الحمائية المتنك رة: القومية الاقتصادية في عالم الحدود المفتوحة

Rabah Zaghouni رابح زغوني |

الملخّص

قدّمت النظرية الماركنتيلية نفسها نموذجًا صريحً ا للقومية الاقتصادية، وذلك بوصفها مدافعةّ عن حتمية تدخ ل الدولة في الاقتصاد بهدف الوصول إلى الموارد والأسواق لضمان قوة الدولة. ومنذ التطبيقات المتقدّمة للمذهب التجاري الأول إلى النيوماركنتيلية ثم الاقتصاد الموجه والحمائية الجديدة، استطاعت نزعة القومية الاقتصادية أنْ تصمد بوصفها نظرية ترى أنّ النشاطات الاقتصادية يجب أن تخضع لتعظيم قوة الدولة. تهدف هذه الدراسة إلى شرح القومية الاقتصادية وتتبع تطوّر تطبيقاتها، وتسعى أساسًا لتحليل مدى قدرتها من حيث هي فلسفة قومية على الاستمرار في ظل العولمة الاقتصادية التي تهدّد بالانتهاء الفعلي لمرحلة الدولة التدخلية في سياق نظام اقتصادي غير مقيد بالحدود القومية. وفي حين تدحض الدراسة فرضية أنّ العولمة وانتهاء القومية وجهان لعملة واحدة، فإن ها تؤك د أنّ الاقتصادات الوطنية لا تزال تحرّكها نزعة القومية الاقتصادية بأشكال جديدة متنك رة رغم خطاب الليبرالية الاقتصادية السائد. كلمات مفتاحية: الاقتصاد السياسي الدولي، العولمة الاقتصادية، القومية الاقتصادية، الماركنتيلية. Mercantilism presents itself as an explicit model of economic nationalism. Since its early application to the new protectionism, economic nationalism has theorized that economic activities must be subject to the maximization of the power of the state. This article aims to explain economic nationalism and track the evolution of its application, primarily to analyse its viability as a theory in the midst of economic globalization which threatens to bring about the de facto end of the state's interventionist economic system in a borderless world. As the article refutes the premise that globalization and nationalism are two sides of the same coin, national economies continue to be driven by disguised new forms of economic nationalism. Keywords: International Political Economy, Economic Globalization, Economic Nationalism, Mercantilism.

Disguised Protectionism: Economic Nationalism in a Borderless World

مقدمة

مع أنّ الليبرالية الاقتصادية بوصفها اتجاهًا سائدًا دائمًا ما كانت تزعم أنّ اقتصاد السوق الحرّ هو الحلّ الأمثل لتوزيعٍ متوازن للموارد الاقتصادية العالمية، فإنّ شواهد العلاقات الاقتصادية الدولية في الممارسة تُظهر في حالات عدة أنّ مبدأ الحمائية الاقتصادية لم يختفِ تمامًا في سياسات الدول الاقتصادية. كان باحثو السياسة الدولية، في محاولة تفسيرهم ما يبدو تناقضًا بين النظرية والتطبيق، قد اقترحوا أنّ الإجابة تكمن في السياسة القومية؛ أي في الطريقة التي تؤثّر بها النزعة القومية للدول وتتحكّم في استقرار الاقتصاد الدولي وانفتاحه. وبذلك تأسس في مثل هذا السياق الاقتصاد السياسي الدولي مطلع سبعينيات القرن الماضي ليشرح ويفسّ طبيعة التداخل بين الاقتصاد والسياسة الدوليين. وبما أن مفهوم الأمن القومي يقع بالضرورة ضمن الحيّز المشترك بينهما، لم يكن متوقّعًا للواقعية السياسية غير أنْ تصنف ذلك الحقل الناشئ ضمن نظريتها للعلاقات الدولية. فقد قدّم الباحث روبرت غيلبين Gilpin Robert هذا التصور ضمن ما أسماه "المنظور القومي"؛ وهو المنظور الذي يفهم القومية الاقتصادية باعتبارها فكرةً قائمة على حتمية الخضوع للنشاطات الاقتصادية أو أن تتبع لهدف بناء الدولة ومصالحها. فالنزعة القومية في الاقتصاد تتعلق بحتمية تدخّل الدولة في السوق، بهدف الوصول إلى الموارد والتمويل والأسواق اللازمة للحفاظ على ثروة الدولة وقوتها. تاريخيًّا، مثلت الماركنتيلية الأولى النسخة الاقتصادية لفلسفة القومية السياسية؛ بسبب إقرارها بالعلاقة الجوهرية بين الحاجة إلى الأمن القومي في بناء الدولة وخلق الثروة، لذا غالبًا ما يشيع استخدام نظرية القومية الاقتصادية والنظرية الماركنتيلية مترادفيَن في أدبيات الاقتصاد السياسي الدولي. قدّمت النظرية الماركنتيلية، بوضعها الدولة - الأمّة في مركز تحليلها، على نحوٍ صريحٍ، تحليلً قوميًّا للعلاقات الاقتصادية الدولية. فمن المذهب التجاري الأول في القرن السادس عشر إلى نيوماركنتيلية القرن التاسع عشر ثم الاقتصاد الموجه في القرن العشرين، استطاعت القومية الاقتصادية أن تصمد بصفتها عقيدةً ترى أنّ النشاطات الاقتصادية ينبغي أن تخضع لهدف تعظيم قوة الدولة وأمنها القومي. ورغم أنّ القومية الاقتصادية خلال تلك المراحل قد شهدت الكثير من التحولات وتبدّلت تطبيقاتها، فإنّها ظلت متمسكّة بفكرة الدور المركزي للدولة في توجيه النشاط الاقتصادي، وضرورة هيمنة المصلحة القومية في السياسة الاقتصادية، وأهمية خلق تفوّقٍ اقتصادي لزيادة الثروة وتعزيز الازدهار الوطني. لكن طبيعة التحولات التي حملتها العولمة الاقتصادية المعاصرة، منذ أواخر القرن العشرين، وضعت النزعة الاقتصادية القومية وتطبيقاتها المتنوّعة في مأزق؛ لأنّها ستبدو نظرية اقتصادية عتيقة تجاوزها الزمن في عالم اقتصادي بحدود مفتوحة. تناقش هذه الدراسة سؤالَ المصير والجدوى بالنسبة إلى استمرار القومية الاقتصادية في عالم اقتصادي متغيّ بوصفه عالم الحدود الاقتصادية المفتوحة؛ فالتحول الحاصل في شكل الاقتصاد العالمي وكثافته، وفي تنوع مجالاته وفواعله، يبعث على الشك في جدوى اعتماد الدولة القومية وحدةً للتحليل الاقتصادي. لذا يحاجّ الليبراليون المتحمّسون للعولمة بأن الاقتصاد العالمي الجديد لا يمكن أن يكون بيئة مواتية للقوميّة الاقتصادية؛ ذلك أنّ المزيد من المعاملات الاقتصادية تنفصل يومًا بعد يوم عن قيود الحدود الوطنية ورقابة الحكومات، فإنّ ذلك يضعف دور الاقتصادات الوطنية ويقوّض الأهمية النسبية للدولة المتدخلة. وبالنتيجة فإنّ سياسات القومية الاقتصادية سيؤول مصيرها حتمً إلى الزوال؛ لأنّها لا يمكن أن تنتمي أو تتلاءم مع عصر الحدود المفتوحة. في المقابل، لا يتصوّر القوميون الاقتصاد العالمي الجديد إلّ زيادةً في ح دّة المعاملات الاقتصادية ونطاقها عبر الحدود التي لا تزال خاضعة لرقابة الدول. وذلك ما يدفعهم إلى تأكيد أنّ العولمة ونهاية دور الدولة ليسا بوجهين لعملة واحدة، بل على العكس فالعولمة الاقتصادية صمّمتها الدول القومية، وهكذا تظلّ هي من يشكّلها، ويوجّهها ويؤثّر فيها. وما دامت الدولة هي الفاعل المركزي في الاقتصاد الدولي، فالقومية الاقتصادية لا تزال تُلهم اليوم كما بالأمس أكثر السياسات حمائيةً وأشدّ المقاربات تمركزًا حول دور الدولة في سلوكيات الدول الاقتصادية. في مقاربة هذه الإشكالية، يستند تحليلنا إلى فرضيّة مؤدّاها أنّ عمليات الحدود المفتوحة التي تميّز العولمة الاقتصادية ليست سوى درجة مكثفة من التدويل؛ أي إنّ العولمة بصفتها عمليةً تنافسية تبقى الدولة هي التي تقودها وليست السوق، ومن ثمّ تظلّ الأسواق خاضعةً للسياسة وغير مستقلة عن رقابة الدول؛ ما يعني أنّ الحاجة إلى استبدال الاقتصاد الدولي بالاقتصاد العالمي ليست مبررًا. فلا يزال دور الدولة مركزيًّا في الاقتصاد الدولي لأجل ضمان أمنها الاقتصادي في عالم فوضوي استعدادًا لمواجهة احتمال يظلّ قائمًا هو "إخفاق الأسواق." لذا فالقومية الاقتصادية لم تنتهِ على الإطلاق، ولكنها عادت للانبعاث من جديد أحيانًا بأشكالها القديمة المتطرفة وغالبًا بأشكال جديدة؛ متنكّرةً حتى في مهدها الأول في مراكز العالم الليبرالي. لذلك، وبينما كانت الماركنتيلية التقليدية تجادل صراحةً بضرورة إدارة الدولة للاقتصاد بهدف تعظيم قوتها، تُظهِر ممارسات الماركنتيلية المعاصرة، بما لا يخلو من المفارقة، في خطابٍ يرى نظريًّا أنّ اقتصاد السوق الحرّ أمر مرغوب فيه، ولكنّه تطبيقيًّا متبوع بممارسات قومية خفية متنكرة في خطاب ليبرالي.

