المصالحة والحقيقة في جنوب أفريقيا: بحث في منجزات العدالة الانتقالية ومآزقها
الملخّص
تحاول هذه الدراسة الإجابة عن سؤال: هل نجحت لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا في تدبير إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؟ وتسعى لإيضاح كيف أن لجنة الحقيقة والمصالحة عملت على التوفيق بين الحاجة الملحة إلى تحقيق استقرار سياسي وبناء سلم مدني وواجب الكشف عن "حقيقة" تضمن هدوء الذاكرة، حيث انتبذت موقعًا وسط ا بين العدالة العقابية والعفو الشامل. وتتصوّر الدراسة في مستوى أول أن اللجنة نجحت نسبيًا في انتشال جنوب أفريقيا من أتون صراعات دموية مدمرة وتحقيق الاستقرار السياسي، واستطاعت الموازنة بين هاجس طيّ صفحة الماضي وواجب عدم النسيان. بيد أن تجربة العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا، وهذا هو المستوى الثاني من الفرضية، كانت تشكو من أوجه قصور أثّرت في قدرتها على شفاء كدمات النسيج الاجتماعي وصنع سلم دائم. كلمات مفتاحية: العدالة الانتقالية، جنوب أفريقيا، لجنة الحقيقة والمصالحة، العفو، سياسة الذاكرة. This study attempts to answer the question: Has the South African Truth and Reconciliation Commission succeeded in coping with the legacy of gross human rights violations? It seeks to clarify how the Truth and Reconciliation Commission worked to reconcile the urgent need to achieve political stability and yet build civil peace with the duty of coming to terms with the "truth"– and chose a middle ground between punitive justice and comprehensive amnesty. It surmises that the Commission was relatively successful in extricating South Africa from the furnace of destructive and bloody conflict and achieving political stability. Thus, it was so able to offset preoccupation with turning the page on the past with the duty of not forgetting. However, the experience of transitional justice in South Africa also suffered from shortcomings affecting its ability to mend the worn social fabric, and so create a lasting peace. Keywords: Transitional Justice, South Africa, Truth and Reconciliation Commission, Amnesty, Politics of Memory.
Reconciliation and Truth in South Africa: An Examination of Transitional Justice Achievements and Impasses
مقدمة
أفضت عقود طويلة من سياسات الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وما ارتبط بها من مواجهات دامية، إلى ندوب عميقة في الذاكرة الجمعية، وطفح شهوة الانتقام لدى الساكنة السوداء. وطرح هذا الوضع سؤال تحدٍ: كيف السبيل إلى تجاوز إرث الكراهية وأجواء الحداد وبناء سلم مدني من دون التفريط في كشف الحقيقة؟ تتناول الدراسة تجربة العدالة الانتقالية1 في جنوب أفريقيا، وتطرح سؤالً: هل نجحت لجنة الحقيقة والمصالحة في تدبير إرث انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة، على نحو يُثبت وضع الاستقرار السياسي ويحقّق هدوء الذاكرة وتعافي الجسد الاجتماعي من ندوب الماضي، ويرسّخ، من ثم، أسس عدالة تصالحية تستعيض عن سردية العنف والدم؟ وإلى أي حدّ؟ وفي العلاقة بهذين الاستفهامين، تتوسل الدراسة بحزمة أسئلة فرعية: هل وُفّقت اللجنة في مسعى التوفيق بين الحاجة إلى منح العفو وضرورة كشف الحقيقة، أم تمّت مقايضة العدالة بالعفو؟ ألا يبدو العفو، حتى في صيغته المشروطة، شكلً من أشكال الحصانة بالنسبة إلى الجلّدين؟ أيغدو نسيانًا تعسّفيًا يحجب الحقيقة ويطمس الذاكرة، ومخاطرة لا تضمن أفول الشر، أم يبدو، خلافًا لذلك، رهانًا أخلاقيًا ضروريًا للانتقال من "ذاكرة شقية" إلى "ذاكرة سعيدة" وفتح نافذة على المستقبل؟ تفترض الدراسة أن لجنة الحقيقة والمصالحة، بانتباذها موقعًا وسطًا بين العدالة العقابية والعفو الشامل، نأت عن منهج الانتقام، وعملت على إعادة تأسيس نظام أخلاقي يؤسّس على منطق الفهم، ويستعيض عن العقاب الجنائي بالوصم الاجتماعي. لذلك، نتصوّر أن اللجنة نجحت نسبيًا في تشييد نموذج عدالة زاوج بين الصفح بحسبانه قيمة فوق أخلاقية، والاعتراف بالجرم باعتباره نوعًا من سداد الدين ومعبرًا نحو المصالحة. بيد أن تجربة العدالة الانتقالية في هذا البلد كانت تشكو من أوجه قصور تعقل التطلّعات المعيارية لمهندسي الانتقال الديمقراطي، وأثّرت في قدرتها على شفاء كدمات النسيج الاجتماعي. إذًا، تروم الدراسة تسليطَ الضوء على نموذج عدالة انتقالية في بلد في طور انتقال، وإبراز كيف ساهمت تجربة لجنة الحقيقة والمصالحة في تيسير انسيابية حلقات الانتقال في بلد كان يرزح، طوال عقود، تحت نير نظام فصل عنصري، وشرع في مباشرة حزمة إصلاحات قانونية وسياسية. وتسعى الدراسة أيضًا للإحاطة بعناصر الجواب الذي قدّمته، أو اضطرت اللجنة إلى صوغه، في مواجهة تحدي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ومعرفة الآفاق التي سمحت بعض أدوات العدالة الانتقالية برتقها، كما تعكف على إبراز بعض أوجه القصور التي تشكو منها تلك الأدوات. على أنّ فهمً أجلى لمنجزات اللجنة وأوجه القصور في تمرين العدالة الذي رعته يفرض الإحاطة بالسياق المؤطّر لتلك التجربة، سواء من حيث الفرص والموارد التي عبَّأها الفاعلون، أم من حيث الإكراهات التي فرضها ذلك السياق والتي رجّحت مسعى المصالحة على مقتضى كشف الحقيقة. وتتوسل بمنهج تحليلي وتاريخي يهتم برصد وتحليل الوقائع والديناميات والتفاعلات المتعاقبة التي رسمت ملامح الشرطية التاريخية التي هيّأت فرصة الانتقال من نظام سلطوي إلى نظام ديمقراطي، وتحكمت في الوقت نفسه في هامش فعل مهندسي العدالة الانتقالية. كما تستعين في تفسيرها صيغة العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا بخلفية نظرية تجسّدها مقاربة المؤسساتية الجديدة السوسيولوجية؛ إذ تزعم أن أداء مهندسي تلك الصيغة مشروط بضغط الإرث المؤسساتي للنظام السياسي في جنوب أفريقيا. ولم يجر الانتقال الذي باشرته جنوب أفريقيا في ظل انهيار النظام القديم، لذلك بدت مسارات مسلسل المصالحة وصيغة العدالة الانتقالية المعتمدة مرتهنةً بدرجة كبرى لمنطق التوافق مع النخبة السياسية البيضاء، ولواقع هيمنتها الاقتصادية وتواتر البنى الإدارية والمجالية القائمة في ظل نظام الفصل العنصري؛ وإذ تصوّب المؤسساتية التقليدية اهتمامها على تأثير المؤسسات في الفعل، ولا تُعنى بسياق الفاعل الاجتماعي والأيديولوجي، فإن التيار السوسيولوجي للمؤسساتية الجديدة لا يهمل الروابط الموجودة بين المؤسسة والمجتمع. فإذا كانت النخب السياسية قد نجحت، من خلال توسلها بمنطق التوافق، في تهيئة مناخ سياسي ميسّ لخوض تجربة المصالحة، فإن البنى الاجتماعية الموروثة تحفل بموجبات الإخفاق من قبيل الفقر والبطالة وتركّز الملكية العقارية والتمييز المجالي ولاعدالة التوزيع، الأمر الذي غذّى مشاعر الإحساس بالإحباط والظلم وشكلانية المصالحة. وإذ تستحضر الدراسة الوزن الضاغط لبنى نظام الفصل العنصري، لا تُلغي، كليّةً، وزن الفاعلين. ولذلك تستأنس جزئيًا بأطروحة الفاعل العقلاني الذي يسعى لتثبيت وضع الاستقرار السياسي وحفظ السلم الاجتماعي في مجتمع ممزق. نسجت تجربة لجنة الحقيقة والمصالحة قسماتها
في ضوء ضغط إرث الماضي، واستماتة زعيم حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، نيلسون مانديلا Mandela Nilson 1999-1994() في الدفاع عن رؤيته الإصلاحية، وتفاعل آخر رئيس لجنوب أفريقيا،)، فريديريك دوكليرك Declercq Frederick 1994-1989(الإيجابي مع الدينامية الداخلية والخارجية، على الرغم من أن تحليل تيار البنائية الاجتماعية، الذي يُعنى بجدل الأبعاد الذاتية والموضوعية والفردية والمؤسساتية للواقع الذي يجري بناؤه، يسمح بتفسير بعض أوجه القصور في هذه التجربة. فإذا كان دوكليرك قد أقنع غالبية الساكنة البيضاء بجدوى التصويت لمصلحة مواصلة الإصلاحات التي شرعها منذ عام 1990 في أفق إنهاء نظام الفصل العنصري، وكانت غالبية الساكنة السوداء تتطلّع إلى الاستفادة من ثمار عملية المصالحة، فإن تلك القناعة لم تتولّد لدى فئات من الساكنة السوداء، حيث بدت المصالحة بالنسبة إليها مجرد تسوية سياسية فوقية غير ذات محتوى اقتصادي واجتماعي. صحيح أن النخب السياسية راهنت على الجدوى السياسية للمصالحة، أي ضمان الوحدة والاستقرار السياسي، غير أن الواقع الاجتماعي والاقتصادي في جنوب أفريقيا لا يتحدد في ضوء قيم النخبة ومعتقداتها فحسب، إنما أيضًا على أساس المعاني التي تُسبلها عليه الساكنة السوداء. تقوم الدراسة على ثلاثة محاور: يتناول المحور الأول المخاضات التي مهّدت لحصول المفاوضات بين الفصيلين الرئيسين: حزب المؤتمر الوطني الأفريقي والحزب الوطني، وهيّأت الفرص السياسية الثمينة لتجسير الفجوات بينهما والتوسل بواقعية سمحت بصوغ ملامح الدستور وتنصيب حكومة وطنية، ويبدو تسليط الضوء على تلك السياقات مهمً لفهم كيف أن نماذج العدالة الانتقالية عمومًا، ونموذج جنوب أفريقيا خصوصًا، تشرطها جملة من المتغيرات ويرتهن نجاحها بمدى قدرة الفاعلين على استيعاب ضغوط البيئتين الداخلية والخارجية وتدبيرها، وقابليتهم لاجتراح توافق يجنّب البلد فظاعات تجدد العنف والتقتيل. ويعالج المحور الثاني صيغة العدالة التي استقرّت عليها لجنة الحقيقة والمصالحة، وهي "المصارحة والمصالحة" التي مثّلت بديلً من العدالة الانتقامية ومسلك العفو الشامل، ويوصّف ويحلّل أيضًا تركيبة اللجنة واختصاصاتها، ويلتقط بعض المؤشرات التي تعكس نجاحها النسبي في إيجاد أسطورة غير جنائية، وصوغ نموذج عدالة استطاع في حدود معيّنة بناء سلم مدني في ظرفية سياسية واقتصادية عصيبة. في حين يركز المحور الثالث على حدود العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا من خلال تجربة تلك اللجنة، حيث يرصد بعض الإكراهات التي تعوّق مساعي ترميم الذاكرة المكلومة وتحرير "أمة قوس قزح" من أَسر الذكريات الأليمة.
