النظام الدولي وجائحة كورونا: سجال تأثير الأوبئة في العلاقات الدولية
الملخّص
تنطلق هذه الدراسة من افتراض أنه لا يمكن الجزم بأنّ تفشي جائحة كورونا سيغير بنية النظام الدولي في المدى المنظور. فإذا كان الوباء عارض ا ولا يحمل في طياته القدرة على تغيير توزيع القوة الحالي، فإنّ هذا العارض فتح حوارًا في حقل العلاقات الدولية حول تأثير الأوبئة المعدية وسريعة الانتقال في بنية النظام الدولي، وقدرتها على تكثيف العوامل الأساسية التي تسهم في التغيير/ التغير في النظام الدولي، سواء أكانت اقتصادية أم اجتماعية أم سياسية، وفي مناطق مختلفة من العالم. ويلُاحظ أن التوازنات الدولية، قبل الوباء وانتشاره، تشير إلى بداية حدوث تغيير/ تغير في النظام الدولي، كأنه يتحرك نحو شكل من أشكال تعدد الأقطاب في ظل صعود قوى دولية، مثل الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، تتعارض مصالحها في مناطق مختلفة من العالم، في ظل سعي الولايات المتحدة الأميركية إلى الحؤول دون صعود قوى منافسة لها في المدى المنظور. كلمات مفتاحية: جائحة كورونا، النظام الدولي، التغير، الواقعية، تعددية الأقطاب، الليبرالية. This study builds on the assumption that any change in the structure of the international system in the foreseeable future cannot be immediately ascribed to the outbreak of the Covid- 19 pandemic. However, even if the pandemic is purely incidental and unable to change the existing distribution of power, this does not mean it has not introduced a dialogue within International Relations on the impact of epidemics on the structure of the international system, and their ability to intensify some essential - economic, social, and political - factors that contribute to international system change. International power balances before the outbreak of the pandemic indicate the beginning of change of the international system, as if it has been moving towards multipolarity, particularly with many rising powers, such as China, Russia and the European Union, whose international interests challenge those of the US, especially as the latter persistently impedes any rise of rival powers in the foreseeable future.
The International System and the Covid- 19 Pandemic: The Debate over the Effects of Epidemics on International Relations
Keywords: Covid- 19 , Pandemic, International System, Change, Realism, Multipolarity, Liberalism.
مقدمة
ينشغل الباحثون، عمومًا، على مختلف اختصاصاتهم، وباحثو تاريخ العلاقات الدولية بخاصة، برصد وتحليل التحولات الكبرى التي تطرأ على مستوى النظام الدولي الذي يتكون من مجموعة من الوحدات Units (دول، ومنظمات حكومية وغير حكومية، وأفراد.) وهذه الوحدات تسعى، اعتمادًا على ما تملكه من مقومات القوة (المادية وغير المادية)، إلى تعزيز قوتها الاقتصادية والعسكرية وبناء الشراكات والتحالفات على نحوٍ يحقق مصالحها، ويضمن أمنها واستقرارها، بحيث تواصل رحلة السعي للبقاء في نظام دولي يتسم بالفوضوية وتغيب عنه السلطة المركزية. لقد عرف العالم حالة استقرارٍ في توزيع القوة على المستوى الدولي بين القوى الفاعلة والمؤثرة في السياسة الدولية في مراحل تاريخية مختلفة، منذ نشوء الدول القومية مع توقيع صلح وستفاليا عام 1648، الذي أرسى نظامًا جديدًا في أوروبا مبنيًا على مبدأ سيادة الدول القومية. وقد أثّر هذا الصلح على نحو مباشر في النظام الدولي برمّته في وقت لاحق؛ فباتت الدولة القومية منذ القرن الثامن عشر هي الشكل السائد للتنظيم السياسي، والفاعل الأساسي في النظام الدولي. كان آخر توزيع مستقر للقوة شهده العالم بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية ضمن تركيبة ثنائية القطبية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، التي خطت ملامح السياسة الدولية ضمن حقبةٍ اصطُلح على تسميتها "الحرب الباردة." وترافقت بداية هذه الحرب مع انتهاء تدريجي لحقبة الاستعمار الكلاسيكي، وتكاثر الدول القومية التي أعادت تشكيل الخريطة السياسية لقارات العالم كافة. لم يصل التصعيد بين قطبَي النظام الدولي في حقبة الحرب الباردة إلى مستوى المواجهة والاصطدام، بل اقتصر التنافس بينهما على توسيع نفوذهما في ساحات عديدة من العالم، عبر دعم الحلفاء في تحقيق بعض الاختراقات السياسية والاقتصادية في مناطق نفوذ أحد المعسكرين، الشرقي أو الغربي، على امتداد رقعة الشطرنج الجيوبوليتيكة التي تجمعهما. وما إن خفّت حدة المنافسة بينهما مع انهيار الاتحاد السوفياتي حتى طُويت صفحة الحرب الباردة، وتربّعت الولايات المتحدة على قمة هرم النظام الدولي بوصفها أكبر قوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية مؤثرة في السياسة الدولية. حينها، فُتح الباب مشُرعًا على دراسة التحولات في النظام الدولي ومستقبله في ظل نظام أحادي القطبية. في إثر كل مرة يخفت النقاش والجدل الأكاديمي حول طبيعة النظام الدولي، يعود مع كل أزمة ذات أبعاد دولية. فقد عاد الجدل مجددًا حول شكل النظام الدولي وطبيعته مع الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وذلك إثر انهيار المؤسسات المالية الأميركية، وخسارة ما يقرب من تريليون دولار خلال أزمة الرهن العقاري1، فاختل استقرار النظام الدولي في ظل وجود القطب الواحد، وتتابعت الأزمات الدولية. وقد دفع هذا الأمر بعض منظري وباحثي العلاقات الدولية إلى الاعتقاد أن لحظة التغيير/ التغير في النظام الدولي آتية لا محالة، وأن العالم في انتظار العامل x"" القادح الذي سيفجر "أزمة نظمية" على المستوى الدولي. قد يكون هذا العامل مواجهة عسكرية بين قوتين دوليتين، أو أزمة اقتصادية ومالية تعصف بالنظام الاقتصادي الدولي، أو اصطفافًا وتغييرًا في شكل التحالفات القائمة في النظام الدولي التي تحافظ الولايات المتحدة من خلالها على موقع مميز في النظام الدولي، خاصة مع صعود قوى دولية تحاول القيام بأدوار أساسية في السياسة الدولية، من بينها الصين والاتحاد الأوروبي واليابان وروسيا، التي تنافس نسبيًا الولايات المتحدة على السيطرة والنفوذ. وتزامن ذلك مع صعود قوى إقليمية غير مقتنعة ببنية النظام الدولي الحالي، مثل فنزويلا وتركيا وإيران والهند وجنوب أفريقيا، وتحاول هذه القوى التعديلية Revisionist Powers استغلال التناقضات في المصالح والتوجهات بين القوى الدولية الكبرى الفاعلة من أجل تعظيم نفوذها، وسيطرتها في الأقاليم ذات الأهمية الاستراتيجية بالنسبة إلى تلك القوى الدولية الكبرى. لقد شهد النظام الدولي استخدامًا كثيفًا للقوة العسكرية الخشنة Hard Power من الولايات المتحدة في مناطق توترات إقليمية عديدة في الفترة التي عقبت انتهاء الحرب الباردة. فقد ساهم الفراغ في بنية النظام الدولي، الذي خلّفه انهيار الاتحاد السوفياتي، في زيادة هيمنة الولايات المتحدة وتدخّلها من دون قيد يمكن أن تشكّله قوى دولية منافسة أو قادرة على ردعها. وإذا تتبعنا الفترة 2018-1991، سنلاحظ أن الولايات المتحدة تدخّلت، بدرجات متفاوتة، في عدد كبير من مناطق مختلفة شهدت توترات وأزمات أمنية وسياسية2، تنوعت بين التدخل الدولي بذريعة حماية المدنيين، واستعادة الأمن
والاستقرار في الدولة موضع التدخل، أو كانت بمسمى المسؤولية الجماعية للحماية مثلما حدث في البلقان، أو بدعوى محاربة الإرهاب والتطرف بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 مثلما حدث في أفغانستان والعراق. لا يخفى أن التنافس بين الفواعل في النظام الدولي على اختلافها، من أجل تعظيم نفوذها وسيطرتها، يكون عبر استخدام القوة بكل أشكالها، الصلبة والناعمة والذكية. وقد شهد العالم مؤخرًا إنفاقًا هائلً على التسلح واقتناء تكنولوجيا الرقابة والتحكم التي ساهمت في تطويرها ثورة التكنولوجيا المتسارعة. ولم تأخذ تلك الفواعل في الحسبان، في رحلتها نحو تعظيم مصالحها ونفوذها وضمان بقائها في النظام الدولي الآخذ في التحول والتشكّل بعد انتهاء الحرب الباردة، أن متغيرًا عارضًا غير مرئي عابرًا للحدود القومية يمكن أن يؤثر في السياسة الدولية، ألا وهو "الوباء"، وقد يعيد هيكلة العلاقات بين الفواعل في النظام الدولي، وقد يتحكم في النشاط السياسي الاقتصادي العالمي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن أغلب أدبيات العلاقات الدولية لم تتعامل مع الأوبئة والأمراض المعدية على أنها أزمات دولية قد تحمل في طياتها هذه القوة والقدرة على التأثير في شكل السياسات الخارجية للدول القومية. عادة ما كان يتم التنظير للأوبئة في إطار "المسائل العابرة للحدود القومية" التي فرضتها العولمة الاقتصادية، وتُدرجها ضمن التهديدات الأمنية والبيولوجية التي تواجه الدولة3. ولم يتنبّه منظرو العلاقات الدولية على نحو كبير إلى قدرة تلك الأوبئة على التأثير المباشر في بنية النظام الدولي. وقد تعامل الجهاز المفهومي في نظريات العلاقات الدولية، الوضعية وما بعد الوضعية، مع الأوبئة المعدية في إطار التهديدات التي من الممكن السيطرة عليها، كلٌّ وفق فرضياتها الأساسية وتصوراتها للنظام الدولي. وليس مستغربًا أن تشكّل الصحة العامة لدى الليبراليين والواقعيين والماركسيين أرضيةً مشتركة؛ إذ اتفقت تلك النظريات على أن الوقاية من الأمراض المعدية مرغوب فيها وضرورة تستدعي مواجهتها، ولكن يظهر الاختلاف في آليات الحد من انتشارها والتعامل مع تداعياتها السياسية والاقتصادية. ففي