تجاه غزة سياسة إسرائيل

Mahmoud Muhareb محمود محارب |

الملخّص

تتناول هذه الدراسة سياسة إسرائيل تجاه قطاع غزة منذ أن طرح رئيس الحكومة الإسرائيلية أريئيل شارون خطة فك الارتباط من جانب واحد في عام 2003 حتى اليوم 2020. وتقف على دوافع شارون وأهدافه من وراء طرح خطته التي قامت إسرائيل وفقها بالانسحاب من داخل قطاع غزة، واستمرت في السيطرة عليه، والتحكم فيه برًّا وبحرًا وجوًّا من خ لاا غلافه الخارجي. وتتابع الدراسة سياسة إسرائيل تجاه سلطة حماس في القطاع منذ سيطرتها عليه في عام 2007، وتقف على دوافع الحصار الشامل الذي فرضته إسرائيل عليه، وعلى عمق الأزمة الإنسانية التي سببها الحصار الإسرائيلي، وعلى سياسة إسرائيل تجاه مسألة إعادة إعمار قطاع غزة، وعلى رؤية إسرائيل لمسألة التسوية بينها وبين سلطة "حماس" في القطاع. كلمات مفتاحية: إسرائيل، غزة، حماس. This study deals with Israel's policy towards the Gaza Strip since Israeli Prime Minister Ariel Sharon proposed the unilateral disengagement plan in 2003. It examines Sharon's motives and goals in presenting the plan, under which Israel withdrew from positions inside the Gaza Strip to maintain control of its surroundings via land, sea and air. The study delves into Israel's policy towards the authority Hamas has wielded in the Gaza Strip since the latter's takeover of power there in 2007, examining the motives of the siege imposed by Israel on the Strip, the depth of the humanitarian crisis caused by the blockade, Israeli policy towards reconstruction, and Israel's vision of a settlement with Hamas' Gaza authority. Keywords: Israel, Gaza, Hamas.

Israeli Policy in Gaza

مقدمة

اشتقت إسرائيل سياستها تجاه قطاع غزة من مجمل استراتيجيتها تجاه القضية الفلسطينية. وقد طرح رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق أريئيل شارون خطته لفك الارتباط من جانب واحد1 خلال مؤتمر هرتسيليا، عام 2003، في سياق استراتيجيته التي هدفت إلى إلغاء الاتفاقات السابقة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكسر إرادة الشعب العربي الفلسطيني، ووقف انتفاضته، وتعزيز المشروع الاستيطاني الكولونيالي اليهودي في الضفة الفلسطينية المحتلة لتهويد أوسع مساحة فيها، تمهيدًا لضمها إلى إسرائيل. في 24 حزيران/ يونيو 2002، طرح الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، في خطاب له، رؤيته لحل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، وعبّ عن تأييده لقيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل تعيش معها بسلام. وانطلاقًا من رؤيته هذه، بلورت اللجنة الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، "خارطة الطريق"، من أجل إيجاد حل للقضية الفلسطينية، ودعت فيها لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2002 عرضت الإدارة الأميركية، بصورة غير رسمية، خطة خارطة الطريق على القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية، وقد قبلت القيادة الفلسطينية بها من دون تحفظ، أما الحكومة الإسرائيلية فقبلتها من حيث المبدأ، بيد أنها طالبت بإحداث أكثر من مئة تعديل فيها، جرى تصنيفها في 14 تحفظًا على الخارطة بهدف نسفها. وفي سياق سعيه لنسف خارطة الطريق طرح شارون "خطة فك الارتباط من جانب واحد"2. وعلى إثر ذلك، جرت اتصالات مكثفة بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية بشأن الخطة، وبدلً من أن تتمسك الإدارة الأميركية بخارطة الطريق، فإنها قبلت بخطة شارون لفك الارتباط من جانب واحد التي هدفت إلى تجميد خارطة الطريق، ثم نسفها. استجاب الرئيس بوش، في رسالة الضمانات التي أرسلها إلى شارون على شكل بيان رئاسي، لمعظم المطالب الإسرائيلية، وتبنى خطة فك الارتباط، ووضعها على رأس الأجندة السياسية، وجعلها عمليًّا الخطة الوحيدة القائمة في الساحة، والمطروحة على جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية للتعاطي معها. أثرت في شارون عدة عوامل لطرح خطته لانسحاب إسرائيل من داخل قطاع غزة، واستمرار سيطرتها عليه، والتحكم فيه برًّا وبحرًا وجوًّا من خلال غلافه الخارجي، وأهمها: سعيه لتجميد وإفشال خارطة الطريق التي تبنتها اللجنة الرباعية لحل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، وخشيته من إمكانية أن يقوم المجتمع الدولي بالسعي لفرض حل على إسرائيل مثل "خارطة الطريق"، أو المبادرة العربية، أو مبادرة أخرى. اعتقاده أن انسحاب إسرائيل من داخل قطاع غزة يخرج القطاع من المعادلة الديموغرافية في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، ويخفف من وطأة ما يعرف صهيونيًّا بخطر المسألة الديموغرافية على إسرائيل. تحييد الضغط الدولي على إسرائيل، وإتاحة المجال لها لتعزيز الاستيطان اليهودي في الضفة الفلسطينية المحتلة. فقد اعتبر شارون وغالبية قادة إسرائيل أن الصراع الأساسي الإقليمي مع الشعب الفلسطيني يدور على أرض الضفة الفلسطينية المحتلة، وأن تفكيك الاحتلال والاستيطان من داخل قطاع غزة، الذي تبلغ مساحته 365 كيلومترًا مربعًا، والسيطرة عليه والتحكم فيه من خارجه، كان بمنزلة "الطعم" الذي يقدمه إلى المجتمع الدولي، لمنح إسرائيل فرصة لتعزيز مشروعها الاستيطاني في الضفة الفلسطينية المحتلة، وزيادته في أكبر مساحة ممكنة، تمهيدًا لضمها في المستقبل إلى إسرائيل. فشل إسرائيل في كسر إرادة الشعب الفلسطيني، واستمرار الانتفاضة الفلسطينية، وما تلحقه بإسرائيل من أضرار. كشف مهندس خطة فك الارتباط، دوف فايسغلاس، مدير مكتب شارون، عن الدوافع الكامنة وراء طرح شارون خطته والأهداف المرجوة منها، فأكد أن هدفها هو التصدي للخطط السياسية المطروحة، وتجميدها، وإفشالها، ووقْف ما أطلق عليه التنازلات الإسرائيلية، وطرْح أن "الإرهاب" يشكل القضية المركزية، وأنه لا يوجد شريك فلسطيني للتفاوض معه، مشبهًا الخطة بزجاجة الفورملين "التي ندخل فيها رؤية الرئيس بوش كي تتجمد فترة طويلة جدًّا"3. ساهمت مجموعة من العوامل في تمكين شارون من تجميد خارطة الطريق، واستبدالها بخطة فك الارتباط من جانب واحد وأهمها: علاقة إسرائيل المتينة بالولايات المتحدة الأميركية، ودعمها للخطة.

  1. للمزيد عن خطة فك الارتباط من جانب واحد وخلفياتها، ينظر: رفيف دروكر وعوفر كيد مرتد: فشل القيادة في الانتفاضة الثانية شيلح، (تل أبيب: كيتر،)2005، ص 394-351 (بالعبرية).
  2. خطاب شارون في مؤتمر هرتسليا"، 2 هآرتس، 2003/12/19، شوهد في 2020/7/29، في: (https://bit.ly/2BCL7Av بالعبرية.)
  3. آري شبيط، "باسم قائده"، 3 هآرتس، 2004/10/7، شوهد في 2020/7/29، في: (https://bit.ly/3f4KFbT بالعبرية.)

فقدان الإرادة الدولية لإرغام إسرائيل على قبول خارطة الطريق. ضعف الدول العربية وخضوعها للأجندة الأميركية. عدم وجود معارضة إسرائيلية لشارون خارج حزبه للخطة. دعم معظم المجتمع الإسرائيلي لهذه الخطة. عدم وجود استراتيجية فلسطينية موحدة تتفق على الهدف، وعلى وسائل النضال لتحقيقه. في حزيران/ يونيو 2004، أقرت حكومة شارون خطة فك الارتباط من جانب واحد4، وفي آب/ أغسطس 2005 تمكن من تنفيذها، وانسحبت إسرائيل من داخل قطاع غزة.

