"نهاية مرحلة: كيف يقوّض الإحياء السلطوي للصين صعودها"

Hikmat al-Abd al-Rahman حكمات العبد الرحمن |

نهاية مرحلة: كيف يقوّض الإحياء السلطوي للصين صعودها عنوان الكتاب:..End of an Era: How China's Authoritarian Revival is Undermining Its Rise عنوان الكتاب في لغته: المؤلف: كارل مينزنر.Carl Minzner.Oxford University Press الناشر: مكان النشر: نيويورك. تاريخ النشر:.2018 عدد الصفحات: 296 صفحة.

"End of an Era: How China's Authoritarian Revival is Undermining its Rise"

مقدمة

أدى التسابق بين الصين الشعبية والولايات المتحدة الأميركية، على المرتبة الأولى في العالم في المجال الاقتصادي، إلى ظهور اختلاف في وجهات النظر بين المحللين الأميركيين بخصوص حقيقة تنامي قوة الصين وهيمنتها الاقتصادية ومستقبل النظام الدولي، وفيما إن كانت ستصبح القوة العظمى الأولى في العالم. أدت التغيرات في خريطة العلاقات الدولية والنظام الدولي إلى ظهور مجال للدراسات يعمل على التنبؤ بمصير العلاقات الدولية ومستقبل النظام الدولي، وما يمكن أن تؤول إليه مصائر الدول. ففي العقد الأخير من القرن الماضي، بدأت الدراسات المستقبلية تهتم بالتنبؤ، بما يمكن أن يكون عليه النظام الدولي والقوى الفاعلة فيه، سياسيًا واقتصاديًا. فالدراسات المستقبلية لا تكتفي بتفسير الظواهر التاريخية أو الأحداث السياسية فقط، بل تعمل على طرح مجموعة متكاملة من الاحتمالات والمآلات والسيناريوهات المحتملة لمستقبل النظام الدولي، أو مآل العلاقة بين دولتين، والتداعيات والنتائج المحتملة لهذا السيناريو أو ذاك. وكما هو حال الدراسات التي تعتمد على مجموعة من الركائز والشروط العلمية في تحليلها، فإن الدراسات المستقبلية تعتمد على ركيزتين أساسيتين: الأوضاع الداخلية التي تعيشها الدولة، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، والبنية الخارجية المتمثلة بمكوناتها الإقليمية (الإقليم القريب أو الإقليم الأبعد) والدولية. وليست الصين، بوصفها كيانًا سياسيًا يعيش حالة استثنائية على المستوى السياسي والاقتصادي والتنموي، بمنأى عن مخبر الدراسات المستقبلية التي ركزت كثيرًا في تحليلاتها على ما يحدث في الصين، وما يمكن أن تشهده في المستقبل، من خلال طرح جملة من السيناريوهات التي طالت البيئة الداخلية للصين، وعلاقاتها الإقليمية والدولية، والتي شغلت مكانة مهمة في تلك الدراسات، ولا سيما الدراسات الأميركية. بدأ التنبؤ بمستقبل الصين مع الجملة التي أطلقها نابليون بونابرت 1821‑1769(Napoleon Bonaparte عام 1816) واستعارها آلان بيرفيت Alain Peyrefitte لتكون عنوانًا لكتابه الذي صدر بعد ذلك بما يزيد على قرن ونصف القرن 1973(.) فقد توقع القائد الفرنسي في قسمها الأول (عندما تنهض الصين) أن تنهض الصين، وفي القسم الثاني، أن يكون لذلك النهوض نتائج خطِرة (يهتز لها العالم) على الصين وعلى العالم. وقد حققت الصين بالفعل تطورًا اقتصاديًا تاريخيًا انعكس على العالم، وأصبحت قبلة الدراسات التي تحلل مستقبل العالم وتطرح التوقعات. يمثل كتاب نهاية مرحلة وثيقة مهمة جدًا للاطلاع على التطورات السياسية والاقتصادية والمجتمعية التي تعيشها الصين، ويطرح التغيرات التي تشهدها منذ بداية عصر الإصلاح، إضافة إلى توقّع سيناريوهات لمستقبلها.

هيكل الكتاب ومدلولاته ومحاوره الأساسية

مؤلف الكتاب كارل مينزنر هو أستاذ مشارك في القانون في جامعة واشنطن في سانت لويس، وشغل منصب كبير المستشارين في اللجنة التنفيذية للكونغرس عن الصين، وهو زميل الشؤون الدولية في مجلس العلاقات الخارجية، وزميل التعليم القانوني في مؤسسة ييل الصين Association Yale-China. وحاليًا هو أستاذ في جامعة فوردهام في نيويورك، وخبير في القانون والحكم الصيني. كتب عن تلك الموضوعات، ونشُرت أبحاثه في عدد من المجلات الأكاديمية المعروفة، ونشر في العديد من الصحف والمجلات، منها مجلة نيويورك تايمز، و وول ستريت جورنال، و لوس أنجلس تايمز، وغيرها1. ويُعد كتاب نهاية مرحلة: كيف يقوض إحياء الصين الاستبدادية صعودها End of an Era: How China's Authoritarian Revival is Undermining Its Rise آخر كتاباته وأهمها، وقد دارت حوله نقاشات كثيرة وآراء متعددة مؤيدة أو معارضة لما تضمّنه من حقائق وأطروحات جديدة وسيناريوهات مستقبلية. يتكون العنوان من تركيبين أساسيين؛ الأول "نهاية مرحلة" إذ يشير إلى أن المؤلف يتنبأ بنهاية مرحلة وبداية أخرى جديدة في تاريخ الصين. أما التركيب الثاني "كيف يقوّض نهوض الصين الاستبدادي صعودها"، فيفيد توصيف التركيب الأول وتفسيره؛ فهو يشرح فيه لماذا بدأت الصين تدخل مرحلة جديدة. ويشير إلى عودتها إلى الإجراءات التي كانت تمنعها من تحقيق مشروع الإصلاحات قبل عام.1978 يعود المؤلف إلى تفحص المرحلة التي سبقت عام 2013، ليجيب عن السؤال الرئيس الذي طرحه كتاب نهاية مرحلة، وكأنه يريد أن يقول إن هذا إلهام يمثل في رمزيته ومدلولاته وأهميته رمزية عام 1978 ومدلولاته.

