"أوروبا وظلالها: الكولونيالية بعد الإمبراطورية"

Mekia Nedjar مكية نجار |

عنوان الكتاب: أوروبا وظلالها: الكولونيالية بعد الإمبراطورية. Europe and its Shadows: Coloniality after Empire عنوان الكتاب في لغته: المؤلف: حميد دباشي.Hamid Dabashi.Pluto Press الناشر: مكان النشر: لندن. سنة النشر:.2019 عدد الصفحات: 216 صفحة.

"Europe and its Coloniality after Empire"

مقدمة

تحاول هذه المراجعة أن تشتبك مع سؤال علاقة العرب بالغرب. ويبدو فعلً أن العرب ربما لم يواجهوا "خلال القرنين الماضيين مسألة أشد تعقيدًا وصعوبة وحيرة من سؤال العلاقة مع الغرب. يسعى حميد دباشي، في الكتاب الذي تُعنى به هذه المراجعة، إلى الإجابة عن هذا السؤال، وهو يستوفي المعضلة الواقعة بين "التهويل والتهوين"1 إزاء لفظ "أوروبا" ويعرّي الوضع الإمبريالي ما بعد الكولونيالي الذي تشهده آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، والعالم الإسلامي على نحو خاص. يمكن أن تكون الظاهرة الكولونيالية قد ولّت، لكن دباشي يؤكد أن الإمبراطورية/ الإمبريالية ما زالت قائمة محتفظة بكل قوتها بتوقيع أورو.-أميركي يبدو أن دباشي، بوصفه غير أوروبي، فكَّر مليًا2 واقتنع أن حس التحرر الإنساني في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية يعود مجددًا إلى الواجهة3؛ ومن هنا، يُحدِّث العالَم عن أوروبا، متجاوزًا إياها وليس ضدها، إنما يفعل ذلك في كتابه هذا رغمً عنها. أيًا كان تصنيف نوع هذا الكتاب النقدي الذي قد لا نجد له شبيهًا، من حيث إشكالياته وأطروحاته، في أغلب مجالات المعرفة الإنسانية، فهو ينطوي على حصيلة فكره؛ وقد جاءت عناصره المتشعبة ثمرة قراءاته العميقة التي يدلي بها بوصفها تأملات، ليس فقط بشأن المعرفة القائمة حول الغرب وبقية العالم، بل حول منابع التفكير الفلسفي وأسسه أيضًا. تبدو كتابات دباشي متمردة ليس لها مجال تنتمي إليه، لأنها بكل بساطة تنافي النسق المتداول للمعرفة. فهي، كما يرى هو نفسه، كقطع أثرية إن اجتمعت شكّلت صورة جديدة حقيقية للعالم. لقد اقتحم دباشي، بجرعة زائدة من الجرأة والشجاعة، الفلسفة وتوغّل في ميادين العلوم الإنسانية الصعبة المراس، وجابَه مسوغيها ومنظّريها، ليس فقط من أعلام التنوير، بل حتى من المعاصرين. لقد خاض المجابهة التي لا يطيقها إلا من هو أهل لها، فلجأ إلى الأدوات اللازمة، وتأجّج بسلاح المعرفة الفلسفية التنويرية وفضحها قبل أن يفضح أصحابها، لأنه قبِل بقواعد اللعبة الإبستيمولوجية من الوهلة الأولى. وهو الآن، "ينظر إلى أوروبا فوق كتفها، ويوجّه ردوده على الأوروبيين بعدما كانوا أنفسهم ينظرون إلينا فوق أكتافنا" (ص. 3)، حين كنا نكتب. إنها أوروبا وهي ترصدنا منذ قرون عبر أنثروبولوجيتها اللاإنسانية بسبب غرابتنا عنها. وما زال الأمر كذلك، طالما أن منطلق طرح دباشي تَرجم "توعك أوروبا" بصعود اليمين والعنصرية و"الإسلاموفوبيا" والكراهية وأيديولوجيا الاستعلاء الأوروبي الغربي، الذي أفرز ظاهرة مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكسيت" Brexit ووصول رئيس كدونالد ترامب إلى سدة الحكم في أقوى دولة في العالم، أميركا. يشق دباشي دربه الفكري بح جاج أولي حول لفظ "أوروبا" وما يحمله من دلالات في مقدمةٍ لا تعدو أكثر من صفحتين. ولكنها تفتح شهية التقصي والنفاذ إلى ثمانية عناوين فرعية حولها تسلط الضوء على أوروبا فلسفيًا وتاريخيًا وسياسيًا وكولونياليًا من خلال بناء – تفكيك لحقيقة "مركزيتها" في العالم، ليس بالولوج إلى وجهها الآخر، بل إلى ما يتبعها دائمًا ك "ظلال" من حيث المجاز والرمز، وهو روح موضوع الكتاب الذي يقدمه دباشي. قد يظن القارئ، من المقدمة، أنها وفت بالغرض، واختصرت وعنت كثيرًا، لأنها مدججة فكريًا بحجج من التاريخ الأوروبي، استدل بها دباشي منهجيًا وإبستيميًا، على شاكلة الفكر النقدي الغربي. ولذلك، لا أظن أن هذا الكتاب قد يمر مرور الكرام، لكنه سيسبب انزعاجًا كبيرًا، كما جاء في لفظه فاتحًا باب الحجاج لمن استطاع إليه، نحو التحرر مما تمثله أوروبا والغرب إلى الآن. إذًا، ساحة معركة المؤلف فكرية، لأنه يجابه أوروبا في جذور نرجسيتها الإبستيمية4 إزاء غيرها وكأنها المالك الوحيد لمستودع معنى المعرفة والحداثة، ومن ثم، الحقيقة في حد ذاتها. هذا ما يبرر الحاجة إلى تفكيكها إبستيميًا وأخلاقيًا وخياليًا (صوريًا.) و"لا يكمن الهدف في توطينها Provincialize وإنما في تفكيك أوهامها، لإنقاذها في نهاية المطاف" (ص. 48) ولأن التحرر من الغرب لا يلتبس مع إسقاطه من أجل النهضة كما يرى محمد عابد الجابري، فنحن نتعامل معه نقديًا بالدخول إلى ثقافته والتعرف إلى أسس تقدمه والعمل على غرسها5. ومن ثم، يبدو أن دباشي اتخذ قرارًا، واختار بعد طول اختبار أن يتحدث، ونتحدث معه، في هذا الكتاب بصيغة الجمع المتكلم. لقد أثبت أنه يستطيع أن يفكر بعد أن حدد انتماءه "بامتياز" إلى السُمر كموضوع Object معرفة غير الأوروبي للأوروبيين الذين، في نظره، "أساؤوا أكثر

  1. عبد القادر بخوش، "مستهل: علم الاستغراب"، مجلة علم الاستغراب (مؤسسة وعي العدد للدراسات والأبحاث)، 1 2017()، ص.14
  2. Hamid Dabashi, Can non-Europeans Think? (London: Zed Books, 2015).
  3. 5 محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية، ط 5 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994)، ص .205
  4. Inanna Hamati-Ataya, "Outline for a Reflexive Epistemology," Epistemology and Philosophy of Science , vol. 42, no. 4 (2014), p. 13.
  5. 3  Hamid Dabashi, The Arab Spring: The End of Postcolonialism (New York: Zed Books, 2012).

