طريق الحرير الجديد في الاستراتيجية الصينية

Mohamed Mutawe محمد مطاوع |

الملخّص

تركز الدراسة على مبادرة الحزام والطريق، بوصفها مبادرة استراتيجية تهدف إلى ربط الصين بباقي دول العالم وقاراته، على نحو يجعلها تقع في مركز الثقل الاقتصادي والسياسي في العالم. وتستعرض أهم بنود المبادرة، والأهداف الاستراتيجية للصين من وراء طرحها، ووزنها الاستراتيجي في النظام العالمي. وتعمل على تحليل أهم التحديات التي تواجهها وتفسيرها، مع التركيز على المواقف تجاهها، وإدراكات القوى الدولية لها، ومن أهمها الولايات المتحدة الأميركية وروسيا واليابان والهند والاتحاد الأوروبي. كما تركز على تحديات تنفيذ المشروع، وخاصة التحديات الداخلية في الصين، ومن أهمها تمويل المبادرة، وضعف الحوكمة، وتعقيد البيروقراطية الصينية. كلمات مفتاحية: الحزام والطريق، الصين، النظام العالمي. This paper focuses on the Belt and Road Initiative, as a strategy aimed at connecting China with the rest of the world, in a way that centers Beijing in the economic and political ring. It reviews the most important items of the initiative, the strategic objectives of China, and its strategic position in the global system. Then it analyzes the most important challenges faced by China, focusing on foreign attitudes and the perceptions of international powers, including the United States of America, Russia, Japan, India and the European Union. It also focuses on the project implementation challenges, especially internal challenges in China, the most important of which is financing the initiative, weak governance, and the complexity of the Chinese bureaucracy. Keywords: Belt and Road Initiative, China, Global Order.

الأهداف الكبرى، والوزن الاستراتيجي، والتحديات

The New Silk Road in Chinese Strategy

Goals, Power and Challenges

مقدمة

في آذار/ مارس 2013 أعلن الرئيس الصيني، شي جين بينغ (-2013) Jinping Xi عن مبادرة "حزام واحد طريق واحد" One Belt One Road, OBOR، بهدف الربط بين الصين وأوروبا ووسط آسيا والشرق الأوسط، وإقامة مشروعات عملاقة كالسكك الحديدية، والطرق، والموانئ البحرية في دول مثل جيبوتي ومصر وغيرهما1. تعد هذه المبادرة، باعتبارها رؤية تنموية طويلة المدى لتحقيق الاندماج الاقتصادي من خلال تطوير البنية الأساسية والإنتاجية، أحد البرامج الطموحة للسياسة الخارجية الصينية. ويشمل الحزام ستة ممرات اقتصادية تمتد من الصين إلى جميع أنحاء أوراسيا، يتلاقى بعضها2، حيث تمثل البلدان التي تمتد من غرب المحيط الهادئ إلى بحر البلطيق على طول طريق الحزام "منطقة للتعاون الاقتصادي"3. جاءت هذه المبادرة في سياق حديث للرئيس الصيني، شي جين بينغ، عن "الحلم الصيني" وما ارتبط به من إعادة إحياء "طريق الحرير القديم/ التاريخي" إلى طريق يضم "حزام الحرير الاقتصادي الجديد"؛ مما يشير إلى رغبة الصين في تطوير علاقاتها مع دول آسيا الوسطى وروسيا وأوروبا، و"طريق الحرير البحري"، الذي يُنظر إليه على أنه محاولة لتحسين العلاقات مع جنوب شرق آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط4. تنطلق الدراسة من إشكالية رئيسة مفادها: "لماذا يمثل مشروع طريق الحرير الجديد مدخلًاستراتيجيًا للنفوذ الصيني الجيوسياسي في النظام العالمي، سواء على المستوى الجغرافي أو على مستوى توزيع القوة، على الرغم من طبيعته الاقتصادية والتنموية؟." وتسعى إلى تحقيق أربعة أهداف، وهي: أولً، تعريف طريق الحرير الجديد. ثانيًا، البحث عن الأهداف والدوافع الاقتصادية والجيوسياسية الصينية لإنشائه. ثالثًا، تتبع الوزن الاستراتيجي لطريق الحرير الجديد في النظام العالمي. رابعًا، تناول التحديات المختلفة التي تواجه تنفيذ المشروع على أرض الواقع. وترتكز على ثلاث مقولات رئيسة، وهي: أولً، إن رؤية المشروع تتجاوز تطوير البنية الأساسية، سواء داخل الصين أو في باقي الدول المنضمّة إلى المشروع، إلى كونه "مبادرة جيوسياسية" تستهدف تطوير شبكة اتصال واسعة بين الدول المختلفة لتغطي معظم الأراضي الأفريقية والآسيوية والأوروبية بما في ذلك آسيا الوسطى وجنوب آسيا وجنوب شرقها والشرق الأوسط وأوروبا وشمال أفريقيا وشرقها، حيث يشير الحزام إلى الاتصال الميداني عبر البر Surface Connectivity من خلال طريق الحرير الاقتصادي، ويشير الطريق إلى الاتصال البحري عبر مختلف البحار والمحيطات. ثانيًا، إن هذه المبادرة عبارة عن رؤية صينية تتضمن تحقيق أهدافها على المستوى المحلي، إلى جانب تعزيز سياستها الخارجية، معتمدةً على تعزيز مصالح الصين السياسية والاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي، مع سعي الصين لأن يكون لها دور ومساهمة رئيسان في الاقتصاد العالمي يكونان مؤشرًا على صعودها وتأثيرها. في حين تتمثل المقولة الثالثة في أن المبادرة الصينية تواجه تحدييَن رئيسين يتمثلان في مواقف الدول الكبرى منها، وتحديات تنفيذ المشروع على أرض الواقع.

أولا: طريق الحرير الجديد (مبادرة الحزام والطريق)

يُعد مشروع طريق الحرير الجديد، أو كما عُرف في البداية بمبادرة الحزام والطريق، مبادرة تنموية جيوسياسية وعنصرًا رئيسًا في تنفيذ استراتيجية الصين الخاصة ب "الانفتاح على العالم" التي أعلن عنها الرئيس الصيني شي جين بينغ. وترتكز المبادرة على أن الاقتصاد الصيني يحتاج على نحو مستمر ومتزايد إلى الموارد والأسواق

  1. جوناثان فلتن، "حزام واحد وطريق واحدة ومجلس التعاون لدول الخليج العربية"، في: العرب والصين: مستقبل العلاقة مع قوة صاعدة (الدوحة/ بيروت مروان قبلان (محرر)،: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2019
  2. Richard Ghiasy & Jiayi Zhou, "The Silk Road Economic Belt: Considering Implications and EU-China Cooperation Prospects," Stockholm International Peace Research Institute (February 2017), pp. xii, 2.
  3. Helen Chin & Winnie He, "The Belt and Road Initiative: 65 Countries and Beyond," Fung Business Intelligence Centre (May 2016), p. 2.
  4. Justyna Szczudlik-Tatar, "China's New Silk Road Diplomacy," The Polish Institute of International Affairs, Policy Paper , no. 34 (82) (December 2013), p. 2.

الخارجية، إضافةً إلى دعم المؤسسات المالية المختلفة لتعزيز التنمية المستدامة مع ضمان تحقيق الأمن القومي الصيني5. ويتألف "الحزام" من طريقين: "طريق الحرير البرّي" الذي يربط الصين بآسيا الوسطى وجنوب آسيا وروسيا وأوروبا، و"الطريق البحري" الذي يربط الموانئ الصينية بتلك الموجودة في جنوب آسيا وجنوب شرقها وأفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا6. وتُعَدُّ هذه المبادرة في المفهوم الصيني إعادة إحياء لطريق الحرير القديم بهدف تحقيق نظام اقتصادي عالمي مفتوح، وتنمية متوازنة ومستدامة، وتعزيز التعاون الإقليمي، والتواصل بين الحضارات، والحفاظ على السلام والاستقرار العالمييَن7. ويتضمن عدد الدول المشارِكة في تنفيذ مشاريع الطريق نحو 65 دولة من قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا ومنطقة الشرق الأوسط، بما يمثل ما نسبته 63 في المئة من سكان العالم8. أعلن الرئيس الصيني رسميًا عن إطلاق مشروع طريق الحرير الجديد، وذلك خلال زيارته كازاخستان، في 7 أيلول/ سبتمبر 2013، حيث ألقى خطابًا في جامعة نزار باييف Nazarbayev University في كازاخستان أوضح فيه أن السياسة الخارجية الصينية تجاه جيرانها تستهدف تعزيز التعاون الإقليمي مع دول وسط آسيا في مجالات الاتصالات والتجارة، وتعزيز النظام النقدي، وترابط الشعوب، وطالب بإنشاء منطقة إقليمية بوصفها نموذجًا للتعاون الإقليمي والعالمي9. وفي 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2013، زار الرئيس الصيني البرلمان الإندونيسي، حيث دعا إلى إنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية Asian Infrastructure Investment Bank, AIIB بالتزامن مع الإع ناا عن طريق الحرير البحري للقرن الحادي. وفي تشرين 10 21 st والعشرين Century Maritime Silk Road الثاني/ نوفمبر 2013، تم صياغة هذه المبادرة بوصفها رؤية متكاملة من قِبل قيادة الحزب الشيوعي الصيني وأولوية يتم تنفيذها قبل حلول عام 2020 11. وفي منتصف عام، أُ 2014 طلق اسم "حزام واحد طريق واحد"، واستُخدم مع مصطلح طريق الحرير Road Silk. وباستخدام هذا المصطلح، أكدت الحكومة الصينية الطبيعةَ التجارية والمنفتحة للنسخة الحديثة من شبكة التجارة على طول الطريق، مع استحضار ذكريات الماضي بوصفها جزءًا من دولة الصين القوية والمزدهرة، وهو ما تعمل القيادة الصينية حاليًا على استعادته في إطار رؤية استراتيجية يطلق عليها "الحلم الصيني"12. وفي هذا الإطار، أعلنت الصين عددًا من الوثائق الرسمية توضيحًا لرؤيتها لهذه المبادرة، منها وثيقة بعنوان "إنشاء الحزام والطريق: المفهوم، والممارسة والمساهمة الصينية"، وذلك خلال منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي The Belt and Road Forum for. وأوضحت هذه 2017 في أيار/ مايوInternational Cooperation الوثيقة أن "مبادرة الحزام والطريق" مبادرة صينية تستهدف تعزيز التعاون والتنمية المشتركة حول العالم، وتشمل دول العالم كافة سواء كانت كبيرة أو صغيرة، غنية أو فقيرة؛ فالكل سوف يشارك على نحو متساوٍ وشفاف ومنفتح لتحقيق السلام العالمي والتنمية المشتركة مع حصول الجميع على المكاسب المتوقعة؛ ما يساهم في تعزيز كفاءة تدفق الاستثمارات والتكامل بين الأسواق لتحقيق التنمية المتنوعة والمتوازنة والمستدامة، فضلً عن مد جسور الحوار والتفاهم المشترك بين الحضارات المختلفة. ومن خلال ذلك، تستهدف الصين الدمج بين كافة أشكال التنمية بين الدول المختلفة والتكامل بينها، مع الأخذ في الاعتبار المزايا النسبية للدول المشاركة في الطريق لتعزيز تنسيق السياسات الاقتصادية، وتحسين القدرة الاتصالية، والتعاون الثنائي والمتعدد الأطراف على نطاق أوسع من خلال إطارٍ جديد للتعاون مفتوحٍ للجميع، وشامل، ومتوازن وذي منفعة مشتركة للجميع13. وفي نيسان/ أبريل 2019، أكد الرئيس الصيني، خلال كلمته الافتتاحية لمنتدى الحزام والطريق الثاني للتعاون الدولي، أنّ الصين ليس لديها أي نية للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، أو لتصدير نظامها الاجتماعي ونموذج التنمية الخاص بها، أو فرض إرادتها على الآخرين. وتشمل المبادرة تنفيذ ستة ممرات اقتصادية بهدف

