المساعدات الدولية لغزة وفق الشروط الإسرائيلية:
الملخّص
لم ترق المساعدات المقدمة إلى قطاع غزة المحاصر في أهدافها وآليات تنفيذها إلى حد تلبية الاحتياجات والتطلعات الأساسية لسكانه. تعتمد هذه الدراسة على استعراض الوثائق لدراسة مسار المساعدات في برامج إنعاش القطاع وإعادة إعماره، التي يمولها المانحون. يدل التحليل على أن المانحين لم يتصرفوا بطريقة تتوافق مع مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الخاصة بالدول الهشة، أو مع المفهوم الفلسطيني في "التنمية التحررية المرك زة على الشعب." وتظهر النتائج أن من أسباب محدودية نجاح المساعدات: التزام المانحين بسياسة "عدم الاتصال" بحماس، على نحوٍ أعاق بشدة قنوات التواصل الضرورية جدًا مع حكومة الأمر الواقع التي تمثلها. إضافة إلى عمل المانحين في ظل قيود إسرائيلية مفروضة، ما جعل إيصال المساعدات أمرًا شديد الصعوبة. كلمات مفتاحية: المساعدات الدولية، إعادة الإعمار، الحصار الإسرائيلي، غزة، حماس. Aids provided to the Gaza Strip under the blockade falls short of meeting basic needs and aspirations of its residents. This paper reviews documents to study the flow of donor-funded aid in the recovery and reconstruction programs of the Gaza Strip. The analysis reveals that donors have not undertaken this assistance in a manner consistent with OECD principles for aid to fragile states, or in keeping with the Palestinian concept of "people-centered development-for-liberation." The results show that one of the reasons for the limited success of aid flows is donor commitment to a "no-contact with Hamas" policy which has severely impeded much-needed communication channels with the de facto government that Hamas represents. In addition, the working of donors under Israeli restrictions has rendered the delivery of aid extremely difficult. Keywords: International Aid, Reconstruction, Israeli Blockade, Gaza, Hamas.
هل حان الوقت لإعادة التفكير في سياسات التمويل وآلياته؟
International Aid to the Gaza under Israeli Conditionalities:
Is it Time to Rethink Financing Policies and Mechanisms?
مقدمة
دخل الحصار الإسرائيلي العسكري والاقتصادي على قطاع غزة عامه الثالث عشر إثر الانقسام الفلسطيني الداخلي وسيطرة حركة حماس على القطاع في حزيران/ يوينو 2007. أدى الحصار، إضافة إلى ثلاثة اعتداءات عسكرية إسرائيلية مدمرة في أعوام 2008 و 2012 و 2014، إلى تدهور الوضع الإنساني لسكان القطاع، وقد تضافرت هذه الهجمات والحصار الإسرائيلي لتشل اقتصاد القطاع، ما فاقم أوضاع جيبٍ منهَك ومعزول أصلً. تكشف نظرة سريعة على الواقع المعاصر في قطاع غزة عن المصاعب المروعة التي يواجهها سكانه. فقد تجاوز عددهم حاليًا مليوني نسمة، بمعدل نمو بلغ 3.3 في المئة سنويًا. وتقل أعمار 43 في المئة منهم عن 15 سنة، ما يجعلهم يمثلون مجتمعًا فتيًا جدًا. تترافق هذه النسبة المرتفعة من الفتيان مع معدل بطالة غير مسبوق بلغ 56 في المئة، وهو أعلى معدل في العالم للشباب (بين 15 و 29 عامًا)1. ومن المتوقع أن يزداد هذا المعدل المرتفع مع استمرار الواقع الاجتماعي - الاقتصادي القاتم2. وما يفاقم الوضع أكثر، السياسات الإسرائيلية الأحادية الجانب في إعلان مناطق من غزة "شديدة الخطورة" أو "محظورة"، ما يحرم السكان من الوصول إلى أكثر من 30 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة، وإلى 50 في المئة من مياه صيد الأسماك كما ورد في اتفاق أوسلو، ويمثّل ذلك خسارة 50 في المئة تقريبًا من الناتج المحلي الإجمالي الممكن3. وإضافةً إلى المصاعب الاقتصادية، أصبحت غالبية خدمات القطاع العام المدنية والبنية التحتية المدنية في قطاع غزة خارج الخدمة طوال الفترة المدروسة، فسكان القطاع يعيشون واقعًا كئيبًا وقاتمًا جدًا، وهو ما لخّصه على أفضل وجه روبرت بايبر، منسق الأمم المتحدة للمساعدات الإنسانية والنشاطات التنموية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، عندما وصف الوضع بأنه "نكوص التنمية بحركة بطيئة"4، موضحًا أن "كل المؤشرات من الطاقة إلى المياه إلى الرعاية الصحية إلى التوظيف إلى الفقر إلى انعدام الأمن الغذائي، كلها تتراجع. ويعاني سكان غزة من هذا النكوص البطيء منذ عقد من الزمن"5. يتطلب الواقع المرير لقطاع غزة دراسة شاملة لسياسات المانحين في تقديم المساعدات في ظل حصار إسرائيلي يهدف إلى مفاقمة "نكوص التنمية" المذكور. فالمجتمع الدولي موّل بوفرة السلطة الفلسطينية ومؤسساتها منذ إنشائها في عام 1994، تيسيرًا لدورها في دعم عملية السلام وحل الدولتين؛ فبلغ إجمالي المساعدات الإنمائية الرسمية المقدمة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة في الفترة 2016-1994 قرابة 35.1 مليار دولار أميركي6. وفي الفترة 2016-2008 وحدها، بلغت مساهمات المانحين 20.3 مليار دولار 2.3(مليار سنويًا)7. ومنذ سيطرة حماس على قطاع غزة، تعهد المانحون الدوليون، فضلً عن المساعدات المنتظمة الواردة عبر قنوات وكالات الأمم المتحدة، بمبلغ 1.3 مليار دولار إضافي في مؤتمر شرم الشيخ في عام 2009 لإعادة إعمار قطاع غزة في أعقاب العدوان الإسرائيلي عام 20088. إضافة إلى مبلغ قدره 5.4 مليارات دولار تُعهِّد بتقديمه إلى السلطة الفلسطينية في عام 2014، وخُصص منه 3.5 مليارات دولار للمساعدة في إعادة إعمار قطاع غزة في الفترة 2017-2014. وعلى الرغم من هذه الالتزامات الكبيرة، فربما تكون مساعدات المانحين مثل "سكب الماء في الرمال" كما يقول المثل العربي، ما دامت سياسات برامج المساعدات غير ملائمة. لكن نظرًا إلى مقدار هذه المساهمات المالية وأهميتها، بما في ذلك التزام العديد من المانحين الدوليين المستمر بدعم الشعب الفلسطيني، فمن المهم أن نفهم إنْ كانت سياسات وبرامج مساعدات المانحين قد ساهمت في خلق بيئة سياسية واجتماعية واقتصادية مواتية أكثر للفلسطينيين في سعيهم لتحقيق الكرامة وتقرير المصير والسلام، وذلك عبر دراسة العوامل التي تؤثر في فاعلية المساعدات في فلسطين. تبحث هذه الورقة في هذه المسائل المهمة في إطار قطاع غزة، بدءًا من سيطرة حماس على السلطة فيه. وهي تستند إلى استعراض للوثائق، إلى جانب مراجعة شاملة للأدبيات المنشورة، لدراسة إدارة المساعدات وأسباب محدودية نجاحها في تحقيق أهدافها في قطاع غزة.
