العلاقات الدولية وجائحة كورونا: قصة قصيرة وأربع مقالات
الملخّص
نٌُشِ ر فيض من الأدبيات التي تتناول جائحة كورونا من منظوراتٍ متباينةٍ للغاية، من السياسة والسياسات، إلى الاقتصاد والتجارة، إلى الأسرة والمجتمع، مرورًا بالسفر والتنقل، فالبيئة وًالعمران، ووصول ا إلى العمل والتعليم، واللائحة تطول. في سياقٍ كهذا، يناقش هذا العدد الخاص من دورية سياسات عربية جملة من الإشكاليات التي يثيرها تفشي الجائحة من منظور حقل العلاقات الدولية، وهو ينطلق من ادعاءٍ أساسي مفادُه أن الجائحة مسألة سياسية في المقام الأول، وأنّ في القلب من كل ما يتعلق بها تقريبا، تكمن الدولة والعلاقاتُ بين الدول. يتضمن هذا العدد الخاص أربع دراسات؛ أولاها عن نظريات العلاقات الدولية والجائحة، وثانيتها عن النظام الدولي والجائحة، وثالثتها عن الاقتصاد السياسي الدولي والجائحة، أما رابعتها فهي عن الشعبوية والجائحة، إضافة إلى ترجمةٍ لدراسة نظرية عن الصحة العامة والصحة العالمية، ومراجعة نقدية لكتابٍ عن مستقبل الصراع والتنافس والتعاون الدولي بعد الجائحة. كلمات مفتاحية: العلاقات الدولية، جائحة كورونا، نظريات العلاقات الدولية، النظام الدولي، الاقتصاد السياسي الدولي، الشعبوية، التعاون الدولي، الصحة العامة العالمية. A considerable amount of literature dealing with the Covid- 19 pandemic has been published from very different perspectives, from politics and policies, economy and trade, family and society, travel and transportation, environment and urbanization, work and education, and so forth. In such a context, this special issue of Siyasat Arabiya claims that pandemic is a political issue at its core, and that state and interstate/international relations lie at the heart of almost everything related to it. This special issue includes four articles; these look at the relationship of the pandemic to theories of International Relations, the international system, the Political Economy and Populism respectively; in addition to a theoretical article on public and global health translated into Arabic, and a critical review of an edited book on the future of conflict, competition and international cooperation after the pandemic. Keywords: International Relations, Covid- 19 , Pandemic, International Relations Theories, International System, International Political Economy, Populism, International Cooperation, Global Public Health.
International Relations and the Pandemic: A Short Story and Four Articles
أولا: القصة القصيرة
ماذا لو اندلع حريقٌ داخل مبنى بمخرجٍ واحدٍ لا غير؛ حيث لا خيار أمام قاطنيه إلا التدافع نحو المخرج الوحيد لينجو كلُّ بحياته؟ إنها قصة كلاسيكية يستحضرها مدرسو العلاقات الدولية ليشرحوا للطلاب دور البنية (وَلْتكُنْ بنية النظام الدولي) في تقييد سلوك الفاعلين (وَلْتكُنْ الدول)1؛ فالمبنى بمخرج واحد، وهو مكتظٌ بأشخاص أنانيين، ولا أحد يشرف على عملية إخلائهم من المبنى، تجدهم يتدافعون بكل ما أوتوا من قوةٍ وحيلةٍ للنجاة من الموت، ولن تسمع حينها سوى هجيج النار وضجيج الناس، نفسي نفسي! ولكي نكون أشد دقة، تقدم هذه القصة تصورًا يجعل البنيةَ لا تقيّد سلوك الفاعلين فحسب، بل تحدده أيضًا، وتجعله خطيًا قابلً للتنبؤ، بل ثابتًا لا يعتدّ بأي تباينٍ في السياقات. في مقابل ذلك، هنالك من يحتج على حبكة هذه القصة الفجّة، ويعدّها اختزالً لفاعلية Agency الأشخاص قاطني المبنى بوصفهم فاعلين Agents، واختزالً أيضًا لطبيعة البنية التي يتفاعلون فيها بوصفها ليست ماديةً فحسب، بل هي اجتماعيةٌ أيضًا. فمن لا ينظر في المعايير التي تشكل وتعيد باستمرار تشكيل سلوك هؤلاء الأشخاص، ويكتفي بالنظر في تصميم المبنى، وفي غياب سلطةٍ "تحتكر العنف" لتشرف على تنظيم عملية الإخلاء، لن يكون أمامه غيرُ الافتراض مسبقًا أن الجميع سيتدافعون نحو المخرج سعيًا لنجاة كلّ بحياته. إنه لن يتصور سوى أولئك الذين سيصابون من جرّاء التدافع أكثر من الذين سيتعرّضون للحريق نفسه. وتنطلق حجة هؤلاء المحتجين على حبكة القصة من سؤال فحواهُ: ماذا عن معايير هؤلاء الأشخاص وقيمهم التي نُشِّئوا عليها اجتماعيًا؟ ماذا عن أفكارهم التي يتشاركونها – بما هم عليه بوصفهم جماعة - أفكارهم عن أنفسهم وأفكارهم بعضهم عن بعضٍ؟ وماذا عن تاريخهم المشترك؟ ماذا لو خبروا في الماضي تجربةً مماثلةً لإخلاء مبنى يتعرض لحريق، وصار بإمكانهم أن يتعلموا من تلك التجربة؟ بدلً من افتراض وجود مخرجٍ واحد، وغياب سلطةٍ من شكلٍ ما تنظّم عملية الإخلاء - وهو ما سيجعل الجميع يسارعون نحو المخرج للنجاة، باذلين كل ما في وسعهم ليتخطى بعضُ هم رقاب بعض نحو الخارج - علينا أن نتساءل عما إذا كانت لدى هؤلاء معاييرُ معينةٌ تحدد لهم، أو لجلّهم، أو حتى لبعضهم، من سيخرج أولً؟ العصبةُ أولو الشدة مثلً، أم السِّقام خائرو القوة؟ ألن يُلتفَت إلى الغِيد من النساء والقُصَّ من الأطفال والعُجّز من المُسنين؟ أم أن الاندفاع الجنوني العارم وحده سيسود عند المخرج؟ أم أن ما سيحدث هو شيءٌ من هذا وشيءٌ من ذاك؟ إن مشكلة الحبكة الأولى تَكمُن في أنها تنكر أي حاجةٍ إلى فهم ثقافة الفاعلين بوصفهم فاعلين، وفهم معايير سلوكهم وقواعده وهم يتفاعلون ضمن الجماعة؛ فتلك المعايير والقواعد ليست موضوعيةً Objective البتة، ولا هي ذاتية Subjective خالصة، لكنها بينذاتية Intersubjective تنشأ وتتطور باستمرار في سياق التفاعل المطّرد بين فاعلين لا تشكل البنية سلوكهم فحسب، بل إنّ سلوكهم يشكّل البنية ويعيد تشكيلها باستمرار؛ لذلك واستنادًا إلى تقليدٍ من النقاشات التي خاضها أنصار البنائية الاجتماعية لنقد أقرانهم من أنصار الفلسفة الوضعية بمختلف تياراتهم النظرية النافذة في حقل العلاقات الدولية، صار في متناول المرء ما يكفي من الحجج لدحض فكرة أن البنية ماديةٌ بالمطلق، وأنها معطى مسبقٌ يمكنها أن تحدد يقينًا الكيفيةَ التي سيكون عليها سلوك أي فاعلٍ يوجد في البنية نفسها. يبدو جليًّا أن الحبكتين السابقتين إنما نُسِجتا بناءً على صورة مبنى حجريٍّ عتيقٍ، لَربما صار اليوم أثرًا بعد عينٍ بفعل نوازل التلف والاندثار. لنتأملِ الآن مشهدًا آخر. ماذا لو كان المبنى حديثًا؟ ماذا لو كان مصمموه قد زودوه بمخارجِ طوارئَ عديدةٍ؟ ماذا لو كان مصمموه وبُناتُه قد استبقوا، واتفقوا، فأنفقوا مالً إضافيًا لتزويده بنظامٍ متطورٍ لإخماد الحرائق بمجرد اندلاعها، أو حتى بنظامٍ بسيطٍ للإنذار يوفر وقتًا كافيًا للإخلاء من دون التدافع عند المخرج؟ في هذا المشهد، إما أن يندلع الحريق بفعل فاعلٍ مترصدٍ، وها هنا لن تكون بين أيدينا سوى قصةٍ قصيرةٍ جدًّا نرويها، فالحرائق المتعمدة – بتفجيرٍ من الخارج مثلً أو بزرع قنبلةٍ في الداخل – دائمًا ما تكون مأساوية، وغالبًا لا تتيح للموجودين داخل المبنى وقتًا للتدافع أو للتضامن فيما بينهم، وإما أن يشب الحريق مثلما يشب أي حريقٍ غير مفتعل؛ شرارةٌ فدخانٌ فلهبٌ فاضطرام. وها هنا أيضًا لدينا حبكتان؛ إحداهما قصيرةٌ تقول إنّ مصممي المبنى وبُناتَه، بوصفهم فاعلين، قرّروا أن الأرواح أهم من الأرباح، ووعوا أنّ "معظم النار من مستصغر الشرر"، فتكلّفوا وضعَ نظامٍ فعّالٍ للإنذار وإخماد الحرائق فور اندلاعها. أما الحبكة الأخرى، فهي أطولُ قليلً، إما أن تعيد رواية قصة المبنى العتيق الذي صُمِّم بشكلٍ بدائيٍّ بلا نظامٍ لإخماد الحرائق أو حتى الإنذار باندلاعها، وإما أن تخبرنا أن المبنى حديثٌ ومزودٌ بنظامِ إخمادٍ متخلفٍ، وأنه لم يتمكن من الصمود أمام بأس الحريق وسرعة اضطرامه، أو أن النظام كان عاطلً (أو مُعطَّلً) لحظة نشوب الحريق؛ ومن ثَمَّ، تعيدنا هذه الحبكة - عودًا على بدء - إلى جدل التدافع والتضامن.
لنتصور الآن، في مشهدٍ آخر، أنّ قاطني المبنى أجمعوا أمرهم، وكوَّنوا من بينهم وحدةً من رجال الإطفاء، غرضُ ها إخماد الحرائق. ها هنا حبكات عديدة. تقول حبكةٌ أولى: ماذا لو كانت وحدة الإطفاء تحظى بكفاءةٍ عاليةٍ وبإمكاناتِ تدخلٍ فعالةٍ؛ لأنّ قاطني المبنى رأوا أن احتمال اندلاع الحرائق يظل أمرًا واردًا على الدوام، وأنّ كفاءة تلك الوحدة تأتي من انسجام تصورات جماعة القاطنين بشأن ضرورة وجودها وضرورة دعمها وتعزيز عملها؟ في مقابل ذلك، تقول حبكةٌ ثانيةٌ: ماذا لو أنّ أحد - أو بعض - الأشداء النافذين و/أو الأثرياء المقتدرين منهم صار ينظر إلى وحدة الإطفاء تلك بعين الازدراء والانتقاص من دورها والحاجة إليها؟ ماذا لو قرر أحدهم - أو بعضهم - أن يرفع عنها دعمً ماديًا أو معنويًا، هي في حاجةٍ ملحّة إليه كي تستمر في عملها؟ وتقول حبكة ثالثةٌ: ماذا لو قرر أحد هؤلاء منع وحدة الإطفاء تلك من الاطلاع على تصميم جزئه الخاص من المبنى، بدعوى أنه في مَنعة من الحرائق، أو أن لديه القدرة على إخمادها بنفسه، وأنه في غنى عن أي وحدة إطفاء؟ والآن، لِنتخيلْ في مشهدٍ آخرَ أخيرٍ أن المبنى يُؤوي جماعةً عدد أفرادها مئتان ونيف، بينهم القويُّ والضعيف، والغني والفقير، لكنّ كلَّ واحد منهم لديه دورٌ يؤديه لا يمكن الاستغناء عنه ولا استبداله؛ إذ تتوقف عليه الحياة برمتها داخل المبنى. ماذا لو أن الأقوياء والأثرياء منهم وعوا تمامًا أنّ الحرائق تندلع على الدوام، وعلى حين غرة، وأنّ على المبنى برمته أن يكون متهيئًا لها لأن عودة الحياة في المبنى إلى طبيعتها، بعد إخماد الحريق، إنما تتوقف على نجاة القاطنين جميعهم، دون استثناء أحد؟
تلك قصةٌ قصيرةٌ عن مبنى يتشاركه قاطنون شتَّى؛ إنه مبنى يظل على الدوام عرضةً لاندلاع حريقٍ في أيّ زاوية من زواياه، حتى في وجود نظامٍ ناشئٍ للإنذار بنشوب الحرائق وإخمادها، وحتى في وجود وحدةِ إطفاء ناشئةٍ متنازعٍ عليها. ورغم أن "معظم النار من مستصغر الشرر"، فإن الشرر، إذا لم يُحتوَ في بداياته، صار دخانًا، فَلهبًا، فحريقًا يهدد المبنى برمته؛ فإذا ما بلغ الأمر مبلغه، ورغم خبرة القاطنين المشتركةِ في التعامل مع حرائقَ سابقةٍ، يظل السؤال هُوَ هُوَ: ماذا لو اندلع حريقٌ داخل المبنى؟
ذَلِكم المبنى محاكاةٌ للنظام الدولي. وقاطنوه المتفاوتون، بين قوي وضعيف وغني وفقير، هم الدول. والحرائق التي تندلع فيه على الدوام هي الأوبئة والجوائح. ووحدة الإطفاء المتنازع عليها هي منظمة الصحة العالمية. أما نظام الإنذار بنشوب الحرائق وإخمادها، فهو شبكات الإنذار المبكر والاستجابة للأوبئة، التي تنشِئُها منظمة الصحة العالمية وشركاؤها لرصد الأمراض الوبائية والاستجابة لها سريعًا قبل تفشيها وتحولها إلى أوبئة وجوائح.