  1. Balázs Sárvári & Anna Szeidovitz, "The Political Economics of the New Silk Road," Baltic Journal of European Studies , vol. 6, no. 1 (2016), pp. 3-22.
  2. Žarko Koboevi ć , Željko Kurtela & Sr đ an Vuji č i ć , "The Maritime Silk Road and China's Belt and Road Initiative," NAŠE MORE: Znanstveni Č asopis Za More I Pomorstvo , vol. 65, no. 2 (2018), p. 114.
  3. Julan Du & Yifei Zhang, "Does One Belt One Road Strategy Promote Chinese Overseas Direct Investment?" China Economic Review , vol. 47 (2018), pp. 189-205.
  4. Harinder Kohli, "Looking at China's Belt and Road Initiative from the Central Asian Perspective," Global Journal of Emerging Market Economics , vol. 9, no. 1-3 (2018), p. 3.
  5. Justyna Misi ą giewicz & Marcin Misi ą giewicz, "China's 'One Belt, One Road' Initiative: The Perspective of the European Union," Annales Universitatis Mariae Curie-Skłodowska, sectio K-Politologia , vol. 23, no. 1 (2016), p. 34.
  6. Du & Zhang, p. 2.
  7. The Silk Road Economic Belt and the 21 st Century Maritime Silk Road," Fung Business Intelligence Center (May 2015), accessed on 30/4/2020, at: https://bit.ly/2WcYRrT
  8. Misi ą giewicz & Misi ą giewicz, p. 34.
  9. Building the Belt and Road: Concept, Practice and China's Contribution," Office of the Leading Group for the Belt and Road Initiative (May 2017), pp. 3-6, accessed on 30/4/2020, at: https://bit.ly/2KIt64T

تعزيز التكامل الاقتصادي في مجال الطاقة والسلع والخدمات وخلق منصات للتعاون مع شبكات لوجستية وبنية أساسية ومجمعات صناعية بين الدول المشاركة فيها14.

ثانيًا: الأهداف الصينية المتعددة من طريق الحرير الجديد

عادةً ما يتحدث المسؤولون الصينيون عن الطريق بصفته "صفقة مربحة لكافة الأطراف"، حيث يُساهم في زيادة معدل النمو الاقتصادي على المدى الطويل لكلٍ من الصين وشركائها، مع توفير أسواق جديدة لتصدير الإنتاج الصناعي الزائد لدى الصين، خاصةً من الفولاذ والخرسانة ومواد البناء الأخرى، وتحفيز التنمية في المناطق الغربية الفقيرة في الصين، مع التحدّث عن شكل جديد من أشكال العولمة أكثر إنصافًا من النظام السائد الذي يخدم المصالح الغربية في المقام الأول15. ويشير عدد من المؤشرات الاقتصادية خلال العقد الماضي إلى الصعود الصيني في الجوانب الاقتصادية والسياسية والعسكرية؛ فمن الناحية الاقتصادية، تضاعف النمو الاقتصادي أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للصين على مدار العقدين الماضيين، وأصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم. ومن الناحية العسكرية، تحتل الصين المرتبة الثانية في الإنفاق العسكري، وذلك وفقًا لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام16. وتسعى الصين إلى تحقيق ثمانية أهداف مركزية من وراء مشروع طريق الحرير الجديد، تراوح ما بين أهداف محلية وإقليمية ودولية وأهداف سياسية واقتصادية وثقافية. ويتمثل الهدف الاستراتيجي الصيني الأول في التعاون الاقتصادي، حيث لا تستهدف "مبادرة الحزام والطريق" تطوير البنية الأساسية وتنفيذ مشروعات مختلفة فحسب، ولكنها تستهدف أيضًا أن تكون المنصة الرئيسة لتحقيق التعاون الاقتصادي العالمي متضمنةً تنسيق السياسات والتجارة والتمويل والتعاون الاجتماعي والثقافي؛ فكما أوضحت الحكومة الصينية في الورقة البيضاء الصادرة عنها في آذار/ مارس 2015 بعنوان "الرؤية والإجراءات المشتركة بشأن إنشاء حزام طريق الحرير الاقتصادي، وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين" أن المبادرة مفتوحة وشاملة للجميع، وأن بكين ترحب بجميع الدول والمنظمات الدولية والإقليمية للانضمام إلى المبادرة. وتستهدف الصين من خلال "طريق الحرير الاقتصادي" إنشاء ثلاثة طرق تربط الصين بأوروبا من خلال آسيا الوسطى، والخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط من خلال غرب آسيا، والمحيط الهندي من خلال جنوب آسيا، مع الربط بين الممرات المائية على المستوى الإقليمي من خلال "طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين"17. وتستهدف أيضًا ربط "الدائرة الاقتصادية الحيوية لشرق آسيا" وتعزيز انضمام الدول الأفريقية إلى "الدائرة الاقتصادية الأوروبية"، من خلال إشراك نحو 65 دولة في المناطق التي أظهرت اهتمامها بالطريق. وبناء عليه، سيضمن الطريق مشاركة دول تستحوذ على نحو 55 في المئة من الناتج الإجمالي العالمي، و 75 في المئة من احتياطيات البترول، وهو ما يخدم 4.4 مليارات نسمة أو بمعنى آخر 63 في المئة من سكان العالم18. ومن أجل ربط أكبر بين الدول، تخطط بكين للاستثمار في بناء أنابيب توصيل البترول بوصفها مشروعَ بنيةٍ أساسية مع تطوير شبكات السكك الحديدية، والطرق، والموانئ، والمطارات. وفي هذا الصدد، توجد أهداف فرعية للصين تتمثّل في: تعزيز الروابط الصينية مع المناطق المجاورة، ومواجهة سياسة الولايات المتحدة المتوجّهة نحو "الارتكاز على آسيا"، وتأمين الوصول إلى السلع الأساسية اللازمة للنمو الاقتصادي الصيني مثل البترول، وتعويض الطلب المحلي من قبل الشركات الصينية على الفولاذ والإسمنت، وسدّ أو تعويض فجوة البنية التحتية الآسيوية المقدّرة بنحو 1.7 تريليونات دولار أميركي حفاظًا على النمو الاقتصادي في المستقبل، وتنفيذ مشاريع بنية أساسية لتسهيل التجارة، والدفع نحو أن تصبح العملة الصينية إحدى أهم عملات التجارة الدولية، وإعادة توجيه فائض الادخار الصيني، وإعادة استخدام القدرات الإنتاجية المحلية، والخبرة الفنية للاستثمار في مشروعات طريق الحرير، حيث يساهم الطريق في مواجهة التراجع في معدلات نمو الاقتصاد الصيني19.

  1. Fernanda Ilhéu, "New Silk Road: Trade and Investment. Perspectives for EU and New Partnerships," Center for African and Development Studies,
  2. Joel Wuthnow, "Securing China's Belt and Road Initiative: Dimensions and Implications: Testimony before the U.S.-China Economic and Security Review Commission Hearing on 'China's Belt and Road Initiative: Five Years Later'," U.S.-China Economic and Security Review Commission, 25/1/2018, p. 2, accessed on 30/4/2020, at: https://bit.ly/3cZanhu
  3. Jingdong Yuan, "Power Transition and Beijing's Japan Policy Under Xi Jinping," The Japan Institute of International Affairs, Policy Brief , 28/9/2018, p. 4. 17  Koboevi ć , Kurtela & Vuji č i ć , p. 114.
  4. Working Papers , no. 145 (2016), p. 6.
  5. Chris Devonshire-Ellis, "China's Belt & Road Initiative In The Pacific Islands," Silk Road Briefing , 23/5/2019, accessed on 30/4/2020, at: https://bit.ly/2VQ6iXm
  6. Michael Fleet, "China's Belt and Road Initiative: Harnessing Opportunities for Canada," in: Cracks in the Liberal International Order: 2018 Global Trends Report (Waterloo: Balsillie School of International Affairs, 2017), pp. 95-96.