الوقت الذي ينظر الليبراليون إلى أهمية التعاون الدولي والاعتماد المتبادل Interdependence بين الدول والخبراء والمؤسسات الدولية العاملة في مجال الصحة العامة والحد من انتشار الأمراض المعدية، نجد أنّ الواقعيين أكثر ميلً إلى تأكيد مسؤولية الدولة والاعتراف بأهمية المسائل الصحية عندما يكون أمن الدولة مهددًا، فهي صاحبة القول الفصل في تعزيز النظام الصحي وتطويق المخاطر والتداعيات التي تنجم عن تفشي الأوبئة. أما الماركسيون، فهم يؤكدون أن الصحة هي مسألة أخرى تظهر الفارق الاقتصادي بين الدول الغنية والدول النامية والفقيرة في النظام الدولي، وهم أكثر سرعة في الإشارة إلى الفروق بين النظم الصحية التي تفاقمت بسبب ظروف العمل والعيش والاستغلال، ويسارعون إلى إدانة الشركات المتعددة الجنسيات، التي هي أكثر اهتمامًا بأرباح الحد الأدنى بدلً من الأهداف الاجتماعية والإنسانية. في حين يسهم الوباء المعدي، وفق المنظور البنائي في العلاقات الدولية، في زيادة التفاعل بين المجتمعات التي انتشر فيها الوباء المعدي وبنية النظام الدولي، على نحو يفضي إلى إضافة عنصر جديد يدخل في تشكيل هوية النظام الدولي في المدى المنظور. واليوم، وفي خضمّ جائحة كورونا، القادرة على وضع القيود على التفاعل الدولي، قد نشهد حركة تنظيرية في حقل العلاقات الدولية تركز البحث في متغير جديد، هو الوباء الذي يحمل في طياته تأثيرًا في دور الفواعل وطبيعتها في النظام الدولي. لذا، تنطلق هذه الدراسة من افتراض أنه لا يمكن الجزم بأنّ تفشي فيروس كورونا سيغير بنية النظام الدولي في المدى المنظور. فإذا كان الوباء عارضًا ولا يحمل في طياته القدرة على تغيير توزيع القوة الحالي في النظام الدولي، فإنّ هذا العارض فتح حوارًا في حقل العلاقات الدولية حول دور الأوبئة، المعدية وسريعة الانتقال، في التأثير في بنية النظام الدولي، وقدرته على تكثيف العوامل الأساسية التي تسهم في التغيير/ التغير في النظام الدولي، سواء أكانت اقتصادية أم اجتماعية أم سياسية، وفي مناطق مختلفة من العالم. ويلُاحظ أن التوازنات الدولية قبل الوباء وانتشاره، تشير إلى بداية حدوث تغيير/ تغير في النظام الدولي، كأنه يتحرك نحو شكل من أشكال تعدد الأقطاب في ظل صعود قوى دولية، مثل الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، التي تتعارض مصالحها في مناطق مختلفة من العالم، في ظل سعي الولايات المتحدة إلى الحؤول دون صعود قوى منافسة لها في المدى المنظور. وبناء عليه، قد تطرح جائحة كورونا مجموعة من الأسئلة حول شكل النظام الدولي وطبيعته. فهل ستدخل الأوبئة بوصفها متغيرات جديدة في فهم تطور الظواهر الدولية، وتسهم في تحديد الكيفية التي سيتطور بها هذا النظام الدولي الجديد؟ وهل ستكون إحدى النتائج التي قد تتمخض عن انتشار هذا الوباء هي فتح الباب أمام حوار جديد ضمن حوارات العلاقات الدولية، بالتزامن مع عودة دور الدولة باعتبارها الفاعل الأساسي في النظام الدولي، ونقد حوارات العولمة في نظريات العلاقات الدولية؟
أولا: التغيير في النظام الدولي: إطار نظري
تدخل وحدات النظام الدولي الذي يتسم بالفوضوية، بمعنى غياب السلطة المركزية وفق المنظور الوضعي في العلاقات الدولية، في صراع وتنافس على القوة والنفوذ، سواء أكانت قانعة وراضية Satisfied ببنية النظام الدولي، أم غير قانعة Dissatisfeid وغير راضية بها. ويواجه النظام الدولي في إثر ذلك، في لحظة محددة، مشكلاتٍ يكون عاجزًا عن حلّها نتيجة التناقضات بين قواه الأساسية الفاعلة، في ما يعرف ب "الأزمة النظمية"4، التي تقود في نهاية المطاف إلى انتقال القوة Power Transition5 وحدوث تغيير في بنية النظام الدولي في إطار عملية تسوية بين القوى المتنافسة لحل خلافاتها وتناقضاتها الجوهرية، والحد - أو التقليل، على أقل تقدير، من التنافس بأشكاله كافة، والقبول بتوزيع القوة في ما بينها، وإنْ مؤقتًا؛ ما يُنتج نظامًا دوليًا جديدًا. لقد شغل التنبؤ بنقطة التغير والتغيير التي تطرأ على النظام الدولي وبنيته اهتمام منظري وباحثي العلاقات الدولية، كما شغلهم استشراف توزيع مصادر القوة، كمًّ وكيفًا، باعتبارها المقياس الأساسي لتحديد طبيعة ونوعية العلاقات بين وحدات النظام الدولي على اختلافها. وكلما استقرت التوزيعة، استقر النظام، وسهلت توقعات مساراته ومآلاته. وعندما تضطرب هذه التوزيعة يضطرب النظام، وقد تعم الفوضى. وفي هذه الحالة تكون الاستفادة للأقوى، أمّا الخسارة فيتحمّلها الأضعف، كما أنه أمرٌ حيويٌّ للتمكن من زيادة قدرة التنبؤ بتوزيع القوة في النظام الدولي6. لقد هيمنت على القرن العشرين ثلاثة صراعات شديدة بين قوى حاولت جاهدة تحقيق السيطرة والهيمنة على النظام الدولي. وقد ساهمت على نحو أساسي في إحداث تغيير في بنية النظام الدولي، وكان لها تأثيرٌ في رسم معالم النظام الاقتصادي العالمي في كل مرحلة من مراحل الصراع والتنافس بين تلك القوى؛ ألمانيا قبالة الحلف الفرنسي - البريطاني 1918-1914()، وعقبها الأزمة الاقتصادية العالمية، أي الكساد الكبير عام 1929 7؛ وبين ألمانيا ضد الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي 1945-1939()، وتبعها التأسيس لنظام اقتصادي دولي جديد، أي نظام بريتون وودز8، وأخيرًا بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي إبان "الحرب الباردة" 1991-1945() وما تبعها من تحولات في منظومة الاقتصاد الدولي، والأزمة المالية العالمية في عام 2008 9.
ولعل الفترة الأكثر وضوحًا في بنية النظام الدولي، التي ترافقت مع تطور حقل العلاقات الدولية، هي فترة القطبية الثنائية، التي
استمرت نحو نصف قرن؛ إذ نشأ نظام دولي جديد نتيجة ظروف خاصة، تزامنت مع ظهور السلاح النووي، واقتصادات في طور إعادة البناء بعد حرب كبرى برزت في أعقابها قوتان عظميان متميزتان. وقد بلغت المواجهة الأيديولوجية في هذا النظام بين هيكليتين اجتماعيتين وسياسيتين متنافستين على النفوذ والسيطرة، في عالم اصطلح على تسميته ب "العالم الثالث"، في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية10. واجهت النظريات الوضعية في العلاقات الدولية عجزًا في التنبؤ بانهيار نظام الثنائية القطبية عام 1991 الذي شهد انتقالً في بنيته إلى نظام أحادي القطبية، مع انهيار المنظومة الاشتراكية المتمثلة في الاتحاد السوفياتي، وتفكّك قوتها العسكرية المتمثلة في حلف وارسو. لقد تعززت لحظة القطبية الأحادية مع قيام التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وتمكّنها من هزيمة النظام العراقي وإجباره على سحب قواته من الكويت. وقد جاء خطاب الرئيس الأميركي آنذاك، جورج بوش الأب Bush H.W. George 1993-1989()، في أيلول/ سبتمبر 1991، الذي أكد فيه تأسيس نظام عالمي جديد تسوده قيم الحرية والعدالة والسلام والأمن والرخاء11، تدشينًا لهذه المرحلة الجديدة التي تنفرد فيها الولايات المتحدة بقيادة العالم. لقد أصابت الأوساط الأكاديمية المختصة بحقل العلاقات الدولية حالةٌ من الإرباك بعد الحرب الباردة حول صيغة النظام الدولي. وساد جدل نظري وفكري بين منظري العلاقات الدولية الذين انقسموا إلى تيارين: الأول انطلق منظروه، على اختلاف توجهاتهم، في البحث عن تفسيرات لما جرى، واستطلاع مناحي القصور في النظريات السائدة في الحقل التي لم تُسعف في استشراف التحول في النظام الدولي، والأهم من ذلك أنهم ركزوا على نحو أساسي على إعادة تكوين التصورات والرؤى النظرية لتوقع ماهية التركيبة المستقبلية للنظام الدولي وشكلها، واستقراء الأسس الكفيلة بإعادة الاستقرار لهذا النظام، ومنهم كينث والتز Kenneth Waltz ويانغ زيتونغ Yang Zitong وفريد زكريا Fareed Zakaria، وستيفن والت Stephen Walt، وريتشارد هاس Haass N. Richard 12، بل ذهب بعضهم إلى تبرير عجز النظرية عن استشراف مستقبل التحولات في النظام الدولي بأنه لا يقع في صلب وظيفة نظرية العلاقات الدولية، خاصة أن عدد النظريات وتنوعها في هذا الحقل الناشئ كبيرٌ؛ ما خلق نوعًا من الضبابية المنهجية، وعقّد مهمة الاستشراف والتنبؤ. لقد رأى ريموند آرون Aron Raymond أن علم العلاقات الدولية هو علم تاريخي، والمرجو منه هو استقراء التاريخ، وليس استشراف المستقبل. وهو ما أكده أيضًا الواقعي كينيث والتز حين اتفق مع آرون، وأرجع صعوبة التنبؤ بمسارات الظاهرة الدولية إلى عدم إمكانية حساب المتغيرات التي تؤثر في النظام الدولي كميًا، في ظل تمايز أهداف وتوجهات الدول المكوّنة للنظام الدولي13، وهو ما يجعل منظري العلاقات الدولية غير قادرين على التوصل إلى تعميمات تسمح لهم باستشراف مستقبل النظام الدولي14. لقد عزا الواقعيون التغير في النظام الدولي إما إلى التغيرات في القوى الفاعلة فيه، وإما إلى تغيرات خارجية المصدر، التي تأتي من خارج النظام؛ حيث يفرّق الواقعيون بين الأنظمة على أساس قطبيتها، ويظهر التغير في النظام حينما يتغير عدد الأقطاب. وغالبًا ما تكون حروب الهيمنة مسؤولة عن مثل هذه التغيرات الأساسية في علاقات القوة التي يربطونها بعمليات يمكن وصفها ب "التحديث" الذي يقود إلى تحولات في الهويات والخطابات التي تتزامن مع مفاهيم جديدة حول الأمن. فعلى سبيل المثال، جاءت كتابات ثيوسيدس في تفسير أسباب الحروب البيلوبونيزية متمثّلة بأن اعتماد أثينا المتزايد على القوة المادية هو ما قاد إلى تغيير في القيم الأثينية؛ حيث تنحّى ال فرر ليحل محله على نحو متزايد الكسبُ أو الاستحواذ، واستُبدلت الهيمنة - وهي الحكم الذي يُبنى على موافقة الآخرين ورضاهم - بالسيطرة التي مورست من خلال التهديدات والرشوات15. ولا يختلف التحديث في هذا المعنى عن مفهوم هانس مورغنثاو Hans Morgenthau بشأنه هو وأنصار الواقعية على اختلاف تياراتها (الكلاسيكية والجديدة)، حيث جاءت تلك الكتابات في أثناء حروب دولية مدمرة وفي أعقابها، وحاولت البحث عن مزيج يجمع بين النظام القديم والنظام الحديث، بحيث يكون في إمكانه استيعاب إيجابيات التحديث ويقلل من آثاره الهدامة. لقد أراد الواقعيون بناء نظام توليفي مركّب يجمع أفضل ما في القديم وأفضل ما في الحديث، ويتجنب مخاطر كليهما، ومناشدة القوى العظمى للاعتراف بالحاجة إلى التعايش المشترك في عالم
