الأقليات والبناء الوطني في سورية الأسد * *
الملخّص
تخرج هذه الدراسة من الخطاب المتعلق بالأقليّات، بوصفها ضحايا، لتقدمها بوصفها فواعل تاريخية متعدّدة الأبعاد، وتحل ل علاقتها بالحداثة السياسية والبناء الوطني. وتبين كيف عُززت الطوائف، وكيف سمحت الأقل يات المسكونة بثقافة عثمانية بأن تتلاعب بها النخبُ الدينية والعشيرة الحاكمة. لقد غذ ى نظام الأسد الذي تدعمه الطائفة العلوية الزبائنية الخوفّ من الإسلام السن ي، ونفذ على مراحل "عملية نسف وطني"، بدأت منذ عام 1970. يضاف إلى ذلك أن الأزمة التي بدأت عام 2011، ورافقها قمع عنفي شديد، قد تحولت إلى حرب أهلية؛ ما شجع نظام الأسد على المستويين المذهبي والسياسي، فاستعمل مفردات مذهبية معارضة للسن ة بشدة، وموالية للشيعة وإيران. وبات يرى في دمشق عًاصمةّ للأقل يات، في إطار إرادة تسعى لإعادة تغيير ديموغرافي في سورية. وتناقش الدراسة العوامل التي تتيح التفكير في مستقبل لسورية متعدّدة الطوائف، وتركز على مسألة نموذج الدولة الذي يجب إعادة تحديده، آخذ ا في الحسبان وجود جميع الطوائف التي تتشارك في الثقافة السياسية نفسها، وتطالب جميعها، بما فيها السن ة، بالضمانات. كلمات مفتاحية: سورية، نظام الأسد، الأقليات، بناء الأمة. This study breaks from the prevailing discourse portraying minorities as victims, presenting them as multi-dimensional historical actors and analysing their relationship with political modernity and national construction. It demonstrates how sectarian differences were sharpened and Ottoman culture facilitated the manipulation of minority groups by religious elites and the ruling clan. The Assad regime, supported by Alawi clientelism, fuelled fear of Sunni Islam. In addition, the revolution that began in 2011 , accompanied by severe violent repression, has turned into a civil war. The Assad employs sectarian vocabulary that targets the Sunni majority in favour of the Shia minority and Iran. It views Damascus as the capital of minorities, seeking to restore demographic change in Syria. The study discusses factors to encourage a pluralist future Syria and focuses on the issue of the state model that must be redefined, taking into account the existence of all sects that share the same political culture, and all of them, including the Sunnis, demand guarantees. Keywords: Syria, The Assad Regime, Minorities, Nation-building.
Minorities and the National Structure in Assad's Syria
مقدمة: توضيح الرهانات
تثير الصراعات الكبرى في الشرق الأدنى التي جرت في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين تساؤلاتٍ وشكوكًا لدى المؤرخين لا يمكن تحاشيها؛ لأنّ الأزمات والصراعات تشجّع صعودًا مزدوجًا مجدّدًا للتاريخ والأنثروبولوجيا. على هذا النحو، فرضت الحرب الأهلية اللبنانية العنصر الطائفي، بوصفه معيارًا تحليليًّا رئيسًا في زمن كان فيه الجامعيون يغلّبون كلًّ من العاملَيْ الاقتصادي والاجتماعي على أيّ عامل آخر. وتفرض الحرب الراهنة في سورية أيضًا وجوب طرح مسألة الأقلّيات على نحو واضح. بالفعل، ومن خلال رزمة المسبّبات التي تضيء المراحل المتنوّعة للأزمة السورية، تبدو مسألة الأقلّيات معطىً رئيسًا فيها، ومعطىً لا يمكن فصله عن المسألة الطائفية، أو بتعبير آخر، يرتبط في ماهيته بالمسألة الطائفية. ومع ذلك، تظل مسألة الأقلّيات المسألة التي لم تحظَ بالتحليل الكافي؛ لأنها على الأرجح أشد إثارة للسجال وتعرّضًا للأدلجة. وتتركّز اليوم نظرات العالم بأسره على الفاعلين المهميّن الإقليميين والدوليين، وعلى الرهانات الجيوسياسية، وأكثر من كلّ ذلك، على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش." وجميعها يتجنّب التفكير في العوامل الداخلية للمجتمعات المأزومة. لهذه الأسباب مجتمعةً، فإنّ هذه الدراسة تنأى عن التحليلات الرائجة، وتحاول تسليط الضوء على جوانب أساسية في العملية الأقلّوية. بل يظهر هذا التفكير على أنّه ما زال قيد الإجراء، لا بل تجريبي الطابع، ويستدعي امتدادات لاحقة. إنّ الهدف الأول لتفكيرنا، هنا، يسعى للخروج من الخطاب الخاص بالأقلّيات، بوصفها ضحايا؛ لكي نعتبر الأقليات فواعل تاريخية متعددة الأبعاد، وتحليل علاقاتها ب "الحداثة السياسية" وبالدولة. والسؤال الذي يُطرح بشأن ما يتعلّق بالتقسيمات المجتمعية المتنوّعة التي رافقت الحروب الأهلية التي تلت الاستقلال (في لبنان وسورية، كذلك في العراق)، هو أن نعرف بدقة لماذا عملت الأقليات حينما كانت في السلطة، سواء أكانت مارونيّة أم علويّة أم شيعيّة، موضوعيًا ضد البناء الوطني، وهي التي كان تاريخها الأسبق يحوّلها إلى محامين مقتنعين مدافِعين عن المواطنة المتساوية في الدولة الحديثة؟ في هذه الأثناء، ثمة حاجة إلى تدقيق منهجي، فأنا لا أتجاهل - حتى لو أنني لا أعالج المسألة هنا - المعارضات الاجتماعية والاقتصادية الموجودة داخل الطوائف، إذ لا وجود لطائفة تشكّل كتلة واحدة. لكن يبدو لي أساسًا أنّ هذه المعارضات الداخلية، إذا ما شكّلت عناصرَ لديناميّاتٍ اجتماعية وسياسية، فإنّها لا تشكّل بأيّ طريقة ممكنة قوى مهمّة موجِّهة للتعبئة السياسية، كالعوامل المشكِّلة للثقافة الاجتماعية1. وبناءً على هذا، يجب البدء بتوضيح العنصرين المشكِّلين لطرحي هذا؛ أولهما الأقلّيات، فالواقع الأقلّوي حقيقة تاريخية، وهو مرتبط هنا بظهور الإمبراطورية الإسلامية2. يتبن لنا ذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حينما ظهرت تسمية "أقلّية" ظهورًا رسميًا. وفي هذا السياق، لا بدّ من توضيح أنّ فكرة المساواة غير موجودة في إمبراطورية تعود إلى نظام بائد، فهي مفهوم ظهَرَ مع الحداثة السياسية، وأنّ كل إسقاط لفكرة المساواة على تاريخ سكّان المنطقة قبل الإصلاحات العثمانية، إنّ ا يشكّل مفارقة تاريخية واضحة. وثانيهما الطوائف، فالواقع الطائفي على الرغم من كلّ شيء واقع أنثروبولوجي، جوهرًا وأساسًا3. والخصوصية الأولى للمجتمع العربي في الشرق الأوسط تتأتّ من طريقة التجميع التي تُدمِج الفرد في سلسلة من الدوائر المستندة إلى قرابة الدم4. والقرابة، سواء أكانت حقيقية أم متخيّلة، هي العصبية التي تحافظ عليها أواصر القربى؛ علمً أن التضامن العائلي هو "النموذج" الوحيد للتضامن بين الفئات الاجتماعية، أيًا كان نوعها. ونلاحظ أيضًا، في هذا الترتيب، أن
المجموعة تحافظ على وحدتها، وترسخها بمعارضتها لمن هو خارجها، كما يشهد على ذلك المثل العربي المشهور: "أنا وأخي على ابن عمّي، وأنا وابن عمّي على الغريب"5. ومن المؤكد أنّنا عندما نحلّل التمثيلات الطائفية، علينا إيلاء العلاقة القائمة بين الهويّة والأرض حصّة كبيرة من الجهد؛ إذ إنّ كلّ عصبية في الواقع، سواء أكانت قبلية أم طائفية أم عشائرية، تحتاج إلى ترسيخ مناطقي يكون له معنى بالنسبة إلى هويتها. لكن وجود هذا الترسيخ لا يستبعد واقع العلاقات الطائفية العابِرة للحدود وللقوميّات: المثال الأبرز اليوم يتمثل بلا أدنى شك بتعبئة الشيعة، من العرب وغير العرب، في الديار العراقية والسورية برعاية التجربة الإمبراطورية الإيرانية. وتتصدى لهذه التعبئة العابرة للحدود تعبئة تنظيم داعش العابرة للحدود للجهاديين السنّة. وهكذا، إذا ما شكّلت الحقيقة الطائفية حقيقة أنثروبولوجية ناجمة عن الامتداد التاريخي الطويل، فإنّ التطييف الراهن هو عملية تاريخية معقّدة، تجب معرفة سياقها.