ويتمثل الهدف الاستراتيجي الصيني الثاني في تعزيز الاقتصاد العالمي المفتوح، وزيادة تطبيق تكنولوجيا المعلومات لدعم نظام التجارة الحرة العالمية بروحٍ من التعاون الإقليمي المفتوح والشامل والمتوازن، وتعزيز التدفق المنتظم والحر للعوامل الاقتصادية وتخصيص الموارد بكفاءة عالية، وتكامل الأسواق، مع تشجيع الدول الواقعة على طول الحزام والطريق على تنسيق سياساتها الاقتصادية، مع التركيز على ضخّ طاقة إيجابية جديدة في تعزيز السلام والتنمية العالمية20. وتتمثل أهم طرق تعزيز الاقتصاد العالمي، وفقًا للرؤية الصينية، في تعزيز مشاريع البنية التحتية في الدول الواقعة على طول طريق الحرير الجديد، ما يساهم في زيادة نمو اقتصاداتها، ومن ثم المساهمة في زيادة الطلب على السلع والخدمات الصينية. وفي هذا الصدد، تُعدّ شبكات السكك الحديدية بديلً لوجستيًا مهمً لنقل المنتجات الصينية إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية، وهو الأمر الذي دفع الحكومة الصينية إلى التوجه نحو إنشاء السكك الحديدية وتطويرها، باعتبارها سمة رئيسة في استراتيجية التنمية الاقتصادية الجديدة، حيث يستغرق نقل البضائع الصينية من خلال القطار إلى غرب أوروبا نحو 16 يومًا، في حين يتطلب النقل البحري نحو 5 أسابيع مع تأخيرات عديدة قد تحدث في كثير من الحالات وارتفاع التكلفة حتى تصل إلى نحو 7 آلاف دولار أميركي، وهو ما يقرب من ثلاثة أضعاف ونصف التكلفة مقارنة بتكلفة النقل البري. وعلى الرغم من انخفاض تكلفة نقل البضائع جوًا مقارنة بالنقل البري، فإن النقل عبر السكك الحديدية يساهم في نقل البضائع الكبيرة والقابلة للتلف وذات القيمة العالية، التي قد يصعب نقلها جوًا بسبب حجمها أو وزنها21. وقد استثمرت البنوك الصينية بالفعل، نحو 250 مليار دولار أميركي في المشروعات المتعلقة بإنشاء السكك الحديدية ومحطات الطاقة22. وبناء عليه، يتمثل أحد الأهداف الاستراتيجية الصينية من المشروع في تحسين روابط النقل وتقليل تكلفة التجارة إلى أوروبا وأجزاء من أوراسيا، لتحقيق ربط أفضل للدائرة الاقتصادية لشرق آسيا من جهة والدائرة الاقتصادية الأوروبية من جهة أخرى، وذلك من خلال تقليل تكاليف نقل البضائع واختصار طول الطرق المؤدية إلى أوروبا. ويتمثل الهدف الاستراتيجي الصيني الثالث في تعزيز التجارة بين الدول المشاركة في الطريق؛ فوفقًا لتصريح الرئيس الصيني في آذار/ مارس 2015، من المستهدف أن يصل حجم التجارة مع الدول الواقعة على طول الطريق إلى 2.5 تريليون دولار أميركي سنويًا بحلول عام 2025 23. وبالفعل، أشار الرئيس الصيني، خلال كلمته الافتتاحية في منتدى الحزام والطريق الأول للتعاون الدولي في أيار/ مايو 2017، إلى أن: "إجمالي حجم التجارة بين الصين ودول الحزام خلال الفترة 2016-2014 قد تجاوز 3 تريليونات دولار، وتجاوزت استثمارات الصين في هذه البلدان 50 مليار دولار أميركي، مع إقامة الشركات الصينية 56 منطقة تعاون اقتصادي في أكثر من 20 دولة، وحققت عائدات ضريبية قدرها 1.1 مليار دولار أميركي مع توفير 180 ألف وظيفة"24. ويضمن تعزيز التجارة بين الدول المشاركة في الطريق للصين الوصول إلى الموارد البترولية، حيث يأتي تعزيز القدرة الصينية للوصول إلى الموارد الطبيعية، وخاصةًالموارد البترولية، محركًا رئيسًا لتنفيذ مشروعات طريق الحرير الجديد من خلال تنفيذ الممرات الاقتصادية الستة التي تضم مشروعات ذات استثمارات كبيرة فيما يتعلق بتطوير البنية الأساسية للحصول على الطاقة من خلال خطوط الأنابيب إلى روسيا وآسيا الوسطى والمحيط الهندي. وتتكامل هذه الرغبة الصينية مع تحقيق مصالح العديد من الدول الغنية بالموارد الطبيعية في آسيا الوسطى والشرق الأوسط، حيث تركّز الصين في آسيا الوسطى على تنفيذ مشروعات في مجالات البنية الأساسية مثل خطوط أنابيب النفط والغاز ومشروعات الطرق السريعة والسكك الحديدية وشبكات الاتصالات25. وبناء عليه، تستهدف الصين تنويع استثماراتها وأسواقها ومورّديها، من خلال زيادة حجم الاستثمار في أوراسيا، وتحفيز التجارة مع الدول غير الساحلية التي يصعب الوصول إليها ما يساهم في زيادة نمو اقتصاداتها، ومن ثمّ زيادة طلبها للسلع والخدمات الصينية. في حين يتمثل الهدف الاستراتيجي الصيني الرابع في تدويل العملة الصينية، حيث تُعِيد الصين تشكيل اقتصادها ليكون اقتصادًا مفتوحًا

  1. Vision and Actions on Jointly Building Silk Road Economic Belt and 21 st -Century Maritime Silk Road," National Development and Reform Commission, and Foreign Ministry and Ministry of Commerce, with
  2. 24  Speech by H.E. Xi Jinping, President of the People's Republic of China, delivered at the Opening Ceremony of The Belt and Road Forum for International Cooperation, 14 May 2017. 25  Michael Clarke, "The Belt and Road Initiative: Exploring Beijing's Motivations and Challenges for its New Silk Road," Strategic Analysis , vol. 42, no. 2 (March 2018), p. 91.
  3. Simeon Djankov, "The Rationale Behind China's Belt and Road
  4. approval by the State Council (March 2015).
  5. 21  Paulo Duarte, "China's One Belt One Road: Which Impacts on Regional and Global Integration?" IAPSS World Congress, 5/4/2017, p. 8.
  6. Initiative," in: Simeon Djankov & Sean Miner (eds.), "China's Belt and Road Initiative: Motives, Scope, and Challenges," Peterson Institute for International Economics, PIIE Briefing (March 2016), p. 8. 23  Ibid., p. 7.

يعزز من قدرتها على أن تصبح صانعةً للقرار ومساهِمةً في الاقتصاد العالمي بما يساهم في تدويل العملة الصينية، ليكون لها دور رئيس في تحقيق التنمية على المستوى الدولي. وبناء عليه، تسعى الصين لأن يكون لعملة الرنمينبي مكانة دولية أكبر، وأن تكون إحدى أهم العملات الرئيسة في تمويل القروض للمشروعات، ما يؤهلها لأن تصبح عملة احتياطية عالمية. وفي سبيل تحقيق ذلك، انضمت الصين في عام 2015 إلى عضوية البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير وأنشأت البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، ما أدى إلى إضافة عملة الرنمينبي إلى سلة العملات العالمية26. وفي هذا الصدد، تحدث الرئيس الصيني عن تدويل عملة الرنمينبي خلال افتتاح منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي في نيسان/ أبريل 2019 حيث قال: "سوف نستمر في تحسين نظام سعر الصرف، حيث نرى أن السوق تؤدي دورًا حاسمً في تخصيص الموارد والحفاظ على سعر صرف الرنمينبي مستقرًا على نحو أساسي عند مستوى متوازن، وسوف تساعد هذه الخطوات في ضمان النمو المطّرد للاقتصاد العالمي"27. أما الهدف الاستراتيجي الصيني الخامس فيتجسد في تعزيز تحقيق السلام وزيادة رصيد بكين من القوة الناعمة في العالم، والترويج لفلسفتها القائمة على استفادة الجميع Philosophy Win-Win. وسوف يعزز هذا المفهوم من القوة الناعمة للصين، وهو ما تحاول تحقيقه من خلال التوسع في إنشاء معاهد كونفوشيوس في الدول المشاركة في الطريق. وكذلك، فإن استخدام الصين كلمات مثل بدلً Framework "، و"إطارVision "، و"رؤيةProposal ""مقترح من "استراتيجية" Strategy يعطي للمبادرة خصوصية مختلفة عن المبادرات الأخرى في كونها غير مفروضة على الدول المشاركة فيها، ولا تضع أي نوع من أنواع المشروطية السياسية عليها، مع تأكيد الصين أن المبادرة لا يوجد لديها أي أهداف سياسية. وتقع الدوافع البيئية في سياق هذا الهدف الاستراتيجي، وذلك في محاولة تقليل اعتماد الصين على الفحم الملوث؛ فقد ساهم اعتماد الصين على استخدام الفحم في زيادة مشكلة التلوث في الصين، وبناء عليه تستهدف الصين التحول من استخدام الفحم إلى الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة المستوردة من آسيا الوسطى وروسيا، ويظهر ذلك من خلال كلمة الرئيس الصيني في افتتاحية منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي في نيسان/ أبريل 2019، حيث قال: "نتابع تحقيق التعاون المفتوح والأخضر والنظيف، وسوف نطلق مشروعات بنية تحتية خضراء وننفذ استثمارات خضراء، ونوفر تمويلً أخضر لحماية الأرض التي نسميها جميعًا 'البيت"'28. ويتمثل الهدف الاستراتيجي الصيني السادس في تنمية منطقة التبت وخلق جوار جغرافي أكثر أمنًا، حيث تستهدف الصين الاستفادة من الموقع الجغرافي لمنطقة التبت، وذلك من خلال مد الطريق إلى نيبال، مع التركيز على تنمية المناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة والمحاور الحضرية على طول الممرات الاقتصادية، بهدف تسريع عملية تنمية المناطق الحدودية والمهمشة اقتصاديًا في الصين29. ويساعد الطريق، وفقًا للمنظور الصيني، في تخفيف التهديدات الأمنية عبر الأطراف الغربية الصينية التي تعاني اضطرابات، بما في ذلك الحركات الانفصالية للتبت والإيغور وتجارة المخدرات وتسلل المتطرفين إلى غرب الصين عبر آسيا الوسطى. وترى الصين أن تعزيز البنية الأساسية والترابط الاقتصادي الإقليمي يمكن أن يساهم في معالجة جذور عدم الاستقرار في هذه المناطق، من خلال خفض معدلات الفقر وربط شينجيانغ Xinjiang ودمجها على نحو أكبر في الاقتصاد الإقليمي. وبناء عليه، يحمل هذا المشروع دوافع استراتيجية لتعزيز التنمية المحلية، بما أن النمو الصيني موجّه إلى المقاطعات الشرقية والساحلية في البلاد، ولهذا، فإن من المستهدف تحويل مقاطعة شينجيانغ الشمالية الغربية لتكون بوابة البنية التحتية في الصين لوسط آسيا وغربها، ما يفتح فرصًا للاستثمار وزيادة النشاط الاقتصادي في هذه المنطقة، ومن ثمّ معالجة الفجوات الاجتماعية والاقتصادية بين المقاطعات الساحلية الداخلية والمناطق المتصلة بالمناطق الساحلية في الصين30. أما الهدف الاستراتيجي الصيني السابع فيتجسد في الرغبة الصينية في التأثير الاقتصادي والدبلوماسي في العالم بصفة عامة، وفي آسيا بصفة خاصة؛ فقد أدى غياب الولايات المتحدة بوصفها قوة استراتيجية في منطقة أوراسيا إلى تعزيز الفرص الصينية لتوسيع قوتها الدبلوماسية والاقتصادية وتعزيزها في المنطقة. وتشمل هذه الأهداف رغبة بكين في الحفاظ على معدل نموها الاقتصادي من خلال تنفيذ أدوات جديدة للتعاون الاقتصادي الدولي مع الشركاء الجدد، وزيادة درجة التأثير الصيني في النظام الدولي، والمساهمة في الهيكل الاقتصادي العالمي، وذلك نتيجة لتجربتها الناجحة في تعزيز البنية التحتية، وتنفيذ رؤية متكاملة تتمثل في الربط بين الدول، وتعزيز التجارة، وتبادل الثقافات بين الشعوب... إلخ، مع تطوير البنية التحتية

  1. Misi ą giewicz & Misi ą giewicz, p. 36.
  2. Speech by H.E. Xi Jinping, President of the People's Republic of China, delivered at the Opening Ceremony of The Belt and Road Forum for
  3. Ibid., p. 36.
  4. Clarke, p. 91. 30  Misi ą giewicz & Misi ą giewicz, p. 36.
  5. International Cooperation, April 2019.