أولا: فرض الحصار على قطاع غزة

فازت حركة المقاومة الإسلامية "ح ساا" في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في كانون الثاني/ يناير 2006، وشكلت حكومة فلسطينية برئاسة إسماعيل هنية، لكنها تعرضت لضغوط من اللجنة الرباعية وإسرائيل فور تشكيلها، وطالبتها الاعتراف بالاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، والاع اررف بإسرائيل، ونبذ "الإرهاب"، لكن هذه الحكومة رفضت هذه الشروط. في حزيران/ يونيو 2006، قامت مجموعة عسكرية تابعة لحركة حماس بعملية عسكرية ضد الجيش الإسرائيلي من أحد الأنفاق على حدود غزة، أسفرت عن أسر جندي إسرائيلي وقتلٍ وجرحٍ لأعداد أخرى من الجنود الإسرائيليين. وعلى إثر هذه العملية، فرضت إسرائيل حصارًا جزئيًّا على قطاع غزة. بعد سيطرة حماس على قطاع غزة في حزيران/ يونيو 2007، أصدرت الحكومة الإسرائيلية قرارًا عدّت فيه قطاع غزة كيانًا معاديًا، وفرضت عليه حصارًا شاملً محكمً، وعزلته كليًّا عن العالم، وشرعت في شن حرب اقتصادية ضده. شمل الحصار الإسرائيلي على غزة منع تصدير البضائع إليها واستيرادها منها، إلا البضائع التي تسمح بها إسرائيل. وحددت إسرائيل، بشكل مشدد جدًّا، نوعية وكمية البضائع المدنية التي لا تسمح باستيرادها إلى قطاع غزة، وشمل ذلك الكثير من البضائع، لا سيما تلك التي قد يكون لها استعمال مزدوج مدني وعسكري. وتشمل هذه المواد التي تعرفها إسرائيل بأن لها استعمالً مزدوجًا قائمة طويلة جدًّا من السلع، وهي أكبر بكثير من المواد ذات الاستخدام المزدوج المعترف بها دوليًّا. وتشمل هذه القائمة الأجهزة المدنية، وقطع الغيار، والمواد الكيماوية، والمعدات الطبية، ومعدات الاتصالات السلكية واللاسلكية، والمعادن، والإسمنت، وأنابيب الصلب، وآلات الطحن، والمعدات البصرية... إلخ. ومنعت إسرائيل سكان غزة من الخروج والدخول إلى قطاع غزة إلا في الحالات النادرة. ومنذ عام 2007 حتى اليوم، ما زالت إسرائيل تفرض حصارًا على قطاع غزة، وتشن عليه حربًا اقتصادية وتسمح بإدخال المواد إلى قطاع غزة من إسرائيل التي تبقي سكانه على قيد الحياة، ولكنها في الوقت نفسه تبقي غالبيتهم العظمى في فقر وعلى حافة المجاعة. وكجزء من الحصار ومن حربها الاقتصادية ضد قطاع غزة، قلّصت إسرائيل المجال المسموح فيه بالصيد البحري في شاطئ قطاع غزة. وخلافًا لاتفاقيات أوسلو التي سمحت للفلسطينيين بالصيد بعمق 20 ميلً بحريًّا (ما يعادل 37 كيلومترًا تقريبًا)، فإن إسرائيل لم تسمح للفلسطينيين بالصيد في عمق يتجاوز 12 ميلً بحريًّا. وبعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في 2007، قلصت إسرائيل هذا المجال أكثر فأكثر، وجعلته في كثير من الأحيان بعمق 3 أميال بحرية فقط، ثم زادته بعد الضغط الدولي. وإثر مفاوضاتها غير المباشرة مع سلطة حماس في عام 2018، جعلته ما بين 6 و 9 أميال بحرية. بيد أن ذلك لم يبقَ ثابتًا، فكثيرًا ما قلصت إسرائيل مجال الصيد إلى 3 أميال بحرية "عقابًا" لسلطة حماس، سواء كان ذلك في أعقاب إطلاق نار من قطاع غزة ضد أهداف في إسرائيل أو إطلاق بالونات حارقة في اتجاه إسرائيل. إلى جانب ذلك، قلصت إسرائيل مساحة الأراضي في قطاع غزة المحاذية لحدود إسرائيل مع القطاع، المسموح للفلسطينيين في قطاع غزة استغلالها، فقد أقامت إسرائيل بقوة السلاح "حزامًا أمنيًّا" يمتد ما بين عشرات الأمتار إلى نحو 200 متر، على طول الشريط الحدودي الشرقي بين إسرائيل والقطاع، الذي يبلغ طوله نحو 65 كيلومترًا، ولم تعلن عنه رسميًّا، ولم توضح بدقة ما عمقه، لكنها منعت الفلسطينيين من دخوله. قتل الجيش الإسرائيلي، خلال الحصار في الفترة 2020-2006، عشرات الفلسطينيين الذين حاولوا زراعة أراضيهم الواقعة في هذا الحزام، وقام بتجريف الأشجار والمزروعات في هذا الحزام، ورش المبيدات على المزروعات في هذا "الحزام الأمني" لإبقاء أراضيه جرداء؛ ما أدى إلى حرمان الفلسطينيين من استغلال أراضيهم الواقعة داخل هذا الحزام5.

  1. مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، خطة فك الارتباط المعدلة، قرار الحكومة رقم 1996، 2004/6/6، شوهد في 2020/7/29، في: https://bit.ly/30TMAeA (بالعبرية.)
  2. قطاع غزة"، مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسيلم)، 2017/11/11، شوهد في 2020/7/29، في: https://bit.ly/2EoU29H؛ عميرا هس، "إسرائيل هآرتس تبيد النباتات في حدود غزة لأسباب أمنية ومزارعو غزة هم المتضررون"،، 2018/7/55، شوهد في 2020/7/29، في: https://bit.ly/3hPWrJb (بالعبرية.)

ثانيًا: الأولوية الإسرائيلية العليا: الحفاظ على الانقسام

منذ سيطرة حماس على غزة في حزيران/ يونيو 2007، كان أمام إسرائيل عدة خيارات فيما يخص سياستها تجاه القطاع، هي: العمل على الحفاظ على الانقسام الفلسطيني - الفلسطيني بين سلطتَي حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" وحماس في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة. القضاء على سلطة حماس في قطاع غزة. العمل على إضعاف سلطة حماس في قطاع غزة. الاعتراف عمليًّا، ولكن ليس رسميًّا، بسلطة حماس في قطاع غزة، والتعامل معها عمليًّا كسلطة مسؤولة عن قطاع غزة.

اعتبرت إسرائيل أن الانقسام الفلسطيني السياسي والجغرافي، بين سلطتَي فتح وحماس في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، يشكل منعطفًا تاريخيًّا مهمًّ في القضية الفلسطينية، ويدشن مرحلة جديدة، في صراع إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية، ورأت أن هذا الانقسام يخدمها كثيرًا في تحقيق أهدافها، ويلحق الأذى الشديد بالشعب الفلسطيني وبحركته الوطنية. وتمشيًا مع موقفها في الحفاظ على الانقسام منذ حدوثه وحتى اليوم، ورغم شنها ثلاث حروب كبيرة ضد قطاع غزة، فإن إسرائيل لم تتخذ قرارًا باحتلال قطاع غزة ولا بالقضاء على سلطة حماس فيه. فاحتلال إسرائيل لقطاع غزة وقضاؤها على سلطة حماس في القطاع يقودان إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني، وهو ما يتناقض مع موقفها الأساس الثابت في الحفاظ على الانقسام أطول فترة ممكنة قد تمتد إلى عقود طويلة. وقد اختارت إسرائيل العمل على إضعاف سلطة حماس في قطاع غزة والضغط عليها اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، وفي الوقت نفسه قبلت إسرائيل عمليًّا، ولكن ليس رسميًّا، ببقاء سلطة حماس في قطاع غزة، وتعاملت معها على أنها السلطة المسؤولة عما يجري فيه6. وإلى جانب سياستها الثابتة في الحفاظ على الانقسام الفلسطيني أطول فترة ممكنة، بلورت إسرائيل سياستها تجاه سلطة حماس في قطاع غزة، وحددتها كالتالي7: الحصول على تهدئة واستقرار أمني أطول فترة ممكنة. الحفاظ على سياسة الردع الإسرائيلي تجاه غزة، والبقاء على استعداد دائم للقيام باعتداءات عليها للحفاظ على الردع. إبقاء الحصار على قطاع غزة أطول فترة ممكنة، والسماح بإدخال المواد المدنية إلى قطاع غزة، وأساسًا الاستهلاكية، بما يمنع تدهور الوضع الإنساني. وفي الوقت نفسه يقود ذلك إلى القضاء على بنيته الاقتصادية وجعل قطاع غزة يعتمد أساسًا على استيراد معظم ما يستهلكه من إسرائيل. السعي رويدًا لوضع حد لمسؤولية إسرائيل عن قطاع غزة، وإنهاء صفة الدولة المحتلة لإسرائيل عنه. إشراك مصر كوسيط بين إسرائيل وسلطة حماس في قطاع غزة، لتؤدي دورًا بتسهيل تحقيق الأهداف الإسرائيلية، ولا سيما فيما يخص مسألة التزام سلطة حماس في القطاع بالتهدئة، ووقف تهريب السلاح من سيناء إلى قطاع غزة. إدخال أطراف عربية وإقليمية ودولية، خاصة قطر والأمم المتحدة، للقيام بدور مالي من أجل منع حدوث كارثة إنسانية حادة8. تدمير اقتصاد قطاع غزة وبنيته التحتية بمنع إدخال مواد الخام والمواد الضرورية إليه، لتطوير اقتصاده وصناعاته. استمرار احتكار إسرائيل لسوق قطاع غزة. فإلى جانب الحصار الشامل الذي فرضته على القطاع منذ عام 2007، أنشأت

