"اللاهوت السياسي"

Rana Barout رنا باروت |

.Politische Theologie عنوان الكتاب في لغته: اللاهوت السياسي عنوان الكتاب:. المؤلف: كارل شميت.Carl Schmitt المترجم: رانية الساحلي وياسر الصاروط. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر:.2018 عدد الصفحات: 192 صفحة.

"Politische Theologie"

مقدمة

تميزت أفكار الفقيه القانوني والدستوري والفيلسوف السياسي كارل شميت 1985-1888() بإشكاليتها وإثارتها الجدل، وإدانة كثيرين لها؛ بوصفها أيديولوجيا تقوم على إكبار نموذج الدولة الدكتاتورية، وإبراز محورية دور القائد السلطوي فيها التي بدت كأنها احتفاء بصعود أدولف هتلر إلى سدة الحكم في ألمانيا النازية، وتبرير للحروب التي خاضها هتلر وللجرائم التي ارتكبها في حق اليهود (المحرقة)، ولا سيما أن شميت كان عضوًا سابقًا في الحزب الاشتراكي القومي الألماني/ النازي، وشارك بعد أيام قليلة من التحاقه بالحزب في إحراق كتبٍ لكتّاب يهود، ونادى بتطهير أوسع، يشمل كتب المؤلفين المتأثرين باليهودية وأفكارها، إضافة إلى مطالبته بإزالة أيّ أثر يهودي في القانون الألماني، واعتباره مسألة الهولوكوست (المحرقة) جزءًا جذابًا من شيطنة الدولة العلمانية الحديثة. إلا أنّ النازيين لم يطمئنوا إليه ووجدوا فيه ضعف عداء لليهود أو للسامية، فأخرج، بعد سنوات قليلة، من الحزب. ولكن بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وسقوط النازية، قُدّم شميت إلى محكمة نورنبيرغ الخاصة بمحاكمة النازيين ومرتكبي الجرائم، إلا أنها فشلت في العثور على أدلة تدينه بالقيام بأعمال نازية تستدعي المحاكمة والتجريم. وعُيّ شميت، بعد انتسابه إلى الحزب النازي، رئيسًا لتحرير الجريدة الحقوقية النازية Zeitung Deutsche Juristen، ونشر فيها مقالة بعنوان "القائد يحمي القانون" تبريرًا للاغتيالات التي قام بها هتلر ضد معارضيه، وطوّر نظريته في القيادة الاستبدادية في الظروف الاستثنائية (ص. 9) تميزت أفكار شميت بأهميتها، خاصة في حقل السياسة والعلاقات الدولية، ذلك أنه عُرف بنقده الديمقراطية والنظام الليبرالي. صدرت لشميت أعمال عديدة تمثّلت بكتيّبات صغيرة، كان أهمها العلم الدستوري Die Verfassungslehre، وكتابه اللاهوت السياسي في طبعته الثانية المعدّلة وفي النسخة العربية المترجمة جزآن: يبحث الجزء الأول منه، مفهوم الحكم ودور القانون وشرح اللاهوت السياسي، في حين يدور الجزء الثاني حول رد شميت على إريك بيترسون Peterson Eric 1960-1890() ومجموعة المفكرين الذين نظّروا لانتهاء اللاهوت السياسي. وقد نشر شميت الجزء الأول في عام بعنوان اللاهوت السياسي 1922، ثم أعاد تنقيحه وطبعه في برلين في تشرين الثاني/ نوفمبر 1933، أي في العام الذي صعد فيه هتلر إلى السلطة، ويبدو فيه تأثره الشديد بتوماس هوبز Hobbes Thomas 1679-1588() الذي يبني في كتابه اللفياثان Leviathan نظرية العقد الاجتماعي على الخضوع لسلطة ذات قوة وسيادة مطلقتين. أما في الجزء الثاني من الكتاب الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 1969، فعاد شميت من جديد ليدافع عن آرائه المطروحة في الجزء الأول، وليردّ على نحو منهجي محكم على الآراء الناقدة للاهوته السياسي التي وصفته بالمنتهي، كاشفًا بذلك الثغرات التي تخللت حجج معارضيه.