ثانيًا: المقالات الأربع
تفشّت على هذه الأرض، حيث نقطن، أوبئةٌ فتاكةٌ قد يكون المعلومُ منها نزرًا قليلً مما لم يروِهِ بعدُ التاريخُ المعروفُ لدينا اليوم. في بداية القرن الرابع قبل الميلاد، شهدت اليونان القديمة طاعون أثينا، وفي منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، شهدت الإمبراطورية الرومانية طاعون أنطوني. وبعدها بثلاثة قرون، ضرب طاعون جستنيان الإمبراطورية البيزنطية، وهو الطاعون نفسه الذي اجتاح أوروبا مرة أخرى خلال القرن الرابع عشر. وفي القرن السادس عشر، كان ثمة جدري العالم الجديد، ثم الطاعون الإيطالي، وطاعون لندن العظيم. ومع نهاية القرن التاسع عشر، ظهر وباء الكوليرا في الهند، ومنها انتشر نحو أوروبا وأفريقيا وأميركا الشمالية وبقية آسيا، كما تفشت أيضًا الحمى الصفراء والإنفلونزا الروسية. أما القرن العشرون، فقد شهد في بدايته ويلات الإنفلونزا الإسبانية التي فتكت بأرواح الملايين من البشر، ثم الإنفلونزا الآسيوية، وإنفلونزا هونغ كونغ، والإيدز الذي لا يزال في تفش2. ثم لاحقًا، شهدت بداية القرن الحادي والعشرين، في عقوده الثلاثة الأولى، ويلات سارز، وإنفلونزا الخنازير، وميرس، وإيبولا، وأخيرًا – والمتوقع أنه ليس آخرًا – جائحة كورونا3. يشي هذا التعداد، المقتضب جدًّا، من الوهلة الأولى، بأن الأوبئة زاد عددها خلال القرن العشرين، وتزايد أكثر مع بداية القرن الحادي
والعشرين4. وعِلّة ذلك، كما هو معروف، هي العولمة؛ فهي لم تجلب معها حسنات الرأسمالية وانفتاح حدود الدول بعضها على بعض فحسب، بل جلبت معها أيضًا سيئاتٍ جمة، وما فتئت تعرّض العالم للأزمة تلو الأخرى، منذ أن اشتد عودها مع نهاية الحرب الباردة. وتمتدّ تلك الأزمات إلى مجالات الاقتصاد العالمي والبيئة العالمية، وصارت الآن تطاول الصحة العالمية. قد سبق للعالم أن شهد تفشي أوبئةٍ وجوائحَ عديدة، لكن لم يشهد العالم من قبل مثل جائحة كورونا وسرعة تفشيها وآثارها الوخيمة التي طالت كل مكان تقريبًا، وكل جانب من جوانب الحياة تقريبًا. فلا ريب أن العولمة بمختلف مظاهرها ودينامياتها5 إنما تسهّل وتسرّع، وفي الآن نفسه تكثّف، انتشارَ المُمْرِضات القاتلة Pathogens، بل إن ديناميات تقويض النظام البيولوجي و/أو البيئي العالمي، تحرّكها العولمة الرأسمالية أو الرأسمالية العالمية، سمِّها ما شئت، إنما تدفع إلى "ظهور أنواعٍ جديدةٍ محتملةٍ من الأمراض الوبائية المخيفة وغير المعروفة سابقًا"6. قبل العولمة، كانت ثمة طواعينُ وأوبئةٌ، لكنها كانت قليلة التواتر، بطيئة التفشي، (وربما) محدودة الانتشار، وإن كانت أشد فتكًا7 فآثارُها ظلت محدودة إلى حدٍّ ما. مع العولمة، صارت الأوبئة تتحول إلى جوائح8، وزاد تواترها، وغدت أسرعَ تفشيًا، وأوسعَ انتشارًا، مع أنها قد تبدو أقل فتكًا مقارنةً بأوبئة القرون الغابرة، لكن المفارقة تكمن في أنها تستمر في التفشي والبطش بأعناق الناس وأرزاقهم رغم التقدم الذي شهدته جهود الدول منفردةً ومتعاونةً بعضها مع بعض لمكافحة الأمراض والأوبئة خلال العقود الأخيرة، سواء على مستوى توفير الأدوية واللقاحات وتوزيعهما وتحسين نظم الرعاية الصحية الوطنية، أو على مستوى ما صار يُعرف بحوكمة الصحة العامة العالمية. ومع تفشي جائحة كورونا، تكشفت أكثرَ فأكثرَ تلك المفارقة. وإلى غاية تاريخ صدور هذا العدد، نُشِ فيضٌ من الأدبيات التي تتناول جائحة كورونا من منظوراتٍ متباينةٍ جدًّا9، ولا سبيل هنا لحصر هذه المنظورات التي تتعدد بتعدد جوانب الحياة البشرية التي أثّر فيها تفشي الجائحة، من السياسة Politics والسياسات Policies، إلى الاقتصاد والتجارة، إلى الأسرة والمجتمع، مرورًا بالسفر والتنقل، فالبيئة والعمران، ووصولً إلى العمل والتعليم، واللائحة تطول. وفي هذا السياق، يناقش هذا العدد الخاص من دورية سياسات عربية جملة من الإشكاليات التي يثيرها تفشي الجائحة من منظور حقل العلاقات الدولية. ننطلق، بناءً على ما سبق، من ادعاء مفادُه أن الجائحة مسألةٌ سياسية في المقام الأول، وأنّ في القلب من كل ما يتعلق بها تقريبًا، تكمن الدولةُ والعلاقاتُ بين الدول. قد يعترض أحدنا على هذا الادعاء قائلً إنها مسألة طبية، وقد يحتج آخَرُ بأنها مسألة صحية، وآخَرُ بأنها اجتماعية، وقد يشجب آخَرُ كلَّ ذلك؛ فيحاجّ بأنها مسألة اقتصادية، أو حتى مسألةُ أمنٍ قومي. هذه الادعاءات جميعها سليمةٌ، حتى إن بدت اختزالية؛ كلٌّ على حدَّتها. وقد ينبري أحدنا، في محاولة "لقطع قول كل خطيب"، مدعيًا أنها مسألة معقدة ومتعددة الأبعاد10. مع ذلك، تجعلنا الجائحة في مواجهة عدد من الأسئلة تجعل بدورها السياسة Politics والسياسات Policies والدولةَ والعلاقاتِ الدوليةَ تتقدم الأسئلةَ الأخرى مجتمعةً؛ مثلً: كيف تفشت الجائحة من دولةٍ إلى أخرى بهذه السرعة وبهذا المدى غير المسبوقيَن في تاريخ الأوبئة المعروف؟ كيف تصرفت – وتتصرف – الحكومات حيال ذلك؟ ولماذا تتباين استجابات الدول وسياساتها؟ وما أثَر تلك السياسات في حياة الناس في كل جانبٍ من جوانبها تقريبًا؟ وما دور منظمة الصحة العالمية بوصفها مؤسسةً دولية هذا أوان تصدرها المشهدَ؟ وما حدود التعاون وفرصه بين الدول للحد من تفشيها؟ وحتى مسألة اللقاحات والتلقيح، هل يكفي التفكير فيها بوصفها مسألة علمية وطبية محضة؟ أليست السياسة في قلب كل ما يتعلق بها، بدءًا باكتشافها (من يكتشفها؟ وأين؟ وكيف؟) مرورًا