أولا: من سجن نظام الفصل العنصري إلى أفق المصالحة: مخاضات المصالحة ومساراتها
عاشت جنوب أفريقيا عقودًا تحت وطأة نظام تمييز عرقي اخترق مختلف مناحي الحياة. وكانت سياساته، التي نهلت من أيديولوجيا التفوّق العرقي للرجل الأبيض، تسوّغ بهاجس حماية النقاء البيولوجي للعرق الأبيض من لوثة الرجل الأسود، ونجدة الرسالة المسيحية من وثنيات السود وهمجيتهم2. فلا غرو إذا استنفر نظام الفصل العنصري عُدّةً قانونية لتأمين الهيمنة العرقية واجتثاث أجنّة المقاومة وإحكام قبضته على مفاصل المجتمع ودواليب الدولة ودوائر الاقتصاد3. غير أن جبروت هذا النظام لم يحُل دون تبلور جبهة رفض واسعة؛ إذ حرّضت وحشية النظام على تشكّل روح قومية أفريقية تنشد التحرر من ربقة التمييز العرقي، حيث أُسّس الجناح العسكري لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، "رمح الأمة"، كما تشّكل لفيف من تنظيمات ذات وعي تحرري4. وتعضّ دت هذه الدينامية الداخلية بمناخ إقليمي مناهض لسياسة الفصل العنصري. وجاهرت منظمة
سّست في عام الوحدة الأفريقية التي أ 1963، برفضها سياسة التمييز العرقي. كما وفّر كفاح دول خط المواجهة ضدّ نظام التمييز العرقي والاعتراف باستقلال ناميبيا 1990() حضنًا داعمً للنشاطات المسلّحة لحزب المؤتمر. وإضافة إلى ذلك، مثّل إعراض المؤسسات المانحة عن تقديم القروض، وارتياب النظام من تراجع فرص الاستثمار الخارجي ومن العزل الدبلوماسي، وفرض عقوبات اقتصادية دولية في منتصف الثمانينيات، وتردّي المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية واشتداد وطيس المواجهات بين النظام وجبهة الرفض ونهاية الحرب الباردة، عوامل كرّست يقين الأقلية البيضاء الحاكمة بارتفاع تكلفة الإيغال في سياسة التمييز، وساهمت في تليين المواقف المتصلبة للنظام ودفعه إلى التفكير في إيجاد مخرج للأزمة المُستَعِرة.
1ً. المفاوضات سبيل ا للتوافق حول نواظم المرحلة الانتقالية
عجّلت هذه التطورات بتهيئة مناخ تسوية عسيرة، وجرى تسريع إيقاع التهدئة مع تولّ دوكليرك زمام السلطة في عام 1989. صحيح أن المحافظين المتشددين داخل الحزب الوطني استماتوا في تعنّتهم، وأصرّوا على عدم مباشرة إصلاحات عميقة تُفقِدهم حزمة المغانم، لكن، ألقت التحولات الداخلية والتطورات المتسارعة على الساحة الدولية بكلكلها على بنية الحزب، حيث برز تيار داخله يطالب بضرورة نسج ملامح نظام سياسي يلطّف من العقيدة العنصرية على نحو يُسبِل وشاح المشروعية على النظام الحاكم. وبالمثل، تبلور داخل حزب المؤتمر نقاش بشأن جدوى العدول عن منهج الكفاح المسلح والتركيز على المقاومة السلمية. ورهن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي وقف العمل المسلح والشروع في المفاوضات بالاستجابة لجملة من الشروط، من ضمنها رفع حالة الطوارئ وإطلاق سراح السجناء والاتفاق على آلية لوضع مشروع دستور جديد. ثم ساهمت الإجراءات التلطيفية التي أقدم عليها دوكليرك في تعضيد أنفاس الثقة؛ إذ إضافة إلى إطلاق سراح مانديلا في شباط/ فبراير 1990 ورفع حالة الطوارئ في حزيران/ يونيو 1990 وإلغاء بعض القوانين العنصرية، أُفرج عن المعتقلين السياسيين لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي ورُفِع المنع المفروض على التنظيمات السياسية للسود. وفي 4 أيار/ مايو 1990، أبرم الطرفان اتفاقًا عُرف ب "دقيقة جروت شور" الذي حدد آليات وإجراءات خلق مناخ مناسب لإجراء المفاوضات وإيجاد تسوية سلمية5. وإذا كان احتدام الخلافات داخل حزب المؤتمر حول منهج العمل وتصاعد وتيرة العنف بين السود والبيض قد أوشكا على تداعي جهود بناء الثقة، فإن المصلحة المشتركة في إيقاف دوامة العنف فرضت عقد مؤتمر وطني للسلام، تمخضت عنه اتفاقية سلام 6وطني في أيلول/ سبتمبر 1991. وسارع دوكليرك إلى الحيلولة دون انفراط هذا الميثاق، من خلال إحداث "لجنة غولدستون" في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 1991 بغرض التحقيق في أحداث العنف. كما عمد إلى إقالة وزيري الدفاع والشرطة وتنقية جهاز الأمن من العناصر المتطرّفة. ولم تكن هذه التدابير المُلطِّفة لأجواء التوتر لتُبدّد مناخ التوجس المتبادل الذي شكل الميسم الرئيس للمفاوضات، حيث أمسى كل طرف يُنافح عن رؤيته لما يجب أن تكون عليه ملامح الفترة الانتقالية ومرحلة ما بعد نظام الفصل العنصري. محادثات كوديسا في كانون الأول/ سعت 1-ديسمبر 1991، إلى تهيئة إطار قانوني لنظام جديد قائم على التوازن "بين أغلبية ديموغرافية توّاقة لهجر وضع الأقلية السياسية، وأقلية حاكمة تقبل خسارة السلطة في مقابل بعض الضمانات"7. ولئن مثّلت محادثات كوديسا 1-، تأسيسًا على ذلك، لحظة مهمة في مسارات الانتقال السياسي، فإن هواجس مانديلا ودوكليرك ومنظوراتهما بشأن ترتيبات المرحلة الانتقالية بقيت متباينة؛ إذ أمسى كل طرف يُنافح عن رؤيته لما يجب أن تكون عليه ملامح الفترة الانتقالية ومرحلة ما بعد نظام الفصل العنصري، ففي حين انهجس مانديلا بالقضاء على نظام الفصل العنصري وطالب بانتخاب جمعية تأسيسية تُناط
بها مهمة صياغة دستور انتقالي وتشكيل حكومة انتقالية8، بقي الشاغل الأساسي للجناح المعتدل داخل الحزب الوطني هو مباشرة تحوّل محروس يُنفّس، من جهة، حنق الأغلبية السوداء ويبعث على الثقة بالمستقبل، ويُكرّس من جهة أخرى شرعية النظام القائم. فلا غرابة إذا قبل بنظام حكم الأغلبية، وشدّد في الآن ذاته على وجوب توفير ضمانات عدم استقواء حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بتلك الأغلبية، من خلال توافق على المبادئ الدستورية التي يتعيّ على الجمعية التأسيسية احترامها، وعلى أن تصويت الأقلية البيضاء في استفتاء 17 آذار/ مارس 1992 بنسبة 86 في المئة، لمصلحة مواصلة الإصلاحات التي شرعها دوكليرك منذ عام 1990 في أفق إنهاء نظام الفصل العنصري، دشّن لحظة نوعية في مسارات الانتقال9. غير أن تطلّع الأطراف إلى التوافق بشأن ترتيبات المرحلة الانتقالية لم يمنع من تواتر تباين وجهات نظرها بشأن طبيعة النظام. فلا غرو إذا طالب دوكليرك، في إطار محادثات كوديسا 2- في أيار/ مايو 1992 التي اهتمت بمرحلة ما بعد نظام الفصل العنصري، بإقامة نظام اتحادي برئاسة دورية ضمانًا لحقوق الأقليات العرقية، واعترض مانديلا بشدة على ذلك، ودعا في المقابل إلى إقامة نظام موحّد، تؤول فيه السلطة إلى الأغلبية. لكن التوجّسات والمناكفات وتجدّد العنف وتهدّج مسيرة المفاوضات، جميعها إكراهات لم تَحُل دون التوافق على مقتضيات الدستور الانتقالي لعام 1993 10 الذي تشي هندسته بتوازن دقيق بين جموح رغبة حزب المؤتمر الأفريقي في تجاوز التقسيم العرقي وتطلّعه إلى الحكم الأغلبي، وتوجّسات الحزب الوطني من دكتاتورية الأغلبية ومَركزَة السلطة. فبينما نص في فصله الأول على وحدة الدولة استجابة لمطلب حزب المؤتمر، ميز الدستور في المقابل بين ثلاثة مستويات مجالية. عكست هذه الصيغة الهجينة كيف أن المشرع الدستوري انتبذ منزلة وسطى بين الدولة المركزية والدولة الفدرالية، كما لم يُلغِ بُعد الوحدة الاع اررف بحق تقرير المصير. واستجاب التنصيص منذ الفصل الأول من الدستور على وحدة الدولة لمطلب حزب المؤتمر، يقابله التمييز في إطارها بين ثلاثة مستويات مجالية؛ إذ إضافة إلى إقراره الوحدة، عكست الصيغة الهجينة للدولة كيف أن المشرع الدستوري انتبذ منزلة وسطى بين الدولة المركزية والدولة الفدرالية. كما لم يُلغِ بُعد الوحدة الاعتراف بحق تقرير المصير. وإذا كان الاقتراع العام يخدم مصلحة الأغلبية السوداء، فإن نمط التمثيل النسبي بالقائمة، يحفظ حقوق الأقليات. وصانت هذه الموازنة اليقظة، سواء من حيث الأهداف أم أدوات إدراكها، من حيث المبدأ، حقوق المجموعات العرقية المختلفة، ونزعت فتيل التوتر المهدد بانفراط الميثاق بين الأغلبية السوداء والأقلية البيضاء.