المصالح المتعارضة والراع، حيث تمثل محاولات ضبط النفس وتسوية الخلافات جزئيًا الاستراتيجيات القصيرة الأجل الأكثر عملية للحفاظ على الوضع القائم في حال السلم16. فقد وجد والتز في النظام ثنائي القطبية 1990-1945() التعبيرَ الأفضلَ عن الحفاظ على الاستقرار في النظام الدولي17. في كتابه الحرب والتغيير في السياسة العالمية، يرى روبرت غلبن أن التغير في النظام الدولي يأتي نتيجة استجابة الدول القومية بنسب مختلفة للتطورات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية18. وهو ما يطرح تساؤلً في ظل انتشار جائحة كورونا، عن إضافة عامل جديد يدخل في خانة التطورات، وهي التطورات البيولوجية ذات المنشأ الخارجي التي قد تقود إلى الإسهام في تسريع التغيير/ التغير في النظام الدولي، وخاصة مع عودة الدولة والبيروقراطية المرتبطة بها إلى المشهد الدولي. فالدولة وفق افتراضات المدرسة الواقعية هي الفاعل الأساسي في النظام الدولي، والقادرة على مواجهة الوباء والجائحة من خلال الإجراءات التي فرضتها السلطات القومية في دول العالم كافة لمواجهة انتشار الفيروس، وهي كذلك القادرة على فرض القيود على المجتمعات وحركتها وتعطيل النشاط الاقتصادي وتعزيز قدرات القطاع الصحي. ومن ثم، فإن المحرك الأساسي في السياسة الدولية هو الدول القومية، في حين تتراجع أهمية الفواعل من غير الدول في التنافس/ التعاون للحد من تفشي جائحة كورونا. أما التيار الثاني، فقد سارع إلى تمجيد انتصار الليبرالية الغربية، وبدأ أنصاره حوارًا وجدلً أكاديميًا حول موقع النهج النظري للمدرسة الواقعية الجديدة في تفسير العلاقات الدولية. فقد انطلقوا من افتراض أن مفاهيم الواقعية، مثل الفوضى والاعتماد على الذات وتوازن القوة، كانت مناسبة لحقبٍ ماضية19، بل ذهب بعض منظري هذا الاتجاه أبعد من ذلك، حين استشرفوا مستقبل العلاقات الدولية، مبشرين بديمومة انتصار الرأسمالية الليبرالية. وعلى رأسهم فرانسيس فوكوياما الذي اعتبر نهاية الحرب الباردة بمنزلة "نهاية التاريخ"20، وكذلك صمويل هنتنغتون الذي استشرف أنماطًا غير تقليدية من الصراعات العالمية، مثل "صدام الحضارات" مع صعود تأثير الهوية والثقافة في العلاقات الدولية21. يتفق أنصار فكرة المدرسة الليبرالية مع افتراض واقعي مفاده أن النظام الدولي يتسم بالفوضى، بمعنى غياب السلطة المركزية، وأن كل دولة فيه تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة. لكن بخلاف الواقعيين، لا يقود التفاعل بين القوى الفاعلة في النظام الدولي بالضرورة إلى حروب وصراعات، بل من الممكن أن يكون تعاونًا وتكاملً من خلال المؤسسات الدولية التي توفر إطارًا للتفاعلات والبحث عن المشتركات. فالنظام الدولي وفق المدرسة الليبرالية ليس بنية فحسب، بل هو عملية فيها تفاعلات متعددة بين أطراف متعددة. وبناءً عليه، يأتي التغير في النظام الدولي نتيجةً لتلك التفاعلات والتطورات التكنولوجية والتقدم الذي يحدث على نحو مستقل وخارج عن سيطرة القوى اللاعبة في النظام الدولي. فعلى سبيل المثال، تكون التغييرات في الاتصال والنقل مسؤولة عن المستوى المتزايد في الاعتماد المتبادل بين الدول داخل النظام الدولي؛ ومن ثم، فإن العولمة وما فرضته من تشابك في العلاقات بين الدول جعلت المسائل الاقتصادية تحل مكان مسائل الأمن من حيث الأهمية. وقد حلّ فاعلون جدد، مثل الشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات الدولية وقوى المجتمع المدني العالمي، محل القوى الفاعلة الممثلة في الدولة القومية، وتدخل تلك القوى في أنواع جديدة من العلاقات التي قد تقود إلى بناء نظام دولي جديد، وهو ما يطرح أيضًا تساؤلً حول فكرة الاعتماد المتبادل والتعاون في ظل انتشار فيروس كورونا؛ فقد يحاجج أنصار الليبرالية المؤسساتية بأن التعاون والتنسيق بين الدول حول اكتشاف جينوم الفيروس والتعاون بين المختبرات الدولية دليلٌ على حجم التعاون والاعتماد المتبادل في مواجهة الفيروس. وفي المقابل، صعد تيار نقدي ضمن العلاقات الدولية طوّرته مدرسة فرانكفورت، وهو يشكك في الحجج العلمية المرتبطة بأشكال الفلسفة الوضعية في نظرية العلاقات الدولية، وفي الحتمية الاقتصادية التي بُنيت عليها النظريات الكلاسيكية المتعلقة بالإمبريالية أو نظرية المنظومة العالمية22. وقد قارب أنصار هذا التيار السياسة الدولية من منظور ثقافي اجتماعي، واعتمد منظروه على مصادر
فكرية أخرى من أجل بناء نظريات نقدية للسياسة العالمية (ما بعد الإمبريالية والنسوية وغيرها.) ويعتبر كل من ريتشارد أشلي Richard K. Ashley، وروبرت كوكس Robert W. Cox، وأندرو لينكلايتر Linklater Andro، من أهم منظري هذا التيار. كما تُعد النظرية البنائية واحدة من النظريات النقدية التي قدمت إسهامات جادة في الجدل الإبستيمولوجي والأنطولوجي في حقل العلاقات الدولية. فقد شدد البنائيون على الأبعاد الاجتماعية للعلاقات الدولية، وعلى احتمال التغيير؛ إذ إنّ النظام الدولي، وفق المنظور البنائي، بنية اجتماعية تتضمن مجموعة من القيم والقواعد والقوانين واللغة، وهذه البنية تؤثر في هويات الفواعل ومصالحهم. ومن ثم، فإن النظام الدولي في عملية دائمة ومستمرة من البناء الحاصل من خلال التفاعل بين الفواعل والبناء نفسه، وهو ما يشكل هويات الجهات الفاعلة وعلاقاتها التي هي نتاج للعمليات التاريخية والتفاعلات التي تجري عبر الزمن23.
ثانيًا: عولمة الأوبئة والأمراض المعدية
شاع استخدام لفظ العولمة في العقود الثلاثة الأخيرة، وزاد شيوعه بعد نهاية الحرب الباردة. ومع هذا، فإن الظاهرة التي تشير إليها ليست حديثة بالدرجة التي قد توحي بها حداثة المصطلح؛ إذ إنّ العناصر الأساسية في فكرة العولمة (تنامي العلاقات المتبادلة بين الدول، وتبادل السلع والخدمات، وانتقال رؤوس الأموال) جميعها يعرفها العالم منذ قرون مضت24 من خلال الحقبة الإمبريالية التي أرخت لبدايتها معاهدة تورديسيلاس Treaty of Tordesillas بين البرتغال وإسبانيا في عام 1494، حيث قُسمت المناطق المختلفة في العالم فعليًا بينهما باعتبارها حقًّا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا حصريًا لهما وفق المنطق الإمبريالي. وهو ما سرّع لاحقًا التنافس بين القوى الإمبريالية الصاعدة (هولندا وبريطانيا وفرنسا) التي طمحت إلى بسط سيطرتها على مناطق في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، خاصة مع انتقال نمط الإنتاج الأوروبي من الإقطاعي إلى التجاري الذي مثّل عاملً أساسيًا في توسيع شبكة الطرق التجارية البرية والبحرية خارج حدود أوروبا، خاصة بعد اكتشاف أميركا والملاحة العالمية نحو الهند. وإضافة إلى ذلك، ربطت طرق التجارة الدولية في القرن السادس عشر حضارات مختلفة، كما واجهت تهديدات عالمية، كالتمرد والقرصنة وانتشار الأوبئة، مع تنامي حركة انتقال السلع والأفراد؛ ما فرض على القوى الإمبريالية استخدام القوة العسكرية لحماية مصالحها عبر الأسلحة النارية والمدافع المحمولة على متن سفنٍ تشق عباب المحيطات، بحثًا عن الموارد والثروات التي تخدمها في زيادة ثرواتها ودفع عجلة صناعاتها الصاعدة. لقد وضعت الحقبة الإمبريالية قواعد العالم المعاصر، وأرست اليوم ملامح العولمة25 التي تعتبر تكثيفًا للاتجاهات التي حدثت عبر التاريخ من ناحية الانتقال السريع للبضائع والسلع ورؤوس الأموال، وتشابك خطوط التجارة الدولية وما رافقها من ثورة في مجال الاتصالات في خمسينيات القرن الماضي، على نحو دفع الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان إلى التنبؤ بتحول العالم إلى قرية عالمية، وذلك عبر بحثه في تأثير التطور التكنولوجي في التنظيم المعرفي، الذي بدوره له تداعيات عميقة على البنى الاجتماعية، وهو ما خلق حالة من الترابط والتشابك وتطور الاعتماد المتبادل بين مختلف دول العالم26. وقد بات اصطلاح "العالم قرية عالمية/ كونية" التعريف المختصر لظاهرة العولمة؛ فقد صدقت نبوءة ماكلوهان مع طفرة التطور في مجال تكنولوجيا المعلومات والتوسع في استخدام شبكة الإنترنت، وما رافقها من تطور في شبكات التواصل الاجتماعي في العالم. أثارت العولمة جدلً في حقول المعرفة الاجتماعية والإنسانية كافة، خاصة حقل العلاقات الدولية، حول مداها ونتائجها؛ إذ شهد العالم حقبة جديدة من الحركة والتفاعل البشري غير المسبوقة، واختفت الحدود والتقسيمات القديمة للعالم. وقد زادت العولمة، من جهة، دور المساحة الافتراضية Space Cyber، وتأثيرها الملحوظ في الوحدة الأساسية في النظام الدولي، أي الدولة-الأمة Nation-state""، ومقوماتها مثل السيادة والحدود والقوة والأمن. ومن جهة أخرى، تصاعد تأثير الفرد بوصفه فاعلً سياسيًا في النطاقات السياسية والإعلامية والاقتصادية، متجاوزًا النطاقات الرسمية التقليدية لأدوار الأفراد بوصفهم ممثلين للسلطة السياسية؛ ذلك أن امتلاك الفرد المقومات المالية أو الإعلامية أو الفكرية أو العقائدية بات يكفل له التأثير في مسار التفاعلات الداخلية والإقليمية. ومن ثم، برزت على الساحة الدولية مسائل جديدة؛ مثل الهجرة غير النظامية،
