موريتانيا بين جسامة الإرث الإنساني واستعصاء العدالة الانتقالية
الملخّص
تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة موضوع العدالة الانتقالية في موريتانيا من خلال محاولة التعرف إلى ما إذا كانت الخطوات التي قامت بها الدولة في هذا الميدان تتناسب مع التركة الثقيلة من انتهاكات حقوق الإنسان التي عرفتها البلاد. وتهدف إلى مساءلة تلك التجربة، بغية التعرف إلى الأسباب التي أدت إلى تعث رها. وتخلص إلى أن الإرهاصات الأولى التي عرفتها موريتانيا من هذه العدالة، على الرغم من أنها لم تعرف حتى الآن قيام نظام للعدالة الانتقالية، تبدو أقرب إلى نموذج العدالة التعويضية الذي أخذت به بعض البلدان الأفريقية، منها إلى نموذج العدالة العقابية الذي أخذ به كثير من البلدان الأوروبية ودول أميركا اللاتينية. ويُعدّ النموذج الأخير أكثر نجاعة نظرًا إلى أن العقاب على تلك الجرائم هو ضمانة مهمة لعدم تكرارها. كلمات مفتاحية: موريتانيا، العدالة الانتقالية، الإرث الإنساني، حقوق الإنسان، العدالة التعويضية. This paper determines whether the steps taken by the state towards transitional justice in Mauritania are commensurate with the heavy legacy of human rights violations witnessed in the country. It also seeks to hold that experience accountable, in order to identify the reasons for its failure. The article concludes that although Mauritania is yet to erect a transitional justice system, the first signs of such justice appear to be closer to the model of compensatory justice taken by some African countries than to the punitive justice model adopted by many European and Latin American countries. However, this latter model is more effective, since punishment for such crimes is a guarantee that it is not important to repeat them. Keywords: Mauritania, Transitional Justice, Human Rights Legacy, Human Rights, Compensatory Justice.
Mauritania between the Enormity of the Humanitarian Legacy and the Intractability of Transitional Justice
مقدمة
يُعدّ مفهوم العدالة الانتقالية من المفاهيم الحديثة نسبيًا التي كثر استعمالها في العقود الأخيرة، لوصف مجموعة من الإجراءات و"العمليات والآليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفهم تركة من تجاوزات الماضي الواسعة، بغية كفالة المساءلة وإقامة العدالة وتحقيق المصالحة، وقد تشمل هذه الآليات القضائية وغير القضائية على حد سواء، مع تفاوت مستويات المشاركة الدولية، أو عدم وجودها مطلقًا ومحاكمات الأفراد والتعويض وتقصّ الحقائق والإصلاح الدستوري وفحص السجل الشخصي للكشف عن التجاوزات والفصل أو اقترانهما معًا"1. ولعل من بين أهم شروط تحقيق العدالة الانتقالية في بلد ما "إصلاح مؤسساته العمومية؛ إذ يتعيّ تحويل المؤسسات العمومية في ذلك البلد من مؤسسات كل همّها المساهمة في إدامة الصراع وخدمة النظام التسلّطي والعمل على بقائه في الحكم، إلى مؤسسات تدعم الانتقال والسلام وتحافظ على سيادة القانون"2. بخلاف البلدان الغربية التي راكمت قدرًا لا بأس به من النجاحات، يلُاحظ عندما يتعلق الأمر بإقرار أنظمة العدالة الانتقالية أن بلدان العالم الثالث لا تزال تعاني تخلفًا كبيرًا في هذا الميدان يظهر بوضوح من خلال عرض وضعية هذه الدول في هذا المجال، سواء منها البلدان العربية بوجه خاص، أم الأفريقية والآسيوية عمومًا، حيث إن الأخيرة لم تنجح في أغلبيتها في إقرار أنظمة للعدالة الانتقالية تراعي الحد الأدنى من المعايير المطلوبة في هذا الميدان. تُعدّ موريتانيا من بين البلدان العربية التي شهدت في العقود الماضية انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، تنوّعت ما بين تصفيات واعتقالات وتهجير قسري، شملت أقليات قومية وإثنية (أحداث نهاية الثمانينيات)، واعتقالات وتعذيب وإعدامات لحقت عناصر انقلابية (المحاولات الانقلابية في أعوام 1981 و 1987 و 2003)، إضافة إلى حالات اختطاف خارج القانون لأسباب سياسية، وماضٍ إنساني آخر لا يقل إيلامًا يتمثل في ميراث العبودية والاسترقاق ومخلّفاتهما. ومن ثم، تُ ثل مجالً خصبًا وغنيًّا لاختبار مدى قدرة السلط الحاكمة في البلدان العربية على إقرار أنظمة فعالة للعدالة الانتقالية، من شأنها أن تساهم في مساءلة المجرمين وإنصاف الضحايا وتعويضهم، وجبر الضرر اللاحق بهم، تمهيدًا لإصلاح المنظومة القانونية والقضائية والأمنية من أجل منع تكرار أمثال تلك الانتهاكات مستقبلً. تستند الدراسة إلى ثلاث فرضيات، هي: لا يبدو أن هناك تناسبًا بين الميراث الجسيم من انتهاكات حقوق الإنسان الذي حصل في موريتانيا من جهة، وما جرى القيام به من خطوات متواضعة في ما يتعلّق بمحاولة إقرار نظام للعدالة الانتقالية في هذه الأخيرة، من جهة أخرى. على الرغم من الخطوات التي قامت بها السلطات الموريتانية، واستهدفت تعويض الضحايا وجبر الضرر الذي لحق بهم، فإنها بقيت ضعيفة التأثير نظرًا إلى أن المجرمين والجلادين السابقين ظلوا بمنأى عن أي نوع من العقاب أو المحاسبة. كان لتدخّل أطراف خارجية مثل فرنسا والسنغال في ذلك المسار المتعلق بالعدالة الانتقالية تداعياتٌ سلبية على ذلك الملف، كما ساهم في تسييس مسار العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان في موريتانيا، ما جعل النظرة إلى هذا الملف من السلطات الحاكمة في موريتانيا تتسم في أغلبية الأحيان بالكثير من الريبة والتوجّس والشك، وأدّت تلك الوضعية دورًا مهمً في عرقلة مساعي الأنظمة الحاكمة في موريتانيا لإقرار نظام للعدالة الانتقالية. وتحاول هذه الدراسة تقديم إجابة لسؤال العدالة الانتقالية في موريتانيا، من خلال تناول مدى التناسب الحاصل بين جسامة الإرث الإنساني في موريتانيا من جهة، والخطوات والإجراءات التي قامت بها الدولة في هذا البلد من أجل تأسيس لنظام للعدالة الانتقالية من جهة أخرى. وتتساءل أيضًا: أيّ علاقة يا ترى بين ثقل الإرث الإنساني في موريتانيا وتعثّها وعدم نجاحها في إقرار نظام للعدالة الانتقالية؟ إلى أي مدى تُعدّ موريتانيا متأخرة في هذا المجال مقارنةً بجيرانها، خصوصًا البلدان المغاربية؟ ما أهم الانتهاكات التي حصلت في موريتانيا وتستوجب إقرار نظام للعدالة الانتقالية؟ كيف يمكن أشكلة العلاقة بين العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في موريتانيا؟ هل للتعثر في إقرار الأولى علاقة بالتعثر الذي عرفه مسار الأخير؟ تنبع أهمية الدراسة من أن مفهوم العدالة الانتقالية يُعدّ من بين المفاهيم الإشكالية التي ما زالت لم تتبلور بالقدر الكافي من الوضوح، بسبب حداثته نسبيًا وكثرة استعماله لوصف سياقات مغايرة للسياق الذي أُنتج فيه، ما جعل منه مفهومًا جداليًا وغائمًا ومنفلتًا، كما عمّقت كثافة استعماله طابعه الإشكالي وحوّلته إلى مفهوم مرن وطيّع يتّسع لكل شيء ويمطَّط ويستعمَل كيفما اتّفق من دون أي ضوابط، على
نحو يجعل من الضروري التعرض له بشيء من الدراسة والتمحيص، بغية تبيين ما الذي نقصده في الحالة العربية، الأمر الذي تحاول هذه الدراسة أن تساهم فيه من خلال تناولها الحالة الموريتانية، كما تنبع أهميتها من ندرة الأدبيات التي تعرّضت للتجربة الموريتانية في ميدان العدالة الانتقالية. تستخدم الدراسة المنهج المقارن باعتباره منهجًا رئيسًا لها، كما تلجأ إلى الاستفادة من المنهج الديكروني، خاصة في ما يتعلق بتتبع أهم محطات الإرث الحقوقي ومآلاته في موريتانيا.