لتؤدي دورًا رئيسًا في تعزيز التعاون الإقليمي والتنمية، خاصة في المراحل الأولى من تنفيذ المبادرة من خلال تنفيذ عدد من المشاريع التي تربط بين الدول، متضمنةً إنشاء سكك حديدية وخطوط الغاز والاتصالات والكهرباء. ويحمل هذا الهدف الاستراتيجي في طياته تحوّطًا صينيًا من احتمالية قيام حرب/ نزاع تجاري محتمل، وذلك في إطار انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية "الشراكة عبر الباسفيك"، ما 2017 في كانون الثاني/ ينايرTrans-Pacific Partnership, TPP قلص من احتمالات إبرام شراكة للتجارة والاستثمار عبر الأطلسي إلى حد بعيد. وبناء عليه، سيواجه الطريق ضغوطات أقل فيما يتعلق بموازنة المبادرات التجارية المنافسة، وإذا قام نزاع تجاري بين الصين والولايات المتحدة، فإن الصين تتوقع أن تساندها دول طريق الحرير ولا سيما شركاؤها الأوروبيون31. في حين يتمثل الهدف الاستراتيجي الصيني الثامن في محاولة التصدّي، حيث يأتي نحو للقضايا الاستراتيجية المتعلقة بالطاقة والأمن 75 في المئة من واردات الصين النفطية من البحر، وتمر عبر مضيق ملقا بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي، ومن المحتمل أن يتم إغلاق هذا الممر في حالة حدوث أي نزاعات، ما يجعل الصين عرضة للاستغلال الاستراتيجي. وكذلك يتعرض أمن الصين الطاقوي للخطر بسبب القرصنة المنتشرة في هذه المنطقة، ما أدى إلى انخفاض اعتماد الصين على الشحنات القادمة عبر هذا المضيق جزئيًا عن طريق إنشاء قنوات تجارية بديلة عبر البر تضمن سلامة خطوط الأنابيب التي تمرّ عبر آسيا الوسطى والممرات التي تربط الصين بالمحيط الهندي مباشرة32. ومن هنا، تستهدف الصين تحقيق مكاسب من هذا المشروع على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. إذ يهدف المشروع على المستوى المحلي الصيني إلى تعزيز النمو الاقتصادي على أن يكون الاستهلاك المحلي مُحرِكًا لزيادة معدل النمو الاقتصادي. أما على المستوى الإقليمي، فيساهم المشروع في تنمية منطقة الصين الغربية33 وجيرانها في منطقة وسط آسيا، حيث سيكون تحرير التجارة والتعاون النقدي في المستقبل بمنزلة أساس جديد للمجتمع الاقتصادي الإقليمي الذي يتصل بمحاور إقليمية جديدة ومجمعات صناعية كبرى، وهو ما يرتبط بالهدف الرئيس من المشروع المُعلن الخاص بتعزيز الاتصالية والترابط عبر القارات بهدف تعزيز التجارة، وتحفيز التطور التكنولوجي. أما على المستوى الدولي، فلدى الصين خطة جيوسياسية تلاقي القبول في جانبها الاقتصادي نتيجةً لخيبة أمل عدد كبير من الدول النامية من فاعلية المؤسسات الغربية، حيث ترغب الصين في القيام بدور في إعادة التوازن الاقتصادي وتصحيح الاختلالات الاقتصادية.

ثًالث ا: الوزن الاستراتيجي لطريق الحرير الجديد في النظام العالمي: آراء متضاربة

ساهم صعود الصين السريع على رأس النظام الدولي وتصدّرها المركز الثاني من بين أكبر اقتصادات العالم، في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، وتراجع النفوذ الأميركي والأوروبي على المستوى الدولي، في ظهور أربع رؤى مختلفة بين الأكاديميين حول المكانة الصينية في العالم. تتمثل الرؤية الأولى في أن هذا الصعود الصيني سوف يساهم في إعادة تشكيل القوى في السياسة الدولية، ومن ثمّ لن يكون مهيمنًا عليها بعد الآن من الولايات المتحدة والدول الغربية فقط، ولكن سوف تساهم الصين، بوصفها قوة اقتصادية، في إعادة تشكيل وتعزيز وجود عالم أكثر توازنًا واستقرارًا في العلاقات الدولية، خاصةً مع صعود العديد من الاقتصادات الناشئة. وتتبنى دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هذه الرؤية الإيجابية تجاه المبادرة الصينية، وذلك لامتلاك الصين صورة إيجابية كبيرة لدى شعوبها، مع ترحيبهم بها شريكًا استراتيجيًا يُعتمد عليه، خاصةً في مجالات الطاقة والاستثمار. كذلك، يساهم عدم إصرار الصين على احترام حقوق الإنسان شرطًا أساسيًا للتعاون مع هذه الدول في تعزيز

  1. Wuthnow, p. 2.
  2. Yiping Huang, "Understanding China's Belt & Road Initiative: Motivation, Framework and Assessment," China Economic Review , vol. 40 (2016), p. 315.
  3. منطقة الإيغور الغربية المستقلة تعاني تراجعًا في النمو مقارنة بالشاطئ، وعلى مدار التاريخ، لم تتمتع هذه المنطقة بعلاقات إيجابية مع القيادة الصينية وشهدت توترات اجتماعية وصلت إلى تهديدات أمنية.

تلك العلاقات، وذلك على النقيض في علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية34. في حين تتمثل الرؤية الثانية في أن احتفاظ الصين بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى يحدُّ من قدرتها على حماية مصالحها في مناطق الأزمات الخارجية، وإن كان يساعدها على استدامة علاقاتها التجارية مع الدول والأنظمة السياسية المختلفة، وهو ما يحدُّ من تصدّرها بوصفها قوى كبرى في النظام الدولي. ويُحاجّ إيان بريمر Ian Bremmer بأن تأثير الصين على المستوى الدولي لا يزال محدودًا إلى حدٍ ما، على الرغم من تنامي النفوذ الصيني الاقتصادي، مع عدم تمتع النظام السياسي والاقتصادي للصين بالجاذبية في العديد من الدول الأخرى، حيث يجذب النموذج الاقتصادي الرأسمالي الزعماء السياسيين لتطلعهم إلى بناء أسواق للثروة لأنفسهم مع تقديم القليل للمواطنين35. أما الرؤية الثالثة فتنطلق من فكرة أنه يجب ألّ توضع الحاجة الصينية إلى النفط جانبًا لفهم أبعاد الوجود الصيني في العالم، حيث يساعِد فهم السياق الداخلي للصين في تقديم رؤية أوضح حول فهم التفاعلات بين المتغيرات المحلية والدولية. ومن هنا، ترى هذه الرؤية أن الصين غير مهتمة بتصدر النظام الدولي، ولكنها تسعى لتعزيز نموذجها الاقتصادي الجديد في النظام الدولي بما يسمح لها بالوصول إلى مصدر ثابت للطاقة للحفاظ على تنميتها الاقتصادية. وترى هذه الرؤية أن الصعود الصيني يسبب إزعاجًا للولايات المتحدة، ولكن الصين لا تسعى من خلال صعودها لتقويض المصالح الأميركية36. بينما تنطلق الرؤية الرابعة من فرضية أن الصين تسعى لأن تحل محل القيادة الاقتصادية الأميركية في العالم من خلال تصدير "النموذج الصيني"، واستشهد أصحاب هذه الرؤية بأن مشروع طريق الحرير الجديد يتشابه إلى حد بعيد مع "خطة مارشال" الأميركية التي أطلقتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية لتعزيز مكانتها في النظام الدولي37. حيث يرى ويليام أوفرهولت William Overholt أن مشروع طريق الحرير الجديد هو استراتيجية صينية تجاه أوروبا وآسيا وأفريقيا، يشبه إلى حد بعيد الاستراتيجية الأميركية العالمية في أعقاب الحرب العالمية الثانية التي تمثَّل جوهرها في "تطوير غرب أوروبا." فقد نجحت هذه الاستراتيجية في جعل دول العالم المتقدم حليفة للولايات المتحدة ولرؤيتها، ولكن مع الأخذ في الاعتبار عدم امتلاك الصين القوة العسكرية الكافية لحماية استراتيجيتها الاقتصادية مقارنة بالولايات المتحدة حينها38. إلا أنه، إذا تعمقنا قليلً في دراسة وجهة نظر هذا الفريق، سنجد أن هذه المقارنة غير دقيقة، حيث كان الهدف السائد من خطة مارشال آنذاك هو تعزيز إعادة البناء الاقتصادي ووحدة اقتصادات أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، بينما لو بحثنا في أهدافها الحقيقية، فإننا نجد أنها لم تهدف فقط إلى إعادة بناء اقتصادات الدول في أعقاب الحرب وإزالة العوائق التجارية ولكن إلى وقف انتشار الشيوعية من دول أوروبا الشرقية. ومقارنة بهدف الصين الرئيس من مشروع طريق الحرير الجديد الذي نجده يتمثل في تعزيز المصالح الاقتصادية للصين وفتح فرص تجارية للشركات الصينية، ومن ثمّ هو آلية لتحقيق التعاون الاقتصادي الدولي من وجهة نظر صينية وليس منحة دولية كما كان الحال في خطة مارشال39. إضافةً إلى ذلك، نجد أن المشروع الصيني أكثر اتساعًا من حيث ضمّه 65 دولة في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا بعدد سكان يقارب 4.4 مليارات نسمة، ما يمثل أكثر من نصف عدد سكان العالم، وحجم ناتج محلي بنحو 50 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، مع امتلاكها نحو ثلاثة أرباع احتياطيات الطاقة، وحجم مشروعات للبنية الأساسية مستهدف تنفيذها بقيمة تتجاوز 800 مليار دولار أميركي، من خلال تعزيز التعاون الحكومي والتنسيق بين السياسات40. ولكن هذا لا يمنع من وجود بعض نقاط التشابه بين المشروعين؛ ففي حين صرّح وزير الخارجية الصيني، وانغ يي Yi Wang أن "عدم التوازنات الاقتصادية هي السبب الرئيس للصراعات، وأن على الصين توفير المزيد من 'السلع العامة' للتخفيف من هذه الصراعات"، نجد تصريحًا مشابهًا لجورج مارشال Marshall George 1959-1880() في خطابه بجامعة هارفارد في 5 حزيران/ يونيو 1947، حيث قال "سياستنا غير موجهة ضد أي دولة أو مبدأ، ولكنها ضد الجوع والفقر، واليأس والفوضى"41. ومن هنا يمكن القول إن الآراء حول الوزن الاستراتيجي لمشروع طريق الحرير الجديد في النظام الدولي انقسمت إلى فريقين؛ يرى