  1. له العديد من الدراسات، منها: Carl Minzner, "China's After the Reform Era," Journal of Democracy, vol. 26, no. 3 (2015); Carl Minzner, "The Rise and Fall of Chinese Legal Education," Fordham International Law Journal, vol. 36 (2013); Carl Minzner, "China's Turn Against Law," American Journal of Comparative Law, vol. 59, no. 4 (2011).

يتكون الكتاب من مقدمة وستة محاور مثَّلت بنيته الأساسية. وتمثّل المحاور مقاربة ممتعة وواضحة بعيدة عن السطحية والابتذال للتطورات التاريخية والسياسية والقانونية التي شهدتها الصين منذ عام 1978. ففي المحور الأول "لمحة عامة: نهاية عصر إصلاح الصين"، يشير المؤلف إلى أن عام 1989 كان عامًا حاسمً بالنسبة إلى الصين ومسيرة الإصلاحات فيها، فقد التزمت ابتداءً من ذلك العام مبدأ حكم الحزب الشيوعي الواحد، على نحوٍ دفع القادة في بكين إلى وقف عجلة التحرر السياسي وتقويض إصلاحات الحكم الأساسية لمقاومة النظام الاستبدادي المتمثلة بالسعي نحو الحفاظ على السلطة السياسية. ويستعرض المؤلف الإصلاحات التي أطلقها دينغ شياو بينغ Xiaoping Deng 1997‑1904() على المستويات كافة، من دون أن يهمل، بطبيعة الحال، الخلفية التاريخية، من خلال تقديم دراسة تحليلية للفترة الماوية التي عاشتها الصين 1976-1949(.) فتراجعت سلطة قيادة الحزب الشيوعي الصيني أواخر القرن العشرين التي كان لها دورٌ كبير في بناء نجاح الصين. فالتراجع في مركزية السلطة والقيادة والتحكم، انعكس من خلال تخفيف الضوابط والقيود على وسائل الإعلام، الذي برز أكثر في عهد الأمين العام للحزب الشيوعي صاحب العقلية الإصلاحية زاو زيانغ Ziyang Zhao 2005-1919() في اتجاه فصل الحزب عن أجهزة الحكومة؛ وهي الخطوات الأكبر التي اتخذت في اتجاه تحقيق الإصلاح السياسي الذي تنشده الصين (ص. 45) أما المحور الثاني الموسوم ب "المجتمع والاقتصاد: نهاية الحلم الصيني"2، فيشير المؤلف فيه إلى أن الأحلام الأولية لعصر الإصلاح لن يتم تحقيقها في ظل وجود نظام سياسي أحادي غير قابل للإصلاح، وذلك من خلال مراقبة كل شيء، ومنع المناقشات المفتوحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول الأسباب الكامنة خلف الصراعات داخل المجتمع الصيني، والاعتماد على أيديولوجيا الحزب التنظيرية. فقد شهدت نهاية القرن العشرين اندماج الرأسمالية مع نظام سياسي غير قادر على تحقيق إصلاح لمسألة التقارب الاقتصادي والاجتماعي التي تزداد باستمرار. وقادةُ الحزب الشيوعي في بكين عاجزون في الوقت الحاضر عن صياغة أحلام جديدة تحل محل الأحلام القديمة، وأصبح الغموض هو المسيطر على طريقة تعامل النخبة السياسية مع المواطنين، أو بالأحرى العلاقة بين المسؤولين والمواطنين. وحاول المؤلف، في المحور الثالث "الانحلال الداخلي والاضطرابات الاجتماعية"، أن يقدم أمثلة على أن عصر الإصلاح الذي تحقق في الصين قد وصل إلى طريق مسدود. فجاء على ذكر المؤلف فرانسيس فوكوياما Fukuyama Francis -1952() الذي كان قد تأثر بمفهوم الإص حاا في الصين، حيث البيروقراطية المركزية الفعالة وحكومة تكنوقراط على أسس غير أيديولوجية أو مؤسسات دولة تستجيب للضغوط الاجتماعية، وبقيت بعيدة عن سيطرة أصحاب المصالح القوية كما هو حال الديمقراطيات الغربية التي تعاني الجمود السياسي والشلل الحكومي والتأثير المالي للمصالح الخاصة، وهو ما تضمنه كتابه 3الذي صدر عام 2014. دفعت الميزات التي حققها عصر الإصلاح في الصين فوكوياما إلى تعميم مزايا نظامها السياسي. ولاحظ أن قادة عصر الإصلاح في الصين قد بدؤوا بالفعل في إعادة السمات الأساسية للنظام الإمبراطوري، حيث أخذت الصين تمثِّل أخطر تحدٍّ لفكرة أن الديمقراطية الليبرالية تمثل نموذجًا تطوريًا عالميًا (ص. 68-69) يشير مينزنر إلى أن أكبر المشاكل التي تعانيها الصين تتمثل في طبيعة العلاقة بين السلطة المركزية في بكين ومسؤولي الحزب المحليين الذين يصفهم بالإمبراطوريين. فهؤلاء يعملون جاهدين على منع المعلومات عن بكين، وإخفاء أفعالهم وتصرفاتهم الخاطئة عن أعين رؤسائهم، والسيطرة على الناس من خلال جهاز رقابة مرن، وأجهزة أمنية خارج نطاق القانون، والهدف تعمية رؤسائهم وتعزيز مصالحهم الخاصة (ص. 0)7 كما يوضح الإجراءات التي قامت بها السلطات الصينية منذ عام 2005 في سبيل العودة عن الإجراءات الديمقراطية التي استعملها الناشطون من أجل إحداث التغيير، والعودة إلى التركيز في الحملات السياسية على سيادة سياسة الحزب؛ وذلك بتوقيف مبادرة الدستور المفتوحة عام 2009، وعودة الاعتقالات والاختفاء القسري على نحوٍ منظم، وزيادة الضوابط والمراقبة على وسائل الإعلام والسيطرة على مواقع التواصل الاجتماعي، نحو موقع وييبو Weibo الذي أدّى دورًا بارزًا باعتباره منتدى لكشف الفساد وانتهاكات الحكم (ص. 78) تمثل الإجراءات الصينية تآكلً عميقًا للسياسة الديمقراطية الليبرالية التي انتهجتها الصين في فترة ما بعد ماو تسي تونغ Tse-tung Mao 1976-1893() وإعادة ترميم دكتاتورية الحكم ومركزية سلطة الحزب الواحد المتماسكة. فقد أنتجت حقبة الإصلاح في الصين مصالح متجذرة، تعمل بقوة على مقاومة التغيير الذي عكس تدهورًا سياسيًا تحدّث عنه فوكوياما. فإلى جانب تشديد القيود المفروضة على الناشطين والمجتمع المدني، تعمل القيادة الحزبية في الصين على خنق الأصوات البديلة التي يمكن أن تمثِّل عاملً مساعدًا في تحديد المشكلات أو عامل موازنة مع المصالح الخاصة. وقد بدأت بكين، في