مما أحسنوا إلى غيرهم. لأن أوروبا تُ كِّن حينًا وتُعجِز كثيرًا، والتاريخ شاهد على ذلك" (ص. 6) لكن "ظلال أوروبا" التي يتحدث عنها دباشي هي جوهر أوروبا وروحها منذ نشأتها من خلال "الشعور بالامتعاض أو الغيظ" Ressentiment الكامن في المبادئ الأخلاقية للمسيحية، وتحوّل هذا الشعور إلى تجاوز "تقييم القيم" Values of Transvaluation 6. ومن هنا يلمّح دباشي إلى أن "ظل" المسيحية أو "ظل" النظام الأخلاقي البرجوازي يقع في جذور الإمبراطوريات الأوروبية، أما المجتمع ما بعد الكولونيالي فإنه لم يدرك حقيقة أنه انبجس في "ظل" عتمة الغيظ. وفي الحصيلة، فإن ظلال أوروبا هي الكولونيالية والإمبراطورية وتجريد الحقيقة بالنسيان؛ فالنسيان الجزئي غالبًا ما يوهم باكتساب الحقيقة. وفي هذه الحالة تصبح الحقيقة الناقصة وهمً. والجانب الكولونيالي هو الأكثر مساءلة، لأنه بصفته حقيقةً يثير قلق أوروبا (ص. 4).

جيش متحرك من المجازات

تمثل أوروبا "جيشًا متحركًا من المجازات"؛ وجودها مجازي ورمزي إلى الزمان والمكان في العالم، وهو إحساس يقتسمه الناس ويألفونه، حتى بالنسبة إلى أشد منتقدي القارة العجوز. ويدرك دباشي مدى أثر ذلك الرمز في نفسه وفي الباقين من دون استثناء، فهي واقعة في وسط حبل تتجاذب بين من ينتقدونها بشدة حسدًا، ومن يستسلمون لها. وما بين الانبهار والنفور، يستلهم دباشي ما ذكره جلال آل أحمد، الفيلسوف الإيراني، في كتابه التسمم بالغرب أو غرب زدكي بالفارسية الصادر عام. 1962 Westoxication إن كتاب آل أحمد لا يعادي ولا يوافق تمامًا الغرب أو الحداثة، وإنما ينتقد الاستعمار والعقل المستعمَر. ورغم نقائص هذا الكتاب الذي يعُدّ مصدر إلهام دباشي، فإنه يرى أنه سمح بالتحول الإبستيمي نحو فكر ناقد نابع من نقاشات الجنوب الكبير، كما تكمن أهميته في أنه يعدّ وثيقة تحرر ووعي سياسي، حيث منحه أسلوبه الانعتاقي التاريخية اللازمة لكتابه أوروبا وظلالها الفاعلانية Agency. كيف لا، وقد جمع هذا الكتاب، في رأي دباشي، بين بشرة سوداء، أقنعة بيضاء 1952() لفرانز فانون Fanon Frantz و الاستشراق 1978() لإدوارد سعيد من حيث إنه يتحدث عن "تسمم" أصاب البشر (ص. 7)، فجعلهم غير قادرين على التفكير نقديًا خارج أطر التفكير والمناهج والمرجعية الأوروبية. وبناء عليه، يكمن ضرر التحول الإبستيمي في تبنّي المركزية الأوروبية للحداثة على حساب جوهر الحداثة. وتكون الذات تائهة لا تجد لنفسها معلمً ترجع إليه. والآن، يرى دباشي أوروبا، وهي على هذا النحو، بل كل الغرب، مجرد خيال واهم؛ إنها لا تمثل أيّ حقيقة بعينها، إنها وعي زائف في خدمة الهيمنة الإمبريالية. والحسم، لا مفر من ذلك، معقود بمواجهة هذا الوهم والتغلب عليه بالتفكيك، أي بالنقد ما بعد الكولونيالي. وهذا ما كلّف دباشي سنوات عديدة من حياته حتى وصل إلى سؤال: ما أوروبا التي فرضت صورتها وفكرتها الكونية وقبِلها العالم من دون تردد؟ هل هي حضارة أم محض جغرافيا؟ إذًا، مختصر فكرة دباشي حول أوروبا أنها لحظة مجازية أنهكتها إمكانياتها الإبستيمية، وتفجرت إلى ما هي عليه الآن، وهدفه إنقاذ أوروبا والعالم للالتحاق بسفينة الإنسانية نفسها، وإحقاق السلام على متنها. وما بين "الأوروفيليا" Europhilia والأوروفوبيا Europhobia (ص. 9)، يتأرجح المؤلف، كما تأرجح نيتشه الذي يلجأ إليه دباشي في كل مرة، ويقترن به حين يتموضع بين الشر والخير، بين الذات والآخر، بين أوروبا وظلالها؛ أي بين الغرب والإسلام، وبين الغرب وبقية العالم. إذًا، أوروبا هي أم المجازات الكبرى للغرب، كما أن الغرب، أصلً، لا شيء من دون "البقية"، لا شيء من دون تضادٍّ ما. غير أن دباشي لا يرغب في مواجهة التضاد، لذلك، نراه يقبع في مساحة ما بين "الأوروفيليا" و"الأوروفوبيا"، لأنه يريد أن ينقذ أوروبا. وفي ثنايا الكلمات، نستشعر أنه أصلً يتموضع ضمن أطراف الأوروفيليا، وأنه مضطر إلى الخروج منها ليعود إليها بعد أن يتمكن من فرز الأوهام من الحقائق.

بين الأوهام والحقائق

على مر صفحات الكتاب، يحضر فكر فرانز فانون وإدوارد سعيد استشهادًا ونقدًا، وهما اللذان أثَّرا في دباشي، وحين قال فانون إن "أوروبا حرفيًا خلقها أو أوجدها العالم الثالث" لأنها استغنت (من الغنى) بالثروات والمواد الخام والعبيد من العالم الثالث بالنهب والسرقة، وما كانت مساعداتها للعالم المتخلف التي توقفت الآن إلا استردادًا لبعض ما نُهب (ص. 13) يمكن أن تكون أوروبا قد تغيّ ت، غير أن جيشها المجازي المختلط ما زال قائمًا يتكيف ويتمدد. لقد ظل جوهرها كامنًا، وحل مكانَها البنك الدولي والأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي وأشكال أخرى من النزعة الإمبراطورية. إذًا، أي أوروبا

  1. يقول دباشي إن هذا الأمر رسم خريطة المصنع الأخلاقي للإمبراطورية المسيحية البرجوازية حيث يجول "المسيحي الطيب" أرجاء العالم، يحرق ما فوق الأرض وما تحتها إكرامًا لحواريي المسيح الاثني عشر (ص. 2)

