العلاقات الأميركية - الإيرانية في ظل إدارة دونالد ترامب: التفاعلات والتبعات
الملخّص
كلمات مفتاحية: الولايات المتحدة، إيران، دونالد ترامب، الاتفاق النووي، دول الخليج العربية. The study is premised on the assumption that the US-Iranian tensions under the Trump administration represents a new chapter in the crisis in the US-Iranian relationship. This extreme hostility was related to US domestic politics and the bordering on personal rivalry of President Trump with his predecessor, President Barack Obama, in domestic and foreign policy. One of the most important policy manifestations of this administrative divergence concerns the Nuclear Agreement with Iran, signed in 2015. Opposition to the Nuclear Agreement united Gulf players such as Saudi Arabia, the United Arab Emirates, and Bahrain, who considered shared hostility towards Iran as a bridge to strengthen their relations with the US on the one hand; while also forming a strong front, in the presence of Israel, to weaken the Iranian regime without necessarily replacing it.
US-Iran Relations under the Trump Administration: Exchanges and Consequences
تستند هذه الدراسة إلى فرضية مفادها أن الأزمة التي عرفتها العلاقات الأميركية - الإيرانية خلال ا مختلف ا في تطور حالة هذه الأزمة فترة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، تمثل فصل، وأن العداء الشديد يتعلق بالمشهد السياسي الداخلي الأميركي والخصومة التي تكاد تكون شخصية بين الرئيسين ترامب وسلفه باراك أوباما وسياساته الداخلية والخارجية. لعل أحد أهم تجليات الخَّفاا الكبير بين سياستيهما هو الاتفاق النووي الذي شك ل عنصرَ التقاءٍ قويا مع أطراف خليجية فاعلة مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين. فقد اعتبرت هذه الأطراف أن الاتفاق مع إدارة ترامب على عداء إيران بمنزلة جسر العبور لتقوية علاقاتها من جهة، وتشكيل جبهة قوية بحضور إسرائيل من جهة أخرى؛ وذلك بهدف ممارسة مزيد من الضغط على النظام السياسي في إيران تجعله في وضع هش وليس بالضرورة تغيير النظام برمته.
Keywords: United States, Iran, Donald Trump, Nuclear Agreement, Arab Gulf States.
مقدمة
لم تغب منطقة الخليج ولا الأطراف الفاعلة فيها عن تفاصيل العلاقات الأميركية - الإيرانية ومجرياتها منذ الحرب العالمية الثانية. ومع تغيّ طبيعة حضور هذه المنطقة في تلك التفاصيل والمجريات، من المهم القول إن الجغرافيا السياسية للمنطقة، والتنافس الدولي الذي لم يغب عنها، أديا دورًا بارزًا في تغيير الديناميكيات المتعلقة بتلك العلاقات. ففي حين تميزت العلاقات الأميركية - الإيرانية بالمتانة التي وصلت إلى حدّ التحالف طوال العهد الملكي، وتحديدًا من عام 1941 وحتى الثورة الإسلامية في عام 1979، تبدّلت تلك العلاقات إلى النقيض منذ قيام هذه الثورة؛ إذ اتسمت بالخصومة والعداء والمواجهة. كانت طهران، في ظل نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، ترى في دول الخليج العربية تحديًا سياسيًا وأمنيًا بسبب علاقة هذه الدول المتميزة بالولايات المتحدة الأميركية؛ ومن ثمّ يمكن فهم سبب الاتهامات الإيرانية المتكررة لبعض دول الخليج. تسعى هذه الدراسة لتعميق فهم الأزمة الأميركية - الإيرانية في أحدث فصولها، عبر تحليل السلوك السياسي والخطاب الإعلامي خلال فترة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب Donald Trump 2021-2017(.) فالخطاب الإعلامي العدائي تجاه طهران بدأ منذ ترشحه للرئاسة؛ إذ كانت إيران تشكّل أحد عناصر حملته الانتخابية ووعودها، حيث انتقد ترامب الاتفاق النووي الإيراني الذي وافقت عليه إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما Barack Obama 2017-2009()، ضمن مجموعة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا 1+5()، في صيف.2015 وتستند الدراسة إلى فرضية مفادها أن الأزمة في العلاقات الأميركية – الإيرانية نشأت واتخذت طابعًا عدائيًا شديدًا، بسبب حضور لاعبيَن خليجيين هما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة؛ فقد اعتبرا الاتفاق مع ترامب في عداء إيران جسرًا مهمً لتقوية علاقاتهما بإدارته من جهة، وتشكيل جبهة قوية بحضور إسرائيل من جهة أخرى؛ وذلك بهدف ممارسة مزيد من الضغط على النظام السياسي في طهران يجعله في وضع هشّ، وليس بالضرورة تغيير النظام برمته. وتستند الدراسة إلى فرضية أخرى ترى أن أحد المكونات المهمة في الأزمة الأميركية - الإيرانية يرتبط بالمشهد السياسي الداخلي الأميركي والخصومة التي تكاد تكون شخصية بين ترامب وسلفه أوباما وسياساته الداخلية والخارجية. ترصد الدراسة بالتحليل فصول تشكيل تحالف بعض دول الخليج مع إدارة ترامب، والتأييد الذي لاقته الخطوات الأميركية من تأييد السعودية والإمارات من خلال التطبيق الصارم للعقوبات الاقتصادية على طهران، وبخاصة الإمارات التي تعدّ شريكًا تجاريًا كبيرًا لإيران، كما سيأتي. وتُسجل الدراسة أيضًا تقييمها لمدى هشاشة هذا التحالف ضد طهران، والذي ظهرت أهم فصوله في تأكيد البلدين رفضهما خيار الحرب مع إيران، واعتبارها لاعبًا مهمً في المنطقة. تناقش الدراسة الأزمة الأميركية – الإيرانية، إثر الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني من خلال عدة محاور: يعرض الأول موقف الرئيس ترامب من إيران والاتفاق النووي. ويتطرق الثاني إلى نتائج ما بعد الانسحاب الأميركي من هذا الاتفاق، مع عرض التصريحات والسياسات التصعيدية الكلامية والفعلية التي مارسها الطرفان. ويتناول الثالث تبعات تلك الأزمة على منطقة الخليج سياسيًا. وأخيرًا، تلخص الدراسة مثلث العلاقات بين الرياض وأبوظبي وطهران، ودلالاته في ظل الأزمة الأميركية - الإيرانية خلال فترة رئاسة ترامب.