  1. Rêve Chinois حلم السلام والتنمية والتعاون وعلاقات المنفعة المتبادلة التي طرحها
  2. الرئيس الصيني عام 2013، وأكدها في كل مناسبة، كان آخرها في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2018. ينظر: وائل بدران، '"الحلم الصيني'.. سلام واستقرار وتفاهم جريدة الاتحاد عالمي"،، 2018/7/8، شوهد في 2019/11/19، في: http://bit.ly/2r1TJLB 3  Francis Fukuyama, Political Order and Political Decay: From the Industrial Revolution to the Globalization of Democracy (New York: Farrar, Straus and Giroux, 2014).

عام 2016، في إصدار تعليمات للاقتصاديين ومحللي الشركات بتجنب التقديرات المفرطة في التشاؤم حول مشاكل البلاد. ويصف مينزنر هذا الأمر بالخطير؛ لأن قادة الصين يخاطرون بتطويق أنفسهم في بيت من المرايا العاكسة، حيث تعكس نسخة من الواقعية البانغلوسية (التفاؤل الساذج)، بينما في الخارج مجتمعٌ صيني مختلف تمامًا عما تعكسه المرايا. يؤكد مينزنر أن التطورات التي تعيشها الصين ليست سوى انعكاس للتوجه نحو المركزية السلطوية وحكم حزب واحد أشدّ مركزية ومؤسسية، وتمثل عودة إلى الدكتاتورية الكاملة أو الاستبداد القاسي. وينظر المؤلف إليها على أنها خطوات نحو تطوير حكم قانون ذي خصائص صينية؛ من خلال تطهيرها من الأفكار الليبرالية الغربية المنحرفة التي تسللت خلال فترة الإصلاح والعودة إلى تقاليد الصين الاستبدادية القانونية، وهو ما يقوم به الرئيس شي جين بينغ Jinping Xi الذي وصل إلى الحكم عام 2013 من خلال قيامه بعملية مزج هجين بين ممارسات الإمبراطورية الصينية وممارسات الحزب في أوائل خمسينيات القرن الماضي. ويستعرض المؤلف، في المحور الرابع "الدين والأيديولوجيا: بماذا نؤمن؟"، تاريخ الأديان والمعتقدات في الصين؛ الكونفوشيوسية والبوذية والمسيحية واليهودية والإسلام، إضافة إلى الشيوعية دين الصين العلماني الجديد منذ عام 1949. كما يتناول علاقة الشعب الصيني بالمعتقدات المنتشرة في بلاده وكيفية تأثير الإصلاح الاقتصادي والتطور الاجتماعي في تلك العلاقة، فقد أصبح الإنسان في الصين الجديدة ينظر إلى الأمور بطريقة مختلفة، أدخلته في خلاف حتى مع أبويه اللَذين لا يخفيان خوفهما على طبيعة التفكير الجديدة التي أصبحت تسيطر على عقول الجيل الجديد وعلى العلاقة بينه وبين المعتقدات الدينية. لا شك في أن الأحداث التاريخية التي عاشتها الصين منذ تأسيس الشيوعية قد أثرت على نحو حاسم في تلك العلاقة؛ وقد مثّل الإصلاح والثورة الثقافية أبرز تلك الأحداث. لا يُخفي المؤلف المخاطر التي يمكن أن تنتجها عملية تسييس الصين. فالقيادة في بكين بدأت تعمل على ملء الفراغ الأيديولوجي الذي سببته الخطابات الشيوعية الفارغة أصلً والفساد البيروقراطي من خلال إحياء المعتقدات المرتبطة بالكونفوشيوسية من خلال تمجيدها، وأصبح