لماذا ينبغي مفهمة العدالة الانتقالية في البلدان العربية نظريًا وتجريبيًا؟

Jeremy Sarkin جيريمي ساركين |

الملخّص

تعرض هذه الدراسة السياقات النظرية والمعيارية للعدالة الانتقالية، وتهدف إلى ضمان إدماج نظرية العدالة الانتقالية وممارستها في نماذج العدالة الانتقالية المقترحة، والمنف ذة أحيان ا، في أماكن مختلفة من العالم، بما فيها البلدان العربية. وتؤكد ضرورة استخدام البيانات والإحصاءات ضمن أطر نظرية ومنهجية محددة، وترى أن ذلك لا يطبَّق دائمًا في الوقت الحاضر. ففي أحيان كثيرة، تصمّ م النماذج أو تنف ذ، من دون مراعاة نظرية العدالة الانتقالية. وبالمثل، عندما يقوم المتخصصون بعرض النماذج أو نقدها، لا يراعون كثيرًا هذه النظرية، ولا السياق الذي تعمل فيه تلك النماذج. وقل ما يُعرض السياق المعني، ولا يجري التأكد من أن المواد المستمدة من سياق معيّن يمكن فهمها وتطبيقها في أماكن أخرى. لذلك، يصبح من الصعب استخلاص الدروس من أماكن أخرى، حتى عندما تتشابه السياقات أو الظروف كثيرًا. كلمات مفتاحية: العدالة الانتقالية، الدول العربية، التحوّل الديمقراطي، المصالحة، لجان الحقيقة. This article aims to explain and review the theoretical and normative contexts of Transitional Justice (TJ). This is done as empirical studies or specific settings particularly in the Arab region need to be rooted much more in TJ theory. The article argues that data and statistics need to be used and evaluated and that there needs to be greater use of methodological processes including empirical studies. It is argued that at present, this is not always the case. Similarly, when models are presented or critiqued by practitioners, little regard is given to TJ theory, or the context within which those models operated. Therefore, it is difficult to see what lessons can be learnt for other places even where the context or circumstances are very similar.

Why Transitional Justice Needs to be Conceptualised in Arab States Theoretically as Well as Empirically?

Keywords: Transitional Justice, Arab Countries, Democratic Transition, Reconciliation, Truth Commissions.

مقدمة

تُعدّ الطريقة التي يقرّر من خلالها المجتمع معالجة الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان، غالبًا، عاملً حاسمً في مدى تحقيق هذا المجتمع السلام والاستقرار1. في هذا الشأن، قال رئيس جنوب أفريقيا الراحل نيلسون مانديلا Mandela Nilson 1999-1994):("في سياق تعافي البلدان من صدمات الماضي وجروحه، عليها أن تبتكر آليات ليس لمعالجة الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان فحسب، بل لضمان استعادة كرامة الضحايا والناجين والأقارب أيضًا"2. استعاد التعامل مع الماضي أهميته، وازدادت هذه الأهمية في السنوات الأخيرة، مع ظهور ما يسمى "الربيع العربي"3. لكن دولً عدة عادت إلى الاستبداد4، وفي الواقع تراجعت في أماكن كثيرة إلى هذا الحد أو ذاك5، حتى إنها تراجعت إلى ما وراء الحد الذي انطلقت منه لتحقيق الدمقرطة6. ومن أجل ضمان عدم عودة هذه التحركات إلى الخروج من الاستبداد، عزّزت الحكومات في تلك المنطقة إجراءاتها القمعية الصارمة ضدّ المجتمع المدني، وبذلت كل ما في وسعها للسيطرة على وسائل الإعلام، وأي وسائل أخرى إذا بدرت منها أي محاولة للمساس بهيبة الدولة أو انتقادها. في هذا السياق، أصبحت العدالة الانتقالية جزءًا مهمً من عملية انتقال الدول من الحكم الاستبدادي إلى الديمقراطي، طوال العقود القليلة الماضية. ونظرًا إلى الوتيرة المرتفعة لعمليات الانتقال من الحكم القمعي إلى الديمقراطية، تحوّلت معالجة مظالم الماضي إلى اختبار حاسم للأنظمة الديمقراطية الجديدة. وواجهت العملية الانتقالية تحديات كبرى، نظرًا إلى التوترات التي ظهرت بين جوانب الحقيقة والعدالة والمصالحة والسلم7. ولذلك تعبّ العدالة الانتقالية عن عملية تحوّل في بلد مرّ بمرحلة نزاعات حرجة، وينتقل نحو الديمقراطية. وعلى الرغم من هذا، ليس من الضروري أن تحدث عملية تحوّل شامل في البلد المعني. يتضمن نهج العدالة الانتقالية الآليات القضائية وغير القضائية؛ بما فيها الملاحقات القضائية وتعزيز الحق في معرفة الحقيقة وجبر الضرر والمصالحات وضمان عدم تكرار انتهاكات حقوق الإنسان باعتماد استراتيجيات مختلفة، بما فيها الإصلاح القانوني والمؤسساتي8. تهدف هذه الدراسة إلى عرض السياقات النظرية والمعيارية للعدالة الانتقالية ومراجعتها؛ لأن من الضروري للدراسات التجريبية أو الحالات المحددة أن تستند أكثر إلى نظرية العدالة الانتقالية9. ويسمح هذا الأمر بمناقشة أوجه التشابه والاختلاف في النماذج والممارسات وفهمها10؛ إذ من الممكن الاستفادة، كثيرًا، من توافر بُعدٍ نظري صارم في هذه الدراسات والتجارب، ولا سيما في الدراسات المقارنة منها11. وحريّ بنا أن نتذكر ما قاله نيل كريتز في هذا المجال: "أصبحت لجان الحقيقة حالةً شائعة، وتحوّلت إلى ممارسة معيارية. فحال الدخول في مرحلة انتقالية، ينادي الجميع فورًا بضرورة تشكيل لجنة حقيقة، من دون أي فهم حقيقي لدواعي تشكيلها وطبيعة عملها. وباستثناء بعض الأعمال الأولية الجيدة،[...]ثمة ندرة فعلية لأي بحث تجريبي جادّ حول الأثر الفعلي للجان الحقيقة في أي مكان، وأثرها في الضحايا والجناة، والمجتمع كامل "12. وتنبع أهمية ذلك من ندرة الأعمال عن أثر العدالة الانتقالية ومفاعيلها. وهنالك أمور كثيرة يجب معرفتها عن النموذج المناسب وكيفية الاستفادة من الدروس في أماكن أخرى. وتزداد فائدة استخدام نماذج أخرى

  1. Teitel Ruti G., "Transitional Justice Genealogy," Harvard Human Right Journal , vol. 16 (Spring 2003), pp. 69-94.
  2. Nelson Mandela, "Foreword," in: Neil J. Kritz (ed.) Transitional Justice:
  3. Sebastian Von Einsiedel, "Major Recent Trends in Violent Conflict,"
  4. Lotta Themnér & Peter Wallensteen, "Armed Conflicts, 1946–2013,"
  5. Charles T. Call, & Elizabeth M. Cousens, "Ending Wars and Building
  6. The Institute for Economics and Peace (IEP), The Global Peace Index 2016 (Sydney; New York; Brussels; Mexico City: 2016); The Fund for Peace,
  7. Jeremy Sarkin, "The Tension Between Justice and Reconciliation in Rwanda: Politics, Human Rights, Due Process and the Role of Gacaca Courts in Dealing with the Genocide," Journal of African Law , vol. 45, no. 2 (2001), pp. 143-172. 8  Jeremy Sarkin & Heather Sensibaugh, "Why Achieving Reconciliation in Iraq is Possible: Suggestions for Mechanisms and Processes Including a Truth and Reconciliation Commission," Fletcher Journal of Human Security , vol. 23 (2008), pp. 5-32. 9  Hugo Van der Merwe, Victoria Baxter & Audrey R. Chapman (eds.), Assessing the Impact of Transitional Justice: Challenges for Empirical Research (Washington, DC: US Institute of Peace Press, 2009). 10  Claudio Corradetti, Nir Eisikovits & Jack Rotondi (eds.), Theorizing Transitional Justice (London: Ashgate Publishing Ltd, 2015), p. 2. 11  Oskar N. Thoms, James Ron & Roland Paris, "The Effects of Transitional Justice Mechanisms: A Summary of Empirical Research Findings and Implications for Analysts And Practitioners," in: CIPS Working Paper , Centre for International Policy Studies, Ottawa (2008). 12  " Empirical Research Methodologies of Transitional Justice Mechanisms Conference," November 18-20, 2002, Stellenbosch, South Africa.
  8. How Emerging Democracies Reckon with Former Regimes , vol. I: General Considerations , (Washington, DC: United States Institute of Peace, 1995), p. xi.
  9. United Nations University Centre for Policy Research, Occasional Paper 1 (November 2014), p. 2.
  10. Journal of Peace Research , vol. 51, no. 4 (July 2014), pp. 541–554.
  11. Peace: International Responses to War-Torn Societies," International Studies Perspectives , vol. 9, no. 1 (February 2008), pp. 1-21.
  12. The States in the Fragile States Index 2015," (Washington, DC: 2015), at: https://bit.ly/3iUGm6P

