الاقتصاد السياسي الدولي وجائحة كورونا: تأملات نظرية ومساءلات مبكرة
الملخّص
This study examines how international economic and political matters are interrelated within the context of the Covid- 19 pandemic's outbreak as well as its serious effects on global economy. It argues that the International Political Economy (IPE) may provide answers to how the pandemic shapes (or fails to shape) international economic relations. The paper explores how, as a transdisciplinary field, IPE helps to understand patterns of change and continuity in global economics and politics in the wake of the pandemic, and IPE's contribution to global health research as well. The study defends the hypothesis that the state has been and is still present at the heart of neoliberal capitalism, and that it has preserved its foundations within a heterodoxy neoliberal trend heading towards more authoritarian neoliberalism, and steadily moves from market to state neoliberalism. The study also advocates positioning the Political Economy of Health at the center of health research; as long as health is considered a transnational issue. It goes on to discuss the failure of international institutions to enable international cooperation to confront the pandemic, a failure forged by the rise of nationalist populism.
The International Political Economy and the Covid- 19 Pandemic: Theoretical Reflections
تسعى هذه الدراسة للإجابة عن سؤال الارتباط بين الاقتصادي الدولي والسياسي الدولي في تفشي جائحة كورونا وآثارها الجسيمة في الاقتصاد العالمي. وهي تحاجّ بأن حقل الاقتصاد السياسي الدولي يمكن أن يقدّم إجابات عن الكيفية التي تِّشك ل من خلالها هذه الجائحة (أو تفشل في تشكيل) العلاقات الاقتصادية الدولية؛ مثلما يمكنه، بوصفه حقل ا عابرًا للتخصصات، أن يساهم في فهم أنماط التغيُّر والاستمرارية في الاقتصاد والسياسة العالمية في أعقاب الجائحة، فضل ا عن استكشاف إسهامات الحقل في أبحاث الصحة العالمية. وتُنافح عن فرضيةٍ مفادها أن الدولة كانت ولا تزال حاضرة في قلب الرأسمالية النيوليبرالية، وأنها حافظت على قواعدها ضمن تيارٍ نيوليبرالي هيثرودوكسي، تتجه فيه نحو نيوليبرالية أكثر سلطوية، وترتحل فيه من نيوليبرالية السوق إلى نيوليبرالية الدولة. من ناحية أخرى، تدعو الدراسة إلى دفع الاقتصاد السياسي للصحة نحو مركز البحوث الصحية؛ ما دامت الصحة مسألة عابرة للحدود. ثم تنتقل لمناقشة منطق فشل المؤسسات الدولية في تفعيل قنوات التعاون الدولي وأدواته، مقدِّمة فحصًا للدور الذي تؤديه الشعبوية القومية في تقويض التعاون الدولي لمواجهة جائحة كورونا.
كلمات مفتاحية: جائحة كورونا، الاقتصاد السياسي الدولي، الدولة والسوق، النيوليبرالية، الشعبوية القومية، التعاون الدولي، اللقاحات، النمذجة الاقتصادية.
Keywords: Covid- 19 , Pandemic, International Political Economy, State and Market, Neoliberalism, Nationalist Populism, International Cooperation, Vaccines, Economic Modelling.
مقدمة
واجهت البشرية عبر تاريخها العديد من الأوبئة التي أدّت إلى وفاة الملايين من الناس. كان من أشدّها فتكًا الطاعون الذي اجتاح أوروبا في بدايات القرن الرابع عشر، وتسبب في موت ثلث سكان القارة، واستمر على هذا النحو إلى غاية القرن السابع عشر. خلال هذه الفترة، وفي عام 1665 أبدع الرسام الهولندي يوهانس فيرمير Vermeer Johannes 1675-1632() لوحة من أشهر اللوحات الزيتية على مر التاريخ الحديث، "الفتاة ذات القرط اللؤلؤي"، وذلك بعد أعوام من نجاته من عددٍ من موجات الطاعون التي ضربت هولندا بين عامي 1624 و 1654، وقبل أعوام من نشوب الحرب الهولندية - الفرنسية عام 1672 والانهيار الاقتصادي الكبير الذي تلاها. تُظهِر اللوحة وجه فتاة يافعة ترتدي وشاحًا وقرطًا من اللؤلؤ، بنظرة شاردة يكتنفها الغموض، وثغر صغير منفرج الشفتين، كأنه متردد في مخاطبة المشاهد بشيء ما. في عام 2014، أعاد رسام الغرافيتي الإنكليزي، المعروف باسم بانكسي1 Banksy، رسم لوحة "الفتاة ذات القرط اللؤلؤي" على جدار وسط مدينة بريستول الإنكليزية. وفي نيسان/ أبريل 2020، مع تفشي جائحة كورونا في المدينة، ظهرت الفتاة في الجدارية وهي ترتدي قناعًا طبيًّا، وتضع في أذنها جهاز إنذارٍ بدلً من قرط اللؤلؤ، وكأن في ذلك إشارة إلى عودة أوبئة القرون الغابرة، لكن مع إنذارٍ بأن العواقب ستكون أسوأ من تلك التي كان فيرمير شاهدًا عليها في أوروبا في القرن السابع عشر. من ناحية أخرى، تعبّ الجدارية عن حالة الشدّ والجذب المستمرين بين الخصوصية والمراقبة. فحين تصبح تجربة الموت تجربةً جماعية، يصير محكومًا على الناس تقبُّل فكرة العزل في المنازل (تمامًا مثلما حدث مع فيرمير وهو يرسم لوحته الفذة)، مع أنّه يُقوِّض حريتهم؛ فالموت يظلّ مشكلة الإنسان الكبرى. الثابت والفارق بين الزمنين – زمن الطاعون وقتذاك وزمن كورونا حالئذٍ – أنّ الأمر لا يتعلّق بالمرة الأولى التي تُرتهن فيها حيوات البشر بسيطرة أدوات سلطة الدولة، وترتكنُ إليها، وتستكين لسطوتها بوصفها طوق نجاةٍ، وتستجدي الحماية الصحية لذواتها؛ إذ تفرض العلاقة بين الدولة ومواطنيها شكلً من أشكال الطاعة المعتادة Obedience Habitual؛ إذ يصير التهديد بالإكراه والقمع عبر استخدام القوة المادية ممأسسًا ومتضمَّنًا في فكرة الدولة نفسها2؛ لكنها ربما تظل المرة الأولى التي تُتَّهم فيها حكومات الدول، أكانت ديموقراطية أم تسلطية، بالتقصير في فرض قواعد الإغلاق والحجر الصحي الصارم. بدا كأن لحظة نزع القرط اللؤلؤي – دلالةً على الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية – قد حلَّت، وأن لحظة قرع أجراس الإنذار قد آن أوانها. عطلت جائحة كورونا الترتيبات السياسية والاقتصادية العالمية؛ ما دفع إلى إعطاء الاقتصاد السياسي الدولي وضعًا فريدًا يُ كّنه من التفكير في الأثر الاقتصادي العالمي للجائحة؛ لاستكشاف ما يمكن أن تجلبه بحوثه إلى طاولة النقاش. في الحقيقة، لا يبدو حقل الاقتصاد السياسي الدولي في طريقه إلى بلوغ مستوى معين من النضج فحسب؛ فقد صار أيضًا ينتج نقاشاته3 واهتماماته، ويكتسب اعترافًا متناميًا، لكنه يشهد أيضًا حالة من التغير المستمرّ. وما كان يمكن الكشف عن هذه "الحالة المتغيرة" Flux of State إلا من خلال المحاولات التأملية لباحثي الحقل في البيئة العالمية سريعة التحوُّل؛ إذ تُعد هذه التحوُلّات أكثر عمقًا، بل تُجاوِز التحولات في سلطة الدولة؛ لذلك كان من المفيد إلقاء الضوء على الكيفية التي يسهم بها الحقل في تفسير جائحة كورونا. مع تلاحُق الأحداث وتلاقُحها وتشابكها قُبيل تفشي جائحة كورونا وبعدها، يظلّ الشغل الشاغل للاقتصاد السياسي الدولي هو: كيف تُشكِّل هذه الجائحة (أو تفشل في تشكيل) العلاقات الاقتصادية الدولية؟ وبوصفه حقلً عابرًا للتخصصات، يهتم بأنماط التغيُّ والاستمرارية في أثناء فترات الشذوذ عن المسار العام الخطي لتطور الاقتصاد العالمي؛ إذ إنّ مسعى هذه الدراسة هو البحث في الكيفية التي يمكن أن يساعدنا من خلالها الحقل على فهم أنماط التغيُّ والاستمرارية في الاقتصاد والسياسة العالمية في أعقاب جائحة كورونا، فضلً عن استكشاف إسهامات هذا الحقل المعرفي في أبحاث الصحة العالمية. وتشترك الإسهامات التي يقدمها باحثو الحقل، على النحو المعروف، في صقل الرؤى حول العلاقات بين الدولة والسوق على مستويات مختلفة من الحُكم، وكيفية تشكُّلها من خلال ما هو أكثر
بكثير من محض أزمة صحية لمّ يتعلق الأمر بتفشي الأوبئة، كما تتناول السياقات الاقتصادية والأخلاقية والمالية والسياسية للأوبئة. في مثل هذه اللحظات الحرجة، تتزايد مستويات الغموض المعرفي من جراء شُحِّ المعلومة، وارتباك الإدراك، ويصعب معها فهم مسار الأحداث. وتعود المشكلة في جزء مهم منها إلى استعصاء الظاهرة الدولية أمام أدوات التحليل المتاحة؛ لذا يجب التسليم من البداية بأن الهدف من المسعى المعرفي هو الاقتراب من الحقيقة وليس الوصول إليها؛ حينها فقط، يجد الباحث نفسه أكثر تحررًا في استفزاز الأدوات التحليلية المتوافرة، وجعلها تتنافس من أجل إشباع حدسه البحثي، وهو ما يحاول الجزء الأول من الدراسة أن يتصدى له؛ إذ لا يدَّعي الاقتصاد السياسي الدولي أن الاقتصاد يقع في قلب كل حدث أو تَوَجُّه أو عملية في الساحة الدولية، وإنما هو ذلك التحليل الذي يُنكر الفصل بين السياسة والاقتصاد والمجتمع؛ تسعى مدارسه لصقل رؤى فكرية، والقفز إلى أعلى قليلً للكشف عن مكامن الخلل في تحليل حالة تفشي فيروس كورونا الذي أوقف العالم أمام شدّته ووحشيته، مخلفًا وراءه دمارًا بدأنا للتو في فهمه على نحو غير مكتمل. لم تكد تمضي أشهر على انتشار فيروس كورونا الذي تمخض عنه أسوأ ركود اقتصادي عرفه العالم منذ الكساد الكبير 1929()، حتى انبرى الباحثون والمتخصصون للتهافت على التنظير لنهاية النيوليبرالية، وتقديم سردية ضعيفة مستلهمة من أطروحات كينزية، يحاولون من خلالها استشراف تداعيات جائحة كورونا على شكل النموذج الذي سيحكم النظام العالمي، وأثرها في دور الدولة ووظيفتها تحديدًا. وبناء عليه، يُنافح الجزء الثاني من الدراسة عن فرضية مفادها أن الدولة كانت ولا تزال حاضرة في قلب الرأسمالية النيوليبرالية، وأنها حافظت على قواعدها ضمن تيارٍ نيوليبرالي هيثرودوكسي، تتجه فيه نحو نيوليبرالية أكثر سلطوية، وترتحل فيه من نيوليبرالية السوق إلى نيوليبرالية الدولة. ويحاول الجزء الثالث من الدراسة إخبارنا بأن ثمة إدراكًا بين الأوساط الأكاديمية يلقى قبولً في خطابات الصحة العالمية، يُفيد أن الظروف الصحية لا يجدر اختزالها في العوامل البيولوجية؛ لذا، نفترض أن الصحة يجب أن تُفهم ضمن السياق الاجتماعي الذي يحدده الاقتصاد السياسي الدولي إلى حدّ بعيد. بعبارة أخرى، على الاقتصاد السياسي للصحة أن يكون مركزيًا في البحوث الصحية؛ ما دامت الصحة مسألة عابرة للحدود، تتحايل على الحدود الإقليمية، أو تقوضها، أو تتجاهلها. وإذ يفتح الحقل نقاشًا بشأن التفسيرات الممكنة للكشف عن تغيّ العلاقة التقليدية بين الدولة والسوق والتفكير في كيفية تحسين الوضع الصحي العالمي، فإنه يدفع أيضًا نحو المزيد من الاهتمام بوضع تصورات للعلاقة بين الملكية الفكرية والحق في إتاحة اللّقاح. في هذا السياق تحديدًا، تحاول دراسات الاقتصاد السياسي الدولي الانعتاق من حقل العلاقات الدولية، ومحاولة المواءمة مع الاقتصاد السياسي من خلال الفحص المتأني للنماذج الاقتصادية المُحاكية لطرق انتشار الأوبئة؛ فعلى سبيل المثال، تُزوِّد النماذج الأكثر تقدمًا في النمذجة الاقتصادية صانعي السياسات بالتنبؤات الكمّية الممكنة لمواجهة جائحة ناشئة. ويستند هذا الجزء إلى مخرجات أبحاث فريق إمبريال كوليدج Imperial's COVID-19 Response team، وما توصلت إليه فرقة بحث جامعة جونز هوبكنز في تحليلها لسرعة انتشار الجائحة وتأثيراتها. وتستعرض الدراسة، أخيرًا، منطق فشل المؤسسات الدولية في تفعيل قنوات التعاون الدولي وأدواته.