أولا: الأحوال التاريخية للظهور السياسي للأقلّيات
لأسباب تاريخية، فإنّ جزءًا من الاعتبارات التالية يتعلّق بلبنان، كما يتعلّق بسورية. 1. حصول الأقلّيات على التمثيل السياسي بدءًا من القرن التاسع عشر، ومن منظور تاريخي، لا يمكن فصل المسألة الأقلّوية عن عدّة ظواهر متزامنة، يمكن فهمها على أمد زمني طويل:
أ- الفاعل الخارجي
وهو يفعل فعله منذ التدخل الأوروبي في القرن التاسع عشر حتى اليوم6، فكل القوى الغربية والإقليمية جمعت واستثمرت جميع ظواهر الزبائنية المحلية، ولا سيما فرنسا التي سمحت لسورية الواقعة تحت انتدابها بالانتقال من مجتمع طوائف منخرطة في نظام قديم غير متساوٍ إلى مجتمع منقسم بين سنّة وأقلّيات، في إطار رسمي للمساواة.
ب- تأثير الحداثة الأوروبية
أدت أفكار الحداثة الأوروبية، ابتداءً من عهد التنظيمات وحتى نهاية القرن العشرين، دورًا مهمً في تطييف الشأن السياسي. فالحداثة العثمانية للتنظيمات هي التي مكّنت السلطان من إعلان المساواة بين الرعايا في الفترة 1858-1856. إنّ تأثير هذه الأفكار هو ما سيسمح للأقلّيات بتقديم مطالب من النوع الحديث (الحقّ في التمثيل، حقّ الشعوب في تقرير المصير ... إلخ.)
ج- صعود القوميّات
لقد تلا بروز القوميّات في الإمبراطورية العثمانية تشريع جزئي لها في نشئت] بعد عام الدول [التي أ 1918، وقد وجدت الأقلّيات في ذلك نافذة للتعبير عن إرادتها في الحصول على استقلالها الذاتي، وعندئذ لم يعد أمام الأقلّيات أيّ عائق للوصول إلى السلطة. وهكذا، فإن إنشاء الدولة السورية الحديثة، والصعود اللاحق للفكرة الوطنية، مرتبطان جوهريًا بأنماط الوصاية الاستعمارية الفرنسية.
د- الإطار العام للاحتلال الفرنسي في سورية ولبنان
إن هذا الإطار الذي ظهر بين عامي 1920 و 1946 يمكن تقسيمه ثلاثة مستويات، هي: الإطار القانوني الدولي، أي ميثاق الانتداب يجدر التذكير بالمواد 1 و 6 و 8 و 9، فقد جاء في المادة الأولى أنّ الجهة المنتدِبة ستُحبّذ الاستقلال الذاتي المحلي، وفي المادة السادسة تأسيس
نظام أحوال شخصية منوّع، "بحسب تنوع السكان"، وفي المادة الثامنة أن تتمتع الطوائف بحقّ الاحتفاظ بمدارسها، وأخيرًا تشير المادة التاسعة إلى استقلال الطوائف الدينية ذات الحصانة المضمونة. وعلى هذا النحو، ضمنت سلطة الانتداب وجود هذه الطوائف ومكتسباتها، وصرحت بأن عملها سيكون في إطار حماية الأقلّيات. الإطار السياسي والمحلّ، أي إطار الدولة الحديثة إنّ التنوّع السوسيولوجي الفئوي موزّع على الفضاء الذي أقدم الجنرال غورو على تقسيمه إلى أربعة كيانات سياسية (وحتى إلى خمسة كيانات في الفترة 1924-1921:) دولة لبنان الكبير، وهو ذو هيمنة مسيحية، ودولة سورية السنيّة (حلب ودمشق)، ودولة العلويين، وحكومة الدروز. وقد زادت هذه التقسيمات من جسور العبور المتبادل بين العنصر السياسي والحقل الطائفي؛ لأنّ هناك دولتين ترتبطان بمناطق طوائف أقلّية ودولة (لبنان الكبير) التي أُسست بإرادة طائفية أقلّوية. الواقع الاجتماعي الذي هو في الأساس واقع مجتمع ذي عصبيّات متعددة لقد أُخفي هذا الواقع إخفاءً مزدوجًا؛ حدث ذلك من الأكثرية السنّية، في البداية، مع تطوّر القومية العربية التي كان خطابها في سورية، خلال العشرينيات، أداةً سياسية تقارع فرنسا. وكان هذا الخطاب نفيًا للواقع الاجتماعي؛ فكل ما نُظِر إليه على أنه مرتبط بالتقسيم والتقليد (طوائف، روابط قبلية أو إثنية وغيرها)، قد زُجّ به في سلّة الظلامية، وذلك لمصلحة هويّة شاملة عربية وسورية. ومن ناحية أخرى أخفت الأقلّيات الواقع الاجتماعي؛ فهي تدير علاقتها بالأكثرية بحسب ثقافة ذات جوهر عثماني. فالأقلّيات "لا تزال ضعيفة الثقة بالقانون والدستور"، وهي تحاول دومًا الاستناد إلى "التحكيم وإلى تدخّل السلطة السياسية العليا،[…]، مسوّغةً على هذا النحو استبعادها السياسي من القوميين العرب، ولا سيما في سورية"7. إنّ هذا النوع من خطاب الضحية الذي قدّمته الأقلّيات دفع الأفراد باستمرار إلى البحث عن حماية خارجية، وإلى الاعتقاد بأن السيطرة السياسية الكاملة وحدها تستطيع تأمين الأمان لها.