الجزء الأول: مفهوم الحكم

1. السيادة ومشاكلتها (الشكل القانوني والقرار)

عرّف شميت مسألة السيادة على أنها حالة "الاستثناء" التي تظهر جليًا في اللحظات الطارئة والاستثنائية التي تلحق بالدولة، والتي تعرّض شخصها وهويتها وأمنها لخطر محدق يهدد كيانها جميعًا. ومن ثَمَّ تبرز الحاجة إلى وجود قرار مستقل وحكيم ينبع من جهة مسؤولة رفيعة المستوى في الدولة، متمثلة بالحاكم نفسه الذي عرّفه شميت ب "الحاكم السيادي" (ص. 23)، صاحب القرار الأخير في الحالات الاستثنائية. ويفسر الاستثناء هنا بأنه قضية أقصوية حساسة بالغة الأهمية، قد تصل إلى المساس بوجودية الدولة، وبناءً عليه، يبرز الدور الجوهري للحاكم السيادي. وهو، بالضبط، ما تعجز عنه الآلية الليبرالية التي تأخذ حيزًا كبيرًا من الوقت في معالجة القرار، واتخاذه في الحالات الاستثنائية؛ ذلك أنها مقيّدة بمجموعة من البروتوكولات والعمليات المعقدة المعرقلة لعملية اتخاذ القرار، وفي الحصيلة تصبح الدولة معرضةً للخطر. ويؤكد شميت أنه في الحالات الاستثنائية التي تمر بها أي دولة سيادية، يجب على الشعب أن يتوقّع تعليق سريان بعض القوانين الحاكمة لعلاقة الحاكم بالشعب، ذلك أن الدولة التي تعتبر القيمة الأعلى تتعرض وجوديًا لخطر محدق، وبناءً عليه، فإنّ الحاكم السيد لديه كامل الصلاحيات لاتخاذ مجموعة من القرارات الاستثنائية التي لم تكن لتحدث في الحالات الطبيعية، بعكس طرح الليبرالي هانز كيلسن Kelsen Hans 1973-1881() الذي نفى فكرة السيادة، واعتبر كبحها أمرًا واجبًا، نظرًا إلى أن الشعوب اليوم لم تعد تحت سلطة أشخاص، بل هي الآن تحت سلطة القانون الذي يمثل بدوره جوهر الدولة الحديثة، وهو ما وصفه شميت بأنه النفي القديم نفسه الذي طرحته الليبرالية حول المسألة متهمً إياها بتجاهل المشاكل المستقلة لإنفاذ القانون.