أولا: تعريف المساعدات الجيدة
يتوافر الآن عدد كبير ومتزايد من المؤلفات من وجهة نظر دولية، عن تعريف الممارسات الجيدة في إيصال المساعدات والسياسات
التي تيسرها. ولتحقيق أغراض هذه الورقة، يُستخدَم إطاران لتقييم سياسات المساعدات المتبعة في قطاع غزة في فترة الدراسة. الإطار الأول هو مبادئ الدول الهشة التي وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتوجيه إسهامات المانحين في البلدان الهشة. وتعرف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الدول الهشة بأنها: "تلك التي تتصف بالحكم الضعيف وقابلية التأثر بالصراعات، إلى جانب قيود وفرص تختلف باختلاف الأوضاع: 1. أزمة ممتدة أو جمود طويل الأمد، 2. مرحلة بعد الصراع أو بعد الانتقال السياسي، 3. التحسن التدرجي، 4. إدارة متدهورة"9. وينتمي عدد كبير من المانحين الدوليين إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ويتبعون مبادئها. فمثلً، ينتمي إليها في حالة فلسطين مؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، إضافة إلى الولايات المتحدة10. وبما أن معظم المانحين الرئيسين لقطاع غزة أعضاء في المنظمة، فإن إدارة مساعداتهم ينبغي أن تكون متوافقة مع مبادئ الدول الهشة، ومن بينها: 1". الانطلاق من الظروف المحلية أساسًا، 2. عدم إلحاق الضرر، 3. الانسجام مع الأولويات المحلية بطرق مختلفة بحسب اختلاف الظروف، 4. تفادي ترك جيوب مستبعدة ضمن كل سياق، 5. الاتفاق على آلية تنسيق عملية، 6. إدراك الصلات بين الأهداف السياسية والأمنية والتنموية، 7. التركيز على بناء الدولة باعتباره هدفًا مركزيًا"11. وقد أكدتُ، في دراسة سابقة بالاشتراك مع دانييل بيلاند، أن مبادئ الدول الهشة يمكن أن تكون نقطة مرجعية مفيدة "لتعظيم الأثر الإيجابي والحد من الضرر غير المقصود خلال عمليات المشاركة في تقديم المساعدات إلى البلدان الهشة"12. وضع الباحث الفلسطيني والخبير في سياسة المساعدات، خليل نخلة، الإطار الثاني المستخدم في هذه الدراسة. وهو يمثل التفسير الفلسطيني لسياسة المساعدات المواتية التي تلبي حاجات الفلسطينيين من المساعدات مع مراعاة الواقع الفلسطيني المعقد في ظل الاحتلال الإسرائيلي. يعرف نخلة مفهومه عن "التنمية التحررية المركّزة على الشعب" بأنها "عملية تدخل هادف غايتها توسيع نطاق الخيارات الفردية والجماعية إلى أقصى حد ممكن للإنسان، الفرد، المواطن العادي، والتي يمكن استدامتها عبر الأجيال"13. ويرى نخلة أن الهدف النهائي لهذا النهج هو تمكين الفلسطينيين من تحقيق تقرير المصير السياسي وتحرير أنفسهم من سلطات الاستعمار والاحتلال والهيمنة، ومن ثم وضع حد للتفاوت الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ويهدف هذا النهج إلى خلق "نسيج اجتماعي" متين ومرن في المجتمع الفلسطيني، يُنظَر إلى تطوره على أنه أمر أساسي في تطلعات المجتمع إلى التنمية والتحرير. وفي ما يلي بعض الأهداف الرئيسة للتنمية التحررية المتمحورة حول الشعب: "تمكين الأفراد الفلسطينيين والمجتمعات المحلية والمجتمع ككل، عبر توفير الموارد النوعية اللازمة، والمهارات، والوعي بشرعيته، والقدرة على الصمود، والثقة والاطمئنان؛ وتحسين ظروف معيشة الشعب من ناحيتي الجودة والاستدامة، وتوفير الظروف والخبرات اللازمة لمساعدة الشعب في إحقاق هذه الحقوق الأساسية، ولا سيما حق التحرر من الاحتلال والاستغلال، وتقرير مستقبلهم بأنفسهم، ولإمكانية حصولهم على عمل منتج غير استغلالي، وتحقيق تنمية تلبي الاحتياجات الإنسانية الأساسية للمجتمع، مع استدامة ذلك عبر الأجيال"14. تستخدم هذه الدراسة الإطارين المذكورين لدراسة سياسات مساعدات المانحين وتأثيرها في استقرار قطاع غزة وإنعاشه وإعادة إعماره منذ سيطرة حماس عليه، وما تلاها من اعتداءات إسرائيلية متكررة. الأسلوب الرئيس في جمع بيانات هذا البحث هو استعراض الوثائق، لأنه يوفر لنا فهمً واضحًا لكيفية إيصال المساعدات إلى قطاع غزة منذ سيطرة حماس عليه. ويوجد أيضًا في الوثائق دلائل عن فاعلية المساعدات ودرجة تحقيقها لأهدافها. واعتُمدت المقاربة الوضعية في استعراض الوثائق وتحليلها، لأن الغرض هو جمع معلومات واقعية عن إيصال المساعدات ونتائجها. وأجري استعراض للوثائق والتقارير المركّزة على المساعدات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والرجوع إلى مواقع إلكترونية أساسية، مثل وثائق الأمم المتحدة والبنك الدولي والتقارير الإعلامية الإخبارية ذات الصلة.
ثانيًا: السياسات التي تؤثر في إدارة المساعدات وإيصالها إلى قطاع غزة
مثّلت المساعدات لفلسطين موضوعًا لخلافات كبيرة جذب اهتمام عدد كبير من الباحثين. وكانت المساعدات الدولية في الأراضي
الفلسطينية المحتلة تتقيد دائمًا بسياسات أعضاء اللجنة الرباعية الأممية (الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا)، إضافة إلى السياسات والشروط الإسرائيلية بخصوص برامج إيصال المساعدات في ظل حكمها العسكري لقطاع غزة15. ففي سياق قطاع غزة بإدارة حماس، كانت هناك سياستان رئيستان في إدارة المساعدات منذ عام 2007؛ الأولى هي استراتيجية "الضفة الغربية أولً " التي أطلقتها الولايات المتحدة ثم اعتمدها الاتحاد الأوروبي بعد مؤتمر أنابوليس للسلام المنعقد في الولايات المتحدة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2007 16. والثانية هي سياسة "عدم الاتصال" التي فرضها بعض المانحين الغربيين في مساعيهم لتفادي التواصل مع سلطات حماس لكي يتجنبوا الهياكل القانونية التي فرضتها عليها الولايات المتحدة. وستناقَش هاتان السياستان الرئيستان بالتفصيل لأنهما وسمتا سياسات المساعدات في القطاع وساهمتا في تشكيل واقعه الاجتماعي - الاقتصادي الحالي17.