ينظر إلى البوذية على أنها قناة تواصل مهمة لتحسين علاقات الصين بتايوان (ص. 138) كما بدأت سلطات الحزب المركزية تعمل على تعزيز التفسيرات اللاهوتية للمسيحية والإسلام التي تعتبرها متوافقة مع الثقافة الصينية4. إلا أن المؤلف يعود ليحذّر من النتائج التي يمكن أن تنتجها تلك الإجراءات. فعلى الرغم من أن الغاية منها هي تحقيق الاستقرار الوطني وترسيخ الحلم الصيني، فإن إعادة تشكيل بقايا أيديولوجيا ماركسية ميتة مستوردة من الغرب، وصياغة أيديولوجيا جديدة ترعاها الدولة الصينية مستمدة من تاريخها للتغلب على الفراغ الروحي الذي يعانيه المجتمع الصيني، وخلق أساس متين ودائم للحكم الاستبدادي، يفضي ذلك كله في الحصيلة إلى تراجع الانفتاح النسبي للانفتاح والفكر الصينييَن، ويمثل أوسع تهديد للتطور الديني الذي تميزت به الصين. أما في المحور الخامس، فيقارن المؤلف بين تطور النظام السياسي في الولايات المتحدة الأميركية والصين ودول أخرى آسيوية، ويبين كيفية اختلاف نظرة الأميركي إلى ما يحدث في بلاده عما يحدث في مناطق أخرى في العالم. لقد أثرت الأحداث في الصين في نظرة الأميركيين إليها، فقد ظهر مفهوم التحديث الاستبدادي عند صموئيل هنتنغتون Huntington P. Samuel 2008-1927() واعتبره إحدى المراحل اللازمة للتغييرات الاقتصادية التي تعيشها أي دولة ومنها الصين. ويعتقد مينزنر أن دراسة تايوان وكوريا الجنوبية تعدُّ مثالً منطقيًا للمقارنة بما تشهده الصين؛ من تشابه في التراث الثقافي المشترك والروابط التاريخية العميقة، والتاريخ السياسي المشابه، والنمو الاقتصادي الهائل، والتغيير الاجتماعي الذي يحدث في ظل الحكم الاستبدادي. لكن النهاية ليست متشابهة؛ فقد نجحت الاحتجاجات في تايوان ابتداءً من عام 1986، وازداد انفتاح البنية السياسية، وبدأ تراجع الحديث عن الدولة الاستبدادية، قابله حديث عن إصلاح دستوري عميق وانتخابات برلمانية ودستورية حرّة ونزيهة. إلا أن مينزنر يعود ليقول إن هذا كان نتاجًا لعملية تطورية تدريجية فحسب، بدأت قبل نحو خمسة عشر عامًا. وفي الصين، أدى فشل إصلاحات المئة يوم في أواخر القرن التاسع عشر والانقلاب الإمبراطوري إلى ظهور اقتناع بأن الإصلاح التدريجي كان مستحيلً. ويختم المؤلف بأن إنشاء الديمقراطيات الليبرالية يحتاج إلى زمن طويل وتفاعل بين الدولة والمجتمع، وأن القادة المركزيين يحرمون الصين من هذا النوع من التفاعل. ويبقى ما يحدث في الصين بعيدًا عن أحلام الديمقراطيين. ويستهل المؤلف المحور الأخير بمقولة شعبية "الجميع يتمنون نهاية سعيدة لقصتهم" وهي المقولة التي تنطبق على تجربة الصين بعد فترات من الاضطراب السياسي الذي أعقبه عقود أربعة من التغيرات

  1. منها على سبيل المثال منع الآباء الإيغوريين من منح أطفالهم أسماء دينية صريحة وتقليص النشاطات الدينية لليهود الصينيين.