بإنتاجها (من يُنتجها؟ وأين؟ ومن يُ وِّل؟ وكيف تُ وَّل؟)، وصولً إلى توزيعها (كيف تُوزَّع بين الدول وداخل الدول نفسها؟.) "إنه لمُثيرٌ للانتباه أن كلَّ هذه الأسئلة، وغيرَها، إنما هي أسئلةٌ عن الدولة وعن العلاقات بين الدول؛ فضلً عن أنها أسئلةٌ عن السياسة والسياسات، داخل الدول، وبينها، وعبرها"11. يتضمن العدد الخاص أربع مقالات كان العمل عليها أشبه بورشة تفاعلية بين الباحثين المشاركين فيه، ويمكن للقارئ أن يستشف ذلك من خلال تقاطع موضوعاتها وتكاملها واعتمادها بعضها على بعض (عبر الإحالات المتبادلة بينها على وجه الخصوص.) تبحث أولى هذه المقالات نظريات العلاقات الدولية والجائحة، والثانية حول الاقتصاد السياسي الدولي والجائحة، والثالثة عن النظام الدولي والجائحة، أما الرابعة فهي عن الشعبوية والجائحة، إضافة إلى ترجمةٍ لمقالة نظرية عن الصحة العامة والصحة العالمية، ومراجعة نقدية لكتابٍ عن مستقبل الصراع والتنافس والتعاون الدولي بعد الجائحة. 1. نظريات العلاقات الدولية وجائحة كورونا يستعير كاتب هذه السطور، في المقالة المتعلقة بنظريات العلاقات الدولية وجائحة كورونا، مقولة "نبيذٌ معتقٌ في قنانٍ جديدةٍ" Old wine in new bottles المنسوبة إلى وصيةٍ ذائعةِ الصيت للسيد المسيح عليه السلام، مجادلً بأن النظريات الثلاث السائدة، أي الواقعية والليبرالية والبنائية، وخاصةً مع حداثة عهد جائحة كورونا، ["قد] لا تقدم سوى المزيدِ من الشيء نفسِه"، لذلك فمفهومها للجائحة يشبه "أنبذة مُعَتَّقة" يعبئُها أصحابها في "قنانٍ جديدة." وتحاجّ الدراسة لاحقًا بأن "نظرية التعقد، ولأن إقحامها في حقل العلاقات الدولية ما يزال مشروعًا في مراحله المبكرة مقارنة بالنظريات السائدة الأخرى، إنما تشبه "نبيذًا لمَّا يُعتَّقْ." وتلقي الضوءَ على الطرائق (مشددًا على صيغة الجمع) التي يمكن أن يفكر بها حقلُ العلاقات الدولية في جائحة كورونا، مفترضة أن فهم طرائق التفكير تلك "يقتضي النظر إليها عبر نَظَّارات نظريات العلاقات الدولية. وما دامت الولاءات النظرية تظل قويةً في هذا الحقل المعرفي، فإن من يُفكّر يتأثرُ بصورةٍ أو بأخرى بالنظرية التي يفكّر من خلالها"12. تسعى هذه المقالة إلى تزويد القارئ بمجموعة من النَّظارات التي يمكن عبرها فهمُ الجائحة؛ فإذا ما وضع القارئ نظارةً واقعيةً، فذلك تهديدٌ يقتضي انكفاء الدول على نفسها وتمسكًا أشدّ بسياسة الاعتماد على الذات، وهي تحدٍّ عابرٌ للحدود للنظام الدولي الليبرالي، بمعاييره ومؤسساته، إذا ما وضع نظارةً ليبراليةً، وهي بناءٌ اجتماعيٌّ مفعمٌ بالمعاني والتأويلات البينذاتية، التي يضفيها عليها الفاعلون تتباين بتباين الخطاب (إنها "ما تصنعه منها الدول)" إذا ما وضع نظارةً بنائيةً، وإذا ما وضع نظارة التعقُّد فهي مشكلةٌ معقدةٌ تتطلب استجابةً معقدةً تأخذ في الحسبان التآثرَ بين النظام الدولي بوصفه نظامًا متمحورًا حول الإنسان من جهة أولى، والطبيعة بوصفها نظامًا غيرَ متمحورٍ حول الإنسان من جهة ثانية، وتأخذ بعين الاعتبار التآثرَ بين مختلف مستويات الفعل السياسي، المحلي والوطني والإقليمي والعالمي، مثلما تأخذ في الحسبان أيضًا عبورَ التخصصات المعرفية وتعدُّدَها13. مع ذلك، تحتفظ الدراسة بافتراض آخر مفاده "أنّ الوقت لمَّا يسمحْ للقيام بتأملٍ ذاتيٍّ كافٍ لمراجعة ما يمكن مراجعته" في أطروحات نظريات العلاقات الدولية السائدة بشأن الجائحة، "هذا إن كانت (كلُّها أو بعضُ ها) ستفعل ذلك." غير أننا إذا افترضنا أن الجائحة بدأت ظاهرةً طبيعيةً (أو حتى طبيةً أو صحيةً)، ثم انتهى بها المطاف إلى أن صارت ظاهرةً معقدةً متعددةَ الأبعاد، فإن نظرية التعقد يُ كن أن تعطي زخْمً إضافيًا للنقاش الحالي بشأن الجائحة؛ وما هذا الخيار النظري إلا مطيةٌ لإبراز مزايا الانتقائية التحليلية Analytical Eclecticism وفضلِها في تشكيل فهمٍ غير اختزالي لجائحة كورونا14. ولأن "النظرية موجودة في كل مكان"15، على حد تعبير إلاين بيدرسن، فإن حضور نظريات العلاقات الدولية لا يقتصر على هذه المقالة (وإن كانت تتخذ منها موضوعًا رئيسًا لها)، بل نجدها في كل مقالة من مقالات هذا العدد، خاصة الثانية والثالثة منها، والرابعة بقدر أقل.