بعد سيطرة حماس على قطاع غزة، والإخفاقات اللاحقة في تشكيل حكومة وحدة بين حماس وفتح، قررت الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة عزل حماس مع الاستمرار في دعم السلطة الفلسطينية التي تقودها فتح في الضفة الغربية وحصر التعامل معها18. أسفر مؤتمر أنابوليس عن أول سياسة أثرت بدرجة كبيرة في المساعدات المقدمة إلى القطاع. ويشرحها ديمتريس بوريس بعد تسميتها سياسة "الضفة الغربية أولً " أن هدفها كان "ضمان بقاء النخبة الفلسطينية 'المقبولة' للغرب، بقيادة محمود عباس وسلام فياض في السلطة، بينما كان يؤمل أن تؤدي عزلة حماس إلى إضعافها"19. واستنادًا إلى هذه الاستراتيجية، ضُ خت مليارات الدولارات في الضفة الغربية لدعم مشروع فياض لبناء الدولة في مؤتمر باريس20 الذي انعقد في كانون الأول/ ديسمبر 2007 بعد مؤتمر أنابوليس من دون دعوة حماس. وفي هذا المؤتمر، تم التعهد من الدول المانحة بمبلغ يقارب 7.7 مليارات دولار لدعم برنامج الإصلاح والتنمية الفلسطيني للفترة 2010-2008، في حين حُرم قطاع غزة من دعم مثل هذا، بينما كانت إسرائيل تطبق عليه حصارًا عسكريًا شديدًا، بموافقة ضمنية من مصر والمجتمع الدولي، وما زالت تبعات استراتيجية "الضفة الغربية أولً " بعدم التعامل وعزل سلطة حماس قائمة إلى اليوم، ما يضر بالواقع المعيش لسكان قطاع غزة عبر استمرار الانقسام الداخلي الفلسطيني والأزمات الإنسانية المتنامية في القطاع21. السياسة الرئيسة الثانية التي أثرت في إيصال المساعدات إلى قطاع غزة منذ سيطرة حماس عليه هي سياسة "عدم الاتصال." وقد خلقت هذه السياسة بيئة مقيدة لإدارة فعالة للدعم الدولي وإيصاله فعليًا إلى القطاع، لأن مقدمي المساعدات لم يرغبوا في التعامل مباشرة مع مسؤولين في حكومة تقودها حماس22. ومن الجلي أن موقفهم هذا يتوافق مع مواقف حكوماتهم، ما نجم عنه اختيار المانحين الدوليين لسياسة عدم الاتصال مع حكومة تديرها حماس سعيًا لحماية علاقاتهم في أماكن أخرى من العالم مع منظمات مانحة ووكالات مساعدات مرتبطة بطريقةٍ ما بالولايات المتحدة بصورة خاصة. وكنت أوضحت في دراستي المشار إليها مع بيلاند أن "المجتمع الدولي عبر اتخاذه مواقف كهذه، لم يُبق لديه إلا فرصة ضئيلة للتدخل في قطاع غزة. فلقد اضطرت أكثرية البلدان المانحة ووكالات المساعدات إلى الالتزام بمواقف حكوماتها التي اتبعت توجيهات الرباعية"23. ساهم خضوع المانحين ووكالات المساعدات لسياسة عدم الاتصال بالنتيجة في تسييس هذه المساعدات التي يُفترض أن تبقى محايدة وموضوعية. وعقّد هذا أيضًا قابلية توافق المساعدات مع الاحتياجات المحلية، وقابلية التوصل إلى تقييمات خارجية متماسكة، وقيدت
كذلك قدرات المانحين على تقديم برامج في قطاع غزة، لاختيارهم عدم التخطيط والتنسيق مع حكومة حماس. وفي مقابلة أجريت في عام 2014 مع محمد شريف، ممثل إحدى المنظمات الدولية غير الحكومية في قطاع غزة، عبّ عن استيائه من الشروط التي تضطر منظمته إلى الالتزام بها نتيجة سياسة عدم الاتصال: "كانت هذه دائمًا مسألة تثير الحساسية وتجعل الأوضاع أسوأ. منظمة أجنبية تعمل في بلد، ولا تخاطب حكومته. هذا شيء استفزازي من وجهة نظر الحكومة المحلية. يشبه وجود شخص غريب يعمل في فناء منزلك الخلفي من دون إذنك. كانت حكومة الأمر الواقع موجودة وكان من الواجب التعامل معها أأعجب ذلك المانحين أم لم يعجبهم"24. وبذلك، أثرت سياسة عدم الاتصال في عمل العديد من وكالات المساعدات والمنظمات العاملة في قطاع غزة. فمن جانب، كان لزامًا على المانحين تقديم تقارير إلى حكومة حماس والامتثال للوائحها. ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، الحصول على تصاريح العمل والتسجيل وتقديم المعلومات عن برامجهم ونشاطاتهم. ومن جانب آخر، كان عليهم أيضًا الامتثال لسياسة "عدم الاتصال." وقد تعرضت منظمات كثيرة رفضت التعاون مع حكومة حماس لإجراءات عقابية، وصلت في بعض الحالات إلى تعليق عملياتها المحلية أو إغلاق مقرات العمل25. لقد خلقت سياسة "عدم الاتصال" توترات غير ضرورية بين سلطة الأمر الواقع التي كانت تحاول تأكيد تمتعها بالسيادة، ومنظمات المساعدات التي كانت تحاول تجنب الامتثال لسلطات حماس والتنسيق معها. أدى قبول تقييدات سياسة "عدم الاتصال" مع حماس والموافقة على العمل في ظل القيود والشروط التي تفرضها إسرائيل، إلى جعل المانحين في حالة انتهاك واضح لمبادئ مساعدات الدول الهشة التي وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتنص هذه المبادئ بوضوح على أن المانحين يجب "أن ينطلقوا أساسًا من الظروف المحلية، ولا يسببوا ضررًا، وأن يتماشوا مع الأولويات المحلية بطرق مختلفة في ظروف مختلفة، وأن يتفقوا على آلية تنسيق عملية، وأن يدركوا الروابط بين الأهداف السياسية والأمنية وأهداف التنمية، وأن يركزوا على بناء الدولة كهدف مركزي"26. لم يقدّر المانحون في قطاع غزة، على نحو كافٍ، تعقيدات الأوضاع المحلية، وربما تكون سياساتهم هذه قد فاقمت الانقسام الفلسطيني عن غير قصد. كما التزم المانحون بالشروط الإسرائيلية المفروضة على حساب المواءمة مع الأولويات المحلية، فقوطعت حكومة حماس، ولذلك تضررت آليات التنسيق بشدة. ومن الواضح أن المانحين ضحّوا بأهداف التنمية؛ فلم نشهد تركيزًا يذكر منهم على بناء الدولة في غزة، كما لم يكن توجههم متوافقًا مع "التنمية التحررية المركّزة على الشعب" التي وضعها نخلة في عام 2012. ومن الواضح أن المساعدات المقدمة إلى قطاع غزة لم تعمل على تمكين الأفراد الفلسطينيين والمجتمعات المحلية والمجتمع إجمالً، بل أدت إلى زيادة اعتمادهم على المساعدات. رغم التعهدات المالية الكبيرة والبرامج الواسعة الموعودة سعيًا لدعم إنعاش غزة وإعادة إعمارها في أعقاب الاعتداءات الإسرائيلية في أعوام 2008 و 2012 و 2014، فإن الاحتياجات الإنسانية، واحتياجات إعادة الإع راا، والتنمية، لا تزال كبيرة وتمثل تحديًا. ويواصل المانحون الدوليون تمويل هذه الاحتياجات وتلبيتها في ظل ظروف مثيرة للجدل يفرضها الجيش الإسرائيلي وسياسات احتلاله، إضافة إلى المشهد السياسي الفلسطيني المعقد بسبب وجود بيئة تنظيمية ومؤسسية شاذة خلقها استمرار الانقسام الفلسطيني الداخلي والقيود الإسرائيلية27. ستدرس المحاور التالية على وجه التحديد سياسات المساعدات وإدارتها من أجل الإنعاش المبكر والبناء في ظل هذا الواقع.
