"سنوات التنمية الضائعة في قطاع غزة (2007 - 2018)"
عنوان الكتاب: سنوات التنمية الضائعة في قطاع غزة.)2018-2007(المؤلف: مازن العجلة. الناشر: مركز الأبحاث - منظمة التحرير الفلسطينية. سنة النشر:.2020 عدد الصفحات: 210 صفحات.
"Gaza: The Lost Years of Development (2007 - 2018)"
مقدمة
يتناول هذا الكتاب قضية مهمة وراهنة تؤثر في المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني في قطاع غزة. يتكون الكتاب من ثلاثة فصول، يتناول الفصل الأول الإطار السياسي لسنوات التنمية الضائعة في قطاع غزة، في حين يركز الفصل الثاني على التطورات الاقتصادية في القطاع، وأخيرًا يبحث الفصل الثالث في واقع الخدمات العامة والفقر والطبقة المتوسطة في القطاع. يُركز الكتاب على الفترة الزمنية التي أعقبت الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، المعروفة باسم "الانقسام الفلسطيني"، التي بدأت في حزيران/ يونيو 2007، ولا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. فمنذ ذلك الحين، سيطرت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على مقاليد السلطة في قطاع غزة، وذلك عقب عام من الاقتتال الداخلي بينها والأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية التي تديرها حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح." ومن الجدير ذكره هنا أن هذه التطورات السياسية والأمنية جاءت عقب فوز حركة حماس بأغلبية المقاعد النيابية في المجلس التشريعي الفلسطيني في الانتخابات التي جرت في كانون الثاني/ يناير 2006، وهي الانتخابات الثانية منذ تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، إذ عقدت الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأولى في كانون الثاني/ يناير 1996 من دون مشاركة حركة حماس. مع سيطرة حركة حماس على مقاليد السلطة في قطاع غزة، فرضت عليه إسرائيل إغلاقًا محكمً، قلصت بموجبه دخول وخروج البضائع والأفراد منه وإليه، وأعلنته "منطقة معادية"، وقطعت كل وسائل الاتصال المباشر به، كما أعلن المجتمع الدولي، من خلال اللجنة الرباعية الدولية، التي تضم روسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية والأمم المتحدة، عن موقف حاد تجاه حركة حماس وحكومتها، وأشارت إلى أنها لن تتعامل مع هذه الحكومة التي شكلتها، واشترطت عليها ثلاثة شروط، وذلك إن رغبت في أن ينفتح المجتمع الدولي عليها ويتعامل ويتعاون معها، وهي: نبذ العنف، والاعتراف بالاتفاقات الموقعة سابقًا بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، والاعتراف بإسرائيل. ونظرًا إلى رفض حركة حماس تطبيق هذه الشروط، أعلنت العديد من الدول والمنظمات الدولية مقاطعتها سياسيًا وماليًا. ونتيجة ذلك، تداخلت مجموعة من الأحداث، أهمها الانقسام الفلسطيني، والحصار الإسرائيلي، ومقاطعة المجتمع الدولي مع بعضها البعض لتنتج واقعًا معقدًا يرزح فيه الفلسطينيون في قطاع غزة تحت الحصار والفقر والبطالة والحرمان وضعف الخدمات. صدرت العديد من الدراسات والكتب، ولا سيما باللغتين العربية والإنكليزية، عن فترة الانقسام الفلسطيني، وعدّت هذه الكتابات هذه الفترة مرحلة سوداء في تاريخ الشعب الفلسطيني الذي يعيش ويلات ومآسي الاحتلال الإسرائيلي، ويناضل من أجل التحرر والاستقلال. وقد مثّل الانقسام الفلسطيني ضربة قاصمة لهذا المشروع النضالي من أجل إنهاء الاحتلال، ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل على صعيد جهود الفلسطينيين من أجل التنمية وبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، وتحقيق التماسك الاجتماعي بين شرائح المجتمع الفلسطيني. كما عدّت هذه الكتابات هذه الفترة بوصفها فترةً حملت تأثيرًا سلبيًا في حركة التضامن العالمي مع القضية الفلسطينية، ليس في المجتمعات الغربية فحسب، بل على المستوى العربي أيضًا. أما هذا الكتاب الذي نحن بصدد مراجعته، فيناقش مسألة جوهرية في حياة الفلسطينيين اليومية في قطاع غزة، وهي التنمية، التي لو لم تُقوَّض بسبب الانقسام الفلسطيني والحصار الإسرائيلي ومقاطعة المجتمع الدولي لحقّقت نتائج أفضل. وقد ظل هذا التداخل الثلاثي مفصلً رئيسًا عند مناقشة ضياع التنمية في قطاع غزة، ولكن ظلت العديد من الدراسات والكتب تعاني إشكالية القدرة على تحليل وتفسير دور هذا التداخل وأثره في فقدان أو ضياع التنمية، الأمر الذي أدى إلى استنتاجات غير معمقة أحيانًا عن طبيعة الوضع في القطاع.