2. النظام الدولي وجائحة كورونا
يقدّم أحمد قاسم حسين مقالة متعلقة بالنظام الدولي وجائحة كورونا، يحاجّ فيها بأن السجال بشأن النظام الدولي يعود مع كل أزمة ذات أبعاد دولية، مثلما حدث مع نهاية الحرب الباردة ومع الأزمة المالية العالمية عام 2008؛ وهي أزمات "تدفع باحثي العلاقات
الدولية إلى اعتقاد مفاده أن لحظة التغيير/ التغير في النظام الدولي قادمة لا محالة، وأن العالم في انتظار العامل x"" القادح الذي سيفجر 'أزمة نظمية' على المستوى الدولي." لا يقتصر هذا العامل القادح على الأزمات الاقتصادية، بل قد يشمل أيضًا مواجهة عسكرية بين قوتين دوليتين، أو تغيرًا في التحالفات الدولية تحافظ الولايات المتحدة من خلاله على موقعها في النظام الدولي، خاصة مع صعود قوى كبرى منافسة أو قوى إقليمية غير قانعة ببنية النظام الدولي القائم. لكن ما لم يأخذه فاعلو النظام الدولي في الحسبان هو أنّ "متغيرًا عارضًا غير مرئي عابرًا للحدود القومية"، مثل "الوباء"، قد يعيد هيكلة العلاقات بين هؤلاء الفاعلين؛ وهو ما يفنّد الاعتقاد السائد المتمثّل بأن الأوبئة ليست إلّ "مسألة عابرة للحدود" تفرضها العولمة الاقتصادية، أو تهديدًا أمنيًّا بيولوجيًّا تواجهه الدولة16. هذه المقاربة مهمةٌ جدًّا في فهم اتجاهات التغيير/ التغير في النظام الدولي، وهذا ما أجاد الباحث التصدي له في هذه المقالة، وهي – أي المقاربة للجائحة باعتبارها أزمة – مهمةٌ أيضًا في تسويغ مساهمة عبد الكريم أمنكاي اللاحقة عن الشعبوية؛ إذ إن الأزمة تُعَدُّ عنصرًا أساسيًا من عناصر الشعبوية بوصفها أسلوبًا سياسيًا، على الأقل من وجهة نظر بنيامين موفيت ومن حذا حذوه (وهي مسألة سنعود إليها لاحقًا)، فما بالك بأزمة بحجم تفشي جائحةٍ مثل جائحة كورونا! بناءً على ذلك، ينبّه الباحث إلى قدرة تلك الأوبئة على التأثير المباشر في بنية النظام الدولي. ومع أنه يحاجّ بأنّ الوباء عارضٌ وأنه قد لا يحمل في طياته القدرة على تغيير توزيع القوة الحالي، فإنه يفتح "حوارًا في حقل العلاقات الدولية حول دور الأوبئة، المعدية السريعة الانتقال، في التأثير في بنية النظام الدولي، وقدرته على تكثيف العوامل الأساسية التي تسهم في التغيير/ التغير في النظام الدولي، سواء كانت اقتصادية أم اجتماعية أم سياسية، وفي مناطق مختلفة من العالم"17. يُشدّد الباحث، في مقالته، على أن فيروس كورونا ليس هو العامل الأساسي الذي (قد) يغير من طبيعة النظام الدولي وتركيبته مستقبلً، ويرى أنه "متغير وسيط[...]قد يزيد سرعة ظهور العوامل المحفزة النظمية[...]وينقلها من مرحلة الكمون إلى الظهور." ويرى أنّ تلك العوامل المحفزة النظمية السابقة على ظهور الفيروس الرصيدَ المتضخمَ من العوامل التي وصلت إلى مرحلة التراكم الانفجاري[...]في النظام الدولي القائم في انتظار العامل x"" القادح"18. ويعد التنافس الدولي أحد أبرز تلك العوامل التي يحيل إليها الباحث في هذا الصدد. وهنا، تتقاطع هذه المقالة مع مراجعة لورد حبش للكتاب الذي حرره هال براندز وفرانسيس غافين 2020()، فيروس كورونا والنظام العالمي: مستقبل الصراع والتنافس والتعاون، الصادرة في هذا العدد أيضًا19. 