الاقتصادية الاستثنائية. لا شك في أن الحراك المجتمعي والاستبداد الحكومي سينتج منه شيء ما، سواء من القاعدة أو من القمة؛ من قبيل مطالب مجتمعية صادمة لا تقاوم، أو إدراك رسمي تشهده البيروقراطية يتمثل بضرورة تحقيق نوع من الإصلاح السياسي. ويميل عدد من الباحثين المختصين بالشأن الصيني إلى أن الصين سائرة في انتهاج سياسة استبدادية؛ ويطرحون سيناريوهين ضمن هذا السياق، هما سيناريو الاستبداد القاسي وهو استمرار لسياسات بكين الحالية، والاستبداد المرن الذي يتطلب العودة إلى ضوابط أشدّ مرونةً وليبرالية سادت في أوائل العقد الأول من القرن العشرين، ويتمثل بضوابط إعلامية مريحة ومساحة أكبر مُنحت للمجتمع المدني، والانفتاح على المفاهيم والمبادئ الأجنبية علميًا وثقافيًا. لكن المؤلف يرجّح سيناريو الاستبداد القاسي الذي سيؤدي إلى ولوج السياسة الصينية في دوامة ثابتة من المنافسة الداخلية بين النخبة، والانحدار الاقتصادي، والاستقطاب الأيديولوجي، والاضطرابات الاجتماعية المتصاعدة. إلا أن هناك عددًا من الباحثين يناقضون مينزنر، ويميلون إلى أن ما يحدث في الصين هو أمر أساسي (عملية تاريخية) وأنها تمر بمرحلة من سياسة دورة فانغ Fang الاسترخاء، وشو Shou التشديد التي تميزت بها الصين خلال ثمانينيات القرن الماضي (ص. 165) يبدو أن فكرة التشاؤم بقيت مسيطرة على نظرة كثيرين، ولا سيما مع فترة حكم شي جين بينغ؛ فالفرصة لتحقيق ليبرالية مستقرة في حالة الصين الآن تبقى ضعيفة؛ لأن المؤسسات خارج الحزب ضعيفة ومتخلفة وتفتقر إلى الشرعية، إضافة إلى عدم وجود قوى اجتماعية بديلة، أو حركات سياسية تنافس الحزب الوحيد الحاكم أو تحل محله. ويختم المؤلف المحور الأخير بالإشارة إلى أن أي مقترحات سياسية تتعلق بسياسة الولايات المتحدة تجاه الصين يجب تحديثها باستمرار، إلا أنه مع ذلك يقدم مبادئ عامة تُعدّ عوامل مساعدة لتوجيه سياسة الولايات المتحدة مع انتهاء عصر الإصلاح في الصين. وتتمثل هذه المبادئ بأن المشاركة الدولية تصب في صالح واشنطن، ولا ينبغي للولايات المتحدة أن تعمل على تغيير النظام الحالي بل عليها أن تدعمه.

أهمية الكتاب

مؤلف الكتاب أستاذ في القانون الصيني، وتركز جُل أعماله على دراسة المؤسسات القانونية في الصين، والكتاب في التاريخ والسياسة وليس في القانون. ويعتقد كارل مينزنر أن ما يحدث في الصين، مع قدوم شي جين بينغ إلى رأس هرم السلطة وما رافقه من إجراءات على المستوى الدستوري والمؤسساتي، كان أحد أهم دوافعه لإنجاز هذا العمل العلمي. فالصين التي تبنّت فكرة أن القانون يمكن أن يكون له دورٌ مهم في مسيرة تطورها، لا سيما في فترة الثمانينيات حيث تبنّى قادتها الإصلاح القانوني بوصفه جزءًا من مساعي الانتقال إلى دولة مؤسسات وقوانين، ترتكز على الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي والانفتاح الأيديولوجي على الآخر، وإن كان نسبيًا. إلا أن ذلك أصبح – على ما يبدو - خلف أبواب مُحكمة الإغلاق، ولم يعد له ارتباط شديد بمستقبل الصين وتطورها. إضافة إلى المراجع المهمة على المستوى الكمي والنوعي التي اعتمدها المؤلف، ووفق ما أشار المؤلف، فإن أهم ما يتمتع به كتاب نهاية مرحلة المحادثات المتميزة والمفيدة التي أجراها مع مجموعة متنوعة من شرائح المجتمع الصيني؛ من المواطنين الصينيين والمسؤولين في الدولة والحزب، وكذلك مع الناشطين المقيمين خارج البلاد، إضافة إلى الأكاديميين وهم الذين يعكسون جميعهم، بحسب رأي المؤلف الاتجاه الذي ستعتمده بلادهم، وهم في الوقت نفسه، يدركون أكثر من غيرهم المخاطر التي بدأت تحدث داخل الصين (ص. 11) ولا شك في أن الهدف الأساسي من الكتاب هو أن يكون بمنزلة مرآة واضحة، يعكس حقيقة ما يحدث في الصين من تحولات، يصفها المؤلف بأنها جوهرية، ربما تفضي إلى ميلاد مرحلة جديدة، ويفتح آفاقًا واسعة لقراءة جديدة لمستقبل البلاد. والكتاب مهمٌّ أيضًا لكل مهتم بالصين؛ فالمؤلف الذي خبر علم القانون والحكم الصينييَن اعتمد في إنجازه على خبرته التي امتدت عَقدين من الزمن خبر فيهما التعامل والتفاعل مع الشعب الصيني، وعاش نحو عشر سنوات في الأراضي الصينية. ويرى مينزنر أن سياسات الرئيس الصيني شي التي اختارها في التطهير المسيّس لمناهضي الفساد، وإعادة مركزة السلطة في يديه، والتحول الأيديولوجي نحو القومية والهوية الثقافية ليست سياسات مؤقتة أو رهينة حادثة بعينها أو مرحلة قصيرة فرضتها أوضاع معينة، بل هي تحولات يراها الرئيس الصيني ضرورية وأساسية لمعالجة الأزمة التي يعتقد أن الصين تواجهها. ويرى المؤلف أن الإصلاحات مثّلت فرصة أمام الصين لبناء مؤسسات حقيقية لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، إلا أن هذا الأمل في تحقيق الإصلاح السياسي بدأ يتلاشى منذ بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة، متزامنًا مع صعود شي جين بينغ إلى هرم السلطة.