أولا: موقف الرئيس دونالد ترامب من إيران والاتفاق النووي
بات تغيّ الأجواء السياسية وعلاقات الدول بالولايات المتحدة واضحًا في ظل رئاسة ترامب، الذي انتهج سياسةً أضحت مختلفةً عن طريقة الرؤساء السابقين، من حيث تفرُّد الرئيس بعملية صنع القرار والإفصاح عن القرارات من خلال حسابه على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، ومن حيث فرض تصوراته الشخصية على عمل المؤسسات كوزارتَ الخارجية والدفاع. تراجعت ثقة الدول الحليفة لواشنطن حول العالم بما فيها بعض دول الخليج العربية؛ بسبب تذبذب مواقف الرئيس وتقلبه. ولم تكن العلاقة مع إيران بعيدة عن هذا التغير. بدأت تتضح ملامح الأزمة الأميركية – الإيرانية منذ بدء حملة ترامب للانتخابات الرئاسية، والتي صرّح أثناءها بمعارضته للاتفاق النووي مع إيران. وتميزت الأزمة بأنها وُلدت في واشنطن؛ أي إنها أزمة من طرف واحد، مضمونها معارضة الاتفاق الذي وصفه ترامب بأنه "إحدى أسوأ الصفقات"1، وأنه بموجب هذا الاتفاق، مُنحت إيران مزايا
كثيرة2 من دون فرض قيود كافية على برنامجها الصاروخي3، لذا يتعين الانسحاب منه. ومنذ تولّيه الرئاسة في كانون الثاني/ يناير 2017، اتسمت سياسته بالعداء الشديد للنظام السياسي الإيراني، واستهل حكمه بالتحريض ضد إيران واتهامها بأنها لم تلتزم بالاتفاق النووي المبرم منذ صيف 2015 4. وتأكيدًا لهذا الموقف، أعلن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في أيار/ مايو.2018 وفي آب/ أغسطس من السنة نفسها، فرض ترامب مجموعة من العقوبات الاقتصادية على إيران قسّمها مرحلتين: الأولى شملت القطاع المالي والمصرفي والإجراءات المالية أو التحويلات النقدية للتعامل مع المؤسسات الأجنبية؛ والثانية خصّت قطاع الطاقة، لا سيما قطاع تصدير النفط والتحويلات المالية المتعلقة به5، فضلا عن حزمة من العقوبات التي استؤنفت لاحقًا واستهدفت مشتريات إيران في قطاعي السيارات والنقل البحري، ونشاطها التجاري ومشترياتها من الذهب والمعادن الثمينة6. وأكد أن هذه العقوبات ستؤدي إلى عواقب وخيمة على الاقتصاد الإيراني؛ فقد أعلنت شركات عالمية عديدة خروجها من السوق الإيرانية، وأكدت مجموعة من الدول التي تستورد النفط الخام الإيراني أنها ستقلل أو ستُنهي استيرادها من إيران. لقد كانت إدارة ترامب تهدف بانسحابها من الاتفاق النووي الإيراني إلى تقويض سلوك إيران وإجبارها على التفاوض على اتفاق جديد، لا يمنحها المزايا التي منحها إياها اتفاق عام 2015 7. وكان ترامب يأمل أن يساهم الدخول في عملية التفاوض في تمكينه من الفوز بفترة رئاسية جديدة8. ونتيجة لإقرار العقوبات، وصف وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، وزارة الخزانة الأميركية في 5 أيلول/ سبتمبر 2019 بأنها "سجّان"، ووصف العقوبات بأنها "إرهاب اقتصادي"9. وجاء ذلك بعد يوم واحد من فرض واشنطن عقوبات جديدة تهدف إلى تحجيم عمليات تهريب النفط الإيراني10. أدرجت تلك العقوبات شركات وسفنًا وأفرادًا على قائمة سوداء باسم "النفط مقابل الإرهاب"، وزعمت واشنطن أن الحرس الثوري الإيراني يديرها، وأوضحت وزارة الخزانة الأميركية في بيان لها أن العقوبات تشمل 16 كيانًا و 11 سفينة و 10 أفراد11.
أعاد الطرفان، الإيراني والأم كيرر، التموضع استعدادًا للمرحلة التي تلت الانسحاب الأم كيرر من الاتفاق، وأوقفت واشنطن قائمة الاستثناءات للدول الثماني التي كانت تشتري النفط الإيراني (اليابان، وكوريا الجنوبية، والصين، والهند، وتايوان، وتركيا، وإيطاليا،
واليونان.) واعتبرت الحرس الثوري الإيراني منظمةً إرهابيةً، وفرضت عقوبات على قطاع التعدين الإيراني مثل صناعة الحديد والصلب، وقطاع الصناعات البتروكيماوية. وبموجب العقوبات على قطاع البتروكيماويات، تفقد إيران 70 في المئة من إجمالي الناتج المحلي12. وتوعدت واشنطن بمعاقبة الشركات الكبرى التي تتعامل مع إيران وهددت بحرمانها من الاستفادة من النظام المالي الأميركي ومنعها من النشاط الاقتصادي مع الشركات والمؤسسات الأميركية. في المقابل، أعلنت طهران تخفيض التزاماتها الدولية التي نص عليها الاتفاق النووي، وفي الوقت نفسه أعلنت استمرار تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد بدأت بالعودة إلى نشاطات التخصيب وعدم تصدير الفائض من النشاطات المخصبة لطرف ثالث، وهو في الغالب روسيا. وقد أبلغت أطرافًا أوروبية وغير أوروبية بأنها ستعمل على رفع مستوى التخصيب إلى 20 في المئة، وتشغيل مفاعل فوردو، حيث يتم تطوير الكعكة الصفراء13، وإعادة تشغيل مفاعل أراك باستخدام الجيلين الرابع والسادس من أجهزة الطرد المركزي14. وتعني هذه الأمور عمليًا العودة إلى ما قبل الاتفاق النووي عام 2015. وتلا هذا التصعيد تصريحات سياسية حادة من الطرفين الأميركي والإيراني، أدت إلى رفع مستوى التوتر في منطقة الخليج على نحوٍ واضح، وانعكست سلبيًا على دول المنطقة15.