ثًالث ا: مساعدات الإنعاش وإعادة البناء في غزة في ظل الشروط الإسرائيلية
1. صعوبة الوصول إلى المواد اللازمة للإنعاش وإعادة البناء
ندرس في هذا القسم الجهود المبذولة برعاية المانحين في قطاع غزة، بادئين بفترة الهجوم الإسرائيلي على غزة في عام 2008. ويستقصي التحليل سياسات المساعدات وإدارتها بخصوص جهود الإنعاش المبكر وإعادة الإعمار المصممة لمعالجة الأزمات الإنسانية الناجمة عن العدوان الإسرائيلي، فضلً عن التخطيط الطويل الأجل لما يسمّى إعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع. يرتبط مفهوم الإنعاش المبكر بعد الحرب بفكرة "الانتقال" من مرحلة بعد الصراع إلى مرحلة أخرى تبدأ بمخططات إعادة الإعمار والإنعاش المصممة لخلق البيئة اللازمة للتنمية وتمكينها. وتعرف سارة بيلي الإنعاش المبكر بأنه "مساعٍ مبكرة لتأمين الاستقرار وإحلال السلام وإنعاش الأسواق وسبل
العيش والخدمات وقدرات الدولة على تعزيزها، وبناء قدرات الدولة الأساسية لإدارة العمليات السياسية والأمنية والتنموية"28. وهنا يتحمل مقدمو المساعدات المحليون والدوليون تحدي صياغة وتنفيذ سياسات مساعدات في إمكانها التصدي بفاعلية لأولويات متغيرة في ظروف صراع وأوضاع انتقالية بعد الصراع29.
انصبت جهود المانحين في الإنعاش والإعمار في قطاع غزة في بيئة تتميز بتقييدات إسرائيلية، فضلً عن سياسات المقاطعة وعدم الاتصال المثيرة للجدل. وقد خلق الحصار العسكري الإسرائيلي الصارم عقبات عديدة أخرت دخول مواد البناء بل حتى منعتها، حيث ترى إسرائيل في حماس تهديدًا أمنيًا إثر الحرب الإسرائيلية عام 2008 مباشرة؛ فكان لا بد من توجيه شراء معظم مواد المشاريع الممولة من المانحين عبر المعابر الإسرائيلية بعد الحصول على موافقة المنسق الإسرائيلي في وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق. ووفقًا لموقع هذه الوحدة على الإنترنت "تتمثل مهمة الوحدة في تعزيز وتنفيذ سياسة الحكومة الإسرائيلية في الشؤون المدنية لتيسير القضايا الإنسانية ومشاريع البنية التحتية والمشاريع الاقتصادية في يهودا والسامرة وفي قطاع غزة. وتقود الوحدة أيضًا التنسيق والاتصال مع السلطة الفلسطينية ومع السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة"30. وقد برهنت الوحدة في الفترة 2014-2008، أنها آلية تستخدمها إسرائيل لتأخير وتعقيد مساعي الإنعاش وإعادة الإعمار، وتسببت في تأخيرات مديدة ومتعمدة في إدخال المواد بسبب تعقيدات الحصول على الموافقات من الجانب الإسرائيلي. وأدت هذه التأخيرات، في المقابل، إلى تعقيد علاقات العمل بين المانحين والعديد من المقاولين المحليين بسبب التكاليف الإضافية المرتبطة بهذه التأخيرات. كما حمّلت السلطات الإسرائيلية المانحين المسؤولية في حالة وصول أي من المواد المشتراة لتنفيذ مشاريعهم إلى أطراف أخرى غير المستفيدين المتفق عليهم31. ومن ناحية أخرى، لم يكن في وسع العديد من المانحين الاعتماد على مواد مهربة متاحة جزئيًا من مصر، لأن استخدامها محظور من جانب البلدان المانحة الغربية في الأساس32. في أيلول/ سبتمبر 2014، في أعقاب العدوان العسكري الإسرائيلي المدمر الثالث على غزة منذ تولي حماس للسلطة في عام 2007، أُحدِثت آلية جديدة لإدخال المواد إلى القطاع في محاولة للتعجيل بتدفق مواد البناء المطلوبة بشدة. وكانت الآلية بعنوان "آلية إعادة إعمار غزة." وكان من المفترض أن تكون آلية متعددة المستويات تشارك فيها الحكومة الإسرائيلية والأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية. وقد أنشئت بهدف التعجيل بإعادة بناء قطاع غزة من خلال تسهيل دخول المواد إلى القطاع. وصُممت بقصد توفير خط اتصال مباشر بين الأطراف الثلاثة لتسهيل العملية، ولتضمن نظامًا شاملً لمراقبة وتفتيش كل الواردات التي تدخل غزة استجابة للمخاوف الأمنية الإسرائيلية التي تدور أساسًا حول ضمان عدم استفادة حكومة حماس من أي من المواد33. وأوضح بوريس كيفية عمل آلية إعادة إعمار غزة بالقول: "إن آلية إعادة إعمار غزة التي وُضعت صيغتها النهائية في تشرين الأول/ أكتوبر 2014، تجبر الأمم المتحدة على العمل تحت إشراف إسرائيل، كما أنها تحمّلها أيضًا مسؤولية تعقب الحديد والإسمنت وغيرها من المواد والإبلاغ عنها. ووفقًا لتفاصيل الآلية، يضع نظام مراقبة جديد عناصر أمنية وكاميرات مراقبة عند جميع نقاط توزيع مواد البناء، وتتعقب قاعدة بيانات مركزية المواد التي تدخل غزة. ويتعين على أصحاب المساكن الذين يستلمون مواد بناء تسجيل رقم هوياتهم وعنوانهم وحالتهم العائلية. ورغم أن قاعدة البيانات مرتبطة بالهيئة العامة للشؤون المدنية الفلسطينية، فإنها متاحة لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية"34.