إذا تبيّ أنها ملائمة لتحقيق أهداف محدّدة. ومن الأفضل قياس الأثر باستخدام أدوات منهجية مختلفة. إن هذا الاستخدام لمجموعة أدوات يجعل قياسَ نتائج عمليات العدالة الانتقالية ممكنًا. وعلى الرغم من الانتقادات التي تعرّضت لها النماذج المعتمدة في بعض المناطق بوصفها دخيلة، وغير مناسبة للظروف المحلية، ولا تناسب السياق المعني، ولا تساعد كثيرًا في تمكين المجتمعات والقدرات المحلية، فإن دروسًا كثيرة يمكن تعلّمها من جميع تلك الأمثلة13. وفي حين قامت الاتجاهات والمؤسسات الدولية بتجاهل المفهوم المحلي للعدالة في بعض الأحيان14، وتعامت عن وجود مثل هذه المفاهيم على أرض الواقع، فإنه كلما ازدادت الصرامة النظرية والعملية للعدالة الانتقالية وفي الطريقة التي يتم بها استخدامها، ازداد تدقيق هذه الأمثلة واختبارها15. وكما أشار كوفي عنان، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، في عام 2004، حين قال: "يتعيّ إيلاء التقاليد المحلّية وغير الرسمية الاهتمام الواجب لإقامة العدالة أو حلّ المنازعات، لمساعدة هذه التقاليد في مواصلة دورها الذي كثيرًا ما يكون حيويًا، مع التقيّد بالمعايير الدولية والتقاليد المحلية. ويمكن أن يسفر تجاهل هذه التقاليد، أو الخروج عليها، عن حرمان قطاعات واسعة من المجتمع من سبل الوصول إلى العدالة. وفي بيئات ما بعد الصراع خصوصًا، ينبغي للفئات الضعيفة والمستبعدة والمجني عليها والمهمشة أن تشترك أيضًا في تطوير قطاع العدالة، وأن تستفيد من مؤسساته الناشئة"16. لكن هذا الأمر لم يُراعَ أو يُلتزم دائمًا. ومع أن هذه الأفكار تتردد على أفواه كثيرة، فإنّ المطلوب زيادة التركيز على مواءمةٍ أفضل للنماذج الجديدة من العدالة الانتقالية، مع النماذج التقليدية القائمة. من هنا، تهدف هذه الدراسة إلى ضمان إدماج نظرية العدالة الانتقالية وممارستها في نماذج العدالة الانتقالية المقترحة، والمنفّذة أحيانًا، في أماكن مختلفة من العالم. كما تؤكد ضرورة استخدام البيانات والإحصاءات وتقييمها، وزيادة تطبيق العمليات المنهجية في الدراسات، ومن بينها الدراسات التجريبية. فاستخدام المناهج والمواد العلمية أمر ضروري؛ "لأن البيانات تمثّل أدلّة تجريبية، أو معلومات جُمعت بعناية وفقًا للقواعد أو الإجراءات المتّبعة في العلم"17. لكن ذلك لا يطبّق دائمًا في الوقت الحاضر. ففي أحيان كثيرة، تصمَّم النماذج أو تنفّذ من دون مراعاة نظرية العدالة الانتقالية. وكذلك، عندما يقوم المتخصصون بعرض النماذج أو نقدها، لا يراعون كثيرًا هذه النظرية، ولا السياق الذي تعمل فيه تلك النماذج. وقلمّا يُعرض السياق المعني، ولا يجري التأكد من أن المواد المستمدة من سياق معيّ يمكن فهمها في أماكن أخرى. ولذلك، يصبح من الصعب استخلاص الدروس من أماكن أخرى، حتى عندما تتشابه السياقات أو الظروف كثيرًا.

أولا: الفهم النظري للعدالة الانتقالية

يُنظر إلى العدالة الانتقالية باعتبارها عنصرًا لا غنى عنه لنجاح الانتقال إلى الديمقراطية، وبوصفها تأسيسًا لجردة شاملة للماضي18. وغدا ذلك معيارًا على مدى العقود الثلاثة الماضية19. وشهد العقدان الأخيران تقدمًا كبيرًا في مجال العدالة الجنائية الدولية وإمكان محاكمة الأشخاص بسبب ارتكابهم انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان20. وتجسّد ذلك بتشكيل محكمتين جنائيتين خاصتين برواندا ويوغوسلافيا السابقة، إضافة إلى بدء سريان اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية21. كما حدث تقدّم آخر بظهور تشكيلة هجينة جديدة من المحاكم المحلية ذات طابع دولي في دول مثل سيراليون وكمبوديا وتيمور الشرقية. وفي الوقت نفسه، حقّق منح حقوق أكبر للضحايا على الصعيد الدولي والإقليمي والمحلي تقدمًا متزايدًا من الناحيتين

  1. Patricia Lundy & Mark McGovern, "Whose Justice? Rethinking Transitional Justice from the Bottom Up,"  Journal of Law and Society , vol. 35, no. 2 (2008), pp. 265-292.
  2. Lars Waldorf, "Mass Justice for Mass Atrocity: Rethinking Local Justice as Transitional Justice,"  Temple Law Review , vol. 79, no. 1 (2006).
  3. 20  Kathryn Sikkink, The Justice Cascade: How Human Rights Prosecutions Are Changing World Politics , The Norton Series in World Politics (New York: WW Norton & Company, 2011).
  4. 21  Linda Keller, "Achieving Peace with Justice: The International Criminal Court and Ugandan Alternative Justice Mechanisms," Connecticut Journal of International Law , vol. 23 (2007), p. 212.
  5. W. Lawrence Neuman, Social Research Methods: Qualitative and Quantitative Approaches , 7 th ed. (London: Pearson, 2014).
  6. Jeremy Sarkin, Carrots and Sticks: The TRC and the South African Amnesty Process (Antwerp: Intersenti, 2004).
  7. Jeremy Sarkin, "Holding Multinational Corporations Accountable for Human Rights and Humanitarian Law Violations Committed during Colonialism and Apartheid: An Evaluation of the Prospects of Such Cases in Light of the Herero of Namibia's Genocide Case and South African Apartheid Cases Being Brought in The United States under the Alien Torts Claims Act," in: Eva Brems & Pieter van der Heede (eds.), Bedrijven en Mensenrechten (Antwerp: Maklu, 2003), p. 174.
  8. 15  Elizabeth Stanley, "Transitional Justice: From the Local to the International," in: Patrick Hayden (ed.), The Ashgate Research Companion to Ethics and International Relations (London: Ashgate, 2009), pp. 275-292.
  9. 16  United Nations, The Rule of Law and Transitional Justice in Conflict and Post-conflict Societies , Report of the Secretary-General, UN Doc, 23/8/2004, Paragraph 8, p. 12, accessed on 31/1/2021, at: https://bit.ly/3co3uck

النظرية والعملية22. وعلى الرغم من هذا، لم تمنح الأنظمة المحلّية ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تعويضاتهم بقرارات من المحاكم، بل من خلال عمليات سياسية23. والمجال الرئيس الذي يتناول هذه القضايا هو العدالة الانتقالية24. ومع أن كثيرين يعتبرون أنها لم تبرز إلى الواجهة باعتبارها مجالً متميزًا، إلّ مؤخرًا؛ أي منذ سقوط جدار برلين، فإن الواقع يشير إلى وجودها قبل ذلك بكثير25. فتاريخيًا، اضطرت دول كثيرة إلى مراعاة هذه القضايا بسبب مرورها بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. في هذا السياق، فإن سياسات الدول التي تعالج الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان تأخذ في الحسبان، عادة، هدفين: منع تكرارها، وجبر الضرر الناجم عنها26. والمقصود بذلك، غالبًا، تحقيق توازن بين حاجات الضحايا من جهة، والواقع السياسي لحكومة جديدة ترث نظامًا هشًّا لا يملك الكثير من السلطة السياسية، أو لنظام راسخ لا يريد التعامل حقًا مع تلك القضايا من جهة أخرى27. ولا تتوافر، أحيانًا، الإرادة السياسية لدى الدولة، لكنها تسترضي المجتمع الدولي أو المحتجين داخل البلاد باتخاذ بعض الإجراءات28. تُعدّ هذه القضايا مهمةً، لأن طريقة تعامل الدولة مع ماضيها تنعكس على حاضرها، وتترك أثرًا كبيرًا في مستقبلها29. ففي أغلبية الأحيان، يحدّد المراقبون المحليون والدوليون مدى نجاح النظام الجديد من خلال معالجته الماضي، بما في ذلك كيفية تعامل الضحايا والجناة فيما بينهم، وتعامل المجتمع معهم بعامة30. ومع أن إعادة توزيع الموارد، أو إعادة تجهيز أنظمة التعليم، أو الصحة أو الإسكان أو أنظمة الرعاية الاجتماعية الأخرى، تكتسب أهمية أكبر على المدى الطويل، وكذلك قضية إعادة الإعمار، فإن قضايا مثل إعداد الدساتير31 وبناء الدولة والمصالحات تكتسب الأهمية نفسها تقريبًا32. وبما أن الانتهاكات السابقة تدفع غالبًا إلى الانتقال، فإنه، غالبًا، يرغب في التأكد من أن التضحيات التي تكبدها لتغيير النظام لم تذهب أدراج الرياح33. كما أن برامج المصالحة تشكّل أفضل فرصة للحكومة الجديدة لتمييز نفسها من الأنظمة التعسفية السابقة. إن الحكومات التي تعلن رفضها مبدأ الإفلات من العقاب تُظهر التزامها بالعدالة وسيادة القانون، في حين أن المبدأ الذي يميل أكثر إلى المصالحة ويتمحور حول الضحايا هو نموذج التعاطف والتسامح. وبغض النظر عن النموذج الذي تتبناه حكومات ما بعد النزاعات، فإن سياسات المصالحة تضع الماضي على الأجندة العامة34. كما أنها ترسي قيم الانفتاح والشفافية، على النقيض من تكتّم النظام السابق وقمعه. يجب على الحكومة، في سياق الإعداد لمستقبلها، إعطاء ترسيخ الديمقراطية الأولوية، وكذلك احترام سيادة القانون وحقوق الإنسان. وتظل هذه الأهداف بعيدة المنال، إذا وجدت خارج إطار ديمقراطية فعالة. وتمتلك دول ما بعد النزاعات خيارات متعددة لمعالجة هذه القضايا؛ كأن تضع جردة شاملة للماضي وتستخدمها أداة لمساعدة المجتمعات في الانتقال من الظلم إلى السلم. إلا أن التكفير عن الماضي يُعتبر متعارضًا غالبًا مع الأهداف الوطنية في المصالحة والوحدة وإعادة البناء المؤسساتي35. وفي حين تعمل المحاكمات الجنائية ولجان الحقيقة على تسهيل الكشف عن تفاصيل الانتهاكات السابقة، فإن إحداها لا تحل محل الأخرى36، إنما يجب وضع حدود فاصلة