الإطار السياسي لسنوات التنمية الضائعة منذ عام 2007
يناقش الفصل الأول من الكتاب تبلور الإطار السياسي لعقد التنمية الضائعة، ويربطها بسيطرة حركة حماس على السلطة في قطاع غزة بالقوة المسلحة، وإنشائها حكومةً في سياق انقسام جغرافي وسياسي كامل، وغياب السلطة التشريعية والقانونية، وسيطرة على المؤسسات والهيئات العامة، وأثر كل ذلك سلبيًّا في الحريات العامة وحقوق الإنسان (ص. 34). ناقش هذا الفصل موضوعه من خلال مبحثين، هما، أولً، طبيعة الإطار السياسي ومكوناته، وثانيًا، الاقتصاد السياسي لعقد التنمية الضائعة. ركز الإطار السياسي على تأثير الانقسام الفلسطيني، وما أفرزه من هياكل ومؤسسات، وتفككٍ للعقد الاجتماعي الفلسطيني، وبروز سلطة جديدة تدير قطاع غزة تفتقد إلى الخبرة في الإدارة القانونية والتشريعية، كما تفتقد إلى الرؤية والسياسات الوطنية، ولها تحالفات دولية وإقليمية (ص. 35-44). وفي السياق السياسي نفسه، برز الحصار الإسرائيلي، بوصفه عاملً ثانيًا لتعزيز عملية نكوص
التنمية، إذ اتخذت إسرائيل العديد من السياسات والإجراءات التي ركزت على بناء منظومة كاملة من القيود التي تحد من حرية حركة الأفراد والسلع والبضائع وعناصر الإنتاج من القطاع وإليه، فضلً عن تعرض القطاع خلال الفترة نفسها لثلاثة اعتداءات عسكرية مدمرة كلفت اقتصاده مليارات الدولارات، وآلاف الشهداء والجرحى (ص 45-)48. أما المبحث الثاني في هذا الفصل فناقش ثلاث قضايا ذات علاقة بمنهجية الاقتصاد السياسي، في الأولى، استعرض المؤلف التداعيات السريعة التي أفرزها الانقسام الفلسطيني والحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، أطلق عليها مسمى "الصدمة الجيو-اقتصادية"، التي تهتم بدراسة التفاعلات المعقدة بين الفضاء الجغرافي والاقتصاد، وتستخدم الأدوات الاقتصادية لتعزيز الأهداف الجيوسياسية (ص. 68-78). ثم ناقش في الثانية حجم ومصادر التمويل الذي وصل إلى قطاع غزة طوال فترة الانقسام الفلسطيني والحصار الإسرائيلي، بالتركيز على تحديد مصادر التمويل الرئيسة، وهي الإنفاق العام للسلطة الوطنية الفلسطينية على قطاع غزة، وصافي التحويلات الجارية، وإنفاق الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة، والتسهيلات الائتمانية. وحظي المصدر الأول (الإنفاق العام للسلطة) بالنسبة الأكبر التي وصلت إلى 62 في المئة (ص. 79-87). وأما الأخيرة فتتمثل في استعراض البيئة العامة التي يعمل فيها القطاع الخاص في قطاع غزة في ظل قيود الانقسام الفلسطيني والحصار الإسرائيلي، وهي بيئة مناوئة ومليئة بالعديد من التحديات مثل غياب دور حكومي داعم للقطاع الخاص، ووجود جبايات مالية لا تتناسب مع الوضع الاقتصادي المتردي، ووجود صعوبات تتعلق بمستلزمات الإنتاج (ص. 88-93) يرى المؤلف في هذا الفصل أن الضعف المؤسسي في قطاع غزة، وضعف وجود رؤية سياسية واقتصادية، وهي رؤية مُثقلة بشعارات الصمود أمام "المؤامرات" أكثر من كونها تعبر عن تصور تنموي ووطني، أسهما في تفريغ قدرة المؤسسات الفلسطينية في قطاع غزة من فاعليتها اللازمة لتحقيق إنجازات تنموية، وما عزز من هذا الضعف هو عملها في ظل عُزلة دولية، ومنظومة شاملة من الحصار الإسرائيلي. ولذلك، يرى أن جميع هذه العوامل