2. التناقض الداخلي بين حقوق الأفراد وحقوق الطوائف
ترتكز أهميّة الطائفة عامةً على دعامتين أساسيتين: العدد البشري، والموارد الاقتصادية (الأوقاف.) وتدخل إدارة الأوقاف ضمن صلاحيّات المحاكم الشرعية للأحوال الشخصية، وبحسب الانتداب تمتلك كلّ فئة تقريبًا محاكمها. وبتعبير آخر، إنّ المحاكم القائمة على دعامتَي سلطة الطوائف نفسها هي التي تقرّر الأمر. لكنّ الانتداب الفرنسي في سورية، كما في لبنان، المشغول بتأمين حقوق الأفراد كما الطوائف (بما يتوافق في الوقت نفسه مع الثقافة السياسية الفرنسية، ومع مهمّة انتدابها نفسه)، سيهاجم هاتين الدعامتين، وذلك باسم الرغبة في علمنة المحاكم الشرعية؛ سعيًا منها إلى أن تعيد إلى القانون العام الجزء الأساس من المجالات التابعة لمحاكمها (تغيير الدين، الوصاية، الميراث، وغير ذلك.) لقد حاول الانتداب ثلاث محاولات هجومية لمصلحة العَلمَنة، في الأعوام 1924 و 1926 و 1936. لكن هذه المحاولات واجهت جبهة رفضٍ عنيف من الزعماء الدينيين لدى الطوائف. فقد توحّدت معًا السلطات الإسلامية والمسيحية واليهودية في هذه المعركة المشتركة ضدّ العَلمنة. حينذاك وجد مسؤولو سلطة الانتداب أنفسهم أمام تناقضٍ جوهري، مثلّه ميثاق الانتداب ذاته، ألا وهو تأمين حقوق الأفراد، وضمان حقوق الطوائف في الوقت نفسه8. إنّ السنّة، وهم الأكثرية، ينحدرون من هيمنة تاريخية اندمجت فيها مؤسساتهم الدينية إبان الإمبراطورية العثمانية بالخدمات العامة، وقد تعرضوا لهزة قوية داخل النظام الجديد؛ فقد وجدوا أنفسهم مقسّمين إلى عدّة دول صغيرة، وفي لبنان اختُزلوا تحت خانة "الطائفة"، في حين أنهم كانوا يطالبون بانتمائهم إلى "الأمّة" وليس إلى طائفة تترادف مع كلمة أقلّية. وواجهت السلطاتُ الدينية السنيّة أيضًا الفصل القانوني، ومن ثم الفصل العضوي للطوائف الموصوفة بالمنشقة عن الإسلام9. وقد اعتَبَ ت الطائفة السنّية نفسها خاسِةً في الدولة التي أنشأها الانتداب الفرنسي، وفي الحقيقة كان السنّة بشكل رئيس هم الذين رفعوا شعار القومية العربية10، القومية المهووسة بالأمّة، وهي إسقاط عربي للأمّة الإسلامية. ورفضت التقسيمات الطائفية التي وضعتها الممارسة الانتدابية على قدم المساواة مع باقي الطوائف.
من ثم، فإنّ تراجع سلطة الانتداب عن مسألة العلمنة، وهو تراجع كان يبلور كل المعارضات الطائفية، كرّس انتصار الزعماء الدينيين على حساب مصالح الأفراد. وهكذا فإنّ "الطوائف التي جابهت النموذج الفرنسي للدولة - الأمّة الحديثة،[...]، وكانت بالطبيعة ستطالب بإضعافها، وحتى باختفائها (إذ إنّ مجتمع المواطنين يرتكز على الأفراد وليس على المجموعات)، فإن الطوائف السورية، وهي فئات اجتماعية يعود تاريخها إلى زمن طويل جدًا، قد اقتنصت الفرصة التاريخية عند خروجها من الإمبراطورية العثمانية؛ كي تَشْغَل الفضاء العام. ولأن هذه الجماعات كانت تتنافس في هذا الفضاء [...]، فإنّ كلّ واحدة منها حاولت أن توجد لنفسها أفضل مدخل للسلطة السياسية. لهذا السبب واجه الزعماء الدينيون والسياسيون مجتمعين الحريّات الفردية التي قد تضعف المجموعة الطائفية. وبقيامهم بذلك، فقد أفرغوا نموذج الدولة الحديثة الذي طُبِّق عليهم من مضمونه"11. وفي الحقيقة عزّزت أكثرية النخب السياسية نفوذها بالاستناد إلى انتمائها الطائفي.
ثانيًا: التجديد الراهن للوعي الأقلّوي
الوعي الأقلّوي الذي نشاهده اليوم هو نتاج تاريخ حديث العهد، وما بناؤه سوى استجابة لأهداف راهنة مرتبطة بظهور الحداثة السياسية التي ارتبطت بالتنظيمات العثمانية، من جهة، والدولة القومية من جهة أخرى. وإذا استطاع الوعي الأقلوي أن يتلاءم مع طبيعة الأشياء في إمبراطورية نظام بائد غير متساوٍ في أساسه، فإنّ ذلك الوعي صار مفارِقًا في إطار دولة قومية مبنية مبدئيًا على المساواة بين البشر المتخلين عن انتماءاتهم الجماعية.
1. بنية تستجيب لتطوّرات معاصرة
الوعي الأقلّوي يرتكز في خصوصيته على ثلاثة تطورات على الأقلّ، هي:. أ الظاهرة المعاصرة للوعي الأقلوي مرتبطة مباشرة بالرفض الشامل لزوال الطوائف، من خلال ما تعبّ عنه نخبُها، إبان تأسيس الدولة الحديثة بحسب نموذج الدولة القومية. بالعكس، فإنّ هذه الدولة الحديثة أدّت، في واقع الأمر، إلى تقوية الفئات الطائفية التي منحتها الدولة اعترافًا سياسيًّا، وقدّمت للأقلّيات فرصة تاريخية للوصول إلى السلطة. عندئذ، يجب أن نكون قادرين على أن نرى بموضوعية "أن استلام الحكم هو تحرك تأسيسي، أكثر منه تحركًا دفاعيًا يتصدى للآخرين"12.. ب القدرة المثبتة للعصبيّات على التأقلمِ مع الملامح العامة للمشهد الداخلي، أي إنّ الوصول إلى السلطة من أجل الدفاع عن مصالح العصبيات، كما أظهر ذلك أوليفيه روا، يتحقق بتبنّي خطابٍ عن الدولة والأمّة13. وهكذا في سورية، استولت عشيرةٌ علوية على الحكم باسم القومية العربية؛ من أجل الدفاع عن مشروع سوري كبير، وعن مصالح طائفة معينة.. ج إنّ مجتمع العصبيّات يتضمن داخله ال اررع، بوصفه عنصرًا ينظّم التعارض بين المجموعات. ففي إطار التنافس المعاصر على سلطة الدولة يكون ثمن الإبقاء على مجتمع العصبيّات، في أحسن الأحوال هو العنف السياسي، وفي أسوئها يكون الحرب الأهلية. ففي سورية اليوم، ومع استقلالية أكثرية قطاعات الدولة والقوى المحاربة، فإنّ الحرب تقوّي كلّ عصبيّة، وتقوّي الوعي المزدوج: الطائفي والأقلّوي؛ ف "هناك تجديد للتحالف التضامني بالدم"14. على الرغم من ذلك، يجدر تقديم بعض التحفظات أو الفروق؛ فالظاهرة الأقلّوية المرتبطة بوعي ناشط في المخيالات ليست بظاهرة عامة في الشرق الأدنى، وإنما مرتبطة بأحوال تاريخية واجتماعية؛ إذ نعرف حالة الفلسطينيين المسيحيين، على سبيل المثال، الذين يتقدم
الانتماء الوطني لديهم على الانتماء الطائفي. وحالة المسيحيين الأردنيين تندرج أيضًا في سياق منطقي آخر، فهم يعطون الأولوية للانتماء العشائري على التضامن الطائفي15. كذلك لم يتطوّر الوعي الأقلوي بالوتيرة نفسها لدى كل الطوائف الأقلّوية، فالمسيحيون - مثل الروم الأرثوذكس - الذين يتشاركون مع السنّة في تقليد إمبراطوري (بيزنطي)، وبعد ذلك تعايشوا مع الإسلام الرسمي في المدن، لا ينظرون إلى أنفسهم أقلّية حقًا بالطريقة ذاتها على غرار الأقلّيات المقيمة في "المعاقل الجبلية." إضافة إلى كلّ ذلك، فإنّ الأقلّيات التي تعتبر نفسها بعيدة من احتمالات الوصول إلى السلطة السياسية (بسبب قلة عددها أو بسبب تبعثرها، كالإسماعيليين مثلً)، تتعلّق تعلقًا أقلّ بخطاب يميزها جذريًا من الأكثرية. علاوة على ذلك، فإنّ الفرضية التي تقول بأنّ فكرة اضطهاد مسيحيي الشرق، بعدّهم ضحايا تكفير دائم من إسلام غير متسامح، واقترحها برنار هيبرجي، هي فرضية وضعت أساسًا لأوروبا (انطلاقًا من رؤى أوروبية.) وقد يكون من الممكن أيضًا أن المسيحيين، وفي مرحلة صعود القوميّات، قد تبنوا "الكليشيهات" الأوروبية التي تتعلّق بهم، ليدرجوها في رؤيتهم لتاريخهم الخاص.