يمكن تصورها من دون البقية؟ ويستمر في تذكيرنا بالأسطورة القائلة إن الغرب من دون البقية لا يمكنه حتى أن يعرف نفسه. إذًا، العالم الثالث، أو البقية، هو المادة الخام، وأوروبا هي الجيش الخفي للحقيقة التي تتجاوز الواقع والجغرافيا. وبناء عليه، فإن الناس، الذين يؤمنون بسمو أوروبا وعلويتها، لا يمكن إلا أن يكونوا عالقين حبيسين داخل الاستعارة، والحقيقة المُرّة أنّ أوروبا تتغير، وأن المهاجرين ينكبون إليها شاءت أم أبت؛ إنها تتغير ببطء، ولكنها لا تريد أن تستوعب ذلك. يتأرجح دباشي تمامًا كما يفعل البقية أو المسلمون إزاء أوروبا، منهم من تستهويه ومنهم من ينفر منها. ولكن على عكس حيرة أولئك، ها هو يسلم الرد لها (أوروبا) ولهم (البقية أو المسلمون.) أوروبا هي المجاز الذي يحدد الحداثة الاستعمارية، متمركزة على نفسها، عاكفة على استغلال العالم بعنف، لكنها ماضية في ترتيب سردياتها بجمال خلاب، فجرّدت "الآخر" من تاريخه، لأنها ظنت، لوهلة، أنها تمتلكه. وقد وصلت إلى مرحلة نهاية الاستخلاف، لأن الفاصل والحد بين أوروبا وغير أوروبا Non-Europe and Europe هما قوس انتصار الحضارة البيضاء على الهمجيين السُمر الذين طالما أحكمت تسييرهم، ثم تجاوزتهم مجازًا. ولكن رغم أن تاريخ الكولونيالية الذي أنشأ أوروبا ولَّ، فإن ظروف الكولونيالية ما زالت قائمة من خلال شبح أوروبا والغيرية الحضارية التي جسّدها صامويل هنتنغتون Samuel Huntington وفرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama وتسللت إلى مناصري "بريكسيت" مرورًا بدونالد ترامب. فلم تعد أوروبا ترى نفسها مستودعًا للحقيقة فقط، بل مقياسًا لها أيضًا، ومظلة للأخلاق التي امتدت إلى بقية العالم، وخاصة الولايات المتحدة التي احتضنت أعنف الإمبراطوريات في العالم (ص. 91) وكي تؤصل أوروبا "غربيتها"، كان لا بد للعالم من أن يقع حيث تريد أن تراه، فشرق العالم يقع في شرقها، لأنه المكان الذي أرادت أن تراه فيه كي تتطلع إليه؛ مصدر ثروتها، شيء يزودها بالترفيه، وهو موضوع العلوم الاجتماعية، يعمر المتاحف والمعارض. وها قد عاد الشرق يحدق في أوروبا، كما فعل دباشي، حتى إن فعل ذلك متأخرًا، ولكن على نحو أكثر لطفًا وإنسانية، وأكثر اعتبارًا وتفهمً. ولا يتعلق الأمر بالانتقام، ولكن بفضح كولونيالية أوروبا من خلال آدابها وشفراتها وجرائمها، بحيث تكون المهمة تشخيص "باثولوجيا الغرب والبقية" التي تعانيها أوروبا بوصفها أعراضًا نفسية أيديولوجية لتدهورها الآن (ص 87-60-32.) وما شدة التركيز على العدائية للمهاجرين، وخاصة المسلمين، إلا لصرف الانتباه عن جانب حادّ للمرض. وفي الحصيلة، يبدو أن أوروبا من دون هؤلاء الأعداء الوهميين ستظل تعاني المتاعب.

الغرب والبقية: ما بين التنوير والظلال

يتعمق دباشي في تحليل ذهنية الفلاسفة الأوروبيين المعاصرين ويكتشف أن منظورهم لأي إنسان أوروبي بحت، أما ما عدا ذلك، آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، فأقل من ذلك. ولكن هذا "شبه الإنسان" Subhuman غير الأوروبي، الذي تم إنكار فاعلانيته، هو الموضوع المفضل لدى العلوم الأوروبية (ص 135-)، كما استخلص دباشي من خلال "الظرف الإبستيمي" في السياق الأوروبي عند ميشيل 7فوكو Foucault Michel. ويصادف أن العلوم المفضلة لدى فوكو، نحو البيولوجيا والاقتصاد واللسانيات، هي التي أقيمت في القرن التاسع عشر، حين كان التوسع الكولونيالي الأوروبي في أوجِه، ما وفر الثروات والمادة والأرضية التنظيرية كي تزدهر العلوم أكثر (ص. 37) كأن دباشي يلمح إلى أن السبب الأول للمشروع الكولونيالي الأوروبي يكمن في العرق، أي اللون، بمعنى الاختلاف في صفة الإنسان الأوروبي ولونه عن إنسان بقية العالم. ولا يقف عند ذلك قطعًا8. وكأن العنصرية متجذرة أصلً من خلال إنكار فعل المعرفة على هؤلاء الملوَّنين (السُمر.) وحين يكتب فلاسفة عن "موت الإنسان" تعبيرًا عن الأزمات التي مرت بها القارة الأوروبية فإنهم يعنون بذلك الإنسان الأوروبي وليس غيره9. والمسكوت عنه "كولونياليًّا" من طرف هؤلاء الفلاسفة وغيرهم يمتد ليشمل الشخصية المنتحلة والمخفية لأوروبا؛ إن ظلال أوروبا الكولونيالي هي جانبها اللاواعي. لم تسرق أوروبا أراضي العالم – وإن كانت قد فعلت ذلك فعلً، نقيض ما يعتقده جاك غودي Goody Jack، بل سيطرت على سردية زمن تاريخ العالم وتقسيمه10. إن ما تعانيه أوروبا من الكراهية إزاء الأجانب والمهاجرين والعنصرية وتبعيتها للولايات المتحدة التي

  1. من اللافت للنظر أن ميشيل فوكو لم يكتب صراحة عن وضعية غير الأوروبي، وأقصد هنا الشرقي العربي، ودور فرنسا الاستعمارية وأثرها في الدول العربية (الجزائر، وتونس أساسًا التي عاش فيها نحو سنتين.) ولم يدل بأي تصور إنساني للشعوب التي عرفت الاضطهاد والعنف والاستعباد مقارنة بما كتبه من انتقادات لمجتمع الحداثة والقوة في أوروبا. ينظر: Marnia Lazreg, Foucault's Orient: The Conundrum of Cultural Difference, from Tunisia to Japan (New York: Berghahn, 2017).
  2. Dabashi, Can non-Europeans Think? p. 38.
  3. يستدل الكاتب بعدة مؤلفات لفلاسفة كبار، من قبيل مارتن هايدغر، ورولان بارت، وميشيل فوكو، ويورغن هابرماس (ص 38 -.)40
  4. Jack Goody, Le vol de l'Histoire: Comment L'Europe a imposé le récit de son passé au reste du monde , Fabienne Durand-Bogaert (trad.) (Paris: Gallimard, 2015), pp. 29-33.

كانت، سابقًا، مستعمرتَها لا تمثل أزمات عابرة بقدر ما هي أزمة وجود. ومن ثمَّ، فإن زوال أوروبا بوصفها إمبرياليةً لا بد منه، تمامًا كما زالت إمبراطوريات أخرى. وقد حلّت بوادر زوالها حين تبدد التنوير بالمحرقة، كما تتبدد حداثتها الآن بما بعد الحداثة، وما بعد بنيويتها بما بعد الكولونيالية. لكنها ما زالت تختلق أعداء وهميين، والإسلام والمسلمون أفضلهم، حيث ترى الإسلام تهديدًا لهيمنتها العالمية، لأنه "دين عالمي" (ص 41-5.) إلا أن بداية انهيار التوهم الأوروبي، وفق دباشي، كانت في سياق معاداة السامية التي تبعتها فظائع المحرقة اليهودية. وهذا التوهم الآن في مرحلته الأخيرة من خلال تفشي نزعة معاداة الإسلام، وقد تخطّى دباشي وهم المنطق الحواري بين "الإسلام والغرب"، الذي يدخل في نطاق ثنائيات "الجيش المتحرك للمجازات" في أوروبا، الذي استغله "الغرب" ليُحكِم صورة عدوه في "الإسلام." وبناء عليه، فإن أوروبا تنهار (داخليًا) بحكم أزمتها الأخلاقية الفلسفية ونهاية النيوليبرالية كما أكّد ذلك جوزيف ستيغليتز11. وتنفجر أوروبا حين بدأت تخسر قوتها وهيمنتها في قلب مؤسساتها الليبرالية في كل العالم، ولم تعد مقياسَ الحقيقة؛ لأنها وهمٌ إمبريالي تمأسس ماديًا على الحداثة الرأسمالية، واختلق جغرافيا متخيلةً لمرآة تعكس "وجه الخصم نفسه" كي يتميز منه (الآخر.) ولكي نفهم زوال أوروبا باستعارة مادية، يحيلنا دباشي إلى تاريخ بداياتها بوصفها مجازًا شامخًا للحداثة الرأسمالية، إذ تحول مركز ثقل هذه الرأسمالية إلى الفضاء الافتراضي. إذًا، فهذا المجاز لم يفقد أسس قوته المادية، لكنه فقد أيضًا ركيزة صمود أيديولوجيته. ومن ثمّ، يبدو أن أوروبا بوصفها مجازًا صارت تمثل الآن الفضاء الافتراضي على الرغم من فشلها كمادية.