  1. أودي ديكل، "سياسة إسرائيل تجاه قطاع غزة"، في: عنات كورتس [وآخرون] (تحرير)، أزمة قطاع غزة: جواب للتحدي (تل أبيب: معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب،)2018 (بالعبرية.)
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه.

إسرائيل منظومة من القيود التي تخنق وتمنع تطور الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، وتعرقل الاستثمار والتجارة فيهما، وتضخم تكاليف التجارة مع العالم. فالفلسطينيون في المناطق المحتلة عام 1967 يدفعون ثلاثة أضعاف التكلفة التي يدفعها المستوردون الإسرائيليون، بينما يدفع المصدرون الفلسطينيون ضعفَي التكلفة التي يدفعها المصدرون الإسرائيليون9. وقد   أدت منظومة القيود المتنوعة التي فرضتها إسرائيل على الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، بما في ذلك الحصار الذي فرضته على قطاع غزة منذ عام 2007، إلى احتكار إسرائيل للسوق الفلسطيني. فبين العامين 1972 و 2017، احتلت إسرائيل 81 في المئة من إجمالي الواردات الفلسطينية، واستوعبت 79 في المئة من الصادرات الفلسطينية؛ أي إن إسرائيل تمكنت فعليًّا، خلال العقود المنصرمة، من عزل اقتصاد الضفة الفلسطينية وقطاع غزة عن الاقتصاد العالمي، وربطته مباشرة بالاقتصاد الإسرائيلي في علاقات غير متكافئة إطلاقًا. فقد حرمت منظومة القيود الإسرائيلية الاقتصاد الفلسطيني من الأسواق العالمية التنافسية للأسواق الإسرائيلية، وفرضت عليه التجارة مع الاقتصاد الإسرائيلي بتكلفة باهظة للمنتجين والمستهلكين الفلسطينيين. وتهيمن على الواردات الفلسطينية من إسرائيل السلع الإسرائيلية التي لا تتمتع بأي ميزة، والتي يمكن شراؤها من الأسواق الأخرى بتكلفة أقل وبجودة عالية. ويمكن قياس عمق احتكار إسرائيل للسوق الفلسطيني وعمق القيود التي تفرضها إسرائيل على الاقتصاد الفلسطيني إذا علمنا أن إسرائيل تصدر إلى الضفة الفلسطينية وقطاع غزة في الأعوام الأخيرة بقدر مجموع ما تصدره إلى كل من تركيا واليونان وقبرص ومصر والأردن10. ساهمت عدة عوامل في تمكين إسرائيل من تحقيق سياستها العدوانية تجاه قطاع غزة وسلطة حماس فيه، وأبرزها:

رجحان ميزان القوى بين إسرائيل وغزة بشكل سافر لصالح إسرائيل.

العلاقة الاستراتيجية المتينة بين إسرائيل والولايات المتحدة، والدعم الكبير جدًّا الذي تحصل عليه في سياستها العدوانية تجاه غزة. فقدان المجتمع الدولي الإرادة السياسية لِلَجم العدوانية الإسرائيلية. عداء عدة أنظمة عربية لحماس والمقاومة الفلسطينية، وتواطؤ بعضها مع إسرائيل ضد قطاع غزة. فقدان قادة الدول العربية الإرادة السياسية للتصدي للعدوانية الإسرائيلية، وانشغالهم بصراعاتهم الداخلية البينية. الانقسام الفلسطيني - الفلسطيني الذي ينهش بالمناعة الوطنية الفلسطينية، ويلحق أشد الضرر بالقضية الفلسطينية، ويعرقل تبني استراتيجية فلسطينية موحدة لمقاومة الاحتلال والاستيطان وتحقيق الحقوق القومية للشعب الفلسطيني. ألحق الحصار ضررًا جسيمً جدًّا باقتصاد قطاع غزة، وأضعف صناعاته، وتسبب بظهور تجارة الأنفاق بين غزة وسيناء وازدهارها؛ ما مكّن حماس من الحصول على دخل من اقتصاد الأنفاق، والصرف منه على كوادرها السياسية والعسكرية. استمرّ الحصار الإسرائيلي المشدد على غزة، رغم ازدياد حملة التضامن الدولي مع القطاع من أجل فك الحصار، مما شكل ضغطًا على إسرائيل من أجل تخفيفه، وعقب الاعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرية المتجه إلى غزة، في المياه الدولية، في أيار/ مايو 2010، وقتله تسعة مواطنين أتراك على متن سفينة مرمرة، اضطرت إسرائيل إلى تخفيف الحصار قليلً، فيما يخص مواد الغذاء الاستهلاكية11.

ثًالث ا: حروب إسرائيل على غزة

لم تكتفِ إسرائيل بالحصار الذي فرضته على قطاع غزة، بل شنت عليه ثلاثة حروب متتالية12، في أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2008 وكانون الثاني/ يناير 2009، وأطلقت عليه "الرصاص المصبوب"، واستمر 22 يومًا، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، وأطلقت عليه "عامود السحاب" واستمر ثمانية أيام، وفي تموز/ يوليو 2014، وأطلقت عليه "الجرف الصامد" واستمر 50 يومًا، وأسفرت هذه الحروب عن قتل آلاف المدنيين الفلسطينيين، وجرح عشرات الآلاف منهم، وتدمير آلاف البيوت، والبنية التحتية الاقتصادية في قطاع غزة، مما فاقم الأزمة الإنسانية في القطاع. جاءت هذه الحروب العدوانية الثلاث ضد قطاع غزة في سياق الاستراتيجية الإسرائيلية لاستعادة الردع ضد حماس في قطاع غزة، وتدفيعها ثمنًا باهظًا جدًّا في الأرواح والممتلكات، والبنية التحتية

  1. الأمم المتحدة، مجلس التجارة والتنمية، 9 مساعدة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) للشعب الفلسطيني، الجلسة الخامسة والستون، الجزء الثاني، 2018/10/4-1، ترجمة وإعداد مركز الدراسات السياسية والتنموية (تشرين الأول// أكتوبر)2018، شوهد في 2020/7/29، في https://bit.ly/309T8Gs:
  2. المرجع نفسه.
  3. محمود محارب، "العلاقات الإسرائيلية - التركية في ضوء رفض إسرائيل الاعتذار"، تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (تشرين الثاني/ نوفمبر)2012، شوهد في 2020/7/29، في https://bit.ly/2XmNRKf:
  4. للمزيد عن هذه الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة، ينظر: محمود محارب، سياسات عربية، العدد "الحرب الإسرائيلية على غزة"، 10 (أيلول/ سبتمبر)2014، ص 15-6؛ "العدوان الإسرائيلي على غزة يفشل في تحقيق أهدافه"، تقدير موقف، وحدة الدراسات السياسية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012/11/22، شوهد في 2020/7/29، فh يttps://bit.ly/2El08YH:

الاقتصادية، والمرافق العامة في قطاع غزة، وبات استهداف المدنيين وارتكاب المجازر في حقهم، واستهداف البنى التحتية الاقتصادية والمرافق العامة المدنية، جزءًا أساسيًّا مهمًّ في العقيدة العسكرية الإسرائيلية ضد حركات المقاومة، لا سيما في قطاع غزة13. بدا واضحًا للسياسيين والعسكريين في إسرائيل أنهم لن يستطيعوا تحقيق أهداف الحرب من دون ارتكاب المجازر المتواصلة في حق الفلسطينيين، وتدمير بناهم التحتية الاقتصادية المدنية والمرافق العامة، ورغم إدراكهم أن ارتكاب جيشهم للمجازر المتتالية في حق الفلسطينيين يخالف المواثيق الدولية، وقد يعرضهم للملاحقة القانونية الدولية، وأنه يلحق ضررًا سياسيًّا وأخلاقيًّا بإسرائيل على الصعيد الدولي، فإنهم أصروا على ارتكاب هذه المجازر كوسيلة لحسم الحرب، وكسر إرادة قادة المقاومة وكوادرها وجمهورها15.