  1. Jessica Almqvist & C. Esposito (eds.), The Role of Courts in Transitional Justice: Voices from Latin America and Spain (New York/ London: Routledge, 2011), p. 39.
  2. Jeremy Sarkin, "Reparation for Past Wrongs: Using Domestic Courts around the World, Especially the United States, to Pursue African Human Rights Claims," International Journal of Legal Information , vol. 32, no. 2 (2004), p. 339.
  3. Sarkin, Carrots and Sticks.
  4. Jeremy Sarkin & Tetevi Davi, "Examining the Criticisms Levelled Against Transitional Justice: Towards an Understanding of the State of the Field," Human Rights and International Legal Discourse , vol. 11, no. 1 (2017), pp. 7–22.
  5. N. Roht Arriaza, "Forward," in: Der Merwe, Baxter & Chapman (eds.).
  6. Alexander Laban Hinton (ed),  Transitional Justice: Global Mechanisms and Local Realities After Genocide and Mass Violence (New Brunswick: Rutgers University Press, 2010).
  7. Chandra Lekha Sriram, Confronting Past Human Rights Violations (London: Routledge, 2004).
  8. Colleen Duggan, "'Show Me Your Impact': Evaluating Transitional Justice in Contested Spaces," Evaluation and Program Planning , vol. 35, no. 1 (2012), pp. 199-205.
  9. Jon Elster, Closing the Books: Transitional Justice in Historical Perspective (Cambridge: Cambridge University Press, 2004).
  10. Aeyal Gross, Constitution, Reconciliation, and Transitional Justice: Lessons from South Africa and Israel," The Stanford Journal of International Law , vol. 40 (2004), p. 47.
  11. Neil J. Kritz (ed.), Transitional Justice: How Emerging Democracies Reckon with Former Regimes, vol.  1: General Considerations (Washington DC: US Institute of Peace Press, 1995).
  12. Elster.
  13. Janine Natalya Clark, "Transitional Justice, Truth and Reconciliation: An Under-Explored Relationship," International Criminal Law Review , vol. 11, no. 2 (2011), pp. 241-261.
  14. Erin Daly & Jeremy Sarkin, Reconciliation in Divided Societies: Finding Common Ground (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2011).
  15. Jeremy Sarkin "To Prosecute or not to Prosecute that is the Question? An Examination of the Constitutional and Legal Issues Concerning Criminal Trials," in: Charles Villa-Vicencio & Erik Doxtader (eds.), The Provocations of Amnesty: Memory, Justice and Impunity (Claremont: David Philip Publishers, 2003), pp. 237-264.

توازن بينهما على أساس كل حالة على حدة. ونظرًا إلى الظروف المتفاوتة بين الدول، فمن المستحيل فرض آليات موحدة للعدالة الانتقالية في حالات ما بعد النزاعات. لكن من المفيد مراعاة مجموعة تدابير تساعد في العملية الانتقالية، بما فيها إصدار قوانين جديدة ومؤسسات جديدة (أو معدلة)، لأن كل دولة ناشئة يجب أن ترتكز على أسس الالتزام بحقوق الإنسان وسيادة القانون. وفي محاولة تحديد ماهية "العدالة الانتقالية"، سعى كثيرون إلى طرح فهم نظري دقيق لها37. ويزعم البعض أن تعقيداتها وأهميتها المتزايدة تضعها في خانة المجالات النامية أو الناشئة38. لكن الأسس النظرية للعدالة الانتقالية تسمح بالعثور على أصلها؛ فهي جزء من حركة حقوق الإنسان أو مجال جديد تمامًا39. ومع ذلك، يمكن تصنيف العدالة الانتقالية بصفتها مجالً مستقلًانطلاقًا من الاعتبارات التالية: 1") تتميز تمامًا من مجال حقوق الإنسان الذي انبثقت عنه؛ 2) تتضمن مجموعة من الأطراف الفاعلة التي تشترك في مجموعة من الأهداف، وتتقاطع في الممارسات نتيجة ذلك؛)3 تقيم مجموعة متنوعة من المؤسسات لتحقيق تلك الأهداف؛ 4) تضع معايير خاصة لإصدار الأحكام واكتساب الشرعية الذاتية"40. ويزعم باحثون آخرون أن "العدالة الانتقالية" ليست مجالً مستقل، لكنها "عنوان أو عباءة تهدف إلى تبرير مجموعة مساومات متنوعة متعلقة بالماضي كمحاولة إدماج تسعى لإخفاء التبعات المعيارية والأخلاقية والسياسية المختلفة تمامًا لتلك المساومات"41. ومع ذلك، فمن المسلّم به عمومًا أن العدالة الانتقالية هي "مجموعة ممارسات وآليات واعتبارات تنشأ بعد فترة نزاعات أو حروب أهلية أو ممارسات قمعية، تهدف إلى التصدي مباشرةً للانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني ومعالجتها"42. وثمة تعريف آخر يفيد بأنها "مجموعة عمليات تهدف إلى معالجة الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان، عقب فترات من الاضطرابات السياسية أو النزاعات المسلحة أو قمع الدولة"43. ولهذا السبب، تقول روزماري ناجي: "أصبحت العدالة الانتقالية عنصرًا أساسيًا ثابتًا في مجال حقوق الإنسان على الصعيد العالمي"44. قال بعض المعلقين إن العدالة الانتقالية تشير حتمً إلى حالة تحوّل من نظام استبدادي أو قمعي إلى نظام ديمقراطي45. وعلى الرغم من أن قضية التعامل مع إرث انتهاكات حقوق الإنسان هي عمومًا موضع نقاش عند وصول نظام جديد إلى السلطة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تحوّل هذا النظام إلى الديمقراطية. ففي بعض الأحيان، تكون الأنظمة الجديدة ديمقراطية بالاسم فقط، ولا تمتثل بأي حال من الأحوال للمبادئ الديمقراطية. وإضافة إلى ذلك، لا يقتصر اهتمام العدالة الانتقالية على الماضي فحسب46، بل تهتم أيضًا بضمان عدم تكرار انتهاكات واسعة النطاق في المستقبل47. ويتحقق ذلك باسترداد سيادة القانون، أو بسط سيادته فعليًا، إضافة إلى ضمان تحقيق سلم مستدام. وعلى الرغم من هذا، فإن مصطلح "العدالة الانتقالية" يستخدمه غالبًا الناشطون الميدانيون، ومعظمهم ناشطون معارضون للحكومة عادة. وهم يستخدمونه من منظور ضيق جدًا، للتأكيد الفعلي على العدالة الجزائية أو الخيار العقابي. إلا أنه يجدر بنا أن نتذكر أن للعدالة وجوهًا كثيرة، سواء في الديمقراطيات الانتقالية أو الراسخة. ويرجع ذلك غالبًا إلى الاعتبارات الوطنية في التعامل مع الماضي، وتحقيق المصالحة الوطنية، وبناء الوحدة، وإعادة بناء المؤسسات اللازمة لاستقرار الأنظمة السياسية والاقتصادية، بوصفها تتعارض مع قضايا أخرى، مثل محاسبة الناس على أدوارهم في انتهاكات حقوق

  1. Philip Clark, "Establishing a Conceptual Framework: Six Key Transitional Justice Themes," in: Philip Clark & Zachary Kaufman (eds.), After Genocide: Transitional Justice, Post-Conflict Reconstruction and Reconciliation in Rwanda and Beyond (New York: Columbia University
  2. Harvey Weinstein, "Editorial Note: They Myth of Closure, the Illusion of Reconciliation: Final Thoughts on Five Years as Co-Editor-in Chief,"
  3. Christine Bell, "Transitional Justice, Interdisciplinarity and the State
  4. Paige Arthur, "How Transitions Reshaped Human Right: A Conceptual History of Transitional Justice," Human Rights Quarterly , vol. 31, no. 2 (2009), p. 324.
  5. 47  Sriram, 26.
  6. Naomi Roht-Arriaza & Javier Mariezcurrena, (eds.), Transitional Justice in the Twenty-first Century: Beyond Truth Versus Justice (New York: Cambridge University Press, 2006). 43  Tricia D. Olsen et al., "When Truth Commissions Improve Human Rights," International Journal of Transitional Justice , vol. 4, no. 3 (November 2010), pp. 457-476, 459. 44  Rosemary Nagy, "Transitional Justice as Global Project: Critical Reflections," Third World Quarterly , vol. 29, no. 2 (2008), p. 275. 45  Kritz (ed.).
  7. Press, 2008), p. 191.
  8. International Journal of Transitional Justice , vol. 5, no. 1 (March 2011), pp. 1-10.
  9. of the 'Field' or 'Non-Field," International Journal of Transitional Justice , vol. 3, no. 1 (2009), pp. 5-27.
  10. Jeremy Sarkin, "Refocusing Transitional Justice to Focus Not Only on the Past, But Also to Concentrate on Ongoing Conflicts and Enduring Human Rights Crises," Journal of International Humanitarian Legal Studies , vol. 7, no. 2 (2016), pp. 294-329.
  11. 41  Bell, p. 6.