والاتجار بالبشر، وحقوق الإنسان، والأوبئة، بوصفها قضايا تتجاوز قدرة الدولة القومية. لكن لا بد من الإشارة، في هذا المقام، إلى أن انتقال الأوبئة والأمراض المعدية بين المجتمعات والدول المختلفة ليس بالظاهرة الجديدة، وليس نتاجًا حصريًا لعولمة القرن العشرين التي جعلتها، من دون شك، أكثر انتشارًا وتوسعًا، مقارنة بالحقب التاريخية الماضية. فالتجارة عبر القارات وحركة الناس في العالم القديم ساهمتا على نحو أساسي في انتشار الأمراض المعدية على نطاق عالمي، فمثلً كانت طرق التجارة منذ العصر الروماني بين أوروبا وآسيا أرضًا خصبة لتكاثر الميكروبات والفيروسات. فقد أصاب طاعون أنطونيوس الإمبراطورية الرومانية سنة 165 قبل الميلاد، وقضى على نحو 5 ملايين إنسان وعلى الجيش الروماني. كما ضرب طاعون جستنيان الإمبراطورية البيزنطية 542-541(م) وقضى على قرابة 25 مليون إنسان، فقد كانت تأثيراته كارثية في واحدة من أكبر المدن في العالم آنذاك هي مدينة القسطنطينية؛ إذ قضى الطاعون على نحو 40 في المئة من سكانها27. وعاد هذا الطاعون بكامل قوته مجددًا وعرف باسم "الموت الأسود" في القرن الرابع عشر 1353-1346()، حين وفر طريقٌ جديد للتجارة البرية مع الصين عبورًا سريعًا للفراء الحاملة للبراغيث من آسيا الوسطى الموبوءة بالطاعون، وقد قضى بدوره على ما يقارب من 75 إلى 200 مليون إنسان28. أما وباء الكوليرا، فقد بدأ في الهند وانتشر إلى آسيا وأوروبا وأفريقيا وأميركا الشمالية، وقضى على نحو مليون إنسان، وسببه جرثومة الكوليرا، وكان من فوائده اكتشاف العالِم جون سنو Snow John 1858-1813() علاقة الوباء بتلوث المياه، وأسَّس بذلك عِلم الوبائيات والصحة العامة. كما كان فيروس الإنفلونزا الإسبانية)1920-1918(سببًا في القضاء على كثير من الشباب وقد أودى بحياة 20 إلى 50 مليون إنسان29، حين عمّ أوروبا على نحو خاص، وساهم في إيقاف أحد أشد الصراعات الدولية دموية في العصر الحديث، الحرب العالمية الأولى.)1918-1914(استمر انتشار الأمراض والأوبئة، التي زاد خطرَها وانتشارَها في كل مرة الترابطُ الاقتصادي بين الدول؛ فباتت تهديدًا عابرًا للحدود القومية بعد الحرب العالمية الثانية 1945()، ومن ثم جاء تأسيس منظمة الصحة العالمية، إحدى وكالات الأمم المتحدة المتخصصة، في عام 1948، لعلاج المرضَ ين الأكثر فتكًا حينها، الملاريا عام 1955، والحصبة عام 1965. وكان للمنظمة بعد ذلك دور في علاج شلل الأطفال حين أطلقت حملة لاستئصاله عام.1985 لقد أوجد النظام الدولي المعولم، الذي بدأ الترويج له مع انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك الكتلة الاشتراكية وتحول دولها إلى اقتصاديات السوق، فرصًا اقتصادية ونموًّا، وحركة تجارية متزايدة، وانتقال الأفراد ورؤوس الأموال السريع. لكن الفوائد لم يجرِ توزيعها بالتساوي، ولا تزال المخاطر الاقتصادية والأمنية والصحية في هذا العالم المترابط ماثلة أمامنا في ظهور أمراض جديدة، وأخرى كانت محصورة في حيز جغرافي محدد لتظهر في مناطق أخرى من العالم. فعلى سبيل المثال، ظهرت حمى الضنك Fever Dengue، وهي مرض مداري منقول بالبعوض، في جميع أنحاء العالم؛ واكتُشف فيروس غرب النيل Nile West Fever في مدينة نيويورك في عام 1999، وانتشرت عدوى فيروس نقص المناعة البشرية HIV في روسيا. أضف إلى ذلك الانتشار العالمي للسل المقاوم للأدوية المتعددة TB، وأخيرًا فيروس (كوفيد 19-) الذي يعدّ حلقة جديدة في سلسلة الفيروسات التاجية التي سببت قبل ذلك أوبئة مثل متلازمة الشرق الأوسط التنفسية)(ميرس MERS، والمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس) SARS التي انتشرت في مطلع الألفية الثالثة، والتي تتسبب في أمراض بالنسبة إلى الحيوان والإنسان؛ حيث تصيب الجهاز التنفسي أساسًا، وتراوح حدة الإصابة من نزلات البرد الشائعة إلى الأمراض الأشد فتكًا وضراوة. لكن الذي ميّز فيروس كورونا هو سرعة انتشاره؛ فقد انتقل من مدينة ووهان الصينية إلى باقي دول العالم مسببًا ملايين والإصابات. وما يهمنا في هذا السياق أن ما ساعد في انتشاره هو قدرة البشر في زمن العولمة على اختصار المسافات والزمن وانتقالهم بين قارات العالم بسرعة فائقة. ولئن كان هذا الأمر إيجابيًا، فإنه يحمل في طياته قدرة هائلة على إظهار الآثار العميقة لقوى العولمة في ظهور الأمراض المعدية وتوزيعها وانتشارها عالميًا. فالعولمة توفر فرصة لانتشار مسببات الأوبئة المعدية وازدهارها على نحو كبير. ولم يحدث من قبل أن تحرك البشر بهذه السرعة وبهذه الكثافة في جميع أنحاء العالم، سواء عن طريق الاختيار أو القسر؛ مثل النزوح واللجوء بسبب الصراعات والحروب. ولم يسمح التقدم في تكنولوجيا النقل بتسهيل حركة البشر فحسب، بل في زيادة حركة ناقلات الأمراض المعدية السريعة عبر القارات أيضًا، فتوفرت لها فرصة
كبيرة للركوب في الرحلات العالمية على الطائرات ونقلها عبر الأشخاص والمنتجات. ففي الوقت الذي يسافر فيه الأفراد وتنتقل المنتجات المختلفة حول العالم بأعداد غير مسبوقة وبسرعات تاريخية، كذلك تفعل الكثير من الكائنات الحية الدقيقة المسببة للأمراض. لذا، لم تعد ثمة دولة محصنة ضد التهديد المتزايد الذي يمكن أن يشكله تفشي الأمراض المعدية في منطقة من هذا العالم قد تبدو، في أول وهلة، بعيدة عن مكان ظهورها. لقد رجّح العلماء أن تفشي فيروس كورونا قد بدأ في مدينة ووهان بالصين في كانون الأول/ ديسمبر 2019 في سوق غير شرعية للأطعمة البحرية؛ ما قد يعني أن خطورة الأوبئة والأمراض المعدية التي تهدد البشرية تكمن في الأطعمة غير الخاضعة للرقابة. لذا، تكمن الخطورة اليوم في تحول إنتاج معظم الأغذية واستهلاكها في عدد من دول العالم من دائرة التصنيع المحلي إلى تجزئة نشاطات إنتاجه، وتجهيزه عبر سلسلة توريد الأغذية في مناطق مختلفة نتيجة زيادة الطلب العالمي على الغذاء. فالأغذية غير المأمونة التي تحتوي على جراثيم ضارة أو فيروسات أو طفيليات أو مواد كيميائية تتسبب في أكثر من 200 مرض، تراوح بين الإسهال والسرطان. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن 600 مليون شخص – أي شخص واحد تقريبًا من أصل 10 أشخاص في العالم – يُصابون بالمرض بعد تناول غذاء ملوث، وأن 420 ألف شخص آخر يموتون سنويًا. وما يبعث على القلق أيضًا أن العديد من البلدان ليس لديها برامج شاملة لسلامة الأغذية مدمجة في استراتيجياتها للصحة العامة30. أشارت تقديرات أجراها البنك الدولي في عام 2018 إلى إجمالي الخسائر الناجمة عن الأمراض المنقولة بالأغذية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل؛ إذ بلغت 95.2 مليار دولار أميركي، في حين بلغت التكلفة السنوية لعلاج الاعتلالات المنقولة بالأغذية 15 مليار دولار أميركي31. وتعمل منظمة الزراعة والغذاء ومنظمة الصحة العالمية على وضع الخطوط التوجيهية التي قد تساعد في تقديم المشورة للسلطات الوطنية بشأن استراتيجيات تقوية نُظم الرقابة على الأغذية؛ وذلك من أجل ضمان حماية الصحة العامة في ظل انتشار الغش والتحايل وتلوث الأغذية، مع توسع التجارة العالمية التي تتعرض لاختلال بسبب كثرة المنازعات في موضوع سلامة الأغذية وجودتها، ولا سيما مع تزايد انتشار الأمراض المنقولة بواسطة الأغذية32. وبناءً عليه، يسهم الترابط الذي خلقته العولمة في زيادة فرص انتشار الأوبئة المعدية التي تحولت من كيانات منفصلة تنتشر في مناطق محددة من العالم إلى نظام وبائي عالمي موحد، وما الإجراءات الموحدة التي تتبعها الدول كافة في مواجهة فيروس كورونا اليوم إلا خير دليل على عولمة الأوبئة. قد يزعم أنصار السياسات النيوليبرالية أن العولمة قد توفر الفرص لإيجاد آليات للجهود المبتكرة والمتعددة الجنسيات لمواجهة التهديد الذي فرضته جائحة كورونا؛ إذ تواصل شبكة متنامية من الدول والشركات ومختبرات الأدوية جهودها نتيجة الانتشار الأفقي للتكنولوجيا والمعلومات في النظام الدولي؛ ما يعزز القدرة الدولية على حماية الصحة العامة ومنع انتشار الأمراض المعدية الناشئة والسيطرة عليها. وتجلى ذلك في إعلان شركتَي فايزر وبيونتك Pfizer-BioNTech توصلهما إلى لقاح ضد فيروس كورونا في نهاية عام 2020 33. لكن نظرةً فاحصةً إلى أبعاد العولمة الاقتصادية لا تجعلنا متفائلين في أن يكون متوافرًا في أسواق دول العالم النامي بالتزامن مع توافره في أسواق الدول المتقدمة؛ ما قد يولّد خللً في توزيع اللقاحات بين الدول الغنية والفقيرة34، فضلً عن التنافس الذي شهدته الدول المتقدمة على امتلاك جرعات اللقاح من شركتَي فايزر وبيونتك، وغيرهما من الشركات التي طورت لقاحات جديدة كأسترازينيكا AstraZeneca وموديرنا Moderna 35. ولا سيما أننا في ظل نظام اقتصادي قللت فيه العولمة من سلطة وقوة الدولة القومية في المجال الاقتصادي لصالح سيطرة الاحتكارات والشركات الكبرى، إضافة إلى القيود التي ترافق وصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على الدول ذات الاقتصادات المتوسطة أو الضعيفة التي تحتاج إلى الاقتراض، واتباعهما سياسات التكييف الهيكلي التي أجبرت عددًا من الدول في العالم النامي على تقليص نفقات الخدمات العامة، ومنها قطاع الصحة، لصالح إعادة جدولة الديون، وفتح اقتصاداتها لقوى السوق عبر سياسات تخفيف القيود والخصخصة، بحجة أن
تلك الوصفات والسياسات تجلب التنمية والازدهار للدول النامية. لكن الواقع مخالف لتلك الصورة الوردية؛ فقد ازدادت مستويات الفقر والبطالة، وهو ما يجعلنا نشعر بالإحباط من قدرة شبكة العلاقات والتعاون بين الدول والشركات المنتجة للأدوية واللقاحات، بهدف إنتاج لقاح من دون تكلفة بشرية ومادية كبيرة، خاصة في الدول الفقيرة التي تعاني بالأساس أزمات اقتصادية معقدة.