2. اللاهوت السياسي وفلسفة الدولة المضادة للثورة

يرى شميت أن المفاهيم الحديثة للدولة قد تمّت علمنتها بما يتوافق مع التطور التاريخي للدولة الحديثة ولمنهجيتها، فقد تحوّل الحاكم السابق صاحب القرار الأخير الذي كان يتمثل بالإله الذي يمنح عباده الضعاف المتأزمين الخلاص عبر تقديم المعجزات، إلى الحاكم السيد الذي يحرر الدولة من الخطر المحدق بها عبر حالة الاستثناء التي حلّت مكان المعجزة الإلهية. وبناءً عليه، فإن الحاكم السيد هو نفسه المخلّص الأول لشعبه من الضعف والأزمات التي تصيبهم وتصيب دولتهم. فيتشكل لدينا لاهوت جديد معلمن، إذ تصبح الدولة نفسها هي التي تقرر مصير الشعب وشؤونه عبر مجموعة من القوانين الشرعية الوضعية، فهي قد تعفو وتغفر تمامًا كالإله، وتصبح الشيء الوحيد الذي يعلو فوق القانون، وهو، بالضبط، الوجه المعاكس للطرح الليبرالي الذي جرّد الدولة من المفهوم الثيولوجي عبر فصلها عنه، فبالنسبة إلى شميت فإن "مفاهيم النظرية الحديثة للدولة كلها ذات الدلالة هي مفاهيم لاهوتية معلمنة" (ص. 49) ولتأكيد ذلك، استعان شميت بأفكار الفلاسفة جوزيف دو ميستر Maistre de Joseph 1821-1753()، وخوان دونوسو كورتيس 1853-1809(بونالد دو ولويس)، Juan Donoso Cortés Bonald de Louis 1840-1754() الذين عرفوا بأنهم رومانسيون محافظون، تغنّوا بالعصور الوسطى، ونظّروا للثورة المضادة رافضين فيها الثورة الفرنسية وتبعاتها، وأنهم أدركوا ضرورة وجود قرار يحكم زمانهم. فقد تميّز فكر دو ميستر بأنه تحدث عن السيادة وأهمية صدور القرار الأخير غير القابل للطعن، فبالنسبة إليه تأخذ الدولة دور الكنيسة السابق في تحديد الصواب من الخطأ، والقرارات جميعًا الصادرة عن هذه الجهة يستحيل أن تكون خاطئة. وبناءً عليه، يجدها دو ميستر معصومة من الخطأ، ويصفها بالحكومة المطلقة. أما دونوسو كورتيس الذي تحدث عن عقيدة الخطيئة، فقد عرّف الإنسان بأنه شرير بطبعه، وأن ما قيّد طبيعته العدوانية هو العقد الاجتماعي الذي أجبره على أن يكون خيّ ا. لكن شميت رأى أنّ الإنسان يقع في المنطقة الرمادية، وخاصة في مسألة تحديد الصديق من العدو، مستعينًا في ذلك بالتناقضات التي كانت عند بونالد، منظّر الثورة المضادة والمعادي جذريًا لليهودية الذي شغل نفسه بتفسير التناقضات الموجودة بين "العدم والوجود" و"الإله والشيطان" و"الخير والشر"، والذي ميّز بنيته الفكرية عن دو ميستر وكورتيس. وفي الحصيلة، فإن شميت يرى في فهم تطور الفلسفة المضادة للثورة ضرورة فهم الشرعية والدكتاتورية وإدراكهما.