تهدف هذه الدراسة إلى التعريف بالأشكال الجديدة للقومية الاقتصادية في ظلّ العولمة. ومن خلال تحديد مفهوم الماركنتيلية من حيث هي نظرية للقومية الاقتصادية، وتتبع تطور ممارساتها في الاقتصاد الدولي من الأشكال الأولى للمدرسة التجارية إلى أشكال الح مائية الجديدة في الوقت الراهن، فإنّها تهدف بالأساس إلى إظهار الأشكال الجديدة المتنكّرة من الممارسات الماركنتيلية في عالم الحدود المفتوحة المتحرّرة نظريًّا من دور الدولة التدخلي في الاقتصاد. وتستهدف كذلك إظهار أشكال استمرار القومية الاقتصادية في توجيه الخيارات الاقتصادية للدول في أشكالها المتنكرة؛ أي من دور الموازن الاقتصادي المهيمِن الذي تضطلع به الولايات المتحدة الأميركية بصفتها قوّة عظمى، إلى الأهمية المتعاظمة للصناديق السيادية والشركات المملوكة للدول في أسواق المال والتجارة، وصولً إلى أشكال الحمائية الجديدة في الاقتصادات الصاعدة والنامية. وتستمد الدراسة أهميتها من تناول موضوع القومية الاقتصادية لا بوصفها نظرية اقتصادية، بل من حيث هي عقيدة قوميّة؛ أي بوضعها ضمن حدود سياسية - اقتصادية مشتركة مركزها الأمن القومي. فلقد جاء الاقتصاد السياسي الدولي ليبحث في التداخل بين السياسة والاقتصاد الدولييَن، ويظهر الطريقة التي تؤثر بها الأولى في الأخير؛ فإذا كان الاقتصاد الدولي يُعنى بإنتاج الموارد النادرة وتوزيعها واستهلاكها على المستوى العالمي، فإنّ السياسة الدولية تدور حول إنتاج القوة وتوزيعها، أي: من يحصل على القوة؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ وضمن الحيز المشترك بينهما، يهتم الاقتصاد السياسي الدولي بفحص تدفقّات هذا الإنتاج وتوزيعه واستهلاكه بين مجموعةٍ من الدول تحكم كلٌّ منها مصالحها القومية، ومرتبطة بشدّة بأمنها القومي. وإذ توظف الدراسة مقاربة الاقتصاد السياسي الدولي لمناقشة ممارسات القومية الاقتصادية في العلاقات الاقتصادية الدولية، فإنّها تعتمد منهجًا ينطلق من مستوى الوصف في تحديد مفهوم الماركنتيلية بصفتها نظرية للقومية الاقتصادية، وتتبع تطوّر ممارساتها التقليدية في الاقتصاد الدولي، وترتقي بعد ذلك إلى مستوى التحليل بمناقشة الأشكال الجديدة من ممارسات القومية الاقتصادية في عالم الحدود المفتوحة.

أولا: القومية الاقتصادية: النسخة الواقعية للاقتصاد السياسي الدولي

في تحديد طبيعة الرابطة بين الاقتصاد والسياسة، لطالما امتلكت الليبرالية الاقتصادية والواقعية السياسية - من حيث هما نظريتان في الاقتصاد الدولي والعلاقات الدولية على التوالي - تصوّرًا مختلفًا للعلاقة التي تجمع الاقتصاد الدولي بالسياسة الدولية؛ بسبب فلسفتهما الخاصّة في تفضيلات الثروة والقوة. فالليبرالية إذ تحمل طابعًا تعاونيًّا، كانت دومًا تجادل بأنّ المصلحة القومية للدول تتحقّق تلقائيًّا إذا ما تُرِكت السوق تعمل بحريّة على افتراض استقلالية السوق عن الدولة وفق مقولة "استقلالية خلق الثروة عن تعظيم القوة." وإذ تأخذ الواقعية السياسية شكلً قوميًّا، فهي تفترض أسبقية السياسة على الاقتصاد وفق مقولة "إخضاع خلق الثروة لتعظيم القوة"1. لذا؛ في حين فكّر الليبراليون في اقتصاد السوق بمنأى عن قوة الدولة القومية وأمنها، تجاهل الواقعيون النظر إلى ما وراء الأمن القومي، وكلاهما كان في ذلك يتجاهل التفاعل الموجود بين الدولة والسوق الذي يميّز الاقتصاد السياسي الدولي. تأسس الاقتصاد السياسي الدولي، بصفته حقلً هجينًا بين الدولة والسوق مطلع سبعينيات القرن الماضي، على فرضية التأثير المتبادل بين الاقتصاد والسياسة الدولييَن، وهو "دراسة مجموعة القضايا والمشكلات العالمية التي تحمل علاقةً متداخلة بين الاقتصاد والسياسة، بحيث لا يمكن فهمها أو تحليلها فقط ضمن ميدان العلاقات الدولية أو الاقتصاد الدولي، فهي تقع بالضرورة ضمن الميدان المشترك المتسع بينهما"2. جادل مؤسسوه بأنه قد يتعذّر فهم الشؤون العالمية في ظلّ العولمة بوضعها في الحيّز الضيّق لأحدهما بمعزلٍ عن الآخر؛

  1. Robert Falkner, "International Political Economy," University of London, International Programmes in Economics, Management, Finance and the Social Sciences, IR3026, 2011, pp. 19-26, accessed on 16/2/2021, at: https://bit.ly/3qsPi63
  2. Michael Veseth, "International Political Economy," in: Pinar Bilgin et al. Global Security And International Political Economy, vol. III (Oxford, UK: EOLSS Publishers, 2010), p. 42.

فالأبعاد المتداخلة للعولمة يتحتّم فهمها وتحليلها من خلال الربط المتقدّم بين الاقتصاد والسياسة3. وتصُرّ الواقعية السياسية على فهم الاقتصاد السياسي الدولي على أنه مقاربة ضمن حقل العلاقات الدولية، ويقدّم روبرت غيلبين هذه المقاربة ضمن ما أسماه المنظور القومي4 أو ما يسمى أيضًا المنظور الماركنتيلي. ففي المراجعة الواقعية الحديثة لمفهوم الأمن، كان باري بوزان Buzan Barry قد وضع إطارًا للأمن القومي جادل فيه بأنّ أمن الدول محكومٌ بعوامل في خمسة قطاعات رئيسة؛ عسكري، وسياسي، واقتصادي، ومجتمعي، وبيئي، تملك الدولة في كلٍّ منها مصلحةً جوهرية خاصّة وطريقة عقلانية لترتيب الأولويات. وبالنسبة إلى القطاع الاقتصادي، يدور الأمن القومي حول قدرة الدول على الوصول إلى الموارد والتمويل والأسواق اللازمة للحفاظ على مستويات مقبولة من الرفاهية وقوّة الدولة5. إن الواقعية إذ تفهم النظام الدولي بأنه نظام فوضوي تغيب فيه السلطة المركزية، فإنّها تتوقّع أن يتأسّس سلوك الدول على مبدأ "الاعتماد على الذات" Self-help القومي في ظلّ وجود دولٍ متنافسة بمصالح قومية متباينة6. وكما في السياسة الدولية، فإن القومية الاقتصادية في الاقتصاد الدولي تتعلق أيضًا بحتمية تدخّل الدولة في الاقتصاد بهدف الوصول إلى الموارد والتمويل والأسواق اللازمة لمواجهة مخاطر إخفاق الأسواق. تمثّل القومية الاقتصادية إحدى أهمّ المقاربات لفهم السياسات الاقتصادية للدول وتفسيرها، وبوضعها المصلحة القومية للدولة في المقام الأول. فهي تُوصف بالنسخة الواقعية للاقتصاد السياسي الدولي، كما وصفها روبرت أوبراين ومارك وليامز "إذا كانت الواقعية Robert: O'Brien & Marc Williams هي المنظور في السياسة الدولية، فإنّ القومية الاقتصادية هي ما يعادلها في الاقتصاد السياسي"7. يمكن فهم القومية الاقتصادية، في معناها الضيق، على أنّها برنامج اقتصادي قائم على الحمائية، أي مجموعة من الممارسات لدعم الاقتصاديات الوطنية وحمايتها في الأسواق الدولية8. ويظهر هذا الفهم في تعريف هاري جونسون Johnson Harry للقومية الاقتصادية بأنها "برنامج اقتصادي يسعى لتوجيه السياسة الاقتصادية نحو إنتاج إيرادات مالية وتوسيع ملكية الدولة لإرضاء المصالح القومية"9. غير أنّ أندرياس بيكل يجادل بأن فَهْم القومية الاقتصادية فهمً ضيقًا على أنها مذهب أو نظرية اقتصادية مجردة ليس كافيًا، بل يجب أن تُفهم في سياقٍ أكثر شمولً على أنّها تلك الجوانب القومية التي تتعلّق ب "اقتصاد الأمّة"؛ لأنّها تستجيب لمشكلات في سياق تاريخي وسياسي وثقافي واجتماعي، ومن ثمّ ينبغي فهمها باعتبارها سلوكًا سياسيًّا في سياق تاريخي محدّد، وليس مجرّد فكرة اقتصادية ضمن مجموعة من الأفكار الاقتصادية السائدة. فالقومية الاقتصادية لا تتعلّق بالاقتصاد بقدر ما تتعلّق بالأمّة، والاقتصاديات القومية تحمل لها معنى فقط ضمن الخطاب الوطني، وليس في سياق المناقشات العامة حول النظرية الاقتصادية10. وقد استخدم هذا المعنى جورج كرين في مقالة بعنوان "القومية الاقتصادية: جلب الأمّة من جديد للتحليل"؛ إذ أكّد أهمية مبدأ "الوطنية" في القومية الاقتصادية بدلً من رؤيتها على أنها أداة سياسية للدولة؛ فالصورة الذاتية أمر حاسم في تحديد التوجه الاقتصادي للأمة11. وفي شرح ذلك، كان أنتوني سميث قد استشهد باليابان في عصر ميجي عام 1868 التي باشرت سياسة التصنيع لمواجهة المنافسين الخارجييّن بدافعٍ من الشعور الذاتي الوطني وتأثيرٍ من الهوية القومية اليابانية الموجودة سلفًا12. تجد الماركنتيلية، بصفتها نظرية قوميّة للاقتصاد، جوهرها في ضمان أولوية أمن الدولة على حساب مصلحة السوق؛ أي في إخضاع خلق الثروة لتعظيم القوة، ويحدّد جاكوب فاينر Viner Jacob، أربعة عناصر جوهرية معرّفة بالقومية الاقتصادية في المقاربة الماركنتيلية13:

تشترك الماركنتيلية مع الواقعية السياسية في المنطق التحليلي نفسه؛ وهو الحاجة الماسة إلى الأمن ضمن بيئة دولية فوضوية، ويترتّب على ذلك أنّ تحقيق الأمن يفرض على الدولة البحث عن تعظيم

  1. Thomas Lairson & David Skidmore , International Political Economy: The Struggle for Power and Wealth in a Globalizing World (New York: Routledge, 2017), p. 3.
  2. Eric Helleiner & Andreas Pickel, Economic Nationalism in a Globalizing World (New York: Cornell University Press, 2005), p. 4.
  3. Paul D. Williams (ed.), Security Studies: An Introduction (New York: Routledge, 2008), pp. 3-4.
  4. Emily Tripp, "Realism: The Domination of Security Studies," E-International Relations , 14/6/2013, accessed on 10/4/2020, at:
  5. Sam Pryke, "Economic Nationalism: Theory, History and Prospects,"
  6. Ibid., p. 281.
  7. Helleiner & Pickel, p. 3.
  8. Andreas Pickel, "Explaining, and Explaining with, Economic Nationalism," Nations and Nationalism , vol. 9, no. 1 (January 2003), p. 122.
  9. George Crane, "Economic Nationalism: Bringing the Nation Back," Millennium: Journal of International Studies , vol. 27, no. 1 (1998), p. 56. 12  Antony Smith, Nationalism and Modernism: A Critical Survey of Recent Theories of Nations and Nationalism (London: Routledge, 1998), p. 48. 13  Falkner, pp. 18-19.
  10. https://bit.ly/3hgNIPG
  11. Global Policy , vol. 3, no. 3 (September 2012), p. 283.

الثروة بصفته وسيلة مهمّة لتحصيل القوة؛ أي استخدام القوة لتحصيل الثروة، وتحصيل الثروة لتدعيم موقع المهيمن سياسيًّا.

مثلما أنّ الثروة شرط ضروري لقوة الدولة، فإنّ القوة كذلك هي وسيلة ضرورية لخلق الثروة، فالماركنتيلية تعتقد أنّ قوّة الدولة تخدم الهدف المزدوج في تحصيل الأمن والثروة معًا. تُعدّ القوّة والثروة هدفين رئيسين للدولة، لكن في الوقت الذي قد يكون من الممكن على المدى البعيد تحقيق الهدفين معًا جزءًا من الاستراتيجية القومية، ربما يكون من الضروري على المدى القريب التضحية بالثروة الاقتصادية لصالح ضمان قوّة الدولة وأمنها، فبسبب الفوضى على المستوى الدولي والتهديد الدائم للأمن يظلّ البقاء هدفًا لا يُسمَح بالتلاعب به. يُفضّ ل وصف النسق الاقتصادي الدولي بأنه لعبة صفرية؛ أي إنّ العلاقات الاقتصادية الدولية صراعية وليست تعاونية، بحيث تتنافس اقتصاديات مختلفة فيما بينها لتحقق قدرًا معيّنًا من الثروة بصفته هدفًا رئيسًا من مشاركة جميع الدول في الاقتصاد والتجارة الدوليين. إذًا، تتبنّى الماركنتيلية، بصفتها نظرية قومية، الافتراضات الواقعية نفسها عن البيئة الدولية؛ فالماركنتيلية تفهم المؤسسات الاقتصادية الدولية فهمً مختلفًا، وأن الدول تدخل على مضضٍ في أيّ علاقة اقتصادية من شأنها إحداث تغيير في توازن القوى في اتجاه غير مرغوب فيه؛ وهو الأمر الذي يتضمّن حتى التفريط في مكاسب مطلقة إذا كان منافس آخر سيكسب أكثر. كما أنّ المؤسسات الاقتصادية الدولية من غير المحتمل أن تكون قد صُمِّمت بطريقة تعمل على تعزيز الرفاهية العالمية، بقدر ما تعكس الحفاظ على توزيع قائم للقوة وتعمل عليه، إلاّ إذا اقتنعت الدول بأنّ توزيع المكاسب يعكس توزيعًا تراتبيًّا للقوّة. كما تؤكّد الماركنتيلية أنّ الدول تكون مكرهة على الاعتماد على السوق الدولية لتحصيل بعض الحاجات المصنّفة بأنها استراتيجية؛ أي تلك التي تُعدّ ضروريةً وفقًا للاعتبارات الأمنية، فمثلً يمكن أن تُفضِّ ل الدول تحقيق احتياجاتها من الطاقة بالاعتماد على الموارد المحلية حتى إن كانت تكلفتها أكبر من تلك المستوردة من الخارج14. عمومًا، إنّ الماركنتيلية بوضعها الدولة - الأمّة قي مركز تحليلها، تقدّم على نحو صريح تحليلً قوميًّا للعلاقات الاقتصادية الدولية، وتتمحور العناصر الأساسية للفكر القومي الاقتصادي حول ثلاثية: ضرورة هيمنة المصلحة القومية في السياسة الاقتصادية. الدور المركزي للدولة في توجيه النشاط الاقتصادي. أهمية خلق تفوّقٍ اقتصادي لزيادة الثروة وتعزيز الازدهار القومي.

ثانيًا: من الفكر التجاري لسياسات التأميم: تطور تطبيقات القومية الاقتصادية

شهدت القومية الاقتصادية، منذ القرن السادس عشر، كثيرًا من التحولّات وتبدّلت عناوينها من الماركنتيلية إلى الاقتصاد الموجّه، والحمائية، والحمائية الجديدة. وكانت دائمًا، على اختلاف تسمياتها، تقتسم مواقفَ وأفكارًا مشتركة بدلً من كونها مجموعةً نظاميةً متماسكةً من النظريات الاقتصادية، جوهرها أنّ الفعاليات الاقتصادية تخضع أو ينبغي لها أن تخضع لهدف بناء الدولة ومصالح الدولة. ويميّز روبرت غيلبين بين موقفيَن أساسيين ضمن القومية الاقتصادية. فمن جهة يعتبر بعض القوميين أنّ حماية المصالح الاقتصادية الوطنية هي العنصر الأدنى اللازم لأمن الدولة وبقائها، وهذا ما يسميه عمومًا الموقف الدفاعي أو "الماركنتيلية الحميدة." ومن جهة أخرى، يعتبر قوميون آخرون أنّ الاقتصاد الدولي حلبة للتوسع الإمبريالي وتعظيم المصالح الوطنية، وفق ما يسميه بالشكل العدواني من جهة أنّه "ماركنتيلية حاقدة"15.

  1. 15 روبرت غيلبين، الاقتصاد السياسي الدولي (دبي: مركز الخليج للأبحاث، 2004)، ص.52
  2. 14  Lairson & Skidmore, p. 9.

تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي: ماركنتيلية القرن السادس عشر

ابتكر آدم سميث، في القرن التاسع عشر، عبارة "النظام التجاري" ليصف الخصائص المشتركة لنظام اقتصاديّ قائم على تدخّل الدولة في إدارة النشاط الاقتصادي وتوجيهه في خدمة الدولة. لكن الماركنتيلية الأولى التي ظهرت في القرن السادس عشر لم تشكّل منظومةً نظرية متكاملة، بل كانت مجموعة من الأفكار والوصفات أتت غالبًا في شكل كتيّبات أو وثائق رسميّة بالتزامن مع تشكّل أُولى لبناتِ الاقتصاد الرأسمالي الحديث. لقد تجسدت الماركنتيلية الأولى في مجموعة من السياسات الاقتصادية التي استهدفت التحكم في النشاط الاقتصادي المحلي والتبادل التجاري الدولي، لتحقيق هدف أساسي هو تجميع ثروة الأمّة. وتلخصت آراء التجاريين الأوائل، من أمثال جون باتيست كولبار Jean-Baptist Colbert في فرنسا وتوماس مان Thomas Mun في بريطانيا، في أنّ ثروة الأمم تُقاس بما تحتفظ به من معادن نفيسة، وبأن تزيد حقوق الدولة على الخارج على ديون الخارج عليها. ولأجل ذلك، كان لا بدّ من أن تُوضع التجارة الخارجية تحت رقابة الدولة بهدف تحقيق فائض في الصادرات على حساب الواردات16. كانت الماركنتيلية الأولى تُقرّ بالعلاقة الجوهرية بين الحاجة إلى الأمن القومي وبناء الدولة وخلق الثروة الاقتصادية، ومن ثمّ كان المجالان الاقتصادي والسياسي متداخليَن إلى حدّ بعيد مع احتلال الدولة لموقع المركز في التفاعل السياسي- الاقتصادي. إذًا، يكمن إسهام الماركنتيلية الأولى الأهم في إضفاء الشرعية على دور الدولة في ضبط النشاط الاقتصادي المحلي وتعزيز التوسع الاقتصادي الخارجي، ولو باستخدام القوّة17.

القومية الاقتصادية ونيوماركنتيلية القرن التاسع عشر

عرف القرن الثامن عشر بروز الثورة الصناعية التي مهّدت لصعود الليبرالية الاقتصادية، فتبنّت الدول الأوروبية السياسات الاقتصادية التحريرية تدريجيًّا ولكن بثبات، وأخذت بريطانيا دفّة القيادة في تعزيز سياسات تحرير التجارة. ومع ذلك، فإن مبادئ الليبرالية لم تقض نهائيًّا على الممارسات القومية الماركنتيلية، فقد ساهم صعود الاقتصادَين الألماني والأميركي في إعادة ظهور الماركنتيلية في صيغة جديدة تحت مسمّى النيوماركنتيلية18. كان التوجّه الرئيس لماركنتيلية القرن التاسع عشر يتمثّل في تفسير وتبرير الدور المركزي لبناء الأمّة وتدخّل الدولة لزيادة الثروة الاقتصادية في الصناعات الوليدة. ولأن هذه المرحلة عرفت صعود القومية في الفكر السياسي والواقع الدولي، فإنّ هذه الصيغة من الماركنتيلية أخذت تسمية "القومية الاقتصادية." في كلٍّ من ألمانيا والولايات المتحدة كان الاقتصاديان فريديرش ليست List F. وألكسندر هاميلتون Hamilton A. على التوالي معارضَ ين مطالب الليبراليين بتحرير التجارة، رغم أنّهما فكريًّا لم يكونا يختلفان تمامًا مع دعاة الاقتصاد الحرّ. وتبرير ذلك أنّه في حين تصلح سياسة التحرير الاقتصادي الليبرالية للدول الصناعية الناضجة، فإن الدول في المراحل الأولى من التصنيع Industrial Latecomers يجب أن تعتمد على سياسات مختلفة لتلتحق ببريطانيا. وفي حين كان تأثير هاميلتون سياسيًّا أبلغ، بصفته كاتبَ دولة للخزانة في الولايات المتحدة، فإن فريدريش لِيست قدّم أهمّ نقد نظري لمبدأ عدم التدخل، كما اقترحه آدم سميث، داعيًا الدولة إلى أن تراعي القوّة الإنتاجية للأمّة عبر تطبيق الحمائية باعتبارها إجراءً مؤقّتًا لتعزيز نموّ الصناعات الألمانية الناشئة19. مثلما كانت عليه الماركنتيلية الأولى، كان هناك تنوّعٌ في السياسات التي اتبعتها القوميات الاقتصادية في القرن التاسع عشر، لكن ما كان يجمعها هو الاعتقاد أنّ الدولة يجب أن تؤدي دورًا مركزيًّا في توجيه النشاط الاقتصادي لتعزيز ثروة الأمّة. وقد تضمّنت أهمّ السياسات التي تبناها القوميون ما يلي20: الحمائية: تخدم الحرية غير المشروطة بالأساس مصالح الاقتصاديات الأكثر تقدّمًا، بينما تكون الدول الأقلّ تصنيعًا خارج المنافسة وهذا ما يحتّم عليها نهج سياسات حمائيّة. ترقية الصناعات الوليدة: أهمّ هدف للحمائية هو تطوير الصناعات المحلية في البدايات الأولى للتنمية من أجل السماح لها بتعزيز قدراتها والوصول إلى التنافسية الدولية. التعليم: ضرورة وجود استراتيجية للتعليم الوطني من أجل تنمية شاملة لرأس المال البشري، وتدخّل الدولة يكون بتوفير بنية قاعدية للتعليم وتطويره وترقيته في خدمة الأفراد والمجتمع.

  1. جون كينيث جالبيرت، تاريخ الفكر الاقتصادي: الماضي صورة الحاضر، ترجمة أحمد فؤاد بلبع (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2000)، ص.56-54
  2. Filipe Távora, "Mercantilist, Liberal and Marxist Responses to
  3. Falkner, p. 19.
  4. Pryke, p. 285. 20  Falkner, pp. 19-20.
  5. Economic Dilemmas," accessed on 31/4/2020, at: https://bit.ly/32Gy8sz

البنية التحتية: على الدولة أن تضطلع بدور مركزي في توفير البنية التحتية الأساسية للصناعة والتجارة، ومن ثمّ المساعدة على تجاوز أزمات "إخفاق الأسواق."

القومية الاقتصادية في القرن العشرين

أدخلت الحرب العالمية الأولى الدول في دوامة من الأزمات والانغلاق الاقتصادي، ورغم المجهودات الموسومة بالخجل في العشرينيات لإحياء شروط اعتماد اقتصادي متبادل كثيف كما كان قبل الحرب، فإنّ أزمة الكساد العالمي سنة 1929 قادت الاقتصادات الوطنية إلى البحث مجدّدًا عن الحلول ضمن سياسات القومية الاقتصادية؛ فأدّى انسحاب بريطانيا من "نظام الذهب" - حجر الزاوية للمعاملات الاقتصادية - إلى انخفاض التجارة العالمية بنسبة 60 في المئة في غضون أربع سنوات من انهيار سوق الأسهم في وول ستريت 1929. وقد علّق المؤرخ البريطاني إريك هوبسباوم Eric Hobsbawm على ذلك قائلً: "لمواجهة أزمة فورية قصيرة المدى[...]وجدت الدول نفسها تبني عوائق عالية بشكل متزايد لحماية أسواقها وعملاتها الوطنية ضدّ الأعاصير الاقتصادية العالمية، مع العلم جيّدًا أنّ هذا كان يعني تفكيك النظام العالمي للتجارة المتعدّدة الجنسيات التي اعتقدت أنّ ازدهار العالم يجب أنْ يرتكز عليها"21. مهّدت نهاية الحرب العالمية الثانية لظهور نظام اقتصادي جديد بفلسفة ليبرالية طاغية تحت قيادة أميركية، لكنّ العصر الجديد شهد استمرار محاولات ترقية الاقتصادات الوطنية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، ولم يكن ذلك مرافقة رسمية للاستقلال السياسي لدول هذه المناطق، ولكنّه كان جزءًا جوهريًا من التحرّر الوطني22. لذلك واصلت الماركنتيلية تطبيقاتها بعد سنة 1945، وهذه المرة من جانب "المهمّشين" في الاقتصاد العالمي؛ أي دول العالم الثالث. ففكرة القومية الاقتصادية كما قدّمها فريديريش لِيست وجدت لها رواجًا في عدد من الدول النامية التي برزت بانهيار النظام الاستعماري؛ حيث بدت وضعيتها للوهلة الأولى مشابهة للدول الأقلّ تصنيعًا في القرن التاسع عشر، فاقتصادها المحلي كان أقل تطورًا واندماجًا، وكانت التكنولوجيا متأخرة، وكان رأس المال البشري متخّلفًا بسبب ضعف التعليم. فمشكلات التنمية كانت أهم انشغال لحكومات دول الجنوب عمومًا، لذا قدّمت القومية الاقتصادية نفسها بصفتها نظرية تنموية بامتياز23. فوجدت السياسات الماركنتيلية تطبيقاتها، من خلال نظرية التبعية، في الدول النامية لكسر استغلال المركز الرأسمالي لدول المحيط في الجنوب، واستراتيجية إحلال الواردات كانت بمنزلة نسخة حديثة لسياسة حماية الصناعات الوليدة النيوماركنتيلية.