  1. Henelito A. Sevilla, "China's New Silk Route Initiative: Political and Economic Implications for the Middle East and Southeast Asia," Asian Journal of Middle East and Islamic Studies , vol. 11, no. 1 (2017), pp. 84-86.
  2. Misi ą giewicz & Misi ą giewicz, p. 34.
  3. Sevilla, p. 86.
  4. Huang, pp. 314-315.
  5. Leonard K. Cheng, "Three Questions on China's "Belt and Road Initiative,"  China Economic Review , vol. 40 (2016), p. 310.
  6. Djankov & Miner, p. 6.
  7. Stephan Barisitz & Alice Radzyner, "The New Silk Road, Part I: A Stocktaking and Economic Assessment," Oesterreichische National Bank (Austrian Central Bank), no. Q3/17 (2017), p. 9, accessed on 9/5/2020, at: https://bit.ly/2YNRKZW
  8. Sárvári & Szeidovitz, p. 5.

بعض الآراء أنّ المشروع سياسي في الأساس يستهدف تعزيز الوجود الصيني على رأس النظام العالمي وزيادة نفوذه من خلال مساهمته في تخفيف التوترات وتعزيز الثقة المتبادلة مع الدول المجاورة لضمان بيئة سليمة لتنمية الصين، ومن ثمّ الحفاظ على مساحة استراتيجية مواتية لتنمية الصين على المدى الطويل. وبناء عليه، فقد أثار المشروع الكثير من الشكوك العالمية حول "أجندة الجغرافيا السياسية الخفية" للصين، وذلك لعدة أسباب تتمثل في عدم وضوح أهداف الطريق ومشروعاته، ووجود فجوة بين الخطاب السلمي للصين وسلوكها في السنوات الأخيرة، حيث قدم الرئيس الصيني رسائل متناقضة في أحاديثه تسلط إحداها الضوء على توجه "التنمية السلمية" وبناء نوع جديد من العلاقات بين القوى المختلفة لمعالجة القضايا الأمنية البارزة، وتطبيق مبدأ "حسن الجوار"، ولكن في الوقت نفسه، تتخذ الصين موقفًا حازمًا ومتشددًا تجاه نزاعاتها الإقليمية والبحرية مع الدول المجاورة، ولهذا يرى البعض أن الصين تتبنى ما يمكن تسميته خطاب "الاستعمار الجديد" فيما يتعلق بالاتجاهات المحتملة للطريق، من خلال زيادة أعباء الديون الوطنية وتحديد الدول النامية بوصفها سوقًا لاستيراد البضائع الصينية، مع تعزيز هيمنة الصين الاقتصادية والسياسية في آسيا وأفريقيا، ومن ثمّ توسيع نطاق نفوذها الجغرافي الاستراتيجي42. سوف يُحدِث الطريق تغييرًا في طبيعة القوى وتوازنها في منطقة وسط آسيا، التي كانت منذ القدم تحت نفوذ روسيا، حيث أصبحت الآن هدفًا رئيسًا لدى الصين من خلال مد الطريق داخل أراضي دولٍ مثل الهند، مع زيادة نفوذها من خلال الممر الاقتصادي الباكستاني - الصيني، وكذلك توثيق علاقاتها مع الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي43 من خلال دمج أهداف الطريق في أهداف المنظمة، وتعزيز التعاون العسكري لتحقيق الأمن الإقليمي44. وهناك آراء أخرى ترى أن هذا المشروع هو اقتصادي في الأساس يسعى لتعزيز التنمية المشتركة والتكامل الإقليمي لتشكيل نظام دولي أكثر شمولً، خاصةً للدول النامية والاقتصادات الناشئة، مع فرض "النظام الاقتصادي الجديد" في النظام الدولي من خلال تطبيق سياسة الانفتاح الشامل، ودمج الصين على نحو أكبر في النظام الاقتصادي الدولي، وتعزيز تبادل المنفعة مع دول القارات المختلفة45. ويرى هذا الفريق أن هدف المشروع ليس توسيع مجال نفوذ الصين، كما أنها ليست استراتيجية جيوسياسية للتنافس مع الولايات المتحدة أو أي قوى عظمى على الهيمنة الإقليمية، بل يتمثل الهدف النهائي للمشروع في تنفيذ مشروعات تجارية واجتماعية لتعزيز الروابط الاقتصادية والاجتماعية بدلً من العناصر الاستراتيجية مثل التعاون السياسي والأمني، وهي كذلك، آلية مفتوحة وشاملة بشأن مبادئ التشاور والمساهمة المشتركة والمنافع المشتركة من خلال ترحيب الصين بكافة الدول للمشاركة، مع إشراك المستثمرين والصناديق والبنوك المختلفة46. ويستند أصحاب هذا الفريق إلى مضمون كلمة الرئيس الصيني خلال افتتاحية منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي في أيار/ مايو 2017 حيث قال: "يجب أن نبني منصة مفتوحة للتعاون ودعم وتنمية اقتصاد عالمي مفتوح، وأن نعمل معًا على تهيئة بيئة تُسهِل الانفتاح والتطوير، وتأسيس نظام عادل ومنصف وشفاف لقواعد التجارة والاستثمار الدولية، وتعزيز التدفق المنظم لعوامل الإنتاج وتخصيص الموارد بكفاءة، وتكامل السوق بالكامل، حيث إن التجارة هي محرك مهم يقود النمو47، وفي كلمة أخرى له ألقاها في منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي في نيسان/ أبريل 2019، قال فيها: "سنعمل بِجِدّ لضمان تنفيذ سياسات الانفتاح ذات الصلة، حيث إن

  1. Zhexin Zhang, "The Belt and Road Initiative: China's New Geopolitical
  2. الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي: الصين وكازاخستان وقرغيزستان وروسيا وطاجكستان وأوزبكستان والهند وباكستان.
  3. Sean Miner, "Economic and Political Implications," in: Djankov & Miner (eds), p. 13.
  4. Vision and Actions on Jointly Building Silk Road Economic Belt and 21 st Century Maritime Silk Road," p. 10.
  5. Zhang, p. 3. 47  Speech by H.E. Xi Jinping, President of the People's Republic of China, delivered at the Opening Ceremony of The Belt and Road Forum for International Cooperation, 14 May 2017.
  6. Strategy?" Stiftung Wissenschaft und Politik (German Institute for International and Security Affairs), Research Division Asia, Working Papers (October 2018), p. 3.

توسيع الانفتاح خيارٌ اتخذته الصين لتعزيز الإصلاح والتنمية، ويلبي رغبة الشعوب في حياة أفضل، ويسهم في السلام والاستقرار والتنمية في العالم. نحن مقتنعون بأنّ صينًا أكثر انفتاحًا ستعمل على دمج نفسها في العالم وتقدم مزيدًا من التقدم والازدهار لكل من الصين والعالم بأسره"48. ويُعبّ مشروع طريق الحرير الجديد، أيضًا، عن طبيعة السياسة الخارجية الصينية أو توجهاتها في الفترة التي أعقبت الحرب الباردة، والتي هدفت إلى محاولة ردع التأثيرات الجيوسياسية الناتجة من الهيمنة الأميركية، وتوفير بديل استراتيجي واقتصادي من القيادة الأميركية الحالية للنظام الدولي، وذلك من خلال التركيز على تطوير البنية التحتية عبر المنطقة الأوراسية، مع توفير ترابط اقتصادي يتضمن إنشاء المؤسسات المالية المتعددة الأطراف بوصفها داعمً وممولً لتنفيذ مشروعات الطريق وبديلً محتملً من المؤسسات المالية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، يُعبِّ مشروع طريق الحرير الجديد عن تأثّر السياسة الخارجية الصينية بالجانب الأيديولوجي للرئيس الصيني القائم على تحقيق "الحلم الصيني" للتجديد الوطني الكبير باعتباره وسيلةً تتعدّى تحقيق الأمن الداخلي والتنمية فحسب، إلى تمكين الصين من ولوج المسرح العالمي أيضًا. وفي هذا الإطار، تستهدف الصين تحقيق هدفين رئيسين يتمثلّان في مجتمع مزدهر إلى حد بعيد بحلول عام 2021، وبلد مزدهر وقوي ومتجانس بحلول عام 2049. وعلى الرغم من أن "الحلم الصيني" يتم فهمه على الدوام على أنه استراتيجية موجهة محليًا فقط لضمان شرعية الحزب الشيوعي الصيني، ولكن ينبغي التوضيح أنه يضم أيضًا رؤية واضحة لأبعاد السياسة الخارجية الصينية، حيث إن تحقيق التجديد الوطني الكبير Great National Rejuvenation "" لن يؤدي فقط إلى تعزيز حكم الحزب الشيوعي الصيني على المستوى الداخلي، ولكن سوف يمدّ بكين كذلك بالقدرة على التأثير بفاعلية أكبر على مستوى النظام العالمي49.

رابعًا: تحديات مشروع طريق الحرير الجديد

يمكن تقسيم تحديات طريق الحرير الجديد إلى نمطين رئيسين من التحديات: يتمثل التحدي الأول في المواقف والإدراكات الدولية تجاه المشروع: "كيف تدرك دول الشرق الأوسط، والولايات المتحدة، وروسيا، واليابان، والهند، وأوروبا المشروع؟"، بينما يتمثل التحدي الثاني في معوقات التنفيذ على أرض الواقع. 1. المواقف والإدراكات الدولية تجاه المشروع تسود حالة من التفاؤل لدى دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بخصوص المشروع الصيني، وذلك نتيجة لمعاناة هذه الدول السلوكيات السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة وغيرها من القوى الأوروبية كفرنسا وألمانيا وبريطانيا. وترى هذه الدول أن وجود الصين على المستوى الدولي يجعل من بنية النظام الدولي أكثر تعدّدًا. وبالفعل، انضمت عدة دول من المنطقة إلى المشروع، مستهدفةً تحقيق مكاسب اقتصادية شاملة وتوسيع الوجود في أسواق الطاقة وتكنولوجيا المعلومات والسكك الحديدية والقطاع البنكي وغيرها من القطاعات الأخرى الواعدة، وترحب العديد من الدول، على رأسها مصر والجزائر والمملكة العربية السعودية، بالصين بوصفها شريكًا استراتيجيًا، مع عدم وجود أي قيود على دعم الشراكة الاقتصادية، وذلك على عكس العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية50.