أولا: الإطار المفاهيمي للموضوع: قراءة في جينولوجيا المفهوم وتحولّاته
بالرجوع إلى جينولوجيا مفهوم العدالة الانتقالية والأطوار الأولى لنشأته، سنجد أنه نشأ بالتدريج شيئًا فشيئًا، وعبر سيرورة تاريخية طويلة ومعقدة، وسبقت نشأته على المستوى الدولي، في ما يبدو، نشأته على الصعد المحلية التي انتقل إليها بعد ذلك، وعرف عبر سيرورته التاريخية تلك ومراحل تبلوره المختلفة تحولّات عدة في المفهوم والممارسة، بحسب اختلاف الظروف الدولية أو السياقات السوسيو-اجتماعية، والخبرات التاريخية لمختلف البلدان. من حيث المبدأ، يمكن أن نعتبر أن البدايات الأولى لتبلور هذا المفهوم تعود إلى حقبة ما بين الحربين العالميتين، حين دفعت الانتهاكات الجسيمة التي لحقت حقوق الإنسان خلال الحرب العالمية الأولى على المستويات كافة، والعدد الكبير من الضحايا الذي خلّفته تلك الحرب والذي وصل إلى ما يقارب عشرين مليون إنسان، "المجتمع الدولي" إلى التفكير في ضرورة إنشاء نظام فعال للمساءلة الجنائية عن الانتهاكات التي تشمل حقوق الإنسان. ومن أجل معاقبة الجناة والمسؤولين عن تلك الانتهاكات وضمان تحقيق العدالة وعدم إفلاتهم من العقاب، تضمنت معاهدة فرساي لعام 1919 بنودًا تنص على ضرورة إنشاء محكمة دولية لمعاقبة الإمبراطور غليوم الثاني، إمبراطور ألمانيا، وباقي القادة والمسؤولين الضالعين في انتهاكات حقوق الإنسان، سواء أكانوا من الألمان أم من الأتراك أم من اليابانيين. مع ذلك، لم تأت الخطوة الأهم تجاه إرساء هذا المفهوم وتأسيسه فعليًا إلّ بعد ذلك بعقود، وتحديدًا بعد الحرب العالمية الثانية، وتمثلت في إنشاء محاكم جنائية دولية خاصة من أجل محاكمة مجرمي تلك الحرب، ومساءلتهم عن الجرائم التي اقترفوها في أثنائها. وهي الجرائم التي راح ضحيتها ملايين المدنيين الأبرياء. وبالفعل، حوكم بعض هؤلاء المجرمين، من خلال محكمتي نورمبيرغ وطوكيو اللتين أصدرتا أحكامًا بحق قادة ألمانيين ويابانيين متّهمين بجرائم ضدّ الإنسانية. غير أن هذه المحاكم وغيرها من محاكم أخرى دولية أو مختلطة، أُنشئت خلال تلك الحقبة للنظر في الجرائم السابقة المرتكبة في مجتمعات مزّقتها الحروب، وعلى الرغم من أنها ساعدت في إنصاف الضحايا وإعطاء الأمل ومكافحة إفلات مرتكبي تلك الجرائم من العقاب وإثراء فقه القانون الجنائي الدولي، فإنها كانت باهظة التكاليف، ولم تساهم كثيرًا في إقامة عدالة وطنية مستدامة3، كما لم تسلم تمامًا من التسييس، ومن بعض الازدواجية في المعايير، ولا سيما أن الأطراف التي أقامت تلك المحاكم وأنشأتها كانت هي في الغالب الأطراف نفسها المنتصرة في الحرب، وبناء عليه، لم تكن بعيدة عن اعتبارات الانتقام ومنطق تصفية الحسابات والرغبة في اجتثاث بقايا الأنظمة المهزومة. بيد أن الاهتمام ببلورة مفهوم العدالة الانتقالية سرعان ما انتقل من المستوى الدولي العام إلى المستويات الوطنية والمحلية الخاصة بكل دولة من الدول على حدة، وكانت بداية هذا التوجه الجديد في إرساء العدالة الانتقالية انطلاقًا من السياقات المحلية مع الأحداث الأليمة التي شهدتها دول أميركا اللاتينية في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته وتسعينياته، خصوصًا الأحداث التي شهدتها الأرجنتين في نهاية سبعينيات القرن الماضي وبداية ثمانينياته، وقادت إلى تأسيس نظام مميز للعدالة الانتقالية في ذلك البلد، هو النظام الذي أصبح يُعدّ في ما بعد بسبب ثرائه وغنى تجربة العدالة الانتقالية المرتبطة به، مرجعيةً للعديد من الأنظمة الانتقالية الأخرى في أميركا اللاتينية وأفريقيا، إلى الحد الذي أصبح يُعتقَد أن مصطلح العدالة الانتقالية وُلد في الأرجنتين4. سواء اعتبرنا أن مفهوم العدالة الانتقالية بدأ على الصعيد الدولي ثم انتقل إلى السياقات المحلية الوطنية، أم العكس، فإن النتيجة واحدة بالنسبة إلى البلدان العربية. فهذا المفهوم يبقى مستوردًا؛ نشأ في بيئة مغايرة وسياق سوسيو-اجتماعي مختلف عن البيئة والسياق في البلدان العربية، وفي الحصيلة، لا يختلف تطبيقه في الحالة العربية كثيرًا عن تطبيق هذه البلدان للديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرهما من مفاهيم مشابهة؛ إذ إن تعامل البلدان العربية مع موضوع العدالة الانتقالية يطبعه هو الآخر قدر كبير من
البراغماتية، حيث لم تتعامل هذه البلدان مع هذا المفهوم انطلاقًا من حاجتها الماسة إليه، بوصفه آليةً مُثلى لتجاوز تركة الماضي الأليم فيها؛ الماضي الذي شهد انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان لحقت فئات واسعة من مجتمعاتها، بغية كفالة المساءلة وإقامة العدالة وتحقيق المصالحة، وإنما تعاملت معه بوصفه أحد الشروط الشكلية التي لا بد من الالتزام بالحدّ الأدنى منها، لنيل رضا البلدان الغربية الكبرى ومؤسسات التمويل التابعة لها.
ثانيًا: حول الحاجة إلى العدالة الانتقالية في موريتانيا
من خلال التركيز على الحالة الموريتانية، نجد أن المقاربة الموريتانية لموضوع العدالة الانتقالية لم تخرج عن التوصيف السابق، حيث بقيت محكومةً في الغالب بمتطلّبات آنية، تتعلق بالرغبة في الخروج من مأزق ثقافي أو اجتماعي معين (أحداث عامي 1966 و 1968)، أو استجابة لضغوط قوى خارجية، أو من أجل الحصول على تمويلات أو قروض من مؤسسات التمويل الغربية 1992-1991()، أو بالسعي للخروج من أزمات معينة مثل أزمتي انقلابي عامي 2005 و 2008، أي الانقلابين اللذين فرضت الدول الغربية الكبرى على قادتهما شروطًا عدة من أجل الاعتراف بنتائجهما والتعامل مع السلطات الناشئة عنهما، وكان من هذه الشروط ما يتعلق بضرورة القيام ببعض الخطوات التي لها علاقة بمسار العدالة الانتقالية في البلاد. مع أن موريتانيا عرفت منذ الاستقلال عام 1960 انتهاكات جسيمة لحقت بحقوق الإنسان في ظل الحكمين المدني والعسكري وشملت مدنيين وعسكريين على حد سواء، فإن تجربتها في مجال العدالة الانتقالية ما زالت تعرف إرهاصاتها الأولى ويمكن وصفها في أحسن الأحوال بأنها تجربة قيد التشكّل. ومن ثمّ، فالحديث في هذه الدراسة عن العدالة الانتقالية في موريتانيا لا يعني إقرارًا بوجود نظام قائم للعدالة الانتقالية فيها، بقدر ما هو حديث في الأساس عن الحاجة إلى العدالة الانتقالية وعن ضرورة تأسيس نظام لها في موريتانيا لجملة من الأسباب، من أهمها: جسامة الإرث الإنساني في البلد، ويشمل من حيث الزمان حقب الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، إضافة إلى العقدين الأولين من القرن الحالي، ومن حيث الأنظمة الحاكمة التي حصلت في عهدها تلك الانتهاكات، فإن حصيلة هذا الإرث تشمل فترات حكم أغلبية الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم منذ الاستقلال حتى اليوم، كما تشمل التجاوزات التي حصلت خلال تلك الحقب أشكالً مختلفة وعديدة من الانتهاكات، مثل التصفيات العرقية والتهجير القسري والاعتقال خارج القانون والاغتيالات ومختلف أشكال التعذيب، إضافة إلى الفصل التعسفي والطرد من الوظائف العسكرية والمدنية وممارسة الرق والسُّخرة، وغيرها من ممارسات مهينة وحاطّة من الكرامة الإنسانية، إلى ما أشبه ذلك من انتهاكات وتجاوزات تعرّض لها مواطنون موريتانيون خلال تلك الحقب، كما يشمل من حيث المكان الذي وقعت فيه تلك الانتهاكات أغلبية المدن والولايات الموريتانية، بدءًا بالعاصمة نواكشوط، وصولً إلى أقصى مدن الشرق: ولاتة والنعمة، مرورًا ببعض مدن الشمال مثل الزويرات. شمولية الإرث الإنساني وتنوّع الفئات التي لحقتها تلك التجاوزات والانتهاكات في موريتانيا، راوحت بين أقليات عرقية معيّنة شهدت تصفيات عرقية، وشرائح اجتماعية معيّنة مورس عليها الغبن والظلم، مثل شريحة الحراطين (ساكنو الصحارى) التي تعرّض بعض أفرادها للاسترقاق، إضافة إلى قبائل استُهدف أفرادها بسبب تورط أشخاص منها في محاولات انقلابية، كما شملت تلك الانتهاكات والتجاوزات عسكريين بمختلف رتبهم من ضباط سامين إلى ضباط متوسطين إلى ضباط صف وجنود، فضلً عن مدنيين من مختلف المستويات من رؤساء ووزراء سابقين إلى ولُاة وحكام وبرلمانيين وعُمَد وغيرهم من مسؤولين، مرورًا بزعماء المعارضة ورؤساء الأحزاب السياسية وقادة النقابات والمثقفين والكتّاب وأساتذة الجامعات والصحافيين والمدوّنين والحقوقيين والمحامين، وغيرهم من قادة الرأي، وصولً إلى باقي قطاعات الشعب، مثل الطلّ ب والعمال والتجار والمزارعين، وغيرهم.