مناقشة الكتاب: فرضية نهاية مرحلة الإصلاح الصينية بين مؤيد ومعارض

لم تتوقف الصين عن إثارة دهشة الآخر وفضوله على مدى تاريخها الطويل، سواء في الأحداث الكبرى أو في تفاصيل ما يحدث فيها، على نحوٍ يفتح الأبواب لمناقشات كبيرة واختلاف يكاد لا ينتهي في تفسير ما يحدث وتوقّع مآلاته. وما يحدث في الصين منذ العقد الثاني من القرن الحالي ليس بعيدًا عن تلك المقولة؛ بل يؤكدها. لقد مثلت فترة الإصلاحات التي عاشتها الصين فرصة كبيرة ومهمة لها من أجل بناء مؤسسات حقيقية تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. ويشير مينزنر إلى أن الصين دخلت مرحلة جديدة مختلفة عن سابقتها يتناقض فيها الإصلاح السياسي والدستوري مع الإصلاح الاقتصادي. إلا أنه يعود ليشير إلى أن ما يحدث فيها ليس جديدًا. فقراءة فاحصة في صفحات تاريخ الصين، تقودنا إلى أن إجهاض محاولات إصلاح مماثلة متزامنة مع انتقال الصين إلى عصر جديد تمّ أكثر من مرة؛ كانت المرة الأولى في أواخر القرن التاسع عشر، عندما دفنت سلالة تشينغ الإمبراطورية طموحات الإصلاحيين من خلال الاعتماد في تحالفها على القوى المحافظة في تلك الفترة. وكانت المرحلة الثانية في خمسينيات القرن الماضي، حيث انهارت الجهود التي بُذلت من أجل بناء آليات حكم مستقرة للحزب والدولة وتأسيسها على صخرة عدم ثقة ماو تسي تونغ بالقيود الدستورية المفروضة على ممارسة السلطة والخوف من المنافسين السياسيين، وبناء عليه، تقويض أيديولوجيا عبادة الشخصية التي كرّسها ماو تسي تونغ نفسه. ولم يهمل المؤلف الأحداث التاريخية تلك، بل تفحّصها على نحوٍ دقيق، وأشار إلى أن الدورة ربما تعيد نفسها، ومن المحتمل، بحسب رأيه، أن تشهد الصين التجربة نفسها مع نظامها السياسي ومساعي الإصلاح التي امتدت على مدى ثلاثة عقود تقريبًا. يتمثل السيناريو الأخطر الذي يطرحه الكتاب بأنّ مسيرة الإصلاحات يمكن أن تصل إلى طريق مسدود وتُحشر في زاوية عصر شي جين بينغ ويعيد إلى الذاكرة دروس أحداث ساحة تيان آن مين Square Tiananmen عام 1989 غير البعيدة على المستوى الزمني أو على مستوى الذاكرة الصينية والعالمية؛ ستبقى الصين حبيسة فكرة رقص خطوة إلى الأمام تليها رقص خطوة إلى الوراء التي سيطرت عليها منذ تسعينيات القرن الماضي، وقيام الحزب الشيوعي الصيني بإلغاء دستورية كل شيء يحدث خارج الصندوق الأسود. إن مشكلة تراجع الدولة الصينية نحو الاستبداد، وكبح المسار التطوري (النسبي) الذي شهدته الديمقراطية وانتهجه الناشطون السياسيون والاجتماعيون تمثل مشكلة للناشطين ولحكام الصين السياسيين على حد سواء؛ تشكيل طبقة متحالفة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا (لازمت الأنظمة الاستبدادية في مناطق كثيرة من العالم) فاسدة وعدوة للتغيير، مع عدم وجود أي قوة سياسية بديلة يمكن أن تعمل على تصحيح ذلك، كما هو الحال في تايوان وكوريا الجنوبية القريبتين. ومع أن الكتاب، في الأساس، موجَّهٌ إلى الأكاديميين وصناع القرار الأميركيين، فإنّ الفكرة التي يطرحها مينزنر لم تحظ بالقبول عند كثيرين، أكاديميين أو سياسيين أو على المستوى الشعبي، وليس هذا فحسب، بل لاقت معارضة شديدة. فهم متفقون على أن الصين ربما تعاني على المستوى السياسي، لكن ليس على المستوى الاقتصادي. فعلى الرغم من اعتراف هؤلاء بأن الصين تعاني كثيرًا من المشاكل على المستوى البيئي والعدالة الاجتماعية (اختلاف مستوى الدخل بين فئات المجتمع الصيني، ومستوى التطور بين الداخل والساحل) وأن شي جين بينغ أشدّ دكتاتورية من سابقيه، فإنهم ما زالوا متمسكين بشعار أن الصين ما زال في مقدورها أن تهز العالم كل يوم، وهي، كما يصفها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، تضرب العالم كل يوم كما يضرب الملاكم كيس الملاكمة. وينظر البعض إلى ما يحدث في الصين على أنه فرصة أمامها للتصدي للتحديات التي أفرزتها فترة الإصلاح وتجاوزاتها؛ من ذلك الأضرار البيئية وعدم المساواة الاجتماعية والأضرار التي أصابت التراث الثقافي الذي ولّده الاندفاع الشديد نحو التحديث. ويؤكدون أن السبب في بقاء الصين مستقرة خلال مرحلة الإصلاح يعود إلى الطابع المؤسساتي للحكم، ووجود مجموعة من القواعد الصارمة التي كفلت للقادة الصينيين حكم الدولة والمجتمع على نحوٍ يكاد يكون محكمً. يرى جيرمي والاس Jeremy Wallace من جامعة كورنيل أن ما يحدث في الصين أمر طبيعي. فعلى الرغم من مشاركته مينزنر في أهمية التغيرات التي تعيشها الصين، فإن ذلك لا يعني الانتقال، أو أن تلك التغيرات هي بداية مرحلة جديدة في السياسة الصينية. فالتغيرات الحالية ليست جذرية كتلك التي حصلت بين مرحلتين؛ مرحلة الإصلاحات التي أطلقها دينغ شياو بينغ والمرحلة التي سبقتها خلال حكم ماو تسي تونغ. ويرى والاس أن ما تقوم به الصين يعدُّ تغيرًا في القواعد مقترنًا بمحاولة من بكين إصلاح النظام، مع أخذ الاحتياطات اللازمة لمواجهة أي احتمال للفشل. ويرى أن حملة بينغ لمكافحة الفساد هي في منزلة تمكين لمؤسسة الحزب في مراقبة سلوك الأشخاص داخل بيروقراطية الدولة الحزبية. وتتمثل الفكرة الرئيسة التي يطرحها الكتاب بأن الصين إذا ما دخلت فعلً في المرحلة التي يشير إليها المؤلف، فإنها ربما تعود إلى العزلة

