع هذه القيود المفروضة، حيث تُدار الشؤون المالية والإدارية والأمنية والوظائف الفنية من مكاتب في الضفة الغربية. وتتّخذ المنظمات الإنسانية موظفين إضافيين للتغلّب على عبء العمل المرتبط بالتقدم للحصول على تصاريح وتأشيرات، وأوجدت وظائف لموظفين دوليين إضافيين، نظرًا إلى كونهم أقل تقييدًا في السفر بين غزة والضفة الغربية من نظرائهم المحليين في بعض الأحيان؛ ما يُحرِم القوى العاملة المحلية من الحصول على فرص عمل. كما نقل بعض المنظمات التدريب والمؤتمرات والمراجعة إلى مصر أو الأردن، مع ما يترتب على ذلك تكاليف واضحة. يدفع خضوع المنظمات الإنسانية لتشريعات مكافحة الإرهاب وإملاءات الاحتلال كلها نحو مزيد من التبعية وعدم استقلاليتها؛ إذ على المنظمة التي ترغب في العمل في القطاع الحصول على تصاريح أمنية ومشاركة البيانات مع إدارة شؤون المنظمات التابعة للجيش الإسرائيلي، وفي حال اتصالهم بحكومة حماس في غزة يجرَّمون بتهمة دعم الإرهاب، وعلى غالبيتهم الإقامة في إسرائيل والتخلي عن عوائلها إذا وُجدت في القطاع أو الضفة61. ويكلف الحصار الإسرائيلي المنظمات الإنسانية مزيدًا من الأعباء والجهود المالية والإدارية في تدقيق البيانات وإرسالها، وفي النتيجة المزيد من انعدام الشفافية والمساءلة خوفًا من الاتهام أو توقف المشروعات.

3. انحسار التمويل الدولي

يُعوّق خوف المانحين من تجدد الحرب62 أيَّ تحرك إنساني داخل القطاع63. وأدى وجود حماس في الحكم في غزة إلى رفض الجهات المانحة الدولية التعامل المباشر مع حكومتها، وتشترط للتعاون أن تستلم السلطة الفلسطينية المرافق والوزارات كلها في قطاع غزة وتشكيل حكومة وفاق وطني. وفي حين ارتفعت الحاجات الإنسانية في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة خلال عام 2018، انخفضت مستويات تمويل التدخلات الإنسانية انخفاضًا ملحوظًا؛ إذ جرى استلام 221 مليون دولار فقط، في مقابل 540 مليون دولار جرى طلبها في خطة الاستجابة الإنسانية في عام 2018 64. وتعاني المنظمات الإغاثية والإنسانية عجزًا في تغطية الحاجات المتزايدة

  1. رامي مهاني (مدير البرامج الإنسانية، منظمة الإغاثة الإسلامية)، مقابلة شخصية مع مساعدة الباحث، غزة،.2018
  2. مها الحسيني (مديرة مكتب المرصد الأورومتوسطي)، مقابلة شخصية مع مساعدة الباحث، غزة،.2018
  3. 63 الأمم المتحدة، "عام 2018 للفلسطينيين، مزيد من الضحايا وانعدام الأمن الغذائي أخبار الأمم المتحدة وانخفاض التمويل للمساعدات الإنسانية"،، 2018/12/28، شوهد في 2019/3/21، في https://bit.ly/2G7x1qx:
  4. Larissa Fast, "'Aid in a Pressure Cooker': Humanitarian Action in the Occupied Palestinian Territory", Feinstein International Center, Humanitarian Agenda 2015, briefing paper , Case Study, no. 7 (November 2006), p. 26, accessed on 18/3/2019, at: https://bit.ly/3aggZqX
  5. Mitchel Hochberg, "The Five Factors Slowing Gaza Reconstruction", The Washington Institute, Research Notes , no. 31 (February 2016), accessed on 18/3/2019, at: https://bit.ly/2Jbz79h
  6. Jehad Arafat, Sarah Adamczyk & Martin Clutterbuck, "Unsettled Land: The Role of Humanitarian Organizations in Fostering Transparency and Accountability in Gaza Strip Land Administration", Paper Prepared for Presentation at the "2014 World Bank Conference on Land and Poverty", The World Bank, Washington, DC, 24-27/3/2014, accessed on 18/3/2019, at: https://bit.ly/33JJ9bg
  7. 59 الأمم المتحدة، مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، "تشديد القيود المفروضة على تنقُّل العاملين في المجال الإنساني من قطاع غزة"، نشرة الشؤون الإنسانية (تموز/ يوليو)2018، شوهد في 2019/3/18، في http://bit.do/eHBFb:

في قطاع غزة، ويعود ذلك إلى أسباب كثيرة، منها ما يتعلق بنقص التمويل الذي تفاقم مع قرار الولايات المتحدة بشأن عدم صرف أكثر من 200 مليون دولار من الموازنة المقررة للوكالة الأميركية للتنمية الدولية في عام 2017 65، بحجة دعم الإرهاب (باعتبار حركة حماس منظمة إرهابية)؛ ما جعل العمل الإنساني في وضع ضعيف لا يتيح له الوفاء بالحاجات الطارئة أو الاستجابة للتدهور الذي تشهده الأوضاع الإنسانية في غزة. أضف إلى ذلك وقف برامج التوظيف الموقت وإنهاء عقود العشرات من الموظفين العاملين بالنظام اليومي أو السنوي66. ولم يقتصر الأمر على وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى "الأونروا" فحسب، بل أُجّل الكثير من المشروعات الإنسانية أو أُلغي لامتناع بعض الدول عن تمويلها نظرًا إلى عدم رغبتها في التعامل مع حركة حماس. فعلى سبيل المثال، كانت الاستجابة الدولية لإعادة إعمار قطاع غزة في مؤتمر القاهرة67 من خلال تقديم الدعم المالي على مدى ثلاثة أعوام)2017-2014(لتعزيز قدرة السلطة الفلسطينية على تحمّل مسؤوليتها في إنعاش قطاع غزة وإعادة بنائه. وعلى الرغم من أن إجمالي التعهّدات بلغ خمسة مليارات دولار أميركي للأراضي الفلسطينية، منها 2.5 مليار دولار لدعم غزة، فإنه حتى آذار/ مارس 2018 ف صُ 1.884 مليار دولار من الدعم المقدّم إلى غزة، ما يضع نسبة الصرف عند 54 في المئة. كما لم يقدّم سوى 32 مشاركًا تعهّدهم الأصلي كاملً من إجمالي المشاركين البالغ عددهم 53 مشاركًا68؛ ما زاد من مأساة المواطن الفلسطيني في غزة وتضييق الحصار عليه. اللافت هنا، توقف عدد كبير من المموّلين عن التفاعل مع تردّي الأوضاع في غزة. على سبيل المثال، هناك تراجع كبير في تمويل الحكومة اليابانية التي كانت تُعتبر من أهم ممولي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي منذ انتهاء حرب عام 2012، ما أثّر على نحو بعيد في عملية إعادة الإعمار. ويفسَّ البطء والإحجام عن التمويل بالعراقيل التي بموجبها يُ نع دخول الكثير من المواد، ومن ثم، فإن منع دخول أحد هذه المستلزمات سيحول دون استكمال تنفيذ المشروعات أو توقفها توقفًا كامل69. مثلً، تم إيقاف مشروع مراقبة الآبار عن بعد في قطاع غزة؛ بسبب تأخر دخول الألواح التي ستُستخدَم في إنشاء المشروع مدة عامين70. أما المانحون الخليجيون، فيواجهون مصاعب كبرى في الوصول إلى مناطق العمل في قطاع غزة. أما بالنسبة إلى وصول التمويل إلى القطاع، فتمنع إسرائيل وتُضيّق الخناق على أي قناة لتمويل القطاع، حيث تصادر شهريًا ما يقارب من 60 مليون دولار من الضرائب والرسوم الجمركية التي تجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية في قطاع غزة وعموم الضفة الغربية71. ويرتبط نقص التمويل أيضًا بأولويات أخرى في المنطقة تنافس الحالة الإنسانية في غزة، مثل الأزمة السورية والحرب في العراق، إضافة إلى خضوع ممولّي غزة الرئيسين في الخليج لضغوط اقتصادية نتيجة تقلبات أسعار النفط واستثماراتهم التنموية الداخلية المختلفة72. وهكذا، ساهم الانقسام في تغييب القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحتل أولويات الدول العربية المانحة، خاصة مع التغييرات التي تشهدها المنطقة العربية، إضافة إلى تفاعلات الأزمة الخليجية73. 4. العمل في ضوء الانقسام الفلسطيني: صعوبات إضافية ألقى الانقسام الفلسطيني بظلاله، وأثّر على نحو بعيد في انهيار الوضع الإنساني في غزة. وفي هذا الصدد، يرصد الباحث معوقات كثيرة أثّر فيها الانقسام والاستقطاب بين حركتي حماس وفتح في ممارسة العمل الإنساني. فعلى مدار أكثر من عقد، فشلت كل مفاوضات المصالحة الفلسطينية وأصبح الانقسام الفلسطيني حجةً لوضع كامل اللوم على الشعب الفلسطيني في عدم اتّباعه نهجًا واضحًا وموحّدًا74. أدى هذا إلى انفراد المحتل بتسويق روايته بأن القضية الفلسطينية هي قضية إنسانية بحت، في ضوء انشغال الفلسطينيين بخلافاتهم وعدم قدرتهم على تكوين رؤية موحَّدة تمكّنهم من إظهار الحق الفلسطيني75. وعملت سلطات الاحتلال على استغلال هذا