الخطورة التي يحملها التغاضي عن ذلك الإرث الإنساني على السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية في موريتانيا؛ إذ تعاني الدولة مشكلةً تتعلق بضعف الاندماج والوحدة بين مكوّنات المجتمع، يعود جزء منها إلى الميراث الاستعماري، وجزء آخر إلى كون المجتمع الموريتاني منقسمً أفقيًا عرقين: العربي والأفريقي (ولا نذكر في ما ننشره مصطلحات عنصرية "الأفريقي)"، كما أنه موزّع بين خمس إثنيات: العربية من جهة، وأربع إثنيات أفريقية من جهة أخرى: التكلور والساراكولي والوولف والسونونكي5. وإضافة إلى انقسامه أفقيًا، فهو منقسم عموديًا أيضًا إلى فئات ثلاث كبرى، بحسب الأدوار والوظائف التاريخية التي كانت تقوم بها كل فئة من تلك الفئات6، وهو انقسام تراتبي يحدّد لكل فئة منزلتها ومكانتها الاجتماعية. وعلى الرغم من أن هذا التقسيم الفئوي أو الوظيفي هو تقسيم ينطلق من معطيات تقليدية تعود إلى حقب تاريخية قديمة، ويتنافى مع الأسس التي تقوم عليها الدولة الوطنية المعاصرة، وخاصة فكرتي المواطنة والمساواة، الأمر الذي كان يفترض معه أن ينتفي ذلك التقسيم الوظيفي بمجرد قيام الدولة الوطنية، فإن بقايا هذا التقسيم الوظيفي التقليدي لا تزال ماثلة للعيان، ومن الصعب تجاهل دورها في بناء الدولة الموريتانية المعاصرة، ومن ثم تلقي تلك الانقسامات بظلالها على موضوع الإرث الإنساني في البلد، حيث لا يُنظر إلى تلك المظالم غالبًا من فئات عدة من المجتمع بوصفها انتهاكات وتجاوزات بحق مواطنين وأفراد، وإنما، في الكثير من الأحيان، باعتبارها استهدافًا لمكوّن من المكوّنات الوطنية، أو لعرق من الأعراق، وكلما مر الوقت من دون أن تتحقق العدالة الانتقالية أدّى ذلك إلى إذكاء النعرات التقليدية بمختلف أصنافها العرقية والشرائحية والقبلية، ما سيؤدي، ما لم يتم وضع حد له من الدولة، إلى توسيع الهوّة بين مكوّنات المجتمع والقضاء على أسس التعايش بين أعراقه وفئاته.
ثًالث ا: واقع الإرث الحقوقي ومحدداته في موريتانيا: جسامة الميراث وصعوبة التخلّص منه
بخلاف كثير من البلدان المجاورة التي استندت الدولة فيها عند قيامها إلى ميراث تاريخي من السلطة المركزية، وُلدت الدولة في موريتانيا مما يشبه العدم، وكان لذلك الأمر، بالتأكيد، تداعياته على المسيرة اللاحقة للدولة الوطنية، ما دامت لا تستطيع أبدًا أن تهرب من محدداتها التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية7، وهي المحددات التي كان على مسيّ ي الدولة الوطنية البناء عليها في حقبة ما بعد الاستقلال. علاوة على ذلك، بقي بناء دولة المواطنة والعدالة التي يتوق إليها جميع الموريتانيين من بين الأهداف الكبرى المؤجلة التي ينبغي للسلطات الحاكمة في البلد تحقيقها في أقرب الآجال. لكن، اتجهت السلطات المتعاقبة على الحكم في موريتانيا، في حقبة ما بعد الاستقلال، إلى التعويض عن نقص المشروعية الذي تعانيه عبر ممارسة القمع بأصنافه المختلفة، بدلً من أن تتّجه إلى بناء دولة القانون والعدالة التي من شأنها أن تستوعب جميع المواطنين ويجدوا فيها حقوقهم، حيث لم تكد تنجو فئة من الفئات أو تيار من التيارات من ذلك القمع وآثاره المختلفة، الذي كانت له عواقب وخيمة على سجل انتهاكاتها حقوق الإنسان، ولم يقتصر أمر تلك الانتهاكات والتجاوزات على العنف الممارس من الدولة، إنما كان هناك نوع آخر من العنف، مارسه الأفراد والمجموعات في مواجهة بعضهم بعضًا، مستغلين ضعف الدولة أحيانًا، وحيادها أحيانًا، وتشجيعها وتمالؤها تارة أخرى. سنسوق هنا بعض النماذج من تلك الانتهاكات والتجاوزات التي من شأنها أن تعطينا فكرة عن واقع الإرث الإنساني في موريتانيا والمحددات المتحكمة فيه، ويمكن أن نقترح تصنيفًا معيّنًا للإرث الإنساني الناتج من تلك الانتهاكات والتجاوزات، كما يلي:
1. إرث إنساني ناتج من ميراث الرق ومخلّفاته ورثت موريتانيا عن المستعمر نظامًا سياسيًا ضعيفًا، ودولة لا تقوم على ركن شديد من المشروعية، وسرعان ما وجدت نفسها - بفعل بعض القرارات التي كان ينبغي لها اتّخاذها - في مواجهة مجتمع ظلت بنياته الأساسية أعلى مما كانت عليه منذ قرون، وكان عليها فوق ذلك أن تتعامل مع جملة من المشكلات والمعضلات الاجتماعية والسياسية التي ورثتها من العهد الاستعماري، وفي مقدمها مشكلة الرق. لا يزال الرق، بحسب الرئيس الموريتاني السابق المختار ولد داداه 1978-1960()، موجودًا في المجتمع الموريتاني، بوصفه مخلّفًا من مخلفات الماضي، على الرغم من منافاته الإسلام الحقيقي ومنطق التاريخ. ويُعدّ مشكلةً من المشكلات المعقدة جدًا، حيث بقي يُ ارَس في المجتمع الموريتاني - على غرار باقي المجتمعات العربية والأفريقية وباقي المجتمعات الأخرى - طوال قرون عدة8، كما كان على دولة ما بعد الاستقلال، أن تكافحه بوصفه ممارسةً بائدةً، تضر بسمعة البلد ولا تنسجم مع أي من القوانين الوطنية والدولية9، علاوة عن كونه يُعرّض السلم الأهلي للخطر ويتنافى مع المساواة بين المواطنين ويناقضها، حيث يجعل بعضًا منهم خادمًا للآخرين10. على الرغم من أن الدولة أصدرت كثيرًا من التعميمات والقوانين التي سعت من خلالها لمكافحة هذه الظاهرة، بدءًا بالتعميم رقم 69/8 الصادر في 5 كانون الأول/ ديسمبر 1969 خلال حقبة الرئيس المختار ولد داداه، والقاضي بضرورة محاربة الممارسات الاسترقاقية، مرورًا بالأمر القانوني رقم 81/234 الصادر في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1981 إبان حكم الرئيس محمد خونة ولد هيدالة، والقاضي بإلغاء الرق، وصولً إلى القانون رقم 487/ الصادر خلال حقبة الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله 2008-2007()، وتحديدًا في عام 2007، والقاضي بتجريم الممارسات الاسترقاقية، فإن مسألة ضحايا الرق السابقين ما زالت تطرح نفسها بإلحاح، بوصفها واحدةً من أهم الأولويات التي ينبغي للدولة أن تجد لها حلًّ منصفًا ضمن منظومتها للعدالة الانتقالية، على أن يتضمن ذلك الحل جبرًا للضرر وتعويضًا عادلً للضحايا، يكون من شأنه رأب الصدع القائم حاليًا بين قطاعات المجتمع وبعضها بعضًا، وإجراء نوع من المصالحة التي غدت ضرورية بين ضحايا العبودية ومستعبديهم السابقين11. هناك كثير من المؤشرات التي تدل على أن مشكلة الرق ما زالت من المشكلات العالقة التي لم تجد بعدُ طريقها إلى الحل. ومن بين تلك المؤشرات، على سبيل المثال، العدد الكبير من المظاهرات والاحتجاجات التي يجري تنظيمها على نحو مطرد من ضحايا الرق السابقين، ومن الحركات السياسية والحقوقية المتبنّية قضاياهم، وهي مظاهرات واحتجاجات تطالب بإنصاف ضحايا العبودية السابقين وتعويضهم، ومعاقبة من استعبدهم. ومن بين المؤشرات أيضًا إنشاء الدولة الموريتانية في الآونة الأخيرة محاكم خاصة بجرائم الاسترقاق، وهي محاكم مختصة بالنظر في الشكاوى المرفوعة في إطار قانون تجريم الممارسات الاسترقاقية، وتقرر إنشاء هذه المحاكم بقرار من المجلس الأعلى للقضاء في 30 كانون الأول/ ديسمبر 2013 12، وهو القرار الذي جرى تفعيله من خلال تصديق الحكومة في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2015 على إنشاء ثلاث محاكم جنائية مختصة في قضايا الاسترقاق، على أن تدخل في اختصاص كل منها مجموعة من الولايات13؛ ما يعني إقرارًا ضمنيًا من الدولة بأن الجهود التي قامت بها حتى الآن ليست كافية للقضاء على مخلّفات هذه الظاهرة الخطرة. إضافة إلى ذلك، أعلنت منظمات حقوقية ناشطة عدة في موريتانيا، في السنوات الأخيرة، عن اكتشاف حالات عدة من العبودية، من هذه المنظمات، منظمة "نجدة العبيد" التي أعلنت في عام 2015
عن اكتشاف 15 حالة عبودية جديدة، في قرى نائية شرق البلاد14، حكمت محكمة النعمة المختصة في جرائم الاسترقاق بإدانة متّهميَن سبق أن ألقي القبض عليهما في ضواحي مدينة انبيكة لحواش الواقعة في ولاية الحوض الشرقي على الحدود مع مالي، بتهمة ممارسة الاسترقاق بحق سيدتين، وحكمت على كل منهما بالسجن خمس سنوات، مع دفع غرامة قدرها مليون أوقية (أي ما يقارب 3000 دولار أميركي.)