رابعًا: تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة

ازداد وضع قطاع غزة سوءًا بعد الانقلاب العسكري ضد الرئيس المصري محمد مرسي في منتصف 2013. فقد فرضت السلطة الجديدة في مصر قيودًا مشددة على دخول المواد من معبر رفح، وأغلقته أمام البضائع والبشر فترات طويلة، ودمرت الأنفاق بين قطاع غزة وسيناء، مما قضى على اقتصاد الأنفاق الذي أتاح لغزة التحرر قليلً من الحصار الإسرائيلي. أسفرت حرب 2014 على غزة عن تفاهمات تلزم إسرائيل بإحداث بعض التسهيلات لتخفيف حصارها عن قطاع غزة، والسماح بتصدير بضائع منه إلى الضفة الفلسطينية المحتلة، ثم جرت مفاوضات محلية وإقليمية ودولية لإعادة إعمار القطاع، وعقد في هذا السياق اتفاق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية على إقامة "آلية لإعادة إعمار قطاع غزة. The Gaza Reconstruction Mechanism, GRM وقد مكنت هذه الآلية إسرائيل من السيطرة سيطرةً كاملة على وتيرة إدخال مواد البناء إلى قطاع غزة، ومنحتها صلاحية الإشراف على هذه الآلية، ورفض أي مشروع بناء في قطاع غزة لا تقبله، مما أدى إلى عرقلة عملية إعادة الإعمار، وإبطائها بشكل كبير جدًّا16. استعملت إسرائيل الحصار، وقضية إعادة إعمار قطاع غزة كوسيلة ضغط على حماس من أجل تطويعها، وفرض شروط العلاقة بينهما. وفي هذا السياق، وسعت إسرائيل في أواخر 2015 قائمة المواد ذات الاستعمال المزدوج المحظور إدخالها إلى قطاع غزة. وفي عام 2016، فرض منسق نشاطات الحكومة الإسرائيلية في المناطق المحتلة عقوبة بقيمة 300 ألف دولار على كل محاولة تقوم بها مؤسسات في قطاع غزة لاستيراد مواد ذات استعمال المزدوج من دون الحصول على تصريح خطيّ مسبق من إسرائيل17. مع استمرار الحصار على قطاع غزة، ومواصلة إسرائيل عرقلة إعادة إعماره، وفي ضوء تفاقم الوضع الإنساني، لجأت حماس إلى عدة وسائل للضغط على إسرائيل، من أجل إنهاء الحصار، أو تخفيفه، وإعادة إعمار قطاع غزة، من بينها قصف مستوطنات إسرائيلية في محيط القطاع، بوتيرة منخفضة بين الفينة والأخرى، للضغط على إسرائيل، من دون التسبب بحرب شاملة بينهما. وكذلك، حرصت إسرائيل على ألا تقود اعتداءاتها على قطاع غزة إلى حرب شاملة مع حماس. وقد سعت إسرائيل إلى انتزاع بعض عناصر المفاجأة من حركات المقاومة في قطاع غزة في ما يخص عملياتها ضد الجيش الإسرائيلي من الأنفاق. ففي حزيران/ يونيو 2016، قررت الحكومة الإسرائيلية بناء جدار من الإسمنت المسلح بعمق عشرات الأمتار في باطن الأرض ضد الأنفاق على طول حدود إسرائيل مع قطاع غزة الممتدة 65 كيلومترًا، وتزويد الجدار بمنظومات إنذار18. وفي صيف 2017، بدأت إسرائيل

  1. ميخائيل ميلشطاين، 13 مقاومة: صعود تحدي المقاومة وتأثيره في مفهوم أمن إسرائيل (تل أبيب: معهد أبحاث الأمن القومي،)2010 (بالعبرية)؛ يجيل ليفي، من جيش الشعب إلى جيش الأطراف (القدس: كرمل،)2007 (بالعبرية.)
  2. بندتا بيرتي وإليزابيت تسوركوف، "أمن بشري وتوجهات إنسانية في غزة: نظرة إلى العقد الأخير"، في: كورتس [وآخرون] (تحرير) (بالعبرية.) 16 المرجع نفسه.
  3. 14 محارب، "الحرب الإسرائيلية على غزة."
  4. ناحوم بارنياع، "الحل للأنفاق: جدار بطون فوق الأرض وتحتها"، 17 يديعوت أحرونوت، 2016/6/16، شوهد في 2020/7/29، في: https://bit.ly/3jLhEWx (بالعبرية.)

في بناء الجدار تحت الأرض الذي قدرت تكلفته بأكثر من مليار دولار، كما طورت تكنولوجيا لكشف الأنفاق العميقة، وتدمير العديد من الأنفاق التي تلامس، أو تخترق، حدود قطاع غزة مع إسرائيل19، وفي عام 2018 بنَت جدارًا في البحر على حدودها مع قطاع غزة، بعضه تحت الأرض، وبعضه فوقها، لإحكام الحصار على الفلسطينيين في غزة، ومنعهم من مفاجأتها بدخولهم إليها20.

خامسًا: إعادة إعمار قطاع غزة

احتل الحديث الإسرائيلي في الأعوام الأخيرة عن إعادة إعمار قطاع غزة مساحة واسعة في وسائل الاعلام الإسرائيلية، وفي تصريحات العديد من قادة إسرائيل، لكن الإعمار نفسه لا يزال بطيئًا على أرض الواقع بسبب العراقيل التي ما زالت إسرائيل تصر على وضعها أمامه. أكد الباحثان أودي ديكل وعنات كورتس أن قطاع غزة بات على شفا كارثة إنسانية بسبب الحصار المستمر، مما قد يدفع سلطة حماس في قطاع غزة إلى المبادرة إلى إطلاق النار على غلاف قطاع غزة للضغط على إسرائيل لتغيير سياستها تجاه قطاع غزة، وفك الحصار عنه أو تخفيفه. واستخلصا أنه ينبغي أن تعترف إسرائيل بفشل سياستها تجاه قطاع غزة التي افترضت أن حصاره، ووضع المزيد من الصعوبات على ظروف معيشة سكانه، سيقودهم إلى الضغط على سلطة حماس للاستجابة للشروط الإسرائيلية لفك الحصار عن قطاع غزة؛ ومن ثمّ، فإن هذه السياسة الإسرائيلية لم تحقق هدفها، بل أدت إلى نقيض ما تريده إسرائيل من الحصار21. وقد تزايدت المطالبات الإسرائيلية بتغيير سياستها تجاه قطاع غزة، ومنح الأولوية لإعادة إعماره، مع ضرورة توفر عدة شروط، هي: تهدئة أمنية طويلة الأمد بين إسرائيل وقطاع غزة. وقف تعزيز قوة حماس العسكرية. تجنيد المجتمع الدولي لإعادة الإعمار. تعاون السلطة الفلسطينية ومصر في عملية الإعمار. لاحظ ديكل وكورتس أن الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة قد ضعف في أعقاب كل جولة من جولات الحروب الثلاث التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، وأن هذه الحروب لم تضعف سلطة حماس في قطاع غزة، بل باتت العنوان الوحيد لما يجري في قطاع غزة، وأن إسرائيل ازداد استعدادها في أعقاب كل حرب للتوصل إلى تسويات واتفاقات معها بوساطة طرف ثالث، خاصة مصر، مما يتطلب تليين سياسة إسرائيل تجاه غزة، وتقديم مبادرات مدروسة لإعادة إعمار قطاع غزة، شريطة أن تلتزم سلطة حماس بتهدئة أمنية طويلة الأمد، وأن تلتزم بوقف جهودها لتعزيز قوتها العسكرية، أما إسرائيل فعليها التنازل عن طلبها نزع السلاح من سلطة حماس في قطاع غزة، والاكتفاء بوقف جهودها لتعزيز قوتها العسكرية.