أولا: الاقتصاد السياسي الدولي: تأملات نظرية لمَّا تنضجْ4
حينما أنشأت سوزان ستراينج مجموعة الاقتصاد السياسي الدولي IPEG عام 1971، وهي تشغَلُ منصبًا بالمعهد الملكي للشؤون الدولية في تشاثام هاوس، انشغلت مع مجموعة من الباحثين وصانعي السياسات بالبحث في قضايا تهم الاقتصاد العالمي، من أبرزها كيفية إنعاش نظام سعر الصرف الثابت. لكنّ أبحاثهم لم تُثِ اهتمام المُموِّلين، وما كان في إمكان ستراينج - هي ومن معها - فتْح دورات، أو تقديم منحٍ للطلاب، أو برمجة مشاريع لدراسات عليا5. وفي إثر انهيار نظام بريتون وودز Woods Bretton في عام 1971، ومن ثمَّ حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وما تلاها من ركود اقتصاديّ، انتشرت الدورات الجامعية عبر دول العالم الناطق بالإنكليزية، وباتت المجموعة التي أسست لها ستراينج تابعةً لرابطة الدراسات الدولية البريطانية
BISA نشِئ قسم مماثل في رابطة الدراسات الدولية، وأ ISA، فتأسس الحقل على جانبَي المحيط الأطلسي6. انقسم الحقل بين مدرستين: المدرسة البريطانية أو الاقتصاد السياسي الدولي النقدي، والمدرسة الأميركية أو مدرسة التنظيم الدولي للاقتصاد السياسي الدولي. وتكمن المفارقة في أنّ كلتا المدرستين تندرجان ضمن الهيثرودوكسية، في مقابل الأرثوذكسية التي تقوم على تقليص تدخل الدولة7، عند مقارنتهما بمعايير علم السياسة أو علم الاقتصاد (المجال الذي يرغبون في بناء جسر نحوه)، أو حتى بالتقاليد السائدة في حقل العلاقات الدولية. للمدرسة البريطانية دورياتها الرئيسة: دورية لاقتصاد السياسي الدولي لاقتصاد و، Review of International Political Economy السياسي الجديد New Political Economy (شرعت في الصدور عام 1996.) وفي المقابل، ينافح مؤسّسو المدرسة الأميركية عن أن الاقتصاد السياسي الدولي تأصّل في دورية التنظيم الدولي 1971، حين تولى روبرت منذ عام International Organization كيوهان Keohane Robert رئاسة تحرير الدورية، بمشاركة جوزيف ناي Nye Joseph، وعدد من الباحثين من جيل كيوهان ممن كانوا طُلَ بَ دراساتٍ عليا في جامعة هارفارد8. في ذكرى الاحتفال بدور مدرسة التنظيم الدولي في تنمية حقل الاقتصاد السياسي الدولي، أقرَّ كيوهان وزملاؤه بالأدوار المهمة التي أدّتها ستراينج وروبرت كوكس Cox W. Robert في تطوير الحقل من خلال دورية التنظيم الدولي نفسها9. ومع ذلك، لم يكن هناك أي استشهاد؛ لا بأعمال كوكس، ولا ستراينج في العدد الخاص المكون من 415 صفحة، والذي كان هدفه تقديم تصورات حول حالة الحقل وتطوره. فقد كشف العدد عن الباحثين البارزين في الحقل، وأغلبهم أميركيون ومعظمهم من كليات وجامعات خاصة (هارفارد، وستانفورد، وكولومبيا، وجامعة كاليفورنيا في بيركلي... إلخ)، فيما أوردت المدرسة البريطانية قائمة باحثيها ضمن "القراءات المقترحة"، وكان من بينها كتاب ريتشارد ستابس Stubbs Richard وجيفري أندرهيل Jeff Underhill: لاقتصاد السياسي والنظام العالمي المتغير10. وفي حين تبدو مدرسة التنظيم الدولي أكثر اهتمامًا بالنقاشات الأكثر تمحورًا حول طرائق دراسة العلاقات الدولية، فإنّ المدرسة البريطانية أكثر تركيزًا على أسئلة العولمة والتغييرات المحتملة، وكذلك على السياسات المثيرة للجدل المتعلقة بالجندر والطبقة والعرق والبيئة. اشتغلت الدورية في بداياتها بموضوعات ذات صلة بمنظمة الأمم المتحدة، مثل دراسات المناطق. ومع ترسّخ الحقل، انتقل التركيز نحو المفاهيم التي أنتجها النقاش الثالث في العلاقات الدولية (خاصة الواقعية مقابل الليبرالية، والعقلانية مقابل البنائية)11. وفي فترات لاحقة، شهدت الدورية خروجًا عن موضة سنوات الرئيسيَن رونالد ريغان Reagan Ronald 1989-1981() وجورج بوش الأب Bush H.W. George 1993-1989()؛ بحيث وفَّرت لعلماء السياسة جسرًا فكريًا لتجديد مفهوم الأنظمة الدولية ومناقشة أشكال التعددية والتعاون الاقتصادي والسياسي. وفي أوائل التسعينيات، تحوّل التركيز مرةً أخرى إلى ما عُدَّ تطبيقًا غير رسمي، نسبيًا، للأفكار المستقاة من نظرية المباريات إلى المساومة على الصعيدين المتعدِّدَي الأطراف وضمن حكومات الدول الديمقراطية الليبرالية القوية. وحاليًّا، يجري تضمين بعض الأفكار والمصطلحات من البنائية الاجتماعية في العلاقات الدولية، ومن علوم اجتماعية أخرى12. بعد ثلاثة عقود، أو نحو ذلك من ظهور الاقتصاد السياسي الدولي بوصفه فرعًا من فروع حقل العلاقات الدولية، يبدو أن طبيعته وحدوده وأصوله الفكرية لا تزال محل خلاف. في بدايات إطلاق دورية لاقتصاد السياسي الدولي، كانت هناك دعوة موجهة لمجموعة من الباحثين في الحقل لتحديد مفهومه. وكانت إسهاماتهم شاهدة على حدة الانقسام الذي عرفه هذا الحقل، فضلً عن افتقارهم إلى اتفاق حيال "المبادئ الأولية." وفي الواقع، حتى التسمية نفسها لا تزال محل خلاف؛ إذ يفضل رونام بالان، مثلً، استخدام مصطلح الاقتصاد السياسي العالمي GPE، والساحة العالمية على الساحة
الدولية. ومع أن التسميتين تُستخدمان مترادفتين، فإن اعتماد تسمية الاقتصاد السياسي الدولي يكون عادة من أولئك الذين يرون أنه مجال فرعي ضمن حقل العلاقات الدولية، في حين يعد الاقتصاد السياسي العالمي التسمية المفضلة لدى أولئك الذين ينظرون إليه على أنه حقلٌ عابرٌ للتخصصات، وأقرب إلى الاقتصاد السياسي منه إلى العلاقات الدولية13. لكن يبدو أن الطريق نحو تحديد مفهومٍ أقربَ إلى هذا التخصّص محفوف بالمخاطر؛ فالجغرافيون مثلً يمايزون بين مفهومي التخوم والحدود. والمقصود بالحدود Borders هو الحدود المرسمة سياسيًّا لخلق التمايز بين سيادات الدول، أما التخوم Frontiers فالمقصود بها هو الفضاءات الطبيعية المشتركة على طرفَ الحدود السياسية التي تمرّ عبرها الخطوط المرسِّمة لتلك الحدود15. في السياق ذاته، يقدّم لنا لايديس كريستوف Kristof Ladis مفهومًا أدق؛ إذ يقول: "تكون [التخوم] عادة متوجهة نحو الخارج Outer-oriented، واهتمامها الرئيس موجه نحو المناطق النائية التي تشكّل مصدرًا للخطر والطمع في الآن ذاته[...]أما الحُدود، على العكس من ذلك، فمتوجهة نحو الداخل Inner-oriented، يتم إنتاجها والحفاظ عليها من خلال إرادة الحكومة المركزية؛ ليس لها حياة خاصة، ولا حتى وجود مادي"16. ما الذي تعنيه ثنائية الحدود والتخوم هذه لحقل الاقتصاد السياسي الدولي؟ إنها تدفعنا إلى اعتقاد مفاده أنّ علينا ألّ نفكر في هذا الحقل المعرفي على أنه يقع ضمن نظام الحدود، وإنما ضمن نظام التخوم؛ أي بوصفه تخصصًا متوجهًا إلى الخارج أكثر منه إلى الداخل، وأن انتباهه مشدود دائمًا نحو المناطق النائية، حيث يتداخل مع التخصصات الأخرى، خاصة إذا افترضنا أن هويته المميِّزة له لا تُشكلها بضع افتراضات أساسية مشتركة، بل تتشكل على تخوم مساحات تتشابك فيها التخصصات. وفي حين لا تزال أغلب نصوص الاقتصاد السياسي الدولي تعطي انطباعًا متمثّلً بأنه مجال منحصر فيما يسمى "البراديغمات الثلاثة"؛ أي الواقعية والليبرالية والبنيوية، فإنه لا يمكن إنكار النقلة النوعية التي حققها الحقل، الذي يبدو أنه فقد ما يربطه إلى حدٍّ ما بحقل العلاقات الدولية، وأثث مقره الجديد على تخوم حقول العلوم الاجتماعية إثر حالة التشابك المعرفي والنسيج القيمي المتداخل بينها. نتيجة لذلك، لا تُعدّ نقاشات حقل العلاقات الدولية حجر الزاوية في خطوط الانقسام الرئيسة للاقتصاد السياسي الدولي المعاصر الذي بات أكثر اشتغالً بقضايا ونقاشات تخص الاقتصاد السياسي والعلوم الاجتماعية بعامّة.
1. محاولة التملّص من ثنائيتَي الدولة/ السوق، والسياسة/ الاقتصاد
تقليديًا، يُعنى الاقتصاد السياسي الدولي بالدراسة والبحث في مؤسستين مركزيتين في العالم الحديث: الدولة والشركات المتعددة الجنسيات، أو الدولة والسوق كما يحب أن يصفها بعضهم. وهنا، تجدر الإحالة إلى تعريف الاقتصاد السياسي الذائع الصيت الذي صاغه روبرت غيلبين Gilpin Robert، حين أشار إلى أن "الوجود المتوازي والتفاعل المتبادل بين (الدولة) و(السوق) في العالم الحديث يخلق (الاقتصاد السياسي)[...]، في غياب الدولة، ستُحَدَّد نتائج الأنشطة الاقتصادية من خلال آلية الأسعار وقوى السوق؛ سيكون هذا هو العالم النقي لعالِم الاقتصاد. في غياب السوق، ستقوم الدولة أو ما يعادلها بتخصيص الموارد الاقتصادية، وسيكون هذا هو العالم النقي لعالِم السياسة"17. يبدو أن افتراض غيلبين أن السياسة والاقتصاد عالمان منفصلان، بل في الواقع متوازيان، غير مرضٍ جدًّا. فالتحدي الذي واجهه الحقل، أساسًا، هو التغلب على التمييز التقليدي بين السياسة والاقتصاد، والتوصل حقيقةً إلى مقاربة متكاملة للاقتصاد السياسي. يدفعنا هذا التحدي النظري – الذي لا يقتصر على الاقتصاد السياسي الدولي والذي يخص مجال الاقتصاد السياسي بأكمله – إلى الطريق نحو ضرورة إعادة المواءمة النظرية. على الرغم من أن معظم إسهامات الحقل لا تزال تسيطر عليها ثنائية الدولة والسوق والعلاقة بينهما، فإن الجدل القائم يعود أساسًا إلى العقدين الماضيين أو نحو ذلك، بعد أن تطوّر المحتوى الموضوعي للاقتصاد السياسي الدولي إلى حدّ بعيد؛ فالعلاقة بين الدول والأسواق شهدت تغيرات بسبب إعادة الهندسة العميقة لبيئة التراكم عبر العولمة الاقتصادية. وفي الوقت ذاته، بات واضحًا أن الاقتصاد السياسي الدولي لا يمكنه البقاء بمعزل عن مجموعة من النقاشات المهمة التي تجري في مجالات متنوعة، مثل علم السياسة والاقتصاد والجغرافيا البشرية ودراسات الأعمال وعلم الاجتماع والصحة18.
ومع ذلك، فإن الحقل يتطلع إلى ما وراء الدولة والسوق والعولمة؛ ما يوحي بأن العلاقة بين الدول والشركات (السوق) وبيئة التراكم (العولمة) لا تطرح مسألة إمبريقية فحسب، بل تثير أسئلة مهمة أيضًا. ففي كل نقطة من النقاش، نجد أنفسنا في مواجهة أسئلة حاسمة تتعلق بطبيعة السلطة ورأس المال والعمل؛ إذ تُطرح مسألة القوة عندما يتعلق الأمر بالفاعلية Agency المرتبطة تقليديًا بالسياسة والدولة. ويرفض ستيفانو غوزيني Guzzini Stefano (وآخرون) الاعتراف بثنائية الدولة/ السلطة، والسوق/ رأس المال، ويرونها غير مقبولة ولا يمكن المنافحة عنها، لأن السلطة ورأس المال يظهران في كل من الدولة والسوق؛ ما يستدعي الحاجة إلى تحليلات رصينة للشكل السياسي والاقتصادي. كما أنهم يزعمون، من جهة أخرى، امتلاكهم مفتاح فشل الاقتصاد السياسي الدولي – إن كان يمكن أن نسميه فشلً – في إنتاج أطُرِه النظرية الخاصة به. السلطة بلا شك هي المفهوم المركزي في الاقتصاد السياسي الدولي، كما أوضح شمشون بيشلر Bichler Shimshon؛ ذلك أنها لا تنتمي ببساطة إلى الدولة أو على الجانب السياسي الآخر من المعادلة، بل هي في قلب الجانب الاقتصادي. ومع ذلك كما يوضح غوزيني، فإن تصور السلطة لا يزال بعيد المنال كما كان دائمًا. وعلى الرغم من أن الاقتصاد السياسي الدولي هو أكثر فروع الاقتصاد السياسي اهتمامًا بعلاقات السلطة/ القوة، فإنه لا يزال يفتقد تصورًا واضحًا عنها19. 2. إمكانية التحرّر من حقل العلاقات الدولية تعزو المسلماتُ التقليدية في حقل العلاقات الدولية الاقتصادَ السياسي الدولي إلى ثلاث مدارس فكرية: الواقعية (الماركنتيلية)، والتعددية (الليبرالية)، والبنيوية (الماركسية)20؛ حيث سيطرت الواقعية أو الواقعية السياسية على تخصص العلاقات الدولية. ويجادل بعضهم بأنها لا تزال تهيمن على مجال الاقتصاد السياسي الدولي؛ لأنها مبنية على فرضية أن الدول هي كيانات عقلانية (ومن ثم تفترض غالبًا أنها فواعل وحدوية21 Unitary)، تسعى وراء مصالحها الأنانية من دون تكبد عناء تحمل أي مسؤولية أخلاقية. ولأن جميع الدول تسعى لتحقيق مصالحها، فإن العامل الوسيط الوحيد في السياسة الدولية هو القوة. على هذا الأساس، تفترض النظرية الواقعية في تحليلها للاقتصاد السياسي الدولي أن توزيع القوة في النظام الدولي يحدد الخصائص الرئيسة لهذا النظام، وأن الهيمنة تفرضُ استقرارًا كافيًا للنظام للسماح بازدهار نظامٍ تجاري دولي. في حين يُفهم من الليبراليين، أو التعدديين، أنهم أولئك الذين لا ينظرون إلى الدولة على أنها كيان إرادي وحدوي، وإنما بوصفها أداةً لتحقيق الأهداف المجتمعية. ومع أن الليبرالية على مستوى العلاقات الدولية تبدو "منظورًا" مختلفًا عن الواقعية، فإن ليبراليِّي العلاقات الدولية غالبًا ما يَصِ لون إلى الاستنتاجات التي يصل إليها الواقعيون نفسها. فعلى سبيل المثال، يوضح ستيفان كراسنر Krasner Stephen، من بين آخرين، أن نظرية الاستقرار بالهيمنة، في الحقيقة، تعود جذورها إلى نظرية الخيار العقلاني، أو الاقتصاد السياسي مدفوعًا بكلاسيكيته الجديدة. كما أن أعمال كيوهان وناي، هي الأخرى، كانت شاهدة على التمازج بين الواقعية والليبرالية في وقت مبكر من سبعينيات القرن الماضي. وبالمثل، قدّم غيلبين مزيجًا بين الواقعية والاقتصاد الكلاسيكي الجديد، وكان من المنطقي أن يتبنى كل من الواقعيين والليبراليين الأدوات الأكثر صرامة لدى المنهجية العقلانية؛ لذلك بات من الصعب على نحوٍ متزايد الحفاظ على خطوط التقسيم التي تفصل بين الواقعية والليبرالية الجديدة22.