2. إرث إنساني ناتج من أحداث ذات طبيعة عرقية
يمكن أن نصنّف ضمن هذا الإطار العديد من الأحداث التي وقعت ضمن حقب تاريخية مختلفة، مثل أحداث عام 1966 15، وهي الأحداث التي اندلعت بسبب تذمّر التلاميذ الموريتانيين من أصل زنجي من القرار الذي اتخذه النظام الحاكم آنئذ والقاضي بتدريس اللغة العربية جنبًا إلى جنب مع اللغة الفرنسية، باعتبارها لغة رسمية، بدءًا من السنة الأولى الإعدادية، الأمر الذي أثار حفيظة التلاميذ الزنوج الذين اعتبروه استهدافًا لهم في الدرجة الأولى، فكان أن انخرطوا في سلسلة من الإضرابات والمظاهرات والاحتجاجات، معبّ ين عن رفضهم هذا القرار، ومطالبين بإلغائه، وسرعان ما عمّت تلك الإضرابات والمظاهرات مختلف المدارس الإعدادية والثانوية في أنحاء موريتانيا كلها16. بلغ الاحتقان أوجَه عندما توالت البيانات التي يعلن من خلالها الموظفون من أصل زنجي عن مساندتهم تلك الاحتجاجات، الأمر الذي ولّد ردة فعل قوية لدى التلاميذ من أصول عربية والمدعومين بدورهم من موظفين ومثقفين عرب، اعتبروا أن تلك الاحتجاجات تفتقر إلى الإنصاف، خاصة أن القرار الذي اتُّخذ هو قرار أصلً غير كافٍ، ولا يعدو أن يكون محاولة من النظام للالتفاف على مطلب شعبي وحق طبيعي لبلد عربي في ترسيم لغته17، وليس أمام النظام من خيار سوى أن يُقرّ بالحقائق المجتمعية القاضية بأن العرب يمثلون الأكثرية الساحقة من سكان موريتانيا، ومن ثم، لا مناص من اعتماد اللغة العربية لغةً رسمية وحيدة للتعليم في موريتانيا. ما زاد من خطورة الوضع أن احتجاجات التلاميذ الزنوج الذين احتجوا على هذا القرار وإضراباتهم، اتسمت بالعنف، الأمر الذي كادت أن تدخل معه البلاد، بحسب بعض المراقبين، في أتون حرب أهلية18. وبلغت تلك الأحداث ذات الطبيعة العنصرية ذروتها في 9-8 شباط/ فبراير 1966، عندما اندلعت مواجهات عنصرية بين التلاميذ من الطرفين، وراح ضحيتها، بحسب بعض الروايات، 6 قتلى و 07 جريحًا19. على الرغم من أن أهالي الضحايا والجرحى طالبوا بإنصافهم ورد الاعتبار إليهم، وأنه لا يمكن معالجة هذه الحوادث من دون معاقبة الجناة والمسؤولين عنها ومحاسبتهم، وهو الأمر الذي سرعان ما تظاهرت الحكومة بالاستجابة له، أعلنت عن تشكيل محكمة لمعاقبة الجناة، وتعهدت بملاحقة كل المسؤولين عنها، فإن تلك المحاكمة في النهاية أُلغيت، ولم يتعرّض الجناة لأي عقوبة، ولم ترقَ العقوبات التي قُررت بحق الضالعين في تلك الأحداث إلى مستوى خطورة الجرم الذي تسببوا فيه، واكتفت الدولة بالقيام بحملة اعتقالات واسعة في صفوف التيارين القوميين العرب والأفريقي، والإعلان عن رفضها الصارم هذا النوع من الأطروحات20. لم تكن هذه الأحداث الوحيدة ذات الطابع العرقي التي لها علاقة بالموروث الإنساني في موريتانيا، بل كان هناك أيضًا العديد من الأحداث الأخرى المشابهة، أهمها أحداث عام 1989 التي اندلعت في إثر الأزمة الحدودية بين موريتانيا والسنغال21، وهي الأزمة التي سرعان ما تحوّلت إلى أحداث عنف دموية ومذابح في كل بلد ضد مواطني البلد الآخر، راح ضحيتها الآلاف من مواطني البلدين ما
بين قتيل ومشرد22، كما ارتُكبت خلالها انتهاكات وتجاوزات مختلفة لحقوق الإنسان، وخلّفت إرثًا إنسانيًا أليمً، يصعب تجاوزه أو نسيانه، على الرغم من مضُيّ ثلاثة عقود كاملة عليها. كانت خسارة موريتانيا من تلك الأحداث مضاعفةً، حيث لم تشمل مئات الموريتانيين العرب الذين تعرّضوا للقتل بطرائق بشعة، مثل الذبح والحرق، ومئات الذين تعرضوا للتعذيب، أو آلاف ممن نُهبت أموالهم وفقدوا مصدر رزقهم الوحيد، أو المئات ممن هُجّروا قسريًا وطردوا من ممتلكاتهم ودورهم في السنغال، بل كانت هناك خسارة أخرى، تمثّلت في أن تلك المذابح والتهجير القسري شملت من الجانب الموريتاني أيضًا مئات الموريتانيين الزنوج الذين قتلوا وهُجّروا قسريًا من دورهم وأراضيهم، تحت ذريعة أنهم سنغاليون، أو أن لديهم صلة ما بالسنغال23. خلّفت هذه الأحداث الأليمة جراحًا عميقة في الذاكرة الجمعية للمجتمع، يصعب نسيانها أو تجاوزها، كما بقي ضحاياها، سواء من الموريتانيين العرب الذين تعرّضوا لتلك الانتهاكات والتجاوزات في السنغال، أم من الموريتانيين الزنوج الذين تعرّضوا أيضًا للانتهاكات والتجاوزات على الأرض الموريتانية واستُهدفوا من أبناء جلدتهم من الموريتانيين، يطالبون بتحقيق العدالة عبر إنصافهم وتعويضهم عن تلك الانتهاكات التي حصلت بحقهم، وجبر الأضرار التي وقعت عليهم، ومعاقبة الجناة والمجرمين الذين قاموا بها، لكن بقيت كل تلك المطالبات محل تجاهل من سلطات البلدين؛ إذ لا ترغب موريتانيا أو السنغال في نبش آلام الماضي واستعادته، حتى لو كان ذلك النبش والاستعادة ضروريين لإنصاف ضحايا تلك الحقبة وتجاوز آلامها، ومن أجل ضمان عدم تكرارها أيضًا، وهذا هو الأهم. إذا كان قد أتى على الدولة الموريتانية حين من الدهر، كانت فيه ترفض فتح أي من هذه الملفات، فإنها اضطرت، وتحت ضغط المنظمات الحقوقية الدولية والدول الكبرى في المنظومة الدولية، وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا، إلى القبول بفتح ملف الموريتانيين الزنوج الذين تعرّضوا لانتهاكات حقوق الإنسان على الأراضي الموريتانية من الدولة الموريتانية أو بتشجيع ورضا منها.