سادسًا: مركبات إعادة الإعمار

من المهم استعراض أهم ما جاء في رؤية ديكل وكورتس لمشروع إعادة إعمار قطاع غزة؛ لكونها تشمل القضايا المركزية، وتشكل القاسم المشترك الذي يطرحه قادة إسرائيليون. ميّز ديكل وكورتس بين الأهداف الآنية المستعجلة وبين الأهداف البعيدة المدى. وشملت الأهداف الآنية المستعجلة الآتي: 1. ضرورة إجراء تسهيلات في المعابر وتوسيع فتح معابر قطاع غزة لمرور البضائع والناس من قطاع غزة وإليه تحت إشراف كل من السلطة الفلسطينية ومصر وممثلين دوليين، وتحت المراقبة الأمنية الإسرائيلية الصارمة. في مقابل ذلك، تلتزم سلطة حماس بإغلاق الأنفاق وبعدم استعمالها. 2. تسمح إسرائيل بتصدير بضائع من قطاع غزة إلى الضفة الفلسطينية، وكذلك إلى العالم عن طريق ميناء أشدود الإسرائيلي. 3. تسمح إسرائيل بدخول عمال من قطاع غزة للعمل في إسرائيل في المنطقة القريبة من غلاف قطاع غزة، وتقوم إسرائيل بإنشاء مناطق صناعية بالقرب من

  1. عاموس هارئيل، "تدمير الأنفاق في الجنوب: الجيش الإسرائيلي يلغي تدريجيًّا ح ساا الاستراتيجي"، هآرتس ذخر،، شوهد 2017/12/10 في 2020/7/29 في،: (https://bit.ly/3g8PTF7 بالعبرية.)
  2. يوآف زيتوني، "ثلاث طبقات: بدأت إقامة العائق البحري على حدود غزة"، 19 يديعوت أحرونوت، 2018/5/27، شوهد في 2020/7/29، في: https://bit.ly/2P4pfRN (بالعبرية.)
  3. أودي ديكل وعنات كورتس، "إعادة إعمار قطاع غزة ضرورة ملحّة"، في: كورتس][وآخرون (تحرير) (بالعبرية.)

حدود قطاع غزة. وأكدا أن سماح إسرائيل بدخول عمال قطاع غزة إلى إسرائيل سيشكل عاملً مهدئًا وضاغطًا على سلطة حماس، وأكدا كذلك ضرورةَ توسيع منطقة الصيد في شاطئ بحر غزة والمباشرة في ترميم المجال الزراعي في القطاع. في ما يخص الوضع الصحي في قطاع غزة، شملت الأهداف الآنية ما يلي: 1. منح أولوية عليا لتزويد المستشفيات والعيادات في قطاع غزة بالكهرباء والماء، إلى أن تتم إعادة بناء البنية التحتية لشبكتَي الكهرباء والماء في قطاع غزة. 2. منح تسهيلات بشأن خروج المرضى من غزة إلى إسرائيل؛ فهذا مربح للمستشفيات الإسرائيلية. وفي ما يخص الطاقة، فإن الأهداف الآنية شملت زيادة تزويد قطاع غزة بالكهرباء من إسرائيل، وأن تدفع السلطة الفلسطينية وأطراف دولية ثمن الكهرباء. أما في ما يخص الأهداف الآنية بخصوص الماء فقد دَعَوَا أولً، وقبل كل شيء، إلى معالجة مشكلة المياه العادمة التي باتت تهدد الصحة العامة في القطاع، وتزويد السكان بمياه صالحة للشرب، وهذا لا يمكن أن يتم إلا عند توفير الكهرباء لقطاع غزة بشكل دائم. وفي ما يخص التربية والتعليم، أكدا ضرورة تأمين وصول الكهرباء إلى المدارس بشكل منتظم. أما في ما يخص الأهداف البعيدة المدى، فقد أكدا ضرورةَ إقامة بنية تحتية للكهرباء والماء، في قطاع غزة، تتجاوب مع احتياجات القطاع الحالية واحتياجاته في الأعوام القادمة؛ وفق تقديرات زيادة السكان، وما تقتضيه من زيادة الاحتياجات إلى الكهرباء والماء. وأكدا ضرورة إكمال البنية التحتية لتزويد قطاع غزة بالغاز وضرورة الشروع في إقامة منشأة لتحلية مياه البحر لصالح سكان قطاع غزة، واقترحا فحص إمكانية إقامة هذه المنشأة في شمال سيناء بمصر، بالقرب من حدود قطاع غزة، لتشجيع مصر في المشاركة في مشروع الترميم وفق الشروط الإسرائيلية. ودَعَوَا إلى إقامة صندوق دولي لتقديم القروض والمنح للمشاريع الصغيرة والمتوسطة في قطاع غزة، وإلى تشجيع شركات دولية لإقامة مصانع في قطاع غزة للصناعات التقليدية والصناعات الدقيقة، لتوفير أماكن عمل وتقليص البطالة وخلق قاعدة اقتصادية في القطاع؛ ما يساهم في تطويره، وفي تعزيز التهدئة الأمنية أيضًا. وشددا على ضرورة إقامة سكة حديد للقطارات بين ميناء أشدود الإسرائيلي وقطاع غزة لنقل البضائع من قطاع غزة وإليه. وفي موازاة ذلك، تقام جزيرة مقابل ساحل غزة لتشكل منفذًا لغزة إلى العالم الخارجي، ويبنى فيها ميناء، وربما أيضًا مدرج تحطُّ فيه الطائرات وتُقلع منه. إضافةً إلى ذلك، تشرف قوة دولية على الجزيرة الصناعية والميناء وتراقب بدقة دخول وخروج البضاعة والناس من الجزيرة الصناعية وإليها. ودعوَا، كذلك، إلى منح الشركة البريطانية للغاز رخصة لتطوير حقل الغاز الفلسطيني المقابل لقطاع غزة، بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية22.

سابعًا: تآكل الردع الإسرائيلي

بعد مرور نحو ثلاثة أعوام على حرب إسرائيل على غزة في عام 2014، بدأ الردع الإسرائيلي ضد حركات المقاومة في قطاع غزة يتآكل ويضعف، فيما أخذت حركات المقاومة تردّ أكثر فأكثر على اعتداءات إسرائيل على قطاع غزة، وبادرت أحيانًا إلى قصف أهداف إسرائيلية في محيط غزة؛ بسبب عدم التزام إسرائيل بالاتفاقات بينها وبين سلطة حماس في قطاع غزة، أو للضغط على إسرائيل من أجل فك الحصار أو تخفيفه عن قطاع غزة. تبيّ في الشهور الأولى من عام 2018 أن استراتيجية إسرائيل تجاه غزة تواجه صعوبات حقيقية. فقد فشلت إسرائيل قطاع   في الحفاظ على التهدئة والاستقرار الأمني في حدودها مع قطاع غزة، وبدا أن سياسة الردع الإسرائيلية قد استنفدت، واتضح أكثر فأكثر أن استراتيجية إسرائيل في استمرار الحصار والضغط الاقتصادي والعسكري والسياسي على سلطة حماس في قطاع غزة تتناقض مع التهدئة التي تريدها إسرائيل، وتقود حركات المقاومة إلى تسخين المواجهة على نار خفيفة مع إسرائيل من أجل الضغط عليها لتغيير سياستها تجاه غزة. وقد أكد مختصون إسرائيليون أن "قوانين الاشتباك" بين إسرائيل وسلطة حماس قد تغيرت في بداية 2018، وأن إسرائيل تواجه مشكلة استراتيجية تزداد وضوحًا وحدّة يومًا بعد آخر. فمن ناحية، لا تريد إسرائيل أن يصبح تبادل إطلاق النار بينها وبين غزة واقعًا روتينيًّا. ومن ناحية أخرى، لا تريد شن حرب شاملة ضد قطاع غزة قد تقود إلى احتلال قطاع غزة كلّه24. فإلى جانب الخسائر البشرية العسكرية والمدنية التي قد تدفعها إسرائيل في هذه الحرب، فإن احتلاها لقطاع غزة سيكلفها ثمنًا باهظًا جدًّا؛ لأنه يعني حكمً مباشرًا على مليونَ فلسطيني، وتفاقمَ المشكلة الديموغرافية، وعبئًا اقتصاديًّا كبيرًا جدًّا على إسرائيل، وتخصيص قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي لقطاع غزة فترةً طويلة، وثمنًا سياسيًّا كبيرًا لإسرائيل25. وأشار هؤلاء المختصون إلى أنه ثمة خيارات أمام إسرائيل لوقف إطلاق النار من

  1. المرجع نفسه.
  2. أودي ديكل، "كيف نوقف إطلاق النار من القطاع"، مباط عال، معهد أبحاث الأمن القومي، 2018/1/8، شوهد في 2020/7/29، في: https://bit.ly/2BJxb84 (بالعبرية.) 23 المرجع نفسه.