تُ ثل البنيوية كذلك، بحسب إيمانويل فالرشتاين Immanuel Wallerstein،
مغالطة في التسمية؛ إذ يعُدُّها إشكالية تخص المدرسة النيوماركسية التي تُعرَف أيضًا ب "نظرية النظام-العالم"23. وقد أثبتت هذه النظرية نجاعتها في تطوير تفسير اقتصادي - سياسي للبيئة الدولية لا يستند كليًّا إلى مفهوم نظام الدولة التعددي. على العكس تمامًا؛ تصوّر نظريةُ النظام-العالم الاقتصادَ الرأسماليَّ بوصفه نظامًا موحدًا يأخذ فيه نظامُ الدولة دورًا ثانويًا. وفي حين رحبت الأدبيات الماركسية بالتحول المفاهيمي من نظام الدولة إلى النظام الرأسمالي، فإن التحليل التاريخي والبنيوي المفرط لتاريخ النظام-العالم فسح المجال لمقاربات أكثر دقة24. أنتجت هذه التطورات، إعادة مواءمة للاقتصاد السياسي الدولي من العلاقات الدولية إلى جذوره في الاقتصاد السياسي، لكن عودة الاقتصاد السياسي هذه لا تخلو من مشكلات؛ مثل انقسامه بين ثلاث مدارس فكرية على الأقل، نجت كل منها من الصدمة التي لحقت الاقتصاد السياسي في أواخر القرن التاسع عشر وظهور التخصصات الحديثة للاقتصاد وعلم السياسة وعلم الاجتماع. ومن ثم، فإن (بقايا) تقاليد الاقتصاد السياسي القديمة تقع في قلب تجديد فكر الاقتصاد السياسي الدولي. نجحت أولى بقايا الاقتصاد السياسي هذه
في تقليد الفكر النفعي الذي يسهم في الوقت الحاضر، بحسب هودجسون، في إمبريالية الاقتصاد الكلاسيكي الجديد. هنا، يتم استخدام المفاهيم والمنهجيات الكلاسيكية الجديدة، مثل المنفعة الحدية Marginal Utility، والتحسين Optimization، والتوازن، والاختيار العقلاني، على نحوٍ متزايد لتقديم تفسيرات محدَّدة لصنع السياسة الدولية. نتيجة لذلك، ازدهرت في السنوات الأخيرة مدارس الاقتصاد السياسي الدولي ذات التأثير المنهجي القائم على الفردانية، لا سيما في الولايات المتحدة25، بحيث أُدرِج التفاعل الاستراتيجي ومقاربات نظرية المباريات للاقتصاد السياسي الدولي، ونظريات اقتصاديات تكلفة المعاملات المؤسسية الجديدة في الاقتصاد السياسي الدولي. ويهتم هذا الفرع، في المقام الأول، بالعلاقات فيما بين الدول وصنع السياسات، ولا يزال يرى نفسه يعمل في مجال دراسة ما يسمى الاقتصاد السياسي الدولي26.
يثير الاهتمام المتجدد بالجذور الفلسفية للاقتصاد السياسي مسألة الحدود الموضوعية؛ إذ يرجع الفضل إلى ميشيل فوكو Michel Foucault الذي أعاد صياغة شعار الديمقراطية الاجتماعية القديم، "المعرفة قوة"، بطريقة جديدة. يتحدى الح س الفوكوي (الذي يسبق فوكو بالطبع) الخطابات العقلانية والنمط التقليدي لتفسيرات الحقيقة وعلاقتها بالهرمية والممارسات الإقصائية. فضلً عن أنه لا يتحدى الطبقية في التدرجات الهرمية فحسب، بل يتحدى أيضًا التدرجات الهرمية الكولونيالية، ومن ثم العنصرية، إضافةً إلى التدرجات الهرمية الجندرية. ونتيجة لذلك، فإن تفرُّد السياسات الاستغلالية القائمة على الطبقية التي تعود للماركسية التقليدية، تفسح المجال لأشكال متعددة الأوجه وأحيانًا خاضعة للسياسات الاستغلالية، بما في ذلك الأساليب الخطابية المختلفة التي يُنظر إليها على أنها تعبيرات عن علاقات القوة. يعتقد آخرون أن الاقتصاد السياسي الدولي الجديد فرع انتقائي "ما بعد عقلاني" من الاقتصاد السياسي العالمي، تتخذ فيه القوة والاستغلال والهيمنة أشكالً عديدة، ليست كلها مادية بحتة أو ذات طبيعة اقتصادية27. في واقع الأمر، لا يدَّعي الحقل أن الاقتصاد و/ أو المصالح المادية تقع في قلب كل حدثٍ أو توجُّهٍ أو عمليةٍ في الساحة الدولية/ العالمية؛ فهو لا يمنح الاقتصادَ امتيازًا، بل يميز أساليب التحليل السياسية - الاقتصادية، أو ذلك التحليل الذي يُنكر الفصل بين السياسة والاقتصاد والمجتمع. وهذا ما يضفي على الاقتصاد السياسي الدولي ميزة تحليلية، لكنه في الوقت ذاته يضعه في مأزق بيداغوجي. على المستوى التحليلي، يتطور الاقتصاد السياسي الدولي (أو هذا ما نأمله منه) إلى مجال دراسة غير تقليدي، يُعنَى بالممارسة، بقدر ما هي مسألة مبدأ؛ أي بوصفها شكلً من أشكال التحليل منذ البداية. ولكن نتيجة لذلك، فإن النقاشات في الاقتصاد وعلم الاجتماع والجغرافيا وعلم السياسة والأنثروبولوجيا والفلسفة والبيولوجيا والتجارة ونظرية التنظيم والعلاقات الدولية وحتى علم النفس، وما تنطوي عليه من تنوع في المواقف الإبستيمولوجية والمنهجية التي تستند إليها، تظل كلها ذات صلة بالاقتصاد السياسي الدولي. وبناء عليه، يظل حجم الأدبيات وعمقها محض تحدٍّ حتى لأكثر الباحثين اجتهادًا في الاقتصاد السياسي الدولي؛ إذ يقع على عاتقه في تحليله لقضايا تندرج ضمن حقول معرفية أخرى – مثلما هي الحال مع جائحة كورونا التي تبقى موضوعًا تتصدره منابر العلوم الطبية والبيولوجية – فهمُ الأحداث غير الطبيعية والتصرف بناءً عليها. وفي حين تنشغل أغلب أدبيات حقل العلاقات الدولية بعملية إنتاج الأفكار، فإن مجال اهتمام الاقتصاد السياسي الدولي هو تجسيد تلك الأفكار، بمعنى الاشتغال بالكيفية التي تجعلها تأخذ شكلً ماديًا. How the Ideational Materializes في أوقات الأزمات، نجد أنفسنا في حاجة ملحّة إلى فهمٍ أفضل للآليات التي تقود (أو لا تقود) إلى التغيير؛ لذا تبرز مهمة الاقتصاد السياسي الدولي الحقيقية في الانتقال من المعارك الفكرية نحو تمكين الدول والمؤسسات الدولية من التأثير في العالم أو تثبيطها في تحقيق ذلك28.
ثانيًا: ما هي بنهاية للنيوليبرالة، إن هو إلّا انتصار مؤقت للهيثرودوكسية في زمن جائحة كورونا
تساعد التبصُّات التي تُزودنا بها دراسات الاقتصاد السياسي الدولي29، في الإجابة عن أسئلة عدّة تتجاوز مجرد الوصف التقني لكيفية عمل النظام الاقتصادي الدولي. ويطفو سؤال محوري إلى السطح – في محاولة من باحثي الحقل متابعة حالة عدم الاستقرار الحالي عن كثب – يتعلق بطبيعة النموذج الاقتصادي الذي يمكن أن تؤسّس له جائحة كورونا؛ إذ لم يعد ثمة شك في أنها باتت تجرّ العالم إلى كسادٍ اقتصادي ثقيل الوطأة، في حين تناقش أسئلة أخرى: أكان ينبغي فهم جائحة كورونا على أنها صدمة خارجية لنظام الاقتصاد السياسي الدولي، أم منبثقة من داخله؟ في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، نظمت شبكة أبحاث الاقتصاد السياسي النقدي التابعة للوكالة الاجتماعية الأوروبية ورشة عمل بعنوان "ماذا بعد؟ الاقتصاد السياسي النقدي في ظل نهاية النيوليبرالية." يقول بيرند بونفيرت: "لم تكن النيوليبرالية أقرب من لحظة انحسارها مما هي عليه اليوم. لم نكن ندرك مدى قربنا من ذلك." أيديولوجيًا، لاقت النيوليبرالية ترحيبًا لدى العديد من المؤسسات الدولية؛ مثل صندوق النقد الدولي IMF، والبنك العالمي WB، ومنظمة الصحة العالمية WHO، وفرضت نفسها على نحو غير مسبوق على المؤسسات والحكومات عبر العالم. ومع انتشار الآثار الصحية والاقتصادية بسبب تفشي جائحة كورونا، وانهيار مبدأي حرية السوق والاعتماد المتبادل، تأجّج النقاش في مراكز التفكير الاقتصادي، في حين سارع بعض باحثي الحقل إلى تقديم مُسوّغات تُصوّر الجائحة على أنها "صدمة خارجية" للاقتصاد العالمي، وصفها بيرند بونفيرت [وآخرون] بأنها "محض تعبير عن العديد من الأزمات المتوطنة التي كانت تنتظر حدوثها بالفعل"30. في خطاب تنصيبه الشهير عام 1981، قال الرئيس رونالد ريغان Reagan Ronald 2004-1911()، مؤكدًا ترسُّخ الفكر النيوليبرالي: "الحكومة ليست حلًّ لمشكلاتنا، الحكومة هي المشكلة." وقد قوّض منذ ذلك الوقت دورَ الدولة، وحرّر الأسواق، واستنفدت الأخيرة قدراتها فيما يسمى "الكفاءة الفائقة للسوق" في التصدي للعواقب الوخيمة التي أفرزتها جائحة كورونا، والتي دفعت الجميع – مجتمَعًا وأسواقًا وبنوكًا – إلى الاستغاثة بالحكومات للتدخُّل. لم يكن ذلك كلّه سوى فرصة أخرى متجددة لتعالي أصوات اليساريين، وعودة الأمل لمناهضي العولمة، علَّهم يكسبون رهانهم الذي خسروه سابقًا، بعد خروج الليبرالية منتصرةً بعد أزمة 2008 31. لا عجب إذًا أن المزاج الفكري/ الأيديولوجي للجمهور، حاليًا، إنما يدفعُ خارج "كنيسة" النيوليبرالية. وقد بلغ الأمر مبلغه مع مناشدة اليمين البريطاني رئيس الوزراء، بوريس جونسون Johnson Boris -2019()، "تبني الاشتراكية على الفور" من أجل تجنب الكارثة. وتعليقًا على حقيقة أن البنوك المركزية العالمية قد ضخّت، مع حلول منتصف نيسان/ أبريل 2020، ما قيمته 8 تريليونات دولار لدرء الانهيار الاقتصادي، خلص جورج سارافيلوس George Saravelos32، الذي يتبنى فكرًا راديكاليًا، إلى أنه "لم يَعُد يوجد شيء اسمه أسواق حرة بعد اليوم." وفي السياق ذاته، توقع أن "الدولة من المرجح أن تؤدي دورًا مختلفًا تمامًا في الاقتصاد"، مشيرًا إلى أن "التاريخ يثبت أن التأثيرات ستكون دائمة." وقد أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون Macron Emmanuel -2017()، مضيفًا صوته إلى السرديات السابقة، في مقابلة له مع صحيفة فاينانشيال تايمز، أن "الوقت قد حان للتفكير فيما لا يمكن تصوره[...]في حين أن الاشتراكية ربما لم تنجح في بلدٍ ما، فإن ما لا يمكن تصوره في جميع البلدان يجبرنا على إعادة اختراع أنفسنا"33. تظل كلّ هذه الأصوات أقل حدةً من أصوات أولئك الذين يؤمنون بالنيوليبرالية، ويحذّرون منها في الوقت نفسه؛ فقد قال رينر زيتلمان