2. الاستحقاقات الانتخابية ورهان تحقيق حلم "أمة قوس قزح"
إذا كان الدستور الانتقالي يحفل بنواظم تقوّي رصيد الثقة بين الطرفين الرئيسين وتحرّض إيجابيًا على استكمال حلقات الانتقال، فإن حزب المؤتمر الوطني كان يتطلّع بقوة إلى استثمار تلك المكاسب لجعل انتخابات نيسان/ أبريل 1994 لحظة تعِد بالأمل في تجسيد أحلام السود. وعكست هذا التطلّعَ الجامح الحملةُ التعبوية التي قام بها مانديلا لفائدة حزب المؤتمر. غير أن وفاءه لروح التوافق التي ميّزت أطوار التفاوض جعله يعقل ذلك الجماح بطمأنة البيض، من خلال ترداد عدم إمكان استغناء جنوب أفريقيا عنهم، فزاوج بين خطابَ التحشيد والطمأنة. ولعل عودة طليقته البيضاء، ويني winie، إلى العمل السياسي في صفوف حزب المؤتمر بعد إقالتها بسبب تهمة اختلاس أموال الحزب، مثّلت إيماءة رمزية متُرَعة بالدلالة. وبالفعل، تُوّجت تلك الانتخابات بفوز حزب المؤتمر بنسبة 2.76 في المئة من أصوات الناخبين11. غير أن نشوة ذلك الانتصار التاريخي لم تسلب مانديلا رويّة تقدير خصوصية الظرفية الانتقالية التي تستلزم النأي عن الاستقواء بشرعية صناديق الاقتراع. ويبدو أن انتخاب مانديلا رئيسًا للجمهورية في أيار/ مايو 1994، وتعيين شريكه في المفاوضات دوكليرك نائبًا له، وبنية التمثيلية الإثنية في حكومة الوحدة الوطنية، مؤشراتٌ عكست حرص القادة الجدد على تحصين مسارات الانتقال. ثم إن انتخابه في هذا المنصب، وهو الذي عانى ويلات سجن نظام الفصل العنصري وحافظ على الرغم من ذلك على عافيته النفسية، فعلٌ زاوج بين رمزية اقتضاء ثمن الكفاح ضد سياسة الفصل العنصري والتمييز العرقي وبلاغة الصفح عن جلاد الأمس، وبراغماتية إيثار منطق المشاركة والتعايش على منطق المغالبة وشهوة الانتقام. وبالمثل، جسّدت بنية حكومة الوحدة الوطنية جوهر التسوية،
فإذا كان حزب المؤتمر الوطني ممثلً فيها بثمانية عشر وزيرًا، فإن عدد الوزراء البيض بلغ ستة، على الرغم من أنهم لم يمثّلوا حينها سوى 11 في المئة من ساكنة جنوب أفريقيا. ويفترض بهذه الحكومة الانتقالية أن تضطلع بمهمة استكمال حلقات الانتقال من خلال السهر على صياغة دستور جديد لجنوب أفريقيا، والمساهمة في ترسيخ روح المصالحة. ولعل تغاضي الحكومة عن إعادة التوزيع المنصف للأراضي اقتصاصًا من جور قوانين الأرض، وإصدار البرلمان الانتقالي قانون تعزيز الوحدة الوطنية والمصالحة في عام 1995، كانا يرومان تحاشي إثارة حفيظة البيض، تجنّبًا لانفراط عقد الحكومة والارتكاس إلى مسارات غير مأمونة. تَقوّت جرعات هذا التفكيك التدريجي لإرث نظام الفصل العنصري، الذي أَمع دستور عام 1996 ذِن بنهاية المرحلة الانتقالية وبدء مرحلة جديدة لديمقراطية تعددية ناشئة. ومثّلت الروح التوافقية وتوازن السلطات ميسَمَ الهندسة الدستورية الجديدة؛ إذ سعى المشرع الدستوري، بحفاظه على النظام البرلماني المستلهم من التقليد البريطاني، لإيجاد نوع من "العقلنة العمودية" للسلطات بين الجهازين التشريعي والتنفيذي، وعزّزه بصيغة من التقسيم العمودي للسلطات الذي حاول الموازنة بين السلطة المركزية والأقاليم. وإذا كان الدستور قد حافظ على هيكل المؤسسات القضائية، فإنه أحدث محكمة دستورية أناط بها مهمة ضمان احترام مقتضيات الدستور12. وبتقسيمه الأفقي للسلطات بين المستوى المركزي والمستويات الإقليمية والبلدية، شيّد الدستور نوعًا من "الفدرالية الجهوية"، تتمتع الأقاليم، في إطارها، بصلاحيات محددة في الدستور. ومثّلت الهيئات المستقلة (اللجنة الانتخابية المستقلة ولجنة حقوق الإنسان ومحكمة الحسابات) القطبَ الثالث ضمن "الديمقراطية الدستورية" لجنوب أفريقيا. ولعل المشرع الدستوري توخّى من وراء إحداثها، إشراك المجتمع المدني في مراقبة نشاطات السلطات العامة13. كان دستور عام 1996، مثل سابقه، دستورَ توافقاتٍ وتوازنات. فإذا كان يستجيب لتطلّعات السود ومطالبهم، بدسترته الحقوق الاجتماعية وإقراره المساواة في الحقوق بين الأجناس والمجموعات العرقية، فإنه لا يخلو من بعض المقتضيات التي تخدم مصالح البيض وتحفظ حقوقهم. وتمّت دسترة الحق في الملكية الخاصة، ما يعني جعلها في مأمن من أيديولوجيا التأميم التي نادى بها المؤتمر الوطني الأفريقي، ومن نزع الملكية من دون تعويض باعتباره إجراءً عقابيًا. وإذا كانت الدولة بموجب الدستور موحّدةً ومركزية، فإن تلك المركزية بدت أقل مركزةً، نظرًا إلى التوزيع الأفقي للسلطة بين المستوى الوطني والمستويات اللامركزية. كما مكّن الحفاظُ على استمرارية الدولة النخبةَ البيضاء من الحفاظ على وجودها المتغلغل في أجهزة الإدارة. وضمانًا للتمثيلية السياسية للأقليات، ومن ضمنها الأقلية البيضاء، أقرّ الدستور العمل بنظام الاقتراع النسبي14. تُظهِر هذه المساراتُ ما أكدته الخبرة التاريخية من أن الانتقال الديمقراطي لا ينضبط لمسار خطي، ويبقى موسومًا بالتردّد والغموض. وإذا كانت اتجاهات الانتقال وإيقاعاته تنضبط للإرث المؤسساتي للماضي، فإنها ارتهنت أيضًا للاختيارات الاستراتيجية للفاعلين المحليين وضغوط الفاعلين الخارجيين.