على الورق، كان الهدف العام من آلية إعادة إعمار غزة "تمكين أعمال البناء وإعادة الإعمار الواسعة التي يتطلبها الآن قطاع غزة"35. ولكن في واقع الأمر أطلقت هذه الآلية يد إسرائيل في تقرير ما يرد إلى غزة أو منها، وبرهنت كذلك أنها ضعيفة الكفاءة وبطيئة في تلبية احتياجات الإنعاش وإعادة الإعمار الهائلة بسبب ظروف الحصار العسكري الإسرائيلي الصارم36. ويشير الباحثان سلطان بركات وفراس المصري أيضًا إلى أنه على الرغم من أن هذه الآلية بدت لجميع الأطراف المعنية في ذلك الوقت كأنها مبادرة إيجابية، فقد انتهى الأمر إلى تمكين إسرائيل من السيطرة الكاملة على العملية وتهميش كامل لدور الحكومتين الفلسطينيتين في غزة والضفة الغربية37. عبر هذه الآلية، قَبِل المجتمع الدولي الشروط الإسرائيلية المفروضة على إدارة المساعدات في قطاع غزة وأخذ بها. أو بعبارة أخرى، انتهك المانحون بوضوح مبادئ الدول الهشة ومبادئ "التنمية التحررية المركّزة على الشعب" من خلال إسباغ صفة الشرعية فعليًا على الشروط الإسرائيلية غير المشروعة على إدخال مواد برامج المساعدات والإنعاش. ورغم أن للمانحين الدوليين دورًا حاسمً ومعترفًا به في منع الانهيار الإنساني الكامل في قطاع غزة، فقد اختار هؤلاء ألا يستفيدوا من دورهم المهم للتفاوض على شروط أفضل لإدخال مواد إعادة الإعمار إلى قطاع غزة. وبدلً من ذلك، وقعوا تحت الضغط الإسرائيلي وقبلوا العمل في ظل الشروط الإسرائيلية، ما أدى إلى استمرار الأزمة الإنسانية والتنموية في القطاع. وإضافة إلى ذلك، يوضح بوريس أن خطأ كبيرًا آخر ارتكبه المجتمع الدولي تمثّل في استبعاد حماس وجماعات محلية أخرى من عملية إعادة الإعمار. فمبادئ الدول الهشة تتضمن الاعتراف "بالروابط بين الأهداف السياسية والأمنية والتنموية، والتركيز على بناء الدولة هدفًا مركزيًا" بصفتها مبادئ جوهرية. لذلك يعتبر إيصال المانحين للمساعدات مع استبعاد حماس عن قصد، خرقًا مباشرًا لتلك المبادئ. وتحدد دراسة مشتركة لكل من سلطان بركات ووسام ميلتون وغسّان الكحلوت "غيابَ التملك، ونقص التمويل، ونقص كميات مواد البناء، والعقبات البيروقراطية" بوصفها نقاطَ الضعف الكبرى والجوهرية في آلية إعادة إعمار غزة. ورغم التزام المانحين الدوليين التزامًا فعليًا بتمويل ودعم إعادة إعمار قطاع غزة، فإن إنجاز برامج إعادة الإعمار على أرض الواقع كان محدودًا. وقد مثّل مؤتمر القاهرة في تشرين الأول/ أكتوبر 2014 محطة مهمة، حيث تقرر التعهد بتقديم 5.4 مليارات دولار أميركي لإعادة بناء قطاع غزة38. وتعهدت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بما فيها قطر والكويت والبحرين والسعودية والإمارات، بمساهمات كبيرة مقارنة بمانحين تقليديين أساسيين آخرين لفلسطين. وقد تصدرت قطر وحدها جميع الدول المانحة بتعهدها بتقديم مليار دولار لدعم إعادة بناء غزة. وعلى الرغم من هذه التعهدات السخية، فإن الأموال تظل غير مستوفاة إلى حد بعيد. حيث ذكر تقرير أنه حتى 31 كانون الأول/ ديسمبر 2018، لم يصُرف سوى 51 في المئة من إجمالي التعهدات المعلنة39.
2. الإنعاش المبكر حدّ من التركيز على القطاعات الإنتاجية
تفتقر برامج الإنعاش المبكر التي رعاها المانحون في قطاع غزة في أعقاب الحروب الثلاث إلى التركيز الحقيقي على إحياء القطاعات الإنتاجية. فقد ذكر تقرير للبنك الدولي في عام 2017 أنه من أصل 3.5 مليارات دولار أميركي تعهد بها مؤتمر القاهرة في عام 2014 حصرًا لإعادة إعمار غزة، ف صُ 51 في المئة فقط 1.796(مليار دولار) لدعم الاحتياجات ذات الأولوية المحددة في خطة الإنعاش وإعادة الإعمار تحت عنوان "إطار تقييم الاحتياجات التفصيلية واحتياجات الإنعاش لإعادة إعمار غزة"40، ويبين تقرير تقييم الاحتياجات التفصيلية أنه من أصل 602 مليون دولار مخصصة لإنعاش القطاع الإنتاجي، لم يصرف سوى 16 مليون دولار. ويعدّ عجز المانحين الدوليين عن تكريس موارد واهتمام كافيين للقطاعات الإنتاجية في قطاع غزة دليلً واضحًا على التأثيرات الشديدة للحصار الإسرائيلي الذي دفع هؤلاء إلى التركيز على
تمويل أولويات الطوارئ والأولويات الإنسانية بدلً من التركيز على الاحتياجات المهمة استنادًا إلى أسس التنمية والاستثمارات الرأسمالية، بسبب القيود الإسرائيلية على إدخال المواد41. والوصف الأفضل لهذه الحالة قدّمه ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الأراضي الفلسطينية، روبرتو فالينت Vallent Robert، بقوله: "المطلوب هو تزويد الناس باستثمار رأسمالي مهم حتى يتمكنوا من إعالة أنفسهم بطريقة كريمة. وهذا يعني ضرورة وضع خطة واستراتيجية طويلتي الأمد لضمان إعادة التأهيل الاقتصادي والمؤسسي لاقتصاد غزة"42. يتضح من تحليل نتائج تقييم الاحتياجات التفصيلية أن قسمً كبيرًا من برامج المانحين للمساعدات والإنعاش ما زالت تركز على دعم برامج الإغاثة والبرامج الاجتماعية المباشرة بدلً من القطاعات الإنتاجية الأساسية الطويلة الأمد. ومرة أخرى، ساهم عجز المانحين عن تحدي القيود الإسرائيلية في خلق هذه البيئة التي لن تؤدي إلا إلى زيادة الاعتماد على المساعدات.