أ. المواقف والإدراكات الأميركية تجاه المشروع

تُعدّ الولايات المتحدة واحدة من أكثر الدول المنافسة للصعود الصيني، حيث يحُدّ ذلك من الطموحات الأميركية في تقليص النفوذ البحري للصين، وتحجيم نفوذها في آسيا الوسطى، والشرق الأوسط، وشرق البحر المتوسط. وتتخوف الولايات المتحدة من مساهمة المشروع في زيادة نفوذ الصين، مع توفير مساحة لوجود كبير للاقتصادات الناشئة

  1. Speech by H.E. Xi Jinping, President of the People's Republic of China, delivered at the Opening Ceremony of The Belt and Road Forum for
  2. Clarke, p. 86. 50  Sevilla, pp. 84-86.
  3. International Cooperation, April 2019.

التي تمثلها الصين، وهو ما يمثّل تهديدًا للقيادة الأميركية في جهودها للاحتفاظ بنفوذها في آسيا الوسطى. كذلك، فإن الاستخدام المتزايد لعملة الرنمينبي لتسوية المعاملات الدولية يهدد الدولار الأميركي خاصةً في منطقة الشرق الأوسط. وتعمل الولايات المتحدة على مواجهة تنفيذ هذا المشروع من خلال: تعزيز المشاركة الاقتصادية الأميركية في آسيا مع إدخال تغييرات في المؤسسات المالية الدولية لحماية دورها في الإدارة الاقتصادية العالمية، وتشجيع الحلفاء على عدم المشاركة في تنفيذ مشاريع الطريق، وتأجيج المعارضة المحلية في الدول المشاركة في تنفيذ المشروع، من خلال استخدام الوكلاء لإثارة التوترات في دول مثل باكستان، مع ممارسة نفوذها في المنظمات الدولية لحقوق الإنسان والعمل والبيئة التي تنتقد المشروعات المنفّذة تحت شعار حماية البيئة وحقوق الإنسان51. وتتمثل الاستراتيجية الأميركية في التعامل مع طريق الحرير الجديد في مبدأ "أميركا أولً "، التي تعني أن الشركات الأميركية يجب أن تكون في أفضل وضع بما يسمح لها بالاستفادة من أي مشروعات اقتصادية عالمية، وطريق الحرير الجديد لا يمثل استثناءً من هذا المبدأ الأميركي. وترى واشنطن أن عدم تجاوبها أو تعاملها مع مبادرة الصين سيسمح لها بالتوسع في أجندتها السياسية والاقتصادية في العالم، وبالتحكم في مستقبل أوراسيا، وهو الأمر الذي تعتبره واشنطن مصدر ضررٍ كبير لها في العالم52.

ب. المواقف والإدراكات الروسية للمشروع

تَعتبِ روسيا الوجود الصيني في منطقة آسيا الوسطى بمنزلة تهديد لها، إذ تُعتبر هذه المنطقة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة إليها، فقد ظلّت "فناءها الخلفي" أكثر من قرن كامل، حيث كانت جزءًا من الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفياتي، لامتلاكها احتياطيًا هائلً من الطاقة، ولموقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين الشرق والغرب. وبرزت الصين بوصفها قوة جيوسياسية واقتصادية مركزية في منطقة آسيا الوسطى نتيجة للتبادل التجاري خلال السنوات الماضية، الذي تجاوز حجمه في عام 2013 نحو 50 مليار دولار أميركي، متجاوزًا بذلك حجم التجارة مع روسيا. وبناء عليه، فإن زيادة النفوذ الصيني في هذه المنطقة ستكون على حساب النفوذ الروسي. وفي محاولة لتقليل هذا الوجود الصيني، ناقش فلاديمير بوتين Putin Vladimir وشي جين بينغ في أيار/ مايو 2015 إمكانية دمج "حزام طريق الحرير الاقتصادي" و"الاتحاد الاقتصادي الأورو- الآسيوي" بهدف خلق مساحة اقتصادية مشتركة. وأوضح الجانب الصيني التزامه بذلك من خلال إصدار وثيقة مشتركة بعقد محادثات متعددة الأطراف حول ربط المشروعين، ولكن هذا لم ينسجم على نحو جيّد مع دول آسيا الوسطى. وفي أيلول/ سبتمبر 2015، أعلنت كازاخستان والصين عزمهما على تنسيق برنامج التنمية الوطنية السابق بوصفه جزءًا من مبادرة الحزام والطريق53. ومن ثمّ، يتمثل الهدف الروسي الرئيس من المشاركة في تنفيذ مشروع طريق الحرير الجديد في تأمين مصالحها في وسط آسيا، وسوف تتأرجح العلاقة بين الصين وروسيا على نحو بعيد، لتركيز روسيا على تعزيز شراكة الاتحاد الأوروبي - الآسيوي. بمعنى آخر، سيكون على روسيا أن تتخذ قرارًا بين خيارات صعبة: فمن جهة تعاني موسكو العقوبات المفروضة عليها من الولايات المتحدة، التي تحاول من خلالها عزلها سياسيًا عن شركائها الاقتصاديين في أوروبا، إضافة إلى انخفاض أسعار النفط، ومن ثمّ فإن الخيار الأقرب إليها هو تقاربها مع الصين. إلا أنه، من جهة أخرى، ترى موسكو أن الصين تمثل مصدر تهديدٍ لها على المدى البعيد، لأنها تقدّم مبادرة تهدف من خلالها لتتحول إلى قوة كبرى في العالم، لذا، فإن روسيا لديها تلك المخاوف حول مكانتها في المنطقة تحت دعاوى أن ذلك يضعف الاتحاد الاقتصادي الأوراسي برعايتها، إضافة إلى أن بعض السياسيين الروس يدركون أن الصين هي المنافس الحقيقي والتهديد القادم على المدى الطويل لروسيا54. وبناء عليه، يمكن القول إن مخاوف روسيا من مشروع طريق الحرير أكبر من مكاسبها المتوقعة في حالة تعاونها مع الصين. ويمكن الاستدلال على ذلك بوجود تعارض كبير بين وجهتي النظر الروسية والصينية في كيفية التعامل مع دول آسيا الوسطى، حيث تفضل بكين التعامل مع هذه الدول بمنطق التعامل الثنائي الأطراف، بينما تفضل موسكو الاعتراف بالاتحاد الأورو-الآسيوي بوصفه مؤسسة إقليمية فاعلة في إدارة العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين من جهة والدول الأعضاء من جهة أخرى. كما يهدد هذا المشروع هيمنة روسيا التقليدية على هذا الفضاء، لأن الصين تسيطر على القسط الأوفر من أنابيب ضخ النفط من كازاخستان إلى أوروبا، فضلً عن حقول نقل الغاز من تركمانستان إلى غرب الصين55.

  1. 54  Prabhat Shukla, "Understanding the Chinese One-Belt-One-Road," Vivekananda International Foundation, Occasional Paper (August 2015).
  2. 55 محمد حمشي، "التقارب المراوغ: هل تقوض مبادرة الحزام والطريق الفناء الخلفي السياسة الدولية، ملحق تحولات استراتيجية، العدد لروسيا؟"، 214 (تشرين الأول/ أكتوبر 2018)، ص 15-14.
  3. Murphy, p. 4.
  4. 51  Pádraig Murphy, "The Silk Road, XXI Century'One Belt One Road'," The Institute of International and European Affairs, 24/3/2016, p. 5.
  5. 52  Gal Luft, "Silk Road 2.0: A US Strategy toward China's One Belt, One Road Initiative," Atlantic Council, Strategy Paper , no. 11 (October 2017), pp. 15-17, accessed on 9/5/2020, at: https://bit.ly/2WIKLir

ج. المواقف والإدراكات اليابانية والهندية

من المنظور الياباني، لم تكتف اليابان بمعارضة مشروع طريق الحرير، ولكن امتدت ردة فعلها لتشمل مجموعة من الإجراءات التي تحاول بها تحجيم التهديد المتوقع من هذا المشروع على مصالحها الاستراتيجية. فقد أعلنت اليابان علنًا عن دعمها لدول جنوب شرق آسيا، خاصة الفلبين، التي تقدم شكوى في نزاعها مع الصين حول بحر الصين الجنوبي، وأرسلت مبعوثين لها بوصفهم مراقبين لهذا النزاع. وكانت اليابان تعوّل كثيرًا على تدخّل الولايات المتحدة في آسيا من الناحية الاقتصادية من خلال اتفاقية الشراكة عبر الباسفيك التي وضعها جورج بوش الابن Bush W. George 2009-2001() وقام بصياغتها باراك أوباما Obama Barack 2017-2009()، ويتمثل هدفها الرئيس في توسيع قواعد التجارة والاستثمار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ إلى جانب احتواء الصين بوصفه أهم هدف جيوبوليتيكي. وقد كانت إدارة أوباما تشدد على أهمية وجود واشنطن في آسيا والتزامها بتلك المنطقة وتوسيع الجهود المتبادلة في الاستثمارات والتجارة تحت رعايتها، إلا أنه منذ اليوم الأول لدونالد ترامب Donald Trump في البيت الأبيض ألغى تلك الاتفاقية، على الرغم من أن كثيرًا من تلك الدول التي تشملها الاتفاقية كانت ترغب في ضمان وجودها بوصفها موازنًا للصين في المنطقة، بحيث لا تكون بكين هي اللاعب الوحيد والمتحكم في المنطقة، وحتى يمكنها أن تحقق مصالح مشتركة تتفق مع مصالحها المحلية ولا تكون مقتصرة على المصالح الكبرى للصين ولا تصبح تلك الدول محكومة بما تقتضيه الرؤية الاستراتيجية الصينية. ومن هذا المنطلق، حاولت اليابان أن تقدّم مبادرة بديلة من مبادرة الحزام والطريق، أطلقت عليها مبادرة "محيط هادئ وهندي.. حر ومفتوح." ووفقًا للمنظور الياباني، تستهدف المبادرة الحفاظ على أمن وحرية الملاحة في المحيطين استنادًا إلى قواعد القانون الدولي، وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني بين الدول في هذه المنطقة التي تضم دولً آسيوية وأفريقية وتمتد إلى الشرق الأوسط. وقد أعلنت بالفعل ثلاث دول رئيسة تأييدها لهذه المبادرة، وهي الولايات المتحدة والهند وأستراليا. ويرى بعض الأكاديميين أن تلك الاستراتيجية هي رد من اليابان، وكذلك الهند، على الاستراتيجية التي تتبنّاها الصين وقلق الدولتين من الصعود الصيني في آسيا وفي منطقة بحر الصين الجنوبي. ومن المنظور الهندي، تحاول الهند أن تقوم بدور الموازن؛ فمن ناحية تربطها علاقات جيدة مع الولايات المتحدة واليابان، ومن ناحية أخرى فهي تزيد في علاقتها بالمنطقة تجاريًا منذ عام 2006 وتتجه إلى تكوين روابط مشتركة، إلا أن وجود الصين يحد من هذا الدور الهندي في المنطقة، وقد ظهر هذا جليًا منذ إعلان الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني وحماية أراضي كشمير، المنطقة المتنازع عليها بين باكستان والهند، وذلك يظهر بوصفه تحدّيًا واضحًا للهند من الصين التي تحمي مصالحها الاستراتيجية وتستكمل تنفيذ مشروعها56.