ثانيًا: لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا: رهان التوفيق بين الصفح والعدل
تواجه المجتمعات الخارجة من النزاع تركةً ثقيلةً من الجراح والأحقاد، تهدّد بتآكل الروابط الاجتماعية، وتتربص بمسيرة الانتقال. ولذلك، تقدم العدالة الانتقالية نفسها بديلً يقترح نواظم تسمح بإبرام ميثاق اجتماعي جديد، يساعد في تعافي الجسد الاجتماعي من ندوب الماضي. وتعتبر لجان الحقيقة إحدى آليات تلك العدالة التي يجري التوسل بها للتحقيق في ماضي الانتهاكات الجسيمة و"مواجهة
متطلّبات انتقال حذر نحو الديمقراطية والسلم[...]واقتراح درس للتاريخ"15. تشكلت لجنة "الحقيقة والمصالحة" في جنوب أفريقيا بموجب "قانون تعزيز الوحدة الوطنية والمصالحة" لعام 1995 16. وفي خضمّ مساعي المساهمة في تحقيق مصالحة وطنية، أثيرت حزمة أسئلة عن كيفية التعامل مع فظاعات نظام الفصل العنصري وسبل تجاوز الحداد. كيف يمكن إعادة تأسيس الرباط الاجتماعي؟ بالعدل وكشف الحقيقة، أم بالعفو والصفح، أم بهما معًا؟ يبدو أن تطلّع واضعي الدستور المؤقت لعام 1993، لإقامة "جسر تاريخي" بين ماضٍ مثخن بالجراح، ومستقبل قائم على التعايش السلمي، دفعهم إلى النأي عن عدالة عقابية، وترجيح منطق "الحاجة إلى الفهم"، عوض الاستسلام للرغبة في الانتقام؛ إذ تسعى المصالحة ل "تغطية عوامل الفرقة بحجاب العفو"17. إنها تقتضي منح العفو18 على أساس الأفعال والجرائم المرتكبة في حق الضحايا، في مقابل إماطة اللثام عن حقيقة ما جرى في الماضي. بهذا الترجيح، رسم الدستور المؤقت الأفق الذي حكم صياغة البرلمان لقانون المصالحة الوطنية. امتدت ولاية هذه اللجنة لتشمل تسليط الضوء على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة ما بين الأول من آذار/ مارس 1960 و 10 أيار/ مايو 1994. وتشكلت من ثلاث لجان فرعية: لجنة حقوق الإنسان المكلّفة بتلقي الشهادات باعتبارها حاملةً حقائق شخصية، والتحقيق في الانتهاكات من خلال البحث في طبيعتها وأسبابها، وهوية الأشخاص والمؤسسات المتورّطة بها، وهوية الضحايا ومصيرهم، وتنظيم جلسات استماع عمومية لضحايا الفظائع، وتقديم توصيات لمنع تكرارها19. وتمكّنت اللجنة من جمع 22000 شهادة20، رفضت منها 0005 شهادة لعدم مطابقتها معايير اللجنة. واستُدعي 2000 ضحية تقريبًا لتقديم الشهادة أمام اللجنة ووسائل الإعلام. أما لجنة جبر الضرر وإعادة التأهيل فترمي إلى تنظيم سياسة إصلاح الضرر ومساعدة الضحايا وعائلاتهم، وإعادة تحويل مؤسسات البلد المدنية، وتقديم توصيات من أجل تنفيذ تلك السياسة. وتتولّ لجنة العفو دراسة طلبات العفو التي يرفعها مرتكبو انتهاكات الماضي21. خلافًا للّجان التي استُحدثت في أميركا اللاتينية، كانت لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا تتمتع بصلاحيات استثنائية، مثل الاستدعاء والتحقيق في الانتهاكات وإصدار التوصيات، إضافة إلى صلاحية شبه قضائية تتمثل في منح عفو فردي بناء على طلب صريح، شرط سرد طالبي العفو تفصيلات أفعالهم. كما اشترط القانون أن يكون سبب الانتهاك سياسيًا، وأن يكون قد تقرر في إطار منظمة مثل الشرطة والجيش أو الكنيسة أو الحزب. وبعد دراسة الطلبات والموافقة عليها، تُعرض القضايا على البرلمان من أجل تصديقها وتأكيد قرار العفو22. ومن أصل 1127 طلبَ عفوٍ، منحت اللجنة العفو
ل 819 جلّدًا23. وتتمثّل وظيفتها الجوهرية في إلقاء الضوء على وقائع محدّدة سياسيًا، وإعداد قائمة بطبيعة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ومداها وأسبابها24، وتأهيل الضحايا واستعادة كرامتهم من خلال الاستماع إلى قصصهم وجبر ضررهم المادي والمعنوي. تقوم تجربة لجنة الحقيقة والمصالحة على تصوّر تركيبي25، يدمج الحقيقة العلمية أو الواقعية التي تعتمد على البحث والتحقق من الوقائع والوثائق والشهادات، والحقيقة الذاتية للضحايا المستخلصة من حكايات الضحايا والجلادين26. إضافة إلى حقيقة اجتماعية أو حوارية نسجت خيوطَها من خلال الحوار والنقاش داخل المجتمع، حيث توخّت اللجنة، من خلال "إدماج توافقي وبراغماتي مثالي لحقائق مختلفة"27، بناء حقيقة بصيغة الجمع. وغدت هذه الحقيقة السردية، نسبيًا، آلية للتحرير والتطهير واستعادة الكرامة، وبناء حس وذاكرة مشتركيَن. ومكّنت الشهادات المكتوبة وجلسات الاستماع، بما أتاحته من فرصة الكلام وسرد الذكريات المؤلمة وتصديق تلك السرديات، بعض الضحايا من الانتصار على الخوف، والتخلّص "أحيانًا من الوصم الاجتماعي"28. كما ساهمت، بنسجها خيوط حقيقة سلّطت الضوء على الماضي، في إحداث "قطيعة مع ثقافة السرية" التي شكلت إحدى أدوات نظام الفصل العنصري. أولت العدالة التصالحية التي اختارتها لجنة الإنصاف والحقيقة عنايةً كبرى بالمسلسلات الخطابية، من منطلق أن السرد يخفّف من وطأة معاناة الضحية من خلال تمكينه أولً من تضميد الجرح الغائر، وثانيًا من خلال الاعتراف به من الأمة. ف "الدفق العاطفي يفتح الباب أمام خطوة الاثنين، بين الضحية المعبّ بحرّية عن ألمه، والجاني"29. وسعت اللجنة لأن تكون جلسات الاستماع، بما تتيحه من إمكانية البوح و"التفريغ العاطفي"، فضاءً للعلاج والتخلّص من العقد النفسية، وفرصة لإقامة الحداد باعتباره قبولً لما "يتعذّر ترميمه وإصلاحه"30. فلا غرو إذا نُعتت لجنة الحقيقة والمصالحة ب "محكمة الدموع" التي تميزت بما رافقها من دفق العواطف، عن البرود الملازم "للمؤسسات القضائية والمؤرخين"31. وينطوي الكلام على مفعول تطهيري لبعض ضحايا نظام الفصل العنصري، حيث يصرف عنهم عبء التذكر المؤذي، ويخلّصهم من شبح الذكريات المؤلمة، ويخرجهم من ضيق سجن الصمت إلى الأفق الرحب للكلام. على أن هذا النمط من التنفيس يتجاوز الدائرة الفردية، ليغدو جماعيًا واجتماعيًا، فيساهم من ثمة في رأب تصدّعات المجتمع وشفاء كدماته. ولذلك، شدّد أنصار العدالة الانتقالية على أن إنتاج الحقيقة والتعبير عنها يتيحان عملية تنفيس وطنية32، وهناك من اعتبر جلسات الاستماع المبثوثة عبر التلفاز، "شكلً من أشكال طرد الأرواح الشريرة التي يفترض أن تفضي إلى تنقية جماعية، ونجحت في جزء منها"33. سمحت عملية التطهير الوطني تلك "بكتابة تاريخ مشترك" يستعيض عن "الذاكرات والهويات المغلقة"34. ويحيلنا هذا الأمر على العلاقة بين الصفح والتاريخ والذاكرة. "فكي يكون الصفح أصيلً وليس مجرد صيغة دبلوماسية من دون محتوى حقيقي، يلزم أن يرتبط بالذاكرة"35. وبينما نأ ت عن مقاربة "اصفح وانس" التي تتوجَّس من أن تكون مشاعر الاستياء والانتقام الناتجة من العفو العام وقودَ حرب أهلية، اعتمدت لجنة الحقيقة والمصالحة مقاربة "الكشف شفاء" التي تعتبر الصفح تذكّرًا من دون مرارة، وتولي بناء ذاكرة جمعية باعتباره شرطًا جوهريًا لنجاح الانتقال أهمية كبرى. وأضحى مواطنو جنوب أفريقيا يتمتعون، بفضل مشروع المكاشفة والمصالحة الذي رعته اللجنة، بذاكرة مشتركة أمست وسيلة مهمة لفهم درس التاريخ؛ إذ ساهمت شهادات أزيد من 20000 من ضحايا الفصل العنصري، واعترافات مئات الجلّدين، وما ارتبط بها من مسلسل حواري في