2. نحو فك شيفرة الوعي الأقل وي
الوعي الأقلوّي وعي جمعي يستحوذ عليه كلّ عضو في الطائفة الأقلّوية، ويُنشر شفهيًا أساسًا في الوسط الذي يعيش فيه الفرد (العائلة، المدرسة، الوسط الاجتماعي وحتى السياسي.) ويبدو مختلفًا عن الأيديولوجيا؛ إذ إن هذا الوعي يظهر في صورة غير زمنيّة عن الذات والآخر، قبل أن يكون رؤية للعالم. ويستمد الوعي الأقلّوي مصدره من الهويّة المعاصرة للمجموعة الطائفية، ومن تاريخ للاختلاف لا يمكن تقليصه، ومبني على فكرة الاضطهاد المستمرّ، ويقتضي تعويضًا لا ينتهي، وانتقامًا أبديًّا من التاريخ. وتبُرز النخب الطائفية هذه الهوية الذاتية؛ لابتكار سردية تذكارية يتشارك فيها كل أعضاء الجماعة. إنّ الفرد الذي لا يتماهى مع إيعاز الذاكرة هذا يمكن اعتباره خارجًا عن الجماعة. إنه وعي مزدوج، يعارض بين الحضارة أو الخير مُمثَّلً بالأقلّية، وبين البربرية (أي الإسلام، والإسلام السنّي في الحالة السوريّة.) إنه وعي شامل يتخلّص من التاريخ، ويبنى على نفي الواقع الحالي. وهو يتضمّن بالتأكيد جزءًا من توجّهات السلطة الرسمية وخياراتها؛ ففي سورية تبين أعمال ستيفان فالتر، مثلً، الرغبة في إبعاد الإسلام من الخطاب الرسمي السوري. "وحده الماضي المناهض للإسلام يبقى حاضرًا في الخطاب التاريخي، على أنّه المؤسس الفعلي والحقيقي والأصيل. ويقوم الرهان الأساس على تحييد الفترة الإسلامية بصفتها فترة مرجعية"16. يعمل هذا الوعي الأقلوي، بوصفه وعيًا طائفيًا، وكذلك بوصفه مواجهة مع الآخر، ويضيف إليه إرادة رمزية، على الأقلّ لاستئصال الآخر. وخلافًا للحالة اللبنانية، إذ كان ممكنًا تأجيل موت الآخر إبان الحرب الأهلية بفضل عمليات الخطف، فإنّ العنف الممارس في سورية، ولا سيما عنف النظام (ومن ثم عنف تنظيم داعش)، يشهد على إرادة استئصال الآخر17. إنّ معنى أشكال العنف الممارس على جسد الآخر لا يزال مسألة تحتاج إلى الدراسة والتصنيف في حالة الحرب السورية، تقريبًا كما لو صنفنا تصنيفًا دقيقًا تدمير التراث الآثاري القديم والإسلامي. لا شك في أن العنف في الحرب الأهلية يملك بالضرورة الخبرة المكتسبة في التعذيب إبان فترة السلم. لكنّ هذه الخبرة توسعت بأشكال محدّدة (خصي المراهقين مثلً)، وراحت تعبّ عن دوافع مختلفة. وتُفسّ المنافسة العددية القائمة بين الطوائف ضرورة هذه التصفية؛ من أجل الوصول إلى ديمومة السلطة، ومن ثم استمرار أمان الأقلّيات. ويمكننا أن نتبيّ ذلك في شعار "الأسد إلى الأبد." إن كل الدكتاتوريات تتشابه ظاهريًا، لكن كل واحدة منها توظّف جوانب محدّدة من الثقافة المحلية.
وإذا كان الوعي المزدوج سمة للاستلاب الحقيقي، فإن الخوف18 هو الذي يدفع إلى الوقوع في هذه الحالة من الاستلاب الجمعي. وفي الحالة السورية، نجد أن المضامين الخاصة بهذا الإطار العام هي التي يجب تحليلها بدقة. أما في الشرق الأدنى، حيث يترسخ هذا الوعي المزدوج بصورة فريدة، فنجد أنّ القليل جدًا من أتباع هذه الطوائف الأقلّوية يفلت من منطق هذا الوعي، ويستند إليه، ويضخّم أجزاء درامية من الذاكرة الجمعية. إنّ فاعلية هذا الترسيخ تدفعنا إلى التوقف عندها، وتطرح أسئلتها علينا. فعلى سبيل المثال، ثمة معارضة صامتة داخل الطائفة العلوية للأسد،
كانت موجودة منذ زمن بعيد. لكنّ كثيرًا من العلويين المتعلّمين ومن المسيحيين، ممن كانوا ينتقدون النظام بشدة في الحيّز الخاص، راحوا يدافعون عن النظام منذ بدء الثورة السورية في 15 آذار/ مارس 2011، بل منذ أن أعطى بشار الأسد أوامره بعدم الاستجابة للمتظاهرين السلميين، في 27 آذار/ مارس 2011. انكفأ هؤلاء نحو ردّة فعل متخوّفة من إسلامويّة متخيّلة. ومنذ ذلك الحين، ومهما كانت ممارسات النظام شديدة الإجرام (تعذيب الأطفال حتى الموت، استعمال الغازات الكيمائية، والبراميل المتفجّرة ... إلخ)، انغلق هؤلاء الأشخاص على أنفسهم، مع إنكار كامل لكلّ ما يحدث. وعدد من هؤلاء السوريين كانوا أقرباءنا وأصدقاءنا، وكنا نشاركهم النظرات نفسها إلى العالم، حتى آذار/ مارس 2011.
لقد كان الوعي الأقلّوي، في الحالة السورية، يتطور ويتخفّى أيام السلم في طيات الوعي والذاكرة من دون أن يزول. وقد عرف النظام السوري، وكان خطابه الرسمي سوريًا جامِعًا حتى عام 2011، كيف يلتقط مخاوف الأقلّيات ويوظفها، ولا سيما الأقلية العلوية. ولا يمكننا أن نفسّ تفسيرًا مغايرًا البروز المتجدد والعنيف، منذ آذار/ مارس 2011، لهذا الوعي الأقلّوي الذي رفع لواء الخوف من متظاهرين، كانوا حينئذ سلميين وحاملين شعارات ذات طابع وحدوي.