3. إرث إنساني ناتج من قمع السلطات فئات معينة
علاوة على ما سبق من انتهاكات وتجاوزات وقعت بحق أعراق أو شرائح معيّنة، هناك إرث إنساني آخر يرتبط بقمع الدولة فئات عمالية أو نقابية معينة؛ ففيما يتعلق بفئة العمال، فقد ظلت هذه الفئة منذ وقت مبكر من نشأة الدولة الموريتانية، تشكو حيف أرباب العمل وتجاهلهم حقوقها، وخرقهم المتكرر قوانين الشغل، وممالأة السلطات لهم على ذلك24، وقد ظلت ردة فعل هذه الفئة تأتي دائمًا في شكل سلسلة من الاحتجاجات والمظاهرات، وتقضّ مضجع الدولة وشركائها من الفاعلين الاقتصاديين25، وكان تعامل الدولة مع هذه الاحتجاجات والمطالبات في الغالب يتّسم بعدم التعامل معها بإيجابية، والاستعاضة بدلً من ذلك بقمعها، وهو القمع الذي لم يكن يمر في الغالب من دون أن يخلّف المزيد من الضحايا من قتلى ومصابين، بل وصل الأمر في بعض الأحيان إلى إقدام الدولة على القيام بمذبحة بحق العمال، كما حصل، على سبيل المثال، في أحداث الزويرات، في عام 1968 26. في المدة 28-25 أيار/ مايو 1968، أعلن عمال المناجم عن انخراطهم في أول إضراب شامل ومنظم يقومون به ضد الشركات الاحتكارية التي يعملون فيها، واعتصموا أمام مباني شركة "ميفرما" في تجمع كبير ضم ثمانمئة عامل موريتاني، وقدموا عريضتهم المطلبية إلى الشركة التي رفضت التفاوض بشأنها من الأساس27. أمام تعنّت الشركة وتخاذل الحكومة، وجّه المضربون نداء إلى جميع العمال القاطنين في المدينة وأسرهم للحضور إلى الساحة الكبرى
في المدينة، التي تفصل مساكن العمال وبيوت الموظفين الأجانب في الشركة. وسرعان ما وصل عدد المضربين إلى ستة آلاف شخص، الأمر الذي أخاف إدارة الشركة التي قامت فورًا بطلب النجدة من السلطات التي تدخلت على الفور، ووصلت إلى مسرح الإضراب وحدات من الجيش، مدجّجة بالسلاح، وقامت بمناورات عدة، هدفها تخويف العمال وتفريقهم، ولما لم تفلح جهودها، عمدت إلى إطلاق النار على جمهور العمال، ما أسفر عن سقوط 7 قتلى و 40 جريحًا كانت إصاباتهم متفاوتة28. على الرغم من اعتراف الدولة الصريح بمسؤوليتها عن تلك المذبحة، واعتذرت عنها عن طريق أكبر مسؤول فيها، أي رئيس الدولة، فإن الانتهاكات والتجاوزات بحق العمال لم تتوقف عند ذلك الحد، إنما استمرت خلال الحقب الموالية، سواء كانت تلك الانتهاكات والتجاوزات تأتي في شكل قمع دموي، أم كانت في شكل فصلهم تعسفيًا ومصادرة حقوقهم، وعلى سبيل المثال، شهد عام 2012 سقوط قتيل آخر من العمال بسبب القمع الممارس من الدولة، حيث قُتل أحد العمال بسبب استخدام مفرط للقوة من الحرس الوطني في أثناء فضّ هم اعتصامًا قام به عمال شركة النحاس في مدينة اكجوجت، شمال البلاد29. من الملاحظ، في النموذجين اللذين أوردناهما، كان قمع الدولة للضحايا مبالغًا فيه، ومع ذلك فإن الضحايا لم يتم تعويضهم ولا جبر الضرر الواقع عليهم، وتم الاكتفاء بالاعتذار في الحالة الأولى، والإنكار في الحالة الثانية، وعلى الرغم من أن هذه الحالات ليست سوى نماذج من القمع الذي يتعرّض له العمال والنقابيون في أثناء مطالبتهم بحقوقهم، وعلى الرغم من أن هناك العشرات الآخرين ممن فقدوا حياتهم أو أصيبوا بعاهات مستدامة بسبب قمع مماثل، فإن أغلبية هؤلاء الضحايا لم يتم إنصافهم ولا تعويضهم تعويضًا عادلً بسبب استعصاء تحقيق العدالة الانتقالية بشأنهم، ولا سيما. أ أن الدولة هي المسؤولة عمّ حاق بهم، ولا يتصوّر في بلد ما زالت تتحكم فيه ميكانزمات الحكم الاستبدادي مثل موريتانيا أن تقوم الدولة بمحاكمة نفسها.
4. إرث إنساني ناتج من الاغتيالات السياسية والمحاولات الانقلابية الفاشلة
يرتبط جزء كبير ومهم من الإرث الإنساني بسلسلة من الاغتيالات السياسية والمحاولات الانقلابية الفاشلة التي شهدتها البلاد، وهي اغتيالات ومحاولات انقلابية خلّفت العديد من الضحايا الذين قتلوا في الغالب من دون محاكمة، أو وفقًا لمحاكمات صورية وشكلية، لم تراعَ فيها أدنى متطلّبات المحاكمة وشروطها القانونية. بلغت تلك الاغتيالات ومحاولات الانقلاب ذروتها في الحقبة بين نهاية السبعينيات ومطلع التسعينيات، إذ اغتيل في أثنائها العشرات من الضباط والمدنيين، كما اختُطف بعض آخر ولم يُعرف مصيره حتى الآن، وراح بعض آخر منهم ضحية حوادث غامضة، ولا يُستبعد أن تكون تلك الحوادث مدبّرة، وأن يكون قد جرى اغتيالهم، ومن بين هؤلاء المقدم أحمد ولد بوسيف (رئيس الوزراء السابق) الذي سقطت طائرته قرب دكار في نهاية أيار/ مايو 1979، بعد أقل من شهرين على استيلائه على السلطة في إثر انقلاب داخلي قام به على رئيس اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني المصطفى ولد السالك30، ومن بين من فقدوا حياتهم في تلك الفترة نتيجة حوادث غامضة مفاجئة، وزير الداخلية الرائد جدو ولد السالك الذي راح هو الآخر ضحية حادث سير غامض، لم تعرف تفصيلاته حتى الآن31. تكرر الأمر نفسه مع العديد من الشخصيات العسكرية والمدنية الأخرى، منها والي انواذيبو إبان الانتخابات الرئاسية لعام 1992، ولد محمد أحمد الذي رفض توقيع محاضر الانتخابات التي اعتبرها مزوّرة، فجرى خطفه في طائرة وأُخفي قسريًا، ولم يظهر منذ ذلك الحين، ولا يزال مصيره غامضًا حتى اليوم. ومنهم كذلك قائد الأركان السابق، محمد الأمين ولد انجيان الذي اغتيل في ظروف غامضة إبان المحاولة الانقلابية التي قام بها الرائد صالح ولد حننا في 8 حزيران/ يونيو 2003، ولم تعرف حتى اليوم الجهة التي اغتالته32. لم تتوقف الانتهاكات والتجاوزات عند الاغتيالات السياسية، وإنما حصل الكثير من الإعدامات والاعتقالات والتعذيب، وهي أمور جرت في الغالب خارج القانون، نذكر منها: إعدام أربعة من قادة المحاولة الانقلابية التي جرت في، والتي اتُّهم المغرب بدعمها، وأ 16 آذار/ مارس 1981 جريت
تلك الإعدامات بعد محاكمة عسكرية شكلية وصورية، ورفض الرئيس حينها، محمد خونة ولد هيدالة، توقيف حكم الإعدام على الرغم من الكثير من الوساطات التي استهدفت إقناعه بالعدول عن تنفيذه33.. ب في عام 1987، قام النظام بحملة تطهير واسعة، شملت الضباط الزنوج، بتهمة التخطيط لمحاولة انقلابية ذات طابع عنصري، في إثر اكتشاف محاولة انقلابية خطّط لها ضباط زنوج ينتمون إلى تنظيم "أفلام الرديكالي"، وأ عدم ثلاثة ضباط زنوج، وحُكم على 40 آخرين بأحكام متفاوتة، وجرت محاكمة هؤلاء الضباط أمام محكمة عدل خاصة، كانت في حقيقة الأمر عبارة عن محكمة عسكرية، ترأسها عقيد مقرب من الرئيس معاوية ولد الطايع خلال فترة رئاسته، وغابت عنها أيضًا كل معايير المحاكمة القانونية34.