وبناء عليه، قد تفرض الأوبئة المعدية المعولمة تحولً في طبيعة العلاقات بين الدول على مستوى النظم الصحية وسلامة الأغذية من خلال فرض بروتوكولات واتفاقيات جماعية على نحو ظاهرة الحد من انتشار الأوبئة المعدية. لكنه أمرٌ لا يخلو، بلا شك، من التوظيف السياسي من القوى الدولية الفاعلة في النظام الدولي التي قد تستخدمه أداة ضغط جديدة في تحقيق مصالحها؛ فقد نشهد فرض عقوبات على الدول التي لا تلتزم بهذه البروتوكولات على غرار العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الدول الكبرى على الدول المعارضة لسياساتها، أو حتى التهديد بتجميد تمويل المنظمات الدولية التي تركز في معالجة القضايا على المستوى الدولي. ويلُاحظ أن الركود الاقتصادي الذي خلفته الأزمة المالية عام 2008، وأزمة الهجرة غير النظامية نتيجة تفجر الأوضاع الأمنية في منطقة الشرق الأوسط في عامي 2014 و 2015، دفعا العديد من الحكومات المانحة إلى خفض مساهماتها في مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية وغيرها من الأوبئة والأمراض المعدية. فعلى سبيل المثال، شهد عام 2015 أول انخفاض حقيقي في إجمالي الموارد العالمية لفيروس نقص المناعة البشرية منذ عام 2002. وقد اقترح الرئيس دونالد ترامب 2021-2017() حينها تخفيضات في تمويل الولايات المتحدة الأميركية، التي تعتبر رائدة في تمويل برامج مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية، بنسبة 11 في المئة عام 2019 عن مستوى الإنفاق بالنسبة إلى السنة المالية 2017، ولكن الكونغرس الأميركي رفض التخفيضات المقترحة36. وعاد ترامب ليستخدم لغة التهديد بوقف تمويل الولايات المتحدة لمنظمة الصحة العالمية التي اتهمها بأنها دمية بيد الصين37.
ثًالث ا: أزمة كورونا وخروج الدولة من قمقمها: عودة الوظيفة والدور
تعتبر الدولة فاعلً أساسيًا في النظام الدولي، ومسألة التفكير في الدولة ودورها تحتل مكانة مركزية في حقل العلاقات الدولية؛ فهي الفاعل الذي غيّ العولمة من عناصر تكوينه الممثلة في الأرض والحدود المُعرَّفة جغرافيًا والسلطة التي يدين لها السكان بالولاء. لقد شكّلت العولمة تحديًا علميًّا للافتراضات التحليلية لأغلب النظريات الوضعية في العلاقات الدولية (الواقعية والليبرالية والماركسية)، فهي جميعها تنطلق من الدولة في تحليل الظاهرة الدولية باعتبارها الفاعل الأساسي في النظام الدولي (إلى جانب فواعل أخرى.) فالدولة وفق المنظور الواقعي هي فاعل مستقل ذاتيًا، لا يقيدها إلا غياب السلطة المركزية في النظام الدولي، وهي تتمتع بالسيادة، أي بالسلطة على إدارة الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كافة ضمن حدودها الجغرافية، وتسعى لتحقيق مصلحتها القومية من خلال تعزيز قوتها في النظام الدولي. أما الليبرالية، فترى في الدولة فاعلً في النظام الدولي، لكنه ليس الوحيد، بل ثمة فواعل أخرى مهمة، مثل المنظمات والمؤسسات الدولية والشركات المتعددة الجنسيات. وتعبّ الدولة عن مصالحها القومية على نحو يعكس مصالح القوة النسبية ومواقعها داخل الدولة وخارجها. في حين ترى الماركسية أن الدولة جهاز طبقي بمنزلة الكومبرادور، أو الوكيل التنفيذي للبرجوازية، الذي يستجيب لمتطلبات النظام الرأسمالي العالمي. ففي القرن الحادي والعشرين، تشارك الدولة أنواعًا مختلفة من القوى الفاعلة من غير الدولة في عالم السياسة الدولية؛ مثل المنظمات
الدولية، والمنظمات فوق الحكومية، والشركات المتعددة الجنسيات، والشبكات العابرة للحدود القومية والأفراد. لذا، فقد ركز حوار العولمة في نظرية العلاقات الدولية على البحث في التغيير الذي طرأ على الدولة بوصفها فاعلً في النظام الدولي، وتأكّل جوانب سيادة الدولة التي تعرضت لهزة كبيرة نتيجة تكاثر التدفقات عبر الحدود التي أفرزت قضايا ومسائل عولمية ذات نطاق وحجم يتجاوزان صلاحيات الدولة وسيطرتها ونطاق رؤيتها، من بينها التغير المناخي وخطر الأوبئة المعدية وانتشارها على المستوى الدولي. ومن ثم، لم يكن لدى الدولة قدرة على التعامل مع هذه القضايا على نحو منفرد؛ ما استدعى تطوير مجموعة كبيرة من المؤسسات عبر القومية المعنية في ما بات يعرف في حقل العلاقات الدولية ب "الحوكمة العالمية" التي غيرت طابع السياسة العالمية تغييرًا جوهريًا من مستوى الدولة إلى مستوى ما بعد الدولة"38، إضافة إلى أن العولمة الاقتصادية، بما لديها من دور في زيادة انتقال رؤوس الأموال، وتاليًا زيادة قدرة رؤوس الأموال على الانتقال من ولاية قضائية قومية إلى ولاية قومية أخرى، قد عززت قوة رأس المال مقارنًا ب الدولة، ما أدى إلى نزع الصبغة السياسية جوهريًا عن مجالات كاملة في صناعات السياسات الداخلية39. تجدر الإشارة إلى أن الحوار المذكور آنفًا كان في سياق نظام دولي يتسم بالتنافس بين القوى الفاعلة في ميادين التسلح والاقتصاد والسياسة في مناطق مختلفة من العالم؛ أي إنه سابق على أزمة كورونا التي قد تُحدث تغييرًا جوهريًا في طبيعة التنافس في النظام الدولي، وقد تقلب هذه الأزمة حوار العولمة الخاص حول نعي الدولة والتقليل من دورها وإزاحتها عن كواهلنا رأسًا على عقب. لم تعد الدولة فاعلً أساسيًا في النظام الدولي فحسب، بل ضرورة لتنظيم الحياة الخاصة لأفراد المجتمع. وفي هذا الصدد، يقول عزمي بشارة: "الوباء يعيد الدولة حتى بالنسبة إلى أولئك الذين أخطؤوا في نعي الدولة، وكل منظري ال 'ما بعد' على أنواعهم. في الأزمات يتطلع الناس إلى الدولة. إنها المرجع، الإطار الوحيد المنظم القادر على التصدي. هي التي تقرر الإجراءات ومدد الإغلاق ومنع التجول. هي التي تحدد الميزانيات المخصصة لمكافحة المرض. حدودها هي المرجع في تصنيف 'نحن' و'الآخرين"'40. إن تأثير جائحة كورونا في دور الدولة في ظل النظام الدولي المعولم لا لبس فيه، وقد ظهر جليًا الصراع بين الأرباح والأرواح، أو الصراع بين قوة الدولة وقوة رأس المال وحركته التي عززتها العولمة، وذلك بعد انتشار العدوى السريع الذي عرفه فيروس كورونا، والعدد المرتفع في الوفيات؛ فهو غير مسبوق، ويدفع التصدي له إلى إعادة صياغة دور الدولة ومهماتها في نظام دولي معولم. وفي ظل هذا المأزق بين الأرباح والأرواح، تعالت أصوات صنّاع القرار في دول عديدة قلّلت في البداية من شأن انتشار الفيروس وتداعياته، ودعت إلى ممارسة الداروينية الاجتماعية أو ما عُرِف حينها بمناعة القطيع. وفي هذا السياق قال الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو Bolsonaro Jair -2019(:) "كورونا مثل المطر سيبلل 70 بالمئة من البلاد، وستصبح البرازيل حرة عندما يكتسب المصابون مناعة ضد الفيروس"41. كذلك، سارت دول، مثل بريطانيا والولايات المتحدة، في النهج ذاته، وسعت لتقديم الأعمال والاقتصاد على الصحة العامة، لكن سرعان ما انتهى بها الأمر إلى فرض تدابير احتواء (التباعد الاجتماعي، والحد من حركة الأفراد، وإغلاق كلي/ انتقائي للنشاطات الاقتصادية والاجتماعية) تهدف إلى توفير الوقت وخفض منحنيات العدوى، وفقًا لما يمكن أن نصطلح عليه ب "النموذج الإيطالي" في التعامل مع الحد من انتشار الفيروس؛ ذلك أن الدولة الإيطالية خرجت من القمقم، وأحكمت قبضتها على النشاطات الاقتصادية كافة والحركة الاجتماعية داخل حدودها الجغرافية، على نحو أعاد الاعتبار إلى فكرة سيادة الدولة بمعناها الكلاسيكي. وهو المعنى الذي غيّبته العولمة، حين نعت سيادة الدولة وفككت حدودها الجغرافية وقدرتها على أداء وظائفها، إلى جانب الفواعل غير الدول التي زاد عددها وتعاظمت قدرتها على التأثير في السياسة الدولية. لقد أعادت أزمة كورونا النظر في فرضية عجز الدولة في وجه العولمة، وعجزها أمام القيود المفروضة عليها أمام الاندفاع الحتمي لقوى الاقتصاد العالمي. لقد أزاحت العولمة "القوة" من حلبة الدولة إلى الحلبة العالمية، ولكن ما زال للدولة القدرة على التأثير المضاد، وهو ما أكده اختبار جائحة كورونا الذي سيفتح الباب مشُرعًا أمام حقل العلاقات الدولية للانخراط مجددًا في حوار حول دور الدولة وما طرأ عليه من تغيير في ظل النظام المعولم42.