ثًالث ا: حيثيات "تهديم البناء" الوطني في سورية
1. زبائنية العلويين وهيمنتهم على البلاد
إنّ مراحل عملية "تهديم البناء الوطني" معروفة؛ بفضل الدراسات التي نشرت منذ الثمانينيات من القرن الماضي، ويمكن اختصار مراحلها الأساسية بست مراحل، هي: السيطرة العلوية على الأجهزة السياسية والعسكرية والأمنية خدمة لعشيرة ما. بدأت بالسيطرة البطيئة في الفترة -1943 1963 على حزب البعث، والتسلل التدريجي إلى المؤسسات العسكرية ... إلخ، وحتى انقلابَ عام 1966 و 1970. كان السنّة قد تركوا مؤسسات السيطرة (الشرطة والجيش والجمارك ومصلحة الضرائب)، بينما تهافتت الأقلّيات والمناطق الطرفية الريفية عليها. إن هذه العملية أدت إلى سيطرة طائفية كاملة على عملية التطوع وتعيين الضباط السوريين في المؤسسة العسكرية19. السيطرة على الأرض السورية عبر وسائل المواصلات، والتحكّم الكامل في العاصمة دمشق. هناك مثال ساطع على ذلك، بالنسبة إلى النظام القائم منذ عام 1970، ف "خلال حرب 1973 عبّ مراقب دبلوماسي فرنسي عن اندهاشه أمام إبراهيم صافي (لواء وقائد الفرقة المدرّعة الأولى المرابطة جنوبي دمشق) من أنّ الفرقة الأولى تدفن مدرّعاتها على أبواب دمشق، وأن الجيش السوري لا يستغلّ العمق الاستراتيجي للأرض السوريّة؛ لإجبار الإسرائيليين على مدّ خطوطهم. ردّ صافي قائلً: "إذا ما تركنا نحن (العلويين) دمشق، سواء أكنا منتصرين أم خاسرين، فلن نستطيع أن نعود إليها"20. السيطرة الكاملة على المنطقة العلوية التي استفادت من النمو المتميز، ومن التحالفات المختلفة التي عُقدت بين العشائر العلوية وسلطة الأسد. على هذا النحو، أخذ آل الأسد، الأب والابن، السلطة داخل الطائفة وراحوا يتحكمون في قدَرِها. وبحسب ميشال سورا، فإنّ آل الأسد سعوا لتحويل الطائفة العلوية إلى طائفة سياسية (مثل الموارنة)، ولا سيما عبر نشاط جمعية "علي المرتضى" (التي كان يديرها جميل الأسد، شقيق حافظ)21. الانتقال الاقتصادي والمالي التدريجي لموارد البلاد نحو عشيرة الأسد وحلفائه الأقربين22. وتشير إليزابيت بيكار إلى مدى ذلك بعد عام 2000، قائلةً: "لقد دخل النظام السوري مرحلة 'ما
بعد شعبويّة'؛ إذ إنّ ضرورة الإبقاء على امتيازات المجموعة في السلطة قد تغلّبت على وعود التنمية"23. تحالف بالحدّ الأدنى مع المسيحيين والدروز الذين استخدموا ذريعة لتوحيد المجتمع. وتظهر حدود هذا التحالف ما إن يشدّد النظام ضغطه على مسألة التجنيد العسكري داخل الأقلّيات (ولا سيما منذ.)2014 مناقضًا لخطابٍ رسمي يرتكز على وحدة الشعب السوري، فإن النظام يغذّي عمليًّا العداء بين الأقلّيات والسنّة. ويكفي لذلك أن نستذكر بعض الأمثلة: لقد اعتبر "الإخوان المسلمون" تهديدًا وطنيًّا بعد الاغتيالات التي حدثت عام 1979 لطلاب الضباط العلويين في حلب. وباستغلاله عددًا من الهجمات التي قام بها نحو 300 منشق عن "الإخوان المسلمين"، فإنّ الرئيس الأسد أمر عام 1982 بقمع شديد جدًا لمدينة حماة التي اعتبرها مركزًا لل "إخوان"؛ وذلك من أجل سحق الحركة؛ فدمّرت عملية القمع مركز المدينة، وأدّت إلى مقتل أكثر من 20000 شخص خلال ثلاثة أيام. وكان التدخل السوري في لبنان عام 1976؛ استجابة لنداء الميليشيات المسيحية للتصدي للفلسطينيين وللميليشيات الإسلامية - التقدمية. ويجدر ذكر العملية الاستفزازية والرمزية بامتياز عام 1984، وقادها رفعت الأسد، شقيق الرئيس، حين جرى نزع حجاب النساء المسلمات في دمشق، وانتهت بإبعاد رفعت، وباعتذارٍ علني من حافظ الأسد الذي أدرك أنه قد جرى تجاوز الخط الأحمر للرأي العام السنّي. وإضافة إلى كلّ ما سبق، فإنّ تفتّت الدولة (كما في لبنان) أو عكس ذلك من خلال قمع الدولة الشديد، كما في سورية، "يمكنهما أن يدفعا فاعلين اجتماعيين إلى الانضواء تحت هويّات مبنية خارج الدولة. هنا تبدو أهمية التمييز بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني (يترجَم التعبيران في أوروبا ب "المجتمع المدني)"، علمً بأنّ التسمية الأولى تحيل إلى الروابط المبنية على النسب، والثانية تحيل إلى المنظمات المدنية24. ومن ثم، يمكننا أن نرى، من قبيل المفارقة، أن الغياب الظاهري، مثل شمولية الدولة الحديثة في حد ذاته، يشجع تقوية الفئات الاجتماعية خارج الدولة؛ فالدولة تخلق هي نفسها تهميشاتها الخاصة، وتعارضاتها الهويّاتية. ولترسيخ قاعدتها السياسية والاجتماعية، تشجّع الأقلّية الحاكمة على "إبدال النخب التقليدية بنخب تقوم سلطتها على قوة" العصبية السياسية. وفي الحالة العلوية السورية يتعلّق الأمر بإزاحة الزعماء الدينيين، وبتعديل التراتبية بين القبائل العلوية25. وبهذه الطريقة، فإنّ الأقلّية تضع الدفاع عن مصلحتها الطائفية فوق الدفاع عن المصلحة الوطنية (والأمثلة الراهنة كثيرة في سورية، وفي لبنان.) إنّ الأقلّية في الدولة المفتتة تدافع عسكريًّا عن ذاِتها بفضل الميليشيات؛ وهذا دليل، من وجهة نظرها، على أنّ الجيش الوطني لا يمثّلها. والدليل على ذلك أيضًا انعدام ثقتها بدولة لا تتحكّم هي فيها تحكمً تامًا. عندما تحكم الأقلّية في دولة قسريّة مثل سورية، فإنّ الأقلّية تستخدم الدولة أداة لتحقيق ديمومتها، وتستطيع أكثر الوحدات [العسكرية] تسليحًا أن تتصرّف تصرف ميليشيا طائفية؛ يشهد على ذلك مثالان تكلَّمنا عنهما بما فيه الكفاية، وهما الحرس الجمهوري العلوي تمامًا، والفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، وكلتاهما الأفضل تسليحًا في الجيش السوري. وبغضّ النظر عن كل شيء، فإذا ما استغلّت عشيرة الأسد الطائفة العلوية حاملً لنظامه الدكتاتوري، فإنّ الأقلّية كذلك قد رافقت هذه الدولة الشمولية لتحقيق بقاء هذه السلطة، على الرغم من معرفتها بأنّها لا تمثّل المجتمع. لقد أدت السلطة القسرية لمجموعة طائفية على الأخرى إلى تجذير التشبث بالمرجعيات الهوياتية لدى المجموعات الطائفية المستبعدة من السلطة، ومن المنافع الاقتصادية. 2ّوية. تشظي ال "يوتوبيا" الأقل (2011 - 2015) تؤسس اليوتوبيا هنا على الرغبة في تأبيد نظام دكتاتوري مبني لمصلحة مجموعة واحدة. وانطلاقًا من ذلك، ما الذي حدث عام 2011؟ لقد جرى قمع التظاهرات السلمية التي بدأت في دمشق في 15 آذار/ مارس 2011 منذ أوّل يوم، بعنف لا متكافئ. لماذا؟ صحيح أنّ النظام السوري، كما كل دكتاتورية، لا يتحمّل أيّ قدر من المعارضة. لكن يبدو لي أنّ هناك سببًا آخر كان أشد خطورة على النظام؛ فالمعارضة التي قلصها النظام مركّزًا على الأكثرية السنّية، استحوذت على الفكرة المتكرّرة المشرعِنة للدكتاتورية؛ أيْ حماية الأقلّيات والترويج للوحدة الوطنية. من هذا المنظور، فإنّ الممارسة المعادية للطائفية عند المعارضة ميدانيًا خلال الأسابيع الأولى حينما لم تكن سوى انتفاضة، وبدت المشاركة اللافتة فيها من السوريين المنتمين إلى جميع الطوائف مثالية من وجهة النظر تلك، أي "سورية الغد ستحمي حقوق الأقلّيات." هذا ما قاله برهان غليون أساسًا،