3. الاقتصاد السياسي الدولي وجائحة كورونا تسعى شهرزاد خيّ في المقالة الثالثة للإجابة عن سؤال الارتباط بين ما هو اقتصاديٌّ دوليٌّ وما هو سياسيٌّ دوليٌّ في موضوع الجائحة وآثارها الوخيمة في الاقتصاد العالمي؛ وذلك من خلال عدسة الاقتصاد السياسي الدولي بوصفه حقلً معرفيًا قائمًا بذاته. ولا يعني هذا أن مسألة استقلالية الاقتصاد السياسي الدولي عن حقل العلاقات الدولية لا تثير حفيظة أحدٍ من المهتمين به، وهي مسألة تناقشها الباحثة بحصافةٍ في هذه المقالة، مقدمةً بذلك إسهامًا نظريًّا رصينًا في إعادة التعريف بهذا الحقل الذي ما انفك يواجه أزمة هوية معرفية حادة20. ولمقاربة الجائحة من منظور الاقتصاد السياسي الدولي أهميتُها وقيمتُها المضافةُ في النقاش بشأن أثر الأوبئة في الاقتصاد العالمي، وهو نقاشٌ تكادُ تهيمن عليه أصواتٌ قادمةٌ من علم الاقتصاد والاقتصاد الدولي، مُشكِلتُها أنها تميل كل الميل إلى الاقتصاديِّ، فتذَرُ النقاشَ مُوغِلً في الاختزالية، غيرَ قادرٍ على مقاربة السياسيِّ، وهذان – أي الاقتصاديُّ والسياسيُّ – لمّا يتعلق الأمر بالعلاقات الدولية، يصيران كالقمح والزُّؤان، لا سبيل إلى الفصل بينهما21. تبْني الباحثة مقالتها على افتراض أن آثار جائحة كورونا الجسيمة في الترتيبات السياسية والاقتصادية العالمية من شأنها أن تدفع حقل الاقتصاد السياسي الدّولي نحو "وضع فريد يُ كِّنُه من التفكير في الأثر الاقتصادي العالمي للجائحة لاستكشاف ما يمكن أن تجلبه بحوثه إلى طاولة النقاش"، وتحاجّ بأن هذا الحقل يمكن أن يقدّم إجابات عن الكيفية التي تُشكِّل من خلالها "هذه الجائحة (أو تفشل في تشكيل) العلاقات الاقتصادية الدولية؟" مثلما يمكنه، بوصفه حقلً عابرًا للتخصصات، مساعدتنا في فهم أنماط التغيُّ والاستمرارية في الاقتصاد والسياسة العالمية في أعقاب الجائحة، فضلً عن استكشاف إسهامات الحقل في أبحاث الصحة العالمية22. وانطلاقًا من تعريف الاقتصاد السياسي الدولي باعتباره ذلك التحليل الذي يُنكر الفصل بين السياسة والاقتصاد والمجتمع، تكشف الباحثة في هذه المقالة عن
"التهافت [السائد إثر تفشي الجائحة] على التنظير لنهاية النيوليبرالية، وتقديم سردية ضعيفة مستلهمة من أطروحات كينزية، [في محاولة] لاستشراف تداعيات جائحة كورونا على شكل النموذج الذي سيحكم النظام العالمي، وأثرها في دور الدولة ووظيفتها تحديدًا." وبناءً عليه، تُنافح المقالة عن فرضيةٍ مفادها أن الدولة "كانت ولا تزال حاضرة في قلب الرأسمالية النيوليبرالية، وأنها حافظت على قواعدها ضمن تيارٍ نيوليبرالي هيثرودوكسي، تتجه فيه نحو نيوليبرالية أكثر سلطوية، وترتحل فيه من نيوليبرالية السوق إلى نيوليبرالية الدولة"23. ونظرًا إلى أن الصحة يجب أن تُفهم "ضمن السياق الاجتماعي الذي يحدده الاقتصاد السياسي الدولي إلى حدّ بعيد"، مثلما تفترض الباحثة، فإنها تدعو إلى أن "الاقتصاد السياسي للصحة [ينبغي] أن يكون مركزيًّا في البحوث الصحية، ما دامت الصحة مسألة عابرة للحدود." وهكذا؛ فبما أن الاقتصاد السياسي الدولي "يفتح الحقل نقاشًا بشأن التفسيرات الممكنة للكشف عن تغيّ العلاقة التقليدية بين الدولة والسوق والتفكير في كيفية تحسين الوضع الصحي العالمي، فإنه يدفع أيضًا نحو المزيد من الاهتمام بوضع تصورات للعلاقة بين الملكية الفكرية والحق في إتاحة اللّقاح"24. وتطعّم الباحثة هذه المقالة بمباحث أخرى ضمن مجال اهتمام الاقتصاد السياسي الدولي؛ منها ما يتعلق بالدور المتغير للدولة والسوق في تحسين الرعاية الصحية، ومنها ما يناقش ترتيبات التعاون الدُّولي في مجال الصحة العالمية زمن الجائحة وما بعدها، كما تخصّص مبحثًا خاصًّا لمناقشة الشعبوية القومية بوصفها مقوِّضًا للتعاون الدولي في مواجهة جائحة كورونا؛ ما يجعلها تتقاطع على نحو جلي مع المقالة الرابعة في هذا العدد25.