قطاع غزة، من بينها تصعيد القصف الإسرائيلي على أهداف مأهولة تابعة لحماس في قطاع غزة، وعدم الاكتفاء بضرب أهداف تابعة لحماس غير المأهولة. ولكن هذا الأمر قد يؤدي إلى تصعيد من حماس ضد أهداف إسرائيلية؛ ما قد يقود إلى مواجهة شاملة. وثمة خيار آخر متمثّل بأن تقدم إسرائيل مقترحًا لسلطة حماس مفاده أنها مستعدة لأنْ تقدم لها "مساعدات حيوية"، ولا سيما في مجالَ الكهرباء والماء وتسهيل عملية الاستيراد إلى قطاع غزة من ميناء أشدود والسماح لعمال من قطاع غزة بالعمل في إسرائيل. وأضافوا أن هذا الأمر يعني تغييرًا نوعيًّا في سياسة إسرائيل تجاه سلطة حماس في قطاع غزة، وقبول كيان مسلح شبه دولة في قطاع غزة، وأنه يعني كذلك وضع حد لتجديد العملية السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين في المستقبل القريب26.

ثًامن ا: مسيرات العودة

دعت اللجنة التنسيقية العليا لمسيرات العودة إلى حراك سلمي فلسطيني في 30 آذار/ مارس 2018، وذلك في الذكرى الثانية والأربعين ليوم الأرض الفلسطيني، وقد تبنت الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة هذه الدعوة، وسرعان ما قادت هذه الفصائل المسيرات الشعبية الأسبوعية التي شارك فيها في مرحلتها الأولى عشرات آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة. أثارت هذه المسيرات الشعبية الأسبوعية قلقًا كبيرًا في إسرائيل27؛ بسبب المشاركة الكبيرة فيها، واستمراريتها، وسلميتها، واستقطابها مجددًا اهتمام العالم بالقضية الفلسطينية، بوصفها قضية شعب يعاني الاحتلال والحصار، وأزمة إنسانية خانقة في قطاع غزة بسبب الحصار الإسرائيلي عليه. ورغم تمكن الجيش الإسرائيلي من منع تظاهرات الفلسطينيين، التي شارك فيها في الشهور الأولى عشرات الآلاف، من عبور الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل، فإنه في الوقت نفسه سادت قناعة في إسرائيل مفادها أن المسيرات ألحقت ضررًا كبيرًا بإسرائيل على الصعيد السياسي والرأي العام العالمي28. إلى جانب مسيرات العودة، اجترح الفلسطينيون في قطاع غزة، في عام 2018، وسائل نضال بسيطة جدًّا، ولكنها مؤثرة، من أجل الضغط على إسرائيل لفك حصارها عن قطاع غزة. فقد أطلقوا طائرات ورقية وبالونات حارقة تجاه إسرائيل، مما أدى إلى اشتعال حرائق واسعة في إسرائيل في المنطقة القريبة من قطاع غزة.

تاسعًا: التسوية بين إسرائيل وحماس

إثر انطلاق مسيرات العودة حاجج كوبي ميخائيل بأنه في ضوء استمرار الانقسام الفلسطيني واستمرار الحصار على قطاع غزة وتفاقم الأزمة الإنسانية فيه، ينبغي وضع استراتيجية لتنظيم العلاقة بين إسرائيل وسلطة حماس في غزة، وفحص إمكانية قبول إسرائيل بوجود حكم مُعادٍ لإسرائيل في قطاع غزة29. ورأى وجود تناقض بين سعي إسرائيل إلى التهدئة من ناحية، وسياستها المتمثّلة باستمرار فرض الحصار على قطاع غزة. وأشار إلى أن الحصار لا يقود إلى التهدئة وإنما إلى نقيض ذلك، فهو يدفع حماس إلى التصعيد مع إسرائيل من أجل فكه أو تخفيفه. واستخلص، بناءً على فرضية أن إسرائيل لا تهدف إلى وضع حد لسلطة حماس في قطاع غزة، وأن حماس ستبقى في الزمن المرئي القوة الحاكمة في قطاع غزة والمسؤولة عنه، أنه ينبغي فحص إمكانية أن تقبل إسرائيل بوجود كيان مُعَادٍ في قطاع غزة، وأن تضع استراتيجية لتنظيم علاقاتها بسلطة حماس في غزة، بما في ذلك التوصل إلى تفاهمات أمنية وتنسيق أمني محدود بين الجانبين، من أجل التوصل إلى هدنة طويلة الأمد مع سلطة حماس في غزة. ورأى ميخائيل أن الشرط الأساس لتحقيق ذلك هو التحرر من المفهوم السائد المتمثّل بأن السلطة الفلسطينية هي العنوان الرسمي الوحيد للاتصال بين إسرائيل وقطاع غزة، ودعا إلى قبول واقع وجود سلطتين فلسطينيتين والسعي، في الوقت نفسه، إلى التوصل إلى تسوية مع سلطة حماس في غزة. ورأى أن هذه التسوية تستدعي أن تسعى إسرائيل، على الصعيد الدولي، لتخفيف معارضة المجتمع الدولي أو تحفظه من هذه التسوية؛ من جهة اعتباره أن السلطة الفلسطينية هي العنوان الرسمي الوحيد للاتصال مع قطاع غزة، ولا سيما من جانب الاتحاد الأوروبي. واقترح ميخائيل أن يتم الاتفاق في المرحلة الأولى لهذه التسوية على إقامة منظومة مكونة من ممثلي الأطراف الإقليمية والدولية المختلفة، وخصوصًا مصر، بما فيها إسرائيل وحركة

  1. المرجع نفسه.
  2. يوحنان تسوريف، "بين الانتفاضة الأولى ومسيرة العودة"، مباط عال، معهد أبحاث الأمن القومي، 2018/4/11، شوهد في 2020/7/29، في: https://bit.ly/2DeCQU0 (بالعبرية.)
  3. نفو برناد وبنينا شوكر ودودي سيمان طوف، "مسيرة العودة: إنجاز عملياتي إلى جانب مباط عال، معهد أبحاث الأمن القومي فشل استراتيجي: دراسة حالة الحرب على الوعي"،، 2018/5/2، شوهد في 2020/7/29، في: https://bit.ly/2DiNv00 (بالعبرية.)
  4. كوبي ميخائيل، "حان الوقت للتسوية مع قطاع غزة، ككيان يعمل ومرتدع "، مباط عال، معهد أبحاث الأمن القومي، 2018/5/21، شوهد في 2020/7/29، في: (https://bit.ly/2El3fQn بالعبرية.)