الإنسان في الماضي. ويجب تحقيق توازن بين حاجة الضحايا والمجتمع ككل إلى معرفة حقيقة ما حدث48 وضرورة محاكمة المسؤولين49، ولا سيما كبار عناصر الأجهزة الأمنية الحالية والسابقة، وبين الواقع السياسي لحكومة جديدة ربما ورثت دولة هشة وذات سلطة سياسية محدودة50. وتُعدّ قضية التوازن الذي يجب تحقيقه بين هذه الأهداف، وكذلك درجة التركيز المطلوبة على المصالحة، من بين الأسئلة المهمة التي تُطرح كثيرًا في هذا الصدد. ومن هنا تنشأ الأهداف المختلفة لإقامة العدالة، والمتناقضة أحيانًا. فقد تكون هذه الأهداف جزائية أو تصحيحية أو إصلاحية أو لإعادة التوزيع. وقد تكون العدالة مادية أو نفسية، كما توجد آليات كثيرة لتعزيزها، تشمل الاجتثاث واستعادة الحقوق، إضافةً إلى المبادرات الاقتصادية والاجتماعية الأوسع التي تهدف إلى تصحيح أوجه عدم المساواة الاقتصادية. وهكذا، عادة ما تنقسم الآراء بشأن أفضل السبل للمضي قدمًا في معالجة إرث انتهاكات حقوق الإنسان إلى فئتين متمايزتين، تدافع إحداهما عن العدالة الجزائية، وتتبنى الأخرى النهج التصالحي أو الإصلاحي51. ويعتقد مؤيدو العدالة الجزائية في ضرورة إيلاء العقوبات أهمية قصوى، ويصرّون على فرضها؛ لأن غيابها يؤدي إلى استمرار تآكل احترام سيادة القانون، الذي كان ضعيفًا أصلً حينما حدثت سلسلة طويلة من الانتهاكات52. وبناءً عليه، فإنهم يؤكدون أن النهج التصالحي أو الإصلاحي لا يدعم المساءلة الرسمية، ويشجع على الإفلات من العقاب، ومن المرجح أن يؤدي إلى انتهاكات أخرى في المستقبل53. ومن ناحية أخرى، يؤكد المؤيدون للنهج التصالحي أو الإصلاحي أن النهج الجزائي لا يناسب السياقات الانتقالية غالبًا. وعلى الرغم من هذا، فالاقتصار على منهج دون آخر قد يكون إشكاليًا. وقد تشكّل المحاكمات الجنائية لمرتكبي العنف الواسع النطاق وسيلة لمساعدة المجتمعات المحلية على إعادة البناء، عن طريق اكتشاف حقيقة الفظائع التي ارتكبت في الماضي، ومعاقبة مرتكبيها، والاستجابة لاحتياجات الضحايا، وكذلك تعزيز سيادة القانون والمصالحة في الديمقراطيات الناشئة54. ويتمحور النقاش بشأن الملاحقة القضائية في السياقات الانتقالية غالبًا حول وظيفتها في ردع الجرائم في المستقبل، وحول الوظيفة العقابية للمحاكمات55. لكن تمحور النقاش حول هذه المبررات قد يدفع صنّاع السياسات إلى اعتبار السلم والعدالة خيارين متنافسين. أما الذين يؤيدون العدالة التصالحية أو الإصلاحية، فينطلقون من أولوية التعايش السلمي وجبر الضرر الذي لحق بضحايا النزاعات العنيفة، بدلً من الحاجة الفورية إلى معاقبة الجناة. ويؤكدون غالبًا أن السلم أهم من العدالة، وأن بعض آليات العدالة الانتقالية يؤدي إلى زيادة تفاقم التوترات والضغوط المتفاقمة أصلً داخل المجتمع في أعقاب الانتهاكات الواسعة النطاق. ومع ذلك، فجدير بالملاحظة أن السلم والعدالة ليسا قطبين متضادين، ولا يستبعد أحدهما الآخر، ويمكن تحقيقهما معًا، وقد يعزز أحدهما الآخر إذا لم يطبّقا على حساب أحد الأطراف أو بعضها. وتنعكس المفاهيم المتعارضة بين العدالة الجزائية والتصالحية في آليات العدالة الانتقالية التي تستخدمها المجتمعات أثناء سعيها لمعالجة إرث

  1. J. S. Abrams & Priscilla B. Hayner, "Documenting, Acknowledging and Publicizing the Truth," in: Mahmoud Cherif Bassiouni (ed.), Post- Conflict Justice (Ardsley, New York: Transnational Publishers, 2002).
  2. David Wippman, "Atrocities, Deterrence, and the Limits of International Justice," Fordham International Law Journal , vol. 23, no. 2 (1999), p. 473.
  3. Jeremy Sarkin, Johan Vande Lanotte & Yves Haeck (eds.), Resolving the Tensions between Crime and Human Rights: European and South African Perspectives (Antwerp: Maklu, 2001).
  4. Keller.
  5. Diane F. Orentlicher, "Settling Accounts: The Duty to Prosecute Human Rights Violations of a Prior Regime,"  Yale Law Journal , vol. 100, no. 8 (1991), pp. 2537-2615.
  6. Jaime Malamud-Goti, "Transitional Governments in the Breach: Why Punish State Criminals?" Human Rights Quarterly , vol. 12, no. 1 (1990), p. 6.
  7. Sikkink.
  8. Louise Mallinder, "'Amnesties' Challenge to The Accountability Norm," in: Francesca Lessa & Leigh A. Payne (eds.),  Amnesty In The Age Of Human Rights Accountability: Comparative And International Perspectives (Cambridge: Cambridge University Press, 2012), pp. 69-96.

انتهاكات حقوق الإنسان56. ففي حين اختارت بعض المجتمعات تبنّي آليات العدالة الجزائية أساسًا، كالملاحقات الجنائية والاجتثاث أو التحري عن السجلات الشخصية57، فقد فضّ لت مجتمعات أخرى ميزات العدالة التصالحية أو المصالحة، واختارت لجان الحقيقة وبرامج جبر الضرر لمعالجة إرثها من انتهاكات حقوق الإنسان58. وبطبيعة الحال، لا تنفّذ آليات العدالة الانتقالية دائمًا منفصلةً. ولذلك، فقد نفّذت بعض المجتمعات آليات عدة، في محاولة لتدارك إرث الانتهاكات الواسعة النطاق لحقوق الإنسان59. وأحيانًا، تنشأ الإشكاليات من تسلسل الآليات المختلفة. لكن الذي يحدث في غالب الأحيان أن المجتمعات تسعى وراء نمط واحد مهيمن لإقامة العدالة60. وهذه نقطة ضعف أساسية؛ لأن نجاح المجتمع في التعامل مع هذه المشكلات منوط باستخدام مجموعة آليات تحقق مجموعة أوسع من الأهداف كالمساءلة والسلم والعدالة. يكمن أحد أوجه فشل العدالة الانتقالية في عدم فهم أدواتها غالبًا. وحتى لو فُهمت، فإن التركيز يتجه إلى إقامة العدالة على حساب الجوانب الأخرى غالبًا. والجدير ذكره أن للعدالة الانتقالية خمسة جوانب: الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، وضمانات عدم التكرار، والمصالحة. من الناحية النظرية، قلمّا يُتفق بشأن ركائز العدالة الانتقالية أو مكوناتها؛ إن كانت أربعًا (الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، وضمانات عدم التكرار) تؤدي إلى المصالحة، أم خمسًا بما فيها المصالحة. ويظهر ذلك في اللقب الخاص لمقرر الأمم المتحدة المعني بالعدالة الانتقالية: "المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار." فالمصالحة لا ترد في هذا اللقب الرسمي. مما يدل على أن الأمم المتحدة تعتبر فيما يبدو أن المصالحة مكوّن أو ركيزة متضمنة في جوانب العدالة الانتقالية الأربعة الأخرى. والجدير ذكره أن استخدام مصطلح "مكوّن" Component قد يكون أفضل من "ركيزة" Pillar؛ لأن الركيزة توحي بوجود أجزاء منفصلة تمامًا، بينما يشير المكوّن ضمنًا إلى سمات فضفاضة وغير منفصلة تمامًا. لكن بالتأكيد يجوز أن تكون المصالحة مكونًا في حد ذاته، ويجوز أن تكون قضية تتحقق من تلقاء نفسها في بعض الأحيان. ولا شك في أن المصالحة تتداخل أحيانًا مع أوجه أو جوانب أو ركائز أخرى. ولهذا، تُعدّ إقامة العدالة جزءًا من ضمانات عدم التكرار أيضًا؛ لأنها تعزز الردع وتترك أثرًا إيجابيًا على حدود الإفلات من العقاب، ويتوقف ذلك على كيفية تطبيقها. ويتداخل جبر الضرر مع ضمانات عدم التكرار، وكذلك مع استجلاء الحقيقة. ولذلك، فإن المصالحة وعمليات تعزيزها لا تعتمد دائمًا على مفاهيم الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار. ونعود إلى المقرر الخاص بابلو دي غريف الذي قال: "لا يجوز اعتبار المصالحة[...]هدفًا يمكن تحقيقه بمعزل عن تنفيذ نهج شامل للتدابير الأربعة"61. ومع ذلك، يمكن إعداد عمليات المصالحة وتنفيذها على نحوٍ مستقل من دون الرجوع إلى الركائز أو المكونات الأخرى أو الاعتماد عليها. وكما ذكرنا آنفًا، لا يعني ذلك أن الركائز أو المكونات الأربعة لا تؤدي دورًا مؤثرًا في تحقيق المصالحة في معظم الأحيان. ومع ذلك، يمكن إنجاز قسط كبير منها من دون ارتباط محدد بالمكونات الأخرى. ويجب بذل المزيد من الجهد، لإبراز الدور الحاسم للمصالحة في ضمانات عدم التكرار62. ويجب التعامل مع المصالحة، باعتبارها جانبًا مستقلً. وعدم القيام بذلك يغفل حقيقة أن المصالحة وهذه العمليات هي قضايا قائمة بذاتها أيضًا. ويكتسي ذلك أهمية كبيرة؛ لأن الخطاب السائد يبرز غالبًا المكونات المختلفة لركائز العدالة الانتقالية بصفتها مواضيع مستقلة، في حين يجب اعتبارها تسير على التوازي، ويدعم بعضها بعضًا، وتتداخل وتتبادل الاستفادة63. لا تجري الأمور على هذا المنوال دائمًا؛ لأن ركائز العدالة الانتقالية أو مكوناتها قد تتعارض أو تتضارب أحيانًا مع جوانبها الأخرى. فقد يُنظر مثلً إلى الملاحقة القضائية على أنها تتعارض مع البحث عن الحقيقة؛ فخشية الجناة من المساءلة تؤدي إلى تقليل احتمال تعاونهم.