نقد ما بعد الكولونيالية والمركزية الأوروبية

تاريخيًا، استُغلت عباءة أوروبا الوهمية في ثقافات وسياقات أخرى من غير وعي بذلك. وخير مثال على ذلك الولايات المتحدة بصفتها امتدادًا لأوروبا، حيث انتقل إليها الإرث الثقافي لتداعيات الاستعمار الأوروبي ومثَّل أسطورة تفوق الفكر الأبيض. وفي الحصيلة، لم يكن كل ما هو أوروبي واقعًا في أوروبا فحسب، بل نجده في الولايات المتحدة في كل نخب قوة ما بعد الكولونيالية وبناها التي تساهم في المأسسة العالمية للمخيلة والقوة الأورومركزيتين. بمعنى آخر، كي تكون حداثيًّا على شاكلة أوروبا، يكفي أن تتبنى الفكرة المركزية الأوروبية. فأوروبا، إذًا، موجودة في آسيا وأفريقيا والأميركتين، إنها موجودة في وجهَي المرآة حيث نريد أن نرى أنفسنا. ولذلك، يدعو دباشي إلى الحيطة حين نتعامل مع تأريخ أوروبا وظلالها في الفنون والآداب الأوروبية وغير الأوروبية، لرؤية كيفية تشكّل نهاية أوروبا إلى "ما بعد أوروبا." وليست مهمتنا هنا رؤية "ما بعد أوروبا" بوصفها استشرافًا لشكل المستقبل داخل أوروبا وغير أوروبا، وإنما محاولة تنظير وجودنا المنهار في تاريخنا بسبب الدمار المجازي الذي ورثناه (ص. 0)5 لذلك، ما على أوروبا سوى أن توقف ممارستها تلك، وتلتحق بالعالم ضد ظلها المستمر. إن قوة أوروبا الآن "مجازية" متحولة لا مكان لها، أو هي موجودة في كل مكان، ولذلك يدعو دباشي إلى أن نحدد وضعها، ونحررها من السجن المجازي في العقول المستعمِرة والمستعمَرة، على حد سواء، كي تواكب الإنسانية في سلام. فبقية العالم، إذًا، البقية ما بعد الكولونيالية، ساهمت في تعزيز مركزية أوروبا، لهذا السبب، نجد أن أوروبا عمّرت طويلً في مركز العالم. فلطالما كان نمط التفكير في ذهن أي إنسان، من بقية العالم، نمطًا أوروبَّانيًا Europeanist، حتى إن ادعي أنه ما بعد كولونيالي. والعالم كله يتبنّى النمط الأوروبي نفسه. وهنا، يعتقد دباشي أن كتابته عن أوروبا ليست من موقع قوة أو ضعف، فهو يكتب من قلب أوروبا، ولا يوجد مكان للكتابة خارج أوروبا (أي خارج الأسلوب الأوروبي.) وفي هذه الحالة، نغدو حبيسي العقل المستعمِر والمستعمَر من دون أن نستطيع فعل شيء حيال ذلك مدةً طويلةً. هنا، لا يبدو دباشي حقًا أوروبيَّ الأسلوب من شكل كتابته اللاتصنيفية طالما أنها تنتقد أوروبا بأدوات أوروبا نفسها، فيقول إنه "يكتب عن أوروبا لا انتقامًا منها ولا فرحًا بها" (ص. 55) لقد جعلت أوروبا من نفسها معيارًا، وحولت خصوصياتها إلى كونية، واختزلت كونيات شعوب أخرى إلى محليات فحسب، فهي صنعة مواجهاتها المعيارية مع غيرياتها المتحولة، فيغدو الآخرون مفبركين أيضًا. وما بين المحلي والكوني، غاصَ دباشي في إدراكات تفكير الأوروبيين، ومجازًا وجد أن أوروبا مصنوعة من عدة "مَقَاهٍ" Coffeehouses، حيث مصدر القهوة ليس أوروبا نفسها، ويجب التفكير في المظاهر الفلكلورية للاستمتاع بها من حيث إن مصدرها غير أوروبي؛ وينطبق الأمر نفسه على الروايات والسرديات المختلفة المصادر التي نجد أثرها في نصوص دباشي.

  1. Joseph Stiglitz, "The End of Neoliberalism and the Rebirth of History," Project Syndicate, 4/11/2019, accessed on 20/11/2020, at: http://bit.ly/3qxcNL9

الاستشراق والاستغراب

تحتاج أوروبا إلى قراءة جديدة، إلى تجريدها من أسطوريتها. وتكمن أهمية الاستشراق بحسب دباشي، في إخبارنا عن باثولوجيا نفسية لدى أوروبا؛ إنه خلل إبستيمي نفساني12 يترجم باثولوجيا القوة بوصفها رغبة استعمارية في الهيمنة والسيطرة13. كل إمبراطورية تصنع معرفة تُوائم قوتها وقدرتها الإمبريالية. فالاستشراق الذي أ سيء فهمه من البداية، إذًا، هو في حد ذاته الاستغراب، لأنه في الحقيقة يتحدث عنهم. يسلط دباشي الضوء على أهمية كتاب إدوارد سعيد من حيث إنه يبيَّ الخطوط العريضة التي تفصل الشرق عن الغرب في النظرة الاستشراقية، لكن دباشي يرى أنه كان حريًا به جَلْب الشرق والغرب معًا لأنهما متداخلان، والتداخل موجود وأكثره مجهول. وبغضّ النظر عن محدودية استشراق سعيد، فإن دباشي يؤكد أنه ليس أيديولوجيا كولونيالية، لكنه وضع الأنساق الفلسفية للحداثة الرأسمالية ومشروعها التنويري على المحك. لقد أدت الأنساق الفلسفية للحداثة نفسها إلى اختلاق أوروبا بوصفها تصنيفًا حضاريًّا يرقى إلى اختلاق (اختراع) الشعب الأبيض بصفته مقياسًا معياريًا للإنسانية، وهو ما يستدعي قلب العملية. قد تكون معاداة المسلمين أشد من معاداة اللاتينيين والأفارقة، لكنها في كلتا الحالتين تنطلق من خلفية تأكيد أفضلية الرجل الأبيض على غيره الأدنى منه. وأيًا كان لون البشرة، فهو وهم مبنيّ اجتماعيًا، يكون الشعب الأبيض فيه مجازًا للقوة. وبسبب هذ الاعتقاد الذي شرّع استعلاء الرجل الأبيض، فإن الباقي، أو غير الأوروبي، عانى الأمرَّين حين سنَّت قوة الرجل الأبيض لنفسها احتكار السلطة السياسية في أوروبا، ثُمّ أميركا التي لم تتعافَ من تاريخها العنصري، فتسلمت زمام مهمة الرجل الأبيض في حروبها عبر العالم، وحيث تتعاطف الحكومة البيضاء مع الصهيونية. هناك نوع من "الولع" بأوروبا التي يجب أن يُطاح وثنها De-fetishized، إنها نزعة الانزلاق نحو الهوس أو الولع الأوروبي لتجنب الإقصاء من الجماعة والمجتمع14. لذلك، فإن الأفراد من بيئات مختلفة بتصرفهم كالبيض، لا يمكن لهم أبدًا أن يصبحوا بيضًا، وفي هذا إذلال ومحاولة بائسة لأن يكونوا جزءًا من بنية القوة. وإذا أردنا إقامة عدالة عرقية، يجب أن نبدأ بالكيفية التي نشأت بها واستقرت صناعة التفرقة العنصرية، اجتماعيًا وسياسيًا، قبل محاربتها. يجب الاعتراف بالجرائم العنصرية في التاريخ قبل التفكيك ما بعد الحداثي وما بعد البنيوي للبنى العنصرية الإبستيمية15 التي كرست الإمبريالية والتهميش والعنف الإبستيمي16 للإمبريالية منذ بداية الحداثة. يتطلب تفكيك أوروبا فهم طريقة استمرارها طويلً لدحر الظرف الكولونيالي للمجاز الذي أخفق فيه جزئيًا التفكير ما بعد الكولونيالي. العالم الذي نعيش فيه الآن هو نتيجة منطقية للوحشية الكولونيالية الأوروبية حول العالم، ليس فقط من حيث الدمار المادي الذي لحق بالبيئة والإنسان، بل من حيث المنظومة النقدية للتفكير التي ورثناها حول أوروبا أيضًا. إننا نتعامل معها بوصفها وحدةً وفكرة واحدة، في حين هي مفككة أصلً ومتباينة، وحادثة "بريكسيت" خير مؤشر على ذلك الوهم. وهو الإدراك نفسه الذي نجده في كل أوروبا، يترجمه واقع صعود حركات التفكك القومية الداخلية. لا مفر من التحول نحو التحديق إلى أوروبا عبر عدسة ما بعد كولونيالية، وبما أن أوروبا واثقة بكل ما تنتجه، فيجب أن نعرفه حق المعرفة حتى نتميز منه، وذلك عبر التموضع في مكان ما بين أوروبا وغير أوروبا. وفعلً، بدأ العالم يكتب بثقة "ما بعد الغرب"، لأن البقية في حقيقة الأمر، كما يصرح دباشي، موجودة في الغرب تمامًا، كما أن الغرب موجود في البقية، فلا واقع للثنائيات الهدامة. وقد أتى على نعي "تألق" أوروبا ورقيها من دون أن ينسى فظائعها عبر التاريخ (ص. 77) على مدار كل الكتاب، لا يغفل دباشي لحظة واحدة عن الإسقاط المجازي لكل جانب من جوانب الغيريات بالنسبة إلى أوروبا، عبر الحاضر والماضي، وهو يصور كيف أن الوعي الذاتي لدى أوروبا يصير هشًّا؛ إذ تستبدل محنة يهود الماضي بالمسلمين اليوم، أو بلاجئي سورية أو بغيرهم. وتكمن هشاشة أوروبا في فقدها "فحولتها" الإمبريالية وحيويتها الكولونيالية؛ لكنها أبعد من ذلك فقدت مركزيتها الفكرية الإبستيمية حول العالم. والعالم كله يجب أن يعول على المقاومة "الشعرية الفنية" لتعرية أوروبا وحلّها وتفكيكها وهزمها من دون غلّ أو انتقام، ولكن بحيلة إنقاذها، لأن في إنقاذها إنقاذًا لنفسه (أي العالم.)