ومن المهم أيضًا الإقرار بأنه بسبب الجمود السياسي في عملية السلام، خلقت الطبيعة المتقلبة وغير المستدامة للمساعدات المقدمة إلى قطاع غزة تبعيةً واضحة، وثبت عجزها عن توفير حلول مستدامة للعديد من مشكلات القطاع منذ عام 2007. وقد أدت الشروط والقيود التي فرضتها إسرائيل على المانحين إلى تفاقم تعقيد الوضع؛ فقد تضاءل التزام المانحين وإقبالهم على تمويل برامج الإنعاش وإعادة الإعمار بسبب محدودية القدرة على تنفيذ البرامج. وأوضح هوشبيرغ أن تمويل إعادة الإعمار أصبح غير كافٍ، مستشهدًا "بتعب المانحين في سياق حروب متكررة ودمار متجدد"43. ومن الواضح أن المانحين لم يتحدّوا القيود الإسرائيلية المعطِّلة، ولم يُعينوا الناس على تحقيق تطلعاتهم التنموية وفقًا لإطار نخلة في التنمية التحررية المركّزة على الشعب. ومن الصعب كذلك الزعم بأن المساعدات نجم عنها تحسين ظروف الناس المعيشية، من ناحيتي الجودة والاستدامة، نظرًا إلى محدودية تركيزها على القطاعات الإنتاجية وعلى خلق فرص اقتصادية حقيقية للناس، وهي أحد المبادئ المهمة في إطار "التنمية التحررية المركّزة على الشعب."
رابعًا: تركيا وقطر: مقاربة مختلفة للتمويل
اتبع المانحون الدوليون مقاربات مختلفة لتنفيذ برامج المساعدات والإنعاش في قطاع غزة في ظل قيود إسرائيلية فرضتها آلية إعادة إعمار غزة وفي ظل شروط سياسة عدم الاتصال44. فمثلً، عندما بدأت مساعي الإنعاش وإعادة الإعمار بعد الحرب الإسرائيلية على غزة في عام 2008، طبقت بعض البلدان المانحة الغربية عمليات تدقيق صارمة على المستفيدين من برامج المساعدات وإعادة الإعمار لضمان ألا تصل الأموال بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى أفراد من حماس وعائلاتهم. ويوضح زانوتي بالتفصيل مدى تعقيد عملية التدقيق التي تستخدمها الولايات المتحدة في البرامج التي تمولها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والمتبعة في قطاع غزة والضفة الغربية، وأشار إلى العقبات التي يمكن أن تخلقها ومن ضمنها عمليات التدقيق الأمني في اختيار المستفيدين من المساعدات45.
وفي حين التزمت أكثرية المانحين الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي، بدرجات متفاوتة، بتوجيهات سياسة عدم الاتصال والشروط الإسرائيلية المفروضة، فإن كثيرًا من البلدان المانحة العربية والإسلامية كانت أقل التزامًا، بل حتى لم تمتثل لهذه السياسات في تنفيذ برامج المساعدات46؛ إذ إن العديد من المانحين العرب والمسلمين لم ينفذوا عمليات التدقيق في اختيار المستفيدين من المساعدات ولم يفرضوا أي شروط على شراء المواد اللازمة لإعادة الإع راا47، وقد سمح ذلك لبعض المقاولين المحليين بشراء مواد بناء مهربة عبر الأنفاق من مصر، قبل أن تتخذ السلطات المصرية إجراءات صارمة ضد معظم الأنفاق في جنوب قطاع غزة48. وتجدر الإشارة إلى أنه في مرحلة ما أصبحت مواد البناء المهربة متوافرة في الأسواق المحلية، لكن المانحين الغربيين لم يسمحوا للمقاولين المحليين بشرائها بحجة أن حماس ستستفيد منها. وبالنسبة إلى العديد من المانحين الغربيين، كانت المواد الشرعية الوحيدة هي تلك التي تدخل غزة بعد موافقة إسرائيل عليها49. وبعد إحداث آلية إعادة إعمار غزة في عام 2014 والحملة المصرية على أنفاق التهريب إلى غزة، أصبح يتعيّ ورود معظم المواد اللازمة لإعادة الإعمار عبر نقاط الدخول الإسرائيلية أساسًا، وفي بعض المناسبات الخاصة عبر مصر. واضطرت غالبية الدول المانحة إلى الالتزام بالشروط الإسرائيلية، ومن ثم مواجهة الكثير من التعقيدات البيروقراطية والتأخيرات التي خلقتها هذه الآلية. والحقيقة لم تعمل غالبية حكومات البلدان الغربية، نتيجة لمواقفها ضد حماس، على تحدي القيود الإسرائيلية أو آلية إعادة إعمار غزة غير الفاعلة. بيد أن بلدين في المنطقة تمكّنا من تأمين ترتيبات خاصة عند إدخال مواد وفقًا لبرنامجيهما في المساعدات والإنعاش في قطاع غزة، وهذان البلدان هما تركيا وقطر. ويبين توجه سياسات المساعدات في كلا البلدين حالات يمكن فيها للبلدان المانحة أن تستخدم مزاياها السياسية والمالية للتفاوض على ترتيبات أفضل لتقديم المساعدات. فمثلً، كان لتركيا علاقة إشكالية مع إسرائيل إثر حادثة سفينة "مافي مرمرة" في أسطول الحرية، حيث قتلت القوات الإسرائيلية عشرة ناشطين أتراك كانوا يحاولون إيصال مساعدات من دون قيود على شواطئ غزة50. علقت تركيا بعد الحادث علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل وطالبت برفع تام لحصار غزة باعتباره شرطًا مسبقًا لاستعادة العلاقات، وفي حين لم تحقق المناورة الدبلوماسية بتاتًا رفع الحصار، فقد تمكنت تركيا، في إطار اتفاق التطبيع النهائي مع إسرائيل في حزيران/ يونيو 2016، من التفاوض على تحسين سبل وصول مساعداتها إلى قطاع غزة51. وسمح هذا الوصول بالاستفادة من المساعدات التركية في بناء مشاريع البنية التحتية الحيوية مثل المستشفيات ومحطة لتحلية المياه ومئات المساكن الجديدة ومحطة كهرباء52. تمثل قطر مثالً آخر عن دولة مانحة نجحت في الاستفادة من علاقاتها البناءة مع إسرائيل وحماس في الحصول على إمكانية وصول بامتياز لمساعداتها إلى قطاع غزة ودوام ذلك53. وتصدرت قطر قائمة المانحين من حيث مساهماتها في المساعدات المقدمة إلى قطاع غزة، وقد اعتُف خصوصًا بالدور الذي أدته في إعادة إعمار القطاع وفي تمويل مشاريع الإسكان الكبيرة، إضافة إلى البنية التحتية الحيوية مثل الطرق السريعة. ويشرح شعبان ورجب وأبو معيلق أنه في عام 2012 فقط، تبرعت قطر وحدها بمبلغ 400 مليون دولار لإعادة إعمار غزة، وكانت هذه المساهمة أساسية في تنشيط إعادة الإعمار54. وتنتهج قطر نهجًا براغماتيًا لضمان وصول المساعدات، وهو يختلف عن نهج دول خليجية أخرى استنكفت عن المساهمة في إعادة الإعمار رغم تعهداتها السخية بذلك. فالسعودية والإمارات مثلً لم يكن لهما دور نشط في إيصال المساعدات إلى غزة، بسبب موقفهما ضد حماس. وكذلك لم تفِ الكويت بتعهداتها نتيجة عدم فاعلية آلية إعادة إعمار قطاع غزة55. وهكذا، تُعد قطر وتركيا مثالين عن دول مانحة استخدمتا علاقاتهما الثنائية للتفاوض على ترتيبات محسنة لإدخال مساعداتهما إلى قطاع غزة. وكانت الصلة بحماس وإسرائيل مفيدة في تأمين مثل هذه الترتيبات. وقد تجاهلت الدولتان سياسة عدم الاتصال، وتعاملتا بفاعلية لتأمين ترتيباتٍ أفضل لإيصال المساعدات، وهذا أمر أخفقت غالبية الدول المانحة الأخرى في فعله، وذلك أساسًا بسبب موقفها السياسي ضد حماس، إضافة إلى إحجامها أو عجزها عن تحدي الشروط الإسرائيلية. وعلى الرغم من نجاح قطر وتركيا في تأمين