  1. Martha Minow, Between Vengeance and Forgiveness: Facing History after Genocide and Mass Violence (Boston: Beacon Press, 1998), pp. 19-21.
  2. Lavinia Stan (ed.), Transitional Justice in Eastern Europe and the Former Soviet Union: Reckoning with the Communist Past (London: Routledge, 2008).
  3. Robert Cryer, An Introduction to International Criminal Law and Procedure (Cambridge: Cambridge University Press, 2007), p. 561.
  4. Eric Brahm, "Getting to the Bottom of Truth: Evaluating the Contribution of Truth Commissions to Post-Conflict Societies," Paper presented at the Wisconsin Institute for Peace and Conflict Studies, 20 th Annual Conference (October 6-8, 2004).
  5. Ibid.
  6. United Nations, General Assembly, Report of the Special Rapporteur on the Promotion of Truth, Justice, Reparation and Guarantees of Non- recurrence, Pablo de Greiff , 9/8/2012, p. 12, accessed on 11/11/2020, at: https://bit.ly/3jF0QAF
  7. Jeremy Sarkin, "The Interrelationship and Interconnectness of Transitional Justice and the Rule of Law in Uganda: Pursuing Justice, Truth, Guarantees of Non-Repetition, Reconciliation and Reparations for Past Crimes and Human Rights Violations," Hague Journal on the Rule of Law , vol. 7, no. 1 (2015), pp. 111-139.
  8. Jeremy Sarkin, "Providing Reparations in Uganda: Substantive Recommendations for Implementing Reparations in the Aftermath of the Conflicts that Occurred over the Last Few Decades," African Human Rights Law Journal , vol. 14, no. 2 (2014), pp. 526-552.

لقد أصبح استجلاء الحقيقة قضية معترفًا بها في السنوات الأخيرة بصفتها حقًا قانونيًا للضحايا. ذلك لأن كشف الحقيقة حول ما حدث يشكل غالبًا محور اهتمام مجموعة من الأطراف الفاعلة، معظمها من الضحايا. فمنذ أول تشكيل للجان الحقيقة في سبعينيات القرن الماضي، أطلقت دول كثيرة عمليات ومؤسسات تهدف لمعرفة حقيقة ما جرى. ولهذه العمليات والمؤسسات مهمات مختلفة، بما فيها الحد من إنكار الجرائم المرتكبة في الماضي. ويستطيع الضحايا الحصول على إقرار علني بمعاناتهم. ويمكّنهم الاعتراف الرسمي بما حدث لهم من معالجة مشكلات وضعهم القانوني وحل مشكلاتهم الأخرى. وفي حالات الاختفاء، يجب أن تتوافر إمكانية إصدار شهادة وفاة تسمح بمعالجة الشؤون المالية للشخص المعني. وتستفيد عملية الكشف عن الحقيقة، سواء في إطارها الواسع أو الضيق، من هذه الإجراءات. فاستجلاء الحقيقة على المستوى الكلي يسمح للمجتمع ككل بمعرفة الصورة الأكبر؛ ما الذي جرى؟ ومن قام به؟ ولصالح من؟ ولماذا؟ وبناء عليه، تُصاغ سردية تاريخية تسمح بتصويب نسخة مكتملة من التاريخ أو إقرارها. وفي الوقت نفسه، تُجمع الروايات الصغيرة عما جرى، وتضاف إليها الروايات الفردية، من أجل وضع نسخة شاملة. وبذلك، يغدو صعبًا للغاية تسويق مقولة العناصر المارقة وتحميلها مسؤولية ارتكاب أعمال غير مشروعة. إن تقريرًا عامًا، يُصاغ في إطار عملية قانونية موثوقة ومتعددة الأوجه، يفيد المجتمع على المدى الطويل، ويساعد في الحد من أعمال العنف، وفي إعادة بناء الدولة أيضًا. لكن إذا شابت العملية تصورات متحيزة أو افتقرت إلى التمثيل أو تسرب ما يفيد بأنها ليست شاملة أو كافية، فإنها لن تتوصل بنفسها إلى إقناع الناس بأن المشكلات قد عولجت العلاج المناسب. وهو الأمر الذي قد يترتب عليه مطالب مستقبلية بإعادة معالجة تلك المشكلات. وقد يتشكل انطباع، في بعض أوساط المجتمع التي يعنيها ذلك الماضي على الأقل، مفاده أنّ آلام الماضي لم تعالج على النحو الصحيح؛ ما قد يؤدي إلى اندلاع أعمال العنف. ورغم اعتقاد الكثيرين بأن الزمن كفيل بشفاء جروح الماضي، فإن ذلك لا يعني أن الناس ينسون، أو أن القضايا يتم طمسها. وثمة أناس من بقاع شتى من العالم يبحثون عن إجابات عن أحداث وقعت منذ عقود و/ أو حتى قرون.

ثانيًا: ما أهمية إدماج نظرية العدالة الانتقالية وممارستها؟

تمرّ العدالة الانتقالية بمنعطف حاسم64. ولقد تحققت إنجازات كثيرة في مختلف الدول التي تقع في نطاق اهتمام العدالة الانتقالية. لكن النظرية والممارسة لا تتطابقان دائمًا أو بالحدود الكافية في كثير من الأماكن التي تشهد تحقيق هذه الإنجازات65. وينطبق ذلك على مختلف التخصصات التي تطبّق العدالة الانتقالية66. فالعدالة الانتقالية ليست مجرد فصل في القانون، بل إن القانون ليس سوى أحد مكوناتها. ويتضح في الواقع أنها تتكون من مجالات وتخصصات متنوعة ومختلفة67. وهي تشمل على سبيل المثال لا الحصر، القانون وعلم النفس والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم الجريمة وحقوق الإنسان ودراسات السلام والدراسات السياسية والعلاقات الدولية وحل النزاعات والفنون والموسيقى والمسرح. ذلك أن العدالة الانتقالية لها تأثير كبير في مجالات عدة، وتزداد مشاركتها في الخطاب السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتاريخي والأخلاقي والقانوني. فمن الناحية النظرية، يجب أن تساهم هذه التخصصات في إثراء جوانب العدالة الانتقالية. ومن الناحية العملية، تضيف هذه التخصصات إلى العدالة الانتقالية تصورات، ومبادئ، ولغات، وتعبيرات، ونتائج مرجوة مختلفة. وبالنتيجة، فالاختلاف بشأنها لا مفر منه، وكذلك التضارب الواسع للتصورات بشأن ماهيتها ودورها المفترض. إضافة إلى ذلك، ليس من المستغرب أن تنشأ تصورات مختلفة للعدالة الانتقالية وأن يعالجها أناس من مجالات مختلفة، لأن الباحثين في مختلف هذه التخصصات يأتون من مشارب شتّى ويتمتعون بخبرات مختلفة. ولذلك، تحافظ مختلف التخصصات والمجالات التي تعمل ضمن العدالة الانتقالية على استقلاليتها، وتستخدم مفاهيم ومصطلحات مختلفة68. وهذا ما يجعل الناس يتحدثون عن أشياء مختلفة بطرق وتصورات متعددة. وتقوم مختلف التخصصات بتطبيق العدالة الانتقالية وتلتزمها بطرق شتى وثيقة الصلة بهذا الموضوع. وهذا يعني غالبًا نشوء حوار طرشان بين الناس، عندما يتحدثون عن العدالة الانتقالية. تحظى العدالة الانتقالية بفرصة حيوية لتكون متعددة ومتداخلة التخصصات؛ وعلى هذا الأساس يجب استيعاب المفاهيم والمصطلحات واستخدامها بطرق متماثلة69. إن مشكلة المفاهيم النظرية للعدالة الانتقالية في السياقات المعيارية تختفي غالبًا عند تطبيقها في السياقات العملية، حيث يُنظر إليها

  1. 69  Kerry Clamp & Jonathan Doak. "More than Words: Restorative Justice Concepts in Transitional Justice Settings," International Criminal Law Review , vol. 12, no. 3 (2012), pp. 339-360.
  2. Susanne Buckley-Zistel et al. (eds.), Transitional Justice Theories (New York: Routledge, 2013).
  3. Bell.
  4. Ibid.
  5. Buckley-Zistel et al., "Transitional Justice Theories: An Introduction," in: Buckley-Zistel et al. (eds.).
  6. 64  Jaya Ramji-Nogales, "Designing Bespoke Transitional Justice: A Pluralist Process Approach," Michigan Journal of International Law , vol. 32, no. 1 (2010), p. 21.