رابعًا: اختبار الاعتماد المتبادل بين الدول على وقع فيروس كورونا
تفترض الليبرالية المؤسساتية/ الجديدة في العلاقات الدولية أن السياسة الدولية توفر فرصًا أكبر للتعاون والتكامل في عالم اليوم الذي يسهم فيه اللاعبون من غير الدول مباشرة في السياسات الدولية، والذي توجد فيه أيضًا هرمية واضحة للقضايا، ولا تمثل فيه القوة المادية، كما يتصور الواقعيون، وسيلةً فعالة في السياسة على نحو أساسي43. وفي الوقت الذي تهتم فيه الواقعية بالقضايا الأمنية والعسكرية في العلاقات الدولية "(السياسة العليا)"، تركز المؤسساتية الليبرالية على القضايا الاقتصادية والاجتماعية "(السياسة الدنيا)" التي تمهد الطريق بين الفواعل في النظام الدولي لزيادة مستوى الاعتماد المتبادل المدعوم بالمؤسسات الدولية التي ازداد دورها وعددها في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي تكفل التعاون الدولي وتتيح للدول التغلب على الصعوبات التي تواجه العمل الجماعي. ويجادل الليبراليون الجدد بأن قراءة السجل التاريخي الوستفالي من منظور واقعي تفترض استمرار الحرب والمنافسة العسكرية/ التجارية بين الدول نتيجة غياب السلطة المركزية في النظام الدولي، وهو ما يتطلب إعادةَ نظرٍ وقراءةً نقدية لذلك الافتراض الواقعي، انطلاقًا من حقائق جديدة فرضتها التطورات السياسية في القرن العشرين، تتمثل في الاعتماد المتبادل المتزايد في مجالات متنوعة من القضايا العالمية التي تشكّل، وفق وصف روبرت كيوهان، حافزًا استراتيجيًا عقلانيًا للدول كي تتعاون في ما بينها44. لكن مع انتشار فيروس كورونا، سادت نظرة متشائمة حول إحراز التعاون بين الدول لإيجاد لقاح له. وعلى الرغم من وجود مصلحة مشتركة بين الدول في الوصول إلى لقاح فعّال، أظهرت التجربة أن ذلك لا يقود بالسهولة التي افترضتها الليبرالية الجديدة إلى إيجاد أرضية مشتركة بين الدول للتعاون في ما بينها. وقد تخشى دولٌ من أن تستغلّ دولٌ أخرى ترتيبًا تعاونيًا من خلال الغش والخداع، وأبرز مثال دالّ على ذلك محاولة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاستحواذ على لقاح ضد فيروس كورونا الذي كانت تعمل على تطويره شركة كيورفاك CureVac الألمانية المتخصصة في صنع المستحضرات الدوائية، وشراء حقوق ملكيته بمليار دولار على أن يقتصر استغلاله على الولايات المتحدة فقط45. لم يشهد العالم خلال انتشار فيروس كورونا تعاونًا واعتمادًا متبادلً كانت قد بشّت به تنظيرات الليبرالية الجديدة، بل كان التنافس بين الدول التي كشّت عن أنيابها هو سيد الموقف؛ إذ تلاعبت الدول بسلاسل توريد السلع الصحية العامة الرئيسة للحصول على الكمامات وأجهزة التنفس والأدوية اللازمة للحد من آثار الفيروس؛ ما زاد الطلب عليها وجعلها شحيحة في الأسواق. وقد ظهر التنافس جليًّا بين الدول التي كانت حتى وقت قريب تُصنّف على أنها دول متحالفة في مواجهة تهديدات عالمية؛ مثل الهجرة غير النظامية، والإرهاب، وغيرهما، ودخلت في نفق تبادل الاتهامات بقرصنة شحنات المواد الطبية، وعطّلت أي قوة لقواعد القانون الدولي التي كانت حتى وقت قريب تتغنى بها، إضافة إلى التغني بضرورة التعاون في مجال تأسيس سياسة صحية عالمية من خلال إعادة وضع الاستراتيجيات الصحية العامة من المعايير القومية إلى المعايير العالمية. فلم تعد المعايير القومية فعّالة ضد مخاطر صحية معينة متصلة بالتحركات العالمية للأشخاص والأمراض. وكانت منظمة الصحة العالمية قد بدأت في وضع ملامح استراتيجية صحية عالمية منذ مؤتمر آلما-آتا عام 1978، الذي يعتبر مفصلً مهمًّ في تنظيم السياسات الصحية على المستوى العالمي؛ إذ حدد الرعاية الصحية الأولية مفتاحًا لتحقيق هدف الصحة للجميع46، وما عقبه من سلسلة من المؤتمرات التي سعت لتحقيق هدف وصول الناس في مختلف أنحاء العالم إلى أعلى مستوى من الرعاية الصحية. لكن مع انتشار فيروس كورونا، كان المشهد الدولي مختلفًا، حيث غاب التنسيق والتعاون بين الدول، وحلّ محله التنافس على المواد الطبية إلى حدّ وصل إلى اتهام بعضها بعضًا بالقرصنة؛ فقد اتهمت إسبانيا السلطات التركية بالاستيلاء على طائرة محملة بأجهزة تنفس كانت في طريقها من الصين إلى إسبانيا، تحتوي على 162 جهاز تنفس لوحدات العناية المركزة تستخدم لعلاج مرضى فيروس كورونا، لتتراجع وزيرة خارجية مدريد عن تصريحاتها باتهام أنقرة بقرصنة الأجهزة، وتعلن أن آلات التنفس ستصل إلى إسبانيا بفضل تفهّم السلطات التركية أن
إسبانيا في حاجة ماسّة إلى هذه الآلات47. وحولت الولايات المتحدة، التي كانت ثاني الدول التي اتُّهمت بعمليات القرصنة، مسار شحنة من الأقنعة الموجهة إلى الشرطة الألمانية، واشترت لوازم طبية بأسعار أعلى لقطع الطريق على دول أخرى في السوق العالمية للحصول على معدات الحماية من فيروس كورونا، حيث تم تحويل مسار حوالي 200 ألف قناع من نوع N95، وهي من معدات الحماية الشخصية التي تستخدم لحماية مرتديها في المستشفيات من الجسيمات المحمولة جوًّا ومن السوائل الملوثة، إلى الولايات المتحدة أثناء نقلها بين الطائرات في العاصمة التايلندية بانكوك. ووصف أندرياس جيزيل Geisel Andreas، وهو مسؤول كبير في ولاية برلين، هذا التحويل بأنه "عمل من أعمال القرصنة الحديثة"، حيث طالب الحكومة الفدرالية الألمانية بمساءلة واشنطن والامتثال لقواعد التجارة الدولية، قائلً: "هذه ليست طريقة في التعامل مع شركاء عبر الأطلسي"48. تكرر الأمر ذاته مع فرنسا التي اتّهمت الولايات المتحدة على لسان الطبيب جان روتنر Jean Rottner ورئيس مجلس منطقة غراند إيست الفرنسية، بقوله إن الولايات المتحدة تشتري أقنعة كانت فرنسا قد طلبتها من الصين على مدرجات المطارات الصينية قبل إقلاع الطائرات، لتقع بلاده لاحقًا في قفص الاتهام حين وجّهت السويد إليها اتهامًا بوضع باريس يدها على مواد وسلع طبية آتية من الصين، أما كندا فقد وجّهت تحذيرًا إلى واشنطن من تقييد التجارة الدولية في المواد والمعدات الطبية وسط تفشي جائحة كورونا، في الوقت الذي ضغط فيه الرئيس ترامب على الشركات لإعطاء الأولوية للولايات المتحدة، فقد أشار رئيس وزراء كندا، جاستين ترودو Trudeau Justin -2015()، إلى أن مثل تلك الخطوات قد تؤدي في النهاية إلى الإضرار بالولايات المتحدة التي تعتمد أيضًا على استيراد السلع من الخارج49. بناءً على ما تقدم، تنخرط الدول القوية في النظام الدولي في تنافس محموم فرضته الأزمة، بدلً من التعاون والاعتماد المتبادل؛ إذ من المرجح أن يُلقي التلاعب بشبكات الإنتاج والتوزيع بتبعات قاسية، من دون شك، على الدول الفقيرة التي تعاني أزمات اقتصادية وسياسية معقدة، وعلى نحو خاص على الدول التي تعصف بها صراعات وحروب أهلية، والتي تعاني قبل انتشار فيروس كورونا انقطاعًا في الإمدادات الإنسانية على اختلافها (الغذائية والطبية.) ويصحّ الأمر نفسه بشأن الكاميرون والنيجر والفلبين واليمن والأراضي الفلسطينية، وخاصة قطاع غزة، السجن الكبير الخاضع لحصار الاحتلال الإسرائيلي منذ ما يزيد على أربعة عشر عامًا، إضافة إلى ليبيا التي شهدت عمليات عسكرية في طرابلس ومحيطها بين قوات حكومة الوفاق وقوات العقيد المتقاعد خليفة حفتر. وقد يُلقي ذلك بتبعاته على آلاف المهجرين قسرًا من ديارهم كالروهينغا الموجودين في بنغلادش، ومئات الآلاف من السوريين الفارّين من إدلب نتيجةً للقصف الذي يشنّه النظام السوري وحليفه الروسي، مرورًا بمخيمات اللاجئين الهائلة في دارفور واليمن، إلى الآلاف على الجزر اليونانية في الاتحاد الأوروبي، فضلً عن المحتجزين في ظروف غير إنسانية في مراكز الاعتقال، علاوة على المنظمات الإرهابية، مثل داعش والقاعدة، التي قد تستغل الظرف الراهن في شنّ هجمات إرهابية في العراق وسورية50.
ولم تَجد نداءات الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش Guterres António -2017()، صدى بترك الأعمال العدائية، ووضع مشاعر عدم الثقة والعداوة جانبًا ووقف إطلاق النار في مختلف جبهات الصراع القائمة حول العالم، وفتح الباب لحل النزاعات بالطرق السلمية، ووضع نهج مشترك لمواجهة انتشار فيروس كورونا الذي
بات التحدي العالمي الأول51، نتيجةً لفقدان الثقة بقدرة وقوة الأمم المتحدة على إجبار الدول على احترام القانون الدولي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول دور المنظمات الدولية؛ كالأمم المتحدة، والمنظمات التابعة لها - مثل منظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية - التي تأسست في ظل نظام دولي ثنائي القطبية بعد الحرب العالمية الثانية، لتعكس توازن القوة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة في مواثيقها وآليات اتخاذ القرارات فيها. وليس ثمة من مثال أوضح من هيكل مجلس الأمن، الجهاز التنفيذي في الأمم المتحدة الذي تسيطر عليه القوى التي انتصرت بعد الحرب العالمية الثانية. وقد هيمنت الولايات المتحدة على أغلب تلك المنظمات الدولية والمتفرعة منها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي باعتبارها الممول الأكبر لها، وتحكمت في قراراتها، كما أثرت في الدول الأعضاء فيها على نحو يخدم مصالحها. ولم تقتصر حدود تأثير واشنطن في قرارات الأمم المتحدة المتعلقة على مواضيع السلام والأمن، بل تجاوزتها إلى قضايا اجتماعية واقتصادية وصحية من خلال تحكمها في ميزانياتها. وفي هذا السياق، اتهم الرئيس ترامب منظمة الصحة العالمية واصفًا إياها بالدمية في يد الصين، وذلك بعد إجراء مراجعة لتقييم دورها في سوء الإدارة الشديد والتغطية على انتشار فيروس كورونا، وهدد بتجميد التمويل الذي تقدمه الولايات المتحدة للمنظمة52. يبدو أن فيروس كورونا قد فضح نقاط الضعف في الاعتماد المتبادل الذي بشّ به أنصار الليبرالية الجديدة في النظام الدولي؛ على نحو بدا الاعتماد المتبادل كأيديولوجيا تستخدمها القوى الكبرى في النظام الدولي لتظهر انخراط الدول الغنية والفقيرة في شبكة كثيفة من التعاون والاعتماد المتبادل. وتظهر أزمة كورونا اليوم الآثار المتفاوتة في هذه الاعتماد المتبادل؛ حيث توجد أطراف تربح أكثر من غيرها. وقد نكون أمام حالة تبعية Dependence، لا حالة اعتماد متبادل Interdependence أو حتى تعاون، فما دمت كنتُ أعتمد عليك، فهذا يعني أن لديك أكثر من طريقة للتأثير في مصيري53، لا سيما مع سياسات الإدارة الأميركية الحمائية التي انتهجتها إدارة الرئيس ترامب، والتي ألقت بتداعياتها على فكرة التعاون الدولي وما يرتبط بها من منظمات ومؤسسات حكومية وغير حكومية.