مجتمعٍ متشظٍ، في بناء حكي تاريخي مكّن من طيّ صفحة الصراع المسلح. صحيح أن العيّنة بدت قليلة قياسًا بالأربعين مليون نسمة التي مثّلت إجمالي سكان جنوب أفريقيا، غير أن الضحية في إطار أدبيات العدالة الانتقالية "مدعوّة إلى تجسيد الإنسانية جمعاء"36. إذا كانت اللجنة قد آثرت منطق الصفح على العقاب، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ألا يبدو صفح الضحايا السود عن جلاديهم البيض "نسيانًا تعسّفيًا"، ويُفضي من ثم إلى فقدان الذاكرة، أم أنه يُعدّ حلً مثاليًا لتحقيق "هدوء الذاكرة"؟ تبدو المسألة معقدة. فالصفح من جهة نسيان، ما دام السود لا يملكون القدرة على إصلاح الشر بعد وقوعه. لكن النسيان من هذه الزاوية لا يمثّل طمسًا للذاكرة، بل يُعدّ وسيلة لمواجهة الذاكرة المهووسة بالتعلق الصنمي بالذكريات المؤلمة؛ إذ لم يكن النسيان، في السياق الجنوب أفريقي، محمودًا ومطلوبًا فحسب، بل أمسى واجبًا للذاكرة الشغوفة بالانتقام37. وإذا كان العفو العام يفضي إلى فقدان الذاكرة38، فإن تقييد العفو بالاعتراف جعل منه صفحًا يخدم الذاكرة ولا يقود إلى فقدانها. وزاوج ديسموند توتو بين الصفح والعفو و"الأوبنتو" Ubuntu 39، أملً في تحقيق عدالة تصالحية، تبُرّئ الرضوض والصدمات النفسية وتضمن السلم الاجتماعي. وأثبتت تجربة جنوب أفريقيا ما أكده بول ريكور من أن الخط الدقيق بين العفو وفقدان الذاكرة هو الصفح. من جهة أخرى، يكون الصفح، بما يفرضه من حكي، في خدمة الذاكرة، لأنه يساعد الأمة في منع حصول البشاعة من جديد. فالأمة "يمكن أن تتوحّد ليس في الذاكرة الجمعية لانتصاراتها فحسب، إنما أيضًا في الكفارة المشتركة عن أفعالها السيّئة، وفي الالتزام المشترك بعدم النسيان، وبعدم تكرار المظالم التي ارتكبها أسلافهم"40. هذا التذكر الذي يجب أن ينشغل ب "استخراج قيمة مثالية من الذكريات الصادمة والمؤلمة"، يغدو تذكّرًا حميدًا. فالصفح بمفعوله العلاجي، يساهم في إنهاء الحداد ويسمح بإقامة ذاكرة سعيدة وهادئة، لأنه يمنحها مستقبل41. يمكن القول، إذًا، إن ذاكرة الجنوب أفريقيين أُسّست على جدلية النسيان والتذكر. فالصفح، باعتباره "قيمة فوق أخلاقية"، بدا بالنسبة إليهم حلًّ لمشكلات الذاكرة والتاريخ والنسيان. على الرغم من تركيزها على الضحية، فإن مسلسلات العدالة الانتقالية لا تهمل الجلاد. فالصفح كما أكد إدغار موران، ينطوي على رهان أخلاقي، لأنه لا يتغيّى قصم ظهر مرتكب الخطأ، إنما "إحياؤه من جديد"، من خلال إعطائه فرصة الاستيعاض عن الشر بالخير42 والمساهمة في كتابة جزء من تاريخ القمع43. ولعل التقرير الضخم الصادر عن اللجنة في عام 1998، المتضمن معطيات توثق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أنعش الذاكرة الجمعية ل "أمة قوس قزح"، حيث قدّم الجزء الثاني منه جردًا تاريخيًا لأهم المؤسسات والتنظيمات المسؤولة عن الانتهاكات في جنوب أفريقيا خلال الفترة المدروسة. كما أحصى الجزء الثالث منه انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في الأقاليم الخمسة للبلد. وتعقب الجزء الرابع "الدور الذي قامت به قطاعات المجتمع، مثل عالم الأعمال والمهن القانونية والإعلام، في انتهاكات حقوق الإنسان"44. وإذا كان إنتاج الحقيقة يؤدي دورًا مهمً في حكي تواريخ الفظاعة وبناء الذاكرة، فإن عملية إخراجها لا تقلّ أهمية عنه. فالصلوات التي كانت تسبق جلسات الاستماع في جنوب أفريقيا، تنضح برمزية "مباركة الكنيسة لتمرين كشف الحقيقة وصفقة العفو في مقابل الحقيقة." وحوّل هذا الطقس الديني العفوَ إلى صفح45، وفسح المجال أمام الاعتراف العمومي بمعاناة الضحايا والتوبة العامة للجناة. هذا النزوع البراغماتي لترجيح منطق الاعتراف والتوبة، برره عسر تصوّر قيام مصالحة من دون كفارة. "فمن دون أي ندم أو اعتراف من الجاني، يغدو طلب الصفح من الضحية ظلمً إضافيًا"46. وأوجدت الجلسات العامة والتغطية الإعلامية والدموع وطقوس الرحمة والتوبة والاعتراف والصفح التي تنتمي إلى السجل الديني وتحيل على الثقافة اليهودية-المسيحية، بيئةً مواتيةً للحداد الذي بدا ضروريًا للشفاء. فالذاكرة المجروحة لا تلتئم بعمل الذاكرة وواجب الذاكرة فحسب، إنما بالحداد أيضًا. فمن خلال القبول بما "يتعذّر ترميمه"،
قاوم الجنوب أفريقيون النسيان، وانتبذوا مكانًا وسطًا بين "الذاكرة الزائدة" و"قلّة الذاكرة"، وتمكّنوا بفضل ذلك من فتح كوّة أمل في جدار الماضي، مشرئبيّن نحو مستقبل قوامه الثقة المتبادلة. وإضافة إلى هذا البعد الداخلي، قدّمت "دبلوماسية التوبة" "تذكرة الجدارة بالاحترام" التي تسمح بإعادة توطين المجتمع في المجموعة الدولية47. من جهة أخرى، ينطوي جبر الضرر المادي على رمزية كبرى. صحيح أنه لا يمكن أن يعوّض ألم الفقد أو المعاناة التي قاستها الضحية، لكن يعسر، على الرغم من ذلك، إنكار فائدته السياسية والأخلاقية. فإضافة إلى أنه يجسّد كفّارة مادية رمزية، يعكس التعويض المادي تصديقًا أخلاقيًا على الاعترافات واعترافًا سياسيًا بجسامة الانتهاكات. وجرى تعزيز هذا الجبر المادي من خلال مسلسل تأهيل شامل، توسّلت فيه الحكومة "بيداغوجيا معيارية"، تبتغي بلورة مبادئ العيش المشترك، ومقاربة نفسية تروم تحقيق استواء الضحية وتهدئة روع الجلاد، إضافة إلى تأهيل رمزي وفني جسّده تغيير العَلم والنشيد الوطنيين48. كما أولت اهتمامها لجبر الضرر المجالي من خلال إعادة تأهيل المجموعات، وإحداث "لجنة الأرض" وإعداد برنامج إعادة البناء والتنمية، واعتماد أسماء جديدة للأماكن والمناطق، وخدمة الذاكرة الجمعية عبر إقامة الرموز والنصب المجسدة للكفاح من أجل الحرية. ويبتغي مسلسل المصالحة انعتاق البلد مما قد يبدو قدرًا أهوج أو سيرورة حتمية من المآسي. غير أن هذا الرهان الأخلاقي لا يعني استغناء اللجنة كلّية عن الجزاء، إنما تغيير منظورها إليه. فالنظام الأخلاقي الذي يُعاد تأسيسه بفضل الكشف عن الحقيقة، يضمن توقيع جزاء مختلف عن الجزاء الجنائي، بحيث "يغدو مصدر الرقابة الاجتماعية غير الرسمية على المذنب"؛ إذ ينظر طالب العفو إليه منذ مثوله أمام اللجنة باعتباره "مجرمًا وموصومًا ويخاطر بعدها بلفظه من قبل أسرته وأصدقائه ومن باقي المجتمع"49. وتستعيض العدالة التي تروم اللجنة تحقيقها عن العقاب الذي تفرضه العدالة الانتقامية ب "وصم عمومي، وعن أضرار العدالة المدنية، باعتراف بمعاناة الضحية، وبتعويض مادي"50. ويتعاضد هذا البعد الأخلاقي مع بعد سياسي مهم، يتمثل في توثيق الرباط الاجتماعي المتقطع وصنع السلم الاجتماعي وتفادي انهيار المؤسسات. إنها عدالة قائمة على المستقبل وليس على الماضي51. يبدو أن لجنة الحقيقة والمصالحة تمكّنت من ابتكار نموذج عدالة تصالحية زاوج بين هاجس طيّ صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة وواجب عدم النسيان، من خلال إدماج تركة الماضي المؤلم في إطار حكي تاريخي. وإذا كان هذا النموذج المبتكر من العدالة يتمركز حول الصفح، نظرًا إلى مفاعيله التطهيرية والتحريرية، فإن الصفح لا يغدو ممكنًا من دون معرفة سبب الانتهاك. فالصفح كما أكد مارغليت أفيشاي في كتابه أخلاقيات الذاكرة، يتضمّن بعدين؛ من جهة، الرغبة في محو "الخطيئة الأصلية"، وحتى إخفاء أثر الانتهاكات ومعاناة الضحايا، على نحو يسمح باستعادة العلاقة الودّية بين مختلف المجموعات. ويعني الصفح من هذه الزاوية "نسيان مرتكب الخطيئة ونسيان الخطيئة ذاتها." ويبدو الصفح من جهة أخرى محاولةً للتستر أو التغطية على الخطايا من دون نسيان. فالضحية بصفحها لا تُسقط صفة الاتهام عن الجاني، لكنها تساهم في إبقاء الذاكرة سليمة. إنها تغفر المخالفة، مع تذكر الخطيئة52. وإذا كانت اللجنة تنهل في دفاعها عن الصفح من التراث المسيحي اليهودي، من خلال طقوس افتتاح الجلسات، فإنها سعت لجعل هذا النمط من العدالة وثيق الصلة بالثقافة الأفريقية، الأوبنتو. تضاف إلى هاتين الهويتين، هوية ثالثة تتمحور حول "مفهوم المواطنة الجنوب أفريقية والهوية القومية المناهضة للعنصرية"53. مثّل هذا التركيب البديع بين سجلات مختلفة أحد مظاهر تفرّد التجربة الجنوب أفريقية في مجال العدالة الانتقالية. غير أن تجربة جنوب أفريقيا في مجال العدالة الانتقالية على فرادتها، تشكو من بعض أوجه القصور. فإذا
كان ضغط السياق قد ساهم في ترجيح منطق التوافق، فإنه ورّط أيضًا في بعض المآزق التي تعاند وعود اللجنة بالشفاء الاجتماعي وضمان الكرامة، وتكرّس هشاشة المصالحة.