بوصفها عملية سياسية تهدف إلى مساومة معارضين سياسيين. وتُستخدم في معظم الأحيان أداةً لمعارضة الدولة أو مساومتها في مرحلة تتسم بتسامح أكبر في معالجة الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان. وفي هذه الحالات، ولا سيما عند إطاحة نظام سابق، ينصبّ التركيز غالبًا على المساءلة، وليس على جوانب أخرى من العدالة الانتقالية، مثل الحقيقة، وجبر الضرر، وضمانات عدم التكرار، والمصالحة. كما يغيب عن الذهن في معظم الأحيان أن العدالة الانتقالية ليست ذات طابع محلي بحت؛ ذلك أنها تفسح المجال أيضًا لاتخاذ إجراءات دولية وإقليمية وشبه إقليمية. ومع أن الاعتقاد السائد بأن الأطراف الفاعلة الخارجية يقتصر دورها على محاكمة الأطراف الفاعلة الأخرى أو مساعدتها في الأدوار المنوطة بها، فإن لها مجموعة أدوار أخرى أيضًا. وهذه مشكلة أخرى تتعلق بالفهم النظري لمصطلح "العدالة الانتقالية" نفسه70. ذلك أن هذا المصطلح وثيق الصلة ليس بالسياقات الانتقالية فحسب، بل بالسياقات الأخرى أيضًا. إلا أنه يمكن القول إنه لا يوجد بلد في حالة سكون، وإن جميع البلدان تمرّ بحالة من الانتقالات المستمرة. وفي الحقيقة تكمن القضية هنا في طبيعة الانتقال: جذري أم محدود؟ وينطبق الاختلاف النظري نفسه على مصطلح "العدالة"؛ لأن العدالة الانتقالية في واقع الأمر وبحسب تقييم هذه المقالة أكبر مما يتضمنه مفهوم العدالة الصرف. وفي الحقيقة، فإن لإقامة العدالة في هذا السياق جوانب عديدة. على الرغم من أن البعض تحدّث عن الاهتمام المبالغ فيه لمنظري العدالة الانتقالية بما يجب أو يُتوقع تحقيقه من تطبيقها بعد فترة من الانتهاكات الواسعة النطاق71، فإن التركيز المبالغ فيه على فوائدها المحتملة أدى إلى نقص في البحث التجريبي، ولا سيما في آلية تصور العدالة الانتقالية وممارستها على المستوى المحلي. ويشكّل ذلك مبعث قلق خاص؛ إذ تشير الأدلة إلى عدم توافق تجارب العدالة الانتقالية "على المستوى الجزئي" Micro-level مع التوقعات العالمية المفترضة في معظم الأدبيات. لكن هذا المنحى بدأ في التغير مع زيادة التركيز على الدراسات التجريبية72. ومع ذلك، فإن هذه الدراسات لا تدمج دائمًا بين النظرية والممارسة، وتركّز عادة على دراسة حالة واحدة، ولا تستخلص الدروس عمومًا للاستفادة منها في سياقات أخرى. ولذلك وجهت الانتقادات إلى ما اعتبُر أنه بحوث غير سياقية، 73 اعتمدها كثيرون عند تحليل فاعلية آليات العدالة الانتقالية. وبناء على ذلك، انتقد البعض اعتماد البحث التجريبي على فترات زمنية متفرقة. فهذه الفترات لا تقدّم إرشادات موثوقة بشأن فاعلية أي آلية من آليات العدالة الانتقالية. وبدلً من ذلك، فإن معرفة مشاعر الناس قبل تنفيذ آليات العدالة الانتقالية مفيدة لقياس آثارها. ومع أن دراسات فردية عديدة تناولت طريقة تعامل دول معينة مع ماضيها، فإنها لم تكن ذات طابع تجريبي من الناحية النظرية74. وتفتقر دراسات عديدة إلى البعدين النظري والمنهجي75. كما يعاني الانتقال على المستوى المحلي مشكلات متعددة، كما قال ألكسندر هينتون: "مهما كانت النيات حسنة، يجب على العدالة الانتقالية أن تعالج على نحوٍ أعمق الفوضى الناجمة عن التدخلات العالمية والعابرة للحدود والمحلية، والحقائق الميدانية المتقاطعة، والتعقيدات التي يتم تجاهلها في معظم الحالات، ويرجع ذلك جزئيًا إلى تفضيل مجموعة من 'السلع' المعيارية الليبرالية، مثل سيادة القانون والسلم والمصالحة والمجتمع المدني وحقوق الإنسان والعدالة ومكافحة الإفلات من العقاب"76.

  1. Ibid.
  2. Anna Macdonald, "From the Ground Up: What does the Evidence Tell us about Local Experiences of Transitional Justice?" Transitional Justice Review , vol. 1, no. 3, Article 4 (2015), accessed on 28/1/2021, at: https://bit.ly/2KURaoH
  3. 76  Hinton.
  4. Laurel Fletcher & Harvey Weinstein "Context, Timing and the Dynamics of Transitional Justice: A Historical Perspective," Human Rights Quarterly , vol. 32, no. 1 (2008), p. 213.
  5. Thoms, Ron & Paris.
  6. Béatrice Pouligny, Bernard Doray & Jean-clément Martin. "After Mass Crime: Methodological and Ethical Problems: A Trans-Disciplinary Approach," in: Béatrice Pouligny, Simon Chesterman & Albrecht Schnabel (eds.), After Mass Crime: Rebuilding States and Communities (New York: United Nations University Press, 2007).
  7. 72  Van der Merwe, Baxter & Chapman.

وفي الواقع، ثمة غياب فادح لمنهجية التصميم التجريبية في كثير من الدراسات التي تناولت الدول. ومن هنا تأتي الاختلافات الكبيرة في نتائج دراسات آليات العدالة الانتقالية التي استُخدمت في مجتمعات ما بعد النزاعات77. وثمة عدد محدود من الأدوات المنهجية التي تستخدم على نحوٍ متسق في هذه الدراسات. وفي الحقيقة، تختلف المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في معالجة القضايا المطروحة اختلافًا كبيرًا. وفي حين تتناول البحوث الأكاديمية مجموعة متنوعة من العمليات في دول عدة باستخدام مناهج تحليلية مختلفة، لا تستند هذه الدراسات في معظمها إلى الأعمال التي سبقتها، هذا إضافة إلى محدودية الدراسات المقارنة في المنطقة78. وهذه قضايا مهمة؛ لأن العدالة الانتقالية تشكك في وجهات النظر التي تعرض انتقادات مشوبة بخلفيات أصحابها السياسية والجغرافية والجندرية والثقافية والدينية واللغوية والعرقية79. ويعتمد ذلك على طبيعة الموقف ودافع الناس لاتخاذه، بينما يأخذ قيمته تبعًا للوضع الاجتماعي والاقتصادي، والطبقة الاقتصادية وخلفية الشخص نفسه، ويتحدد بنوع الضرر الذي لحق به، وتبعًا لعدد كبير من التجارب الأخرى. وهكذا، تنشأ الاختلافات في جميع قضايا العدالة الانتقالية تقريبًا. ومن دون تطبيق النظرية والأساليب والمناهج الأخرى، يتعذر تطبيق الدراسات المختلفة خارج السياق المحدد الذي أجريت فيه. ومن ثمّ لا يمكن استخدام الدروس المستفادة خارج هذا السياق تحديدًا. ومن دون القدرة على الاستفادة من العمليات الفردية التي تستخدم النظرية أو التصورات نفسها، أو التي تنقل الدروس المستفادة إلى عمليات أخرى، تفقد العمليات المستقبلية الكثير مما كان يمكن تطبيقه. ومن المهم أن نعرف مدى تركيز العمليات الحالية على انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية80. أضف إلى ذلك أنه من المهم معرفة مدى كفاية التركيز على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية81. وكذلك يجب تحديد مدى كفاية الاهتمام بمجموعة مسائل أخرى، بما فيها الإشراك المتناسب للنساء في عمليات العدالة الانتقالية، وضمان تحقيق أثر العدالة الانتقالية في المساواة بين الجنسين82. يجب أخذ هذه القضايا المهمة في الاعتبار؛ لأن كثيرين يشيرون أيضًا إلى أن الطريقة التي تعمل بها آليات العدالة الانتقالية لا تستند إلى منظور الضحايا Victim-orientated بصورة كافية في معظم الحالات83. لكن كيفية معالجة هذه النواقص تتطلب أدلة إضافية. كما جرى التأكيد على ضرورة إجراء "تغيير تحويلي يركز على الموارد والوكالات المحلية، وتحديد أولويات العملية بدلً من النتائج المتصورة مسبقًا، وتحدي علاقات القوى المتقاطعة وغير المتكافئة وهياكل الإقصاء على الصعيدين المحلي والعالمي"84. وقد لاحظ هينتون أن العدالة الانتقالية أصبحت في الآونة الأخيرة أكثر شمولً "وتوسّعت لتضم سلسلة أكبر من النتائج، مثل دفع عجلة التنمية والعدالة الاجتماعية"85. إن الاختبار التجريبي كفيل بإثبات صحة ذلك. ويتطلب تطبيق العدالة الانتقالية في الممارسة العملية ما هو أكثر من ذلك بكثير. ومن الجدير بالملاحظة أن كثيرين، في عدة مناطق من العالم، بما في ذلك العالم العربي، يرون أن العدالة الانتقالية غائبة في مستوى الممارسة العملية، باستثناء لجان الحقيقة وأمثلة محدودة عن عمليات أخرى. ولذلك، باستثناء هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب واللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق، لا يرى إلا عدد محدود جدًا من خارج الشرق الأوسط أن ما يحدث فيه بشأن العدالة الانتقالية جدير بالذكر. لكن ذلك أبعد ما يكون عن الواقع؛ لأن أشياء كثيرة تحدث في هذا الصدد، ومع ذلك تبقى مجهولة خارج الدول المعنية. وهذه حالة إشكالية معقدة، وتدل على ضعف تركيز الأدبيات الأكاديمية للعدالة الانتقالية تحديدًا على الدول في المنطقة، وعلى المنطقة برمتها في الواقع. ويجب مضاعفة الجهد لجعل البحوث التي تجري في دول المنطقة متاحة خارجها؛ أي يجب إصدار الأدبيات بلغات أخرى إلى جانب اللغة العربية، كما يجب نشرها في مجلات دولية واسعة الانتشار. ويمكن استخلاص دروس كثيرة من تجارب

  1. Pouligny, Doray & Martin.
  2. David Backer, "Cross-National Comparative Analysis," in: Hugo van
  3. Paloma Aguilar, Laia Balcells, & Hector Cebolla-Boado, "Determinants
  4. Ruben Carranza, "Plunder and Pain: Should Transitional Justice Engage with Corruption and Economic Crimes?" International Journal of
  5. Matthew Evans, "Structural Violence, Socioeconomic Rights, and
  6. der Merwe, Victoria Baxter & Audrey R. Chapman, Assessing the Impact of Transitional Justice: Challenges for Empirical Research (Washington DC: United States Institute for Peace Press, 2009), pp. 29-90.
  7. of Attitudes Toward Transitional Justice: An Empirical Analysis of the Spanish Case," Comparative Political Studies , vol. 44, no. 10 (2011), pp. 1397-1430.
  8. Transitional Justice , vol. 2, no. 3 (2008), pp. 310-330.
  9. Transformative Justice," Journal of Human Rights , vol. 15, no. 1 (2015), pp. 1-20. 82  Wendy Lambourne & Viviana Rodriguez Carreon, "Engendering Transitional Justice: A Transformative Approach to Building Peace and Attaining Human Rights for Women,"  Human Rights Review , vol. 1, no. 17 (2015), pp. 71-93. 83  S. Robins & E. Wilson, "Participatory Methodologies with Victims: An Emancipatory Approach to Transitional Justice Research,"  Canadian Journal of Law and Society / Revue Canadienne Droit et Société , vol. 30, no. 2 (2015), pp. 219-236. 84  P. Gready & S. Robins, "Justice: A New Agenda for Practice,"  International Journal of Transitional Justice , vol. 3, no. 8 (2014), pp. 339-361. 85  Hinton, p. 2.