خامسًا: أزمة فيروس كورونا: الطريق نحو نظام دولي متعدد الأقطاب؟
تثير الآثار الاقتصادية والسياسية التي قد تخلّفها أزمة كورونا تساؤلات حول مستقبل النظام الدولي والتغييرات التي قد تطرأ على بنيته. وقد سال حبرٌ كثير حول التنافس القادم بين الصين والولايات المتحدة54، والتراجع في مسار التكامل الأوروبي؛ بسبب الجائحة التي كشفت عيوبًا في البيت الداخلي الأوروبي قد تفضي إلى انهياره وانكفاء دوله إلى حدودها القومية السابقة على توقيع اتفاق شنغن. ويأتي معظم هذه التحليلات في سياق وجود عارض Contingent هو وباء كورونا الذي لم يدرسه منظرو العلاقات الدولية، ولم يحلّلوا أثره في تغير النظام الدولي على نحو موسع، بخلاف دراستهم العوامل المحفزة التي تدفع القوى الفاعلة العقلانية إلى المضي قُدمًا في قبول توزيع القوى التي تشكل نظامًا دوليًا جديدًا55. تجدر الإشارة إلى أنّ نذر المواجهة بين الولايات المتحدة والصين قد بدأت ترتسم ملامحها، مع صعود بيجين قوةً دوليةً منذ تسعينيات القرن الماضي، وقد زاد القلق الأميركي مع وصول المحافظين الجدد مع إدارة جورج بوش الابن Bush W. George 2009-2001()، ذلك أن صعود الصين الاقتصادي أثار قلق واشنطن بشأن نفوذها في القارة الآسيوية وضرورة الحفاظ على التفوق الأميركي فيها، خاصة مع زيادة دور الصين بوصفها لاعبًا جيوستراتيجيًا يمكنه أن يشكل تحديًا للولايات المتحدة مستقبلً، ولا سيما مع تبنّي الصين سياسات محلية وإقليمية ودولية تتصل بقضايا ذات أهمية بالنسبة إلى واشنطن؛ مثل برامج تجارة الصين في الصواريخ والتكنولوجيا، وبرامج التحديث العسكري الصيني، ومنازعاتها في بحر الصين الجنوبي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن التطور اللافت للانتباه في طبيعة علاقة واشنطن ببيجين جاء مع الرئيس ترامب الذي لم تكن لديه أي خبرة في إدارة السياسة الخارجية، وذلك عبر اتصال هاتفي أعلن عنه البيت الأبيض أجرته رئيسة تايوان، تساي إنغ ون Ing-wen Tsai -2016()، لتهنئة الرئيس ترامب، في 2 كانون الأول/ ديسمبر 2016. وحينئذ، أحدث ترامب قطيعة مع عُرف دبلوماسي أميركي، عمره قرابة أربعين عامًا، منذ أن سحبت الولايات المتحدة عام 1979 اعترافها ب "جمهورية الصين"، أي تايوان، لمصلحة الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية. وقد
رأت الصين في ذلك تحولً جديدًا في الموقف الأميركي تجاه تايوان التي تعدّها بيجين إقليمً منشقًا عنها56. وقد تبعته لاحقًا حرب تجارية شنها الرئيس ترامب على بيجين أسفرت عن هبوط الصادرات الصينية بنسبة 20.7 في المئة منذ عام 2018؛ إذ تكبدت الصين في حربها الاقتصادية مع الولايات المتحدة خسائر غير مسبوقة، كما تراجعت الواردات بنسبة 5.2 في المئة، لتسبب هذه الأرقام تراجعًا حادًّا في أسواق البورصة الآسيوية57، إضافة إلى انتقال الحرب التجارية إلى سوق التكنولوجيا الصينية، وعلى وجه التحديد عملاق التكنولوجيا الصينية شركة هواوي التي هي طرف أساسي في التنافس الصيني - الأميركي؛ فقد منع ترامب بأمر تنفيذي جميع الوكالات الاتحادية من استخدام منتجات هواوي، وحض حلفاءه على الحذو حذوه، مثلما فعلت أستراليا ونيوزيلندا اللتان منعتا استخدام معدات هواوي في تأسيس شبكات الجيل الخامس للاتصالات المحمولة لديهما. وقد زاد فيروس كورونا حدة التوتر في العلاقات التجارية والاقتصادية بين بيجين وواشنطن، ونقلها إلى مرحلة تصعيد جديدة، إلى درجة وصف الرئيس ترامب الفيروس بالفيروس الصيني المصنّع في مختبرات مدينة ووهان58. وقد جاء ردّ حينها من الخارجية الصينية مفاده أنّه حريٌّ بالمسؤولين الأميركيين أنْ يفكّروا في مشكلاتهم، وأن يوجدوا طريقة لاحتواء تفشي الفيروس في أسرع وقت ممكن59. لقد كشف فيروس كورونا عن مرحلة جديدة من الاستقطاب الدولي بين قوتين دوليتين تنتميان إلى فلسفتين سياسيتين مختلفتين تمامًا؛ إحداهما تدين باشتراكية دولة الحزب الواحد وتعتمد اقتصاد السوق الاش ارركي، والأخرى تدين بالليبرالية التي تروّج لفضائل الفردية والسوق الحرة والديمقراطية. وهو ما قد يقود إلى مواجهة محتملة، لا شك في أن الصين لا ترغب فيها في الوقت الحالي، وهي تدرك أن ميزان القوى في غير صالحها. ورغم تركيز الصين في خطابها الخارجي على التحول نحو نظام متعدد الأقطاب، وهو عالم، أكثر استقرارًا مع وجود قوة متوازنة تقتسمها خمس قوى كبرى (الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، واليابان، والصين، وروسيا)، فإنها لا تفعل شيئًا ملموسًا لتشجيع بزوغها، قوةً دوليةً موازنة، على المستويين الداخلي والخارجي60، كما تدرك كلّ من الصين والولايات المتحدة أنها في وضعٍ لا يمكنها الخروج من أزمة كورونا منتصرة، بطريقة من شأنها تغيير ميزان القوى الدولي على نحو كبير لصالحها؛ أي إن المواجهة بينهما في هذه المرحلة ستقتصر على إظهار كل طرف قدرته على إدارة الأزمة بنجاعة، وبأقل الخسائر المادية والبشرية، وتصدير تجربته على أنها نموذج دولي يحتذى. وفي هذا السياق، روجت الصين إعلاميًا للكفاءة الباهرة التي حققتها في الاستجابة للوباء عبر بناء المستشفيات في وقت قياسي، وبدء عمل نظام رقابة رقمي هائل، أسهم في تعقب المصابين بالفيروس، وإنتاج خرائط الخطر التي تنشرها التطبيقات التجارية التي تبلّغ السلطات والأفراد حول تطورات انتشار الفيروس، إضافة إلى المساعدات التي أرسلتها بيجين إلى عدد من دول العالم، بما فيها دول أوروبية61. لكن ترويج بيجين نموذجها في محاربة الوباء يظل محدودًا، ويغفل الجوانب القسرية واللاإنسانية التي اتبعتها السلطات الصينية عبر تطبيق الحظر حرفيًا على جميع العائلات في المنازل من دون أي مساعدة، وممارسة عمليات الترحيل القسري. وقد نتلمس للمرة الأولى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عودة الأيديولوجيا تدريجيًا وعلى نحو منتظم في اللعبة الدولية. وتحاول بيجين، التي تعتمد مبادرة الحزام والطريق الاقتصادية، التمدد في المجالات التقليدية للنفوذ الأميركي التي تظهر فيها تصدعات على نحو زعزع الثقة بين الحلفاء (الاتحاد الأوروبي، ومنطقة الخليج العربي، والعلاقة المضطربة بكندا وتركيا) حول دور الولايات المتحدة بوصفها قائدًا دوليًا قادرًا على حلّ الأزمات الدولية عن طريق التعاون الجماعي. تسعى الصين إلى التسويق لنموذج مختلف عن النهج الليبرالي في السياسات الدولية، ومختلف عن النموذج الأميركي في إدارة الأزمة؛ إذ كشفت الأزمة عن نظام اللامساواة الكامنة والعبء التاريخي الذي تحمله المجتمعات السمراء في هذا البلد، على حد وصف الرئيس باراك أوباما Obama Barack 2017-2009() الذي وجّه انتقاده إلى إدارة الرئيس ترامب في تعاملها مع أزمة كورنا62. فقد كشفت الأيام
الأولى من انتشار الفيروس في عدة ولايات أميركية غياب خطة واضحة وموقفًا ملتبسًا في إدارة ترامب للخروج من الأزمة، علمً أن الحكومة الفدرالية قد أطلقت خطة تدخّل هائلة لمنع حدوث أزمة مالية في إثر تفشي فيروس كورونا؛ إذ خفض مجلس الاحتياطي الفدرالي سعر الفائدة إلى صفر في المئة، وبلغ إجمالي مخصصات الكونغرس لمعالجة أثر الوباء قرابة 3 تريليونات دولار. وتتوقع لجنة الموازنة الفدرالية المسؤولة أن يصل الدين الأميركي إلى 117 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2025، متجاوزًا الرقم القياسي الذي سُجل في عام 1946 بعد الحرب العالمية الثانية، والذي بلغ 106 في المئة، فضلً عن تضاعف عجز الموازنة إثر أزمة كورونا أربع مرات تقريبًا إلى نحو 4 تريليونات دولار أميركي63.
بناءً على ذلك، قد يكون العالم أمام نظام دولي متعدد الأقطاب مستقبلً، تشكّله كل من الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، وقد يتوقف ذلك أساسًا على الانتعاش الاقتصادي للولايات المتحدة والصين من فيروس كورونا، وقدرة الدول الأخرى، خاصة في أوروبا وآسيا، على التعافي والاندماج في منظومة القيم والمصالح المشتركة. وتجدر الإشارة إلى العديد من القوى الصاعدة و/ أو غير القانعة بتوزيع القوة في النظام الدولي الحالي التي تحكمها نُظم سلطوية (روسيا، وإيران، وفنزويلا، وغيرها)، مع وجهات نظر مشككة في الديمقراطية والصحافة الحرة والأسواق المفتوحة. ومن ثمّ، قد يكون أحد تداعيات جائحة كورونا نشوء أيديولوجياتٍ جديدة في المستقبل قادرة على طرح أنظمة حكم وأنماط حياة بديلة من الديمقراطية الليبرالية، بل تمثّل تحديًا للديمقراطية64. وقد تستثمر روسيا والصين ومعهما القوى غير القانعة في النظام الدولي الحالي عقيدة "صراع الحضارات" التي بشّ بها صمويل هنتنغتون، لكن هذه المرة ضد انتشار الديمقراطية والليبرالية بوصفهما تنتميان إلى الثقافة الغربية، وأداة للهيمنة. وهذا يعني باختصار أنّ صراع الحضارات قد يصبح مذهبًا روسيًا وصينيًا في العلاقات الدولية65. وفي المقابل، قد يزيد حوافزَ التكاتف بالنسبة إلى حلفاء الولايات المتحدة الليبراليين لتعزيز وجهات النظر المشتركة ودفع الأنظمة التي تحاول تغيير النظام الدولي66. ومن المرجح أن تفضل الإدارات الأميركية المستقبلية، سواء أكانت جمهورية أم ديمقراطية، إطار تحالفات جديدة على المستوى الدولي، مع تزايد الضغوط المحلية من أجل سياسة خارجية أكثر تقييدًا، وهذا ما تدركه اليابان ودول الاتحاد الأوروبي من خلال السعي إلى تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، والحذر من عدم قدرة استمرار القيادة الأميركية للعالم، وهو أمرٌ لا يمكن التنبؤ بها.