في بيئة معقدة ومتغيرة أسهمت في خلق ما يسميه "صدمة جيو-اقتصادية"، وتعني تدهور القدرة الإنتاجية، ولا سيما بالنسبة إلى القطاعات التي لم تعد قادرة على استيراد المواد الخام وتصدير منتجاتها، فضلً عن آثارها بالاستغناء عن آلاف الأيدي العاملة، وتراجع حجم التجارة الخارجية، وتأثر القطاع المصرفي من جراء تراجع الأنشطة الاقتصادية والإجراءات الإسرائيلية التي أدت إلى توقف التعامل الإسرائيلي مع البنوك الفلسطينية. وفضلً عن ذلك، وجّهت عمليات نقل السلع والبضائع عبر الأنفاق بين مصر وقطاع غزة وبإشراف من حركة حماس، ضربة قوية لإمكانية إصلاح "الصدمة الجيو-اقتصادية" (ص. 70-78). كما أسهم ذلك في إضعاف أثر التدفقات النقدية التي دخلت إلى قطاع غزة من السلطة الفلسطينية والمساعدات الخارجية في تحقيق التنمية، حيث لم يترتب عليها أي إنجازات تنموية، ما عزز التحديات التي يعانيها القطاع الخاص الذي يعمل في بيئة سياسية واقتصادية يغيب فيها الدور الحكومي الداعم (ص. 88-89)
التطورات الاقتصادية في قطاع غزة منذ عام 2007
تناول الفصل الثاني تحليل التطورات الاقتصادية في قطاع غزة منذ عام 2007 من خلال مبحثين، تعرض الأول للأداء الاقتصادي للحكومة في قطاع غزة منذ عام 2007، وذلك بتحليل النمو الاقتصادي وطبيعته وخصائصه، ثم مساهمة القطاعات الاقتصادية في الناتج المحلي الإجمالي، ومكونات هذا الأخير الإنفاقية، والإنفاق الاستهلاكي والاستثماري، والتجارة الخارجية، وقضايا السكان والقوى العاملة (ص. 95). بينما ناقش المبحث الثاني قضية إعادة إعمار قطاع غزة، مبيّنًا حجم الخسائر نتيجة الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية، وما تم من إنجازات في عملية إعادة الإعمار، ثم استعرض أهم معوقات استكمال إعادة الإعمار (ص. 123). ويرى المؤلف في هذا الفصل أنه في ظل سنوات الانقسام الفلسطيني والحصار الإسرائيلي، سجلت المؤشرات الاقتصادية تراجعًا خطيرًا في الأنشطة الاقتصادية كافة؛ إذ نما معدل النمو الاقتصادي خلال الفترة 2019-2007 بنحو 2.1 في المئة سنويًا في المتوسط، وهذا لا ينفي وجود معدلات نمو سالبة خلال خمس سنوات متفرقة خلال الفترة المذكورة 2007(، و 2008، و 2014، و 2017، و)2018. وقد وصل تراجع النمو الاقتصادي إلى أقصاه عام 2018 مسجلً معدل 7 في المئة (ص. 97) ونظرًا إلى أن معدلات النمو في قطاع غزة، التي تشير إلى الارتفاع السنوي، لا تعبّ بدقة عن نتائج حقيقية، فإن ذلك أدى إلى تغيرات هيكلية خطيرة عكست مدى الضعف الذي وصل إليه النشاط الاقتصادي في القطاع، وأهم هذه التغيرات: انخفاض متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي، وتدني نسبته من إجمالي نصيبه في فلسطين، وتدني مساهمة الناتج المحلي لقطاع غزة في الناتج المحلي الفلسطيني، وتراجع مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي، وتزايد دور قطاع الخدمات في الاقتصاد، وزيادة عدد المنشآت الخدمية الصغيرة جدًا. وقد أثر تزايد دور قطاع الخدمات في النشاط الاقتصادي في تحسين وتعزيز الاقتصاد الفلسطيني في غزة، ولا سيما