العمليات العديدة التي جرت في دول المنطقة. ولا يزال جلّ هذا الأمر مجهولً خارجها. وثمة قضية أخرى مهمة، وهي أن العدالة الانتقالية لا تركّز فقط على الماضي، ولا يفترض بها ذلك أصلً. ومن الناحية النظرية، فإن الماضي لا يقتصر قطعًا على ما جرى منذ سنوات عدة. بل هو ما حدث البارحة أيضًا. وهذا تصور مهم عند التركيز على سياق الدول العربية، التي تستمر فيها انتهاكات كثيرة لحقوق الإنسان. وكان للعدالة الانتقالية دورٌ مهمّ في توضيح بعض هذه المشكلات. وعلى الرغم من أن الدول الاستبدادية لا تسمح بالملاحقات القضائية أو أدوات المساءلة الأخرى للعدالة الانتقالية، فإنه يمكن اتخاذ إجراءات عديدة أخرى للتخفيف من بعض آثار المترتبة على ممارسات هذه الدول86. كما يمكن اتخاذ بعض الخطوات للتحضير لمسار العدالة الانتقالية في المستقبل، تعمل في الوقت نفسه عاملَ ردع للّذين ينتهكون حقوق الإنسان. تشتد الرغبة أحيانًا في تحقيق العدالة في الدول التي ارتُكبت فيها جرائم فادحة، وذلك عندما تنتهي النزاعات أو تتمكن إحدى الجماعات من السيطرة على البلاد. وتحاول الدولة عندئذ الشروع في محاكمة الأشخاص على أدوارهم في مجرى النزاعات. وتوجه العدالة غالبًا إلى الذين خسروا المعركة أو الذين استبعدوا من المؤسسة السياسية الجديدة. ومع ذلك، يجب تحقيق العدالة، لكن بطريقة منصفة حتمً وليس نسخة من عدالة المنتصر؛ لأنه إذا اعتبُر أن العدالة تسير بدواعٍ سياسية أو أنها متحيزة لفئة دون أخرى، فإنها لن تكتسب الشرعية ولن تحقق كل الأثر المرجوّ منها. إن ضمان إجراء بعض المحاكمات على الأقل، وجبر الضرر، إضافة إلى تحقيق مصالحة بين جميع الأطراف، بغض النظر عن الانتماءات السياسية أو غيرها، يترك آثارًا مفيدة جدًا على المدى الطويل87. ويجب أن تشمل ملاحقة المرتكبين الكبار الموجودين على أراضي دول أخرى، إضافةً إلى وضع مسارات لإجراءات أخرى، مثل مساعدة الضحايا بأساليب متنوعة. وبالنسبة إلى الخطوات التي يجب اتخاذها داخل الدول المعنية، تعتبر مجتمعات ما بعد النزاعات أن المنتصرين يتخذون غالبًا القرارات بشأن كيفية التعامل مع الماضي بطريقة لا تدعم بما فيه الكفاية قضايا العدالة الانتقالية التي تتضمن الحقيقة والعدالة وجبر الضرر والمصالحة بين الجميع88. وهذا أمر بالغ الأهمية، ولا سيما أن كثيرًا من المجتمعات التي تحدث فيها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تعاني انقسامات قائمة على اختلافات دينية وثقافية وعرقية وإثنية ولغوية، وغيرها.

خاتمة

أصبح واضحًا أن العدالة الانتقالية - من الناحية النظرية وكما طُبقت في سياقات محددة - لم تُطبّق دائمًا بصرامة. لذلك، يجب المواظبة على التحقق من فاعليتها، وكذلك تطبيقها ضمن حالات معينة، ولا سيما آلياتها. فالدول عندما تضع آليات العدالة الانتقالية، تراعي في تصميمها مجموعة مزايا مرتبطة بحقوق الإنسان والديمقراطية. وهذا أمر بالغ الأهمية، لا سيما أنّ كثيرًا من المجتمعات التي تحدث فيها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تعاني انقسامات قائمة على قضايا الهوية. وعلى الرغم من أن العدالة الانتقالية لن تتمكن على الأرجح من أداء دور مباشر في إنهاء النزاعات، فإنها تتمكن أحيانًا من أداء دور في تمهيد الطريق للتعامل مع المشكلات في المستقبل. ولكي يحدث ذلك، يجب التشديد على الصلة الوثيقة بين النظرية والعمل الميداني. ويجب تقييم الاختلافات بشأن العدالة الانتقالية، من حيث طبيعتها ومتى تستخدم وكيف، في ضوء حقيقة أنها تعمل دائمًا في سياق ومناخ سياسي معينيَن89. وفي جميع الأحوال، يجب فهم هذه الظروف تمامًا، ويجب أن تكون قابلة للتطبيق الكامل، لتحديد مدى إمكانية تطبيق هذا النموذج في سياق آخر. ومن ثمّ، فإن حقيقة

  1. Malamud-Goti.
  2. Daly & Sarkin.
  3. Ibid.
  4. Jeremy Sarkin & Tetevi Davi, "The Togolese Truth, Justice and Reconciliation Commission: Lessons for Transitional Justice Processes Elsewhere," Peace and Conflict Studies , vol. 24, no.1 (2017b.), pp. 1-27.

أن العدالة الانتقالية هي مسألة سياسية، تأتي من أن القضايا التي تتعامل معها، ومع من تتعامل، والأهداف التي تصبو إليها، والأثر الذي تتركه، تحدث جميعًا في الساحة السياسية. ويجب إدراك أن لذلك آثارًا سياسية عميقة. وهي لا تُفهم غالبًا على نحوٍ كافٍ، ولهذا السبب فهي قابلة للتلاعب، وقد جرى التلاعب بها في بعض الحالات90. وفي الواقع، فإن القرارات التي تتخذها الدول بشأن هذه القضايا هي قرارات سياسية بامتياز. ومن هنا جاء استخدام العدالة الانتقالية لأغراض سياسية، وبسبب هذا التلاعب لحقت بسمعتها بعض الأضرار الجسيمة. لكن مما لا شك فيه أن العدالة الانتقالية خضعت لتحليل نقدي صارم جدًا في الآونة الأخيرة91. وقد أثار ذلك شكوكًا بشأن فاعلية مفهوم العدالة الانتقالية والآليات المحددة الخاصة بها الكفيلة بمعالجة شاملة للفظائع الواسعة المرتكبة في مجال حقوق الإنسان. إن المضي قدمًا يتطلب تطوير مجال العدالة الانتقالية. وقد انطلق هذا التطور، وإلى حد ما، فلم تعد المجتمعات تكتفي بمجرد تطبيق آليات العدالة الانتقالية المبنية على تصورات محدودة لمفاهيم مثل "الحقيقة والمصالحة." كما لا يمكن اختيار الملاحقات القضائية، في أعقاب فترة من الانتهاكات الواسعة النطاق، على أنها ترياق سحري لعلاج جميع الأمراض. وفي الوقت الحاضر، وجزئيًا بسبب الانتقادات التي انتشرت في دراسات العدالة الانتقالية، صار لزامًا على المجتمعات التي تتطلع إلى تنفيذ العدالة الانتقالية طرح أسئلة إضافية. من بينها: ما الحقيقة؟ وما المصالحة؟ وكيف ترتبط أهداف الحقيقة والمصالحة والأهداف الأخرى فيما بينها؟ وهل يمكن تحقيق هذه الأهداف متزامنةً؟ وهل يمكن تحقيق هذه الأهداف في أعقاب انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان؟ وإلى أي درجة؟ كما تُثار أسئلة أخرى مثل: متى يجب تطبيق العدالة الانتقالية؟ وهل يمكن تطبيقها حتى قبل الانتقال؟ وهل فاعليتها مشروطة بتنفيذها من جانب الدولة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تفضي إلى اعتماد نهجٍ أفضل في تحقيق العدالة الانتقالية، إضافة إلى جعلها أكثر قابلية للتطبيق العملي على عدد أكبر من الحالات.

المراجع

Aguilar, Paloma, Laia Balcells, & Hector Cebolla-Boado. "Determinants of Attitudes toward Transitional Justice: An Empirical Analysis of the Spanish Case." Comparative Political Studies. vol. 44, no. 10 (2011). Almqvist, Jessica & C. Esposito (eds.). The Role of Courts in Transitional Justice: Voices from Latin America and Spain. New York/ London: Routledge, 2011. Arthur, Paige. "How Transitions Reshaped Human Right: A Conceptual History of Transitional Justice." Human Rights Quarterly. vol. 31, no. 2 (2009). Bassiouni, Mahmoud Cherif (ed.). Post-Conflict Justice. Ardsley, New York: Transnational Publishers, 2002. Bell, Christine. "Transitional Justice, Interdisciplinarity and the State of the 'Field' or 'Non-Field'." International Journal of Transitional Justice. vol. 3, no. 1 (2009). Bird, S. Elizabeth & Fraser M. Ottanelli. The Performance of Memory as Transitional Justice. Antwerp: Intersentia, 2014. Brahm, Eric. "Getting to the Bottom of Truth: Evaluating the Contribution of Truth Commissions to Post-Conflict Societies." Paper presented at the Wisconsin Institute for Peace and Conflict Studies, 20 th Annual Conference (October 6-8, 2004). Brems, Eva & Pieter van der Heede (eds.). Bedrijven en Mensenrechten. Antwerp: Maklu, 2003. Buckley-Zistel, Susanne et al. (eds.). Transitional Justice Theories. New York: Routledge, 2013.

Carranza, Ruben. "Plunder and Pain: Should Transitional Justice Engage with Corruption and Economic Crimes?" International Journal of Transitional Justice. vol. 2, no. 3 (2008).

"Empirical Research Methodologies of Transitional Justice Mechanisms Conference." November 18-20, 2002, Stellenbosch, South Africa.

  1. S. Elizabeth Bird & Fraser M. Ottanelli, The Performance of Memory as Transitional Justice (Antwerp: Intersentia, 2014), p. 26.
  2. Ramji-Nogales.