ثًالث ا: العولمة والقومية الاقتصادية: حتمية التراجع في عالم الحدود المفتوحة

شهد الاقتصاد العالمي، منذ تأسس النظام الاقتصادي الجديد في بريتون وودز في سنة 1944، توسعًا هائلً في حجم الاعتماد الاقتصادي المتبادل ما بين الحدود، فيما أصبح يُوصف لاحقًا بالعولمة الاقتصادية. وهي العملية التي تعني تكثيف حجم تدفقات رأس المال والعمالة والمنتجات والأفكار عبر الحدود بطريقة تتجاوز قيود الحدود التقليدية للدولة24، ويصبح معها عامل السيادة أقلّ تأثيرًا في تدفّق المعاملات الاقتصادية العالمية. وعلى أساسٍ من ذلك، لا تُفهم العولمة الاقتصادية، من منظور ليبرالي، على أنها مجرد توسعة لنطاق التدويل، بل بصفتها عملية مستمرّة تستهدف التدرّج في إزالة المراقبة القومية للحدود وصولً إلى عالم الحدود المفتوحة كعالم طبيعي؛ فتحلّ التجارة العالمية محلّ التجارة الدولية والنقد العالمي محلّ النقد الدولي. وتصير العولمة بذلك إحدى وظائف عمليات التحرير؛ أي درجة إمكانية انتقال الأفراد والموارد والأفكار عبر الحدود من دون قيود تفرضها الدول. والحقيقة أنّ الليبراليين المتحمسين لهذا المسار يثبتون ادعاءاتهم إزاء هذا التغيير التاريخي من خلال إحصائيات إجمالية مذهلة؛ إذ شهد النصف الثاني من القرن العشرين فتحًا كبيرًا للحدود في التجارة، والاستثمار والنقد والتمويل الدوليين. ففي التجارة العالمية مثلً، نزل متوسط التعريفات الجمركية الخاصّة بالمصنوعات من 40 في المئة في ثلاثينيات القرن الماضي إلى 3 في المئة فقط في منتصف التسعينيات من القرن نفسه، وبعد جولة الأورغواي حلّت المنظمة العالمية للتجارة محلّ الاتفاقية العامّة للتعريفات والجمارك GATT General Agreement on Tariffs and Trade, وهي منظمة تتمتع بصلاحيات أكبر في فرض الاتفاقيات التجارية واتّباع

  1. Pryke, p. 287.
  2. Ibid.
  3. Eric Helleiner, "Economic Nationalism as a Challenge to Neoliberalism? Lessons from the 19 th Century," International Studies Quarterly , vol. 46, no. 3 (September 2002), p. 309.
  4. Albert Bergesen & Christian Suter (eds.), The Return of Geopolitics , World Society Studies Series (Zurich: World Society Foundation, 2018), p. 1.

طرق جديدة لعملية التحرير؛ بما ساهم في زوال القيود الرسمية على التجارة بين الدول المشاركة25. وبالنسبة إلى هؤلاء، مثّل سقوط جدار برلين خطوة أخرى حاسمة في مسار تشكيل نظام اقتصادي حرّ وغير مقيّد بقيود المصالح القومية الضيقة؛ فمع تعاظم الأدوار المنوطة بمؤسسات الاقتصاد العالمي الجديدة (صندوق النقد الدولي، والبنك العالمي، والمنظمة العالمية للتجارة)، وتزايد تأثير فواعل فوق ودون قومية أخرى في الاقتصاد العالمي، بات يتضح جليًّا أنّ المعاملات الاقتصادية بدأت تنفصل تدريجيًّا عن قيود الحدود الوطنية ورقابة الدولة المتدخّلة. في مثل هذه الظروف، تبدو بيئة الاقتصاد العالمي الجديدة نظريًّا بيئةً غير مواتية للقومية الاقتصادية، التي باتت تظهر كأنّها نظرية اقتصادية بمضمون أيديولوجي طاغٍ عفا عليه الزمن في عالم متغيّ غير العالم الذي نشأت وتطورت فيه. ومثلما صاغت الليبرالية السياسية أطروحة "نهاية التاريخ" لوصف التغييرات السياسية الحاصلة مع نهاية الحرب الباردة، قدّمت الليبرالية الاقتصادية أطروحة "نهاية الجغرافيا" لوصف التحولات الاقتصادية الموازية؛ إذ أصبحت القضية الرئيسة موضوع النقاش في الاقتصاد العالمي هي مسألة تجاوز الحدود الإقليمية Deterritorialization في عالم حرّ اقتصاديًّا ينزع بشدّة ليكون عالمًا بلا حدود World Borderless. وتشير هذه المسألة إلى إعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية الدولية وإعادة هيكلتها نتيجةً للتحولّات السياسية والمادية والتكنولوجية الحاصلة، لتصبح المعاملات الاقتصادية، كما المعاملات الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية، منفصلة عن ضغوط الحكومات وقيود المكان26. قدّم ريتشارد أوبراين في سنة 1990 تصوّرًا لوصف هذا التحوّل الحاصل في الاقتصاد العالمي. وعبّ من خلال أطروحته الشهيرة، "نهاية الجغرافيا"، عن نهاية الدور الذي يمكن أن تؤديه الدولة القومية باعتبارها محرّكًا للحياة الاقتصادية؛ بحيث أصبح مفهوم الدولة القومية عتيقًا في المجال المالي والاقتصادي. ويجادل أوبراين أنه بفضل تكنولوجيات المعلومات الجديدة أصبحت الجغرافيا أو الحدود الإقليمية للدول أمرًا باليًا بسبب الترابط العالمي في سوق عالميّة موحدة، وبفضل التكنولوجيا، اختُزِل المكان في رقاقة كمبيوتر يصعب التعرّف إلى إحداثياتها الجغرافية لذلك أصبحت نهاية الجغرافيا واقعًا لا يمكن إنكاره27. وفي السياق ذاته، كان توماس فريدمان Friedman Thomas قد لاحظ أنّه "الآن أصبح ممكنًا إنتاج منتج في أيّ مكان باستخدام مورد في أيّ مكان من جانب شركة تقع في أيّ مكان لكي يُباع في أيّ مكان." ليعبّ عن أطروحته عن العالم المسطّح سنة 2005، مجادلً بأنّ العالم أصبح مسطّحًا بسبب الغزو العام للعولمة العامة التي لا يمكن مقاومتها. لقد حاول فريدمان أن يبيّ كيف يمكن للناس عبر العالم التواصل والمنافسة والتعاون، أكثر فأكثر، بفضل القوّة الرائعة التي تمنحها الإنترنت التي مكّنتهم من الوصول إلى مسافات أبعد، وبسرعة أكبر، وأرخص من أيّ وقت مضى؛ وهذه العملية الجديدة ليست مجرّد عملية اقتصادية بل عملية ثقافية أيضًا28. لطالما كان دور الدولة المركزي في الاقتصاد جوهريًّا في تجارب القومية الاقتصادية وممارساتها، لكن خطاب العولمة يثير اليوم تساؤلات مشروعة، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو المجتمع، حول اعتماد القومية وحدةً للتحليل. وتتحفظ العولمة الاقتصادية بشأن الأمّة وحدةً للتحليل، فأكبر ادّعاءات العولمة الاقتصادية هو تراجع الاقتصادات الوطنية مع تقويض الأهمية النسبية للدول، والمجتمعات والثقافات؛ ذلك أن الاقتصاد الدولي الذي كان مكوّنًا من الاقتصادات الوطنية تحوَّل بسرعة إلى اقتصاد عالمي يتشكّل من فواعل اقتصادية فوق قومية، وأقاليم، وشبكات اقتصادية29. إن فعاليات الاقتصاد العالمي الجديد تكتسح الاقتصادات الوطنية، وتقوّض تدريجيًّا الأهمية النسبية للدول القومية والمجتمعات والثقافات الوطنية. ونتيجةً لذلك، تتجه الدول الوطنية والمجتمعات نحو مزيد من

  1. جان آرث شولت، "التجارة والموارد المالية العالمية"، في: عولمة السياسة العالمية، جون بايليس وستيف سميث (محرّران) (دبي: مركز الخليج للأبحاث، 2005)، ص.902-901
  2. Louis Sanguin, "End of Geography or Revenge of Geography? Human Societies Between a Smooth, Spiky or Flat World," Bollettino Della Società
  3. Richard O'Brien & Alasdair Keith, "The Geography of Finance: After the Storm," Cambridge Journal of Regions, Economy and Society , vol. 2, no. 2 (July 2009), p. 245.
  4. Sanguin, p. 448. 29  Helleiner & Pickel, p. 3.
  5. Geografica Italiana , vol. 7, no. 3 (2014), pp. 447-449.

التفكّك30. وقد سبق أن لاحظ المؤرخ البريطاني إريك هوبسباوم أنه إذا ما كانت القومية الاقتصادية جزءًا لا يتجزأ من عصر كانت فيه الدول قادرة على إقامة اقتصادات قومية، فإنه بعد أن تراجع هذا العصر ليحلّ محلّه عصر عالمي يكون فيه رأس المال متحركًا، بمعنى أن سبب وجود القومية قد قُوّض، ومن ثمّ فإنّها ستتراجع تلقائيًّا31؛ لأنّ العولمة ليست بيئة مواتية للقومية الاقتصادية، فعلى الرغم من أنّها لا تزال مذهبًا اقتصاديًّا ونهجًا سياسيًّا معارضًا لليبرالية الاقتصادية والعولمة، فإنّها لا تعدو أن تكون شكلً من أشكال الاحتجاج أو ردّة الفعل على قوى التغيير الاقتصادي العالمي المندفعة بقوة32. بالنسبة إلى المتحمسين للعولمة الاقتصادية، يتم فهمه التطورات الاقتصادية الحاصلة في الاقتصاد العالمي بوصفها جزءًا من تطوّر طويل المدى يتجه نحو مجتمع عالمي، وبأنّ فترة الحمائية في أوائل القرن العشرين وما قبله كانت مجرّد انعطاف مؤقت عن مسار تاريخي طبيعي لبناء مجتمع عالمي موحّد. وبهذا، وإذ تتضاءل العوائق القومية التقليدية أمام العمليات الاقتصادية بين الدول وترتفع التدفقات عبر الحدود للبضائع والخدمات ورؤوس الأموال والاستثمارات إلى مستويات لم يسبق لها مثيل، فإنّ "أسطورة" الدولة القومية قد انتهت أو على أبواب الانتهاء، ومعها ستنتهي مفاهيم الأمن الاقتصادي القائم على مركزية الدولة المتدخّلة في النشاط الاقتصادي.