التي اختارتها طوعًا في مراحل مختلفة من تاريخها، لكن مع معطيات جديدة تتطلبها المرحلة التاريخية والأوضاع السياسية. حظي النموذج الصيني باهتمام كبير من جانب الأكاديميين والسياسيين الذين تشاطئ دولهم المحيط الهادئ، ولا سيما الولايات المتحدة. ومع دخول العالم الألفية الثالثة، أخذ التشاؤم يسيطر على كتابات هؤلاء حول فرضية استقرار النموذج الصيني للحكم واستمراره، وارتفعت وتيرة المخاوف مما يحدث في الصين؛ فقد ظهرت مجموعة من الأعمال التي عكست جدية تلك المخاوف5. إلا أن الأزمة العالمية عام 2008 مثلت طوق نجاة مؤقتًا للنموذج الصيني، وخففت من تصاعد النظرة التشاؤمية تجاهه، وظهرت مجموعة من الكتابات التي أشادت بالنموذج الصيني الذي أمّن للصين الخروج من تلك الأزمة بسلام. إلا أن هذا الوضع لم يستمر فترة طويلة؛ فقد عادت تلك الانتقادات والنظرة التشاؤمية لتتصدر كتابات المهتمين بالصين وظهرت مجموعة جديدة منها بدءًا من عام 2010، فقد حذّر المراقبون من عودة التباطؤ المذهل الذي يمكن أن تشهده الصين، وتضاعفت مناقشة الاستبداد المرن الذي يمارسه الحزب الشيوعي الصيني وإجراءاته في تثبيت معايير أسهمت في تعزيز نموذجه في الحكم. ويطرح ديفيد شمبوغ6 مجموعة من السيناريوهات حول مستقبل الصين قابلة للتحقيق، إلا أن السؤال الكبير الأهم يتمثل بمستقبلها في الشؤون العالمية؛ فالصين التي شهدت نموًا اقتصاديًا غير مسبوق تمر بمنعطف حرج على المستويات الاقتصادية والسياسية وعلى مستوى الأمن القومي وفي علاقاتها الدولية. ويشير إلى أن الاتجاه الذي ستسلكه الصين هو الذي سيحدد استمرارها في التطور والنمو أو توقّفها. وربما يتفق شمبوغ مع مينزنر في موضوع التغيرات التي تعيشها الصين، إذ يطرح مجموعة من الأسئلة: هل ستنجح الصين في تنفيذ إصلاحات جذرية يمكن أن تستمر عقودًا طويلة تحوّلها إلى القوة العظمى الأولى في العالم؟ أم أن تلك التغيرات الجذرية سيتم دفنها في مهدها لأنها تمثّل خطرًا على سلطة النظام والحزب؟ وهل سيؤدي ذلك إلى الركود الطويل الذي سيكون بداية انهيار النظام؟ وهل ستسير الصين في طريق أكثر ليبرالية أو ديمقراطية؟ أم أنها ستُظهر نفسها دولة دكتاتورية قوية وعدوانية؟7 لا يزال العلماء الغربيون ينظرون إلى الصين على أنها مثال لبلد يعيش توسعًا اقتصاديًا ونموًا تاريخيًا لم تشهده دولة أخرى عبر التاريخ؛ وذلك من خلال انتقال الملايين من الريف إلى المدينة، وارتفاع مستوى المعيشة وفي مستويات التعليم، والقيام بإصلاحات قانونية ومؤسساتية حاسمة. فهي كتايوان وكوريا الجنوبية، تتبع نموذجًا شرق آسيوي يعتمد على تحقيق إصلاح اقتصادي سريع في ظل حكم استبدادي في انتظار تحقيق مستوى مرتفع من الثروة قبل الانتقال إلى الديمقراطية.