Zitelmann Rainer: "اليوم، علينا توخّي المزيد من الحذر. فقبل اثني عشر عامًا، نجح المناهضون للرأسمالية في المغالطة بإعادة تأطير الأزمة المالية على أنّها أزمة الرأسمالية. وقد رسَختْ هذه الرواية الخاطئة في أذهان الكثيرين تلك الرواية القائلة إنّ الأزمة حدثت نتيجة فشل السوق وإلغاء القيود عليها. واليوم، ها هم المثقّفون اليساريّون، مرّةً أخرى، يبذلون قصارى جهودهم في إعادة تأطير أزمة كورونا لتبرير نداءاتهم لإطلاق العنان لقوّة الدولة. لسوء حظّنا، إنَّ فرص نجاحهم هذه المرّة عاليةٌ جدًّا"34. يعتقد مفكرو الاقتصاد السياسي (الجديد) أن النموذج النيوليبرالي لا يملك من إجراءات مواجهة الأزمات سوى تلك الروتينية منها؛ فالاستجابات السياسية لجائحة كورونا مشابهة لتلك التي جرى تبنيها في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية لعام 2008. لقد ضخَّت الحكومات مبالغ طائلة من الأموال في قطاعات اقتصادية فاشلة؛ إذ أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب Trump Donald 2021-2017() عن حزمةٍ تتجاوز تريليونَ دولار؛ أي حوالى 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، وتضمنت الحزمة أيضًا 500 مليار دولار من القروض للشركات الخاصة، و 150 مليار دولار للمستشفيات والعاملين في مجال الرعاية الصحية، و 370 مليار دولار من القروض والمنح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة35. في حين أعلن الاحتياطي الفدرالي عن التزامه بالتيسير الكمي غير المحدود. وبالمثل، أعلنت ألمانيا عن حزمةٍ تضمنت منح سيولة غير محدودة للشركات الألمانية. كما أعلنت اليابان عن حزمة تحفيز اقتصادي تبلغ 20 في المئة من الناتج الاقتصادي الوطني36. تُعيد هذه الإجراءات تشكيل الاقتصاد "الحقيقي"، بحسب منظري الاقتصاد السياسي الجديد، خاصة بعد أن تبنّت معظم البلدان الرأسمالية نظام حماية الأجور على غرار نظام كورزاربيت الألماني37، والتوجه نحو التأميم الجزئي أو الكامل للعديد من المؤسسات الصناعية، بما في ذلك العديد من شركات الطيران؛ مثل شركة أليطاليا الإيطالية، والمستشفيات الخاصة في إسبانيا، وشبكة السكك الحديدية في بريطانيا، واعتماد صندوق بقيمة 100 مليار يورو في ألمانيا لاستخدامها مباشرة في شراء أسهم الشركات الألمانية المتعثرة. هذه التدابير كلها وغيرها تتعارض بشكل أساسي مع المبدأ النيوليبرالي لحماية "السوق الحرة" وتوسيعها38. إلى غاية الآن، تبدو النيوليبرالية مُنتَقَدَة نظريًّا، لكنها تظلّ منتصرة واقعيًّا؛ فلو أن كلّ من حاول أن يُجْهِز على النموذج النيوليبرالي، تكبّد عناء التحرّي عن حالة تطور الحقل – في حال افتراض أنّ الحقل معنيٌّ بهذا النقاش، بل يقع في صميم اختصاصه – لَ درك، لا محالة، أن قوة النظام الاقتصادي الليبرالي تكمن في تنوع مدارسه؛ فالليبرالية المنظمة Ordoliberalism، على سبيل المثال، تؤكد ضرورة أن تقوم الدولة بإيجاد بيئة قانونية ملائمة للاقتصاد، وأن تحافظ على مستوى صحي من المنافسة من خلال تدابير تلتزم بمبادئ السوق39. كما أعادت النيوليبرالية هي الأخرى تشكيل نفسها، حين حوفظ على قواعدها بنماذج بديلة ضمن التيار الهيثرودوكسي. ويُدرك الاقتصاديون غير الأرثوذكس من كلتا الممدرستين أن الدولة مركزية في إنشاء جميع ضوابط السوق وتكييفها. ولا ينكر التيار السائد نفسه – الذي يقع ضمن تقاليد المدرسة الأميركية التي تتبنى نهجًا نيوليبراليًا أرثوذُكسيًا – أن الأسواق لا يمكن أن تعمل من دون أن توفر الدولةُ "العمليةَ القانونيةَ المؤسسية لنشاط السوق"؛ صحيح أنه لا يسمح بدورٍ للدولة يتجاوز الحد الأدنى من الوظائف لإنتاج الإطار المؤسسي وإنفاذه، على نحو يحمي اقتصاد السوق الحر. وفي المقابل، يشهدُ التيار الهيثرودوكسي تطورًا ملحُوظًا؛ إذ بات باحثو الحقل يدفعون
نحو ضرورة توجيه الدولة للتطور الاقتصادي من خلال تصميم المؤسسات ورعايتها، والتي تضمن قدرًا أكبر من المساواة والعدالة الاجتماعية والتوظيف الكامل؛ ومن ثم فهم يطالبون بإعادة صياغة مفاهيمية عميقة للرؤية السائدة للدولة الدنيا مع مشاركة علاجية قليلة في الاقتصاد40. يخبرنا وليد عبد الحي، في هذا الشأن، أن تبني الصين الدعوةَ إلى التسريع في العولمة يدل على التحول من "نيوليبرالية السوق" إلى "نيوليبرالية الدولة"؛ ما يعني الانتقال من رأسمالية تنظمها آليات السوق إلى رأسمالية تنظمها الدولة. وذلك انتصار جديد للاقتصاد على السياسة؛ إذ أضحت البراغماتية الاقتصادية هي دالة الفكر السياسي. لذا، أصبحت دعوات الحوار والانفتاح وتعزيز فلسفة مؤسسات بريتون وودز وحرية التجارة والتمدد في رحم الاقتصاديات النامية تحلُّ محلَّ فلسفة ماو تسي تونغ القائلة إن السلطة تنبع من فوهة البندقية، وإن القوى الكبرى نمورٌ من ورق، وإن الطبقات الرأسمالية هي آفة التطور الإنساني، وأصبحت نيوليبرالية الدولة تزاحم نيوليبرالية السوق على مركزية النظام الرأسمالي41. حتى الآن، قدمت جائحة كورونا أدلّة قوية تؤكد صحة فرضية المنظور الاقتصادي النقدي، لكن سيكون من الخطأ توهُّم نهايةٍ للنيوليبرالية، بسبب "كينزية طارئة"42، خاصة أن الدولة -الأمة كانت - ولا تزال - حاضرة دومًا في قلب الرأسمالية النيوليبرالية، لضمان هيمنتها من خلال التدخلات الانتقائية في اللحظات الحرجة. وقد صاحبت هذه التدخلات تدابير سلطوية شديدة، كالحَجْر الجماعي، وإغلاق عواصم ومدن كبرى. وأبانت الدولة عن قوتها الهائلة في السياسة الاجتماعية بجمع المعلومات من خلال البيانات عن طريق الهواتف المحمولة، بهدف مراسلة الأشخاص الذين احتكَّوا عن غير قصد بشخصٍ تأكدت إصابته بفيروس كورونا، ولسان حالها يقول: نحن لا نعرف موقعك فحسب، بل نحيط علمً أيضًا بمن تحتكّ بهم قصدًا أم عن غير قصد. الواقع أن هذه السلطوية تتماشى تمامًا مع الأيديولوجيا النيوليبرالية المهيمنة في العقود الأربعة الماضية ولا تزال إلى الآن. إن الدرس الأساسي الذي تُعلّمنا إياه جائحة كورونا، مرة أخرى، هو أن النيوليبرالية لا تجدي نفعًا في أوقات الأزمات، وعلى الرغم من أنها هي نفسُها قد تقود دومًا إلى أزمات، فإنها سرعان ما تستفيد منها في نهاية المطاف، وتستعيد عافيتها، إلى أن تأتي أزمة جديدة، وهكذا دواليك. فكلما حدثت أزمة كبرى، تدخلت الدولة حتى في حالة الدول الأكثر ليبرالية في العالم، كما هو حال الولايات المتحدة، سعيًا لإعادة المنظومة النيوليبرالية السائدة إلى سكّتها التي حادت عنها وقت الأزمة. فالدول التي تسود فيها "أصولية" ليبرالية تتدخل في أوقات الأزمات لإنقاذ المنظومة النيوليبرالية كما حدث في عامي 2008 و 2009 مع الأزمة الاقتصادية العالمية، وكما يحدث منذ عام 2020 مع أزمة جائحة كورونا. والواضح أن الدول مقتنعة بأن النيوليبرالية تنفع في وقت السلم الاجتماعي والاقتصادي، على الرغم من تكاليفها الاجتماعية (مثل تعميق الفوارق الاجتماعية، واللاعدالة في توزيع عائدات النمو، ورفع دعم الدولة لأسعار المواد واسعة الاستهلاك، وتسريح العمال لاعتبارات مالية، وليست اقتصادية)، فإنها لا تنفع في أوقات الأزمات؛ ما يجعل "السم"، أي تدخل الدولة في الأوقات العادية، "ترياقًا" في أوقات الأزمات. من هذا المنظور، يمكن القول إن قوة المنظومة النيوليبرالية تكمن في توظيفها الدولة بحسب المصلحة، وبالتحديد في خصخصتها للأرباح بينما تلقي بح مل الخسائر على الجميع؛ لأن تدخل الدولة في أوقات الأزمات في الدول الليبرالية هو طريقة لتوزيع أعباء الأزمة وليس لتقويض النيوليبرالية التي تخرج سالمة من أزماتها؛ لأنها لا تتحمل وزرها، أو هكذا يدّعي من يحملون لواءها.
ثالثًّا: الصحة العالمية: أهي حق ا النقطة العمياء في برنامج عمل الاقتصاد السياسي الدولي؟
لا مُشاحَّة في أهمية ما تقدّمه الدراسات العابرة للتخصصات في مجال الصحة العالمية، خاصة بعد موجة الوعي المتزايد بتأثير الأبعاد السياسية والاقتصادية للعولمة في صحّة الإنسان، فضلً عن التحولات العميقة التي بات يعرفها الحقل على نحوٍ خاص؛ هذا الأخير الذي يحاول فهم الروابط الجديدة ومعالجتها بين الاقتصاد العالمي والأمراض المعدية43، مثل التهديدات الوجودية التي تُشكِّلها الظروف الناشئة عن انتشار فيروسات فتاكة مثل فيروس نقص المناعة البشرية AIDS، وزيكا virus Zika، وإيبولا Virus Ebola، والتهاب الجهاز التنفسي الحادّ وإنفلونزا الطيور H5N1 44. كما وضعت الصحة العالمية لنفسها أجندات بحثيّةً جديدةً حول سياسات الصحة العالمية، والحوكمة الصحية، والدبلوماسية الصحية. وتعمل علوم ما بعد الجينوم Post-genomics The 45، هي أيضًا، على إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية للصحة، بما في ذلك العلاقات بين الدولة والشركة والمواطن46؛ إذ تَطرح أسئلة عميقة حول طبيعة جسد الإنسان، وإعادة تعريف الجسد بوصفه سبيلً جديدًا للتراكم الرأسمالي، بينما أولت الدراساتُ الدولية الدينامياتِ السياسية Political والسياساتيةَ Policy للصحة اهتمامًا. صحيح أن الاقتصاد السياسي الدولي مجال بحثي عابر للتخصصات، إلا أن اهتمامه بقضايا الصحة العالمية لا يزال ناشئًا وفتيًّا. وصحيح كذلك أنّه من المفيد تجنب التورّط وإطلاق أحكامٍ مسبقةٍ من شأنها أن تحصر اهتمامات حقل الاقتصاد السياسي الدولي، بيد أنّ مراجعة جابي إيكهارت وكيلي لي لبعض الأبحاث التي صدرت ضمن الحقل، في فترات عانت خلالها دول العالم مخاطر الأوبئة، قد تبدو غير كافية. إلا أنه بات واضحًا أن قناديل باحثي الحقل وُجِّهَت لتضيء قِبْلتَهم فحسب (قضايا الاقتصاد العالمي:) أي النظام التجاري الدولي، والنظام النقدي الدولي، ودور الشركات متعددة الجنسيات، والتحديات المستمرة للتنمية الاقتصادية، مع بعض الاستثناءات النادرة؛ إذ لم تشكِّل الصحة سوى قضية تندرج ضمن اختصاص الحكومات الوطنية47. وقد حظيت مؤخرًا بعض قضايا الصحة باهتمام مُسوَّغ ضمن مقاربات الاقتصاد السياسي الدولي، من ضمنها: دراساتٌ تتعلق بتفاعلات نظام البراءات العالمي والوصول إلى الأدوية48؛ والأبعاد الاقتصادية للأمننة البيولوجية49؛ وأبحاث أخرى تتعلق بالسياسة النيوليبرالية في بناء سياسات صحية عالمية50؛ والتدخل في عدد من المجالات النقدية، مثل العدالة الصحية وعدم المساواة في الدخل51؛ والمقاربات العابرة للتخصصات لفهم التجارة والصحة52؛ فضلً عن أدبيات الصحة العامة حول المحددات الاجتماعية للصحة التي تركز على كيفية تشكيل نتائج عدم المساواة والتهميش والفقر53؛ وقد قدمت جميع هذه الأدبيات إسهامات لافتة في مجال الصحة العالمية54.