حماس، للإشراف على استعمال أموال الدول المانحة لقطاع غزة. واقترح فحص إمكانية نقل جزء من أموال الضرائب، التي تجمعها إسرائيل لصالح السلطة الفلسطينية في رام الله، إلى سلطة حماس في قطاع غزة من خلال هذه المنظومة. إلى جانب ذلك، دعا ميخائيل إلى خلق الظروف الملائمة لنقل أموال الدول المانحة، إلى قطاع غزة لترميم البنى التحتية فيه، وإقامة مناطق صناعية على حدود قطاع غزة، وإنشاء مشاريع صناعية مشتركة لتوفير العمل لسكان قطاع غزة، وتسهيل عملية استيراد البضائع وتصديرها من قطاع غزة وإليه، وزيادة التصاريح بالنسبة إلى التجار والعمال والمرضى للدخول إلى إسرائيل. ونوَّه ميخائيل بأن التسوية بين إسرائيل وسلطة حماس لن تشكل سابقة، لأن إسرائيل وحماس كانتا قد توصلتا من قبلُ إلى اتفاق بينهما بوساطة مصرية. وأكد أن قيادة حماس مستعدة لأنْ تتوصل إلى هدنة مع إسرائيل، ولكنها من غير المتوقع أن توافق على نزع سلاحها وحل جهازها العسكري في اتفاق الهدنة أو التسوية. وأضاف ميخائيل أن ثمة أرضية لافتراض أنه في الإمكان التوصل إلى تفاهم مع قيادة حماس متعلق بوقف تعزيز قوتها العسكرية، ووقف تطوير وسائلها الهجومية ضد إسرائيل من الأنفاق أو الجو أو البحر، في حال التوصل إلى تسوية بين الطرفين. واستخلص ميخائيل أن التسوية بين إسرائيل وسلطة حماس تخدم إسرائيل، وأن إسرائيل تملك القوة التي تمكنها من احتواء وجود كيان مُعَادٍ في قطاع غزة، شريطة أن يكون هذا الكيان "منضبطًا ومرتدعًا، ويعمل"30. وفي تقدير موقف له، أقرّ ديكل، إثر إطلاق صاروخين من قطاع غزة على تل أبيب، في 14 آذار/ مارس 2019، بأن استراتيجية الردع الإسرائيلية ضد سلطة حماس قد استنفدت31. وأضاف أن سياسة الاحتواء الإسرائيلية التي تسعى للحصول على التهدئة مقابل بعض التسهيلات في الحصار على قطاع غزة لا تعالج المشاكل الأساسية التي يعانيها قطاع غزة، وفي مقدمتها الأزمة الإنسانية الخانقة. ومن أجل معالجة هذه المشاكل رأى ديكل أنّ ثمة خيارين أساسيين متناقضين أمام إسرائيل. يتمثّل الخيار الأول باعتراف إسرائيل، رسميًّا، بسلطة حماس في قطاع غزة، وعزل قطاع غزة عن الضفة الغربية وعن إسرائيل. ويتطلب هذا الخيار إنهاء الحصار البحري المفروض على قطاع غزة وفتحه للعالم الخارجي، ولكن ليس عن طريق إسرائيل. ورأى ديكل أن الطريق الأفضل للدخول إلى قطاع غزة والخروج منه، وفق هذا الخيار، هو من خلال مصر. ومن أجل تحقيق ذلك، دعا إلى تقديم مساعدات دولية اقتصادية واسعة لمصر، والمبادرة إلى تقديم مشاريع اقتصادية في شمال سيناء من شأنها أن تخدم مصر وسكان قطاع غزة، لحضِّ مصر على قبول هذا الاقتراح. أما إذا لم تستجب مصر لهذا الاقتراح، رغم الإغراءات الاقتصادية، فإنّ ديكل طالب بأن توافق إسرائيل على إقامة ميناء بحري في غزة، يتم تشغيله بواسطة منظومة دولية لنقل البضائع إليه عن طريق ميناء ترانزيت في قبرص أو في العريش، من أجل مراقبة أمنيّة للبضائع التي تصل إلى ميناء غزة. أما الخيار الثاني، وفق ديكل، فهو أن تقوم إسرائيل بشن حرب على قطاع غزة للقضاء على المنظمات العسكرية في قطاع غزة وعلى سلطة حماس فيه. ويستدعي تحقيق هذا الهدف احتلال قطاع غزة فترةً قصيرة. وشدد ديكل أنه على الجيش الإسرائيلي الانسحاب فورًا من قطاع غزة بعد تحقيق هدفه، حتى إنْ لم تظهر قوة مسؤولة تحكم قطاع غزة. وبعد أن ينسحب الجيش الإسرائيلي من داخل القطاع، يقوم الجيش الإسرائيلي بشن عمليات عسكرية في القطاع، وفق الضرورة لمنع إقامة بنية تحتية عسكرية للتنظيمات الفلسطينية؛ تمامًا كما يفعل في الضفة الغربية المحتلة32. في تقدير موقف آخر، عاد ميخائيل إلى الدعوة المتعلقة بقبول إسرائيل بوجود كيان مُعَادٍ في قطاع غزة له سمات الدولة. وأكد أن هذا الخيار هو أقل الخيارات سوءًا بالنسبة إلى إسرائيل، وأنه أفضل لإسرائيل في ميزان الربح والخسارة من أن تقوم بإسقاط سلطة حركة حماس في غزة، أو من أن تحتل قطاع غزة من جديد33. وأعرب عن اقتناعه بأنه بمقدار ما تتبنى سلطة حماس في غزة في إدارتها لقطاع غزة منطق الدولة، فإن ذلك يسهل على إسرائيل التعامل معها. وأضاف أن إسرائيل تمكنت خلال أعوام طويلة من التعاطي مع كيانات معادية لها، وأنها طورت الردع ضدها. ورأى أن إسرائيل تمتلك عوامل القوة التي تمكنها من ردع سلطة حماس في قطاع غزة من ناحية، ومن التعاون معها في المجالات الأخرى من ناحية أخرى، حتى إن رافق ذلك تفجُّر أزمات بين الطرفين بين الفينة والأخرى. ودعا ميخائيل الحكومة الإسرائيلية إلى استغلال نقاط الضعف لدى حماس والظروف الصعبة التي تمر بها، من أجل التوصل إلى تسوية معها. ورأى أن سلطة حماس في غزة تواجه معضلة تزداد حدتها

  1. المرجع نفسه.
  2. أودي ديكل، "استراتيجية الردع ضد حماس استنفدت"، مباط عال، معهد أبحاث الأمن القومي، 2019/3/18، شوهد في 2020/7/29، في: https://bit.ly/3g9lYN5 (بالعبرية.)
  3. المرجع نفسه.
  4. كوبي ميخائيل، "خيار إسرائيل الاستراتيجي في مواجهة معضلة حماس"، مباط عال، معهد أبحاث الأمن القومي، 2019/3/31، شوهد في 2020/7/29، في: https://bit.ly/2PhSL6R (بالعبرية.)

يومًا بعد آخر، بفضل مجموعة من العوامل أبرزها الوضع الإنساني المأساوي في قطاع غزة، والتذمر، والاحتجاج الشعبي ضد سلطة حماس؛ بسبب هذا الوضع المأساوي، وتوتر العلاقات بين سلطة حماس وبعض الحركات في غزة، وظهور منظمات متطرفة في قطاع غزة لا تنصاع لسلطة حماس، والصراع والمنافسة بين سلطة حماس والسلطة الفلسطينية. ورأى ميخائيل أن المعضلة التي تواجهها سلطة حماس هي إما أن تقوم بالتصعيد المحسوب ضد إسرائيل من أجل فك الحصار عن قطاع غزة، وإما التجاوب مع الوساطة المصرية والسير نحو قبول شروط إسرائيل للتسوية بين سلطة حماس وإسرائيل. وأكد أن الأمر الأفضل بالنسبة إلى إسرائيل هو أن تختار حماس التوصل إلى تسوية مع إسرائيل34. لقد توصلت إسرائيل في العامين الماضيين إلى تفاهمات مع سلطة حماس في قطاع غزة، من خلال المفاوضات غير المباشرة بين الطرفين بوساطة مصرية. وقد قدمت إسرائيل، وفق هذه التفاهمات، مجموعة من التسهيلات لسلطة حماس في قطاع غزة؛ إذ زادت إسرائيل عدد تصاريح الدخول للعمال من قطاع غزة إلى إسرائيل تحت غطاء "رجال أعمال" إلى خمسة آلاف تصريح، وخفضت عمر الحد الأدنى المسموح به للدخول إلى إسرائيل من 30 عامًا إلى 25 عامًا. إلى جانب ذلك، أصبح معبر رفح الواصل بين قطاع غزة ومصر يعمل في أغلب أيام الأسبوع، بالتفاهم بين إسرائيل ومصر، في حين أنه كان مغلقًا في أغلب الأيام خلال الأعوام الماضية. وكذلك، سمحت مصر - بموافقة إسرائيل - بدخول بضائع كثيرة من مصر إلى قطاع غزة، تشمل مواد للبناء ومواد غذائية. وقدمت إسرائيل وفق هذه التفاهمات تسهيلات بخصوص البنية التحتية في قطاع غزة، باتت الكهرباء في قطاع غزة، على إثرها، تعمل في منتصف عام 2019 نحو 16 ساعة في اليوم بدلً من 4 ساعات في اليوم في الأعوام السابقة. وكذلك، قلصت إسرائيل قائمة المواد ذات الاستعمال المزدوج الممنوع إدخالها إلى قطاع غزة بنسبة 30 في المئة. وأحدثت تقدمًا في تنفيذ مشاريع في البنية التحتية البعيدة المدى مثل مشروع تزويد غزة بالمياه من إسرائيل والشروع في التحضير لربط خط كهرباء من إسرائيل إلى قطاع غزة.