ترتيبات أفضل، فإن إسرائيل تحتفظ بالسيطرة الكاملة على إيصال المساعدات. ويعبر بركات وميلتون والكحلوت عن ذلك بقولهم: "لقد تعاملت الأطراف الدولية المشاركة في إعادة إعمار غزة بطرق مختلفة مع العقبات السياسية والبيروقراطية بفعل الحصار المفروض، فاستخدم بعضهم ترتيبات ثنائية، وبعضهم آلية إعادة إعمار غزة، ولا تساهم أكثريتهم المتبقية مباشرة في أعمال إعادة البناء. لكن لم تحاول أي من الدول الفاعلة الرئيسة أو المنظمات الدولية الكبرى كسر حصار غزة بعد"56.
خامسًا: مساعدات دولية مقيدة وفاقدة الفاعلية وغير مستدامة
على الرغم من إحداث آلية إعادة إعمار قطاع غزة، لم تقترب جهود المانحين في إعادة الإعمار من تلبية احتياجات سكان القطاع؛ فالسيطرة الإسرائيلية العليا كانت سببًا رئيسًا في تأخير تنفيذ برامج الإنعاش وإعادة الإعمار، حيث عملت على تسييس الطبيعة المحايدة المفترضة للمساعدات. ولم تتحدَّ الأمم المتحدة، بصفتها منظمة دولية كبرى ممثلة لبلدان مانحة عديدة، القيود الإسرائيلية، بل قبلت بدلً من ذلك بدورها "هيئة منفذة للسياسة الإسرائيلية. وبذلك يجازف المانحون بتشويه سمعتهم عبر فرض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة ومنحه طبيعة مؤسسية ضمنًا"57. وفوق ذلك، يُقدر أن 30 في المئة من أموال الإنعاش وإعادة الإعمار تذهب إلى إسرائيل بسبب سيطرتها الكاملة على عمليات إدخال مواد إلى غزة والضفة الغربية58. الواقع، أن المانحين الدوليين لم يتعاملوا مع القضية الحقيقية، وهي الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، وهذا في حد ذاته سبب الكثير من التأخير والإخفاق في إيصال مساعدات الإنعاش وإعادة الإعمار إلى القطاع. فبقبول التعاون والعمل تحت إشراف إسرائيلي في سياسات أجهضت مساعي الإنعاش وإعادة الإعمار، لم يكن مفاجئًا أن نشهد مثل هذا الإخفاق في برامج المساعدات وإعادة الإعمار. وبالامتثال كذلك لتوجيهات سياسة عدم الاتصال، نزع المانحون الشرعية عن الحكومة المنتخبة ديمقراطيًا. وأدى رفضهم التنسيق مع حماس إلى مزيد من التجزئة وعدم الفاعلية في تخطيط وتنفيذ برامج المساعدات وإعادة البناء. ويشير بركات وميلتون والكحلوت إلى أن "غياب التملك المحلي، ونقص التمويل، وتدفق مواد البناء، والعقبات البيروقراطية، والاستراتيجيات المستخدمة من قبل الفاعلين الدوليين"59 هي مخرجات مهمة ساهمت في تشكيل جهود إعادة الإعمار الحالية الموجودة في القطاع. وهكذا، فإن إدارة المساعدات في قطاع غزة انتهكت بوضوح مبادئ الدول الهشة والتنمية التحررية المركّزة على الشعب.
إن قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتقليص برامج المساعدات إلى الضفة الغربية وقطاع غزة لن يؤدي إلا إلى تعقيد وتفاقم أوضاع إيصال المساعدات في فلسطين. فالولايات المتحدة جهة مانحة رئيسة لفلسطين، وساهمت في نحو ربع إجمالي المساعدات إلى الضفة الغربية وقطاع غزة في العقد الماضي60. وسياسة ترامب لم تخلق مصاعب مالية واقتصادية حادة للفلسطينيين فحسب، بل خلقت كذلك مشاكل كبيرة لمانحين آخرين تبعوا تقليديًا الولايات المتحدة بصفتها قائدة للمجتمع الدولي حتى عند الاختلاف معها، ولا يرغبون الآن في اتباع موقف السياسة الأميركية ولا سيما بشأن قضايا مثل وضع القدس واللاجئين والمؤسسات الفلسطينية61. إن المساعدات الدولية، بتركيزها على دعم عملية السلام وحل الدولتين، قد فقدت صدقيتها62. ويلخص ناثان براون الواقع الحالي لسياسات المساعدات بقوله إن المساعدات إلى فلسطين التي هدفت إلى بناء مؤسسات دولة لتشكيل كيان دولة أضاعت سبيلها. فعلى الرغم من أن المانحين
يتحدثون عن محادثات لحل الدولتين، فهم يفعلون ذلك فقط بسبب الخوف من مناقشة خيارات بديلة في حال غيابه، وليس لأنهم يأملون أو يعتقدون فعلً أن حل الدولتين لا يزال قابلً للتطبيق63. وبناءً على ذلك، ونظرًا إلى الوضع الحالي والتوجه السياسي الذي اعتمدته مؤخرًا الولايات المتحدة، قد يكون في وسع المانحين الدوليين الكبار الآخرين كالاتحاد الأوروبي واليابان والبلدان العربية والإسلامية اتخاذ نهج مختلف، عبر استخدام نفوذهم السياسي والمالي للتفاوض على اتفاق جماعي أكثر إيجابية مع إسرائيل من شأنه حماية مكاسب مساعداتهم وخلق سياسات مساعدات مواتية وبناءة تمثل المصلحة العليا للشعب الفلسطيني وتدعم حل الدولتين، ويمكنها أيضًا تلبية الاحتياجات الإنسانية والتنموية للفلسطينيين. فمثلً، عند دراسة توجه سياسات المساعدات وأثرها في قطاع غزة، من الواضح أن سياسات المساعدات لا تتوافق مع مبادئ المشاركة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على أرض الواقع، ولا نهج التنمية التحررية المركّزة على الشعب. يلاحظ قرموط أن "نفوذ المانحين من الناحية المعنوية ومن ناحية نفوذهم في قوة الموارد هو سيف ذو حدين، ولا سيما في البلدان التي مزقتها الصراعات. وإذا لم يجرِ استخدامه بفاعلية، فقد يؤدي إلى تفاقم وضع صراع سيء أصل "64. وهذا يعني ضمنًا أن لدى المانحين، في حال أرادوا، مزية حيال التحديات التي تفرضها القيود الإسرائيلية. ففي ظل الظروف الراهنة، لا تتحمل إسرائيل أي تكاليف مالية أو اقتصادية لاحتلالها المباشر للشعب الفلسطيني، وهي معفاة تمامًا من دفع تكاليف احتلالها بسبب رغبة المانحين في استدامة سبل عيش الفلسطينيين تحت الاحتلال. ولذلك، فإن المانحين الدوليين لديهم موقف تفاوضي قوي إذا ما قرروا توحيد جهودهم واستخدام هذه القوة السياسية والمالية لخلق بيئة ملائمة لإيصال المساعدات إلى قطاع غزة.