أن نمو هذا القطاع يعد أمرًا غير صحيٍ غالبًا، فهو أقل ديناميكية من قطاعي الزراعة والصناعة، ويتسم بمحدودية فرص العمل، وضعف الإنفاق الاستثماري (ص. 98-101). ومن التغيرات الهيكلية التي يعانيها الاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة، بسبب سنوات الانقسام الفلسطيني والحصار الإسرائيلي، تزايد النزعة الاستهلاكية في مقابل ضعف الإنتاج؛ فقد حقق الاستهلاك معدلات تزايد مهمة تزيد على الناتج المحلي. وفضلً عن ذلك، تراجع دور التجارة الخارجية في النشاط الاقتصادي، وهذا التراجع يسري، بالطبع، على الصادرات والواردات. وقد أدى ذلك إلى انخفاض الأهمية النسبية لواردات قطاع غزة في القيمة الإجمالية للواردات الفلسطينية، وكذلك انخفضت هذه الأهمية بالنسبة إلى واردات الضفة الغربية.)111-107(انعكست هذه الآثار مجتمعة على سوق العمل الذي أصابه تشوهات عميقة بعد أن فقد قدرته على تشغيل الأعداد المتزايدة التي تدخله سنويًا. كما تأثرت عملية إعادة إعمار قطاع غزة، فبعد ثلاث سنوات من بدئها يشير المؤلف إلى أن الدول المانحة لم تدفع أكثر من 37 في المئة من حجم ما تم الالتزام به في مؤتمر القاهرة، الذي عُقد في تشرين الأول/ أكتوبر 2014، وفي ظل آلية إعادة الإعمار المفروضة من إسرائيل، التي يكتنفها الكثير من التعقيدات والغموض، فإن نسبة ما تم بناؤه من المنازل المُدمرة كُليًا، بعد أربع سنوات ونصف من تاريخ انعقاد المؤتمر، بلغ قرابة 71.7 في المئة فقط، و 57.3 في المئة من المنازل المُدمرة جزئيًا استفادت من التعويضات، في حين بلغت نسبة المؤسسات الاقتصادية التي تلقت تعويضات نحو 16 في المئة (ص. 136-138)
واقع الخدمات العامة والفقر والطبقة المتوسطة في قطاع غزة منذ عام 2007
ينقسم الفصل الثالث الذي يعالج التطورات الاجتماعية، إلى مبحثين؛ يناقش الأول، واقع الخدمات العامة التي تشمل التعليم والصحة والمياه والكهرباء، أما الثاني فيناقش معدلات الفقر والطبقة المتوسطة في قطاع غزة. ولا يخفى كيف أن التراجع الذي بدا واضحًا في معظم المؤشرات الاقتصادية والسياسية انعكس سلبيًّا على كلتا الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، إذ لا تتزايد الأولى إلا على حساب الثانية، ومن ثم على حساب مناعة المجتمع وقوته سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا (ص. 150) يشير المؤلف إلى أنه في ظل شبكة من المعوقات التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني في غزة، وتزايد عدد السكان بنسبة تصل إلى 40.5 في المئة منذ عام 2007، ووصول كثافة السكان إلى مستويات عالية، تراجعت قدرة البنى التحتية والخدمات العامة في قطاعات التعليم والصحة والمرافق العامة من مياه وكهرباء على مواكبة الطلب المتزايد، وكذلك تدهورت كمية ونوعية الخدمات العامة المقدمة للمواطنين، وبدأت تظهر فجوة في عدد المدارس المطلوبة، ولا سيما مع تزايد عدد الطلاب في الفصل الواحد، وتزايد عدد المدارس التي تعمل بنظام الفترتين (ص. 151-152). وعلى الصعيد الصحي انخفض عدد العيادات الصحية العاملة، وظهرت فجوات على صعيد الأطباء والممرضين والأسرةَّ (ص. 153-154). وكذلك، بات قطاع غزة يشهد حالة خطيرة من انعدام الأمن المائي؛ فنصف السكان في القطاع فقط يحصلون على المياه مدة 8 ساعات كل 4 أيام، بينما يحصل ثلث السكان على المدة نفسها كل 3 أيام، أما النسبة الباقية