Clamp, Kerry & Jonathan Doak. "More than Words: Restorative Justice Concepts in Transitional Justice Settings." International Criminal Law Review. vol. 12, no. 3 (2012).

Clark, Janine Natalya. "Transitional Justice, Truth and Reconciliation: An Under-Explored Relationship." International Criminal Law Review. vol. 11, no. 2 (2011). Clark, Philip & Zachary Kaufman (eds.). After Genocide: Transitional Justice, Post-Conflict Reconstruction and Reconciliation in Rwanda and Beyond. New York: Columbia University Press, 2008. Claudio Corradetti, Nir Eisikovits & Jack Rotondi (eds.). Theorizing Transitional Justice. London: Ashgate Publishing Ltd, 2015. Cryer, Robert. An Introduction to International Criminal Law and Procedure. Cambridge: Cambridge University Press, 2007. Daly, Erin & Jeremy Sarkin. Reconciliation in Divided Societies: Finding Common Ground. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2011. Duggan, Colleen. "'Show Me Your Impact': Evaluating Transitional Justice in Contested Spaces." Evaluation and Program Planning. vol. 35, no. 1 (2012). Elster, Jon. Closing the Books: Transitional Justice in Historical Perspective. Cambridge: Cambridge University Press, 2004. Evans, Matthew. "Structural Violence, Socioeconomic Rights, and Transformative Justice." Journal of Human Rights. vol. 15, no. 1 (2015). Fletcher, Laurel & Harvey Weinstein "Context, Timing and the Dynamics of Transitional Justice: A Historical Perspective." Human Rights Quarterly. vol. 32, no. 1 (2008). Gready, P. & S. Robins. "Justice: A New Agenda for Practice."  International Journal of Transitional Justice. vol. 3, no. 8 (2014). Gross, Aeyal. "Constitution, Reconciliation, and Transitional Justice: Lessons from South Africa and Israel." The Stanford Journal of International Law. vol. 40 (2004). Hayden, Patrick (ed.). The Ashgate Research Companion to Ethics and International Relations. London: Ashgate, 2009. Hinton, Alexander Laban (ed.).  Transitional Justice: Global Mechanisms and Local Realities After Genocide and Mass Violence. New Brunswick: Rutgers University Press, 2010. Keller, Linda. "Achieving Peace with Justice: The International Criminal Court and Ugandan Alternative Justice Mechanisms." Connecticut Journal of International Law. vol. 23 (2007). Kritz, J. Neil (ed.). Transitional Justice: How Emerging Democracies Reckon with Former Regimes. vol. I: General Considerations. Washington, DC: United States Institute of Peace, 1995. Lambourne, Wendy & Viviana Rodriguez Carreon. "Engendering Transitional Justice: A Transformative Approach to Building Peace and Attaining Human Rights for Women."  Human Rights Review. vol. 1, no. 17 (2015). Lessa, Francesca & Leigh A. Payne (eds.).  Amnesty in The Age of Human Rights Accountability: Comparative and International Perspectives. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Lundy, Patricia & Mark McGovern. "Whose justice? Rethinking Transitional Justice from the Bottom Up."  Journal of Law and Society. vol. 35, no. 2 (2008). Macdonald, Anna. "From the Ground Up: What does the Evidence Tell us about Local Experiences of Transitional Justice?" Transitional Justice Review. vol. 1, no. 3, Article 4 (2015). at: https://bit.ly/2KURaoH Malamud-Goti, Jaime. "Transitional Governments in the Breach: Why Punish State Criminals?" Human Rights Quarterly. vol. 12, no. 1 (1990).

Minow, Martha. Between Vengeance and Forgiveness: Facing History after Genocide and Mass Violence. Boston: Beacon Press, 1998.

Nagy, Rosemary. "Transitional Justice as Global Project: Critical Reflections." Third World Quarterly. vol. 29, no. 2 (2008).

Neuman, W. Lawrence. Social Research Methods: Qualitative and Quantitative Approaches. 7 th ed. London: Pearson, 2014. Olsen, Tricia D. et al. "When Truth Commissions Improve Human Rights." International Journal of Transitional Justice. vol. 4, no. 3 (November 2010). Orentlicher, Diane F. "Settling Accounts: The Duty to Prosecute Human Rights Violations of a Prior Regime."  Yale Law Journal. vol. 100, no. 8 (1991). Pouligny Béatrice, Simon Chesterman & Albrecht Schnabel (eds.). After Mass Crime: Rebuilding States and Communities. New York: United Nations University Press, 2007. Ramji-Nogales, Jaya. "Designing Bespoke Transitional Justice: A Pluralist Process Approach." Michigan Journal of International Law. vol. 32, no. 1 (2010). Robins, S. & E. Wilson. "Participatory Methodologies with Victims: An Emancipatory Approach to Transitional Justice Research."  Canadian Journal of Law and Society / Revue Canadienne Droit et Société. vol. 30, no. 2 (2015). Roht-Arriaza, Naomi & Javier Mariezcurrena (eds.). Transitional justice in the Twenty-first Century: Beyond Truth Versus Justice. New York: Cambridge University Press, 2006. Sarkin, Jeremy & Heather Sensibaugh. "Why Achieving Reconciliation in Iraq is Possible: Suggestions for Mechanisms and Processes Including a Truth and Reconciliation Commission." Fletcher Journal of Human Security. vol. 23 (2008). Sarkin, Jeremy & Tetevi Davi. "The Togolese Truth, Justice and Reconciliation Commission: Lessons for Transitional Justice Processes Elsewhere." Peace and Conflict Studies. vol. 24, no.1 (2017b.). Sarkin, Jeremy, Johan Vande Lanotte & Yves Haeck (eds.). Resolving the Tensions between Crime and Human Rights: European and South African Perspectives. Antwerp: Maklu, 2001. Sarkin, Jeremy. "The Tension Between Justice and Reconciliation in Rwanda: Politics, Human Rights, Due Process and the Role of Gacaca Courts in Dealing with the Genocide." Journal of African Law. vol. 45, no. 2 (2001). ________. Carrots and Sticks: The TRC and the South African Amnesty Process. Antwerp: Intersenti, 2004. ________. "Reparation for Past Wrongs: Using Domestic Courts around the World, especially the United States, to Pursue African Human Rights Claims." International Journal of Legal Information. vol. 32, no. 2 (2004). ________. "Providing Reparations in Uganda: Substantive Recommendations for Implementing Reparations in the Aftermath of the Conflicts that Occurred over the Last Few Decades." African Human Rights Law Journal. vol. 14, no. 2 (2014). ________. "The Interrelationship and Interconnectness of Transitional Justice and the Rule of Law in Uganda: Pursuing Justice, Truth, Guarantees of Non-Repetition, Reconciliation and Reparations for Past Crimes and Human Rights Violations." Hague Journal on the Rule of Law. vol. 7, no. 1 (2015).

________. "Refocusing Transitional Justice to Focus Not Only on the Past, But also to Concentrate on Ongoing Conflicts and Enduring Human Rights Crises." Journal of International Humanitarian Legal Studies. vol. 7, no. 2 (2016).

Sikkink, Kathryn. The Justice Cascade: How Human Rights Prosecutions Are Changing World Politics. The

Norton Series in World Politics. New York: WW Norton & Company, 2011. Sriram, Chandra Lekha. Confronting Past Human Rights Violations. London: Routledge, 2004. Stan, Lavinia (ed). Transitional justice in Eastern Europe and the former Soviet Union: Reckoning with the communist past. London: Routledge, 2008. T. Call, Charles & Elizabeth M. Cousens. "Ending Wars and Building Peace: International Responses to War- Torn Societies." International Studies perspectives. vol. 9, no. 1 (February 2008). Teitel, Ruti G. "Transitional Justice Genealogy." Harvard Human Right Journal. vol. 16 (Spring 2003). The Fund for Peace. "The States in the Fragile States Index 2015." (Washington, DC: 2015). at: https://bit.ly/3iUGm6P The Institute for Economics and Peace (IEP). The Global Peace Index 2016 (Sydney; New York; Brussels; Mexico City: 2016). at: https://bit.ly/3oyOESK Themnér, Lotta & Peter Wallensteen. "Armed conflicts, 1946–2013." Journal of Peace Research. vol. 51, no. 4 (July 2014). Thoms, Oskar N., James Ron & Roland Paris, "The Effects of Transitional Justice Mechanisms: A Summary of Empirical Research Findings and Implications for Analysts and Practitioners." Working Paper, Centre for International Policy Studies, Ottawa (2008). United Nations, General Assembly. Report of the Special Rapporteur on the Promotion of Truth, Justice, Reparation and Guarantees of Non-recurrence, Pablo de Greiff. 9/8/2012. at: https://bit.ly/3jF0QAF United Nations. The Rule of Law and Transitional Justice in Conflict and Post-conflict Societies. Report of the Secretary-General. UN Doc. 23/8/2004. at: https://bit.ly/3co3uck Van der Merwe, Hugo, Victoria Baxter & Audrey R. Chapman (eds.). Assessing the Impact of Transitional Justice: Challenges for Empirical Research. Washington, DC: US Institute of Peace Press, 2009. Villa-Vicencio, Charles & Erik Doxtader (eds.). The Provocations of Amnesty: Memory, Justice and Impunity. Claremont: David Philip Publishers, 2003. Von Einsiedel, Sebastian. "Major Recent Trends in Violent Conflict." United Nations University Centre for Policy Research, Occasional Paper 1 (November 2014). Waldorf, Lars. "Mass Justice for Mass Atrocity: Rethinking Local Justice as Transitional Justice."  Temple Law Review. vol. 79, no. 1 (2006). Weinstein, Harvey. "Editorial Note: They Myth of Closure, the Illusion of Reconciliation: Final Thoughts on Five Years as Co-Editor-in Chief." International Journal of Transitional Justice. vol. 5, no. 1 (March 2011). Wippman, David. "Atrocities, Deterrence, and the Limits of International Justice." Fordham International Law Journal. vol. 23, no. 2 (1999).