ثانيًا: ماذا بعد انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي الإيراني؟
كان للانسحاب الأحادي الجانب للولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني تداعيات عديدة، كان أبرزها اندلاع أزمة حادة بين البلدين. فقد توالت تصريحات ترامب العدائية تجاه إيران، واستمر في تهديدها بالقصف وبتحذير نظامها من السقوط خلال أيام. في المقابل، ردّ النظام الإيراني بتصريحات اتسمت بالتصعيد والسخرية من تصريحات الرئيس الأم كيرر المتتالية وسياساته التصعيدية. ووصف الرئيس الإيراني، حسن روحاني، ترامب بأنه "متخلف عقليًا." فردّ ترامب على التصريحات الإيرانية ووصفها "بالجاهلة والمهينة"، ودوّن على حسابه في موقع تويتر أن هذه التصريحات "أظهرت أن القادة الإيرانيين لا يفهمون الواقع." وأقرّ عقوبات جديدة على إيران، مؤكدًا أنها تأتي رد فعل على "السلوك العدائي الإيراني"16.
تبدو تصريحات ترامب متأرجحة بين التصعيد والتهدئة؛ فقد قال إن بلاده "لا ترغب في تغيير النظام الإيراني بل تغيير سلوكه"، وإن "إيران أمة عظيمة ولديها إمكانات يمكن أن تجعلها في وضع أفضل مما هي عليه"17. وكان التفاوض أو العودة إلى التفاوض، وفقًا للسياقين الأميركي والإيراني، جوهر محاولات التصعيد والتهدئة19، وهو أمر يبدو أقرب إلى الرغبة الأميركية. وفي السياق نفسه، هددت إيران بإغلاق مضيق هرمز بهدف الضغط حتى تمنع الولايات المتحدة من تشكيل تحالف إقليمي ضدها في المنطقة، ولعل هذا يُعدَّ سلوكًا تحاول فيه طهران التصرف بنوع من العقلانية من خلال التصعيد الكلامي الإعلامي لإحراج الرئيس الأميركي20. يأتي هذا السلوك أيضًا محاولةً للضغط على أطراف دولية، منها روسيا والصين والاتحاد الأوروبي، لمعرفة مواقفها ورصدها، وينسحب الأمر نفسه على الدول الثماني (اليابان، وكوريا الجنوبية، والصين، والهند، وتايوان، وتركيا، وإيطاليا، واليونان) التي قررت واشنطن عدم تجديد الإعفاءات لها بشأن شراء النفط الإيراني. ومن ثمَّ، كان ما قامت به إيران مجرد تصعيد كلامي، لأجل معرفة موقف
هذه الدول إن كانت ستلتزم أو تستجيب للضغوط الأميركية بشأن عدم شراء النفط الإيراني21. في السياق ذاته المرتبط بالرد الأميركي على سلوك إيران بعد الانسحاب من الاتفاق النووي، أعلن وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو Pompeo Mike، أن بلاده قررت إنهاء الإعفاء من العقوبات المرتبط بمنشأة فوردو النووية؛ نتيجة لبدء إيران نشاطات تخصيب اليورانيوم في هذه المنشأة. ولذا ستُنهي الولايات المتحدة إعفاء العقوبات المتعلقة بالمنشأة النووية اعتبارًا من منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2019. كما اتهم بومبيو مرشد الثورة الإيرانية، علي خامنئي، بابتزاز المجتمع الدولي لدفعه إلى قبول نشاطات النظام الإيراني المزعزعة للاستقرار، وأن خطوات إيران المتخذة مؤخرًا لتخصيب اليورانيوم ستزيد من عزلتها السياسية والاقتصادية عن العالم22. وأكد ضرورة تخلي طهران عن مواقفها الثورية وسياساتها الخارجية المزعزعة لأمن المنطقة واستقرارها "والتصرف كدولة طبيعية تحترم حقوق الإنسان." وشدد على أن "بلاده تريد أن يتمتع الشعب الإيراني بالحريات، وأن أموال النظام يتم إنفاقها على أمور تعود بالنفع على الشعب الإيراني لا على القوات الموالية لإيران في العراق أو حزب الله أو إنفاق الأموال للقيام بحملات اغتيال في جميع أنحاء أوروبا"23. اعتقدت إدارة ترامب أن الأزمة الاقتصادية المتزايدة في إيران قد تفتح الطريق للتفاوض أو تجبرها على ذلك، من خلال ضغوط شعبية يمارسها الشعب الإيراني على الحكومة لإعادة النظر في سياستها الخارجية. فالاقتصاد الإيراني يعيش أزمة، ويعاني مشكلات جمة مثل البطالة وغلاء الأسعار وانخفاض القوة الشرائية وانهيار سعر العملة؛ وهذه كلها عوامل تمثل تحديات بالنسبة إلى الحكومة الإيرانية وتضغط في اتجاه فعل شيء ما. فإيران شهدت احتجاجات شعبية واسعة منذ عام 2009 بسبب تردي الوضع المعيشي، وتجددت في نهاية 2017 ومطلع 2018؛ أي قبل انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي وفرض العقوبات المشددة على إيران. وتكرر ذلك مرة أخرى في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 حين خرجت احتجاجات شعبية واسعة شارك فيها العديد من المدن الكبرى مثل طهران ومشهد وشيراز وأصفهان وغيرها - حين قررت السلطات رفع الدعم عن سعر الوقود في محاولة للتعامل مع تبعات العقوبات الأميركية - للتنديد بالوضع الاقتصادي السيئ الناتج من هذه العقوبات القاسية التي أدت إلى ارتفاع نسبة التضخم إلى 43 في المئة24، وانكماش الناتج المحلي بنسبة 93. في المئة في عام 2018 25. في هذا السياق، ينبغي الإشارة إلى أن هناك اعتقادًا بأن الحكومات المتعاقبة في إيران منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية في عام 1979 فشلت في معالجة مشكلات الاقتصاد. فقد ظلت مشكلات النظام الاقتصادي والضريبي والمالي مستمرة منذ أربعين عامًا؛ بسبب الأولويات المختلفة للنظام السياسي الذي وضع في المقام الأول السياسة الخارجية والدور الإقليمي، ثم النظام الاقتصادي في المقام الثاني. أيد خامنئي قرار الحكومة برفع سعر النفط ثلاثة أضعاف26؛ ما يعني أن النظام الإيراني تعمّد إخراج الناس إلى الشوارع لإثبات أن هناك عاملً خارجيًا مؤثرًا هو الذي يحرّك الناس. فتاريخيًا، أي خلال أربع مراحل من العقوبات، رسّخ النظام الإيراني في الشعب فكرة مفادها أن ثمَّة عاملً خارجيًا يستهدف الاستقرار الداخلي للبلاد. وجدير بالذكر أن فكرة المؤامرة الخارجية موجودة في الثقافة الإيرانية السردية؛ نتيجة الإرث الاستعماري الذي يستهدف التدمير والتخريب الداخلي، و"أن البريطانيين هم البلاء." إن ما أراده الإيرانيون من احتجاجات عام 2019 هو إصلاح ما يمكن إصلاحه، فلا يوجد أي ضمان بأن تغيير النظام سيأتي بنظام ديمقراطي؛ لأن ثورة عام 1979، وكذلك الثورات التي سبقتها، أنتجت كلها أنظمة شمولية أو شبه شمولية. من ثمّ، قد تدفع هذه الاحتجاجات الداخلية إلى التأثير في سلوك إيران في الخارج. بناء عليه، فإن استمرار الولايات المتحدة في تضييق الخناق على الاقتصاد الإيراني من شأنه أن يجعل الداخل (الشعب) يضغط على الحكومة للتفاوض بشأن التخفيف من حدة العقوبات. فالعقوبات الاقتصادية أثرت تأثيرًا بليغًا في بنية الاقتصاد الإيراني، وخصوصًا في حياة المواطن الإيراني. ولذا من الضروري أن تركز طهران على الجانب الاقتصادي والمعيشي للمواطنين، والعمل على إنهاء الأزمات التي يعانيها الشعب؛ وهذا