5. إرث إنساني ناتج من قمع الحركات السياسية ومعارضي أنظمة الحكم
يرتبط جزء آخر من الإرث الإنساني بقمعٍ تعرّض له معارضون سياسيون لأنظمة الحكم المتعاقبة، وضمن هذا الإطار، يمكن أن نصنّف جملة من الاعتقلات التي استهدفت رؤساء سابقين وقادة للمعارضة ووزراء ومسؤولين من مختلف الحقب السياسية، تعرّضوا للاعتقال السياسي في ظروف هي في الغالب مهينة وصعبة وغير قانونية. لعل من بين أكثر الحركات السياسية التي تعرّضت للقمع من النظام الحاكم، الحركة الوطنية الديمقراطية التي تعرّض مناضلوها وقادتها لصنوف من التنكيل، ومورست عليهم مختلف أشكال التعذيب من نظام الرئيس المختار ولد داداه، بهدف انتزاع الاعترافات منهم بالتهم التي كانت توجّهها إليهم السلطة الحاكمة35، كما حدث مع القادة النقابيين المتهمين بقيادة الإضرابات والمهرجانات وتنظيمها وتوزيع المنشورات خلال عام 1971، أمثال أباه ولد حمديت ومحمد سالم بن حي وجوف صمبا، أعضاء لجنة العمل العمالي، والمرابط بن حمديت36. ودفع انتشار أساليب التعذيب وممارسات القمع خلال هذه الحقبة مسؤولين كبارًا في الدولة والحزب إلى الاعتراف بتفشّ أساليب التعذيب هذه، والإعلان عن رفضهم إياها وتنديدهم بها، في رسالة بعثوا بها إلى رئيس الجمهورية الذي ردّ عليهم برسالة مطوّلة، عرض فيها بالتفصيل أسباب الاعتقالات والمحاكمات بأحداثها ووقائعها، ونفى علمه بأي شكل من أشكال التعذيب، وتعهّد برفض هذا الأسلوب مهما كان مصدره37. ضمن هذا النوع أيضًا، يمكن أن نصنّف تلك الانتهاكات التي لحقت بعض قادة الحركات السياسية، وخاصة من التيار الإسلامي وبعض السلفيين، والتي مورست بذريعة الحرب على الإرهاب، وحصلت غالبيتها في عهد الرئيس معاوية ولد الطايع في الفترة 2005-2003، وتمثّلت في اعتقالات واختطافات غير قانونية، وحالات تعذيب أيضًا، ومن أشهر تلك الاعتقالات تلك التي حصلت في عامي 2003 و 2004 لبعض رموز التيار الإسلامي وقادته، ومن أبرزها وأكثرها إيلامًا اختطاف السلطات الموريتانية الشاب الموريتاني محمدو ولد الصلاحي وتسليمه للأردن ليجري تعذيبه هناك، ومن ثم تسليمه إلى الولايات المتحدة، لينتهي به المطاف في معتقل غوانتنامو.
رابعًا: الإرث الحقوقي والأنظمة السياسية: مشكل واحد ومقاربات متعددة
على الرغم من أنّ مختلف الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد واجهت الإرث الإنساني نفسه تقريبًا، الأمر الذي يفترض معه أن تتشابه المقاربات المُتّبعة منها في ميدان العدالة الانتقالية، الأمر الذي كان من الممكن أن يؤدي مع الوقت إلى حصول تراكم في هذا المجال، فإنه يلاحظ، على العكس من ذلك، أنّ مقاربة تلك الأنظمة لموضوع العدالة الانتقالية عرفت العديد من الفروق الجوهرية ونقاط الاختلاف الواضحة. من بين تلك الاختلافات، على سبيل المثال، تباين هذه الأنظمة من حيث درجة الاعتراف بالتجاوزات والانتهاكات التي تحصل؛ فالرئيس المختار ولد داداه، على سبيل المثال أيضًا، كان يراوح باستمرار بين إنكار وجود بعض المشكلات من الأصل والاعتراف ببعض التجاوزات، مع محاولة إعطائها تبريرًا مقنعًا، ففي حين أننا نلاحظ أنه على سبيل المثال، ظل يصُرّ على إنكار وجود مشكلة الرق في موريتانيا في عهد الدولة الوطنية، يعترف في الآن نفسه بأن آثاره لا تزال موجودة وماثلة للعيان، على الرغم من أنه أصبح يُعدّ جزءًا من الماضي، وأنه لا يجد سندًا لبقائه، لا من دين ولا من قانون38.
اعتمد الرئيس ولد داداه، في مقاربته موضوع الرق، على التعميمات الإدارية من جهة، وعلى المراهنة على عامل الزمن من جهة أخرى. ويقول في هذا الإطار: "وعليه فليس من الممكن أن يختفي نظام الرق بين عشيّة وضحاها، لأن عنصر الزمن لا يمكن تجاهله، فحتى بعض ضحايا هذا النظام لا يطعنون فيه، فبالأحرى أولئك الذين يمارسونه، ولم تمنعنا هذه الملاحظة فور حصول بلادنا على استقلالها من العمل على القضاء على ظاهرة الرق، وتلك مهمة صعبة جدًا في بلد محافظ جدًا مثل بلدنا وواسع الأرجاء، وسكانه مشتتون عبر المجال، تعيش غالبيتهم العظمى بداوة ظاعنة"39. والموقف نفسه، تقريبًا، موقف الإنكار وعدم الاعتراف بوجود مشكلة، اتّبعه المختار ولد داداه في مقاربته مشكلة أخرى ترتبط بالإرث الإنساني، وهي المشكلة العرقية التي بقي يرفض، باستمرار، الاعتراف بوجودها من الأساس. أما الرئيس محمد خونة ولد هيدالة، ففضّ ل خيارًا آخر، وهو مواجهة المشكلة مباشرة واتخاذ قرارات جريئة بشأنها. وفي ما يتعلق بمسألة الرق، اعتبر أن إلغاءه قانونيًا وعلى نحو صريح هو السبيل الوحيد إلى وضع حد لتلك المشكلة40، لذا أصدر قرارًا يقضي بإلغاء الرق نهائيًا، واضطر في ظل الضغط الكبير الذي تعرض له من البنى التقليدية إلى مهادنتها عبر قبول تعويض الأسياد في مقابل الإلغاء41. ولم يلبث ولد هيدالة أن عزّز قراره السابق بقرار آخر يقضي بإلغاء الملكية التقليدية للأرض، وهو القرار الذي كان من ضمن أهدافه الكبرى تمكين الأرقاء السابقين من امتلاك الأراضي، الأمر الذي سيجعلهم قادرين على الاستفادة فعليًا من قرار إلغاء الرق السابق. أما الرئيس معاوية، ففضل أن يسلك طريق إنكار وجود أي مشكلة أو مجازر ارتُكبت في حق الأقليات العرقية، في محاولة منه لمواجهة اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان وُجّهت إليه من مختلف بلدان الغرب، وفي مقدمها الولايات المتحدة، حيث اعتبر تقرير صادر عن الكونغرس الأميركي عن حالة حقوق الإنسان في العالم، أن نظام الرئيس معاوية اعتقل في عام 1991 وعذّب وقتل مجموعة كبرى، تصل إلى ثلاثة آلاف شخص، من الزنوج من قبيلة معينة، هي قبيلة الهال بولار، وطالبت الولايات المتحدة بفتح تحقيق في ملفات حقوق الإنسان في موريتانيا، ومحاكمة المسؤولين عن تلك الانتهاكات والتجاوزات، واعتبرت ذلك شرطًا لعلاقات طبيعية مع موريتانيا42. في مواجهة ذلك الضغط الممارس من الدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا، عمد نظام الرئيس معاوية إلى اعتماد استراتيجية تقوم على نفي كل تلك الاتهامات، جملة وتفصيلً، كما رفض الاستجابة للمطالبات المتوالية بفتح تحقيق دولي في الموضوع، معلّلً رفضه بأن المسألة تتعلق بالمؤسسة العسكرية التي لا يمكن أن تنشر أسرارها للجميع43.