الجزء الثاني: أسطورة إنهاء كل لاهوت سياسي

يعود شميت بعد مرور ثمانية وأربعين عامًا على صدور الجزء الأول من اللاهوت السياسي، ليردّ على المفكرين الذين قالوا بانتهاء اللاهوت السياسي واصفًا قولهم ب "الأسطورة"، إذ يسعى شميت، على نحو مكثف في الجزء الثاني من الكتاب الذي يعدّ آخر ما كتبه، إلى دحض منهجي تفكيكي لمقولة إريك بيترسون التي تزعم "انتهاء اللاهوت السياسي" والتي دافع عنها واعتبرها يقينًا حتميًا في كتابه التوحيد باعتباره مشكلة سياسية: مساهمة في تاريخ اللاهوت السياسي في عهد الإمبراطورية الرومانية 1935()، وقد اقتصرت في موضوعها على مسألة التوحيد والنظام الملكي، مستندة في مصادرها التاريخية إلى القرون الوسطى، إذ يتمسك بيترسون في أطروحته هذه بالمفهوم الأوغسطيني في تعريف المملكتين (المدينتين) المختلفتين، مدينة الله ومدينة الدنيا (الإنسان.) وبناءً عليه، فإنه من الاستحالة أن يكون هنالك لاهوت سياسي، وهو ما دفع شميت إلى اعتبار ذلك هروبًا من الأزمة الحقيقية التي عانتها البروتستانتية والكاثوليكية الألمانية، نوعًا ما، عند صعود النازية في أوائل الثلاثينيات، إذ يرى شميت أن بيترسون يتجاهل تلك الأزمة، "بينما لم يعد ممكنًا التمييز بوضوح بين المملكتين سواء من حيث الماهية أو المادة" (ص. 91) ولا يكتفي شميت بذلك، بل ينتقل لينقد المفكّرين الذين أيّدوا طروحات بيترسون حول نهاية اللاهوت السياسي كهانس ماير 1931(Hans Maier وإرنست فايل) 2013-1932(Ernst Feil) وإرنست توبيتش Topitsch Ernst 2003-1919()، وينتقل منهجيًا إلى نقد مقالة بيترسون نفسها ودحضها فكرة تلو الأخرى، مع إبراز ما يراه شميت محدودية أسئلتها وأدلتها، مستعينًا بمقالات سابقة له؛ ليبرز التناقض والقصور فيما يقوله بيترسون في مقالة، ويسكت عنه في مقالة أخرى، ويستعين بعدها بطرح تاريخي لتطور اللاهوت السياسي الغربي والمعرفي للمرحلة التي سبقت العصر الإمبراطوري المسيحي، وصولً إلى لحظة ادعاء "نهاية اللاهوت السياسي"، وفي الحصيلة يمكن القول إنَّ رد شميت هنا كان قائمًا على رؤية جديدة لتاريخ الفلسفة السياسية وقانونيتها الدستورية التي ارتبطت بمفهومَي الدولة والسياسي على حد سواء. ويختتم شميت هذا الجزء بطرح يستأنف النقاش حول الطرح السابق المُقر بنهاية اللاهوت السياسي، مبيّنًا أنّ أي تأييد لهذا الطرح هو نفي علمي لأي لاهوت سياسي، وتكريسٌ لطرح بيترسون، وأن المعارف اللاهوتية الأنثروبولوجية والكوزمولوجية (الكونية) التي فتحت بدورها آفاقًا جديدة مذهلة، وأنّ أيّ نفي فيها ليس سوى

بداية محاولة فتح نقاش بهدف إعداد خاتمة لبحث تحليلي حول إنهاء مسألة اللاهوت السياسي. ويطرح أخيرًا، سؤالً مكثفًا حول الحرية التي رغب في الإجابة عنها في بح ث لاحق، إلا أن الوقت لم يسعفه، لكنه طرح في مقولته أنّ "حرية الإنسان هي الغاية العليا" وأن "الحداثة تحلّ محل الحرية"، فهل الحداثة العلمية التقنية الصناعية الجديدة هي نفي لتلك الغاية العليا أي الحرية؟ إنّه السؤال الذي أبقاه شميت مفتوحًا إلى هذا اليوم.