فتحصل على المدة نفسها كل يومين. وما يعزز من أهمية انعدام الأمن المائي أن هذه المياه لا تصلح للشرب والأكل، لذلك يضطر السكان إلى شراء احتياجاتهم من المياه الصالحة للشرب من محطات التحلية فقط (ص. 155-158). زيادةً على ذلك، يعاني القطاع أزمة أمن الطاقة، إذ إن العديد من المنازل المُدمرة تعاني عدم توافر إمدادات كافية من الكهرباء على مدار الساعة، ولم يتوافر ذلك طوال العشر سنوات السابقة، بل بلغت فترة توافر الكهرباء أحيانًا مدة 4 ساعات، تليها أكثر من 12 ساعة من دون كهرباء. وقد أرهقت هذه المشكلة كاهل المواطنين والقطاع الخاص وشرائح المجتمع كافة. وغالبًا ما تتحمل حركة حماس مسؤولية هذه المشكلة بوصفها السلطة الحاكمة، ونظرًا إلى عدم قدرتها على إدارة القطاع بشفافية، بحيث زادت من حدتها وتعقيداتها نتيجة مناكفاتها السياسية مع السلطة الفلسطينية، ولا سيما على صعيد تحمّل تكاليف الوقود، فحماس هي التي تجبي وتحصّل قيمة الكهرباء المستهلكة من المواطنين، في الوقت الذي تدفع فيه السلطة قيمة استهلاك الكهرباء المُشتراة من إسرائيل ومصر (ص. 159-164) كما يناقش هذا الفصل تزايد معدلات الفقر، واتساع الطبقة الفقيرة التي تفاقمت رأسيًا وأفقيًا بعد الانقسام، وتأثير ذلك في حجم ودور الطبقة المتوسطة، وتفيد المؤشرات أن معدلات الفقر طوال سنوات الحصار والانقسام لم تنخفض عن 38 في المئة، ووصلت إلى 53 في المئة عام 2017، وقد تكون بلغت أحيانًا نحو 70 في المئة من إجمالي عدد السكان الكلي، هذا فضلً عن تزايد نسبة السكان المعرضين للفقر في قطاع غزة (ص. 166-170)
ويشير الفصل أيضًا إلى أن الطبقة الوسطى في قطاع غزة تأثّر حجمها ودورها نتيجة تزايد معدلات الفقر، ونتيجة تهميش وإقصاء أبرز أعضائها، ولا سيما موظفو السلطة الفلسطينية الذين تركوا مراكز عملهم بناءً على تعليمات السلطة الفلسطينية. وعلى صعيد الحجم، تشير التقديرات إلى أن حجم الطبقة الوسطى في القطاع يراوح بين 25-20 في المئة من عدد السكان، متراجعًا عن سنوات ما قبل الحصار والانقسام. أما على صعيد الدور والخصائص العامة، فتشير التقديرات إلى أن الطبقة الوسطى عانت تفتيتًا وشرذمة حادة نتيجة الانقسام، وما ترتب على ذلك من تهميش وإقصاء لفئاتها المرتبطة بوجود السلطة الفلسطينية، الأمر الذي أفقد هؤلاء الموظفين قدرتهم على تشكيل طبقة وسطى فاعلة (ص. 177-185)
نظرة إلى المستقبل: نحو عقد من التنمية المستدامة
ينتهي الكتاب بنظرة إلى المستقبل تتضمن سبل الخلاص من الوضع الذي يعانيه قطاع غزة. وتشمل توصية واضحة تتمثل في ضرورة استعادة الوحدة الوطنية بين القوى والفصائل الفلسطينية، ولا سيما حركتا حماس وفتح، من خلال عملية مصالحة جادة وشاملة تعيد السلطة الفلسطينية إلى القطاع (ص. 187). ويفيد الكتاب أن تصحيح مسار التنمية وتعويض سنوات الضياع يتطلبان وجود السلطة الفلسطينية في القطاع، بوصفها إطارًا سياسيًا لازمًا وضروريًا، وإن كان ذلك غير كافٍ، نظرًا إلى أهمية توافر شروط أُخرى مطلوبة لنجاح هدف التنمية المستدامة، مثل توفير التمويل المطلوب لبرامج التنمية الكبيرة في القطاع، وضمان عدم وضع الجانب الإسرائيلي للعراقيل التي اعتاد على وضعها لمنع تطور الاقتصاد الفلسطيني (ص. 188-189).