حينما كان رئيسًا للمجلس الوطني السوري، وذلك في الخطاب الذي ألقاه في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، منشور على "يوتيوب"، متوجهًا به إلى الشعب السوري بمناسبة عيد الأضحى26. وفي عام 1982، في حماة تحديدًا، سوّغ النظام أمام أنظار العالم الأوروبي مقْتلة 20000 شخصٍ وهو يلوّح بالتهديد الإسلامي. وفي عام 2011، شهدت الصور التي بثتها الأقمار الصناعية في العالم بأسره على الطبيعة الحقيقية للاحتجاج الحاصل. بالطبع نظام الأسد يعتبره وضعًا لا يطاق. وفي كلّ مكان كشف الفاعلون أنفسهم دوافعهم الحقيقية. فكما أن المتظاهرين في البداية هتفوا معبّ ين عن إرادتهم في الوحدة الوطنية، فإنّ الموالين للنظام أظهروا منذ البداية، عبر ممارساتهم وخطاباتهم في الوقت نفسه، رؤية طائفية للأحداث، والتحام مصالح آل الأسد مع المصلحة الوطنية. وبات الأسد كُلّيةً تُجسّد إلى أبعد الحدود مصيرَ كلّ من الطائفة وسورية. وكان الرهان كبيرًا إلى درجة أنّ موالي النظام كانوا يقولون إنهم مستعدون لتدمير البلاد، رافعين شعار "الأسد أو نحرق البلد" (كتبوا العبارة على الجدران في كل المدن السورية.) منذ عام 2011، حينما كان بشار الأسد يتحدث عن "الشعب السوري"، يجب أن نفهم من ذلك أنه يتحدث عن "شعبِه"، أي، عن ذاك الشعب الذي يتماهى مع مصلحة النظام، ومع الخطاب العلوي وخطاب الأقلّيات المرتبطة به. وبالطريقة نفسها، عندما يتكلّم "حزب الله" عن "شعبِنا"، فنحن نفهم أنّه يشير ضمنيًّا إلى أنصاره من الشيعة، وليس إلى الشعب اللبناني. وتجدر الإشارة إلى أنّ الثورة27 تطوّرت إلى حرب أهلية، بازدياد جرأة النظام طائفيًا وسياسيًا؛ فقد استعمل خطابًا طائفيًا، وأتاح استعماله، ففي حمص والغوطة مثلً، ومنذ 2011، كان المكان الذي تباع فيه الأشياء والأثاث والسيارات المسروقة من الأحياء السنّية يسمى "أسواق السنّة." وفي عهدٍ أقرب قرأنا الكتابات الجدارية الآتية على مبنى وزارة الاقتصاد في دمشق: يعيش الأسد يعيش "حزب الله" تعيش إيران يعيش "جيش المهدي" (الميليشيا الشيعية العراقية التي يقودها مقتدى الصدر) تسقط الوهابية (أي: المملكة العربية السعودية، والمراد هنا هو المستوى التاريخي السنّي الراديكالي) وكما يؤكد النظام اعتباره دمشق عاصمة للأقلّيات، فقد ظهرت مجموعة كاملة من الشارات التي تحيل كلّها إلى رموزٍ لجماعات أقلّوية ولحلفاء للنظام من الأجانب منذ 2014 (ينظر الصورة.) تبين الصورة في الصفّ الأول، من اليسار إلى اليمين، رسمً متخيلً للحسين، فعلم "حزب الله"، ثم صورة تشي غيفارا. وفي الصفّ الثاني المسيح مصلوبًا، وسيف علي "ذو الفقار"، عليه علم النظام السوري، وصورة بشار الأسد على مقبضه. أما في الصفّ الثالث فالنجمة الدرزية، ثم الصليب المسيحي الشرقي (الأرثوذكسي)، ثم صليب مسيحي بألوان العلم السوري. ولا توجد شارات تمثّل الإسلام السنّي في الأكشاك التي تبيع هذه الأشياء. واليوم، فإنّ بشار الأسد تخلّ عن الخطاب القومي العربي الذي كذّبته الأحداث، وبات يسوّغ حكمه وتحالفاته الإقليمية من خلال "محور المقاومة" ضد إسرائيل، ويتكوّن من سورية و"حزب الله" وإيران. وهو محور ممانعة يكشف طبيعته الطائفية الشيعية. لكن هذا التحالف الالتحامي مع الشيعة وإيران يمكن أن يبعد المسيحيين والدروز السوريين عن النظام مع الوقت، ما إن تظهَر لهم الطائفة الشيعية اللبنانية على حقيقتها، بصفتها تابعة عضويًا لإيران28. وبتعبير آخر، فإنّ هذا سيحصل ما إن يظهر علنًا تضارب مصالح أفراد الأقلّيات داخل هذه الزمر الطائفية. إنّ حرب النظام السوري ضدّ أكثرية من شعبه، وهي الأكثرية السنّية، والهجوم الإمبراطوري الإيراني الذي لا يقاوم في الشرق الأوسط، قد قلبا رأسًا على عقب مجالَ الخوف والضغينة، فالسنّة هم من بدؤوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم الضحية؛ فلنذكر هنا شهادة الصحافية هالة قضماني التي كتبت منذ 15 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2011 ما يلي: "تمرّ لحظات يكون من الصعوبة بمكان تجنب مخاوف المسيحيين والأكراد والعلويين[...] فضلً عن الإسلاميين الذين لم أتعامل معهم غالبًا لحسن الحظ. علاوة على ذلك، يجب أن نواجه، مع كلّ السوريين الباقين، هجمات النظام، يجب علينا دومًا أن نطمئن هؤلاء وأولئك، وأن ننأى عن تجاهل مطالباتهم. لديّ
صورة لرموزٍ لجماعات أقلّوية ولحلفاء النظام السوري من الأجانب
الشعور أننا نحن، الدمشقيين السنّة، العرب والعلمانيين، الأقلّية السورية التي تملك أقلّ قدر من الاعتراف بوجودها في هذه الثورة"29.
رابعًا: تأملات حول مستقبل سورية
إنّ إجراءات إعادة البناء، أو إعادة بناء الهويّة الوطنية في سورية، تبدو معقّدة. لقد ظهر فاعلون خارجيون، فأجّجوا المشاكل الداخلية التي بدت كأنّها انمحت خلف الرهانات الجيوسياسية. لكن مهما كانت إجراءات إنهاء الصراع، فإنّ عملية إعادة البناء الوطني، إذا كان عليها أن تشمل البلاد متعدّدة الطوائف، كما كان الحال عليه قبل عام 2011، لا يمكنها أن تهمل بعض الاعتبارات، وإلا ستقع مجددًا في الدكتاتورية. وفي المقابل، إذا ما نجح النظام السوري، مدعومًا من حلفائه الشيعة الإقليميين وروسيا، في عملية التغييرات الجذرية للبنية الديموغرافية للبلاد لمصلحة الأقلّيات التي ستوفر له دعمً انتخابيًا كبيرًا، فمن الممكن التنبؤ بأنّ هذا النظام سيثبّت طبيعته السلطوية والأمنية التي تَ يّزَ بها أصلً.