رابعًا: مقاومة الحدود الاقتصادية المفتوحة: القومية الاقتصادية في أشكال متنك رة

يعتقد القوميون أنّ العولمة الاقتصادية حتى إنْ كانت من حيث هي مصطلح يعبّر عن اختزال قد يكون مناسبًا لوصف عملية التحوّل في الظروف الاقتصادية العالمية المتغيرة، فإنّ نهاية الدولة أو حتى تراجعها ليس بالوجه الآخر لهذه العملية. إن العولمة الاقتصادية، من منظور قومي، ليست أكثر من مجرّد حركات عابرة للحدود Cross-Border متزايدة الحدة والنطاق بالنسبة إلى الأشخاص، والسلع، ورؤوس الأموال، والاستثمارات والأفكار. ووفقًا لذلك، فهي ليست سوى عملية مكافئة للتدويل أو في أفضل الحالات درجة مكثفة منه. فبالرجوع إلى الإحصائيات، ووفقًا لمقاييس عدّة، بلغ النشاط الاقتصادي عبر الحدود مستويات مماثلة في القرن التاسع عشر بالنسبة إلى الهجرة، والاستثمار، والتجارة عبر الحدود، كما ازدهرت الأوراق المالية في مجال القروض والأوراق المالية، وعلى المستوى النقدي عمل الجنيه الإسترليني البريطاني المثبّت بقيمة معينة من الذهب، بوصفه عملة عالمية، جعلت المدفوعات عبر الحدود أكثر مرونة33. لذا، فإنّ ما يطلق عليها اليوم عمليات الحدود المفتوحة لا تضفي جديدًا في الواقع على طبيعة الاقتصاد الدولي منذ قرون، وكما يجادل القوميون ليست هناك حاجة إلى استبدال الاقتصاد الدولي بالاقتصاد العالمي؛ فلا تزال الدولة هي المتحكّمة في الاقتصاد الدولي وضابطة إيقاعه34. لا ترفض القومية الاقتصادية الاعتراف بالعولمة، بصفتها حقيقة واقعة، ولكنّها بدلً من ذلك تدركها من حيث هي عملية تنافسية بقيادة الدول، وليست تحت إدارة حرة ومحايدة للأسواق. ووفقًا لذلك تعكس العولمة فقط شكلً جديدًا من أشكال الصراع التقليدي على القوة بين الدول ولا تحلّ محلّه، كما أنها مشروطة وليست مسارًا حتميًّا؛ وهذا ما يجعلها قابلة لتحكم الدول فيها. فالعولمة يمكن أن تكون، كما كانت فعلً في الماضي، ضحيةً للتنافس وحتى الصراع المحتوم بين القوى المتنافسة على تحصيل القوة، ومن ثمّ تظلّ الأسواق خاضعة للدول وليست مستقلة عن السياسة35. وعلى أساسٍ من ذلك، يتحدّى القوميون الرأي السائد من أنّ العولمة تُفرز نموذجًا واحدًا مهيمنًا لاقتصاد السوق، ويجادلون بعدد من الحجج التي تؤكّد استمرار الاقتصاد القومي في ظل العولمة: فأولً، لا يعدّ توسيع النشاطات الاقتصادية خارج الحدود الوطنية مكافئًا لنهاية الاقتصاد الوطني؛ فبقدر ما تتجه النشاطات الاقتصادية كالتمويل، والتجارة، والاستثمار، بسرعة نحو العولمة، فإن نشاطات الإنتاج والاستهلاك

  1. 33 شولت، ص.899
  2. 34 المرجع نفسه، ص.896
  3. 35  Lairson & Skidmore, p. 9.
  4. 30  Pickel, p. 112.
  5. 31  Ibid., p. 282.
  6. 32  Ibid., p. 112.

لا تزال تحدث في حدود وطنية. ثانيًا، لقد صممت الدولُ القومية المهيمنة العولمةَ الاقتصادية؛ ومن ثمّ فالتحولّات الحالية للاقتصادات الوطنية في سياق العولمة الاقتصادية تبقى موجهة، ومحل تشكيل، أو تحت تأثير هذه الدول ومجموعات المؤسسات الدولية التي تهيمن عليها. ثالثًا، فإن التعميمات حول الاقتصاد العالمي اليوم، كما في الأمس، تتجاهل التنوّع الكبير في ظروف الاقتصادات القومية وشروطها. وبالنظر إلى الأهمية المستمرة للاقتصادات الوطنية، لا تزال الدول هي الجهات الفاعلة المركزية في الاقتصاد العالمي36. تظلّ الهوية الوطنية والاقتصاد مترابطين وتحكمهما علاقة وثيقة، وفي الحقيقة، يمكن أن تعزّز عمليات العولمة العلاقة بين الهوية القومية والاقتصاد بدلً من أنْ تُضعفها37. وكما يشرح أندرياس بيكل ذلك، فإن القومية هي ظاهرة عامّة تتوافق من حيث المبدأ مع مجموعة متنوعة من المحتوى الأيديولوجي من الفاشية إلى الليبرالية، ومن ثمّ قد يكون من غير المفيد نظريًا الاحتفاظ بمصطلح "القومية" لوصف نوع معيّ من العقيدة الاقتصادية، كما تفترض وجهة النظر التقليدية للقومية الاقتصادية. لأجل ذلك، لا ينبغي فهم القومية الاقتصادية على النقيض من الليبرالية الاقتصادية، بل على العكس حتى الليبرالية الاقتصادية نفسها قد تكون نوعًا من أنواع القومية الاقتصادية، كما أظهرت ذلك عمليات التحول الاقتصادي ما بعد انهيار الشيوعية38. في الواقع، إذا كانت عولمة أواخر القرن العشرين قد أكدت تقادم الحدود الوطنية كما يجادل الليبراليون المتفائلون، فإنه قد بات واضحًا، على نحوٍ متزايد، مع بداية القرن الحادي والعشرين، عودة النزعة القومية إلى الحياة من جديد؛ من دونالد ترامب في الولايات المتحدة إلى شينزو آبي في اليابان، وشي جين بينج في الصين، وفلاديمير بوتين في روسيا، ورجب طيب أردوغان في تركيا، وناريندرا مودي في الهند، حيث تملك هذه القيادات أجندات قومية. وعلى المستوى الإقليمي، تعاني تجربة التكامل عبر الوطنية، التي كان الاتحاد الأوروبي أفضل نماذجها، التوترات الاقتصادية بين أطرافها الجنوبية وقلبها في الشمال خصوصًا بعد أزمة انسحاب المملكة المتحدة منه Brexit، وفي أوروبا الشرقية، والشرق الأوسط والشرق الأقصى، تشهد النزعة القومية ارتفاعًا مماثلً. وعلى مستوى نمط الجبهة الوطنية، هناك صعود لافت لأحزاب اليمين المتطرّف المحافظة ولقيادات مثل ترامب في الولايات المتحدة وبوريس جونسون في بريطانيا. وكل ذلك يدفع إلى الاعتقاد أولً أنّ الأحداث العالمية لا تزال تحرّكها نزعة القومية السياسية المدفوعة بالولاءات الوطنية39، وإلى الاعتقاد تاليًا أنّ القومية الاقتصادية لم تنتهِ وأنّ كثافة العمليات الاقتصادية العابرة للحدود لم تلغِ دور الدولة المتدخلة في الاقتصاد لأسباب قومية. ورغم أن مبدأ الحرية الاقتصادية قد انتشر انتشارًا واسعًا وحظي بتأييد الاقتصاديين حول العالم، فإنّ الحكومات لا تزال تواصل اتباع سياسات حماية التجارة، والاستثمار والصناعة الوطنية، لتجنيب اقتصاداتها، ومجتمعاتها قبل ذلك، الصدمات المفاجئة في مناخ اقتصادي دولي يتسم بالمنافسة الشديدة بين الدول. ولا تزال القومية الاقتصادية تلهم اليوم أكثر السياسات الحمائية ومقاربات الدور المركزي للدولة في سلوكيات الدول الاقتصادية؛ فالقومية الاقتصادية لم تنتهِ على الإطلاق في عالم الحدود الاقتصادية المفتوحة، ولكنّها عادت إلى الانبعاث من جديد أحيانًا بأشكالها القديمة المتطرفة، وغالبًا بأشكال جديدة متنكّرة حتى في مراكز العالم الليبرالي. ويشرح ما يلي من نماذج في سياسات الدول الاقتصادية الشكل الجديد الخفيّ للقومية الاقتصادية، الذي ظاهره دعم سياسات التحرير بينما جوهره قومية متنكّرة.