كيف نقرأ الكتاب؟
يقدم الكتاب تفسيرًا مهمً عن الصورة القاتمة التي رسمها الانقسام الفلسطيني والحصار الإسرائيلي على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي لقطاع غزة. ويشير إلى أن هذه التداعيات لم تنعكس على قطاع غزة فحسب، بل شملت المجتمع الفلسطيني في محافظات الضفة الغربية أيضًا؛ فقد تسبب الانقسام في إضعاف الروح الوطنية، والعمل المؤسساتي المشترك بين الضفة والقطاع، كما أسهم في إيقاف العملية الديمقراطية الوليدة. ولذلك، يحذر الكتاب، على نحو علمي، من الواقع المؤلم لقطاع غزة، ولا سيما واقع المشروع السياسي للفلسطينيين جميعًا، ويقدم قراءة شمولية تساعد الفلسطينيين، من الباحثين والسياسيين، على فهم وتفسير الضرر الذي لحق بالفلسطينيين وبالقضية الفلسطينية نتيجة الانقسام والحصار والتأخر في علاجهما. ولا شك في أن المخرج الذي اقترحه الكتاب، وهو المصالحة والوحدة الفلسطينيتان بوصفهما الطريق الوحيد لمواجهة الأزمات المتراكمة التي يعانيها قطاع غزة، يعدّ ضرورةً ملحّة. وذلك لأن المصالحة الفلسطينية تعني توحيد النظام السياسي، وعودة التمويل الدولي والعربي على نحو كافٍ لتمويل التنمية، وكذلك هي ضرورة لا بد منها لتوحيد المؤسسات وتوحيد خطط التنمية، كما أنها مسؤولية الجميع وليس حركة حماس فقط. ويقدم الكتاب جهود التنمية الضائعة أو التي ضاعت بسبب الانقسام في منطقة ذات خصوصية، وهي قطاع غزة الذي ما زال تحت الاحتلال الذي يتحكم في دخول وخروج البضائع والأفراد، والذي تعرض لثلاث حروب دامية وعشرات الاجتياحات والاشتباكات العسكرية التي سببت دمارًا هائلً في البنية التحتية والبشرية. كما يتناول الكتاب تداعيات الانقسام الفلسطيني على الفلسطينيين، ولا سيما أنه سبب رئيس في الانقسام الجغرافي بين القطاع والضفة، وتغييب السلطة التشريعية والقانونية، وتجميد العملية الانتخابية، وتفكيك المؤسسات، وتقليص الحريات. أشار الكتاب أيضًا إلى الانكشاف الذي سببه الانقسام في المسألة الفلسطينية، وفتح المجال لتعاظم التأثير والتدخل الإقليمي في الشأن الفلسطيني. ولذلك، ونظرًا إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يمثل السبب الرئيس لسنوات التنمية الضائعة في قطاع غزة، حيث ما زال هو المتحكم الرئيس في معابر القطاع، ويتحكم في نوعية الخدمات المقدمة من مياه وكهرباء وفي دخول المواد الخام، من الطبيعي تخصيص مساحة مهمة من الكتاب لعرض وتقديم نظريات التنمية، وفقًا لمنظورين؛ هما التنمية في ظل التبعية، والتنمية في ظل الصراع. وقد تطرق المؤلف بإسهاب إلى نظريات التنمية الاقتصادية التقليدية والحديثة، مع تركيزه الخاص على النظريات التي تناقش التنمية في أماكن وأوقات الأزمات، وقدّم ملخصًا عن نظريات الفكر التنموي التقليدي وأهمها نظرية الدفعة القوية للباحث الاقتصادي بول روزنشتين Rosenstein-Rodan Paul، التي ترى أن التدرج في التنمية لن يؤدي إلى التغلب على الركود الاقتصادي، ونظرية النمو المتوازن لراغنار نوركسه Nurkse Ragnar، التي تدعو إلى تحقيق نمو متوازن للاقتصاد بقطاعاته كافة لكسر دوائر الفقر المفرغة، ونظرية الاقتصادي الألماني ألبيرت أوتو إيريشمان Albert Hirschman Otto، التي تفيد أن الطريق الصحيح لتحقيق النمو