لا يمكن أن يحدث في ظل العقوبات الأميركية على طهران وعلى من يتعامل معها. ويعني ذلك أن إيران قد تحتاج إلى أن تذهب إلى طاولة المفاوضات وتغير بعض سلوكياتها؛ فهذه المطالب ليست من المجتمع الدولي أو من الولايات المتحدة فحسب، وإنما أيضًا من الداخل. من ثمّ، لا يتحقق إنهاء أزمات إيران الداخلية، إلا إذا غيرت طهران سلوكها مثل وقف نشاطاتها الصاروخية ودعم الميليشيات التابعة لها؛ وهذا يتطلب تغييرًا في السياسة الخارجية الإيرانية وإعادة قراءة استراتيجيتها. لقد عملت إيران على تحمّل العقوبات الصارمة حتى انتهت ولاية ترامب. وقد تستخدم أيضًا وكلاءها في المنطقة "اللاعبين غير الحكوميين" Actors Non-State ورقةَ ضغط ضد الولايات المتحدة؛ فسياسة الحرب بالوكالة هذه تُعدّ من عوامل القوة التي تمتلكها طهران في المنطقة؛ فوجود وكلاء لها في العراق وسورية ولبنان واليمن يساعدها على استخدامهم في عدد من المواجهات مع واشنطن27. وتجدر الإشارة إلى أن قضية إيران بالنسبة إلى الولايات المتحدة قضية انتخابية، فالرئيس ترامب استعد للمشاركة في الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 28 بتبني سياسة التصعيد كلاميًا؛ لأنه لا يريد الدخول في حرب29 أو مواجهة عسكرية تؤثر في نتائج الانتخابات. كانت هناك فرصة لمواجهة عسكرية بعد أن أسقطت طهران في حزيران/ يونيو 2019 طائرة أميركية عسكرية مسيرة، لكن ذلك لم يحدث. فالرئيس الأميركي خالف معظم كبار مستشاريه في مجال الأمن القومي، وتخلى عن توجيه ضربات انتقامية مباشرة إلى إيران31. من ثمّ، يمكن تفسير السياسة الإيرانية بأنها كانت تحاول أن تضغط على إدارة ترامب من خلال التصعيد العسكري المحدود؛ لتضعها في موقف حرج مع الأجهزة الأميركية الرسمية ومع الكونغرس. أرادت إيران رفع العقوبات المفروضة عليها، والسماح لها بتصدير النفط، وإعادة الالتزام بالاتفاق النووي. وربما تطلّب ذلك وجود رئيس ديمقراطي ما بعد إدارة ترامب؛ لأنها لا ترغب في أي تفاوض معها، بسبب الانسحاب من الاتفاق وعدم الالتزام به32. إن ما تريده طهران هو أن يكون الاتفاق مع واشنطن متعدد الأطراف وألا تكون وحدها، واتضح ذلك جليًا من خلال ما حدث في اتفاق عام 2015. فانسحاب الولايات المتحدة وحدها منه لم يعنِ إلغاءه، بخاصة مع استمرار وجود بقية أطراف الاتفاق ورفضها الانسحاب مثل بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والصين، وروسيا. فمساهمة هذه الدول في الاتفاق أدت دورًا في تهدئة الموقف من خلال تمسكها به، رغم انسحاب واشنطن ومحاولتها إقناع الأطراف الأخرى بالانسحاب منه. لقد أدى غياب التواصل المباشر، وغياب الوسيط القادر على التقاء الطرفين الأميركي والإيراني، إلى الاضطراب في التصريحات بينهما33؛ لأن ذلك يعمق حالة الفهم الخاطئ والتصور السلبي عن الآخر ويجعل الإعلام هو ميدان التواصل، والذي تسيطر عليه بطبيعة الحال مصالح وسائل الإعلام وأجنداتها؛ وهو ما أذكى أجواء الخصومة والعداء. وفضلً عن ذلك، كان لحلفاء واشنطن في المنطقة، إسرائيل والسعودية والإمارات، تأثير؛ إذ هي تريد إضعاف إيران إقليميًا، وترى أن ذلك لن يتم إلا من خلال بوابة واشنطن وإدارة ترامب. أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة لا تملك استراتيجية متكاملة واضحة أو خطة شاملة للتعامل مع إيران، فهي تتبع نموذج الرمال المتحركة؛ أي إنها تتخذ قرارًا أو تتبنى سياسة جديدة في إطار رد فعل ضد السياسات الإيرانية في كل مرة. ولا تؤدي سياسة إيران في التصعيد إلى نتائج تعود عليها بالنفع، بل تزيد من الضغوط عليها. جاء اغتيال قاسم سليماني 2020-1957()، قائد لواء القدس في الحرس الثوري الإيراني، في سياق التصعيد الأميركي تجاه إيران، فصلً غير متوقع في العلاقة بين الطرفين. ففي 3 كانون الثاني/ يناير 2020، أُعلن عن مقتله في عملية عسكرية أميركية بالقرب من مطار بغداد الدولي، إلى جانب أبو مهدي المهندس 2020-1954()، قائد حزب الله العراقي ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق. ولم تتردد واشنطن في تبنيها العملية، واعتبارها دفاعًا عن مصالحها في المنطقة. واستندت السردية الأميركية في تبرير اغتياله إلى تهديد وشيك لسفاراتها ومصالحها، كان يخطط له سليماني مع ميليشيات عراقية وأخرى خارج العراق34. إن مثل هذه السردية كانت تحتاج إليها إدارة ترامب لكسب مزيد من التأييد داخليًا، وإظهار الرئيس مدافعًا صلبًا عن المصالح الأميركية وحمايتها، لا سيما في عام الانتخابات الرئاسية.2020