  1. Wael Hallaq, Restating Orientalism: A Critique of Modern Knowledge (New York: Columbia University Press, 2018), p. 9.
  2. Nayak Meghana & Eric Selbin, Decentering International Relations (London/ New York: Zed Books, 2010), p. 20.
  3. John Hobson & Alina Sajed, "Navigating beyond Eurofetishist Frontier of IR Critical Theory: Exploring the Complex Landscape of Non-Western Agency," International Studies Review , vol. 19, no. 4 (2019), p. 550.
  4. Amitav Acharya & Barry Buzan, The Making of Global International Relations: Origins and Evolution of IR at its Centenary (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2019), pp. 17-9.
  5. Gayatri Chakravorty Spivak, "Can the Subaltern Speak?" in: Cary Nelson & Lawrence Grossberg (eds.), Marxism and the Interpretation of Culture (London: MacMillan, 1988), pp. 24-28.

رياح الاستبداد: من الشرق... من الغرب

بطبيعة الحال، بالنسبة إلى أوروبا والغرب، أي مجاز عن التسلط والبربرية والعنف يقع خارج حدودهما. إذا أخذنا مثلً موضوع الأنظمة الشمولية، نجد الأمثلة تنكب من "الشرق المتخلف"، وكأن أوروبا لم تعرف بتاتًا حربين عالميتين، ولم تعرف الفاشية والنازية الهمجيتين. لا يتحدث دباشي فقط عن "الأمنيزيا" التاريخية والسكوت عن آثار وظيفة الإمبريالية في شعوب العالم، لكنه يتحدث أيضًا عن "الأمنيزيا" الإبستيمية للغرب، حيث يسقط عن نفسه السلب ليراه جغرافيًا في زاوية "الآخر." لذلك، نجد دباشي يكرس جزءًا كبيرًا ومتقطعًا للحديث عن الرئيس دونالد ترامب، فيرى أن شخصيةً مثل هذه على رأس أقوى وأكبر دولة في العالم أمرٌ كارثي وخطير، لأنه لا يختلف في الواقع عن أي زعيم مستبد. وترامب نفسه لا يخفي إعجابه بزعماء دول شمولية، كما كتبت عنه الصحف في أميركا. إنه معجب بالرئيس الصيني شي جين بينغ، والروسي فلاديمير بوتين، والمصري عبد الفتاح السيسي، والتركي رجب طيب أردوغان. غير أن الصحف تتغاضى عن نزعته التسلطية وتحصرها في زاوية ارتباك الشخصية، بينما ترى في ذلك سمة من سمات النزعة الفاشية والشمولية في غير الغرب؛ الشرق مثلً. ومع أن سلوك ترامب وقراراته تدخل في منطق الاستبداد بتصرفاته، فإنه يمثِّل ظاهرة تحتاج إلى بحث علمي مكثف. وباعتبار هذه الظاهرة موضوعًا، قد يثير إزعاجًا كبيرًا أوروبيًا، وخاصة أميركيًا، أن تكون ثمة دراسة للظاهرة "الترامبية" لأنها تنحدر من فاشية قديمة متأصلة في أوروبا بحيث تتحاشى قلب النظرة الأنثروبولوجية على الآخرين في العالم. ويقترح دباشي أن تُدرس هذه الظاهرة الأميركية في إطار ما يسميه الأنثروبولوجيا المقلوبة، أي قَلْب هندسة حقل الأنثروبولوجيا تمامًا كما قام به الأنثروبولوجيون الأوروبيون بالعالم ثم لحقهم الأميركيون؛ لأن باثولوجيا ترامب ليست حدثًا منعزلً، وإنما تعبير عن أزمة الوجود التي تعانيها أوروبا، وأميركا بصفتها امتدادًا لها.