يتصور أغلب باحثي حقلَ العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي الدولي الصحةَ العالميةَ بوصفها تتناول مجموعة من الأمراض المُحدَّدة. ومع العلم بسرعة انتشار هذه الأمراض، أو تهديدها المُحتمل، بسبب عمليات العولمة، هناك وعيٌ محدود بدور اقتصادات العولمة وسياساتها في خلق عبء المرض العالمي، بما في ذلك أنواع الأمراض ومُعَدلاتها، وكذا الآثار غير العادلة في دول العالم ومجتمعاتها. يناقش هذا الجزء ما يمكن أن يقدمه الحقل من تفسيرات للكشف عن تغيُّ العلاقة التقليدية بين الدولة والسوق، والتفكير في كيفية تحسين وضع الصحة العالمية، كما يدفع نحو مزيدٍ من الاهتمام بوضع تصورات للعلاقة بين الملكية الفكرية والحق في إتاحة الدواء/ اللّقاح لارتهان حيوات البشر ومصائرهم بقدرة الشركات على إنتاج اللقاح وترخيص الدول الغنية الوصول إليه.
1. الدور المتغير للدولة والسوق في تحسين الرعاية الصحية
تاريخيًا، تقع مسؤولية الرعاية الصحية على عاتق الحكومات الوطنية؛ لذلك فهي تُعد مجالً خارج حدود الاقتصاد السياسي الدولي. ومع ذلك، فإن فهم الحقل للصحة العامة يدفعه إلى الخوض في مسألة: أكان ينبغي التخطيط للرعاية الصحية، أم يجب أن تخضع لقوى السوق؟ وفي حين أن الإجابة عن هذا السؤال، من حيث المبدأ، هي مسؤولية الحكومات، فمن الناحية العملية، ومنذ أواخر القرن العشرين، أدّت ثلاث قوى اقتصادية وسياسية دورًا مؤثرًا في تشكيل ثلاثة اتجاهات نحو إصلاحات الرعاية الصحية: اتجاه نحو التسويق للرعاية الصحية: لا يتعلق الأمر بإنشاء أسواق داخلية في تقديم الرعاية الصحية فحسب، بل قادت الممارسات أيضًا نحو التحول إلى إشراك قوى السوق بوصفها آلية لتخصيص موارد الرعاية الصحية. تشمل هذه الممارسات إنشاء شراكات بين القطاعين العام والخاص، والتنافس على تقديم الرعاية الصحية، وتفويض الميزانيات ومنح استقلالية أكبر لمقدمي الخدمات. اتجاه نحو خصخصة القطاع الصحي بوصفه وسيلة سياسية لتخفيف الضغط على المالية العامة من خلال تقليص دور الدولة: جرى سنُّ ذلك ببيع مرافق الرعاية الصحية لمستثمرين من القطاع الخاص (الرعاية طويلة الأجل)؛ وتمويل القطاع الصحي بخطط تأمين من القطاع الخاص. وفي البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، لهذه الأسباب وغيرها، كانت القيود المفروضة على الموارد المحلية ومساعدات التنمية الصحية، إلى جانب القدرة المحدودة للقطاع العام، أسبابًا منطقية استخدمها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومانحون آخرون للضغط على الحكومات لسنّ سياسات خصخصة القطاع الصحي55. اتجاه نحو تدويل الرعاية الصحية التي غذتها الخدمات والتمويل العابران للحدود: شهد القطاع نموًا ملحوظًا في توفير الخدمات الطبية للمرضى خارج الحدود الوطنية، فيما يُعرف "بالسياحة الطبية"، ومن المتوقع أن تنمو هذه التجارة عام 2025 بقيمة تريليون دولار، مع حركة 4-3 في المئة من سكان العالم إلى خارج دولهم لتلقي العلاج. وتُعدُّ هجرة الطواقم الطبية سببًا كافيًا لإدراج منظمة الصحة العالمية 57 دولة يُرجّح أنها تعاني "عجزًا حادًّا وحرجًا"؛ نتيجة "الاختلالات الهيكلية في تخصيص الموارد وهياكل الحوافز العالمية." وتشي مُراجعة هذه الاتجاهات الثلاثة بوجود نقاش واسع حول علاقة التآثر بين الدولة والسوق، في سبيل تفعيل الرعاية الصحية. ويكاد هذا التحول – نحو دورٍ متنامٍ للسوق منذ أواخر القرن العشرين – يلُازم التحليلات النقدية لمختلف باحثي الصحة العامة56. 2. الملكية الفكرية في مقابل إتاحة اللقاح تكشف جائحة فيروس كورونا، مرة أخرى، عن حدّة الأزمات البنيوية التي لم تُصِ ب النظام التجاري العالمي فحسب، بل عرّت الصفقة الفاوستية التي أنتجها الاتحاد فيما بين الملكية الفكرية والتجارة العالمية أيضًا؛ ما وضع الصحة العامة على المحكّ. إن إقدام منظمة التجارة العالمية على تبني اتفاقية حقوق الملكية الفكرية وإدارتها، وهي ذات أبعاد تجارية TRIPS، وتحمي براءات الاختراع، وحقوق التأليف، والعلامات التجارية، قد حدّ كثيرًا من قدرة أعداد ضخمة من الأفراد في الدول الأكثر فقرًا على الحصول على تلك الأدوية/ اللقاحات الأساسية، خاصة في سياق ما اصطُلح عليه في وقت سابق ب "القاتلات الكبرى" (الإيدز والسل والملاريا.) فبموجب اتفاقية تريبس تدوم براءة الاختراع – وهي حق حصري مؤقت يُ نح لمخترع مُنتج أو عملية جديدة – عشرين عامًا. وتستفيد من براءة الاختراع المخابر وشركات تطوير الدواء العامة أو الخاصة على حد سواء؛ ما يعني أن شركة الأدوية المبتكِرة يمكنها رفض إتاحة منتج دوائي جنيس57 منخفض السعر ومنعه من دخول السوق. وبالنظر إلى طابع التركيز العالي في
حصص السوق من الصناعة الصيدلانية العالمية، وعدم امتلاك قطاع واسع من الدول قاعدةً تكنولوجيةً وصناعيةً ملائمة للبحث والتطوير في هذا المجال، فإن دولً كثيرة ستكون غير قادرة على استيراد أدوية مكافئة (جنيسة) أو إنتاجها أو بيعها58 بأسعار منخفضة59. ويبدو أنه من حسن حظ الدول الفقيرة60 أن من مصلحة الدول المتقدمة مساعدتها للتخلص من الجائحة وإلا سيبقى الخطر قائمًا؛ لأنه خطر عالمي في الأساس، ولا يمكن الاحتفاء بتحييده في أجزاء من العالم دون أخرى. فاقتصادات الدول المتقدمة هي الأكثر تضررًا من حالة الإغلاق الذي تسببه الجائحة. لذا، فلها مصلحة ملحّة في العودة إلى فتح الحدود التجارية مجددًا. وتمثّل جائحة كورونا فرصة أمام المجتمع الدولي نحو تبني خطة تُسهِّل الوصول إلى الدواء/ اللّقاح، ليس من أجل العلاج فحسب، بل للكشف، والوقاية، والعزل أيضًا. وقد واجهت منظمة التجارة العالمية دعوات تقودها الهند وجنوب أفريقيا للتنازل عن حقوق الملكية الفكرية للقاحات ضد فيروس كورونا، وهي فكرة ترفضها شركات الأدوية العملاقة وبلدانها رفضًا قطعيًا. واللافت للانتباه، ضمن قائمة 78 مشروعًا مُعلنًا عنه، غياب أسماء الشركات الكبرى المعروفة بقدراتها الكبيرة على تطوير اللقاحات وإنتاجها؛ مثل وم جلاكسو سميث كلاين Glaxo Smith Kline كرر آند كو Co & Merck وسانوفي Sanofi، باستثناء شركتَي جونسون آند جونسون Johnson & Johnson وفايزر Pfizer المعروفتين، فمعظم الشركات التي دخلت السباق هي شركات تطوير لقاحات ناشئة. والسؤال المطروح هو: لماذا تُحجِم الشركات الكبرى عن الدخول في السباق لتطوير اللقاح61؟ يبدو أن سبب ذلك يعود إلى أن الأوبئة المستجدة غالبًا ما تتفشَّ ثم تختفي أو يُسيطَر عليها بطرائق لا تضمن التلقيح، وقد حدث ذلك بالفعل مع فيروسات سارس SARS وميرس MERS-CoV وزيكا Zika؛ ما يفقد الشركات الرغبة في المغامرة باستثمارات ضخمة قد يكون مآلها الإفلاس. ولا تتوقع هذه الشركات سوى خيبة أملٍ من الاستثمار في لقاحات هذا النوع من الأمراض؛ فما إن يصبح التفشي تحت مجهر وسائل الإعلام حتى يتزايد اهتمام الرأي العام، ليبدأ بعدها الضغط على الحكومات التي تبدأ بإطلاق مشاريع لتمويل تطوير اللقاح، ويبدأ الجميع بالاندفاع لتحصيل المكاسب التي تَعِدُ بها الحكومات، وما إن ينحسر الوباء ويُسيطَر عليه بطريقة ما حتى تخفت الأصوات، وتبدأ الحكومات بالتخلي عن دعم مشاريع اللقاحات ومتابعتها62. الأهم من ذلك هو أنه مع نجاح تجارب اللقاح ضد فيروس كورونا والشروع في توزيعه، تزيد الحاجة إلى ضرورة التعاون الدولي في البحث وتطوير الأدوية حفظًا للأرواح، بعيدًا عن منطق الأرباح، فضلً عن إضفاء مرونة أكبر في تنفيذ قانون براءات الاختراع الصيدلاني. فإذا كانت الأبحاث ممولة من القطاع العام التابع للدولة، فكيف لا يُتاح الدواء في الأزمات الاستثنائية ذات الطابع العالمي؟ نحن فعلً صرنا في أمس الحاجة إلى إعادة التفكير في نظام براءات الاختراع في حال الأوبئة والأمراض القاتلة63.
3. تأثير جائحة كورونا في التجارة الدولية وقانون المشتريات
يمكن تتبع تفشي جائحة كورونا، من خلال ملاحظة التغيّ أو الاستمرارية في أنماط الإنتاج والتوزيع، وكذا إدارتها. وتُشير نادين فولكنر إلى أن ظهور الفيروس يتعلق بتحولات اقتصادية هيكلية عميقة ترتبط أساسًا بالتحولات الواسعة النطاق نحو إنتاج الغذاء الصناعي والزراعة المعولمة الذي بات مرتبطًا هو الآخر بتطور الفيروسات وانتقالها بين الحيوانات، في حين أن التدهور غير
المسبوق للمَواطن البيئية للحياة البرية والاتصال الوثيق المتزايد بين الحيوانات والبشر قد وفَّر ظروفًا مهيَّأة للأمراض الحيوانية. Zoonotic Deaseases يشدد أيضًا باحثو الاقتصاد السياسي الدولي على أهمية تتبع سلاسل القيمة التي باتت أكثر ترابطًا من أي وقت مضى. وبتتبع انتقال الفيروس منذ ظهوره أول مرة في الصين، نلاحظ انتقاله مباشرة إلى أكثر المناطق الصناعية، لا سيما تلك المتصلة عالميًا، مثل شمال إيطاليا وجنوب ألمانيا، قبل المدن السياحية منها، مثل روما وبرلين. ضمنت السرعة غير المسبوقة للتبادل التجاري الدولي "في الوقت عينِه" Just-in-time انتشار الفيروس على نحوٍ أسرع مما يمكن أن تستجيب له السلطات. ويبدو أن تثمين "الكفاءة" في الإنتاج العالمي، والتجارة، والصحة قد كفل وجود فيروس فعّال وانتشاره بالقدر نفسه64. تكشف جائحة كورونا أن نظام التجارة الحرة، القائم على تراكم الأرباح والنزعة الاستهلاكية، لا يؤدي إلى تعميق التفاوتات بين الشمال والجنوب العالمي فحسب، بل فيما بين بلدان الشمال نفسها أيضًا. وخارج الاتحاد الأوروبي، يثير فرض العديد من البلدان قيودًا تجاريةً مخاوفَ من "تأثير مضاعف"؛ إذ يؤدي تقييد الصادرات لدولةٍ ما نحو بلدٍ آخر إلى آثار اجتماعية واقتصادية وخيمة، بما في ذلك الوصول إلى موردي الأغذية والأدوية. وقد شهدنا مستوى غير مألوف من حظر التصدير، بما في ذلك الحظر على تصدير معدات الحماية الطبية من قبل الاتحاد الأوروبي (شمل 80 دواءً، بما في ذلك الأنسولين والمورفين والباراسيتامول من المملكة المتحدة، وأقنعة الوجه من ماليزيا وتايلند)، فضلً عن الضغوط على الإمدادات الغذائية في عدة بلدان؛ حيث خلقت سلاسل التوريد العالمية65 شبكات معقدة من الإنتاج والتوزيع، من المحتمل أن تتأثر بالقيود المفروضة على السفر والاستيراد والتصدير والسياسات الزراعية، التي فضلت إنتاج الصادرات على الاكتفاء الذاتي الغذائي، والتي تهيمن عليها الشركات عبر الوطنية الكبرى. سواءٌ اختلفنا أو اتفقنا، يبدو جليًّا أن إسهامات الحقل في مجال الصحة لا تزال متخلفة إلى حدّ بعيد. ربما يرجع ذلك إلى اهتمام الباحثين ضمن الحقل بجزء ضيق من قضايا الصحة العالمية، لميلهم نحو قبول تفوُّق المقاربة الطبية - الحيوية في الاستجابة العلمية والتقنية للمشكلات الصحية66. من جهة أخرى، يهتم باحثو الاقتصاد السياسي الدولي، في الغالب، بتأثير بعض المشكلات الصحية العالمية في الأمن القومي أو الثروة (مثل آثار فيروس نقص المناعة البشرية في الاقتصادات أو الجيوش، والتكاليف الاقتصادية لمرض سارس، وخطر الإرهاب البيولوجي)، أو بتغذية النقاش حول الحوكمة، خاصة ما يتعلق بالشراكات العامة - الخاصة67. وبالإشارة إلى حقل العلاقات الدولية عامة، يجادل كولين ماكينز وكيلي لي بأن التركيز على تحليل السياسية الخارجية والأمنية يحجب قضايا مهمة عن الصحة العامة68، وأنه بسبب الانشغال بالأوبئة المعدية والإرهاب البيولوجي، ظهرت جائحة كورونا لتشكّل مخاوف صحية كانت مهملة في حقل العلاقات الدولية، وهو ما يدعو إلى ضرورة توسيع موضوعاته ووضع استراتيجيات لتعزيز الصحة العالمية69.