1. نظرية الاستقرار بالهيمنة

يتمحور المحتوى الأساسي لهذه النظرية حول فكرة أنّ توزيع القوة بين الدول هو المحدّد الرئيس لطبيعة النظام الاقتصادي الدولي، وليس أيّ عامل اقتصادي آخر كالتخصص والتقسيم الدولي للعمل. وتحديدًا، فقط حين تمتلك دولةٌ واحدة قوّةً سياسية مهيمنة على حساب الآخرين، فإن من شأن ذلك أن يقود إلى تأسيس نظام اقتصادي دولي مستقرّ ومفتوح؛ لأنه بسبب الطبيعة التنافسية واحتمالية الصراع في النظام الدولي تستطيع القوة المهيمنة، بموارد اقتصادية راجحة، وضع معايير وقواعد للنظام الاقتصادي الدولي لضمان حدّ أدنى من إذعان الدول الأخرى وقبولها بالوضع القائم. وتقترح هذه النظرية، كما تجادل الواقعية دائمًا، بخضوع الاقتصاد للسياسة؛ ما يرجّح غلبة المصالح القومية للدول على حساب حرية وتنافسية السوق المزعومة في الاقتصاد العالمي. يتمثّل دور القوة المهيمنة، بفضل ما تملكه من قدرات رمزية واقتصادية وعسكرية،  في التنسيق بين الدول، حتى تشعر كلٌّ منها بتوافر الضمانات الكافية لفتح أسواقها وتجنّب سياسات إفقار الجار Beggar-thy-neighbor التي تسبّبت في أزمة الكساد العالمية قبل

  1. Helleiner & Pickel, pp. 6-7.
  2. Ibid., p. 1.
  3. Pickel, p. 105.
  4. Stephen Graham, "The End of Geography or the Explosion of Place? Conceptualizing Space, Place and Information Technology," Progress in Human Geography , vol. 22, no. 2 (1998), p. 2.

زهاء قرن40. وهي تقوم بذلك عن طريق سياسة العصا والجزرة؛ أي سلوك تعاوني إغرائي من خلال رعاية النظام الاقتصادي الدولي وتقديم المساعدات والامتيازات الاقتصادية للدول، وحتى فرض العقوبات الاقتصادية إن اقتضى الأمر لإجبارها على الإذعان والقبول ببنية اقتصاد دولي مفتوح. في مقابل ذلك، تستفيد القوة المهيمنة من رفع مستوى الدخل والنمو والقوة السياسية من دون تأثير سلبي في أمنها واستقرارها الاجتماعي، ومن دون تعريض الأمن الدولي للخطر41. لقد جادل كلٌّ من ستيفان كراسنر وروبرت غيلبين بأنّ بريطانيا أواخر القرن التاسع عشر، عبر اضطلاعها بهذا الدور، كانت قد شجّعت على سياسات التحرير في الاقتصاد الدولي ووفّرت الاستقرار أو كما أسماه تشارلز كيندلبرغر Charles Kindeleberger دور الموازن Stabilizer، وبأنّ الولايات المتحدة اليوم هي في الموقع نفسه لأجل أن تؤدي الوظيفة ذاتها42. وفعلًاضطلعت الولايات المتحدة، بسرعة وثبات، بدور المهيمن في عملية التأسيس لنظام تجاري مفتوح ونظام مالي مستقر بعد الحرب العالمية الثانية. ومثّل مشروع مارشال الاقتصادي بعد ذلك رمزًا صريحًا لدور الولايات المتحدة ومسؤوليتها الخاصّة من أجل الأمن والرفاهية خارج حدودها43. وتستمرّ الولايات المتحدة في أداء هذا الدور وعلى نحوٍ أكثر وضوحًا، بصفتها أكبر اقتصاد عالمي، منذ نهاية الحرب الباردة بعد استلامها دفّة القيادة الأحادية. إن هذه النظرية تقدم تطوّرًا لافتًا في الفكر الماركنتيلي، يُظهِر تطبيقات القومية الاقتصادية في القرن العشرين في أكثر أشكالها المتنكّرة، من حيث فهمها لنسق الاقتصاد العالمي الحر بصفته وسيلة للهيمنة. وفي حين كانت ماركنتيلية القرن العشرين تجادل بضرورة إدارة الدولة للتجارة بهدف تحقيق ميزان تجاري فائض، ترى الماركنتيلية المعاصرة أنّ التجارة الحرّة مرغوب فيها، لكنّها تكون مضمونة فقط حين تطبقها دولة مهيمنة بإمكانيات اقتصادية راجحة عالميًّا. 2. نظرية التجارة الاستراتيجية تشي سرعة انتشار صناديق الثروة السيادية للدول واستثمارات الشركات المملوكة للدولة في أسواق المال والتجارة العالمية بوجود علاقة سياسية قوية بين عمليّات دعم النمو الاقتصادي المحلي في اقتصاديات السوق الحرة والاستثمارات الحكومية الخارجية، فيما يمثّل تناقضًا صريحًا مع الأيديولوجيا الليبرالية، وانسجامًا واضحًا مع طرح القومية الاقتصادية؛ لأن قرارات الحكومات بخصوص الاستثمارات الخارجية لا تتحكم فيها غالبًا اعتبارات السوق، بل تخضع للاعتبارات السياسية، خصوصًا في القطاعات التي لها علاقة بالأمن القومي44. وتأسيسًا على ذلك، تجادل نظرية التجارة الاستراتيجية Strategic Trade Theory بأنّ الدول النامية ليست وحدها التي تمارس الحمائية لصناعتها الوليدة، بل حتى الحكومات في الدول الصناعية المتقدمة تمارس الحمائية في سياستها الصناعية الواسعة شكلً من أشكال القومية الاقتصادية. إن هذه الدول تحمي شركاتها الصناعية الكبرى، مثل شركات صناعة السيارات والصناعات الإلكترونية، ومن ثمّ مصالح تجارتها الخارجية، بطريقة استراتيجية لتوسيع فرص النفاذ إلى الأسواق العالمية، خصوصًا في الدول النامية. فالتنافس الشديد على دخول أسواق جديدة واحتكار الأسواق القديمة يستدعي تدخّل الدولة، الذي قد يكون مفيدًا أو حتى ضروريًّا للفوز بالأسواق؛ إذ إن الدول التي تتدخّل استراتيجيًا سيكون في إمكانها تحقيق أهداف قوميّة عالية على حساب الدول الأخرى، بينما ستكون الدول التي تفشل في دعم صناعتها استراتيجيًا خارج مجال المنافسة45. 3. الحمائية الجديدة في الاقتصادات الصاعدة بسبب الأزمات الاقتصادية المتتالية، كأزمة الديون في الثمانينيات والأزمة المالية الآسيوية في التسعينيات، أخذت الإصلاحات الاقتصادية في الدول النامية والاقتصادات الصاعدة تتباطأ أكثر بسبب التشكيك المتزايد في العولمة وسياسات التحرير المرتبطة بتوافق واشنطن؛ فحدث تحوّل في إدراك فاعلية سياسات التحرير لصالح مزيد من التدخّل الحكومي. ثم قدّمت الأزمة المالية سنة 2008 مبررًّا لمزيد من التراجع عن سياسات السوق الحرة وتقييد التدخل الحكومي في هذه الدول؛ فجاءت التدخلّات الحكومية بعد ذلك أكثر وضوحًا في السياسة الاقتصادية المحلية منها إلى الخارجية، وأخذت الحمائية الجديدة شكل عمليات الإنقاذ الضخمة من خلال الإعانات المالية وما يرتبط بها من حزَم التحفيز المالي في سياساتها النقدية46.

  1. Helen Milner, "International Political Economy: Beyond Hegemonic Stability," Foreign Policy , no. 110 (Spring 1998), p. 113.
  2. Michael C. Webb & Stephen D. Krasner, "Hegemonic Stability Theory: An Empirical Assessment," Review of International Studies , vol. 15, no. 2 (April 1989), p. 184.
  3. Ibid., p. 184.
  4. Milner, p. 114.
  5. Kathryn Lavelle, "The Business of Governments: Nationalism in the Context of Sovereign Wealth Funds and State- Owned Enterprises," Journal of International Affairs , vol. 62, no. 1 (Fall/ Winter 2008), p. 134.
  6. Falkner, pp. 21-22.
  7. Fredrik Erixon & Razeen Sally, "Trade, Globalisation and Emerging Protectionism since the Crisis," European Centre for International Political Economy, ECIPE Working Paper, no. 2 (2010), p. 6, accessed on 16/2/2021, at: https://bit.ly/3bbZmKn

تتدخل هذه الاقتصادات اليوم في اقتصاد السوق، من خلال التعاون بين القطاعيَن العام والخاصّ، كما أثبتت ذلك تجارب دول شرق آسيا التي كانت المنطقة الأكثر تطوّرًا في العالم في الربع الأخير من القرن الماضي. فقد حمت الدولُ في المجتمعات النامية الناجحة الصناعاتِ الوليدة، من خلال سياسات اقتصادية تدخّلية تتضمن: إدارة تدفقات الاستثمارات الأجنبية، وتخصيص القروض للصناعات الناشئة، وتشجيع الحصول على تكنولوجيات جديدة وتطويرها. وهو الأمر الذي وضع معايير وطنية للتصنيع والإنتاج، واتّباع سياسات ماليّة وضريبية تعزّز من المدّخرات الوطنية. ومن خلال ما يسمّى "السياسات الصناعية"، أظهرت حكومات هذه الدول أنّها لم تكن راضيةً بترك الأسواق تحدِّد مجال ميزتها المطلقة في التجارة الدولية ونوعها، فعملت بدلً من ذلك على خلق مجالات جديدة للميزة المطلقة تضمن لها تحقيق مصالحها القومية من التجارة47.