لقد مثّل اغتيال سليماني الفصل غير المتوقع في العلاقات الأميركية - الإيرانية؛ إذ كان الانتقال من استراتيجية تغيير النظام إلى الاكتفاء بممارسة الضغوط السياسية عبر العقوبات الاقتصادية التي تجعل النظام هشًا مما قد يضطره إلى تغيير سلوكه، وهي الاستراتيجية نفسها التي انتهجها أوباما وسار عليها ترامب. ورغم تغير الاستراتيجية، فإن الإجراءات السياسية والعدائية بين الطرفين لم تتراجع. لم يتأخر الرد الإيراني على اغتيال سليماني كثيرًا، ومع ذلك لم يكن ردًا مولِّدًا لرد فعلٍ أميركي مقابل. فقد استهدفت إيران قاعدة عين الأسد العراقية التي تعسكر فيها قوات أميركية، وتسببت في وقوع ارتجاجات عسكريًا أميركيًا وفق المصادر الأميركية35دماغية لحوالى 64. وبانتهاء الرد الإيراني، وبعد حرب كلامية مستعرة لتوظيف اغتيال سليماني لإجبار واشنطن على سحب قواتها من العراق، عادت التهدئة لتسود العلاقات بين البلدين، علنيًا على الأقل، وتبدل الخطاب المتعلق بإجبار واشنطن على الانسحاب من العراق، وحل مكانه طلب أميركي من الحكومة العراقية لنصب قواعد منظومة "باتريوت"36. لم تتوقف حالة التصعيد في العلاقة الأميركية - الإيرانية، بعد خسارة ترامب الانتخابات الرئاسية؛ إذ لم يتردد في اتهام إيران بأنها تقف وراء الهجوم الصاروخي الذي تعرضت له السفارة الأميركية في بغداد، في 20 كانون الأول/ ديسمبر 2020، وغرّد على تويتر مؤكدًا أن طهران تقف وراء هذا الهجوم، وهدد بتحميلها المسؤولية الكاملة عن أضراره. على الرغم من نفي جواد ظريف أي دور لبلاده في الهجوم، بدأت التحركات العسكرية الأميركية بإعلان وزارة الدفاع عبور الغواصة النووية "يو إس إس جورجيا" Georgia USS، المزودة بأكثر من 150 صاروخ توماهوك، مضيق هرمز لأول مرة، ترافقها سفن حربية أخرى37. وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية من جانب واحد فرض عقوبات على إيران، وحذرت من "عواقب" عدم الالتزام بها؛ فقد تصل إلى فرض عقوبات على الجهات التي تقف وراء هذه الإخفاقات. كما تعهدت إدارة ترامب "بعواقب" تشمل أي دولة عضو في الأمم المتحدة لا تلتزم بالعقوبات بحرمانها من الوصول إلى النظام المالي الأميركي وأسواق الولايات المتحدة. في المقابل، عارضت جميع القوى الكبرى الأخرى كالصين وروسيا ودول أوروبية فرض العقوبات على إيران. وجاء في رسالة فرنسية – بريطانية - ألمانية مشتركة أرسلت إلى مجلس الأمن أن "أي قرار أو إجراء بنِية إعادة" العقوبات لن يكون له أي أثر قانوني38. في هذا السياق، يشار إلى أن الرئيس روحاني ذكر في كلمة ألقاها في الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء، في نهاية آب/ أغسطس 2020، "أن العقوبات الأميركية تسببت في تراجع إيرادات البلاد بمقدار 900 تريليون ريال إيراني 214(مليار دولار)، منذ تطبيقها في أيار/ مايو "201839. لم تكتف واشنطن بالعقوبات المالية، بل عملت على تمديد الحظر على الأسلحة. وقد أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، في كانون الثاني/ يناير 2021، فرض عقوبات جديدة تستهدف كيانات عسكرية إيرانية، بسبب النشاطات المتعلقة بانتشار الأسلحة التقليدية40. وبحسب بيان للخارجية الأميركية، تم إدراج منظمات الصناعات البحرية والجوية والجو-فضائية الإيرانية ضمن القائمة السوداء. وأضافت أن "هذه المعدات العسكرية، التي تشمل قوارب هجومية وصواريخ وطائرات مسيرة، توفر وسيلة للنظام الإيراني لتنفيذ حملته الإرهابية العالمية"، وأنه تم فرض عقوبات بموجب سياسة مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، وأن هذه الكيانات '"تصنع معدات عسكرية فتاكة لعسكريي إيران'، بما فيهم الحرس الثوري، وهي منظمة إرهابية أجنبية مُصنفة أيضًا تحت سلطتنا تستهدف ناشري أسلحة الدمار الشامل وأنصارهم"41. ومع استمرار إدارة ترامب في معاقبة إيران اقتصاديًا، جاءت حادثة اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده 2020-1958() في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 لتزيد من حجم الضغوط السياسية والأمنية على النظام في طهران. فهو يُعدّ شخصية محورية وقيادية في البرنامج النووي الإيراني بحسب تقارير الأمم المتحدة وما تعتقده الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأجهزة المخابرات الأميركية42. وأدى
اغتياله إلى ارتفاع وتيرة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؛ إذ وجهت إيران اتهامًا إلى إسرائيل بالمسؤولية عن الهجوم مع ما تضمنه ذلك من إشارة إلى أن ترامب "بارك عملية القتل." فقد قال جواد ظريف إن هناك "مؤشرات خطيرة على دور إسرائيلي"، ودعا الدول الغربية إلى أن "تنهي معاييرها المزدوجة المخجلة وأن تدين هذا العمل الذي هو إرهاب دولة"43. ويمكن القول إن اغتيال فخري زاده قبل نهاية فترة ولاية الرئيس ترامب كان هدفه زيادة التوتر، وتعطيل مسيرة العودة إلى الاتفاق النووي التي كان يعد بها الرئيس الحالي جو بايدن، أثناء حملته الانتخابية؛ وذلك بجعل استئناف المفاوضات الدبلوماسية مع إيران أمرًا معقدًا. إزاء كل الخطوات التي اتخذتها إدارة ترامب، عادت طهران إلى تخصيب اليورانيوم ورفعت نسبته إلى 20 في المئة في مفاعل فوردو. وتُعدّ هذه الخطوة مخالفة للاتفاق النووي الذي نص على ألا تزيد إيران نسبة التخصيب على 673. في المئة. وتصر طهران على أنها لم تخالف ما ورد في الاتفاق؛ لأن الولايات المتحدة لم تلتزم به وأعادت فرض عقوبات اقتصادية أشد قسوة عليها، وهو ما ألحق ضررًا بالغًا باقتصادها44. استمرت إيران في ردها على الخطوات الأميركية، من خلال فرض عقوبات على مسؤولين أميركيين أُدرجوا على القائمة السوداء، وذلك بسبب دورهم في النشاطات الإرهابية والمناوئة لحقوق الإنسان ضد إيران ومواطنيها، ومنهم وزير الخارجية السابق بومبيو، ووزير الدفاع السابق مارك إسبر Isber Mark، والقائم بأعمال وزير الدفاع كريستوفر ميلر Miller Christofer، ووزير الخزانة ستيفن منوتشين Mnuchin Steven. وتم كذلك ضمن القائمة نفسها إدراج جينا هاسبل Haspel Gina مديرة وكالة الاستخبارات المركزية، ومستشار الأمن القومي السابق جون بولتون Bolton John، والمبعوث الأميركي السابق لإيران برايان هوك Hook Brian، وممثل واشنطن الخاص لشؤون إيران وفنزويلا إليوت أبرامز Abrams Elliott، ومسؤولة العقوبات في وزارة الخزانة أندريا جاكي Andrea Gacki 45.