خامسًا: العلاقة بين التحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية في موريتانيا
هناك من يرى أن الانتقال الديمقراطي هو مفهوم غير دقيق، انتشر على نحو مفاجئ في اللغة اليومية، وفي أدبيات العلوم السياسية منذ أواخر الثمانينيات، ويتضمن الإشارة عشوائيًا إلى أنواع مختلفة من محاولات إرساء الديمقراطية، بما فيها "الانتقال إلى الديمقراطية"، بالمعنى الدقيق للكلمة، أي التحوّل من نظام استبدادي إلى نظام ديمقراطي، كما يشمل أشكالً أخرى من الانتقال لا ترقى إلى مستوى هذا الانتقال. ومن ثم، يُعدّ هذا المفهوم من المفاهيم التي يجب التعامل معها بحذر، بوصفها مصدرًا للعديد من الأفكار والسياسات والفلسفات المربكة44. أما البعض الآخر، فيرى أن التحول الديمقراطي إنما يقصد به معنى دقيقًا ومحددًا، وهو "القيام بمحاولة إجرائية وممارسة عملية وسعي جاد للانتقال من نظام سياسي تضعف فيه سلطة القانون ومؤسساته أمام قوة المصالح الخاصة للأفراد
المستبدين بالحكم، إلى نظام الكلمة العليا فيه للقانون ومؤسساته التي يحدد القانون ذاته وظائفها واختصاصاتها المتمايزة، بما يضمن تكافؤ الفرص بين كافة أفراد الشعب، ويحقق مستوى من التنمية البشرية والاقتصادية، يسمح لأفراد المجتمع بنيل حقوقهم وأداء واجباتهم"45. من هنا، يبدو أن هناك علاقة وطيدة بين التحول الديمقراطي من جهة والعدالة الانتقالية من جهة أخرى، فهذه الأخيرة، أي العدالة الانتقالية، تعمل على إعادة بناء المجتمع على نحو يضمن له الاستقرار، في أثناء اجتيازه مرحلة التحول الديمقراطي، وهي مرحلة بالغة الصعوبة، وهنا تبرز الوظيفة المزدوجة للذاكرة الجماعية، باعتبارها من جهة أحد أهم عناصر العدالة الانتقالية، ومن جهة أخرى إطارًا للتفكير في التفاعلات بين المكوّنات المختلفة للعدالة الانتقالية، وخاصة أن العدالة الانتقالية تهتم على نحو خاص بتحديد الطريقة المثلى للانتقال من دولة استبدادية لم تحترم حقوق شعبها بأي شكل من الأشكال، إلى دولة تحترم هذه الحقوق وتعطيها اعتبارًا خاصًا46. يحاجّ بعض المفكرين بعدم وجود عدالة انتقالية أو انتقال ديمقراطي في الأساس، محتجيّن على ذلك بكون الدول والمجتمعات هي أصلً في تطور اجتماعي وسياسي مستمر، ومن ثم، لا يمكن التمييز بين دول ومجتمعات في حقب "انتقال" وأخرى في مراحل "عدم انتقال"، ويحاول كل من فريمان وجوكيتش تقديم معيار للتمييز بين الحقب الانتقالية والحقب غير الانتقالية، معتبرين أن في سياق حرج من قبيل سياق العدالة الانتقالية، يجب أن يتم ربط مصطلح "الانتقال"، فحسب، بفترة الانتقال الرسمي من حالة الحرب إلى حالة السلام، أو من نظام استبدادي نحو نظام ديمقراطي47. من هنا جاءت التسمية أو المصطلح الذي يطلق على العدالة الانتقالية، وهو مصطلح عدالة ما بعد النزاعات والدكتاتوريات، وتعنى أساسًا باستراتيجيات مكافحة الإفلات من العقاب، وهي بذلك عبارة عن آلية للخروج سلميًا من حالات الصراع والنزاع والدكتاتورية، إلى حقبة جديدة يسودها السلم والعدل والديمقراطية48. يمكن النظر إلى العدالة الانتقالية من زاوية أخرى أيضًا، باعتبارها حركة حديثة نسبيًا لحقوق الإنسان، تربط بين العدالة من جهة، والسلم والديمقراطية من جهة أخرى، من خلال فكرة واضحة جدًا، تعتبر أن الطريق إلى الديمقراطية تمر حتمً عبر تعزيز العدالة والاعتراف للضحايا بحقوقهم، والحفاظ على الذاكرة الجمعية حيّةً، من خلال تخليد ذكرى تلك الانتهاكات والماضي الأليم المرتبط بها، وكلما اقترب مجتمع ما من تحقيق هذه الأهداف، تضاعفت أمامه فرص التقدم نحو مستقبل زاهر وسليم. وانطلاقًا من هذا التوصيف، تعتمد العدالة الانتقالية على أربعة تدابير أساسية: المحاكمة، والاعتراف بالحقيقة، وتعويض الأضرار، والقيام بإصلاحات إدارية49. وعلاوة على ما سبق، تعتبر العدالة الانتقالية من أهم الأسس التي يُعتمد عليها في إنجاح عمليات التحول الديمقراطي، نظرًا إلى كونها تمثل أداةً قوية لتحقيق نوع من الثقة بين المواطنين من جهة، والنظام الجديد من جهة أخرى50. بالرجوع إلى الحالة الموريتانية، سنلاحظ عدم وجود تناسب بين التحول الديمقراطي من جهة، والعدالة الانتقالية من جهة أخرى، فإذا كان من الصحيح أن التجربة الديمقراطية الموريتانية غير المكتملة بطبيعتها51، لا يمكن اعتبارها نموذجًا للعلاقة بين التحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية في باقي البلدان، ولا سيما أن التجربة الموريتانية للعدالة الانتقالية غير مكتملة هي الأخرى، كما سبق وأسلفنا. يلاحظ عدم التناسب هذا بوضوح خلال حقبة الرئيس معاوية، أي الحقبة التي شهدت الإرهاصات الأولى للتحوّل الديمقراطي في موريتانيا، حيث اتّخذ، وعلى نحو غير متوقع من نظام يخطو خطواته الأولى في مجال التحول الديمقراطي، بعض القرارات التي أفرغت العدالة الانتقالية الصورية التي كان قد بدأها من محتواها. لعل من بين أهم تلك القرارات، الخطوة التي أقدم عليها تلك المتمثلة في تصديق البرلمان الموريتاني في 24 أيار/ مايو 1993 مشروع قانون يقضي بالعفو عن المتهمين في قضية (مذبحة العسكريين السود)، حيث صدّق البرلمان بأغلبية ساحقة عليه، وينص على إسقاط الدعاوى كلها والاستعاضة عن ذلك بدفع تعويضات لأسر الضحايا والمتضرّرين52.
أما مقاربة الرئيس المخلوع محمد ولد عبد العزيز)2019-2009(لموضوع العدالة الانتقالية، فركزت على بُعدٍ آخر من أبعاد العدالة الانتقالية، هو بُعد إحياء الذاكرة الجمعية، حيث إنه قام في أثناء زيارته مدينة كيهيدي في جنوب البلاد، التي تنحدر منها أغلبية ضحايا أحداث عامي 1987 و 1989، بتأدية صلاة الغائب على أرواح ضحايا تلك الأحداث53، كما أصدر قرارًا آخر يصبّ في الإطار نفسه، وهو القرار الذي يقضي بضرورة تحديد الأماكن التي دُفن فيها ضحايا الإرث الإنساني54.
خاتمة
يمكن القول إن تجربة العدالة الانتقالية في موريتانيا ما زالت قيد التشكل. لذا، من المبكر الحكم عليها. لكن ذلك لا يمنعنا من تقديم بعض الملاحظات بشأنها، على النحو الآتي: تأخر إقرار نظام للعدالة الانتقالية في موريتانيا كثيرًا، ليس مقارنةً ببلدان العالم الثالث مثل دول أميركا اللاتينية والبلدان الأفريقية فحسب، بل أيضًا مقارنةً حتى بالبلدان المغاربية (المغرب وتونس والجزائر وليبيا) التي سبقت موريتانيا في تأسيس أنظمة للعدالة الانتقالية، مع تفاوت في حظوظها والنجاح في هذا المسار. لا يبرر الميراث الكبير من انتهاكات حقوق الإنسان الذي عرفته موريتانيا، بأي حال من الأحوال، تقاعسها عن تأسيس نظام للعدالة الانتقالية، تبدو في حاجة ملحة إليه من أجل الحفاظ على وئامها الاجتماعي وانسجام مكوّناتها الوطنية. على الرغم من أهمية الخطوات التي قامت بها السلطات الموريتانية واستهدفت تعويض ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد وجبر الضرر الذي لحق بهم، فإنها ليست كافية، ولا يمكن البناء عليها بمفردها في التأسيس لنظام العدالة الانتقالية المنشود، كما أنها ظلت ضعيفة التأثير، كونها لم تشمل النصّ على معاقبة المجرمين والجلادين السابقين الذين بقوا بمنأى عن أي نوع من العقاب أو المحاسبة، بل ما زال العديدون منهم يتولّون أكبر المناصب في الدولة. كان لتدخل أطراف خارجية (الولايات المتحدة وفرنسا والسنغال... إلخ)، على سبيل المثال، في ذلك المسار المتعلق بالعدالة الانتقالية وحقوق الإنسان في موريتانيا، تداعياتٌ سلبية عليه وتسييسه، ما جعل النظرة إلى هذا الملف من السلطات الحاكمة في موريتانيا تتّسم في أغلبية الأحيان بالكثير من الريبة والتوجس والشك، وأدّت تلك الوضعية دورًا مهمً في عرقلة مساعي الأنظمة الحاكمة في موريتانيا لإقرار نظام للعدالة الانتقالية، كما جعل بعضها يخشى من القيام بأي إصلاحات حقيقية في ميدان العدالة الانتقالية مخافة ما قد يترتب عليها من إضعاف للنظام، ما قد يجعله معزولً من كل أسلحته في مواجهة ضغوط خارجية لا قِبَل له بها. ليس إقرار نظام للعدالة الانتقالية مهمةً تقع على عاتق النظام الحاكم وحده، إنما هي مهمة تقع على المجتمع بأكمله، وبكل قواه