رابعًا: الانعتاق من الوحدوية نحو التعددية: ما يمكن تعلمه من النمذجة الاقتصادية في تفسير جائحة كورونا
نادرًا ما تحظى الأبحاث العلمية في مجال النمذجة الاقتصادية70 بالاهتمام لدى الأوساط السياسية. ومع ذلك، فإن الفحص المتأني للنماذج المُحاكية لطرق انتشار الأوبئة أحالنا إلى الكشف عن تباينها؛ لاختلاف الفِرَق الأكاديمية التي تعكف على تطويرها لسنوات. بيدَ أنها تتشابه في المبادئ الرياضية التي تقوم عليها؛ فهي تستند إلى محاولة فهم كيفية انتقال الأفراد بين ثلاث حالات رئيسة، ورصد السرعة التي يتمّ بها الانتقال بين هذه الحالات؛ ذلك أن الأفراد إما مُعرَّضون للإصابة بالعدوى الفيروسية ويُرمز إليهم بالحرف S()، وإما مصابون بالعدوى ويُرمز إليهم بالحرف I()، وإمَّا متعافون من العدوى ويُرمز إلى هذه المجموعة بالحرف R()، وإما متوفّون. يُفترض أن تكتسب مجموعة المتعافين R() مناعةً ضد الإصابة بالفيروس مرةً أخرى. ومن ثم تنتفي القدرة على نقل العدوى. وتضمُّ هذه المجموعة أيضًا الأشخاص الذين يتمتعون بمناعة طبيعية ضدّ الإصابة بالعدوى، فإذا نظرنا إلى هذه النماذج التصنيفية للعدوى (بفئاتها الثلاث: القابلية للإصابة، والإصابة، والتعافي)، وتُعرف اختصارًا بنماذج SIR()، وجدنا أن أبسط هذه النماذج ينطلق من مجموعة افتراضات أساسية، مثل الافتراض أن جميع الأشخاص يملكون حظوظًا متساوية في التقاط العدوى من الشخص المصاب؛ لأنَّ السكان جميعهم مختلطون اختلاطًا تامًّا، بالدرجة نفسها71. في هذا السياق، تُزوِّد النماذج الأكثر تقدمًا في النمذجة الاقتصادية صانعي السياسات بالتنبؤات الكمّية التي يحتاجون إليها لمواجهة جائحةٍ ناشئة، مثلما تفعل الدراسة المستفيضة التي نشرها بول ولفنز في دورية علم لاقتصاد الدولي والسياسات لاقتصادية، أو مثلما International Economics and Economic Policy تفعل أبحاث فريق إمبريال كوليدج، أو ما توصلت إليه فرقة بحث جامعة جونز هوبكنز في تحليلها لسرعة انتشار الجائحة وتأثيراتها. عندما أشارت البيانات المحيَّنة في نموذج فريق إمبريال كوليدج إلى أن الجهاز الصحيّ في بريطانيا في طريقه إلى التعرُّض لطوفانٍ من حالات الإصابة الشديدة بفيروس كورونا، وأنَّ بريطانيا قد تشهد أكثر من 500 ألف حالة وفاة إذا لم تتخذ الحكومة أيّ إجراءات لصدِّ الجائحة، سارع رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، إلى إعلان قيودٍ صارمة جديدة على حركة الأشخاص. وحذّر النموذجُ نفسُه الولايات المتحدة، إن لم تتخذ أيّ تدابير، فربما تصل حصيلة الوفيات فيها من جرّاء تفشي الجائحة إلى 2.2 مليون حالة وفاة. وجرت مشاركة نتائج النموذج مع البيت الأبيض، فما كان من الإدارة الأميركية إلا أن سارعت هي الأخرى إلى إصدار توجيهاتٍ جديدة بشأن التباعد الاجتماعي72. ترتبط التحديات الرئيسة في ظل الجائحة بالعبء الذي يتحمله النظام الصحي والمستشفيات. إذا اقترب النظام الصحي وقدرة المستشفيات إلى مرحلة حرجة في بيئة وبائية، فإن أرقام الوفيات سترتفع بسرعة. لذلك في كل سيناريو وبائي، تعمل تدابير السياسة الصحية على تأجيل ذروة العدوى، ومن ثم خفض مستوى الضغط على المستشفيات إلى مستوى يمكن التحكم فيه؛ إذ من المُهم أن تحوّل السياسةُ الصحية الذروةَ من M1 إلى M2 على محور الزمن، وفي هذا السياق غالبًا ما يكون إجراء الاختبارات والحجر الصحي الواسع أمرًا بالغ الأهمية73 (يُنظر الشكل).1 كانت نتائج نموذج إمبريال كوليدج في أوائل آذار/ مارس 2020، هي الأخرى، عاملً حاسمً في دفع الحكومة البريطانية إلى تغيير سياستها بشأن الجائحة. فقد قدّر الباحثون في البداية أن 15 في المئة من حالات الحجز بالمستشفيات ستحتاج إلى تلقِّي العلاج في وحدات العناية المركزة، قبل أن يعدّلوا النسبة فيما بعد لتصل إلى 30 في المئة؛ وهي النسبة التي تضمَّنها أول إعلانٍ عام عن نتائج عمل فريق البحث في 6 آذار/ مارس. وأظهر هذا النموذج أن الجهاز الصحّي
في بريطانيا، بما يضمّ من أسرّة عناية مركزة، يتجاوز عددها 4000 تقريبًا، سيتعرض لضغط كبير يفوق طاقته الاستيعابية74. أما فيما يتعلق بمؤشر الأمن الصحي العالمي، والنتائج التي توصلت إليها جامعة جونز هوبكنز بشأن الاستعداد للتعامل مع الأوبئة، وتصنيف الأنظمة الصحية، فإن العديد من دول الاتحاد الأوروبي تحظى بترتيب متواضع إلى حد ما، وتقع في المجموعة الوسطى من بين 195 دولة مدرجة في مؤشر الأمن الصحي العالمي كلٌّ من إيرلندا ولوكسمبورغ وسلوفاكيا واليونان وجمهورية التشيك وإيطاليا ورومانيا والمجر وليتوانيا؛ وفي المجموعة الأضعف، إستونيا (بعد جنوب أفريقيا.) وهذا ما يشير إلى أن الاتحاد الأوروبي، حتى الآن، لا ينظر بما يكفي إلى الحد الأدنى من جودة النظام الصحي بوصفه شرطًا لعضوية الاتحاد الأوروبي، بحسب تقرير الجامعة عينه75 (يُنظر الشكل.)2 الشكل)1(تأثير تدخل السياسة الصحية لحظة ذروة الوباء
يلفت الشكل 2() انتباهنا إلى أن موقع كل من روسيا والصين وإيطاليا وإسبانيا ضعيف إلى حد ما في المؤشر العام. ومع ذلك، حتى بعض البلدان ذات الدخل المرتفع، مثل سويسرا، لا تظهر موقعًا قويًّا أيضًا (يُنظر الشكل 2.) لذلك، من المهم فهم الصلة بين مؤشر الأمن الصحي العالمي (مؤشر الجودة) ودخل الفرد. تُعدّ دول الاتحاد الأوروبي أكثر الدول تغطية لنفقات التأمين الصحي، في حين يمثّل الخوف من عدم القدرة على دفع الفواتير الصحية هاجسًا لدى الفرد الأميركي. وما بين 18 و 25 في المئة من ديون الأميركيين هي ديون طبية، و 56 مليونًا أميركيًا دون ال 65 عامًا واجهوا مشكلة في دفع الفواتير الطبية في عام 2013. وترجع أغلب حالات الوفاة التي شهدتها الولايات المتحدة في مرحلة الذروة إلى عدم خضوع المواطنين للاختبارات المبكرة، خوفًا من ارتفاع تكاليف الأمن الصحي. لذلك، لا يعني ارتفاع دخل الفرد الحقيقي بالضرورة تغطيةً أمنية جيدة76 (يُنظر الشكل).3 اهتم ولفنز بتأثير الجائحة في الأفراد والمجتمع، كما تحمَّل عبء رصد تأثير الجائحة في تطورات الإنتاج الدورية على المدى المتوسط، والنمو الاقتصادي. يمكن أن يكون من المفيد إلقاء نظرة سريعة على نموذج ولفنز المعدّل بشكل كافٍ بدل النموذج الكلاسيكي. هناك مسألة
الشكل)2(مؤشر الأمن الصحي العالمي: بلدان مختارة
الشكل)3(الرصيد العام للأمن الصحي العالمي لعام 2019
حاسمة تتعلق بتغطية التأمين الصحي المُشار إليها ب (h) وتأثيرها في الناتج المحتمل والرفاهية الاقتصادية. في هذا الجزء، لا يمكن تحليل سوى عدد قليل من الجوانب؛ إلى أي حدّ يمكن أن يؤثر الوباء أو موجات الأوبئة، في المدى الطويل لمسار النمو ومعدل نمو دخل الفرد المُشار إليه ب (Y)، في الحالة المستقرة؟ لنفترض أن (h) لديه تأثير سلبي في مسار النمو الاقتصادي، فإن ارتفاعه في سياق تحديث النظام الصحي – الذي عزمت على انتهاجه عدة دول – سيعني أن السكان سيواجهون تدهورًا "قصير المدى" على مستوى نصيب الفرد من الدخل العام؛ لأن الدول ستزيد من نفقات الرعاية الصحية، ومن ثم تخفض من الدخل الفردي، في مقابل زيادة مطّردة في المدى الطويل في (Y.) إعداد المَعْلَمَة بهذا الشكل، يجعل المنتخبين – حال الانتخابات الأميركية – أقل مغامرة للدفع نحو توسيع نسبة تغطية التأمين الصحي77. ومع ذلك يمكن أن يقرر النظام السياسي إصلاح (h) عند نسبة مناسبة أو مساوية للوحدة. ترفع نسبة تغطية التأمين (h) حالة استقرار نصيب الفرد من الدخل Y #. ومن ثم، إحداث نمو اقتصادي في المدى الطويل يُشار إليه ب (Y g)، فتظهر المعادلة كما يلي78:
g Y = a + n' (1_ C" (1_ h" h))
تستند الحكومات حول العالم إلى التوقعات التي تقدِّمها النماذج الرياضية، للمساعدة في توجيه قراراتها الرامية إلى التصدِّي للجائحة. وبحسب ما يشير إليه نيل فيرجسون، اختصاصي النمذجة الرياضية للأوبئة في جامعة إمبريال كوليدج في لندن، فإن المحاكاة لا تمثل سوى جانبٍ واحد من تحليلات البيانات التي أجرتها فرق تصميم النماذج على هذه الأزمة، غير أنه صار يحظى بأهمية متنامية في عملية وضع السياسات. لكنّ فيرجسون وغيره من واضعي هذه النماذج يُنبهون إلى أن كمًّ مهمًّ من المعلومات عن كيفية انتشار فيروس كورونا لا يزال مجهولً. ومن ثم، يكون اللجوء إلى تقدير تلك المعلومات، أو افتراضها، وهو أمرٌ يحدّ من دقة التوقعات؛ إذ يقول فيرجسون في السياق ذاته: "إننا نبني صورًا مبسطة للواقع، فالنماذج ليست بلوراتٍ سحرية"79.
خامسًا: ترتيبات التعاون الدولي في مجال الصحة العالمية: نظام عالمي تشك له الصفقات لا القواعد
من يمكنه معرفة متى تنتهي الجائحة؟ مع أن الإجابة عن هذا السؤال تُعدّ رجمً بالغيب، فإن منظمة الصحة العالمية هي التي تقع على عاتقها المسؤولية الدولية عن تقديم تقديرات؛ سواء بشأن بداية الجائحة، أو نهايتها. وكانت هذه المؤسسة قد مُنحت السلطة الحصرية لإعلان بدايات طوارئ الصحة العامة ذات الانشغال الدولي ونهاياتها بعد جائحة فيروس المتلازمة التنفسية الحادة سارس في عام 2002، بالنظر إلى اضطلاعها بملفات مكافحة الأمراض المعدية التي تضمنتها اللوائح الصحية الدولية80. وقد تمّ ت مراجعة هذه اللَّوائح آخر مرة في عام 2005؛ لإنشاء حوكمة في إطار المنظمة تهدف إلى "الوقاية من الأمراض المعدية ومكافحتها وتوفير استجابة صحية عالمية، مع تجنب التداخل غير الضروري مع الحركة التجارية الدولية وحقوق الإنسان" (المادة )2 81. وفي خضم تهديد جائحة عالمية، بات تجدُّد النزعة القومية يقوِّض قيادة منظمة الصحة العالمية، ويشدد على تحفيز الانعزالية82.