ثًالث ا: أوجه القصور في تجربة العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا
تُضبط سياسات ما بعد النزاع بمنطق مزدوج: منطق تحقيق هدنة سياسية تضمن تثبيت الوضع السياسي الجديد وعدم الارتكاس إلى أتون النزاع، ومنطق تهدئة الغضب الفردي للضحايا والمسؤولين عن العنف. وتُدرج العدالة الانتقالية من هذه الزاوية، في إطار "قاموس مركب يزاوج بين النزوع البراغماتي لتحقيق السلم" ومقاربة علاجية تمتح فروضها من "بروتوكولات نفسية." ويشكو هذا المنظور النفسي، على أهميته، من بعض أوجه القصور. لا يبدو إضفاء طابع حتمي على العلاقة بين كشف الحقيقة والشفاء النفسي للضحايا مقنعًا. صحيح أن كشف الحقيقة يساعد في تحرير الضحايا من الخوف والمعاناة، مثلما يطهّرهم الحكي من الحقد وشهوة الانتقام، ويساهم اعتراف الجناة في تجنيبهم المتابعة وتهدئة توتر الضحايا، لكن "مسلسل الشفاء يرتبط بكيفية كشفنا، وسياق الكشف، وما الذي نكشفه"54. فإذا كان المفعول التحريري للحكي يرتبط بمقدار ما يشعر به الضحايا من ثقة، فإن مسلسل الكشف عن الحقيقة لا يوفر بيئة آمنة تضمن جرعات ثقة كافية للبوح بسردياتهم الذاتية، لأن الدعاية للمصالحة تفرض أن يكون الضحايا مرئيين، ما يكثّف الضغط عليهم. وتزداد حدة الإرهاق في ظل "احتمال منازعة حكاياتهم الذاتية، أو نزع المشروعية عنها، أو تجاهلها"55. لذلك، عوض أن يكون الحكي العمومي إوالية علاج أو تنفيس، وجد بعض الضحايا أنفسهم في مواقف "التبرير أو المواجهة"، فغدا الكلام بالنسبة إليهم مصدر صدمات جديدة وسبب نكء جراح قديمة، أو فتح جراح في طريقها إلى الالتئام56. وقدّر مركز الصدمات لضحايا العنف والتعذيب في كيب تاون، "أن خمسين إلى ستين في المئة من الأشخاص الذين اشتغل معهم المركز، عانوا صعوبات نفسية خطرة بعد أن أدلوا بشهاداتهم، أو أعربوا عن أسفهم على مشاركتهم في جلسات لجنة الحقيقة والمصالحة." ودفعت هذه الآثار النفسية السلبية لمسلسل الكشف عن الحقيقة، ترودي دي رايدر Trudy Ridder de، أحد علماء النفس الذين اشتغلوا مع الضحايا الشهود، إلى التساؤل عما إذا كانت الفائدة السياسية التي يجنيها المجتمع، "تبرّر المعاناة التي لحقت بالضحايا جراء جلسات الاستماع التي نظّمتها لجنة الحقيقة"57. ثم إن استعارة آلية تتلاءم مع المسلسلات الفردية للعلاج، ويرتهن مفعولها بالمدى الطويل، تجعل بلوغ الشفاء الاجتماعي هدفًا عسير المنال في الأفق المنظور. فالتطهير الفردي "ليس تطهيرًا نهائيًا." ويبدو أن فائدته لا تتجاوز إدارة المشاعر الفردية من خلال امتصاص الفائض منها58. إذا كانت العدالة التصالحية تتمحور حول الضحية، فإن هذا التركيز يبدو في جانب منه سلبيًا بحكم أن مسلسل المصالحة غالبًا ما يبتدئ وينتهي مع الضحية. "فالمضطهِدون غالبًا ما لا يهتمون بالمصالحة الحقيقية، فتمسي المصالحة إذًا مسلسلً يتصالح فيه الضحايا مع أنفسهم وعائلاتهم وجيرانهم"59. فكيف في ظل هذا الوضع يمكن الحديث عن "خطوة الاثنين"؟60 وفضلً عن ذلك، تختزل كيفية كشف الحقيقة مَن تَعرّض لانتهاكات جسيمة في دور الضحايا. ويمثّل ذلك الأمر نفيًا أو إنكارًا لقدرتهم على الفعل والجدارة والمشاركة في الصراعات التي سبقت فترات الانتقال. فلا غرو إذا اشتكى كثير من المشاركين في جلسات الاستماع من الإيذاء التلقائي، وعانوا اختزالهم في مجرد ضحايا. وبدلً من أن تكون اللجنة بالنسبة إلى كثيرين منهم جهازًا يضمن لهم بيئة المكاشفة المحرِّرة، غدت منتجة إحباطات جديدة. وبالمثل، بدا اندماج الجلادين الذين لحقهم الوصم العمومي في الجسم الاجتماعي
أمرًا عسيرًا. فإذا كان استبدال العقاب بالوصم يبتغي بناء السلم المدني، فإن مشاعر استياء الموصومين وعائلاتهم، تُعيد إنتاج خطوط الفصل وتغذّي الكراهية، وتجعل المصالحة هشّة61. من جهة أخرى، يفيد تحديد ولاية لجنة الحقيقة والإنصاف في الفترة آذار/ مارس 1960 - 10 أيار/ مايو 1994، وجود انتهاكات لم تُعالج في إطار المصالحة، الأمر الذي غذّى مخاطر انبعاث آلام ماضٍ غير معالج. كما أن ربط نظام الفصل العنصري بأشكال فردية من العنف، من قبيل السجن والتعذيب، لا يبدو مقنعًا. بحيث أفضى إلى لفظ من عانى ألوانًا أخرى من الانتهاكات، مثل الطرد الجماعي والهجرة القسرية والعزل وفصل العائلات وحظر التنقل والظلم الاجتماعي والاقتصادي، من حقل المصالحة. وبينما سُلّط الضوء على ضحايا نظام الفصل العنصري من الأفراد، جرى تغييب سؤال من استفاد من ذلك النظام. ولذلك ساد الاعتقاد في صفوف اليسار أن "الفصل العنصري جريمة ضد الإنسانية، وأن التركيز على الجرائم المرتكبة من الأفراد ضدّ الأفراد، يصرف الانتباه عن جوهر المشكلة صوب تفصيلات جانبية"62. كما لفظ المسلسل العلاجي الذي اعتمدته اللجنة، المظالم اقتصادية من حقل اهتمامه63السوسيو -. وبدلً من التصدي لتلك المظالم، عمل ذلك المسلسل على توريتها مؤقتًا64. إضافة إلى مؤشرات سياق الحقيقة وكيفية الكشف عنها، مثّلت الحقيقة التي اكتُشفت وجهًا آخر من أوجه محدودية مساهمة اللجنة في الشفاء النفسي للضحايا وتعافي المجتمع. فالحكي العمومي يخضع لرعاية لجنة الحقيقة والمصالحة وتأطيرها. ولا يُسمح للضحايا، نتيجة لذلك، بالكشف، غالبًا، عن هوية أحد، وشجب أي جهة على أسس سياسية. إنهم مدعوّون للتعبير عن معاناتهم النفسية فحسب، في مقابل كظم مشاعر أخرى مثل السخط والغضب. بهذه الكيفية، تضطلع اللجنة بحراسة مسلسل البوح وتوجيهه، وترهن مقبوليته بتفريغه في أطر رسمية والانضباط لطقوس خاصة65. ويبدو أن الحقيقة الذاتية للضحية مطلوبة بالقدر الذي تنسجم فيه مع التطلّعات المعيارية لمهندسي العدالة الانتقالية، وتجاوز المرحلة الحرجة؛ وبناء سلم مدني من خلال تسوية ودّية بين أطراف النزاع. وكانت هذه التطلّعات، على أهميتها، على حساب الحقيقة الكاملة؛ إذ لم تُتَح الفرصة لجميع الضحايا للصدع بحقائقهم. إن شرط مشاركتهم في مشروع كتابة تاريخ مشترك هو القبول بالاندراج في "مسلسل حداد فردي" منزوع الجرعات السياسية. فلا غرابة إذا بدت اللجنة كأنها حدّدت مسبقًا وصفة الصدمة المشروعة والمعاناة المعترف بها. ولئن تغيّت اللجنة تسخير العفو إوالية تهدئة، فإن العفو الذي يحجب إيجاد نزاعات أخرى66، بحيث ساهم في زيادة جرعات إحساس الضحايا بالإحباط والمرارة والظلم. إن رهن السرديات الذاتية للضحايا بحقيقة موجهة وبراغماتية، فتح الباب أمام شكل من أشكال الإفلات من العقاب، وكرّس قناعة بعض الضحايا بعدم قدرة اللجنة على ضمان تحقيق العدالة. فباسم المصالحة السياسية، تمّت تغذية الشعور بالإفلات من العقاب67. وبناء عليه، لا غرابة إذا تركت جلسات الاستماع بالنسبة إلى البعض "مذاقًا مرًّا"، وكانت تكلفة التهدئة، إشارة إلى حرية المجرمين، مرتفعةً68. يمثّل التعويض الهزيل مظهرًا آخر من أوجه انعطاب مسلسل العدالة الانتقالية في هذا البلد، يُفرغ الاعتراف بالأضرار الجسيمة التي لحقت بالضحايا، من محتواه. فبينما أوصت اللجنة بصرف 23000 راند كل سنة، وعلى مدى ست سنوات لفائدة كل ضحية69، لم تُحوّل الحكومة التعويضات إلى الضحايا إلّ في عام 2003، أي بعد خمس سنوات من توصيات اللجنة، واكتفت بعد طول أمد بتحديد مبلغ التعويض ب 00003 راند (نحو 0005 دولار)، ما أثار سخرية الضحايا الذين اعتبروا أنفسهم مخدوعين70. وإضافة إلى ذلك، بقيت الأغلبية الصامتة بمنأى عن مسلسل التعويض، نظرًا إلى غياب الجبر الجماعي. تزداد محدودية سياسة جبر ال ررر وأثر الحقيقة في الصحة النفسية وقدرة الضحايا المادية، في ظل إخفاقات السياسة الاقتصادية، وما ارتبط بذلك من عسر تنفيذ وعود نقل الأراضي إلى السود وتحقيق العدالة الاجتماعية. وتناسلت في جنوب أفريقيا ما بعد نظام الفصل
العنصري، ظواهر اجتماعية مرضية، مثل الفقر والبطالة والتمييز السوسيو - مجالي وارتفاع معدل الجريمة71. وبينما حُجبت "المُثل الأخلاقية والاقتصادية للجبر وإعادة التوزيع"، استفحلت شهوة السياسة النيوليبرالية72. فإذا كانت الانتخابات الحرة لعام 1994 قد دشّنت نسبيًا زمن قطيعة سياسية مع نظام الفصل العنصري، فإن الحكومة المنتخبة ديمقراطيًا أخفقت في إحداث قطيعة اقتصادية مع ميراث ذلك النظام. ولذلك تحدث جرفي-لامبوني عن "تباين بين زمن التغيير السياسي وزمن التغيير الاقتصادي"73. فالسياسة المنتهجة لفائدة العمالة غير البيضاء، وإن أفضت إلى تنمية حجم طبقة وسطى سوداء، لم تُحدث تغييرًا ملموسًا في دوائر التقرير في الشركات الكبرى، حيث تهيمن النخبة الاقتصادية البيضاء. وبقي الاقتصاد الجنوب أفريقي تحت رحمة التجمعات الاقتصادية المعولمة للبيض. ولئن ساهمت تلك النخبة في المفاوضات الممهّدة لإنهاء عهد الفصل العنصري، فإن مصالحها الاقتصادية تدفعها إلى إيثار منطق الاستمرارية على منطق القطيعة. وفي ارتباطٍ بهذا العامل المحلي، ما عادت جنوب أفريقيا كما كانت في السابق أولوية بالنسبة إلى التكتلات الاقتصادية الدولية74. وإضافة إلى ذلك، أخفقت السلطات الجديدة في تحقيق وعودها بإنعاش التنمية الاقتصادية وإعادة التوازن المجتمعي وجبر أضرار الماضي. واصطدمت بواقع سياسات نيوليبرالية كانت تتوسل بخوصصة الخدمات ودعم القطاع الخاص. وبدلً من انتشال جنوب أفريقيا من خطر الهشاشة والتفاوتات، انكفأت السياسات الاقتصادية، ولا سيما في عهد الرئيس تابو مبيكي Mbeki Thabo 2008-1999()، على منطق تدبير الفقر في الفضاءات التي يعيش فيها السود. ولم تنجح السلطات الجديدة في ضخّ الحياة في شرايين البنى المجالية الموروثة. وانتصبت تلك البنى العقيمة، على الرغم من محاولات إصلاح منطق اشتغالها عقبةً كأداء في وجه التغيير75. أظهرت أوجه القصور هذه كيف أن التحقيق وكشف الحقيقة لا يكفيان وحدهما لتحقيق المصالحة. فالمصالحة ترتهن "بكيفية التعامل مع تلك الحقيقة المكتشفة"76، وبصدى تلك الحقيقة في الفضاء العمومي77. وكشفت الأمراض الاجتماعية والاقتصادية المستشرية في جنوب أفريقيا ما بعد نظام الفصل العنصري، أن صدى الحقيقة التي جرى كشفها كان ضعيفًا، وغدا الاعتراف، في غياب التمكين الاقتصادي وتوفير الكرامة الإنسانية والاجتماعية للضحايا، شكلانيًا. لا غرابة إذًا في ظل مقايضة الاعتراف بالعفو وإفلات الجناة من العقاب، إذا اشتكى كثيرون من الضحايا من وطأة الأذى النفسي الإضافي الذي لحقهم في أثناء جلسات البوح، وتذمّروا من توجيه الحقيقة السردية وبقاء بعض الحقائق في الظل، وامتعضوا من طريقة تنظيم التعويضات وطول إجراءات صرفها وتواضعها، ومن طريقة تسوية النزاعات الفردية بشأن الأراضي، واعتبروا مسلسل العدالة ظالمًا، والمصالحة ساذجة ومستفزة. ولا غرابة أيضًا إذا تكثف إحساسهم المرير بالإحباط والرغبة في الانتقام، نتيجة رسوخ الاعتقاد أن البيض هم الفائزون من التجربة، وأن جنوب أفريقيا وقعت فريسة "شياطينها القدامى"78.