4. الشعبوية وجائحة كورونا
يتصدى عبد الكريم أمنكاي في المقالة الرابعة للبحث في الشعبوية وعلاقتها بجائحة كورونا، فضلً عن فحص اتجاهاتها، خطابًا وممارسةً، في زمن الجائحة. لماذا تُنجز مقالة عن الشعبويةِ في عدد خاص عن (حقل) العلاقات الدولية؟ أولً، استنادًا إلى ما تقدَّم بشأن المقاربة للجائحة بوصفها أزمةً، واستنادًا أيضًا إلى أعمال بنيامين موفيت عن الشعبوية بوصفها أسلوبًا سياسيًا26، نفترض أن الشعبوية تزدهر في فترات الأزمات التي توفر للزعامات والحركات الشعبوية سياقًا خصبًا للانتعاش. فالأزمات والتهديدات، في حد ذاتها، تمنح الشعبويةَ زخْمً؛ ليس عبر تسويغ المطالبة بالتصرف فورًا واتخاذ إجراءات استثنائية فحسب، بل أيضًا عبر تسويغ خطابات استعداء "الآخر" – أيًّا كان المدلول الذي يُ لَ به هذا الدال، سواء أكان عدوًّا خارجيًّا، أم مهاجرين، أم حتى مؤسسات/ ترتيبات دولية – وإلقاء اللوم عليه، ومن ثم التعبئة ضده. هذا تمامًا ما حدث أثناء أزمة تفشي جائحة كورونا، وهو ما يناقشه الباحث في أجزاء مهمة من مقالته. ثانيًا، إن إدراج مبحث عن الشعبوية والجائحة في عدد خاص عن (حقل) العلاقات الدولية تسوغه أيضًا محاولة الإضافة إلى النقاش الذي بدأ منذ مدة ليست قصيرة بشأن الاعتماد المتبادل الذي ينبغي أن يكون بين أبحاث الشعبوية وحقل العلاقات الدولية27. لذلك يمكن أن يطالع القارئ في المقالة الأولى ما ينبغي أن تكون عليه الشعبوية، ما بعد الجائحة، بما هي جزءٌ من برنامج بحث الليبرالية28، مثلما يمكنه أن يطالع في المقالة الثالثة مبحثًا كاملً عن الشعبوية بوصفها مقوضًا للتعاون الدولي29، فضلً عن المقالة الرابعة هذه التي تتخذ من الشعبوية موضوعها الرئيس. بعد مدخل مفهومي مُحكم البنيان، يُعرّف فيه الباحث مفهوم الشعبوية من خلال مقاربات ثلاث، المقاربة المتعلقة بالأفكار، والمقاربتين التواصلية والاستراتيجية، ينتقل إلى الدفاع عن أطروحته الأساسية. يحاجّ الباحث بأن حجج الذين سارعوا إلى اعتبار أنّ نجم الشعبوية في "أفول"، بفعل الآثار السياسية لجائحة كورونا، إنما هي حجج واهية، مثلما يجادل بأن أي تحليل للشعبوية في زمن الجائحة يجب أن يميز بينن مستوييَن من التحليل؛ الأول هو التحليل المقارن لطبيعة التدابير التي اتخذتها الحكومات الشعبوية وغير الشعبوية لمواجهة الجائحة وحصيلتها في الدول التي تسيرها تلك الحكومات، أما الثاني فهو تحليل خطاب الحكام الشعبويين أثناء فترة تفشي الجائحة. ثم يقدّم الباحث تحليلً إمبريقيًّا بالنسبة إلى الحصيلة البشرية للجائحة في ديمقراطيات تسيرها حكومات شعبوية وأخرى تسيرها حكومات غير شعبوية؛ محاجًّا بأنه "إذا كان ثمة شيء يميز
الزعماء الشعبويين في التعامل مع هذه الجائحة، فيجب البحث عنه على مستوى الخطاب، وليس على مستوى التدابير المتخذة لمواجهتها"30. ومن هنا تأتي دلالات عنوان المقالة "شعبويو السلطة وجائحة كورونا بين اعتيادية التدابير وخصوصية الخطاب"؛ إذ تشدد على ضرورة التمييز بين الشعبويين الممسكين بزمام السلطة والقابعين في المعارضة من ناحية أولى، وعلى أن التحليل الإمبريقي يبين أن التمايز بينهم لا يكمن في مستوى تدابير مواجهة الجائحة بقدر ما يتجلى في مستوى الخطاب الذي ميز "شعبويِّي السلطة" منذ بداية الأزمة من ناحية أخرى. ينتقل الباحث إلى حالة الإدارة الأميركية للجائحة بقيادة الرئيس دونالد ترامب، بوصفه "النموذج المثالي، بالمعنى الفيبيري للمصطلح، للزعماء الشعبويين الذين صادف انطلاق الجائحة وجودهم في السلطة في الديمقراطيات الغربية الليبرالية." ومرة أخرى، يحاجّ الباحث بأن "ما ميز تعامل الرئيس ترامب مع الجائحة ليس طبيعة الإجراءات التدبيرية التي اتخذتها إدارته، بل عناصر الخطاب التي وظفها؛ إذ كان ثمة من جهة 'خطاب منفصم' يناقض الإجراءات العملية التي استُخدمت لمواجهة الجائحة. ومن جهة أخرى، كان ثمة 'خطاب إثبات' وظف فيه 'الأصل الأجنبي' [الصيني بطبيعة الحال] للجائحة بغرض تعزيز المشروعية السياسية [لفكرة الخطر الخارجي"]31. وما يضع هذه المقالة في لب العدد، فضلً عما سبق تسويغه، هو تأملاتها في خطاب سياسة ترامب الخارجية زمن جائحة كورونا؛ إذ يعود الباحث ليذكّرنا بأن "التضاد بين نحن وهم [أو بين الأنا والآخر، الذي يعد] ركيزة الشعبوية في الزمن السياسي العادي، [إنما] يزداد حدة في زمن الأزمات." وهكذا يخلص إلى أن "الآخر"، الذي يتحمل اللوم بوصفه "المسؤول عن الأزمة في الخطاب الشعبوي ليس فقط النخب الحاكمة المتهمة بالتقصير في توفير الحل، بل هو كذلك كل العناصر التي لا تنتمي إلى 'الشعب الخالص'، سواء أكانت هذه العناصر داخلية أم خارجية"؛ فالآخر الذي يصير بفعل الخطاب عدوًّا، قد يكون أيضًا من المهاجرين أو اللاجئين، وقد يكون دولة أو مجموعة دول أو منظمات دولية أو شركات متعددة الجنسيات أو مؤسسات فوق وطنية على غرار الاتحاد الأوروبي. وكلُّ ذلك في سبيل تحويل الانتباه عن المساءلة التي قد يتعرض لها شعبويو السلطة؛ لأنهم هم المطالبون باتخاذ التدابير الصائبة للخروج من الأزمة32. وقد حدث هذا مرارًا وتكرارًا خلال السنة الأخيرة من فترة رئاسة دونالد ترامب، سواء مع الصين أو مع منظمة الصحة العالمية، وهو ما يناقشه الباحث في الشطر الثاني من مقالته هذه. فضلً عن ذلك، يضمّ هذا العدد ترجمةً، أعدتها سارة إسماعيل، لدراسة نشرها ديفيد فيدلر – وهو أستاذٌ فخريٌّ في كلية الحقوق، جامعة إنديانا – في دورية النظرية لاجتماعية والصحة، بعنوان "الأمراض والفوضى المعولمة: مقاربات نظرية للصحة العالمية." وهي دراسة تبحث في الإجابة عن أسئلةٍ نظريةٍ تثيرها الدعوة المتزايدة لوضع الصحة العامة على الأجندات الدبلوماسية، من قبيل: "لماذا ينبغي أن تتصدّر الصحة العامة الأجندات الدبلوماسية العالمية؟ وكيف ينبغي ضبط المساعي الرامية لبلوغ صحة عامة أفضل وتنفيذها على صعيد عالمي؟." كما يحلل فيدلر المشكلات التي يفرضها السياق الفوضوي للعلاقات الدولية على الإجابة عن هذه الأسئلة، مستعينًا ب "نظريات من حقل العلاقات الدولية، الواقعية والمؤسسية والليبرالية والبنائية الاجتماعية، لإلقاء الضوء على تحديات نظرية تواجه الدعوة إلى دعم قضايا الصحة العالمية من أجل إضفاء أهمية أكبر على الصحة العامة في السياسة العالمية"33. إضافة إلى ذلك، تقدم لورد حبش، ضمن هذا العدد، مراجعةً نقدية فيروس كورونا المستجد (كوفيد للكتاب الجماعي،- 19) والنظام العالمي: مستقبل الصراع والتنافس والتعاون، الذي حرره هال براندز وفرانسيس غافين، وصدر عن منشورات جامعة جونز هوبكينز34. هذا الكتاب هو نتاج مؤتمر افتراضي جمع، في حزيران/ يونيو 2020، ثلة من الباحثين والسياسيين لتدارس مستقبل النظام العالمي بعد جائحة كورونا. ويقدّم الكتاب رؤى متعلقة بسؤال مفتاحي، هو: "إلى أين تتجه الولايات المتحدة الأميركية والنظام الدولي الليبرالي بعد جائحة كورونا؟"35. أخيرًا، يتضمن هذا العدد، أيضا، قراءة أعدّتها وحدة استطلاع الرأي العام في المؤشر العربي، الذي يصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في اتجاهات الرأي العام في المنطقة العربية نحو الأداء الحكومي في مجال السياسات العامة
والخدمات الأساسية (استطلاع 2020/2019.) وتركز هذه القراءة على إبراز العلاقة بين تقييم الأداء الحكومي والثقة بالحكومات؛ وترتيب الخدمات العامة ضمن أولويّات مواطني المنطقة العربية؛ ثم تحاول رصد مجموعة من دلالات اتجاهات الرأي العام العربي نحو الخدمات الصحية الحكومية والثقة بالحكومات بشأن سلوك المواطنين أثناء فترة تفشي جائحة كورونا. والآن، دعونا نختم مقدمة هذا العدد من حيث بدأناها، القصة القصيرة التي جاءت في مستهلها. لطالما شُبِّه العالَمُ، زمنَ العولمة، بالقرية الصغيرة، وبالحي الكبير، لكن الجوائح، من صِ نو جائحة كورونا، تجعله أشبه بمبنى واحدٍ، فيه قاطنون في شقق؛ بعضها فخمٌ، والآخر وضيعٌ، بل فيه من يقطن الأقبيةَ أيضًا. فإذا ما اندلع حريقٌ فيه ولم يكن ثمة نظامُ إنذارٍ وإخمادٍ فعّال، ولم تُحتَوَ شراراتُه الأولى، ثم أ جهِض دور وحدة الإطفاء، لم يُسمَع للقاطنين حسيسٌ حينها، إلا أن ينبعثوا نحو المخرج يصرخون من فزعٍ، "نفسي، نفسي."! قد لا يتداعى المبنى على رؤوس الجميع، وقد ينجو من ينجو ويهلك من يهلك، لكن الحياة في المبنى، بوصفه جماعة من القاطنين، قد لا تعود إلى ما كانت عليه، أمّا رأبُ ما أفسده الحريق فتلك معضلةٌ أخرى. وهذا ما يمكن تعلُّمُه من (حقل) العلاقات الدولية.
المراجع
العربية
أبطوي، محمد. "دراسة الوباء وسبل التحرّز منه: الأوبئة في الطب العربي وفي التاريخ الثقافي." المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2020/6/22 في https://bit.ly/2RYifuE:. أمنكاي، عبد الكريم. "شعبويو السلطة وجائحة كورونا: بين اعتيادية التدابير وخصوصية الخطاب، حالة الولايات المتحدة تحت إدارة سياسات عربية. العدد دونالد ترامب." 50 (أيار/ مايو.)2021 بشارة، عزمي. المجتمع المدني: دراسة نقدية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 تبيّ. عدد خاص: الفلسفة والجائحة والمرض. مج 9، العدد 35 (شتاء 2021 في https://bit.ly/3w5PTgS:). حبش، لورد. "ف وررس كورونا والنظام العالمي: مستقبل الصراع سياسات عربية. العدد والتنافس والتعاون." مراجعة كتاب. 50
حسين، أحمد قاسم. "النظام الدولي وجائحة كورونا: سجال سياسات عربية. العدد تأثير الأوبئة في العلاقات الدولية." 50 (أيار/ مايو.)2021 حمشي، محمد. "نظريات العلاقات الدولية وجائحة كورونا: أنْبذة سياسات عربية. العدد معتَّقة في قنان جديدة ونبيذ لمَّا يُعتَّق." 50 (أيار/ مايو.)2021 خيّ، شهرزاد. "الاقتصاد السياسي الدولي وجائحة كورونا: تأملات نظرية سياسات عربية. العدد ومساءلات مبكرة." 50 (أيار/ مايو.)2021 ستنجل، فرانك أ. وديفيد ب. ماكدونالد وديرك نابرس محررون الشعبوية والسياسة العالمية: سبر الأبعاد البينية والعابرة للحدود. ترجمة محمد حمشي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021 [يصدر قريبًا.] العدوي، أحمد. الطاعون في العصر الأموي: صفحات مجهولة من تاريخ الخلافة الأموية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 عُمران. عدد خاص: إبستيمولوجيا الجائحة. مج 9، العدد 36 ربيع 2021 (في https://bit.ly/3vcvhm9:).
فيدلر، ديفيد ب. "الأمراض والفوضى المعولمة: مقاربات نظرية سياسات عربية. العدد للصحة العالمية." ترجمة سارة إسماعيل. 50 (أيار/ مايو.)2021
الأجنبية
Brands, Hal & Francis J. Gavin (eds.). Covid-19 and World Order: The Future of Conflict, Competition, and Cooperation. Baltimore, Maryland: Johns Hopkins University Press, 2020. Honigsbaum, Mark. The Pandemic Century: A History of Global Contagion from the Spanish Flu to Covid-19. UK: Virgin Books Limited, 2020. Hopf, Ted. "The Promise of Constructivism in International Relations Theory." International Security. vol. 23, no. 1 (Summer 1998). Moffitt, Benjamin. The Global Rise of Populism: Performance, Political Style, and Representation. Stanford, CA: Stanford University Press, 2016. Pedersen, Elaine L. "Theory is Everywhere: A Discourse on Theory." Clothing and Textiles Research Journal. vol. 25, no. 1 (2007). Wallerstein, Immanuel. After Liberalism. New York: The New Press, 1995.