1. الواقعيون في صدارة المشهد
في كل مرة يُواجِه فيها العالمُ أزمةً عالمية، تجد الباحثين متحمّسين في الإقبال على تجريب الأدوات التحليلية التي تُزودنا بها نظريات العلاقات الدولية. في قياس درجة التعاون الدولي بعد تفشي جائحة كورونا، قد لا يكون هناك باحثون في الحقلِ يشعرون بالنشوة التي يشعر بها الواقعيون، الذين توقّعوا منذ بداية انتشار الفيروس عودة السياسة القومية، ومبدأ الاعتماد على النفس، ومبدأ "نحن أولً " في الإدارة الدولية للأزمة. كما بدوا غير مفاجَئيِن بتنكّر الاتحاد
الأوروبي لمبادئ التعاون المقدسة ومعاييره ولوائحه (قانون المنافسة، والانضباط المالي، وحرية التنقل)، مع اتجاه العواصم الأوروبية إلى إغلاق حدودها، وحظر التنقل دونما تشاورٍ مع البرلمان الأوروبي، فضلً عن سنّ قرارات حظر تصدير المواد الصيدلانية؛ ما أنزَفَ روح السّوق الموحدة83. ولم يكن قرار إدارة الرئيس ترامب، واستراتيجيته الحمائية لمجابهة الوباء، إلا تأكيدًا لمزاعم الواقعيين، وهم يُتابعون عودة سياسة التنافس الدولي، ومُحاولات الرئيس ترامب الحثيثة لإغراء شركات التي كانت قريبة CureVac الدواء – مثل الشركة الألمانية كيورفاك من إنتاج لقاح فيروس كورونا – بنقل نشاطها إلى الولايات المتحدة واستكمال أبحاثها هناك. وواصل سياساته الحمائية بمنع شركةٍ مقرها في الولايات المتحدة من بيع الأقنعة إلى كندا، على الرغم من التوصل إلى حلّ توافقي في وقت لاحق. من جهة أخرى، عملت الولايات المتحدة، شأنها شأن اليابان، على إعادة هيكلة سلاسل التوريد العالمية بغية تجاوز الاعتماد على الصين. في علاقة الدول بالمؤسسات الدولية، يشدّد الواقعيون مجددًا على حالة الفوضى الدولية، التي ستدفع لا محالة نحو ساحةٍ للمنافسة الصفرية، تتعارض أو تتناغم المصالح فيها ليس إلّ، ولا تشكّل فيها المؤسسات الدولية سوى أداة لتعظيم القوة والمصلحة. تجد هذه الفرضية سندها في تسييس منظمة الصحة العالمية في ذروة تفشي الجائحة. ظهر ذلك جليًّا بعد نجاح التجربة التايوانية في درء خطر فيروس كورونا، وتجاهل المنظمة الكامل لها بوصفها تجربة رائدة تستحق تضمين استراتيجياتها في إدارة الوباء في تقاريرها حول "جهود البحث العالمية حول كوفيد 19-." لكنّ خضوعها لضغوط الصين – التي ترفض الاعتراف بها بوصفها دولة قومية ذات سيادة ومستقلة دبلوماسيًا – منعها من ذلك84. وهذا ما يدعم حجة الواقعيين الكلاسيكيين الجدد حول دور الأيديولوجيا المحلية في تشكيل سياسات الدول الخارجية85.
2. المؤسسات الدولية: أيّ استعداد للمواجهة؟
بعد إعلان إدارة الرئيس ترامب فرض قيود على المسافرين القادمين من الصين، في بدايات كانون الثاني/ يناير 2020، وإتباعها بحظر فجائي على المسافرين من أوروبا في منتصف آذار/ مارس، تكرّرت الترتيبات نفسها في بلدان أخرى، وهو ما خلّف آثارًا كارثية مماثلة في أغلب الدول. وتكمن المفارقة في أن الحالة نفسها شهدها العالم في أثناء تفشي وباء إيبولا في عام 2014، إلا أن إدارة الرئيس باراك أوباما Obama Barack)2017-2009(- لأنه كان يرى أنّ الولايات المتحدة هي القائد في صناعة القرار العالمي - قرَّرت عدم غلق الحدود أمام دول غرب أفريقيا. وبدلً من ذلك، أنشأت مجموعات من الأشخاص المصابين بالعدوى في المطارات ونقاطِ تفتيشٍ أخرى، وهو القرار الذي تبنَّتهُ بقية الدول، على إثر التقرير الذي أ عِدَّ في فترة إدارة أوباما عام 2016، وقد تضمن تفاصيل نهج استجابة الولايات المتحدة في مواجهة تفشي فيروس إيبولا، إضافة إلى العمليات الافتراضية لمحاكاة إجراءات الطوارئ الحكومية لمكافحة أي وباء86. تعطي عمليات الإغلاق عادة وَهْمً بالعمل الحازم، من دون تغيير على أرض الواقع؛ فهي لم تُوقِف انتشار الفيروس الذي كان ينتقل بالفعل من شخص لآخر داخل الدول ذاتها. وثمة حجج مفادها أنه كان من الممكن تجنب حالة الفوضى والارتباك في اتخاذ قرارات غلق الحدود التي بدأتها الولايات المتحدة، وتلتها بقية الدول، لو حصل تشاور، أو جرى التفكير في العواقب على نحوٍ مشترك. فلو تدخلت المؤسسات الدولية لإدارة عملية الحظر، وجرى الإغلاق بأكثر سلاسة، لربما كانت الاستجابة أكثر فعالية، وكان من الممكن وضع مكابحَ مؤقتة وغير شاملة على السّفر الدولي وحتى المحلي، ولم يكن من المقبول أن يكون الإغلاق فجائيًا ليحدث كارثة إنسانية، عدا تبعاته الاقتصادية. ولكن ربما علينا أن نتساءل عما إن كانت المؤسسات الدولية مستعدة فعلً لهذه المهمة. في الواقع، على تعدّد المؤتمرات الدولية، والأوراق العلمية والبيانات، فإن المؤسسات الدولية لم تكن غير مستعدة للتعامل مع حالة عدم
الاستقرار السياسي والاقتصادي المفاجئ فحسب، بل إنها لم تتمكن حتى من المساعدة في توفير معدات الحماية الشخصية أو تنسيق الاتصالات فيما بين الدول أيضًا. وبدا فشل المؤسسات الدولية حادًّا، ولم يتعلق الأمر بمنظمة الصحة العالمية فحسب، بل تعلق كذلك بمؤسسات الاتحاد الأوروبي، وبالأمم المتحدة ومجلس الأمن؛ فإذا لم تكن فعّالة لهذا الغرض وفي هذه اللحظة بالذات، لحظة أزمة عالمية حقيقية يفرضها وباء جديد، وبسرعة انتشار، فإنها قد تهلك الجميع عبر العالم، فما الجدوى منها إذًا؟
كان الفشل واحدًا، لكن الطرائق والأسباب متعددة. خلال المرحلة الأولى من بداية الوباء، عانى الاتحاد الأوروبي مما لا يمكن وصفه إلا بإخفاقٍ مبكرٍ، ومردُّ ذلك هو حداثة تجربته في التعامل مع الأوبئة، على عكس الدول الآسيوية التي سبق أن خبرت أمواجًا عدة منها87. فقد قلل أغلب السياسيين والمحللين من تقدير الخطر، حتى في الاجتماعات والقمم الدولية (المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ومؤتمر ميونيخ للأمن.) وقلمّا حظي خطر الفيروس بنقاش كافٍ، إلى غاية 9 آذار/ مارس، وحين بدأ بالانتشار الفعلي في إيطاليا، أشارت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية يومها، إلى فيروس كورونا، في مؤتمر صحافي استعرضت من خلاله أول مئة يومٍ لها في المنصب، كما لم يتم الالتفات إلى دعوات الحكومة الإيطالية المتمثّلة بضرورة اتخاذ تدابير طارئة88. وقد وفَّرت إيطاليا على العالم صداع العدّ والإحصاء، واستعاض فيها الاتحاد الأوروبي عن "الوفاء بالحياة بالوعد بالجنازة"؛ إذ عبّ 88 في المئة من الإيطاليين في استطلاعٍ للرأي، في أوائل أيار/ مايو، عن خيبة أملهم حيال فشل أوروبا في دعمهم. على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي في وقت لاحق، بعد أسابيع من الارتباك والركود، أثبت تحسّنًا في استجابته؛ إذ سلّمت ألمانيا وفرنسا كميات كبيرة من المعدات إلى إيطاليا، أكثر بكثير في مجموعها مما قدمته الصين التي أثارت انتباه العالم ما إنْ نزلت طائرتها على أرضية مطار روما، كما التزمت فرنسا وألمانيا بصندوق إنعاش أوروبي واسع النطاق، وصفه بعضهم بصفقة "هاميلتونية"89. كذلك، فعَّل الاتحاد الأوروبي آلياتٍ مشتركةً حتى لا تضطر الدول الأعضاء إلى التنافس فيما بينها. وعلى الرغم من كلّ هذه الجهود، فإنّ إخفاقات الاتحاد الأوروبي السابقة تركت انطباعًا سيئًا في نهاية المطاف90. كي نكون منصفين؛ لا الاتحاد الأوروبي، ولا مجموعة الدول الصناعية، أُالسبعة G7، ولا حتى مجموعة العشرين G20 نشِئت للتعامل مع الأوبئة. لا تُعدّ مجموعة السبعة أكثر من نادٍ للدول الغنية تجتمع فيه لحل بعض المشكلات الاقتصادية، لكن منظمة الصحة العالمية هي الهيئة التي أُنشِئَت على نحو صريح للتعامل مع الأوبئة والجوائح العالمية. لذا، بدا صادمًا أن تفشل هذه المؤسسة في درء خطر فيروس كورونا عن البشرية، وهي التي تمتلك سجلً تاريخيًا من النجاحات91. نُدرك أن انتقاد منظمة الصحة العالمية مثّل جزءًا من السياسة الأميركية؛ إذ علّقت عليها إدارة الرئيس ترامب إخفاقاتها وجعلت
منها كبش فداء92، لكن من المهم أن نتذكر، بغضّ النظر عن بعض الخطابات المبالغ فيها، أنه لا يمكن إلَّ أن تنكشف أمامنا جوانب الفشل الذريع الذي أبانته المنظمة في بدايات مراحل الوباء. أولً، التزامها الوثيق جدًّا برواية الحكومة الصينية التي سعت منذ البداية لإخفاء طبيعة فيروس كورونا ومدى انتشاره؛ ثانيًا، تجاهلها الأدلة الواردة من تايوان وهونغ كونغ المتمثّلة بأن فيروس كورونا يمكن أن ينتقل من شخص إلى آخر، ومن ثمّ لم تأخذ تلك الأدلة على محمل الجد؛ ثالثًا، إصرارها على عدم وجوب ارتداء أقنعة الوجه لانتفاء أهميتها في درء خطر الانتقال، حتى بعد التأكُّد من ضرورتها لقطع سبيل انتقال الفيروس؛ وأخيرًا، انتظارها إلى غاية 11 آذار/ مارس لإعلان فيروس كورونا جائحةً، وإصدارها تقريرًا يشيد بالصين ل "طرحها ربما أكثر الجهود طموحًا واحتواءً للمرض عبر التاريخ"، ولم تتجاهل القمع المبكر للمعلومات فحسب، بل إنها قللت أيضًا من أهمية التكاليف النفسية والاقتصادية لحظر مدينة ووهان وانتهاكات حقوق الإنسان93. ولم تكن البيروقراطيات الدولية المتراخية على مستوى المهمة فعلً. وعلى الرغم من أن بعض جوانب هذا التصور قد تكون غير منصفة، فإنها ليست خاطئة تمامًا. وإن اختلفت مصادر الخلل الوظيفي في المؤسسات الدولية، ففشلها مشترك.