د. المواقف والإدراكات الأوروبية للمشروع

يرتكز النشاط الدولي للاتحاد الأوروبي على نحو بعيد على بناء المؤسسات والنهوض بحقوق الإنسان، ومن ثمّ قد لا يكون في منافسةٍ مع الصين في تنفيذ طريق الحرير الجديد. وعلى النقيض، يمكن القول إن هناك مصلحة أوروبية من تنفيذ المشروع لضمان تطوير البنية التحتية في أوروبا وتعزيز تنمية التجارة الدولية. وتستهدف أوروبا من تعاونها مع الصين في إطار مشروعات الطريق تعبئة القطاع الخاص لتنفيذ مشروعات البنية التحتية وتعزيز التعاون الإقليمي. ولهذا فإنها مستعدة لدعم المشروع الصيني بشرط أن تفي الصين بالمعايير الأوروبية التي تتمثل في احترام حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية. وتستهدف أوروبا، أيضًا، من خلال الشراكة مع الصين تعزيز التعاون الدولي لتعزيز تحقيق السلام والرخاء والتنمية المستدامة في شرق أوروبا ووسط آسيا، ومن ثمّ قد تظهر منافسة بين دول وسط أوروبا وشرقها في أن تصبح الجسر بين الصين والاتحاد الأوروبي من خلال مشروع طريق الحرير (المجر كانت أول دولة أوروبية تنضم رسميًا إلى مشروع طريق الحرير.) وتَعتبر الصين أوروبا الطرف الآخر من حزام طريق الحرير الاقتصادي، حيث ينطلق الطريق البري عبر كازاخستان مرورًا بروسيا ثم بيلاروسيا ومنها إلى الاتحاد الأوروبي. وبذلت الصين جهدًا كبيرًا وضخّت مبالغ هائلة من أجل تنمية البنية التحتية في أنحاء الفضاء السوفياتي السابق، وفي تنفيذ مشاريع استثمارية كبيرة في بيلاروسيا، وأوكرانيا، ودول أخرى على الأطراف الجنوبية الشرقية لأوروبا. وتعدّ صفقات الموانئ واحدة من أبرز مظاهر خطط بكين لربط الصين بأوروبا عن طريق البحر، إضافة إلى السكك الحديدية وخطوط الأنابيب. وتعتمد الموانئ على النصف البحري من المبادرة، وتبدأ من بحر الصين الجنوبي عبر المحيط الهندي مرورًا بقناة السويس، انطلاقًا إلى أوروبا عبر البحر المتوسط. وتحاول الصين تحويل استراتيجيتها إلى واقع من خلال سلسلة من عمليات الاستحواذ على الموانئ من سنغافورة إلى بحر الشمال، وبذلك تعيد رسم خريطة العالم من الناحية التجارية والنفوذ السياسي57.

  1. Ketian Zhang, "A View from the United States," The Asian Forum , 30/4/2019, accessed on 9/5/2020, at: https://bit.ly/2WIwWAj
  2. Keith Johnson, "Why is China Buying up Europe's Ports: State-Owned Port Operators are the Aggressive Leading Edge of Beijing's Massive Belt and Road Project," Foreign Policy , 2/2/2018.

وقد بدأت الشركات الصينية العملاقة مثل موانئ "كوسكو" للشحن، وميناء الصين التجاري، جولات شرائية في المحيط الهندي والبحر المتوسط والحافة الأطلسية. وفي كانون الثاني/ يناير 2018 تمكنت "كوسكو" من الاستيلاء على المحطة في زيبروغ (ثاني أكبر ميناء في بلجيكا)، وهو أول جسر عبور للشركة الصينية في شمال غرب أوروبا. وجاءت صفقة أخرى في إطار عمليات الاستحواذ في إسبانيا، وإيطاليا، واليونان خلال 2019-2018. وتسيطر الشركات الصينية على 10 في المئة من قدرة الموانئ الأوروبية، كما أنفقت "كوسكو" مليار دولار في شراء ميناء بيرايوس اليوناني وتحديثه. ومن الناحية الاقتصادية، يدرك معظم القادة الأوروبيين مبادرة طريق الحرير على أنها محاولة صينية للتغلغل وزيادة النفوذ السياسي والاقتصادي في العالم. ويثير التأثير الصيني المتزايد قلق قادة الدول الأوروبية من أن يقوم الرئيس الصيني شي جين بينغ بتحويل الاقتصاد الصيني إلى قوة سياسية مؤثرة في أوروبا. وأكد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، خلال زيارته الصين أن مشروع الحزام والطريق لا يمكن أن يكون ذا وجهة واحدة، وأنه سيتم دعم الطريق من جانب فرنسا وأوروبا في حالة اعتماده على روح التعاون ولا يمكن أن يكون مجالً للهيمنة الصينية58. فقد أشارت صيغة 1+16"" (اتفاقية المشاركة بين الصين و 16 دولة من شرق وجنوب شرق أوروبا) التي تأسست في عام 2010 إلى أن الصين تستهدف زيادة نفوذها الاقتصادي والسياسي في هذه الدول بوصفها مدخلً استراتيجيًا لزيادة نفوذها في أوروبا كلها. ومع فقدان الاتحاد الأوروبي بعضًا من جاذبيته الاقتصادية والسياسية لدى دول وسط أوروبا وشرقها، بدأت هذه الدول في البحث عن بديل، وهو ما أعطى الفرصة للصين للدخول بقوة في الأسواق الأوروبية من منطلق أن هذه الشراكة ستحقق مكسبًا مشتركًا للجميع. إلا أن إدراك أوروبا لمبادرة طريق الحرير لا يزال يتمثل في أنها محاولة للتغلغل وزيادة النفوذ الصيني في أوروبا أكثر من أنها مشروع يحقق مكسبًا مشتركًا للجميع، والدليل على ذلك أنه في نيسان/ أبريل 2018، صدر تقرير وقّعه 27 من أصل 28 سفيرًا أوروبيًا لدى الصين رأوا أن مشروعات طريق الحرير الجديد تضع الشركات الصينية في وضع تنافسي أفضل من الشركات الأوروبية، وأنها لا تتبع قواعد الشفافية الدولية59. ومنذ أن قامت الصين بتحديث ميناء بيرايوس، تمكنت من إفشال إدانة الاتحاد الأوروبي للسلوك الصيني في قضايا تشمل حقوق الإنسان وبحر الصين الجنوبي، وذلك بمساعدة اليونان. وتثير المبادرة قلق الاتحاد الأوروبي من الناحية الاقتصادية، فيرى البعض أن الصين سوف تلتهم الاقتصادات الأوروبية للحفاظ على تفوقها، وأن صفقات الموانئ ومشاريع البنية التحتية الأخرى المرتبطة بالحزام تهدد دول وسط أوروبا وشرقها. وقادت ألمانيا تيار التحفظ ضد هذه المبادرة، واشترطت تقديم الصين ضمانات لحرية التجارة والمنافسة العادلة، ولهذا السبب أوضح الرئيس الصيني، شي جين بينغ، أن المبادرة هي مشروع القرن، وأكد أن المشروع مفتوح أمام الجميع على أساس مبدأ الربح لكل الأطراف، كما أكد اعتماد المبادرة على قواعد الشفافية ونظام التجارة المفتوحة المتعددة الأطراف. وقد أطلقت الصين 51 خطًا للسكك الحديدية يربط بين الصين و 28 مدينة أوروبية. وتشير الأرقام الصينية إلى أنه منذ آذار/ مارس 2011 إلى نيسان/ أبريل 2017 تردد أكثر من ثلاثة آلاف قطار بين الصين وأوروبا، ونقلت هذه القطارات السلع الصغيرة الحجم بين الصين وأوروبا، خاصة الهواتف وأجهزة الكمبيوتر المحمولة60. ويتوقع أن يسهم طريق الحرير الجديد في إنعاش سياحي ضخم في الدول التي يمر بها، وخاصة لندن. وقد زادت الصين استثماراتها في قطاعات الصناعة والطاقة والسياحة، ولقيت المبادرة ترحيبًا كبيرًا من بريطانيا، وذلك في إطار سعيها للخروج من الاتحاد الأوروبي ستزداد رغبتها في تعميق علاقتها التجارية مع الصين61. 2. تحديات تنفيذ المشروع على أرض الواقع يواجه تنفيذ مشروع طريق الحرير الجديد عددًا من التحديات المؤسسية والأمنية، مع اختلاف وتنوع الأنظمة والمصالح السياسية والاقتصادية للدول المشارِكة. يتمثل التحدي الأول في وجود حوكمة ضعيفة، وبيروقراطية عميقة، وعدم استقرار سياسي محتمل، حيث تمتلك الدول المُشارِكة في مشروع طريق الحرير الجديد نظمً سياسية واقتصادية متنوعة ومختلفة مع وجود مخاطر قانونية ومالية للاستقرار السياسي أو الاستقرار الاجتماعي62. وتتمتع الدول المشاركة في تنفيذ مشروع طريق الحرير الجديد بمستويات مختلفة

  1. Michel Rose, "China's New 'Silk Road' Cannot be One Way, France's Macron Say's," Reuters , 8/1/2018, accessed on 10/4/2018, at: https://reut.rs/2zp7LL8
  2. Chen Xin & He Zhigao (eds.), 16+1 Cooperation and China-EU
  3. سعيد عبد الرزاق، "التنين الصيني 'سيد' طريق الحرير الجديد"، 60 الشرق الأوسط، 2017/5/20، شوهد في 2018/4/10، في https://bit.ly/2yFEBrh:
  4. المرجع نفسه. 62  Barisitz & Radzyner, p. 13.
  5. Relationship (Budapest: China-CEE Institute, 2018), pp. 122-125.