خاتمة

يبدو متعذّرًا في عالم اليوم مناقشة الاقتصاد العالمي المعاصر وتحليله، من دون أخذ مقدار التأثير المتبادل بين الاقتصاد والسياسة في الاعتبار. ويصعب لذلك فهم العولمة الاقتصادية المعاصرة من دون اقتصاد سياسي دولي، فمزيدٌ من الممارسات الاقتصادية في الواقع يظهر أنّ السياسات الخارجية للدول تستهدف التأثير في التجارة والتمويل والاستثمارات الدولية. وكمحدّداتٍ لسياساتها الخارجية، فإنّ هذه العوامل الاقتصادية تؤثّر بدورها في خياراتها السياسية في البيئة الدولية. ووفقًا لذلك، لا تعطي العولمة الاقتصادية سوى نزر ضئيل جدًّا من إثبات أنّ الولاءات الوطنية آخذة في الضعف والتراجع، وأنّ انقضاء الدولة القومية أصبح وشيكًا بالتبعية. فليس هنالك ما يثبت على نحوٍ كافٍ أنّ العولمة وانتهاء القومية وجهان لعملة واحدة، وعلى العكس تدفع سياسات الحمائية الجديدة المتزايدة إلى تأكيد أنّ فعاليات الاقتصاد العالمي لا تزال تحرّكها نزعة القومية الاقتصادية. بالنسبة إلى القوميين، لا تُعدّ العولمة الاقتصادية مكافئة لنهاية دور الدولة القومية بقدر ما تعني الزيادة في كثافة المعاملات عبر الحدود كمًّ وكيفًا بما يكافئ عملية التدويل. فالاقتصاد الدولي يظلّ مجالً للتنافس بين الدول، ولا يمكن أن يخضع لإدارة حرّة ومحايدة للسوق. ولا تُلغي العولمة الاقتصادية دور الاقتصادات الوطنية، ولا يمكن أن تَحلّ محلّها، بل هي تعكس فقط شكلً جديدًا من أشكال الصراع غير العنيف على القوّة والثروة والنفوذ. وعلى هذا الأساس، يبقى في وسع الدول التحكم في التدفقات عبر الحدود وتوجيهها بحسب ما تتطلب مصالحها القومية. فقد عادت الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب إلى استخدام التعريفات الجمركية على الصادرات الصينية حين استدعت ضرورة تقليص العجز في الميزان التجاري مع بكين، كما انسحبت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ويعزّز ذلك من صدقية الفرضية القائلة بأنّ القومية الاقتصادية لم تنتهِ، وأنّ كثافة العمليات الاقتصادية العابرة للحدود لا يمكن أن تلغي دور الدولة المتدخّلة في الاقتصاد لأسباب قوميّة. مع أنّ مبدأ الحرية الاقتصادية قد انتشر على نحوٍ واسع وحظي بتأييد الاقتصاديين حول العالم، فإنّ الحكومات لا تزال تواصل اتّباع سياسات حماية التجارة والاستثمار والصناعة الوطنية لتجنيب اقتصاداتها الصدمات المفاجئة في مناخ اقتصادي يتّسم بالمنافسة الشديدة بين الدول. ولا تزال القومية الاقتصادية تُلهم اليوم أكثر سياسات الحمائية ومقاربات الدور المركزي للدولة في سلوكيات الدول الاقتصادية. إن تدخل الدولة في مراقبة النشاط الاقتصادي وإدارته هو في الغالب فعّال؛ لأنّه يساعد على تصحيح ما يسمى "إخفاق الأسواق" وهي تلك الحالات التي تتُرَك فيها آلية السوق تعمل بمفردها بمعزل عن تدخل الدولة فتفرز نتائج غير كافية أو غير فعّالة؛ حيث تخفق الأسواق حين يتحكّم بائعون أو مشترون قلّةٌ في الأسعار، أو حين يملك بعض المشاركين في السوق معلومات خاصّة يخفونها عن شركائهم، أو حين تكون هناك حواجز غير تعريفيّة كثيرة تمنع الولوج الحرّ إلى الأسواق. وعلى هذا الأساس، تجادل الماركنتيلية، بصفتها نظرية قوميّة للاقتصاد، بأنّ إخفاق الأسواق أكبر بكثير ممّ تعترف به الليبرالية، وأنّ هذه الظروف تخلق الحاجة والفرصة معًا لسياسات تدخلية تصحيحية ضرورية تقوم بها الدولة. أخيرًا، إذا كان إسهام الماركنتيلية الأولى يكمن في إضفاء الشرعية على دور الدولة في ضبط النشاط الاقتصادي المحلي وتعزيز التوسع الاقتصادي الخارجي ولو باستخدام القوّة، فإنّ تطبيقات الحمائية المعاصرة المتنكّرة في نظريات الاستقرار من خلال الهيمنة والتجارة الاستراتيجية والشراكة بين القطاعيَن العام والخاص تقدّم تطوّرًا لافتًا في الفكر الماركنتيلي. فهذ التطبيقات لا تدافع صراحةً عن التدخّل المباشر للدولة في السوق، بل ترى أنّ السوق الحرّة قد تكون مرغوبًا فيها، لكنّها تكون مضمونة فقط حين تطبقها دولة قوية وبوسائل احترازية لمجابهة إخفاق الأسواق. وتأسيسًا على ذلك، فالقومية الاقتصادية لم تنتهِ على الإطلاق في عالم الحدود الاقتصادية المفتوحة، ولكنّها عادت إلى الانبعاث من جديد أحيانًا بأشكالها القديمة المتطرّفة، وغالبًا بأشكال جديدة متنكّرة حتّى في مراكز العالم الليبرالي نفسه.

  1. Lairson & Skidmore, pp. 9-10.

المراجع

العربية

جالبيرت، جون كينيث. تاريخ الفكر الاقتصادي: الماضي صورة الحاضر. ترجمة أحمد فؤاد بلبع. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2000 جون بايليس وستيف سميث (محرّران) عولمة السياسة العالمية. دبي: مركز الخليج للأبحاث،.2005 غيلبين، روبرت. الاقتصاد السياسي الدولي. دبي: مركز الخليج للأبحاث،.2004

الأجنبية

Bergesen, Albert & Christian Suter (eds.). The Return of Geopolitics. World Society Studies Series. Zurich: World Society Foundation, 2018. Bilgin, Pinar et al. Global Security and International Political Economy. vol. III. Oxford, UK: EOLSS Publishers, 2010. Crane, George. "Economic Nationalism: Bringing the Nation Back." Millennium: Journal of International Studies. vol. 27, no. 1 (1998). Emily, Tripp. "Realism: The Domination of Security Studies." E-International Relations. 14/6/2013. at: https://bit.ly/3hgNIPG Erixon, Fredrik & Razeen Sally. "Trade, Globalisation and Emerging Protectionism since the Crisis." ECIPE Working Paper. no. 2 (2010). at: https://bit.ly/3bbZmKn Falkner, Robert. "International Political Economy." University of London, International Programmes in Economics, Management, Finance and the Social Sciences, IR3026, 2011. at: https://bit.ly/3qsPi63 Graham, Stephen. "The End of Geography or the Explosion of Place? Conceptualizing Space, Place and Information Technology." Progress in Human Geography. vol. 22, no. 2 (1998). Helleiner, Eric. "Economic Nationalism as a Challenge to Neoliberalism? Lessons from the 19 th Century." International Studies Quarterly. vol. 46, no. 3 (September 2002). Helleiner, Eric & Andreas Pickel. Economic Nationalism in a Globalizing World. New York: Cornell University Press, 2005. Lairson, Thomas & David Skidmore. International Political Economy: The Struggle for Power and Wealth in a Globalizing World. New York: Routledge, 2017. Lavelle, Kathryn. "The Business of Governments: Nationalism in The Context of Sovereign Wealth Funds and State-Owned Enterprises." Journal of International Affairs. vol. 62, no. 1 (Fall/ Winter 2008). Louis, Sanguin. "End of Geography or Revenge of Geography? Human Societies Between a Smooth, Spiky or Flat World." Bollettino Della Società Geografica Italiana. vol. 7, no. 3 (2014). Milner, Helen. "International Political Economy: Beyond Hegemonic Stability." Foreign Policy. no. 110 (Spring 1998). O'Brien, Richard & Alasdair Keith. "The Geography of Finance: After the Storm." Cambridge Journal of Regions, Economy and Society. vol. 2, no. 2 (July 2009). Pickel, Andreas. "Explaining, and Explaining with Economic Nationalism." Nations and Nationalism. vol. 9, no. 1 (January 2003). Pryke, Sam. "Economic Nationalism: Theory, History and Prospects." Global Policy. vol. 3, no. 3 (September 2012). Smith, Antony. Nationalism and Modernism: A Critical Survey of Recent Theories of Nations and Nationalism. London: Routledge,1998. Távora, Filipe. "Mercantilist, Liberal and Marxist Responses to Economic Dilemmas." at: https://bit.ly/32Gy8sz

Webb, Michael C. & Stephen D. Krasner. "Hegemonic Stability Theory: An Empirical Assessment." Review of International Studies. vol. 15, no. 2 (April 1989). Williams, Paul (ed.). Security Studies: An Introduction. London and New York: Routledge, 2008.