الحيّة، بما فيها قوى المعارضة ومختلف الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني وغيرها من القوى. على الرغم من أن موريتانيا لم تعرف حتى الآن قيام نظام للعدالة الانتقالية، فإن الإرهاصات الأولى التي عرفتها من هذه العدالة تبدو في تصوّرها العام أقرب إلى نموذج العدالة التعويضية الذي أخذت به بعض البلدان الأفريقية، منها إلى نموذج العدالة العقابية الذي أخذت به العديد من البلدان الأوروبية ودول أميركا اللاتينية، في حين أن هذا النموذج الأخير هو الأكثر نجاعة، نظرًا إلى أن العقاب على تلك الجرائم هو ضمانة مهمة لعدم تكرارها. من بين أكبر المعوّقات التي حالت دون نجاح موريتانيا في إقرار نظام للعدالة الانتقالية حتى الآن هو أن الخطوات التي تمت بهذا الخصوص جرت بإيعاز ومباركة من الأشخاص أنفسهم الذين كانوا حاكمين في أثناء ارتكاب تلك الانتهاكات والتجاوزات، الأمر الذي جعل مختلف تلك المقاربات يطغى عليها النفَس التصالحي والرغبة في تجاوز الماضي المرتبط بتلك الانتهاكات والقفز عليه وغضّ النظر عنه، أكثر مما تطغى عليها الرغبة في الرجوع إلى ذلك الماضي بغية تنقيته وتصفيته مما علق به من شوائب والارتكاز عليه في الانطلاق إلى المستقبل. تُعدّ قوة البنى التقليدية في موريتانيا وتجذّرها في مختلف الميادين، هي الأخرى أيضًا من أكبر المعوّقات التي تحول دون قيام نظام للعدالة الانتقالية في موريتانيا، فهذه البنى التي شاركت بفاعلية في أغلبية التجاوزات والانتهاكات التي لحقت حقوق الإنسان في البلد، بدءًا بالانتهاكات المتعلقة بالرق، وصولً إلى التصفيات العرقية، ظلت تعترض كل محاولة من الدولة لإنصاف ضحايا تلك الأحداث أو معاقبة الأشخاص الضالعين
فيها، وفي حالات عدة، كان النظام يضطر إلى التخلي عن بعض الإصلاحات في ميدان العدالة الانتقالية تحت تأثير تلك البنى وبضغط منها. كان العامل الأساسي الذي تسبب في تعثر مختلف المحاولات التي قامت بها الأنظمة السياسية في موريتانيا من أجل بناء نظام للعدالة الانتقالية، بما فيها المحاولتان اللتان يمكن أن نعتبرهما الأكثر جدية: المحاولتان اللتان قام بهما كل من الرئيسين سيدي ولد الشيخ عبد الله ومحمد ولد عبد العزيز، قد جرتا في ظل النظام السياسي نفسه، حيث كانت الشخصيات المحورية والمؤثرة في كل من النظامين، في أغلبيتها، ضالعة ومتورطة في أحداث تتعلق بملف الإرث الإنساني، وخاصة الإبادات والتهجير القسري الذي تعرّضت له الأقلية الأفريقية في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، ومن ثم لم يكن من الوارد أن تسائل تلك الشخصيات الجُناة الذين هم في مقدمهم. تبيّ لنا التجربة الموريتانية بوضوح أنه يصعب، إن لم يكن من المتعذر أصلً، تطبيق نظام للعدالة الانتقالية في ظل السياق السلطوي نفسه الذي أنتج انتهاكات حقوق الإنسان؛ ذلك أن إحدى أكبر المعضلات والمعوّقات التي حالت دون قيام نظام للعدالة الانتقالية في موريتانيا تمثلت بأن مختلف الأنظمة التي تعاقبت على الحكم كانت على نحو ما تمثّل استمرارية لنظام واحد، فمن وصل إلى الحكم بعد الرئيس المختار ولد داداه، كان يُعدّ جزءًا أصيلً من نظام حكمه، والأمر ذاته يمكن قوله عمّن خلفوا الرؤساء محمد خونة ولد هيدالة ومعاوية ولد الطايع ومحمد ولد عبد العزيز في الحكم، ومن ثم، فإن وصول المعارضة إلى الحكم في موريتانيا، ربما يكون قد غدا بمنزلة الشرط الأساسي والأولّي لقيام نظام للعدالة الانتقالية في موريتانيا، وهو أمر لا يبدو أنه قد يحصل في المدى القريب، نظرًا إلى اعتبارات كثيرة ليس هذا مقام التفصيل فيها. أخيرًا، فإن الحالة الموريتانية في ميدان العدالة الانتقالية تكشف لنا بوضوح أن هناك علاقة وطيدة بين تأسيس نظام للعدالة الانتقالية في بلد ما، وضرورة إقامة عدالة اجتماعية فيه، حيث تتطلّب تصفية ميراث الرق على سبيل المثال الذي هو ميراث حقوقي وإنساني أليم في موريتانيا تأسيسَ نظام للعدالة الانتقالية، وتتطلّب في الوقت ذاته تحقيق العدالة الاجتماعية.
المراجع
العربية
الأمم المتحدة، مجلس الأمن. "العدالة وسيادة القانون: دور الأمم المتحدة، تقرير الأمين العام عن سيادة القانون والعدالة الانتقالية ". الجلسة في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع 5052. 2004/10/6 في https://bit.ly/3kbrykz:. الأمم المتحدة، مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. أدوات سيادة القانون لدول ما بعد الصراع: فحص السجلات، إطار تشغيلي. نيويورك/ جنيف: الأمم المتحدة، 2006:. في https://bit.ly/3kmNdGV بن أحمدو، محمد سعيد. موريتانيا بين الانتماء العربي والتوجه الأفريقي: دراسة في إشكالية الهوية السياسية، 1960 - 1993. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2003 بوجلال، صلاح الدين وشافية بوغابة. "العدالة الانتقالية في النموذج الأرجنتيني: نضال من أجل المساءلة." حوليات جامعة الجزائر. مج 32، العدد 4 (كانون الأول/ ديسمبر.)2018 الحيالي، عبد الأمير عباس. "أبعاد الصراع الموريتاني - السينغالي في مجلة الفتح (جامعة ديالى.) العدد حوض نهر السينغال." 34.)2008(رومان، هويدا عدلي. "أبعاد الصراع الموريتاني - السينغالي." مجلة السياسة الدولية. العدد 98 (تشرين الأول/ أكتوبر.)1989 مارشزين، فيليب. القبائل، الإثنيات والسلطة في موريتانيا. ترجمة محمد ولد بوعليبة. نواكشوط: دار جسور للنشر،.2014 المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية. التقرير الاستراتيجي لموريتانيا 2012 - 2013. نواكشوط:.2014 ________. التقرير العام لموريتانيا 2014. نواكشوط:.2015 ________. التقرير العام لموريتانيا 2015 - 2016. نواكشوط:.2017 نعيمة، عزوق. "دور العدالة الانتقالية في دعم مسار الانتقال مجلة الرواق الديمقراطي تونس أنموذجًا 2017-2011(. مج.") 4، العدد 1 (حزيران/ يونيو.)2018 ولد السعد، محمد المختار ومحمد عبد الحي. تجربة التحول الديمقراطي في موريتانيا: السياق - الوقائع - آفاق المستقبل. سلسلة دراسات استراتيجية 149. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2009
ولد سيدي باب، محمد الأم.نن مظاهر المشاركة السياسية في موريتانيا. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2005 ولد سيدي محمد، محمد المختار. الرحيل إلى الدولة: المجتمع والدولة في موريتانيا من 1961 - 1978. نواكشوط: المكتبة الوطنية،.2012 ولد محمد أحمد، سيد إبراهيم. "الحزب الواحد وتطور الحياة السياسية في موريتانيا." رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في العلوم السياسية. كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية. جامعة محمد الخامس. الرباط،.1990-1989 ولد محمد، يعقوب. "التركيبة الإثنية والاستقرار السياسي في الجمهورية الإسلامية الموريتانية." بحث لنيل درجة الماجستير في العلوم السياسية. معهد البحوث والدراسات العربية. القاهرة،.1996 ولد هيدالة، محمد خونة. من القصر إلى الأسر: تجربة رئيس مع أطول سجن سياسي في موريتانيا. نواكشوط: منشورات وكالة أنباء الأخبار المستقلة،.2012 يحياوي، هادية. "العدالة الانتقالية والتحول الديمقراطي." مجلة الباحث للدراسات الأكاديمية. مج 2، العدد 2 (حزيران/ يونيو.)2015
الأجنبية
Andrieu, Kora. "Confronter le passé de la dictature en Tunisie: La loi de 'justice transitionnelle' en question." Institute De Relations Internationales (IRIS) (May 2014). at: https://bit.ly/2ZBuQnI Diouf, Abdou. Mèmoires. Paris: Seuil, 2014. Fregosi, Renée. "Transition démocratique." traduction de l'article du dictionnaire de science politique. de l'Université du Chili. 19/12/2011. at: https://bit.ly/3qJAe46 Ould Daddah, Mokhtar. La Mauritanie contre vents et marées. Paris: Karthala Editions, 2006. Tobbia, Mariangela. "La mémoire collective aux temps de la justice transitionnelle." Thèse de doctorat en Philosophie. Université de Montréal, 2016.