من التنمية وظروف حوكمة قد تؤدي إلى إعاقة تطوير البنية التحتية وتنمية التجارة والاستثمار بين الدول الداخلة في الطريق63. أما التحدي الثاني فيتجسد في الهيمنة الصينية على تنفيذ المشروعات المختلفة مع عدم الأخذ في الاعتبار الظروف المحلية للدول المختلفة. وعلى الرغم من اعتبار الدول المشاركة في طريق الحرير الجديد أن المشاركة الكبيرة للصين في تنفيذ المشروعات، من خلال التمويل والإدارة، ستُساهم في تسريع معدلات الإنجاز، لكنّها قد لا تحقق تأثيرًا إيجابيًا جيّدًا في الاقتصادات المحلية لهذه الدول64. في حين يتمثل التحدي الثالث في المشكلات التي تواجه تنفيذ مشروعات البنية الأساسية، حيث تتمثل القضية الرئيسة لتوسيع نطاق تمويل مشروعات البنية الأساسية والمشروعات الصناعية في تمويل الديون، وخاصة التمويل بالعملات الأجنبية، ومن ثمّ قد لا تتدفق الاستثمارات الخاصة إلى الدول التي تواجه أزمات في تسديد الديون65. أما التحدي الرابع فيتمثل في التداعيات المحتملة من التوترات الجيوسياسية: مخاطر محتملة من التداعيات السياسية المتوقعة للتوترات العسكرية في بحر الصين الجنوبي، والمشروعات التي تكون سببًا للمنافسة الجيوسياسية بين الدول المختلفة66، وتزايد أزمة "الدولة الأمنية" في شينجيانغ بسبب أقلية الإيغور67.

خاتمة

يمثل طريق الحرير الجديد مبادرة جيوسياسية تهدف إلى ربط الصين بباقي دول العالم وقاراته على نحو يجعل بكين تقع في مركز الثقل الاقتصادي والسياسي في العالم. وتتنوع الأهداف الاستراتيجية الصينية من طريق الحرير الجديد ما بين أهداف اقتصادية وأخرى جيوستراتيجية، ولكنها في النهاية تندرج تحت أهداف محلية، وإقليمية، ودولية. وتتمثل الأهداف الاستراتيجية في التعاون الاقتصادي، وتعزيز الاقتصاد العالمي المفتوح، وتعزيز التجارة بين الدول المشارِكة في الطريق، وتدويل العملة الصينية، وتعزيز تحقيق السلام وزيادة رصيد بكين من القوة الناعمة في العالم، وتنمية منطقة التبت وخلق جوار جغرافي أكثر أمنًا، ومحاولة التصدّي للقضايا الاستراتيجية المتعلقة بالطاقة. وفيما يتعلق بالوزن الاستراتيجي لمشروع طريق الحرير الجديد في النظام الدولي، انقسمت الآراء إلى فريقين: يرى الفريق الأول أنه مشروع سياسي يهدف في الأساس إلى تعزيز الوجود الصيني على رأس النظام الدولي وزيادة نفوذها فيه، بينما يرى الفريق الثاني أن هذا المشروع مشروع اقتصادي في الأساس ويسعى لتعزيز التنمية المشتركة والتكامل الإقليمي لتشكيل نظام دولي أكثر عدالة، خاصةً للدول النامية والاقتصادات الناشئة، مع دمج الصين على نحو أكبر في النظام الاقتصادي الدولي. ويواجه مشروع طريق الحرير الجديد تحديين رئيسين: يتمثل أولهما في إدراكات القوى الدولية ومواقفها تجاه المشروع، حيث نجد معارضة واضحة من الولايات المتحدة الأميركية، وتحفظات من اليابان والهند، وتخوفات ممزوجة برغبة في الاستفادة من المشروع من الجانبين الأوروبي والروسي على حد سواء، وترحيبًا من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أما التحدي الثاني فيتمثل في معوقات التنفيذ على أرض الواقع التي تكمن في تحديات تمويل المشروع وتحديات وجود حوكمة ضعيفة، وبيروقراطية عميقة، وعدم استقرار سياسي محتمل في الدول التي قررت الدخول في الطريق، كذلك تتمتع الدول المشاركة في تنفيذ مشروع طريق الحرير الجديد بمستويات مختلفة من التنمية قد تؤدي إلى إعاقة تطوير البنية التحتية وتنمية التجارة والاستثمار بين الدول الداخلة في الطريق.

  1. Peter Wolff, "China's 'Belt and Road' Initiative: Challenges and Opportunities," Report Prepared for the 2016 Annual Meeting of the Asian Development Bank, German Development Institute (Deutsches Institut für Entwicklungspolitik) (2016), p. 12.
  2. Barisitz & Radzyner, p. 13.
  3. Wolff, p. 11.
  4. Barisitz & Radzyner, p. 14.
  5. Clarke, p. 92.

المراجع

العربية

حمشي، محمد. "التقارب المراوغ: هل تقوض مبادرة الحزام والطريق الفناء الخلفي لروسيا؟." السياسة الدولية. ملحق تحولات استراتيجية. العدد 214 (تشرين الأول/ أكتوبر 2018.) قبلان، مروان (محرر.) العرب والصين: مستقبل العلاقة مع قوة صاعدة. الدوحة/ ب وررت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019

الأجنبية

"Building the Belt and Road: Concept, Practice and China's Contribution." Office of the Leading Group for the Belt and Road Initiative (May 2017). at: https://bit.ly/2KIt64T "The Silk Road Economic Belt and the 21 st Century Maritime Silk Road." Fung Business Intelligence Center (May 2015). at: https://bit.ly/2WcYRrT "Vision and Actions on Jointly Building Silk Road Economic Belt and 21 st Century Maritime Silk Road." National Development and Reform Commission, and Foreign Ministry and Ministry of Commerce. with approval by the State Council (March 2015). Barisitz, Stephan & Alice Radzyner. "The New Silk Road, Part I: A Stocktaking and Economic Assessment." Oesterreichische National bank (Austrian Central Bank). no. Q3/17 (2017). at: https://bit.ly/2YNRKZW Cheng, Leonard K. "Three Questions on China's "Belt and Road Initiative."  China Economic Review. vol. 40 (2016). Chin, Helen & Winnie He. "The Belt and Road Initiative: 65 Countries and Beyond." Fung Business Intelligence Centre (May 2016). Clarke, Michael. "The Belt and Road Initiative: Exploring Beijing's Motivations and Challenges for its New Silk Road." Strategic Analysis. vol. 42, no. 2 (March 2018). Cracks in the Liberal International Order: 2018 Global Trends Report. Waterloo: Balsillie School of International Affairs, 2017. Devonshire-Ellis, Chris. "China's Belt & Road Initiative in the Pacific Islands." Silk Road Briefing. 23/5/2019. at: https://bit.ly/2VQ6iXm Djankov, Simeon & Sean Miner (eds.). "China's Belt and Road Initiative: Motives, Scope, and Challenges." Peterson Institute for International Economics. PIIE Briefing (March 2016). Duarte, Paulo. "China's One Belt One Road: Which Impacts on Regional and Global Integration?" IAPSS World Congress. 5/4/2017. Du, Julan & Yifei Zhang. "Does One Belt One Road Strategy Promote Chinese Overseas Direct Investment?" China Economic Review. vol. 47 (2018). Ghiasy, Richard & Jiayi Zhou. "The Silk Road Economic Belt: Considering Implications and EU-China Cooperation Prospects." Stockholm International Peace Research Institute (February 2017). Huang, Yiping. "Understanding China's Belt & Road Initiative: Motivation, Framework and Assessment." China Economic Review. vol. 40 (2016). Ilhéu, Fernanda. "New Silk Road: Trade and Investment. Perspectives for EU and New Partnerships." Center for African and Development Studies. Working Papers. no.

Koboevi ć , Žarko Željko Kurtela & Sr đ an Vuji č i ć. "The Maritime Silk Road and China's Belt and Road Initiative." NAŠE MORE: Znanstveni Č asopis Za More I Pomorstvo. vol. 65, no. 2 (2018). Kohli, Harinder. "Looking at China's Belt and Road Initiative from the Central Asian Perspective." Global Journal of Emerging Market Economics. vol. 9, no. 1-3 (2018).

Luft, Gal. "Silk Road 2.0: A US Strategy toward China's One Belt, One Road Initiative." Atlantic Council. Strategy Paper. no. 11 (October 2017). at: https://bit.ly/2WIKLir Misi ą giewicz, Justyna & Marcin Misi ą giewicz. "China's 'One Belt, One Road' Initiative: The Perspective of the European Union."  Annales Universitatis Mariae Curie- Skłodowska, sectio K-Politologia. vol. 23, no. 1 (2016). Murphy, Pádraig. "The Silk Road, XXI Century 'One Belt One Road'." The Institute of International and European Affairs. 24/3/2016. Sárvári, Balázs & Anna Szeidovitz. "The Political Economics of the New Silk Road." Baltic Journal of European Studies. vol. 6, no. 1 (2016). Sevilla, Henelito A. "China's New Silk Route Initiative: Political and Economic Implications for the Middle East and Southeast Asia." Asian Journal of Middle East and Islamic Studies. vol. 11, no. 1 (2017). Shukla, Prabhat. "Understanding the Chinese One-Belt- One-Road." Vivekananda International Foundation. Occasional Paper (August 2015). Szczudlik-Tatar, Justyna. "China's New Silk Road Diplomacy." The Polish Institute of International Affairs. Policy Paper. no. 34 (82) (December 2013). Wolff, Peter. "China's 'Belt and Road' Initiative: Challenges and Opportunities." Report Prepared for the 2016 Annual Meeting of the Asian Development Bank. German Development Institute (Deutsches Institut für Entwicklungspolitik) (2016). Wuthnow, Joel. "Securing China's Belt and Road Initiative: Dimensions and Implications: Testimony before the U.S.-China Economic and Security Review Commission Hearing on 'China's Belt and Road Initiative: Five Years Later'." U.S.-China Economic and Security Review Commission. 25/1/2018. at: https://bit.ly/3cZanhu Xin, Chen & He Zhigao (eds.). 16+1 Cooperation and China-EU Relationship. Budapest: China-CEE Institute, 2018. Zhang, Ketian. "A View from the United States." The Asian Forum. 30/4/2019. at: https://bit.ly/2WIwWAj Zhang, Zhexin. "The Belt and Road Initiative: China's New Geopolitical Strategy?" Stiftung Wissenschaft und Politik (German Institute for International and Security Affairs). Research Division Asia. Working Papers (October 2018).