خاتمة

لا يجادل الكتاب بأن الانهيار وشيك، فهو بدلً من ذلك يركز، على نحو بعيد، على المشكلات التي تواجه الصين، مع التشديد على التراجع عن الإصلاحات السياسية التي ستنعكس سلبيًا على الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، والنتائج والآثار المترتبة على ذلك. يثير الكتاب على نحو يكاد يكون استفزازيًا كل الاحتمالات حول ما يحدث في الصين، ويمثِّل أيضًا نموذجًا لتجاوب الآخرين مع ما يحدث فيها من تغيرات، من خلال طرح سيناريوهات افتراضية يمكن أن تتكشف من دون إعطاء إجابات حتمية أو جداول زمنية دقيقة. ويمثّل الكتاب دعوة صادقة لإعادة قراءة تاريخية معمقة للتطور السياسي للصين منذ عام 1978، وكيف سيكون مستقبل الصين والعالم. يفتقر السيناريو القائل بأن الصين تنزلق نحو فترة ما قبل الإصلاح التي قادها دينغ شياو بينغ في اتجاه حكم أشدّ استبدادية، إلى مقومات تلك الفترة؛ اللجوء إلى الأيديولوجيا والتعبئة الاجتماعية الجماعية والقومية الشعبوية هي عوامل ميزت فترة الصين الماوية فقط. ويبقى التاريخ مقبرة للتوقعات، وغالبًا ما يخالف التنبؤات؛ فسلالة تشينغ التي حكمت الصين فترة طويلة استمرت عشرات السنين دولة ضعيفة تعاني مشاكل سياسية وأوضاعًا اقتصادية صعبة واضطرابات اجتماعية قبل أن تؤول إلى السقوط. ويختم مينزنر كتابه بطرح مستقبل الصين من خلال سؤال يطرحه على المسؤولين والمواطنين الصينيين على حد سواء؛ ما النسخة الصينية

  1. للمزيد ينظر: Minxin Pei, China's Trapped Transition (London: Harvard University, 2006); Susan Shirk, China's: Fragile Superpower (New York: Oxford University Press, 2008); Harris Stuart, "China's: Fragile Superpower: How China's Internal Politics Could Derail its Peaceful," China Journal , no. 62 (July 2009), pp. 219-221
  2. أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية، ومدير برنامج السياسة الصينية بجامعة جورج واشنطن، وزميل غير مقيم في برنامج دراسات السياسة الخارجية بمعهد بروكينغز في
  3. واشنطن، نشر أكثر من ثلاثين كتابًا. 7  David Shambaugh, China's Future (Cambridge/ Malden: Polity Press, 2016).

التي يرغبون في رؤيتها: سد الخوانق الثلاثة أم قناة دوجيانغيان؟8 إمبراطورية تانغ المنفتحة والعالمية؟ أم إمبراطورية مينغ المعزولة والمنغلقة على نفسها؟ المصلحون الذين رفعوا أصواتهم في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؟ أم الجذور الملتهبة التي تظهر عندما يشعر الناس بالإحباط؟ ولا يكتفي مينزنر بطرح هذا الكم من الأسئلة؛ بل يعتقد بحتمية مواجهة الصين تلك الخيارات، وهو ينصح الصينيين بضرورة العودة إلى تاريخهم الغني للحصول على إجابات، والتقليب بين ثناياه بحثًا عن الدروس والاستفادة منها؛ ففي التاريخ الصيني كثير من الأمثلة على ما يحدث، ويحمل أيضًا كثيرًا من الأمثلة على الكيفية التي يمكن للمجتمع من خلالها أن يزدهر ويتطور عندما تتوافر الممارسات الديمقراطية، وتنظم العلاقة بين الشعب والحكومة على أسس قانونية واضحة تضمن تحقيق العدالة والمساواة للشعب. يتناول هذا الكتاب التطورات؛ فهو يناقش ما تقوم به الحكومة الصينية من إجراءات لمكافحة الفساد وقمع المجتمع المدني والتشدد في مجال حقوق الإنسان، ويتطرق إلى أن الصين تعيش بالفعل فترة من التغيرات ويعمل على تقديم تحليل عميق لما تواجهه البلاد من تحديات على المستويات السياسية والاقتصادية والمجتمعية، ويناقش بعض القضايا التي تواجه الحكومة الصينية، والبيروقراطيات المحلية، وآليات معالجة مظالم الناس، وهي، أي الصين، في الحالة التي تميزها بنظام سياسي ثابت ومركزي يعتمد على حكم الحزب الواحد. فالذي يميز كتاب نهاية مرحلة هو عدم اكتفائِه بتقديم تفسير للسيناريو غير المستقر الذي تعيشه الصين المعاصرة، أو بطرح مجموعة من السيناريوهات المستقبلية لما يمكن أن يحدث فحسب، بل يتوقع مستقبلً ضبابيًا يحمل في طياته انعكاسات خطيرة وآثارًا كبيرة ليس على الصين فقط بل على العالم أجمع.

المراجع

Fukuyama, Francis. Political Order and Political Decay: From the Industrial Revolution to the Globalization of Democracy. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2014. Pei, Minxin. China's Trapped Transition. London: Harvard University, 2006. Shambaugh, David. China's Future. Cambridge/ Malden: Polity Press, 2016. Shirk, Susan. China's: Fragile Superpower. New York: Oxford University Press, 2008. Stuart, Harris. "China's: Fragile Superpower: How China's Internal Politics Could Derail its Peaceful." China Journal. no. 62 (July 2009).