خاتمة
نخلص في هذه الدراسة إلى أن أدبيات العلاقات الدولية لم تتعامل، إلا في ما ندر، مع الأوبئة والأمراض المعدية على أنها أزمات دولية قد تحمل في طياتها هذه القوة والقدرة على التأثير في شكل السياسات الداخلية - الخارجية للدول القومية. وعادة ما كان يجري التنظير للأوبئة في إطار المسائل العابرة للحدود القومية التي فرضتها العولمة الاقتصادية، وتدرجها ضمن التهديدات الأمنية والبيولوجية التي تواجه الدولة، ولم يتنبّه منظرو العلاقات الدولية على نحو كبير لقدرة تلك الأوبئة على التأثير المباشر في السياسة الدولية. لقد ركز حقل العلاقات الدولية تقليديًا على تحليل أسباب الحرب وظروف السلام والتغير في النظام الدولي، وارتبط ذلك في القرن العشرين بحربين عالميتين. وقد نظّم الحقل معرفيًا أربعة سجالات كبرى 1(. الواقعية والمثالية، 2. التقليدية والسلوكية، 3. الواقعية الجديدة والليبرالية
الجديدة، 4. العقلانية والتأملية) حول ماهية دراسة العلاقات الدولية، فضلً عن الكيفية التي ينبغي أن تكون عليها. لقد تشكلت لدى البشرية تجربة اجتماعية مشتركة غير مسبوقة مع جائحة كورونا التي ستلقي بتبعاتها على الأنظمة الديمقراطية الليبرالية والأنظمة الاستبدادية، وكذلك الدول الغنية والفقيرة، وتضعها جميعها أمام اختبار جديد حول علاقة الفرد بالدولة والمجتمع في ظل العولمة. وفي هذا السياق، نشدد على مسألة أن فيروس كورونا ليس هو العامل الأساسي الذي سيغير من طبيعة النظام الدولي وتركيبته مستقبلً، فهو متغير وسيط Variable Intervening قد يزيد سرعة ظهور العوامل المحفزة النظمية Factors Systemic، وينقلها من مرحلة الكمون إلى الظهور؛ إذ تشكّل العوامل المحفزة النظمية السابقة على ظهور الفيروس الرصيد المتضخم من العوامل التي وصلت إلى مرحلة التراكم الانفجاري Accumulative explosion في النظام الدولي القائم في انتظار العامل X"" القادح؛ مثل التنافس على السيطرة وبسط والنفوذ بين القوى الصاعدة في النظام الدولي على الأسواق والمناطق الغنية بالموارد. وبناءً عليه، لم يعد كافيًا النظر إلى الخرائط الكلاسيكية للجغرافيا السياسية، أو الاعتماد على التحليلات الاستراتيجية استنادًا إلى الحوارات الأربعة في العلاقات الدولية فحسب في فهم الظاهرة الدولية، بل يجب أن نتعلم كيف نخطو خطوةً إضافيةً، نحو حوار النقاش في العلاقات الدولية يأخذ في الحسبان دور الأزمات الطارئة المعولمة، بشأن الأوبئة المعدية، وتداعياتها على الفواعل الأساسية في النظام الدولي، ومنظومة القيم الأخلاقية السائدة، إضافة إلى البنى الأيديولوجية والخطابية التي أدت دورًا في صياغة أفكار العولمة ضمن حقل العلاقات الدولية حول دور الدولة القومية والاعتماد المتبادل.
المراجع
العربية
أبو ارشيد، أسامة. "تصعيد ترامب مع الصين: قلة خبرة أم إرهاصات الصينية؟." تقييم حالة نهج جديد في العلاقات الأميركية -. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (حزيران/ يونيو 2016.) في: https://bit.ly/3zGceUF أمنكاي، عبد الكريم. "شعبويو السلطة وجائحة كورونا: بين اعتيادية التدابير وخصوصية الخطاب، حالة الولايات المتحدة تحت إدارة سياسات عربية. العدد الرئيس دونالد ترامب." 50 (أيار/ مايو.)2021 العولمة. القاهرة: دار الشروق أمين، جلال.، 2009. بادي، برتران. عندما يبدأ التاريخ. ترجمة نجيب غزاوي وغازي برو. بيروت: دار الفارابي،.2015 براون، كريس. فهم العلاقات الدولية. ترجمة مركز الخليج للأبحاث. دبي: مركز الخليج للأبحاث،.2004 بشارة، عزمي. "صعود اليمين واستيراد صراع الحضارات إلى الداخل: حينما تنجب الديمقراطية نقائض الليبرالية." سياسات عربية. العدد 23 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2016 ________. "الشعبوية والأزمة الدائمة للديمقراطية." سياسات عربية. العدد 40 (أيلول/ سبتمبر.)2019 بن عنتر، عبد النور. "القطبية الأحادية للنظام الدولي: أي مكانة سياسات عربية. العدد للصين؟." ترجمة عومرية سلطاني. 46 (أيلول/ سبتمبر.)2020 الجرباوي، علي. "الرؤى الاستراتيجية لثلاثي القطبية الدولية: تحليل سياسات عربية. العدد مضمون مقارن." 31 (آذار/ مارس 2018.) حبش، لورد. "فيروس كورونا والنظام العالمي الجديد: مستقبل الصراع سياسات عربية. العدد والتنافس والتعاون." مراجعة كتاب، 50 (أيار/ مايو .)2021 حمشي، محمد. "نظريات العلاقات الدولية وجائحة كورونا: أنْبذة سياسات عربية. العدد معتَّقة في قنان جديدة ونبيذ لمَّا يُعتَّق." 50 (أيار/ مايو.)2021 خيّ، شهرزاد. "الاقتصاد السياسي الدولي وجائحة كورونا: تأملات نظرية سياسات عربية. العدد ومساءلات مبكرة." 50 (أيار/ مايو.)2021
دان، تيم وميليا كوركي وستيف سميث (تحرير.) نظريات العلاقات الدولية: التخصص والتنوع. ترجمة ديما الخضرا. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 "فيروس كورونا المستجد، والانتخابات الرئاسية، والسياسة الخارجية الأميركية." تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. في:2020/5/10. https://bit.ly/2CiFB6f المصري، خالد. "النظرية البنائية في العلاقات الدولية." مجلة جامعة دمشق للعلوم لاقتصادية والقانونية. مج 30، العدد 2 2014(.) في: https://bit.ly/2YoDx52 منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية. ضمان سلامة الأغذية وجودتها: خطوط توجيهية لتقوية النُظم الوطنية للرقابة على الأغذية. سلسلة دراسات الأغذية والتغذية 76. د.م: منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية، 2003. موقع منظمة الأغذية والزراعة "الفاو." في: https://bit.ly/2XDTtPf وولرستين، إيمانويل. تحليل النظم الدولية. ترجمة أكرم علي حمدان. الدوحة/ بيروت: مركز الجزيرة للدراسات/ الدار العربية للعلوم ناشرون،.2015
الأجنبية
Allinder Sara M. & Maggie McCarten-Gibbs. "Challenges to Continued U.S. Leadership Ahead of Global HIV's Next Phase." Center for Strategic and International Studies. CSIS Briefs. 28/5/2020. at: https://bit.ly/2XxFNql Brannen, Samuel et al. "World Order after Covid-19." Center for Strategic and International Studies. Analysis. 28/5/2020, at: https://bit.ly/2YKDvUe Cantor, Norman F. In the Wake of the Plague: The Black Death and the World it Made. New York: Simon & Schuster, 2001. "Declaration of Alma-Ata: International Conference on Primary Health Care, Alma-Ata, USSR, 6-12 September 1978." World Health Organization. at: https://bit.ly/3fSVoHw Financial Crisis Inquiry Commission. The Financial Crisis Inquiry Report: The Final Report of the National Commission on the Causes of the Financial and Economic Crisis in the United States Including Dissenting Views. Danny Schechter (fore.). New York: Cosimo, Inc, 2011. Fukuyama, Francis. The End of History and the Last Man Ideology. New York: Free Press, 1992. Gilpin, Robert. War and Change in World Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1981. Hall, Thomas E. & J. David Ferguson. The Great Depression: An International Disaster of Perverse Economic Policies. Ann Arbor, MI: University of Michigan Press, 1998. Helleiner, Eric. "Understanding the 2007-2008 Global Financial Crisis: Lessons for Scholars of Political Economy." Annual Review of Political Science. vol. 14. no. 1 (June 2011). Huntington, Samuel P. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. New York: Simon & Schuster, 1996. Keohane, Robert O. & Joseph S. Nye Jr. "Globalization: What's New? What's Not? (And So What?)." Foreign Policy. no. 118 (Spring 2000). ________. Power and Interdependence: World Politics in Transition. Boston, MA: Little, Brown & Co, 1977. Keohane, Robert. After Hegemony: Cooperation and Discord in the World Political Economy. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1984. Knorr, Klaus Eugen & Sidney Verba (eds.). International System: Theoretical Essays. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1961. Lee, Kelly (ed.). Health Impacts of Globalization: Towards Global Governance. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2003. McLuhan, Marshall. The Gutenberg Galaxy: The Making of Typographic Man. Toronto: University of Toronto Press, 1962.
Morgenthau, Hans. Politics Among Nations: The Struggle for Power and Peace. 4 th ed. New York: Knopf, 1967. Ned Lebow, Richard. "Contingency, Catalysts, and International System Change." Political Science Quarterly. vol. 115, no. 4 (Winter 2000-2001). Nye Jr, Joseph S. "What New World Order." Foreign Affairs. vol. 71, no. 2 (Spring 1992). at: https://goo.gl/pU5Fsc Organiski, A.F.K. World Politics , Series A Borzoi book. 2 nd ed. New York: Alfred A. Knopf, 1968. Philips, Howard & David Killingary (eds.). The Spanish Influenza Pandemic of 191 8-1 9: New Perspectives. London and New York: Routledge, 2003. Rosen, William. Justinian's Flea: The First Great Plague and the End of the Roman Empire. New York: Penguin Books, 2007. Vasquez, John. "The Realist Paradigm and Degenerative versus Progressive Research Programs: An Appraisal of Neotraditional Research on Waltz's Balancing Proposition." American Political Science Review. vol. 91, no. 4 (December 1997). Waltz, Kenneth. Theory of International Politics. Series Addison-Wesley series in political science. Reading, Mass: Addison-Wesley Pub. Co, 1979. ________. "Realist Thought and Neorealist Theory." Journal of International Affairs. vol. 44, no. 1 (Spring/ Summer 1990). ________. "Structural Realism after the Cold War." International Security. vol. 25, no. 1 (Summer 2000). Wendt, Alexander. "The Agent-Structure Problem International RelationsTheory." International Organization. vol. 41, no. 3 (Summer 1987). World Health Orgnization. Accelerating Efforts on Food Safety: Report by the Director-General. (9/12/2019). at: https://bit.ly/3gycM58 in