ثًالث ا: التبعات على منطقة الخليج
إن تعزيز إدارة ترامب سياسة الضغط على إيران، واستمرار العقوبات ومنع تصدير النفط الإيراني، ثم اغتيال سليماني، عوامل فرضت على المنطقة أنواعًا متعددة من التصعيد الإيراني؛ لأن طهران ترغب في ممارسة أنواع مختلفة من الضغط على الولايات المتحدة وتصعيد حدة التوترات. جرى استهداف ناقلتَي نفط في منطقة الخليج قادمتين من السعودية والإمارات في 13 حزيران/ يونيو 2019 في مياه بحر عمُان قرب مضيق هرمز، أدى إلى حدوث انفجارين كبيرين بهما. فقد ذكرت تقارير أن النيران اشتعلت في ناقلة بخليج عمان46 بعد هجمات تخريبية استهدفت ناقلات في وقت سابق بالقرب من إمارة الفجيرة، أحد أكبر مراكز تزويد السفن بالوقود في العالم47. جاء هذا الهجوم في أعقاب هجوم سابق في 12 أيار/ مايو 2019 استهدف ناقلتي نفط سعوديتين وسفينة إماراتية وناقلة نرويجية في ميناء الفجيرة الإماراتي، من دون أن يؤدي إلى سقوط ضحايا. لكنّ هجوم 13 حزيران/ يونيو أثار قلقًا في المنطقة، واعتبُر تنفيذًا لتهديد إيراني سابق بتهديد الملاحة في مضيق هرمز. فقد أشار رئيس الأركان محمد باقري، في 28 نيسان/ أبريل 2019، إلى عدم السماح بمرور ناقلات النفط من مضيق هرمز إذا مُنعت شحنات النفط الإيرانية من المرور بموجب عقوبات أميركية. ورغم أن باقري أكد أن بلاده لا تنوي إغلاق المضيق، إلا إذا وصل "عداء الأعداء" إلى درجة لا تُبقي خيارًا غيره، فإنه قال: "نريد أن يكون الممر (مضيق هرمز) مفتوحًا [...] السفن البحرية الأميركية مجبَة على التعامل معنا أثناء عبورها المضيق"، وأضاف أن القوات الأميركية في الخليج "أبدت تعاونًا حتى اللحظة، وتردُّ على أسئلة (الحرس)، ولم تغير سلوكها"48. وأدى التوتر المتصاعد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وحلفاء خليجيين وغربيين لها من جهة أخرى، إلى إطلاق تحذيرات من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية. ووجهت واشنطن والرياض إلى طهران تهمة استهداف سفن تجارية ومنشآت نفطية في الخليج، وهو ما نفته إيران وعرضت توقيع اتفاقية "عدم اعتداء" مع دول الخليج لإثبات ذلك.
وزادت حدة التوتر إثر احتجازها ناقلة نفط بريطانية في مضيق هرمز في 19 تموز/ يوليو 2019، ردًا على استمرار احتجاز لندن ناقلة نفط إيرانية49. وتصاعدت التحذيرات من حرب محتملة آنذاك نتيجة استقبال السعودية قوات أميركية للمرة الأولى منذ 16 عامًا، وأعلنت البحرية الأميركية وصول ثلاث سفن حربية، إحداها هجومية، إلى منطقة الشرق الأوسط بهدف "الدفاع عن أمن واستقرار المنطقة"50. وفي مقابل التصعيد، شهدت ولاية ترامب محاولات اعتماد الطرائق الدبلوماسية للتهدئة في المنطقة، صادرة عن إيران وبعض دول الخليج العربية. فقد عرض الرئيس روحاني خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 27 أيلول/ سبتمبر 2017 مبادرة للسلام51، سُمّيت "مبادرة هرمز لتحقيق التقدم والرخاء" (الأمل) على مختلف الصعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وتأسيس علاقات ودية، وإطلاق عمل جماعي لتأمين إمدادات الطاقة وحرية الملاحة في مضيق هرمز باعتباره المجال الأكثر حيوية وأهمية لجميع دول الخليج. وأتت هذه المبادرة، في ظل جهد واشنطن لتشكيل تحالف للحفاظ على الأمن الملاحي في مضيق هرمز والخليج، والذي جاء مرتبطًا بتحميل الولايات المتحدة والسعودية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا المسؤولية كاملة لإيران وللحرس الثوري عن الهجمات على ناقلات النفط في ميناء الفجيرة وفي بحر عمان ومنشآت النفط في 12 أيار/ مايو.2019 يبدو توقيت طرح مبادرة هرمز للسلام لافتًا؛ إذ وُجهت انتقادات إقليمية ودولية إلى سياسات إيران. فعلى سبيل المثال كانت العلاقة بين السعودية وإيران تمر بفترة حرجة، يصحبها خطابات عدائية من كلا الطرفين، فضلً عن الظروف التي تمر بها إيران من استمرارٍ وتصعيدٍ للعقوبات من جانب الولايات المتحدة. وفي الوقت ذاته، يلاحظ غياب كلّ لأي تعاون من أي قوة أوروبية للتخفيف من حدة هذه العقوبات. تربط إيران هذه المبادرة بالفقرة الثامنة من قرار مجلس الأمن رقم)1987(59852، وتتخذ منه أساسًا قانونيًا؛ فبموجبه قبلت في عام 1988 وقف حربها ضد العراق. وقد جاء التأكيد في الفقرة الثامنة من هذا القرار على ضرورة العمل على توفير سبل تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين من خلال التشاور مع إيران والعراق ودول إقليمية أخرى؛ لأن السنوات الأخيرة من الحرب العراقية - الإيرانية شهدت توسعًا في حرب الناقلات لتشمل ناقلات نفطٍ لبلدان أخرى تمر عبر مضيق هرمز.