خاتمة
كانت سياسات المساعدات وإدارتها في فلسطين عمومًا، وفي قطاع غزة خصوصًا، محل خلاف، وساهمت في خلق بيئة معاكسة لمساعي الإنعاش وإعادة الإعمار في قطاع غزة. ففي حين التزم المانحون بدفع فاتورة كبيرة لإعادة الإعمار والإنعاش بعد الحروب المتعددة على قطاع غزة، فإن إسرائيل لا تزال تمنع تنفيذ هذه العملية على نحو مقبول بسبب استمرار حصارها الصارم على القطاع. إن سياسات وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية، والعقبات البيروقراطية التي أحدثتها آلية إعادة إعمار غزة قُصد منهما خلق عقبات أمام دخول المساعدات إلى قطاع غزة. ولم تحاول الأمم المتحدة ولا المانحون الدوليون تحدي الشروط الإسرائيلية وسياسات الحصار. وما زالت الاحتياجات الإنسانية والتنموية في قطاع غزة هائلة، وقد أخفق المانحون في إيصال مساعدات مطلوبة بإلحاح من أجل الإنعاش وإعادة البناء، في حين أخفقت سياساتهم في الالتزام بمبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أو إطار التنمية التحررية المركّزة على الشعب. وقد أدى الانقسام الداخلي الفلسطيني، ومواقف إسرائيل والمانحين والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية التي تتطلع إلى عزل حماس ومعاقبتها، إلى تفاقم الوضع وزيادة إضعاف وتجزئة برامج المساعدات، وأدت هذه المواقف إلى تسييس الطبيعة الحيادية المفترضة للمساعدات وإلى وضع صدقية المانحين على المحك. أحرزت تركيا وقطر بعض التقدم في مفاوضات أحادية الجانب في وصول أفضل لبرامجهم في المساعدات والإنعاش، في حين أن المانحين الدوليين يواصلون العمل في ظل شروط تجعل مساعيهم محكومة بالإخفاق بدلً من الاستفادة من ميزاتهم السياسية والمالية لخلق بيئة مواتية لتنفيذ برامج المساعدات وإعادة الإعمار. لذلك، ثمة حاجة ملحّة إلى نهج جديد في إدارة سياسات المساعدات وتحدي القيود الإسرائيلية.
المراجع
Agborsangaya-Fiteu, Ozong. Governance, Fragility, and Conflict: Reviewing International Governance Reform Experiences in Fragile and Conflict-Affected Countries. Washington, DC: The World Bank, 2009. "Aid (ODA) Disbursements to Countries and Regions (DAC2a)." OECD Statistics. at: https://bit.ly/30vl19x Bailey, Sarah. "Early Recovery in Humanitarian Appeals." Overseas Development Institute. Humanitarian Policy Group (HPG) (March 2010). at: https://bit.ly/2GgoMI2 Barakat, Sultan & Firas Masri. "Still in Ruins: Reviving the Stalled Reconstruction of Gaza." Brookings. Report. 22/8/2017. at: https://brook.gs/2wkabrt Bouris, Dimitris. "The Vicious Cycle of Building and Destroying: The 2014 War on Gaza." Mediterranean Politics. vol. 20, no. 1 (2015). Brown, Nathen J. "Time to Rethink, but not Abandon, International Aid to Palestinians." Carnegie Endowment for International Peace. Paper. 17/12/2018. at: https://bit.ly/2LtS9v1 Hochberg, Mitchell. "The Five Factors Slowing Gaza Reconstruction." The Washington Institute for Near East Policy. Research Notes. no. 31 (February 2016). Nakhleh, Khalil. Globalized Palestine: The National Sell- out of a Homeland. Trenton: The Red Sea Press, 2012. Niezna, Maayan. "Hand on the Switch - Who's Responsible for Gaza's Infrastructure Crisis?" Gisha (January 2017). at: https://bit.ly/2SqRTxv OECD. Conflict and Fragility: International Engagement in Fragile States: Can't we do Better? Paris: OECD Publishing, 2011. Qarmout, Tamer. Delivering Aid without Government: International Aid and Civil Society Engagement in the Recovery and Reconstruction of the Gaza Strip. New York: Springer International Publishing, 2017. Qarmout, Tamer & Daniel Béland. "The Politics of International Aid to the Gaza Strip." Journal of Palestine Studies. vol. 41, no. 4 (2012). Samhouri, Mohammed. "Three Years After the 2014 Gaza Hostilities - Beyond Survival: Challenges to Economic Recovery and Long-Term Development." United Nations Development Programme (UNDP) (May 2017). Shaban, Omar, Mo'en Rajeb & Nabil Abu Meileq. "Gaza Reconstruction: Gaza Reconstruction Projects: Advances and Shortcomings." Palestine Economic Policy Research Institute. Final Report. Round Table Discussion 8 (August 2013). The World Bank. "Reconstructing Gaza: Donor Pledges." 13/3/2018, at: https://bit.ly/2Y91HBe United Nations Development Programme (UNDP), Programme of Assistance to the Palestinian People (PAPP). One Year After: Gaza Early Recovery and Needs Assessment. Jerusalem: UNDP, 2010. Zanotti, Jim. "US Foreign Aid to the Palestinians." Congressional Research Service. CRS Report for Congress (June 2012). at: https://bit.ly/34BTIiZ