خاتمة واستنتاجات
أمست جنوب أفريقيا نموذجًا لبلدٍ استطاع إنجاح مسلسل الانتقال الديمقراطي رغم المخاطر التي كانت تتربّص به. ومثّل نجاح الفاعلين في تيسير الانتقال الديمقراطي في بلد جماعاتي مكلوم ومتعدد الأعراق إنجازًا تاريخيًا مُلهِمً. فلا غرو إذا تواتر الحديث عن "المعجزة" الجنوب أفريقية. بيد أن نزوع البعض إلى أسطرة إنجاز هذا البلد، يجب ألا يحجب الهوّة بين التطلّعات المعيارية للفاعلين والواقع، وكيف توسّل مهندسو العدالة الانتقالية ببراغماتية رجّحت كفة الصفح على مقتضى العدالة، توخّيًا لتثبيت التوافق السياسي. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا التمرين الديمقراطي الذي جرى في بيئة تحفل بالمخاطر يساعد في استخلاص بعض الدروس المفيدة لمسلسلات العدالة الانتقالية وتجارب التحول في الوطن العربي، وعمومًا للبلدان التي تكون في سياقات الخروج من الدكتاتورية أو ما بعد الحرب الأهلية. أظهرت تجربة جنوب أفريقيا دور الفاعلين الحاسم، وقدرتهم على تدبير الوضعيات الحرجة. فانتشال البلد من أتون الحرب الأهلية إلى شط السلم المدني، لم يكن ليتحقق لولا انخراطهم في منطق التفاوض وسعيهم للتوافق بشأن النواظم الميسرة عبور الفترات الحرجة. وإضافة إلى دور التوافق الأكسيولوجي للنخب في تذليل الخلافات، اضطلعت القواعد والمبادئ الدستورية بأدوار توجيهية
مهمة؛ إذ تشكّلت الديمقراطية الجنوب أفريقية من مبادئ دستورية كانت بمنزلة وصايا يسّت التئام الأطراف المتنازعة بشأن مائدة المفاوضات79. وأضفت هذه النواظم بعدًا عقلانيًا على أداء الفاعلين، إذ لم يكن في الإمكان تفكيك التركة الثقيلة لنظام الفصل العنصري والتعامل معها بمنطق القطيعة الجذرية والكنس الشامل، إلّ من خلال التغيير المتدرّج. ويبدو أن لجنة الحقيقة والمصالحة تعاملت مع مشروع العدالة الانتقالية بمنطق الأولويات وتأمين الانتقال السياسي. ولا غرابة إذا اعتبر البعض أن ديمقراطية جنوب أفريقيا "كانت ديمقراطية العقل، قبل أن تكون ديمقراطية العاطفة".80 وخلافًا للأسطورة السياسية التي تنسب فضل المصالحة حصرًا إلى حكمة مانديلا ودوكليرك، لا تُعزى الانعطافة التي حققتها جنوب أفريقيا إلى مساهمة الرجلين الكبرى. صحيح أن مساهمتهما في تدشين عهد جديد من تاريخ جنوب أفريقيا تعكس أدوار الزعامات الكاريزمية في تحييد المخاطر التي تتربص بمسيرة الانتقال وتأمين انسيابية حلقاتها. لكن استفتاء عام 1992 الذي قبلت الأقلية البيضاء بمقتضاه تغيير نظام الفصل العنصري، والعقد الاجتماعي الجديد الذي توّجت به انتخابات عام 1994 81 ودعم النخب الاقتصادية مساعي المصالحة والتصويت الكثيف للساكنة السوداء في الانتخابات، أمور دلّت على أن المصالحة مشروع جماعي تحقق بفضل توافق أطراف مختلفة. في العلاقة بمحورية الفاعل، أبرزت مسارات الانتقال في جنوب أفريقيا الأهمية الكبرى لمتغيّ الزمن. فلئن أظهر مهندسو مسلسل الانتقال قدرة على صياغة أفق زمني للخروج من نظام الفصل العنصري واستكمال حلقات الانتقال، فإن طول أمد جلسات الاستماع وآجال التعويض بدا أمرًا مزعجًا، حيث غذّى الشكوك في مدى فاعلية مسلسل الشفاء النفسي وصدقية الخطاب بشأن جبر الضرر المادي. ولعل أحد التحديات التي تواجه مهندسي العدالة الانتقالية في المجتمعات العربية، هي صعوبة بَنْيَنة أفق زمني فعال، وتطويع مناخ اللايقين لاتخاذ القرارات الحاسمة في الأوقات المناسبة. وإذا كانت تجربة العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا رجّحت أكثر فروض المقاربة النخبوية المشددة على أهمية قرارات الفاعلين، فإن بعض الصعوبات التي اعترضتها أظهرت أيضًا وجاهة المقاربة التحليلية التي تركز على طبيعة النظام السابق والإرث المؤسساتي للماضي. فالماضي يخترق الحاضر "ويساهم في تشكيل الهندسة المؤسساتية وسنن الأفراد"82. لذلك، اعتبر أحد الباحثين أن "التغيير التعاقدي" الذي حصل في جنوب أفريقيا تم "من دون قلب ثوري"83. إن عقم البنى الحضرية الموروثة وتواتر هيمنة البيض على الملكية العقارية واستمرار التمييز السوسيو - مجالي الذي كرّسه نظام الفصل العنصري وطبيعة النموذج الاقتصادي الذي تهيمن عليه القوى المالية البيضاء، وما ارتبط بذلك من إخفاقات اقتصادية وفجوات اجتماعية سحيقة، مؤشرات تعكس كيف أن الإرث المؤسسي للماضي يؤثر في مسارات العدالة ويرهن إيقاعها. صحيح أن الإفراط في تقدير وزن الماضي ينطوي على فخ السقوط في حتمية تاريخية تلغي دور الفاعلين وتُزاح بالتحليل صوب البحث عن شيء يقترب من "قانون التطور التاريخي"84. لكن بقدر ما يعكس فشل السياسة الحضرية المتبعة في تغيير البنى المجالية وتفكيك إرث نظام الفصل العنصري، كيف أن ضغط الماضي والبنى الماكروثقافية يعوّقان مسيرة الانتقال، فإنه يكشف، بالقدر نفسه، ضعف قدرة النخب الجديدة على تحقيق الوعود بإحداث تغيير فعلي يحفظ الكرامة الإنسانية ويؤمن السلم الاجتماعي. ولعل هذا الأمر يُظهر كيف أن التغيير الاجتماعي هو حصيلة "تقاطع جدلي بين الإكراهات المؤسساتية وسُنن الفاعلين الاجتماعيين"85. كما تبرز الصعوبات الاقتصادية التي اعترضت جهود حكومات ما بعد نظام الفصل العنصري لتنفيذ جبر الضرر المادي كيف أن التأخر على جبهة النمو والتنمية يوسع الهوّة بين الديمقراطية المرتجاة والديمقراطية كما تمارس، وتفرض الانتباه إلى
أن العلاقة السببية التي تقيمها مدرسة المشروطية الاقتصادية ما بين النمو الاقتصادي والدمقرطة ليست حتمية. من جهة أخرى، أبرزت التجربة الجنوب أفريقية في مجال العدالة الانتقالية أن فرص نجاح جهود المصالحة أو إخفاقها ترتهن بنظام التاريخية، إشارة إلى نمط العلاقة التي يقيمها أي مجتمع مع ماضيه. فالمصالحة الفعلية التي تضمن جبر الضرر المادي والرمزي لا تتحقق من دون ما سمّ ه بول ريكور سياسة الذاكرة العادلة التي تضمن إنزال الماضي منزلته، وتقي من انحرافات الذاكرة. ويكمن جوهر تلك السياسة في استخراج قيمة مثالية من الذكريات الصادمة86. هذه القيمة هي التي تجعل الأفراد يشرئبّون إلى المستقبل ويتجنّبون الانقفال في قبو الماضي87. وسمح النموذج الجنوب أفريقي بالجواب عن سؤال كيف يمكن تعبئة الذاكرة لتكون إوالية لإعادة بناء السلم المدني. فالذاكرة وإن كانت عاملً مهمً لإعادة إدماج أحداث الماضي في تاريخ البلد وتحقيق المصالحة، قد تنتصب عقبةً كأداء في وجه المصالحة، بحكم أنها تجعل الأضرار شاخصة دومًا. فالماضي الأليم غير المعالج قد يعود مثل كابوس ليجثم على الحاضر. من هنا أهمية بناء الذاكرة في إعادة بناء الهوية الجمعية88. وزاوجت جنوب أفريقيا بين مسعى تنشيط الذاكرة للحيلولة دون طمسها، والحداد المهدئ لفورة الذاكرة والمانع لظهور "ذاكرة زائدة" تجعل السكان مستغرقين في الماضي. وإضافة إلى هذه العوامل الداخلية، لم تكن تجربة العدالة الانتقالية في جنوب أفريقيا لتنجح في تثبيت الوضع السياسي الجديد، لولا ضغوط القوى الدولية والإقليمية على نظام الفصل العنصري، ومن دون مساندتها جهود المصالحة. قد تبدو جنوب أفريقيا، نظرًا إلى أوجه القصور التي أشرنا إليها، في وضع مقايضة العدالة بالصفح، أو على الأقل ترجيح كفة الصفح على العدالة، والمستقبل على حساب الماضي. لكن هذا المنزع يعبّ عن منطق يعطي الأولوية لمواجهة تحديات الوضع الجديد عوض النزوع الاسترجاعي إلى مظالم الماضي. كما يكشف عن رؤية عملية للعدالة. ففي مقابل الطابع المثالي للتطلّعات المعيارية للجنوب أفريقيين، تعكس صيغة العدالة التصالحية جوابًا واقعيًا عن سؤال ما العدالة؟ يبدو أن مهندسي تلك الصيغة نأوا عن رؤية كانطية متعالية، وعن المثالية التي تتخلل رؤية جون رولز، ليتوسلوا بالرؤية العملية لأطروحة أمارتيا سن، عدالة يمكن الاتفاق على مضمونها، وتساعد في تقليص الظلم بما يسمح بإعطاء فرص أفضل لأطياف "أمة قوس قزح."