نقد في اللاهوت السياسي

يعود البحث الفلسفي في إشكالية العلاقة بين اللاهوت والسياسة إلى باروخ سبينوزا Spinouza Baruch 1677-1632() الذي تعمق في فلسفة رينيه ديكارت Descartes René 1650-1596()، والذي ألف في هذا السياق كتاب مبادئ الفلسفة الديكارتية لكنه طبّق المنهج الديكارتي في مجالين تحاشى ديكارت البحث فيهما، هما الدين والسياسة، فكان كما رأى حسن حنفي أول من طبّق المنهج الديكارتي في المجالين اللذين استبعدهما ديكارت، وكان كتابه رسالة في اللاهوت والسياسة 1670() الذي بات يعتبر صاحب الثورة الجذرية في الفكر الديني الحديث بعد أن كان ديكارت قد قدّم إصلاحًا جزئيًا بالنسبة إلى الفكر الديني في العصر الوسيط؛ حيث بحث فيه مسألة الصلة بين الدين والدولة من حيث إن اللاهوت ليس نظرية في الله فحسب بل نظام اجتماعي ينتج منه نظام سياسي1. إلا أن مفهوم اللاهوت السياسي في الفلسفة السياسية الحديثة يعود إلى كارل شميت الذي كان أول من صاغه ووضعه بشكله الحالي، وأبدل فيه دور الكنيسة السياسي واللاهوتي المسيطر على الشؤون الأوروبية سابقًا بدور الحاكم ودولته السيادية التي تتحكم في شؤون الدولة كافة مع إضفائه الطابع اللاهوتي عليها. وقد تأثر العديد من المفكرين الغربيين الحديثين بمفهومه، وسعى بعضهم إلى أن يستعير مفهوم اللاهوت السياسي ويستبدله بمفهوم "اللاهوت العام" في محاولة لتفادي الربط بين أفكارهم وأفكار شميت الذي كان موسومًا بنزعته النازية وعدائه للسامية2. وظهرت أدبيات بحثت مسألة اللاهوت السياسي عند شميت مثل كتاب بول خان 1952() الذي شرح فيه اللاهوت السياسي الأميركي من منظور علماني مستنيرًا في ذلك بأفكار شميت، الذي وجد فيه نقاط الضعف عند بعض الأكاديميين لكن ذلك لم ينف أهميته3، وكتاب بيتر سكوت 1961() ووليام كافانو 1962() اللذَين ركّزا على دراسة اللاهوت السياسي من وجهة نظر مسيحية معاصرة، وغيره من الكتب التي أعادت دراسة المفهوم على نحوٍ أوسع يشمل منظورات دينية أخرى4، إضافة إلى مجموعة مراجعات وتعليقات صدرت باللغة العربية حول الكتاب من دون دراسة منهجية متكاملة، من الناحية العلمية. ويُستثنى من ذلك ما كتبه الدكتور عزمي بشارة في كتابه الدين والعلمانية في سياق تاريخي، في المجلد الأول من الجزء الثاني، حيث خصص فيه فصلً كاملً لتحليل نظرية شميت للدولة ونقدها وتفكيك وظيفتها ومفاهيمها، وقد أشار فيه إلى أنه تم في النصف الثاني من القرن العشرين عملية إحياء لشميت من طرف اليمين واليسار الأكاديميَيّن، غير أن ما استرعى انتباهه هو عودة اليسار الراديكالي متمثلً ببعض المنتمين إلى مدرسة فرانكفورت له، ويعيد بشارة ذلك إلى أن ما جذب اليسار الأكاديمي النقدي من نظرية شميت هو قدرته على عرض السياسة بمعزل عن الأيديولوجيا وكشفه جوهرها وأساليبها وتعريتها، خاصة في طرحه حالة الاستثناء وإعلان حالة الطوارئ التي اعتبرها قاعدة للحياة اليومية، حتى إن كانت الدولة في حالة سلم، وقدرته على تبرير الاستبداد وإعادة إنتاجه. ولم ينفِ بشارة براعة شميت القانونية والفلسفية، بل أكدّ عليها ورأى أنها أدت دورًا في التنظير والتعبئة للنازية التي هيّأت الأجواء لصعودها، لكن هذه البراعة لا تُخفي تحيزه لحالة الاستثناء وشرعنتها وتحبيذها في سياق اندراجه فترةً في الحركة النازية الألمانية5، في حين ركزت بعض الدراسات على مسألة الشرعية في الدساتير الحديثة والتي قارنت بين طرح شميت وطرح بيترسون وهانز بلومينبرغ