نحو إبستيمولوجيا الثنائيات

يسترجع دباشي جذور الثنائية الخطيرة متجاوزًا كل ما كتبه المفكرون والمختصون في ثنائية الإسلام والغرب الذين لم يستثمروا في البحث في الكيفية التي تمت بها فبركتها (أي الثنائية.) ويحيل أنطولوجيًا ذلك إلى رؤية الفيلسوف أنريكي دوسيل Enrique Dussel مستعينًا بفكره لاستيضاح تعقد ظاهرة ثنائيات المواجهة التي حتمً لم تأتِ من فراغ. ومنطلق ذلك تجربة استعمار الآخرين والاضطهاد الثقافي لبقية العالم عبر كوجيتو "أنا أغزو، إذًا أنا أفكر" (ص. 95) وثنائية الإسلام والغرب فبركة كولونيالية فحسب. وهذا مؤشر جوهري على قوة البنية الأيديولوجية السياسية التي يستغلها الغرب لمصلحته، والتي لم تعد تصلح تبريرًا حجاجيًا لكل طرف لأنها سبق أن استُنزِفت مرارًا وتكرارًا. من المعروف أن المسلمين، وخاصة السود، لا يُعَدّون فواعل، أي لا يملكون الفاعلانية في تاريخهم على الرغم من الإبادة العنصرية التي تعرضوا لها خلال الحقبة الكولونيالية، وكلما همسوا بالعربية أو الفارسية أو السواحلية، يشرع المؤرخون الأوروبيون في الصراخ: "الإسلام والغرب! الإسلام والغرب"! (ص. 97) إنهم أعداء كونيون. إنهم يمثلون ثنائية مختلة التوازن، ورمزًا تمَّ انتهاكه والتعسف به، كما لا يوجد أسلمة ولا تعريب لأوروبا حين يموت العرب والمسلمون في ديارهم بسلاح أوروبا، وبسكوتٍ ومباركة منها. في حقيقة الأمر، يمثل تناقض الإسلام والغرب المظلة غير الأخلاقية التي انطلقت رحى حربها منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، حين وُرِّطت الإنسانية فيما سمّوه في الغرب "صراع الحضارات." إن الإسلام محض تجريد، بينما الغرب مجاز فحسب. ومن شدة تناقض مفهوم الثنائية أننا لا نستطيع أن نحدد ما إذا كان الإسلام دينًا، أم شعارًا، أم اسم شهرة فقط، وهل الغرب موضع جغرافي أم هوية حضارية؟ ما من حدث أو ظاهرة إلا اجتثت من سياقها، وتم التعامل معه بالماهوية لأغراض صناعة السياسة الأميركية والغربية. يعرف دباشي جيدًا أين تطأ قدمه بشأن النقاش حول الحركات الإسلامية، ويعزو إساءة قراءة واقعها هوسًا إلى عدم تأطيرها لفهم السياق العالمي من حيث مواجهتها أو معارضتها للغرب وتأثيرها الفعلي؛ فيعمل على تحليل التعامل مع المسلمين إبستيميًا في أشهر كتابات الغرب، حيث يُجتَثُّ المسلمون من السياق الكولونيالي ويجري التعامل معهم بوصفهم مجموعة في أحداث متقطعة ب "تحليل صحفي" من دون التعمق في حقيقة ظروف تلك الأحداث، فتبدو بذلك في غاية الضبابية. لم يعد يصلح هذا الإطار المستنزف لدراسة الإسلام والحركات الإسلامية في العالم، لأننا تاريخيًا نجد أنفسنا على مشارف مرحلة جديدة من تاريخ الإسلام الاجتماعي. ولم يعد الغرب يفرض قراءته للإسلام بوصفه (أي الغرب) المخاطب الشرعي له، لأنه بدأ ينهار من تلقاء نفسه. وفي هذه الحالة، فإن الإسلام والغرب يتخاطبان بلغة الأموات، على حد تعبير دباشي (ص. 99) ولذلك، يرى أنه من الضروري التخلي عن هذه الجيوش الرمزية المنتهية صلاحيتها والتوجه نحو التأمل فيما سيؤول إليه العالم.

موضوعيًا، يقترح دباشي خريطة منهجية نقدية لبلوغ نظرة ثابتة حول تغير الظروف التاريخية لعصرنا، وإسقاطها على الإسلام والغرب على حد سواء. وبما أن "المركز" المتفوق سياسيًا حدّد/ عرّف نفسه سلفًا، فقد فرض حدود هذا التعريف على "الأطراف"، على البقية مدة خمسة قرون. ومسألة انعتاق المركز والطرف لم تعد مسألة بلاغية بقدر ما هي إبستيمولوجية، والمنطلق هو انعتاق كل طرف من ثنائية "الغرب والإسلام" أو "الغرب والبقية." اللافت للنظر في أطروحة دباشي أنه يقترب كثيرًا من الفلسفة التأملية التي تدعو إلى إعادة النظر في أشكال إنتاج المعرفة، كما تراها إينانا حماتي عطية بوصفها خطوة مزدوجة: خطوة انحنائية نحو الخلف للقيام بفحص نقدي لوجهات النظر بشأن مفاهيم الحقيقة في السياق الاجتماعي، وخطوة إلى الأمام لتحويل الفهم الموضوعي إلى أداةٍ للانعتاق الاجتماعي الحيوي من شأنها أن تجعل المعرفة شكلً من أشكال الفاعلانية17. وهذا نفسه طرح إدوارد سعيد الذي وظَّف فكر ميشيل فوكو في عملية التمثيل معرفيًا المستخدمة لأغراض كولونيالية. إبستيميًا، تتمثل الخطوة التالية في أن الغرب، بوصفه المخاطب التاريخي للإسلام، لم يعد كذلك، لأن العالم على شفا إعادة هيكلية جديدة لانبثاق مجازات أخرى. وفي الحصيلة، فإن الاستمرار في إشعال التناقضات بين الإسلام والغرب ما هو إلا حيلة سياسية تخفي قوة جيوسياسات صاعدة. يفسر دباشي فكرة أوروبا من خلال مخاوفها ومصدر قلقها في الفترة الأخيرة، ولكنه يناقشها أيضًا بدءًا من مشروع الاتحاد الأوروبي، وموقع "بريكسيت" منه بوصفه مؤشرًا على بداية انهيار المشروع الضخم المتأزم من الداخل، حيث تُرجم إلى مظاهر الكراهية وصعود اليمين والعداء للأجانب، وخاصة المسلمين. علاوة على ذلك، ها هي ذي أوروبا تقدم نفسها، بمفكريها وكتابها وصحافييها، على أنها مهددة من دون أن تراجع نفسها؛ ألم تكن منذ فترة وجيزة فقط، تستبيح ثروات مستعمراتها وأراضيها، فضلً عن أجساد مستعمَرِيها وأرواحهم؟ في المقابل، ينتقد دباشي قصور نظرية ما بعد الكولونيالية من خلال فحص ما تقدّمه جينيالوجيا ما بعد الكولونيالية التي سافرت من خلال "ظلال أوروبا"، حيث يتأرجح ما بعد الكولونيالي post-colonialist The بحثًا عما يقبع ما بين ثنايا الكتاب، وهو طبعًا يتحدث عن رحلته، عن نفسه، لكنه واثق بأنه لن يجد شيئًا عنه عند كانط Kant أو غرامشي Gramsci، فتمرد على الجميع، وتمرد على الجهاز المفاهيمي السائد برمته. يعي دباشي أن عمله يعدّ تمردًا، ومن ثم فهو يعي تمامًا أنه يستعصي على التصنيف. وهذا النوع من الكتابات المتمردة لا يستحسن رؤيته في إطار ما بعد الحداثة وما بعد الكولونيالية، لأن كلتيهما مؤطرتان من قبل الغرب. لقد فتح دباشي المجال أمام استدعاء أصوات المهمشين والمضطهدين وإعادتها إلى الواجهة، فتحدى بذلك البنى والمفاهيم الجوهرية والمؤسِّسة، ليس فقط للفكر الغربي، ولكنه ذهب إلى ما هو أعقد من ذلك، لقد بلغ حدود الفلسفة الغربية نفسها، فتجاوز بذلك النسق المفاهيمي السائد نحو فكر "ما بعد الغرب" في قطيعة جلية مع "الحس المشترك" الغربي18. أن يتخوف الأوروبيون من الأجانب لأنهم لا يعرفونهم، ليس ظاهرةً جديدةً، فالعديد من الفلاسفة الأوروبيين تساءلوا عما يعنيه أن يكون المرء أوروبيًّا، مثلما فعل الألماني إدموند هوسرل Husserl Edmund في قلب بداية تأزم أوروبا وصعود النازية. ويرى دباشي أن هذا الأمر لا يخص بالضرورة الإسلام والمسلمين، لأن أوروبا سبق أن مرت بتجارب الخوف والقلق تجاه ظاهرة أو شخص لأنها/ أنه مجهول/ مجهولة فحسب. وما يطرحه دباشي من حل قد يستغربه أي إنسان، لأنه ببساطة يدعو إلى "التعارف" بوصفه تقاربًا عائليًّا Familiarity تمامًا كما يحدث بين الناس، وهذا ليس من بادرة الكرم والاستضافة، ولكنه من باب الحاجة الملحّة إلى التضامن.