1. الشروط "المعقولة" لإعادة البناء
إنّ إعادة بناء سورية داخل حدودٍ مطابقة تقريبًا لتلك التي كانت أيام الاستقلال تقتضي عددًا من الشروط المعقولة، لكنها ليست
بالضرورة ممكنة التحقيق. إنّ تحليل أسباب الحرب يسمح اليوم بتكوين بعض الاقتراحات، وهي: قد يكون ملائمًا التخلّ عن كلّ الخطابات السياسية والأيديولوجية الحالية، سواء أكانت قومية عربية أم ماركسية أم أقلّوية أم إسلاموية؛ لأنّ كل هذه الخطابات برهنت عجزها عن أخذ الواقع المجتمعي لسورية في الاعتبار، ومن ثم اقتراح مشروع وطني قابل للتطبيق. قد يكون ملائمًا الانطلاق من الفكرة القائلة إنّ من فشل ليس هو الدولة الحديثة، وإنما هو نموذج الدولة - الأمّة الذي فرضته الوصاية الاستعمارية عام 1920. وسيكون على السوريين تخيّل أشكال جديدة من المواطنة والدولة الحديثة، نوعًا ما، كما سبق لأجدادهم أن فعلوا عام 1920؛ فخلال رئاسة رشيد رضا صاغت الهيئة الدستورية السورية دستورًا، نشر في 4 تمّوز/ يوليو 1920، واعتبُرَ وقتئذ أنه يعزز نظامًا "تمثيليًا" (نُسميه اليوم ديمقراطيًا)، أكّدَهُ ممثّل للتيار الاستعماري الفرنسي30. ينبغي للسوريين بالطبع أن ينمّوا نظامًا تمثيليًا يلائم تنوعهم، وللأقلّيات أن تقبل بأنّ الديمقراطية تمثّل لها ضمانة أكبر مما تقدمه الدكتاتورية. قد يكون ملائمًا النظر في تركيبة المجتمع السوري من دون الوقوع في الطائفية، وهو ما يمثّل التحدّي الأهمّ لبناء محتملٍ لنظام تمثيلي. وقد ينبغي أن نُثبِت أننا فهمنا اليوم كل الطوائف، بما فيها السنّية التي تريد ضمانات، وأنّ هناك مجازفة في التفكير سياسيًا من خلال استعمال مفردات الأكثرية والأقلّية الطائفية (ولا سيما بسبب الأواصر العابرة للحدود الموجودة بين الطوائف.) إنّ بناء المستقبل السياسي لسورية يجب أن يبدأ بتعريف ثقافة سياسية سورية مشتركة لكل السوريين.
2. محاولة لتعريف ثقافة سياسية مشتركة
"في نهاية تاريخ طويل من العزلة والخضوع والسرّية، دخل العلويون القرن المعاصر. لكن مقابل أي ثمن لهويّتهم ومصيرهم؟"31. يثير آلان شويه سؤالً حقيقيًا عبر تأجيج مخاوف الأقلّية التي يستند إليها، وعبر جعلها تركّز على ما يفرّقها عن المسلمين السنّة، فإنّ نظام الأسد منع العلويين من رؤية ما يتشاركون فيه مع باقي السوريين؛ وهكذا فقد منعهم من التفكير في وحدة وطنية مبنية على التخلّ عن الخوف والامتيازات والضمانات، مقابل استدامةٍ للتعايش الوطني الحقيقي والسلمي. لقد منعهم نظام الأسد من محاربة الفساد المرتبط، من دون شكّ، بالممارسات الطائفية والاستبدادية. إذًا، وجب التساؤل عن الثقافة السياسية المشتركة، فسيكون ملائمًا الآن أن يؤخذ في الاعتبار عددٌ من العوامل التي يمكنها أن تشكّل ثقافة سياسية، وتبدأ بالواقع الاجتماعي الأنثروبولوجي الذي يتجلى طبعًا في الثقافة الاجتماعية32. بعد ذلك هناك الذاكرة الجمعية في بُعدها التاريخي؛ إذ سيكون من الضرورة القصوى تشجيع الذاكرة على النهل من السردية التاريخية الرسمية، وسيكون لها الفضل في الرفع من قيمة الإنجازات المشتركة المهمة للسوريين: النهضة، والنضال ضد فرنسا، والمدرسة الرسمية ... إلخ. وسيكون لها الفضل في إعلاء قيمة الشخصيات المعروفة المنحدرة من كلّ الطوائف والمناطق السورية (فارس الخوري، وسلطان باشا الأطرش، وإبراهيم هنانو ... إلخ، على سبيل المثال، وزنوبيا تدمر أيضًا.) يتعلّق الأمر كذلك بتثمين الانتماء إلى تاريخ مشترك، وإعادة تفعيل الموضوعات الإيجابية للبناء الديمقراطي. يمكننا أن نذكر مثلً شعار الكتلة الوطنية السورية خلال الثلاثينيات: "الدين لله والوطن للجميع." وأخيرًا، ينبغي النظر في ثقافة العنف والشهادة اللتين تؤسسان بفاعلية للتمثلات التخيّلية
الراهنة للفئات الاجتماعية، والتساؤل عما إذا كان يمكن هذه الثقافة أن تحافظ على مكان شرعي في سورية الغد. فلنتوقف قليلً عند ثقافة العنف، هذه، إنّها تندرج في فهرس العنف العتيق على الأرجح؛ وهو عنف معمم في المجتمع يوميًا (عنف عائلي، وعنف في المدرسة33، وعنف المؤسسات الرقابيّة ... إلخ.) ثم، كما كنت قد أشرت إلى ذلك، فإنّ "مجتمع العصبيات يحمل في ذاته الصراع بوصفه ناظمً للتعارضات بين الفئات، خصوصًا في إطار التنافس على سلطة الدولة." إنّ فترات الأزمات تغذي الصراع وتشجع العنف. وما يتعلّق بثقافة الشهيد، أرى أنها حديثة العهد في المشهد السياسي، كما يظهر ذلك في تعميم تسمية "شهيد" بدءًا من ستينيات القرن الماضي. إنّ فكرة الشهيد ترتبط بسرعة عند المسؤولين السياسيين بالولاء تجاه الشخص الذي يجسد الدولة، كما توضّ ح ذلك بعض الشعارات: "بالروح، بالدم، نفديك يا بشار." ولقد استعاد المتظاهرون عام 2011 عبارة "بالروح بالدم نفديك يا شهيد." إن تعبير "بالروح بالدم" تكوين تقليدي للشعارات السياسية العربية، وقد نشُر واسعًا بالتزامن مع القضية الفلسطينية. وردًا على شعارات السوريين هتف "حزب الله" بشعاره: "لبيك يا حسين." لقد قام القادة المتسلطون بشخصنة التعبير؛ لكي يتمركز التضامن (العصبية هنا) الذي يحمله عليهم، وذلك في إطار عبادة الفرد؛ إذ إنّ مركزية موضوعات التضحية والشهادة والدم المراق قويّة إلى درجة أننا نجدها مجددًا في شعارات عام 2011 المختلفة: "عالجنّة رايحين، شهداء بالملايين." "لا إله إلا الله والشهيد حبيب الله." وهنا نرى كيف أن ثقافة الشهيد تتقاطع مع الثقافة الاجتماعية، الإحالة هنا إلى الديني، ولكن إلى قيم اجتماعية عربية أيضًا، مثل: الكرامة والصلة التي يخلقها الدم. وكلّ الأطراف المنخرطة في الصراع اليوم تحمل هذه الثقافة. في دمشق (حيّ باب توما) وجدنا هذه الكتابة على الجدار في عام 2015: "علويون ولا نهاب الموت." ومهمّ أن نشير أيضًا إلى أنّ "حزب الله" جعل من الشهيد قيمة اجتماعية وسياسية قصوى، وذلك عبر تجذيرها في الثقافة الدينية الشيعية (ولا سيما مع مواكب عاشوراء34.) وقد ذكر مثقف شيعي معارض ل "حزب الله" أنهم: "عندما يشربون القهوة، يطلبون من الله منحهم شهيدًا في العائلة"35. إنّ العائلات التي تفقد ولدًا شهيدًا يصدر إليها الأمر بأن تفرح بذلك. وقال لنا مثقف آخر: "يتمّ إحاطة أمّهات الشهداء بالمحترفات في ترتيب المشهد، فيكرّرن عبارات جاهزة معروفة عن ظهر قلب، ويطلبن من الأم أن تكون فخورة، وأن تشكر الله الذي جعل من ابنها شهيدًا"36. بناءً على ذلك، نلاحظ في المفردات اليومية تقزيمًا لعبارة "شهيد"؛ إذ باتت تدل على قتلى مدنيين (وإن بحادث سيارة، كما حصل لباسل الأسد، شقيق بشار)، أو مدنيين قتلوا في هجوم إرهابي. ومهمّ أيضًا أن يعترف جميع الفاعلين في المشهد السوري بأنهم يشتركون في ثقافة العنف نفسها، حتى وإن لم يمارسها جميعهم بالتشدد نفسه، وأن يكونوا قادرين على تحليل خصائصها معًا؛ ليس من أجل القضاء على الآخر، وإنما القضاء على ما يدفعهم إلى رفض الآخر. إنّ كلّ هذه المعطيات يتجاهلها الخبراء الغربيون، وأكثرية المثقفين والسياسيين السوريين. ونرى في الحال أين تكمن، رسميًا، صعوبة تخيّل إطار دولة ديمقراطية تتمايز من النماذج الغربية، وتتجذر في الواقع المحلي.