وعلى الرغم من الضغوط الأميركية على إيران، والتي تُعتبر الرياض وأبوظبي شريكتين فيها وفقًا للاعتقاد الإيراني الذي يرى أنهما تحرضان واشنطن على ممارسة ضغوط كبيرة عليها، فإن بعض التواصل الدبلوماسي كان قائمًا بين الرياض وأبوظبي وطهران. فقد أبرمت الإمارات اتفاقًا للتعاون الحدودي مع إيران53، في أواخر تموز/ يوليو 2019، نص على عقد اجتماعات كل ستة أشهر. وجاء ذلك وسط توتر أمني في منطقة الخليج. وتم إبرام الاتفاق بعد محادثات عقدها قائد قوات حرس الحدود الإيراني العميد قاسم رضائي، وقائد قوات خفر السواحل الإماراتي العميد محمد علي مصلح الأحبابي والوفد المرافق له في طهران "لبحث سبل توسيع العلاقات الدبلوماسية وتعزيز أمن الحدود بين البلدين"54.
ولم تقطع السعودية علاقاتها مع إيران؛ فقد كشفت وسائل إعلام إيرانية تفاصيل لقاء جمع مسؤولً إيرانيًا بآخر سعودي في مكة المكرمة أكدا فيه التعاون بين بلديهما55. وجمع اللقاء رئيس منظمة الحج والزيارة الإيرانية علي رضا رشيديان ووزير الحج والعمرة السعودي محمد صالح بن طاهر بنتن. وجاء تأكيدًا لما أدلى به وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات أنور قرقاش بأن موقف بلاده من إيران يأتي متزامنًا بالتنسيق مع السعودية؛ بهدف تفادي المواجهة مع طهران واللجوء إلى الدبلوماسية والعمل السياسي56.
وتتصدر الإمارات قائمة الدول العربية من حيث التبادل التجاري مع إيران، بقيمة 14 مليار دولار تقريبًا وذلك في الفترة آذار/ مارس 2020 - آذار/ مارس 2021 57، وتستحوذ إمارة دبي وحدها على نحو 90 في المئة من إجمالي حجم التبادل التجاري الإماراتي مع إيران. وتعتبر الإمارات أكثر الدول المصدرة لإيران على مستوى العالم، إذ تشكل صادراتها نحو 03 في المئة من واردات إيران58. يبدو أن الإمارات اعتبرت تولي ترامب الرئاسة في عام 2017 فرصة لتحجيم إيران، لكن إدارته راوحت مكانها في التعامل مع طهران بشدة؛ وذلك بسبب انقسام المجتمع الدولي حول الإجراءات الأميركية59. كما أن الإدارة الأميركية أوضحت أنها غير مستعدة للقتال من أجل أحد60. فعلى الرغم من سياسة الضغوط القصوى وما تبعها من عقوبات، فإنها لم تكن مستعدة لشن حرب بالنيابة عن أي طرف. من هنا، اتجهت الإمارات إلى تحسين علاقتها مع إيران61. وقد تبع ذلك الإعلانُ عن نيتها توقيع اتفاق مع إسرائيل لتطبيع العلاقات62، فجاءت اتفاقات أبراهام بين الإمارات والبحرين من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى في 13 آب/ أغسطس 2020 63. وتمثل الرد الإيراني على ذلك في المعارضة التامة؛ إذ قال اللواء علي فدوي، نائب قائد الحرس الثوري الإيراني في 22 آب/ أغسطس 2020، إن أي "خطوة لفتح أبواب المنطقة للكيان الصهيوني ستجلب الهزيمة والمذلة للدول التي تتعاون مع إسرائيل"، وأكدت إيران أن الوجود الإسرائيلي في المنطقة سيهدد استقرار الأنظمة الخليجية وأمنها.