الاقتصادي في الدول النامية يكون بتطبيق نظرية النمو غير المتوازن وضخ الاستثمارات في قطاعات ريادية. كما تطرق الكتاب إلى نظريات الفكر التنموي الحديث، وقسّمها صنفين أساسيين، الأول: نموذج التغير الهيكلي، الذي ركز على كيفية تحويل الاقتصادات المتخلفة من اقتصادات تعتمد على الزراعة إلى اقتصادات حضرية تعتمد على تشكيلة متنوعة من الصناعات الحديثة. والثاني، الثورة النيوكلاسيكية الجديدة التي تقول إن حالة التخلف الاقتصادي تنتج من سوء تخصيص الموارد بسبب السياسات الحكومية الخاطئة. وكذلك تطرق المؤلف إلى آراء تنموية عربية في محاولة للاقتراب من الواقع العربي أكثر، ولا سيما سمير أمين، أحد رواد مدرسة التبعية ونظرية التبادل اللامتكافئ، وركز على مفهوم اقتصاد التنمية، بوصفه لا يمكن أن يكون فاعلً في تحقيق التنمية إلا إذا كان داعمً لاقتصاد سياسي للتنمية. وركز كذلك على الاقتصادي إسماعيل صبري عبد الله، الذي يرى أن النظريات التنموية التي تُرجع التخلف إلى أسباب اقتصادية وحدها، هي نظريات لا تستند إلى أي تفسير تاريخي يؤكد صوابها. وبناءً عليه، ونظرًا إلى الخصوصية في قطاع غزة، يرى المؤلف أن سلطة إصدار القرار لا تمتلك الحرية في صياغة وسن السياسات التنموية والاقتصادية، حيث إنها محكومة من سلطة الاستعمار الإسرائيلي الذي يتحكم في جميع مفاصل الحياة فيها، ما فتح المجال له لدق ناقوس الخطر حول سؤال: كيف يمكن لجهود التنمية أن تُؤتي ثمارها في ظل التبعية والصراع والانقسام وعدم الاعتراف الدولي في منطقة تخضع للعديد من المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؟ ولا شك في أن الإجابة عن هذا السؤال الصعب هي سهلة، بالقول مباشرة: لا يمكن حدوث ذلك. هنا تكمن أهمية الكتاب، حيث يحاول المؤلف الإجابة عن ذلك، فعلى الرغم من أن سياسيات الاحتلال التي تشدد الخناق على التنمية في الأراضي الفلسطينية عامة وفي قطاع غزة خاصة، فإنه لا يمكن تبرئة الانقسام الفلسطيني وسياسات السلطة الفلسطينية تجاه قطاع غزة وأداء حكومة حماس من مسؤولية تعطيل وضياع التنمية في قطاع غزة.
خاتمة
نبّه الكتاب على نحو علمي إلى الواقع المؤلم لقطاع غزة، والمشروع السياسي الفلسطيني. ويعد الكتاب، من باحث اقتصادي من قطاع غزة، دليلً مهمً موجّهًا إلى السياسيين والباحثين والصحافيين والناشطين عن الضرر الذي لحق بالفلسطينيين والقضية الفلسطينية نتيجة الانقسام الفلسطيني وتأخر علاجه. وفي هذا السياق، يبدو من السهل توجيه اللوم إلى التدخلات الخارجية عن الوضع الكارثي الذي يعيشه قطاع غزة منذ عام 2007، لكن إنكار تأثير التناحر الداخلي يضر كثيرًا بالتشخيص العلمي للوضع، ما يصعب عملية إيجاد الحلول للخروج من هذا الوضع. لذلك، فإن المصالحة والوحدة الفلسطينيتين هما الطريق الوحيد لمواجهة الأزمات المتراكمة التي يعانيها قطاع غزة. وتعني المصالحة توحيد النظام السياسي وعودة التمويل الدولي والعربي على نحو كاف لتمويل التنمية. وكذلك، هي ضرورة لا بد منها لتوحيد المؤسسات وخطط التنمية، وهي مسؤولية يتشارك فيها الجميع. لقد تم توقيع العديد من اتفاقيات المصالحة بين طرفي الانقسام، وبمشاركة كل القوى السياسية الفلسطينية في العديد من العواصم العربية والدولية، لكن المشكلة الرئيسة ليست في الاتفاقيات، بل في فقر الإرادة الحقيقية لتنفيذها. خلاصة القول، إن الانقسام الجاري منذ 14 عامًا ضار جدًا بالمشروع الوطني، وبطرفي الانقسام.