المراجع
العربية
بنيوب، أحمد شوقي. دليل حول العدالة الانتقالية. الرباط: المعهد العربي لحقوق الإنسان،.2007 الخوند، مسعود. الموسوعة التاريخية الجغرافية: القارات، المناطق، الدول، البلدان، المدن. بيروت: مؤسسة هابياد، 1996. دهام حميد، خميس. العدالة الانتقالية: دراسة مقارنة ما بين دولة جنوب أفريقيا والعراق. عمان: دار الجنان للنشر والتوزيع،.2017 ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2009 زيربو، جوزيف ي. تاريخ أفريقيا السوداء. ترجمة يوسف شلب الشام. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1994. موران، إدغار. "الصفح مقاومة لبشاعة العالم." ترجمة حسن العمراني. يتفكرون. العدد 2 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2013 نصر الدين، إبراهيم. حركة التحرير الوطني لجنوب أفريقيا. القاهرة: دار المستقبل العربي،.1989
الأجنبية
"Act No. 200 of 1993: Constitution of the Republic of South Africa, 1993." Department of Justice and Constitutional Development. Government Gazette Notices. no. 185. 28/1/1994. at: https://bit.ly/2IGXVZH "Afrique du Sud: Constitution of the Republic of South Africa, 1996." WIPO Lex. at: https://bit.ly/32Cuyio Allen, J. (ed.). God is not a Christian: Speaking Truth in Times of Crisis. London: Rider, 2013. Andrieu, Kora. La justice transitionnelle: De l'Afrique du Sud au Rwanda. Paris: Gallimard, 2012. Benghellab, Nour. "Des mythes aux réalités de la justice transitionnelle: Catharsis thérapeutique, (re) constructions nationales et légitimation politique." Champ pénal. vol. XIII (2016). at: https://bit.ly/3kmkSPi
Boraine, Alex. A Country Unmasked: Inside South Africa's Truth and Reconciliation Commission. Oxford/ New York: Oxford University Press, 2000. Brisset-Foucault, Florence et al. "Vérité, justice, réconciliation ou comment concilier l'inconciliable." Mouvements. vol. 1, no. 53 (2008). Brogden, Mike. "La criminalité en Afrique du Sud, héritage de l'apartheid?" Les Annales de la Recherche Urbaine. no. 83-84 (1999). Bucaille, Lætitia. "Vérité et réconciliation en Afrique du Sud: Une mutation politique et sociale." Politique étrangère. no. 2 (Été 2007). Buford, Warren & Hugo van der Merwe. "Reparations in Southern Africa." Cahiers d'études africaines. vol. 173- 174, no. 1-2 (January 2004). Dobry, Michel. "Les voies incertaines de la transitologie: Choix stratégiques, séquences historiques, bifurcations et processus de path dependence." Revue française de science politique. vol. 50, no. 4-5 (2000). Ellis, Stephen. "Vérité sans réconciliation en Afrique du Sud." Rachel Bouyssou (trad.). Critique internationale. vol. 5, no. 1 (1999). Fritz, Gérard. "La transition en Afrique du Sud." Recherches internationals. vol. 4, no. 78 (2006). at: https:// bit.ly/3lBcI6M Gervais-Lambony, Philippe. "Afrique du Sud, les temps du changement." Hérodote. vol. 4, no. 111 (2003). Grosescu, Raluca. "Une analyse critique de la transitologie: Valeurs heuristiques, limites d'interprétation et difficultés méthodologiques." Studia Politica: Romanian Political Science Review. vol. 12, no. 3 (2012). "Groote Schuur Minute." UN Peacemaker. 4/5/1990. at: https://bit.ly/3f331LX Hamber, Brandon, Dinneo Nageng & Gabriel O'Malley. "'Telling It Like It Is …': Understanding the Truth and Reconciliation Process from the Perspective of Survivors." Psychology in Society. vol. 26, no. 1 (2000). Hazan, Paul. "Mesurer l'impact des politiques de chatiment et de pardon: Plaidoyer pour l'évaluation fa la justice transitionnelle." Revue Internationale de la Croix- Rouge. vol. 88, no. 861 (2006). Lefranc, Sandrine. "Les commissions de vérité: Une alternative au droit?" Droit et Cultures. vol. 2, no. 56 (2008). ________. "La justice de l'après-conflit politique: Justice pour la victime justice sans tiers?" Négociations. vol. 2, no. 24 (2015). Leman-Langlois, Stéphane. "Le modèle 'vérité et réconciliation': Victimes, bourreaux et institutionnalisation du pardon." Informations sociales. vol. 7, no. 127 (2005). ________. "La vérité réparatrice dans la Commission vérité et réconciliation D'Afrique du Sud." Revue semestrielle de l'ENM. no. 1 (2006). Letseka, Moeketsi. "Ubuntu and Justice as Fairness." Mediterranean Journal of Social Sciences. vol. 5, no. 9 (May 2014). Lundy, Patricia & Mark McGovern. "Whose Justice? Rethinking Transitional Justice from the Bottom Up." Journal of Law and Society. vol. 35, no. 2 (2008). Margalit, Avishai. The Ethics of Memory. 3 rd ed. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2004. Martin, Denis-Constant. "L'Afrique du Sud depuis 1990: Une reconstruction ambiguë." Projet (2005). at: https://bit.ly/3kp3bOT Nations unies, Conseil de sécurité. "Rétablissement de l'État de droit et administration de la justice pendant la période de transition dans les sociétés en proie à un conflit ou sortant d'un conflit : Rapport de Secrétaire général." S/2004/616, 23/8/2004. at: https://bit.ly/2IBbhHi Olson, Laura M. "Réveiller le dragon qui dort? Questions de justice transitionnelle: Répression pénale
ou amnistie?" Revue Internationale de la Croix-Rouge. vol. 88, no. 862 (2006). Osiel, Mark. Juger les crimes de masse: La mémoire collective et le droit. Paris: Seuil, 2006. Philippe, Xavier. "Réparations et responsabilités dans les périodes post-conflictuelles: Le cas de l'apartheid en Afrique du Sud." La réparation du préjudice né de l'Histoire. Paris. 15/2/2007. at: https://bit.ly/2UhmqPS ________. "La démocratie constitutionnelle Sud- Africaine: Un modèle?" Pouvoirs. vol. 2, no. 129 (2009). at: https://bit.ly/35pxmBa Pignoux, Nathalie. La réparation des victimes d'infractions pénales. Paris: L'Harmattan, 2008. Pons, Sophie. Apartheid: L'aveu et le pardon. Paris: Bayard Editions, 2000. Porte, Yann. "La catharsis cioranienne: Négativité et thérapeutique fragmentaire." Le Portique: Revue de philosophie et de sciences humaines. Cahier 3 (2005). at: https://bit.ly/3lywr7m Posel, Daniel. The Making of Apartheid, 1948-1961: Conflict and Compromise. Oxford: Clarendon Press, 1991. Ricoeur, Paul. Temps et récit. Paris: Seuil, 1985.
Saada, Julie. "La justice transitionnelle entre politique de la mémoire et châtiment: Juger la guerre, juger l'histoire. Du bon usage des commissions Vérité et de la justice internationale, de Pierre Hazan. PUF, 252 p." Spirale. no. 218 (2008).
Sermet, Laurent. (Sous la direction). Droit et démocratie en Afrique du Sud. Paris: L'Harmattan, 2001. Simpson, Graeme. "Amnistie et crime en Afrique du Sud après la Commission 'Vérité et réconciliation'." Cahiers d'Etudes Africaines. vol. 44, no. 173-174 (2004). Société d'histoire de la montagne. Les résistances sur le Plateau Vivarais-Lignon (1938-1945): Témoins, témoignages et lieux de mémoires. Les oublies de l'histoire parlent. Paris: Editions du Roure, 2005. Stora, Benjamin. La gangrène et l'oubli: La mémoire de la guerre d'Algérie. Paris: La Découverte, 1998. Tobbia, Mariangela. La mémoire collective aux temps de la justice transitionnelle. Thèse présentée en vue de l'obtention du grade de doctorat en Philosophie. Montréal: Université de Montréal, 2016. Verdoolaege, Annelies. Reconciliation Discourse: The Case of the Truth and Reconciliation Commission. Amsterdam: John Benjamins Publishing Company, 2008. Vircoulon, Thierry. "De la transition à la transformation: Comprendre l'Afrique du Sud démocratique." Journal des africanistes. vol. 76, no. 2 (2006). at: https://bit.ly/3noH8tF Youssef, Nada. La transition démocratique et la garantie des droits fondamentaux: Esquisse d'une modélisation juridique. Paris: Publibook université, 2011.