أن تكون أوروبيًّا

يشتبك دباشي مع أعمال فلاسفة أوروبيين قاربوا ماهية "أوروبا" في حدودها، غير أن معالجاتهم اتسمت بالقصور بسبب عجزهم، كأوروبيين، عن رؤية عوالم أخرى على المستوى نفسه وبالمنزلة نفسها، أو ربما أفضل من أوروبا نفسها، لكن من دون أن تكون ضدها. ويعكس هذا القصور تزايد الطابع الأوروبي للعالم الذي يتجاهل عوالم أخرى، فقد تم إضفاء فكر "الإنسانية" المنتَجة أوروبيًا (جغرافيًا) وفلسفتها على الكل، أينما حلوا من دون أن يُسمح لهم بإبداء أي رد فعل، ومن دون أن يكون لهم قول في ذلك (ص. 134) إذًا، قبل أوروبا، لم يكن ثمة تفكير طالما أنها استحوذت "كولونياليًّا" على الفكر اليوناني، ولن يكون ثمة ما بعدها، وهذا ما يراه دباشي تعبيرًا عن شكل من أشكال الفنتازيا الفلسفية. فالإنسان هو الأوروبي،

  1. Hamati-Ataya, p. 1.
  2. القطيعة مع الحس المشترك والتوجه نحو "عالم ما بعد الغرب" من سمات التوجهات الجديدة في الكتابة في ميادين العلوم الاجتماعية، ينظر: Anthony Burke, "Postmodernism," in: Christian Reus-Smith & Duncan Snidal (eds.), The Oxford Handbook of International Relations (Oxford: Oxford University Press, 2008), pp. 358-363.

والأوروبي هو الإنسان. وبناء عليه، فإن بداية الإنسان مع أوروبا تعني بداية التاريخ نفسه، ما يُسقِط البقية من التاريخ، فيستحيل على من هو من البقية أن تكون له كينونة ما. وجوهر هذا التفكير هو إنكار حاد لغير الأوروبيين، ممن هم أصلً بلا مكان، وأن يكونوا غير أوروبيين من الميلاد إلى الزوال، يتابعون مهمة أوروبا (الفلسفية) الأبدية. لم يكن الاهتمام فقط بمفهوم أو لفظ أوروبا، لكنه توسّع ليشمل روح أوروبا، وتُرجم إلى توسيع خريطةِ إنسانيةِ أوروبا بمدّها المتأزم. إن أزمة أوروبا هي تأزم مصير الإنسانية والعالم برمّتهما، فإذا ما تحدثنا عن فلسفة أوروبا وفكرها وإنسانيتها، تضمحل الفرص للعثور على كائن غير أوروبي؛ وإن أصيبت أوروبا بشيء، فعلى العالم بأسره أن يتداعى لها بالسهر والحمّى. التغاضي عن دور المسلمين في نقل الفلسفة اليونانية بالمراجعة والتعليق إلى بقية العالم يدخل في إطار إنكار فاعلانية غير الأوروبيين وإسهامهم في المعرفة الإنسانية، وهو موضوع خصص له دباشي جزءًا مُهمًّ من كتابه (ص. 52-132) فقد سلط الضوء على كولونيالية الاستحواذ على المصادر اليونانية في ثلاثيةٍ استثنائية، "اليونان، الفلسفة، وأوروبا." وإنْ مارس أحد غير أوروبي الفلسفة، فإنه يمارس الفلسفة الأوروبية المنفتحة ب "كرمها على العالم"، لأن أي صوت يتكلم في الفلسفة لا بد من أن يكون خاضعًا لنسق الفلسفة الأوروبية؛ غير ذلك، فلا فلسفة ولا فاعلانية ولا حتى أخلاقيات19. اقتران العالمية أو الكونية بأوروبا هو غطرسة، ورؤية ضيقة الأفق لا تريد أن تنظر إلى أبعد من حدودها. كما تعبر أيضًا عن تشويه مفاهيمي لكلمة العالمية/ الكونية التي لا نجد لها جمعًا، بل مفردة أوروبا التي تتناقض مع النزعة التفردية التي نجدها لدى المفكرين الأوروبيين. ينطوي المنطق الاقتصادي للكولونيالية والإمبريالية على العنصرية المركزية الأوروبية بوصفها أيديولوجيا محركة للرأسمالية. ومن ثمّ، فإن كل نظام حكم في العالم، بما في ذلك أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، هو بمنزلة وعي زائف بمنطق اقتصاد القوة والهيمنة في العالم. ولا يعتقد دباشي أن التفرقة النسقية من خلال المركز والمحيط صحيحة؛ لأن الواقع المزري والدنيء للمهاجرين العاملين في الدول "الرأسمالية المفترسة"، على حد قوله، لا يرسخ فكرة "وجودهم"، لا في المحيط ولا في المركز. وإنما الفكرة قائمة على أن هؤلاء ظلوا غير مرئيين في جغرافيا "المركز والمحيط" الزائفة.

وخاتمته... "السلام"

أخيرًا، وبعد مجازات التفرقة والهيمنة والخضوع لثنائية "الغرب والبقية" ومفارقة "أوروبا وغير أوروبا"، يطرح دباشي سؤالً مفاده "هل السلام ممكن"؟ لأن الانعتاق في هذا الشأن يؤول بالضرورة إلى السلام، وليس فقط غيابًا للحرب أو الصراع، وهو ما أشار إليه دباشي بغياب أي نوع من المعارضة الجدلية التاريخية. ويعني بالسلام سلام العقول التي تهزم كل أشكال الثنائيات العدائية والصراعية. السلام، بحسب دباشي، مبنيّ على حدس التجاوز والتسامي Transcendence؛ فإذا أردنا السلام، صار لزامًا علينا أن نتخيله كي نتحرر إبستيميًا، نرغب فيه ونحدث قطيعة تامة مع جنون منطق تدمير الأرض وتناقضات توزيع الثروة بين سكانها، حيث يفتك الجوع والفقر بأكثر من ثلثي سكان الكوكب. إنه منطق الإفراط في استخدام القوة الذي أدى إلى الطغيان والتخريب؛ يجب قلب منطق الجنون هذا من أجل هندسة سلام على الأرض، ومواجهة الواقع من دون تجريد. تبدأ فكرة تحقيق السلام، بحسب دباشي، مما سمّ ه الدين المدني المتنقل والممتزج عبر العالم بوصفه معركة للسلام، خاصة لدى الديانات السماوية، مستثنيًا بذلك معارك الحرب الفعلية كما هو الحال في الشرق الأوسط مثلً. ويشدد دباشي على حقيقة "واو الربط" في ثنائيات "الإسلام 'و' الغرب"، "أوروبا 'و' غير أوروبا"، "العالم الأول 'و' العالم الثالث"؛ إنها فاصل لا يجمع بين هذا وذاك، عكس ما يراد به، إذ يتم مباشرة إدراج النفي ب 'لا' أو 'غير' في لاأوروبي/ غير أوروبي، لأن أيّ إنسان في آسيا أو أفريقيا أو أميركا اللاتينية يدرك – في نهاية المطاف – أنه لاأوروبي/ غير أوروبي، وبناء عليه، فهو دون منزلة الإنسان. ويستدعي الأمر في هذه الحالة أن نحذف "النفي" من دون شيطنة أوروبا أو التحامل عليها، "من دون تهويل أو تهوين." لقد باتت مسألة الغيرية محض خيال متجسد في الهويات المنفصلة والمفككة عالميًا من جراء أزمة "هوية" أوروبا، التي لم تجد طريقها

  1. في سياق فرنسي لإسلاموفوبيا المعرفة، عرفت سنة 2008 جدلً كبيرًا ونقاشًا حادًّا حول مصدر المعرفة والعلوم في أوروبا، سببه كتاب للمؤرخ الفرنسي سيلفان غوغينهايم Sylvain Gougenheim، يتحدث فيه عن "الجذور اليونانية لأوروبا المسيحية"، فقد أنكر أن يكون للعرب والمسلمين أي دور أو فعل للترجمة فيما يخص مصدر المعرفة ونقلها إلى أوروبا، وعزا ذلك إلى شخصية مسيحية غير معروفة باسم Venise de Jacques، ثمّ اتضح أنه لا يوجد ما يوثّق وجود هذه الشخصية المجهولة قبل كتاب غوغينهايم. وفي ردّ فعلٍ على هذه الأطروحة التي سوقت لما يعرف بإسلاموفوبيا المعرفة Savante Islamophobie، قام العديد من المؤرخين، معظمهم فرنسيون، بإصدار وثيقة بعنوان "نعم، الغرب المسيحي يدين للعالم الإسلامي" قابلها إصدار العديد من الدراسات التي فندت طرح غوغينهايم. يجسد هذا المثال فكرة إنكار الأهلية المعرفية لغير الغرب المسيحي. لمزيد من التفاصيل، ينظر مثلً: Sylvain Gougenheim, Aristote à Mont Saint-Michel: Les racines grecques de l'Europe (Paris: Seuil, 2008); Philippe Büttgen et al., Les Grecs, Les Arabes et Nous: Enquête sur l'Islamophobie Savante (Paris: Fayard, 2009).