خاتمة
يمكن القول إن الاتفاق النووي مع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا كان ضروريًا لإيران، من أجل الهروب إلى الأمام والتخفيف من النتائج التي خلفها الربيع العربي وتحولاته على صورة طهران وما أصاب حلفاءها. فالاتفاق كان فرصةً للتعامل مع "الدول الكبرى" أملً في تقوية النظام داخليًا عبر بوابة الاقتصاد وإعادة تعريفه وتجديد الشرعية له، ومناسبةً لتشكيل صورة إيجابية مع هذه الدول. بناءً عليه، كانت العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب تستهدف إبقاء النظام السياسي الإيراني في مربع النظام المشبوه المعزول؛ لأن الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي يعني إعادة النظام السياسي الإيراني إلى حيث كان قبل عام 2015. إن الأزمة بين الجانبين الأميركي والإيراني، التي كان آخر فصولها اغتيال قاسم سليماني ومحسن فخري زاده، تطورت منذ الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي؛ وهي أزمة ثنائية بين واشنطن وطهران وليس لمجلس الأمن أو أي تحالف دولي دور فيها ضد إيران. وفي هذه الأزمة، اختبار لصبر الطرفين على إدارتها وتجنب الاصطدام المباشر. فقد وضع كلاهما خطًا أحمر لتفادي حصول المواجهة الحقيقية؛ فاستهداف المصالح الأميركية بالنسبة إلى واشنطن خط أحمر، أما بالنسبة إلى إيران فتمثّل في عدم قدرتها على تصدير نفطها؛ لأن ذلك يعني منع تصدير النفط عبر مضيق هرمز. فحتى نهاية رئاسة ترامب، لم يعتبر أحد الطرفين أن الآخر تجاوز الخط الأحمر الذي وضعه، وهذا قد يعني أن بينهما حالة سيولة. قامت إدارة ترامب أو شاركت في ثلاث عمليات عسكرية في دول فيها حضور لإيران: الأولى في اليمن ضمن ما يُسمّى الحرب على الإرهاب عام 2017؛ والثانية في سورية بعد استخدام النظام السوري أسلحة كيماوية؛ والثالثة في العراق جرى فيها اغتيال سليماني. ويبدو أن هذه العمليات كانت مدفوعة بحسابات سياسية شخصية لترامب وبقاعدته الانتخابية، وحرصه على البقاء في البيت الأبيض فترة رئاسية ثانية تمتد حتى عام.2025
يشير الانتقال السياسي الذي شهده البيت الأبيض بفوز بايدن بالانتخابات الرئاسية، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، إلى تغيّ في ديناميات العلاقة بين واشنطن وطهران. فقد أكد أثناء حملته الانتخابية أنه يهدف إلى العودة إلى الاتفاق النووي و"تغيير المسار." أما إيران، فحريصة على أن يتم التخفيف من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. إن مسألة التغير السياسي في واشنطن والسير نحو خفض التصعيد تكاد تكون السمة الأبرز لبداية رئاسة بايدن، لكن النيات لا تبدو كافية، لا سيما بعد التركة الثقيلة التي خلّفها ترامب. إنها تركة ضاعفت من تعقيدات الملف النووي، وأضافت إليه سياسة إيران الإقليمية وكذلك قدراتها الصاروخية. فقد دفعت إلى ضرورة معالجة هذين الأمرين جنبًا إلى جنب مع الملف النووي؛ وهو الأمر الذي ترفضه طهران. لكن هذه الأجواء الملبدة بعدم الثقة لا تُخفي رغبة طهران وواشنطن في التوصل إلى حلول ترضي الطرفين؛ ما يجعل الباب مفتوحًا أمام نوع من التغيير في أسلوب التعامل الأم كيرر بعامة، وهو تغيير سيكون بطيئًا، ومن ثمّ لا يخدم إيران التي تريد الخروج سريعًا من مستنقع العقوبات وآثاره السيئة. من جهة أخرى، فإن الإدارة الأميركية الجديدة تغادر مربع التعامل الأحادي الجانب في التعامل مع إيران، وتعود إلى صيغة 1+5()؛ وهو ما ينسجم مع سياسة بايدن الخارجية التي تريد لواشنطن أن تعمل مع شركائها في القضايا الدولية، ومنها إيران. ولكي يكتمل المشهد الجديد بين إيران والولايات المتحدة، فلا بد من انتظار الرئيس الإيراني الذي ستأتي به الانتخابات الرئاسية الثالثة عشرة، في 18 حزيران/ يونيو 2021، حيث تسعى كل الأطراف حاليًا إلى شراء الوقت لتفويت الفرصة أمام أي محاولة للتصعيد، وفي الوقت نفسه تحسين وضعها في أي عملية تفاوض مستقبلية بعد صيف.2021
المراجع
العربية
أبو القاسم، حمدي محمود. "السياسة الأميركية تجاه إيران بعد ترمب... ضغوط مكثفة ومواجهة غير مستبعدة." المعهد الدولي للدراسات الإيرانية. 2017/8/14:. في https://bit.ly/3bYKmRx بن يحي، عتيقة. "السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إيران في ظل إدارة دونالد ترامب." مجلة البحوث في الحقوق والعلوم السياسية. مج 4، العدد 2 في https://bit.ly/3wr37Vv:. "اتفاق 'أبراهام:' تطبيع علاقات أم إعلان عن تحالف قائم بين الإمارات وإسرائيل؟." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2020/8/16. في https://bit.ly/3dBtf9n:. "التقارب الإماراتي الإيراني. حدود التفاهم والتداعيات." مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات. 2019/8/10:. في https://bit.ly/3sDs2m7 الزويري، محجوب. "محددات السياسة الأميركية تجاه إيران في ظل عهد مجلة دراسات. مج ترمب: بين الثابت والمتغير." 4، العدد 1.)2017(الصمادي، فاطمة. '"ترامب' و'لجم إيران:' محددات الواقع تقارير. مركز الجزيرة للدراسات الجيوسياسية.". 2017/2/27. في: https://bit.ly/3ve6sXz الأميركية الإيرانية بعد رفض العقوبات "العلاقات -احتمالات التصعيد والاحتواء." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2018/8/9. في https://bit.ly/3v69pJh:. العيسوي، سعد أشرف. "العلاقات الأمريكية - الإيرانية في ظل "كوفيد 19-:" القضايا الشائكة وسيناريوهات المستقبل." مركز تريندز للبحوث والاستشارات. 2020/6/21:. في https://bit.ly/3udf6UZ مالوني، سوزان. "للأزمة الأميركية الإيرانية مسارٌ لتخفيف الاحتدام: كيف نحرص على اتّخاذه." مركز بروكنغز. 2019/6/19. في: https://brook.gs/3gr8rTW النداوي، خضير عباس. "العلاقات الإيرانية - الأميركية: المتغيرات ورقات تحليلية. مركز الجزيرة للدراسات والمسارات.". 2019/5/6. فh يttps://bit.ly/3fsRK8u:
الأجنبية
Alcaro, Riccardo. "Europe's Defence of the Iran Nuclear Deal: Less than a Success, More than a Failure." The International Spectator. vol. 56, no. 1 (March 2021). Bahgat, Gawdat. "US-Iran Relations under the Trump Administration." Mediterranean Quarterly. vol. 28, no. 3 (2017). at: https://bit.ly/3fckZO5 Katzman, Kenneth, Kathleen J. McInnis, & Clayton Thomas. U.S.-Iran Conflict and Implications for U.S. Policy. Congressional Research Service. 8/5/2020. at: https://bit.ly/341rPPN Vatanka, Alex. "U.S.-Iran Relations: Recommendations for the Next President." Middle East Institute Policy. Focus Series 2016-2017. July 2016. at: https://bit.ly/3hH5Sxt Zweiri, Mahjoob. "The UAE-Israel Normalisation 'If You Can't Convince Them, Confuse Them'." Gulf Insights Series , no. 35. Gulf Studies Center & College of Art and Sciences (August 2020). at: https://bit.ly/2Qn7mSr