  1. Patricia Zengerle & Lesley Wroughton, "Trump Backs off Plan to Roll Back Foreign Aid Funding: Officials", Reuters , 28/8/2018, accessed on 18/3/2019, at: http://bit.do/eEreA
  2. Oren Liebermann, "UNRWA Pulls Some Staff from Gaza Amid
  3. عقد مؤتمر إعادة إعمار غزة في القاهرة في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2014، بحضور 53
  4. 74 راسم عبيدات، "غزة تصعيد فتهدئة... فتصعيد فتهدئة"، بوابة الهدف الإخبارية، 2018/7/18، شوهد في 2019/3/21، في https://bit.ly/2J8XdBB:
  5. أحمد مقبل (مدير قسم المشتريات في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي)، مقابلة شخصية مع مساعدة الباحث، غزة،.2018
  6. نهاد المغني (مدير عام الهندسة والتخطيط في بلدية غزة)، مقابلة شخصية مع مساعدة الباحث، غزة،.2018
  7. Fast.
  8. Hochberg. 72 علي الجرباوي، "إعادة إعمار غزة بين 'فتح' و'حماس"'، المركز الفلسطيني للإعلام، 2009/3/12، شوهد في 2018/10/28، في http://bit.do/eL3DP: 73 طلال أبو ركبة (محلل سياسي في شبكة القدس ومدير تحرير مجلة تسامح)، مقابلة شخصية مع مساعدة الباحث، غزة،.2018
  9. Threats", CNN , 3/10/2018, accessed on 18/3/2019, at: http://bit.do/eL3FL
  10. دولة ومنظمة دولية، والهدف منه جمع خمسة مليارات دولار لإعادة الإعمار بحسب الخطة التي وُضعت على ثلاث مراحل، وتعهدت الدول بتوفير 212 مليون دولار خلال اليوم الأول للمؤتمر.
  11. 67 سلطان بركات وفراس المصري، "إنعاش عملية إعادة إعمار غزة المتعثرة،" معهد بروكنغز، موجز السياسة، آب/ أغسطس 2017، شوهد في 2020/10/7، فيhttps://bit.ly/3nk5CoN:

الانقسام في تضييق الخناق على قطاع غزة، وعلى رأسها الحصار وآلية إعادة الإع راا76. ومن تجليات الانقسام أيضًا، استخدام السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة فتح، في الأعوام القليلة الماضية، سلسلة متجددة من القيود لمحاولة إجبار حركة حماس على السماح لها بالسيطرة مرة أخرى على القطاع؛ إذ فرضت في عام 2017 عقوبات بالحد من إمدادات الكهرباء وتقييد التحويلات الطبية إلى المرضى من قطاع غزة77. وسببت سياسات السلطة الفلسطينية نقصًا في تدفّق الأموال إلى القطاع، حيث جُمّدت رواتب الآلاف من موظفي الحكومة في رام الله، أو الاقتطاع منها بهدف الضغط على حكومة حماس؛ ما أدّى إلى خلل في السوق المحلية نتيجة فقدان الفئة الأهم من حيث القوة الشرائية قدرتها78. كانت آثار الانقسام حاضرة في سلوك المنظمات الإنسانية التي لم تستطع مداراة ولاءاتها السياسية والحزبية، فظهرت أدلجة المساعدات الإنسانية في قطاع غزة، حيث توجّه المساعدات في أحيان كثيرة بحسب انتماءات المستفيدين، وليس بحسب حاجتهم. ويشتكي سكان القطاع من الفجوة الواسعة بينهم وبين المنظمات الإنسانية التي غالبًا لا يلتقون مع عامليها، وتعلقت ببعضهم الاتهامات في تفضيل الأقارب. وينعكس الانقسام أحيانًا على تفضيل المنظمات الدولية تشغيل العاملين المحليين خشية ارتباطهم بحماس، في سياق تبتعد فيه المنظمات الدولية الإنسانية أيضًا عن تمكين أو تفعيل أدوار المنظمات المحلية على نحو بعيد، وفي النتيجة استمرار الاعتماد على الدور الخارجي في تلبية الحاجات الإنسانية وحتى التنموية على حساب إضعاف الهياكل المحلية.

خاتمة

يشهد العالم برمّته انحسارًا مستمرًا للفضاء الإنساني، وذلك في إطار تغير طبيعة الحروب وتدخّل السياسة والسياسات الأمنية وتدخل الجيوش وتجريم العاملين في الحقل الإنساني. فلسطين عمومًا ليست استثناءً؛ فالفضاء الإنساني الضيق أساسًا يتضاءل يومًا بعد يوم، وفي قطاع غزة لا يوحي أي مؤشر بأي ملمح في المستقبل القريب على تحسّن ممكن في وضع القطاع الإنساني، ومن ثم تتجه الأوضاع نحو مزيد من التدهور ومزيد من المعاناة. ومع أن آخر حرب انتهت منذ أكثر من خمسة أعوام، في عام 2014، فإن الحياة في غزة لا تعبّ عن وضع أفضل، ومن لم يُقتَل في الحرب، مهدّد بالموت نتيجة انعدام أي سُبل للحياة في القطاع، في ظل خذلان المجتمع الدولي، ما دامت التشريعات والمواثيق الدولية وغيرها من المبادئ الإنسانية وقواعد حقوق الإنسان وحمايته لا تزيد على كونها شعارات في سياق غزة، كما أن المنظمات الإنسانية عاجزة عن الوصول إلى المحتاجين بحكم التعقيدات القانونية والعملياتية. واستمرار الوضع على ما هو عليه يُنبئ بنتائج وخيمة على كل الصعد.

  1. محسن أبو رمضان، "قطر بين الإعمار والانقسام"، 75 سما الإخبارية، 2012/10/22، شوهد في 2019/3/18، في https://bit.ly/2JckSRO:
  2. Martin et al.
  3. Ibid.
  4. Fast.