إلا نحو اليمين المتطرف الذي يحاول أن يكرس أوروبيته وغربيته من خلال الآخر، أي من خلال الغيرية. وفي خضم التجاذب الهوياتي الغيري، يكتشف دباشي أن العالم في حالة تنقل "بالروح، بالعقل... بالقضية"، مثلما يحدث مع القضية الفلسطينية التي يتوقف عندها مرارًا عبر كل ما كتبه؛ لأن فيها تنصبّ مشاكل العالم والروابط الفاصلة بين الإسلام والغرب؛ بين الغرب والبقية، وبما أنها ما زالت قضية مفتوحة فهي تعكس الظرف الكولونيالي المستمر. فالعالم الذي يعيش حالة من الكولونيالية المستمرة دخل، إذًا، بحسب دباشي، آخر مرحلة من تفشيها بوصفها مرضًا مزمنًا، حيث لا يوجد فاصل قومي أو إقليمي أو قاري بين المستعمِر والمستعمَر)، (ص 193 ولأن جوهر الاستعمار متدفق في رأس المال الذي يتجسد بدوره حصريًا من خلال النسق الكولونيالي؛ والإمبريالية ما هي إلا الرأسمالية المفترسة التي تتخطى الجغرافيات وتتعدى عليها، وتخرق الحضارات وتنسفها بفضل العنصرية والعنف الإبستيمي الذي كرس مجاز أوروبا وظلالها الممتدة إلى الغرب. في نهاية المطاف، لا يعتقد دباشي أنه يمكن هزم أوروبا إبستيميًا وسياسيًا بعد أن أعلن ذلك سابقًا، لأن نماذج مقاومتها في هذه الميادين صعبة المراس، أما أنواع التشكيلات الإيتيقية الجمالية كالفن والشعر والسينما والرواية والدراما فما زالت خارج مراقبتها. لقد تفادى دباشي كليًا اللجوء إلى استخدام عبارة "العالم الثالث"، لأنه يرى فيها ترسيخًا للمكانة الرمزية للعالم الأول وتثبيتًا أيضًا للمكانة الرمزية للعالم الثالث الذي يتحرك تجاه البروز والصعود، واستبدلها ب "آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية"، وهي مناطق متأججة؛ لأن العالم ينقسم إلى الواحد في المئة المنتهِك لتسع وتسعين في المئة من الخاضعين. وفي هذه الحالة، لا يمكن أن يكون ثمة شرق وغرب أو شمال وجنوب. كما نستشعر أن دباشي يتخذ مسافة إزاء ما بعد الحداثية وما بعد الكولونيالية بصفتهما مقاربتين ساهمتا في فضح نسق الفكر الغربي الحداثي من دون أن تستبدلاه. ويشير إلى أن الظروف المتحولة للكولونيالية ليست تاريخية فحسب، وإنما إبستيمية بالدرجة الأولى، انفعالية Emotive، وفي الحصيلة، فقد أربكت مؤشرات الغيرية الذاتية في العالم. يتسم المسار الفكري لدباشي في كل ما كتبه من الفن والأدب الفارسي والإيراني المعاصر إلى الفلسفة العالمية المعاصرة بأنه تحرري، وانعتاقي، ومتمرد، إذ يرى أن "نهاية التشكلات الأيديولوجية ما بعد الكولونيالية لا تعني نهاية الكولونيالية أو الإمبريالية كحالة استمرار لنسق كولونيالي ديناميكي"20؛ لكنها ستفضي دومًا إلى مقاومة. إنه لا يؤمن بثنائيات "نحن" و"هم" من خلال التحول الإبستيمي فحسب، وإنما يعتقد أنه سيأتي دور حس التحرر لدى كل إنسان – إن كان من الشرق أم من الغرب – ليعلو صوته. "لا يمكن للمركز أن يصمد." بهذه العبارة استهل دباشي كتابه، وأكد هذا الاستشراف بتكرار العنوان نفسه في الخاتمة. وبناء عليه، يجب تجريد أوروبا من مركزيتها De-center أو نزعها عنها بإزاحة السلطة عنها، ثم نزع الكونية Universalism عنها أيضًا، لأن اللاأوروبي/ غير الأوروبي تحرر وتخلص من فخ الثنائية وانطلق لاستكشاف نفسه من أجل ذاته متجاوزًا أوروبا، وأمامها وفي ظلها؛ وفي إثر عملية التحرر هذه، يطلق العنان كي تتحرر أوروبا بنفسها.

  1. Dabashi, The Arab Spring , p. 378.

المراجع

العربية

بخوش، عبد القادر. "مستهل: علم الاستغراب." مجلة علم الاستغراب (مؤسسة وعي للدراسات والأبحاث.) العدد 1 2017(.) الجابري، محمد عابد. الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية. ط.5 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1994

الأجنبية

Acharya, Amitav & Barry Buzan. The Making of Global International Relations: Origins and Evolution of IR at its Centenary. Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2019. Büttgen, Philippe et al. Les Grecs, Les Arabes et Nous: Enquête sur l'Islamophobie Savante. Paris: Fayard, 2009. Dabashi, Hamid. The Arab Spring: The End of Postcolonialism. New York: Zed Books, 2012. ________. Can non-Europeans Think? London: Zed Books, 2015. ________. Europe and its Shadows: Coloniality after Empire. London: Pluto Press, 2019. Goody, Jack. Le vol de l'Histoire: Comment L'Europe a imposé le récit de son passé au reste du monde. Fabienne Durand-Bogaert (trad.). Paris: Gallimard, 2015. Gougenheim, Sylvain. Aristote à Mont Saint-Michel: Les racines grecques de l'Europe. Paris: Seuil, 2008. Hallaq, Wael. Restating Orientalism: A Critique of Modern Knowledge. New York: Columbia University Press, 2018. Hamati-Ataya, Inanna. "Outline for a Reflexive Epistemology." Epistemology and Philosophy of Science. vol. 42, no. 4 (2014). Hobson, John & Alina Sajed. "Navigating beyond Eurofetishist Frontier of IR Critical Theory: Exploring the Complex Landscape of Non-Western Agency." International Studies review. vol. 19, no. 4 (2019). Lazreg, Marnia. Foucault's Orient: The Conundrum of Cultural Difference, from Tunisia to Japan. New York: Berghahn, 2017. Meghana, Nayak & Eric Selbin. Decentering International Relations. London/ New York: Zed Books, 2010. Nelson, Cary & Lawrence Grossberg (eds.). Marxism and the Interpretation of Culture. London: MacMillan, 1988. Reus-Smith, Christian & Duncan Snidal (eds.). The Oxford Handbook of International Relations. Oxford: Oxford University Press, 2008. Stiglitz, Joseph "The End of Neoliberalism and the Rebirth of History." Project Syndicate. 4/11/2019. at: http://bit.ly/3qxcNL9