خاتمة
إنّ آل الأسد الذين تدعمهم رسميًا أقلّيات زُرع الخوف في صدورها، كما رأينا، اختاروا تفريغ البلاد من سكّانها السنّة؛ من أجل الإبقاء في السلطة، وبالذات في المناطق المحدّدة بالتوافق مع الحليف الإيراني على أنها استراتيجية؛ من أجل البقاء على قيد الحياة سياسيًا. وبين النزوحات الداخلية، وإعادة التشكيل الديموغرافي للأحياء الواقعة تحت سيطرة النظام، وموجات اللاجئين التي لا تتوقّف، قد يكون في استطاعة آل الأسد أن ينجحوا في تحويل سورية إلى بلد من الأقلّيات.
لكن هناك تحولّات أخرى خفيّة يمكنها أيضًا أن تؤثّر ذات يوم في مصير سورية. إنّ الأزمة السورية قد همّشت، عمليًا وكثيرًا، النخب القديمة الفكرية والسياسية. لكنّ تحرير الكلام والمبادرة منذ عام 2011 مكّن من ظهور جيل جديد من السوريين. وهذا الجيل أقلّ أيديولوجية وأكثر انفتاحًا على الحوار من الجيل السابق، ولم يتصارع بعد على المناصب في كواليس السلطة. إنّ هذا الجيل الجديد هو في أغلب الأحيان ناشط على الأرض في الداخل السوري، أو بين اللاجئين السوريين، ويناضل من أجل سورية جديدة وتعدّدية. وفي نشاطه الملتزم يجابه رؤىً جديدة للعالم، ويشارك في نقاشات من كلّ الأنواع. يضاف إلى ذلك أنّ التنقّل والمنفى يغيّ ان بعمق من أساليب التصرف الخاصة داخل العائلات، بشتى أنواعها. وفي القدَر المأسوي للسكان السوريين ثمة تحولّات بنيوية، لا يمكن التغاضي عنها. ويمكن أن تكون هذه التحولات حاسمة في تأسيس التزام الشباب السوري برفض كل ما هو موجود في المشهد الحالي، ولا سيما أن فزّاعة تنظيم داعش مرعبة للسوريين الذين لم يعرف تاريخهم وثقافتهم مثل هذا التطرّف، وهذه الفزّاعة أشدّ خطورة، ولا سيما أنها نشأت تاريخيًا من التناقضات القائمة بين الأكثرية والأقلّيات في المشهد المشرقي، وتقدم نفسها على أنها انتقام للسنّة. إنّ المنافسة بين القوى الإقليمية لاستغلال الوضع السوري، في إطار مواجهة دبلوماسية بين القوى العظمى، على الرغم من أنّها قد تكون المعيار الأشد بروزًا في مستقبل الدولة السورية، لن تنجح في تغطية التطوّرات المجتمعية التي تمكنّنا من اعتبار الأزمة التي بدأت عام 2011 نقطة تحوّل حاسمة ونهائية للشعب السوري في علاقته بنفسه. وفي النهاية، إذا ما استطاع سوريو الغد أن يميزوا بين النظام والدولة، مهما تداخلا، وإذا لم يؤدِّ سقوط النظام إلى سقوط مؤسسات الدولة، فسيكون هناك مستقبل ممكن ومشترك لسكان سورية، بعيدًا من النزعة التوسعية لتنظيم داعش37.
المراجع
Abela, Ferdinand Joseph. Proverbes populaires du Liban-Sud. Tome 1-2. Paris: Maisonneuve et Larose,
Balanche, Fabrice. La région alaouite et le pouvoir syrien. Paris: les éditions Karthala, 2006. Chatelard, Géraldine. Briser la mosaïque: Les tribus chrétiennes de Madaba, Jordanie, XIXe-XXe siècles. Paris: CNRS Éditions, 2004. Chelhod, Joseph. Introduction à la sociologie de l'Islam. Paris: Maisonneuve, 1985. Chouet, Alain. "L'espace tribal des Alaouites à l'épreuve du pouvoir: la désintégration par le politique." Maghreb- Machrek. 147 (1er trimestre, 1995). Dawod, Hosham (dir.). Tribus et pouvoirs en terre d'Islam. Paris: Armand Colin, 2004. Dawod, Hosham & Hamit Bozarslan (eds.). La société irakienne: Communautés, pouvoirs et violence. Paris: les éditions Karthala, 2003. De Rémusat, Paul. "Les Cent-Jours du roi de Syrie." Revue des études historiques (Avril-Juin 1924). Feghali, Michel (Mgr.). Proverbes et dictons syro-libanais, Travaux et Mémoires de l'Institut d'Ethnologie XXXI. Paris: Université de Paris, 1938. Heyberger, Bernard & Girard Aurélien (coordinateurs). "Chrétiens au Proche-Orient." Archives des sciences sociales des religions. Paris: Éditions de l'EHESS, 2015. Khoury, G.D. & N. Méouchy (dir.). États et sociétés de l'Orient arabe en quête d'avenir, 1945-2005. vol. II (Dynamiques et enjeux). Paris: Geuthner, 2007. Kodmani, Hala. La Syrie promise. Paris: Actes Sud, 2014. Luizard, Pierre-Jean (dir.). Le choc colonial et l'islam: Les politiques religieuses des puissances coloniales en terres d'islam. Paris: éditions La Découverte, 2006. Picard, Élizabeth. "Syrie: La coalition autoritaire fait de la résistance." Politique étrangère. no. 4 (2005). Sattouf, Riad. L'Arabe du futur, une jeunesse au Moyen- Orient (1978-1984). vol. 1-5. Paris: Allary Editions,
Seurat, Michel. L'état de barbarie. Collection Esprit. Paris: Seuil, 1989. Valter, Stéphane. La construction nationale syrienne– Légitimation de la nature communautaire du pouvoir par le discours historique. Paris: CNRS Éditions, 2002.