  1. Steven Nadler, "Baruch Spinoza," Stanford Encyclopedia of Philosophy, 16/4/2020, accessed on 25/3/2021, at: https://rb.gy/lv0xya; ينظر: باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة حسن حنفي، مراجعة فؤاد زكريا (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2020)، مقدمة حسن حنفي، ص 15، 18،.22-21
  2. Peter Losonezi, Mika Luoma-aho & Aakash Singh, The Future of Political Theology Religious and Theological Perspectives (London and New York: Routledge, 2011), pp. 1-2.
  3. Paul W. Kahn, Political Theology: Four New Chapters on the Concept of Sovereignty (Columbia: University Press, May 2012); ينظر مراجعة كتابه مع النقد: Adam Thurschwell, "Book Review: Paul Kahn, Political Theology: Four New Chapters on the Concept of Sovereignty," Georgetown University Law Center (2011), accessed on 20/3/2021, at: https://rb.gy/w9wsrh
  4. William T. Cavanaugh & Peter Manley Scott (eds.), The Wiley Blackwell Companion to Political Theology , 2 nd ed. (West Sussex, UK: Wiley Blackwell, March 2019).
  5. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج 2، مج 1: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،)2015، ص 728-726. وصدر عن المركز أيضًا مراجعة مصطفى الشادلي، "مراجعة كتاب 'اللاهوت، تبيّ، العدد السياسي' لكارل شميت" 28 (ربيع 2019)، ص 139-131، شوهد في 2021/3/20، فh يttps://rb.gy/brltvm:

Blumenberg Hans 1996-1920() وبينت أن حجة شميت كانت أقوى من نقدَي بيترسون وبلومينبرغ لمسألة الشرعية، وأن عمله قد ساهم في دفع المنظّرين السياسيين إلى إجراء بحث أعمق حول الطبيعة الديمقراطية والدستورية الحديثة المطروحة في سياق العولمة والمشكلات الأمنية الحاصلة نتاجًا لمسألة السيادة وتعقيد عملية اتخاذ القرار في الأنظمة الليبرالية6.

خاتمة

عمومًا، لا يمكن تصنيف كتاب شميت تحت مظلة اختصاصية واحدة، فالكاتب كان منهجيًا ومتماسكًا في صياغة أفكاره ومفاهيمه، وإثبات حججه عبر استيعابه تاريخ الفكر الفلسفي والقانوني واللاهوتي في بناء أفكاره. فيظهر هنا القانوني الدستوري والمؤرخ ومنظّر الدولة والدارس للّ هوت وتاريخه، إذ يعتبر شميت أول منظّر في الفلسفة السياسية للسيادة الدكتاتورية للقائد في الحالات الاستثنائية التي تعتبر، كما ذكرنا سابقًا، في منزلة حالة الطوارئ المطلقة، ومن ثمَّ يبدو أنه كان يحاول منح القوميين الألمان، مع صعود هتلر، قوة تسعى إلى تجاوز هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وتخطّي الأزمة العالمية (الكساد الكبير) في سنة 1929، وتنهي الانقسامات في الكنيسة وفي المجتمع إبان جمهورية فايمر، لمصلحة القوميين الذين رغبوا في أن تستعيد ألمانيا قوّتها وتعيد توحيد الألمان تحت سيادتها. بناءً عليه، يمكن القول إن نظرية شميت قد لبّت هذه الحاجة الأيديولوجية المعرفية للنازية في تطور صعودها المفصلي، وهو ما يعني أن الوظيفية السياسية المباشرة قائمة خلف الغلالة الفلسفية السياسية والقانونية الدستورية، بحيث إننا إذا ترجمنا ما هو نظري عند شميت، فإنه لن يكون لدينا في زمنه سوى النازية. لكن النقد الذي سلّطه على عيوب الليبرالية ونقائصها وعجزها عن مواجهة الظروف الاستثنائية أفاد، عن غير قصد منه، النظرية الليبرالية لكي تعمق فهمها جوانب قصورها، ولا سيما بطء عمليات اتخاذ القرار فيها. وتبدو خلفية أزمة جمهورية فايمر الاقتصادية – الاجتماعية - السياسية - المؤسسية حاضرة في صياغة أفكاره، لكنه أعطى هذا الارتباط المحدد شكل نظرية عامة في الحالات الاستثنائية، بينما هي نظرية مغرقة في ألمانيتها التاريخية المحددة في زمن جمهورية فايمر. إن الطرح الذي قدّمه شميت حول مطلقية الحاكم مشبهًا إياه بالإله، كأنه الخالد والسامي والمعصوم فعليًا، محال، خاصة إنْ نظرنا إلى الإجرام والوحشية اللذَين ارتكبهما هتلر، سواء أمام معارضيه من داخل النازية أو خارجها، وإلى مسألة الهولوكوست وإبادته الجماعية لليهود في الدولة الألمانية. إضافة إلى أنّ فكرة إصدار جهة واحدة القرار من دون الرجوع في الاستشارة إلى ذوي الخبرات من النخب السياسية والعسكرية وغيرهم تعتبر تهورًا ونرجسية، ذلك أن مجموع الخبرات البشرية إنْ وضعت في بوتقة واحدة لكان من شأنها حلّ حالة الاستثناء الواقعة على هذه الدولة وضمان سلامتها، وهو الطرح الذي تسعى الليبرالية إلى إثباته على نحو متكرر. أما في الجزء الثاني، فيبدو شميت، عبر نقده لطرح بيترسون وغيره من المفكرين الذين تحدثوا عن "نهاية اللاهوت السياسي"، كأنه يسعى من خلال تهكمه عليهم إلى تصفية حساب شخصي أكثر من نقد فكرة "التوحيد" التي تحدّث عنها بيترسون في كتابه، على نحوٍ يدفع إلى التساؤل إن كان شميت عبر دحضه هذا يرد على الانتقاد الموجّه للاهوته السياسي بوصفه مفكرًا، أو أنه كان يردّ على كلام صديق قديم تحوَّلَ إلى عدوّ بعد التحاق شميت بالحزب النازي. ورغم استخدامه الطفيف لبعض تعابير التهكم، مثل: وصف بيترسون بالشامان، فإن لغته كانت بعيدة عن الابتذال. وقد تفوّق في ميدان دفاعه عن نظرية اللاهوت السياسي على أساس أكاديمي فكري منهجي وليس على أساس سياسي سجالي مباشر. ختامًا، يعتبر الكتاب ذاخرًا وغنيًّا بالمفاهيم، ومحرضًا الفكر على طرح الأسئلة والإشكاليات، وهو ما برز في مهارات شميت السجالية العلمية والمخصبة بمعارف منهجية مركبة مع خصومه. ولا عجب في أنه عاد للبروز مرة أخرى لدى الاتجاهات المعارضة القوية لليبرالية الآن في الولايات المتحدة وأوروبا، وفي سياق تلك الاتجاهات عاد شميت وأفكاره للظهور من جديد.