المراجع

العربية

'"الأناضول' توثق يوميات حرب الثلاثين يومًا الإسرائيلية على غزة: تقرير تفصيلي، يوضح أهم ما جري خلال الحرب، يوما بيوم." وكالة 2014/8/9. في http://bit.ly/2VXdvW0:. الأناضول الأأمم المتحدة. مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية. "انعدام الأمن الغذائي في الأرض الفلسطينية المحتلة: 1.3 مليون فلسطيني في قطاع غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي." نشرة الشؤون الإنسانية. تشرين الثاني/ نوفمبر 2018:. في https://bit.ly/3bmVCEh بركات، سلطان وفراس المصري. "إنعاش عملية إعادة إعمار غزة المتعثرة". معهد بروكنغز. موجز السياسة. آب/ أغسطس 2017. فh يttps://bit.ly/3nk5CoN: التقرير الأسبوعي حول الانتهاكات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة 29(نوفمبر 5– ديسمبر 2018). المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان 2018/12/6. في https://bit.ly/2UgRdND:. حلّس، حازم. "استراتيجيات إعادة الإعمار في قطاع غزة بعد الكوارث والحروب حالة دراسية: تجربة المجلس الفلسطيني للإسكان." رسالة ماجستير في الهندسة المعمارية. كلية الهندسة. الجامعة الإسلامية. غزة 2016. في https://bit.ly/2QIoWgM:. دولة فلسطين. الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. "الإحصاء الفلسطيني يعلن النتائج الأساسية لمسح القوى العاملة للربع الأول 2018 دورة (كانون الثاني – آذار.")2018 2018/5/8:. في https://bit.ly/3dnQ52l الصوراني، غازي. "عملية إعادة إعمار غزة: شرعنة الاحتلال أم إعمار." ورقة قدمت في ندوة "الحوار المفتوح." غزة.:2014/10/27. في https://bit.ly/2GzCKbc اللجنة الدولية للصليب الأحمر. "الملحق (البروتوكول) الأول الإضافي إلى اتفاقات جنيف، المعقودة في 12 آب/ أغسطس 1949 والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة." في: https://bit.ly/3dqxTVv عبد الرحمن. المجتمع الدولي: التطور والأشخاص لحرش، . عنابة، الجزائر: دار العلوم،.2007 المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان. "قطاع غزة: حصار لم يتوقف وإعمار لم يبدأ: تقرير حول أثر سياسة الحصار الإسرائيلي على المدنيين في قطاع غزة بعد ثلاثة أعوام من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة: يونيو - 2010 نوفمبر 2011/12/21."2011 في https://bit.ly/2QIS5s0:.

الأجنبية

"2017: Tightening of the Closure A Round-up of 10 Recent Measures Imposed by Israel Further Limiting Movement of People to and From Gaza." Gisha (2017). at: https://bit.ly/2CpbHdO "Essential Services on Verge of Shutting Down in Gaza due to Lack of Emergency Fuel." OCHA. 22/7/2018. at: https://bit.ly/3amWMQk "Gaza: Widespread Impact of Power Plant Attack: Curtailed Sewage Treatment, Food and Water Supply, Hospital Operations." Human Rights Watch. 10/8/2014. at: https://bit.ly/2JbbbmH "Generation of Children in Gaza on the Brink of a Mental Health Crisis, New Research Shows." Save the Children. 4/6/2018. at: https://bit.ly/2JpHT3Q "OI Policy Compendium Note on United Nations Integrated Missions and Humanitarian Assistance." Oxfam International. Oxfam Library (January 2008). at: http://bit.ly/2PYrwPg "Two Years Later: The Long Road to Reconstruction and Recovery." Gisha (2016). at: https://bit.ly/39kYJvi "What are Humanitarian Principles?" OCHA. OCHA on Message: Humanitarian Principles (June 2012). at: https://bit.ly/2WFfYEQ

"Where we Work." UNRWA. 1/1/2018. at: https://bit.ly/3bpcY3y

Arafat, Jehad. Sarah Adamczyk & Martin Clutterbuck. "Unsettled Land: The Role of Humanitarian Organizations in Fostering Transparency and Accountability in Gaza Strip Land Administration." Paper Prepared for Presentation at the "2014 World Bank Conference on Land and Poverty". The World Bank. Washington. DC. 24-27/3/2014. at: https://bit.ly/33JJ9bg Barnett, Michael. "Humanitarianism Transformed." Perspectives on Politics. vol. 3, no. 4 (November 2005).