خاتمة

اشتقت إسرائيل سياستها تجاه قطاع غزة من مجمل استراتيجيتها تجاه القضية الفلسطينية. لقد عدّ شارون وقادة إسرائيل الآخرين أن ال اررع المحوري بين إسرائيل والشعب العربي الفلسطيني يدور على مستقبل أراضي الضفة الفلسطينية المحتلة، وأن تفكيك الاحتلال والاستيطان من داخل قطاع غزة واستمرار سيطرة إسرائيل عليه والتحكم فيه من خارجه، كان بمنزلة "الطعم" الذي ينبغي على إسرائيل تقديمه للمجتمع الدولي لتحييد ضغطه عليها ولفتح الباب واسعًا أمامها من أجل تعزيز مشروعها الاستيطاني في الضفة الفلسطينية المحتلة. لقد أولت إسرائيل أهمية قصوى للانقسام الفلسطيني منذ حدوثه حتى اليوم، وعدَّت أن وجود سلطتين فلسطينيتين متناحرتين يشكل منعطفًا تاريخيًّا مهمًّ جدًّا في صراعها ضد الشعب العربي الفلسطيني وحركته الوطنية، وأن هذا الانقسام واستمرار وجود سلطتين فلسطينيتين متناحرتين يقدم لها خدمة لا تقدر بثمن. وحرصت إسرائيل كل الحرص على الحفاظ على هذا الانقسام وعلى تغذيته، كي يستمر أطول فترة ممكنة. وحددت إسرائيل سياستها تجاه سلطة حماس في قطاع غزة كالتالي: الحفاظ على حصار قطاع غزة أطول فترة ممكنة. الحصول على استقرار أمني وتهدئة طويلة الأمد بين إسرائيل وقطاع غزة. الحفاظ على سياسة الردع الإسرائيلي تجاه قطاع غزة. السعي رويدًا رويدًا إلى وضع حد لمسؤولية إسرائيل عن قطاع غزة، وإلى إنهاء صفة الدولة المحتلة لقطاع غزة عن إسرائيل. إشراك مصر كوسيط بين إسرائيل وسلطة حماس، وإدخال أطراف عربية ودولية لتوفير الدعم المالي لقطاع غزة، من أجل منع حدوث كارثة إنسانية ناجمة عن حصار إسرائيل لقطاع غزة. تدمير البنية التحتية لاقتصاد قطاع غزة، والعمل على استمرار احتكار إسرائيل لسوق قطاع غزة أطول فترة ممكنة. تدير إسرائيل وسلطة حماس في غزة المواجهات العسكرية بينهما على نار هادئة، وتحرصان بشدة على ألا تنزلق هذه المواجهات إلى حرب شاملة بينهما لا يريدها كل منهما لأسبابه ومنطلقاته. فحرب شاملة بالنسبة إلى سلطة حماس تعني تعرض المدنيين الفلسطينيين إلى المجازر ووقوع خسائر فادحة في صفوفهم، وتدمير البنية التحتية

  1. المرجع نفسه.
  2. عاموس هارئيل، "إسرائيل زادت عدد العمال المسموح لهم الدخول من هآرتس غزة كجزء من التسهيلات لحماس"،، 2019/7/9، شوهد في 2020/7/29، في: (https://bit.ly/3hKLaJX بالعبرية.)
  3. المرجع نفسه.

الاقتصادية والمرافق العامة في قطاع غزة. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن الحرب الشاملة قد تؤدي إلى وقوع خسائر إسرائيلية محدودة في الأرواح والممتلكات، ولكنها تعني في الوقت نفسه ارتكاب الجيش الإسرائيلي مجازر في حق المدنيين الفلسطينيين؛ ما يقود إلى إدانة دولية. ولكن السبب الأهم لعدم رغبة إسرائيل في حرب شاملة هو أنها لا تريد احتلال قطاع غزة مجددًا وحكمه حكمً مباشرًا، حتى لو كان ذلك مؤقتًا، فهذا يعني إسقاط سلطة حماس في قطاع غزة وإنهاء الانقسام الفلسطيني، وهو الأمر الذي لا تريده إسرائيل إطلاقًا. لقد باتت حكومة نتنياهو تدرك منذ عدة أعوام أن شعارها المتمثل ب "الهدوء مقابل الهدوء" لم يعد صالحًا في علاقتها بسلطة حماس في غزة، وأنه لا يمكنها الحصول على الهدوء الأمني مع استمرار حصارها لقطاع غزة. وتستعمل حكومة نتنياهو مسألة الحصار وإمكانية تخفيفه أو إنهائه، وكذلك مسألة إعادة إعمار قطاع غزة، كوسيلة ضغطٍ على سلطة حماس في غزة؛ من أجل التوصل إلى هدنة طويلة الأمد بينها وبين سلطة حماس في غزة، ومن أجل تعزيز وجود كيان فلسطيني في غزة، له ملامح شبه دولة، منفصل عن الضفة الفلسطينية المحتلة. وتسعى حكومة نتنياهو، من خلال المفاوضات غير المباشرة التي تجريها مع سلطة حماس في غزة، بوساطة مصرية، إلى التوصل اتفاق تهدئة طويل الأمد بين الجانبين، تلتزم بمقتضاه سلطة حماس في غزة بوقف إطلاق النار بين قطاع غزة وإسرائيل، وبفرضه على الفصائل الفلسطينية الأخرى، في مقابل تخفيف الحصار بشكل كبير أو إنهائه وإعادة إعمار قطاع غزة. ولم تعد إسرائيل تصر على نزع سلاح سلطة حماس في قطاع غزة كشرط للتوصل إلى اتفاق التهدئة طويلة الأمد بينهما، وإنما باتت تكتفي بالمطالبة بعدم تعزيز قوة سلطة حماس العسكرية في قطاع غزة. وتعد الحكومة الإسرائيلية أنّ التوصل إلى اتفاق تهدئة طويل الأمد مع سلطة حماس يساعد إسرائيل في الاستمرار قُدُمًا، بخطى متسارعة، لتعزيز المشروع الاستيطاني الكولونيالي اليهودي في الضفة الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية المحتلة، لتهويد أوسع مساحة فيها، تمهيدًا لضمها إلى إسرائيل.

المراجع

العربية

"العدوان الإسرائيلي على غزة يفشل في تحقيق أهدافه." تقدير موقف. وحدة الدراسات السياسية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2012/11/22. في https://bit.ly/2El08YH:. الأمم المتحدة. مجلس التجارة والتنمية. مساعدة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) للشعب الفلسطيني. الجلسة الخامسة والستون. الجزء الثاني. 2018/10/4-1. ترجمة وإعداد مركز الدراسات السياسية والتنموية (تشرين أول/ أكتوبر)2018. في: https://bit.ly/309T8Gs سياسات عربية محارب، محمود. "الحرب الإسرائيلية على غزة.". العدد 10 (أيلول/ سبتمبر.)2014 ________. "العلاقات الإسرائيلية - التركية في ضوء رفض إسرائيل الاعتذار." تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (تشرين الثاني/ نوفمبر)2012:. في https://bit.ly/2XmNRKf

العبرية

برناد، نفو وبنينا شوكر ودودي سيمان طوف. "مسيرة العودة: إنجاز عملياتي إلى جانب فشل استراتيجي: دراسة حالة الحرب على الوعي." مباط عال. معهد أبحاث الأمن القومي. 2018/5/2. في: https://bit.ly/2DiNv00

مباط عال تسوريف، يوحنان. "بين الانتفاضة الأولى ومسيرة العودة.". معهد أبحاث الأمن القومي. 2018/4/11:. في https://bit.ly/2DeCQU0

دروكر، رفيف وعوفر شيلح. كيد مرتد: فشل القيادة في الانتفاضة الثانية. تل أبيب: كيتر،.2005 ديكل، أودي. "استراتيجية الردع ضد حماس استنفدت." مباط عال. معهد أبحاث الأمن القومي. في:2019/3/18. https://bit.ly/3g9lYN5 ________. "كيف نوقف إطلاق النار من القطاع." مباط عال. معهد أبحاث الأمن القومي. 2018/1/8:. في https://bit.ly/2BJxb84 "قطاع غزة." مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسيلم.) 2017/11/11:. في https://bit.ly/2EoU29H. أزمة قطاع غزة: جواب للتحدي كورتس، عنات [وآخرون] (تحرير). تل أبيب: معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب،.2018

من جيش الشعب إلى جيش الأطراف. القدس ليفي، يجيل.: كرمل،.2007 مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية. خطة فك الارتباط المعدلة. قرار الحكومة رقم 2004/6/6.1996 في https://bit.ly/30TMAeA:. ميخائيل، كوبي. "حان الوقت للتسوية مع قطاع غزة، ككيان يعمل مباط عال. معهد أبحاث الأمن القومي ومرتدع.". 2018/5/21. في: https://bit.ly/2El3fQn ________. "خيار إسرائيل الاستراتيجي في مواجهة معضلة حماس." مباط عال. معهد أبحاث الأمن القومي. 2019/3/31. في: https://bit.ly/2PhSL6R ميلشطاين، ميخائيل. مقاومة: صعود تحدي المقاومة وتأثيره في مفهوم أمن إسرائيل. تل أبيب: معهد أبحاث الأمن القومي،.2010