  1. Nathan Gibbs, "Modern Constitutional Legitimacy and Political Theology: Schmitt, Peterson and Blumenberg," Law and Critique (2019), accessed on 20/3/2021, at: https://bit.ly/34i4Gst

المراجع

العربية

الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج بشارة، عزمي. 2، مج 1: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 سبينوزا، باروخ. رسالة في اللاهوت والسياسة. ترجمة حسن حنفي، مراجعة فؤاد زكريا. القاهرة: مؤسسة هنداوي،.2020 الشادلي، مصطفى. "مراجعة كتاب 'اللاهوت السياسي' لكارل شميت." 28 ربيع 2019 (في https://rb.gy/brltvm:).. العدد تبيّ

الأجنبية

Cavanaugh, William T. & Peter Manley Scott (eds.). The Wiley Blackwell Companion to Political Theology. 2 nd ed. West Sussex, UK: Wiley Blackwell, March 2019. Gibbs, Nathan. "Modern Constitutional Legitimacy and Political Theology: Schmitt, Peterson and Blumenberg." Law and Critique (2019). at: https://bit.ly/34i4Gst Kahn, Paul W. Political Theology: Four New Chapters on the Concept of Sovereignty. Columbia: University Press, May 2012. Losonezi Peter, Mika Luoma-aho & Aakash Singh. The Future of Political Theology Religious and Theological Perspectives. London and New York: Routledge, 2011. Thurschwell, Adam. "Book Review: Paul Kahn, Political Theology: Four New Chapters on the Concept of Sovereignty." Georgetown University Law Center (2011). at: https://rb.gy/w9wsrh