Bean, María Celeste Sanchez. "Creating Humanitarian Space in the Era of the Global War on Terrorism: Context of the Gaza Strip." Master thesis in Advanced Studies in Humanitarian Action. Centre for Education and Research in Humanitarian Action (CERAH). Université de Genève. 2015. at: http://bit.ly/2xeuokr Collinson, Sarah & Samir Elhawary. Humanitarian Space: A Review of Trends and Issues. Humanitarian Policy Group-Overseas Development Institute. Report. no. 32 (April 2012). Curtis, Devon. Politics and Humanitarian Aid: Debates, Dilemmas and Dissension. Report of a conference organized by ODI. POLIS at the University of Leeds and CAFO. London. 1/2/2001. Humanitarian Policy Group- Overseas Development Institute. Report. no. 10 (April 2001) at: https://bit.ly/2Qk4HG1 Fast, Larissa. "'Aid in a Pressure Cooker': Humanitarian Action in the Occupied Palestinian Territory." Feinstein International Center. Humanitarian Agenda 2015. briefing paper. Case Study. no. 7 (November 2006). at: https://bit.ly/3aggZqX Hochberg, Mitchel. "The Five Factors Slowing Gaza Reconstruction." The Washington Institute. Research Notes. no. 31 (February 2016). at: https://bit.ly/2Jbz79h Martin, Alison et al. "Israel Tightens Gaza Blockade, Civilians Bear the Brunt." Oxfam Library (July 2018). at: https://bit.ly/33JyX2v Metcalfe, Victoria. Alison Giffen & Samir Elhawary. UN Integration and Humanitarian Space: An Independent Study Commissioned by the UN Integration Steering Group. London: ODI; Washington, DC: Stimson Center, 2011. Pictet, Jean. "The Fundamental Principles of the Red Cross."  International Review of the Red Cross Archive. vol. 19, no. 210 (1979). Plattner, Denise. "ICRC Neutrality and Neutrality in Humanitarian Assistance."  International Review of the Red Cross Archive. vol. 36, no. 311 (April 1996). Shaban, Omar. "The Implications of Siege and the Internal Palestinian Division on the Situation in the Gaza Strip Since 2007."  Palestine-Israel Journal of Politics, Economics, and Culture. vol. 22, no. 2-3 (2017). Stoddard, Abby, Adele Harmer & Katherine Haver. "Safety and Security for National Humanitarian Workers: Annex I to: to Stay and Deliver, Good Practice for Humanitarians in Complex Security Environments." OCHA. Policy and Studies Series (2011). at: http://bit.do/eL3t2 Thabet, Abdelaziz M. & Sanaa S. Thabet. "Stress, Trauma, Mental Health and Ways of Intervention of Palestinians in the Gaza Strip." Degenerative Intellectual & Developmental Disabilities. vol. 1, no. 3 (May 2018). at: https://bit.ly/33Tphmh The World Bank. "Economic Monitoring Report to the Ad Hoc Liaison Committee." (September 2018). at: https://bit.ly/3bkaIKO United Nations, "Food Insecurity in the oPt: 1.3 million Palestinians in the Gaza Strip are Food Insecure." OCHA. The Monthly Humanitarian Bulletin (November 2018). at: http://bit.do/eEjt9 ________. Gaza Ten Years Later. United Nations Country Team in the Occupied Palestinian Territory (July 2017). at: https://bit.ly/3dpTcGV Wagner, Johanna Grombach. "An IHL/ICRC Perspective on 'Humanitarian Space'."  Humanitarian Exchange Magazine. no. 32 (2005). Weiss, Thomas G. "Principles, Politics, and Humanitarian Action."  Ethics & International Affairs. vol. 13, no. 1 (March 1999).