3. لماذا حدث ذلك؟
كان الفشل المركزي البارز، المتمثّل بتخلي إدارة الرئيس ترامب عن القيادة العالمية وغياب الصوت الأميركي، لافتًا للنظر منذ بداية الأزمة. يخبرنا كارل بيلدت Bildt Carl 1994-1991() – رئيس الوزراء السويدي في التسعينيات، ومبعوث الأمم المتحدة في أثناء حرب البوسنة، ووزير الخارجية طوال سنوات عديدة بعد ذلك – أنه بالنظر إلى حياته المهنية التي استمرت ثلاثين عامًا، لم يتذكّر أزمة دولية واحدة لم يكن للولايات المتحدة وجود عالمي فيها على الإطلاق؛ إذ يقول: "عادة، عندما يحدث شيء ما، مثل حرب أو زلزال، ينتظر الجميع ما يفعله الأميركيون، ثم تكون ردّة فعلهم بناءً على ذلك"، لكنّ الأميركيين، هذه المرة، لم يفعلوا شيئًا يمكن أن يُحتذى. ويرجع الغياب الأميركي جزئيًا إلى حالة الفوضى التي سادت البيت الأبيض في إدارة الرئيس ترامب، وتفاقمت بسبب محاولاته التستر على انتشار الفيروس، خشية أن تضرّ باحتمالات إعادة انتخابه. لكن غياب الولايات المتحدة عن المسرح الدولي خلال الأسابيع اللاحقة يمكن تفسيره أيضًا من خلال تغييرات أوسع في الأفكار والأيديولوجيا؛ فلا يمكن إنكار كراهية ترامب الفطرية للحلفاء والتحالفات والمؤسسات الدولية94. ما من فرق كبير بين الديمقراطيين والجمهوريين، فهم يتقاسمون لغة الديمقراطية والحقوق العالمية في خطابهم، لكن الفرق الذي أحدثه الرئيس ترامب، ضمن طائفة الفروق المستقاة بين أشخاص المؤسسة المستقرّة سياسيًا، هو أنه تغنَّى بالسيادة لإنكار شرعية المؤسسات الدولية. وذلك ما تضمنه خطابه أمام الأمم المتحدة مشدّدًا فيه على أنه "لا مستقبل للعولمة[...]المستقبل للوطنيين، المستقبل مِلكٌ للدول المستقلة وذات السيادة، التي تحمي مواطنيها وتحترم جيرانها وتحترم الاختلافات التي تجعل كل دولة مميّزة ومتفرّدة[...]مارست العولمة جاذبيةً دينية على القادة السابقين؛ ما دفعهم إلى تجاهل مصالحهم الوطنية. لقد ولّت تلكم الأيام"95. لا يشكل هذا الغياب لأي شعور بالقيم السياسية المشتركة خلفيةً لعدم اهتمام الولايات المتحدة بمصير حلفائها الأوروبيين خلال أزمة فيروس كورونا فحسب، بل إنه يشي أيضًا بتغيّ أيديولوجي قد تصير مآلاته وخيمة حين تستخدمه الدول الاستبدادية لتبرير خروقها؛ ففي الواقع، لمَّا يحتج شخص ما على جرائم القتل خارج نطاق القضاء التي يرتكبها النظام الإيراني، على سبيل المثال، أو قمع الحكومة الصينية لشعب هونغ كونغ، فإن تلك الأنظمة ستصرخ محتجة بالسيادة نفسها التي تحتج بها الولايات المتحدة. وتقترن عودة هذه النزعة القومية كذلك بصعود الخطاب الشعبوي96، وهو اقتران من اليسير ملاحظته في سياقات مختلفة، فما بالك بسياق تفشي جائحة كورونا؟ 4ً. الشعبوية القومية بوصفها مقوِّض ا للتعاون الدولي في مواجهة جائحة كورونا يعزو الباحثون في الاقتصاد السياسي الدولي صعود الشعبوية إلى الإفراط في العولمة، مع تحريرٍ للتدفقات المالية الدولية، وتباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي، إلى جانب تفاقم مشكلة عدم المساواة في
الدخل والثروة. ومع ذلك تتشارك هذه الأيديولوجيا دولٌ مزدهرة ودولٌ راكدة اقتصاديًّا على حدٍّ سواء97. يسود لدى الشعبويين اعتقاد متمثّل بضرورة رفض انسياق حكومات الدول خلف رغبات النخب السياسية، والخضوع - بدلً من ذلك - لإرادة الشعوب. ومع أن ذلك يدفع في الغالب إلى وضع القوى السياسية المحلية التي تمثل الجماهير، أو الحركات القومية الشعبوية التي اكتسبت دعمً كبيرًا مؤخرًا، أمام تهمة احتمال تقويض عمليات التعاون الدولي، فإنه يمكن أن نعدَّ البلدان التي تشكّل موطنًا للحركات الشعبوية أقلّ احتمالً في دعم الجهود الدولية في مواجهة الوباء. يعرض جون بيفهاوس ثلاثة مؤشرات محلية توحي برغبة الدول (أو عدم رغبتها) في التعاون دوليًا: مدى تقَبُّل الإشارات المعلوماتية من الفواعل الدولية؛ ودرجة الاستعداد للتخلي عن السيادة الوطنية بتفويض السلطة إلى المؤسسات الدولية؛ والمخاوف بشأن توزيع مكاسب التعاون (على الصعيدين المحلي والدولي.) ويفترض، في المقابل، أن الشعبويين من المرجح أن يقاوموا إشارات باقي الفواعل الدولية، وأنهم متحفّظون خصوصًا على تفويض السيادة الوطنية، إلى جانب رفضهم السياسات التي تؤدي إلى مكاسب للنخب والأجانب عندما يقترن الأمر بالقومية. وبناء على ذلك، فإن احتمال أن تشكّل الأيديولوجيا الشعبوية حواجز أمام التعاون الدولي أمرٌ وارد98.، نشرت صحيفة نيويورك تايمز في صيف 2020 مقالً عن الوباء بعنوان: "أينما انتشر الفيروس أكثر، فثمة بلدان يحكمها قادة شعبويون غير ليبراليين"99. وقد عدّد المقال من خلال منحنى بياني أربع دول سجلت أعلى معدلات إصابة: الولايات المتحدة، وبريطانيا، والبرازيل، وروسيا، وكلها ترزح تحت إدارة زعماء شعبويين، تضمنت استراتيجياتهم رفض أشكال التعاون الدولي. تُعدّ معاداة النخب جوهر خطاب القادة الشعبويين ومزاج الجماهير ذات التوجه الشعبوي. وبالنظر إلى التصور الشائع المتمثّل بأن مصالح السياسة الخارجية ذات النزعة القومية هي مصالح تحددها النخب، فلا ينبغي أن نُفاجَأ حين نجد الحركات الشعبوية غالبًا ما تكون مشكِّكة في المشاركة الدولية. من جهة أخرى، فإن ارتباط العديد من مؤسسات التعاون متعددة الأطراف بالنخب والنخبوية يجعل الشعبويين مشككين في مؤسسات الحوكمة الإقليمية والدولية، وغالبًا ما يصفون المؤسسات العالمية بالتقنية والنخبوية والمناهضة للديمقراطية. بعيدًا عن معاداة النخبوية، تشير الأدبيات إلى وجود عدد قليل من البُنى لمعتقدات قوية أخرى تتبناها الحركات الشعبوية، هي القومية. يمكن أن تكون القومية نتيجة طبيعية للشعبوية إذا توقف تعريف القائد الشعبوي أو الحركة الشعبوية ل "الشعب" عند الحدود الوطنية. هذا هو السبب في أن القومية غالبًا ما تكون خادمة للشعبوية. ويستشهد كوبيلوفيتش وبيفهاوس بتعريف شعبويِّي أميركا اللاتينية في السبعينيات لدعواتهم ضد النخب على أنها حركة ضد النظام النيوليبرالي المدعوم من الغرب. واستنادًا إلى هذه الحجة، يمكن اعتبار القومية متغيرًا قد يكون حاضرًا في الحركات الشعبوية أو قد لا يكون كذلك. ومع ذلك، فإن وجود عبارة "القومية الشعبوية" وانتشارها يشيران إلى وجود علاقة وثيقة بين الاثنتين100. على نقيض أهداف الحوكمة العالمية، تسعى القومية إلى توجيه الدول نحو الداخل، مع منح المصالحِ الوطنية الأولويةَ على حساب المصالح العالمية المشتركة (أو لنقل متعددة الأطراف.) وتُعد الشعبوية استراتيجية سياسية مبنية على تأليب "الشعب" ضد "النخبة" لتوطيد السلطة. وقد هاجم السياسيون الشعبويون من اليسار واليمين الخبراء لحشد الدعم للسياسات القومية، بعد أن وُصِ فَ المدافعون عن حقوق الإنسان والمتخصصون في الصحة العامة بأنهم جزءٌ من النخبة العالمية القابعة خارج الحدود الوطنية. وعلى الرغم من أن الشعبوية والقومية ليستا سلطويتين بطبيعتهما، فإن لكلتيهما نزعات معادية للديمقراطية، استخدمها قادة من ذوي الميل الاستبدادي في الدول الديمقراطية؛ مثل الرئيس ترامب، والرئيس البرازيلي جاير بولسونارو Bolsonaro Jair -2019()، لانتزاع السلطة من المؤسسات التي قد تحدّ من سلطتهم وتؤيد الحُكم بالقانون. تدفع معاداة النخب من جهة أخرى، Anti-elite - لا محالة - إلى معاداة الخبراء Anti-expert، وقد أبانت جائحة كورونا هذا الجانب من الشعبوية بوضوحٍ تام؛ إذ شجب القادة الشعبويون وأتباعهم بشكل رتيب جماعات الخبراء (ما نسميه في حقل العلاقات الدولية الجماعات المعرفية/ الإبستيمية)، فهذه الجماعات المعرفية المتشكلة من العلماء والمهنيين الطبيين، تعمل غالبًا وتتواصل بصفة عابرة
للحدود، فمن السهل إلى حدٍّ ما رؤيتها على أنها جزء من النخبة، سواء كانت القضية تتعلق بالصحة العالمية أو حتى بتغير المناخ101. وقد وجد القادة القوميون الشعبويون سببًا مشتركًا لرفضهم الأدلة العلمية، وهو جزء من رفضٍ أكبرَ للحقيقة عندما لا يكون ذلك ملائمًا سياسيًا. كما قلل السياسيون الشعبويون – بمن فيهم رئيس المكسيك أندريس مانويل لوبيز أوبرادور Andrés Manuel López Obrador -2018()، ورئيس وزراء باكستان عمران خان Khan Imran -2018()، ورئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون - من أهمية الفيروس لتسويغ الإجراءات والتقاعس عن التصرف، وهو ما يتعارض على نحو مباشر مع بيانات الأمراض المعدية والخبراء. وذهب الرئيس ترامب إلى أبعد من ذلك، فقد دعا إلى ترك الحياة تمشي على عواهنها في الولايات المتحدة، كما تعمّد منع نشر البيانات، مُنتهكًا حقًّا من حقوق الإنسان في المعلومة والحقيقة العلمية؛ خوفًا من أن الأدلة العلمية يمكن أن تقوِّض أهداف سياسته أو مكانته السياسية. لم ينكر القوميون الشعبويون التوصيات الوبائية والممارسات الصحية الملائمة فحسب، بل يتخذ الكثير منهم إجراءات تضر مباشرة بالصحة أيضًا. فعلى سبيل المثال، سلَّطَ المُقَرَّر الخاص للأمم المتحدة، الذي يُعنى بقضايا الفقر وحقوق الإنسان، الضوء على معوقات السياسات التقشفية وعدم جدواها في استجابة الدول للأوبئة. ومع ذلك، رفض القادة القوميون الشعبويون من جميع الأطياف السياسية (في الإكوادور والبرازيل على سبيل المثال) إجماع الخبراء العالميين، من خلال الاستمرار في إلغاء تمويل البنى التحتية للصحة العامة وتفكيك شبكات الأمن الاجتماعي، وصياغة التقشف بوصفه الاستجابة المناسبة لجائحة كورونا102. أخيرًا، على الرغم من أن جهود مواجهة تفشي الجائحة قد تكون انتهكت الحقوق في العديد من الدول فإن ردود الأفعال القومية الشعبوية كانت قمعية متعمدة؛ فهي تضع المجموعات المهمشة في الواجهة، وتستغل الفوضى لتوطيد السلطة، وتعاقب أولئك الذين يجرؤون على مواجهة المواقف الرسمية. شجع السياسيون من الولايات المتحدة إلى بولندا صراحةًالعنصرية وكراهية الأجانب؛ ما أثار التمييز والعنف في الاستجابة للجائحة. وباستخدام سلطات الطوارئ، سعى القادة الشعبويون في المجر والهند إلى ترسيخ هياكل الحكم الاستبدادي، وهو أمرٌ زاد من تقييد الحقوق والحريات. وبعد أن حذر الطبيب لي وين ليانغ Li Wenliang الذي عمل في مستشفى ووهان المركزي بالصين زملاءه من احتمال تفشي فيروس على نحو غير محدد، أجبره المسؤولون الصينيون على توقيع خطاب يعترف فيه ب "الإدلاء ببيانات كاذبة تخلّ بالنظام العام"، و"أقال الرئيس بولسونارو وزير صحته بسبب حديث له عن تدابير وقائية تهدف إلى إبطاء انتشار المرض في المجتمع، لكنها تقوض انتهاكات حقوق الإنسان التي ترعاها الدولة أو تتغاضى عنها سيادة القانون، وتقوض المعايير الديمقراطية، وتضعف ثقة الجمهور الضرورية للاستجابة الفعالة للوباء"103.
خاتمة
يُنسب إلى رجل الدولة النمساويّ كليمنس فون مترنيش) قوله: "عندما تعطسُ 1859-1773(Klemens von Metternich باريس، تصاب بقية أوروبا بالعدوى"104. وبعد انقضاء الحرب العالمية الثانية، وخروج الولايات المتحدة منتصرةً، ذاعت عبارة: "إذا عطست أميركا، فإنّ العالم برمته يشعر بالحمّى"105. وبعد جائحة كورونا، ربما تعيّ استبدال ذلك بعبارة: "إذا اعتلّت الصين، تداعى لها سائر اقتصاد العالم." وقد بدا ذلك جليًّا من حالة الركود الاقتصادي العالمي والخلل الذي أحدثته الجائحة في سلاسل الإنتاج العالمية، فور لحظة الصدمة المفاجئة التي واجهها الاقتصاد العالمي. في هذا السياق، توجهت "دبلوماسية الأقنعة الطبية" الصينية وجهةً جديدةً في العلاقات العامة جديرةً بالملاحظة، سعت من خلالها بيجين إلى كسب الاعتراف العالمي بأنها المزود الأوّل بالإمدادات الطبية – على الرغم من شدّة تأثرها في المراحل الأولى لتفشي الجائحة – في ظل غياب القيادة الأميركية، محاولةً من خلال ذلك إعادة نسجِ روايةٍ للعالم تنسخ الرواية الأميركية التي تَسِمُها بأنها البلد مصدر الفيروس. إذا عُدنا إلى دراسات الاقتصاد السياسي الدولي، وجدنا أنها تُعنى، من دون شك، بالبحث في العلاقة بين الدولة والسوق، لكنها تنظر بدرجة أقل إلى النظم الصحية العالمية على أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعمليات الاقتصاد السياسي الدولي وفواعلها. وقد اتضح لنا من خلال النقاش المحتدم بين باحثي الحقل على اختلاف تيّاراتهم، بهدف رصد الآثار الأنطولوجية والمعرفية للاقتصاد السياسي الدولي المتغيّ، سعيُهم
الحثيث للانعتاق من وحدوية تحليل الظواهر المعقدة وفهمها، عبر الارتحال بين مجموعة من الحقول المعرفية، وكسر الحدود المفهومية بين السياسة والاقتصاد أو بين الدول والشركات. كما سمحت لنا التقاليد الراسخة في الحقل بالتقاط عمليات التغيّ الحالية؛ إذ تكشف عن حالة تحول في النظام العالمي من خلال هندسة جديدة له، يبدو أنها تنقله من "نيوليبرالية السوق" إلى "نيوليبرالية الدولة"، وهو ما يعني الانتقال من رأسمالية تنظمها آليات السوق إلى رأسمالية تنظمها الدولة، وهذا الأمر يُعَد انتصارًا جديدًا للاقتصاد على السياسة. وبدلً من تقويض آليات العولمة، سنشهد - على الأغلب - مطالبةً بتسريع وتيرتها. من الواضح أن العولمة الاقتصادية، وبالتأكيد التجارة في المنتجات الوسيطة Products Intermediate، تواجه عدة مخاطر، يتعلق جزءٌ منها بالخدمات اللوجستية، وترتبط في جزئها الآخر بمخاطر الوباء بين البلدان المنتجة والبلدان التي تشكل جزءًا من سلسلة اللوجستيات. من خلال مؤشر الأمن الصحي العالمي، طورت مجموعة أبحاث في جامعة جونز هوبكنز مؤشرًا مفيدًا جدًّا؛ ليس مهمً لفهم جودة الأنظمة الصحية في معظم دول العالم فحسب، بل يمكن أن يكون مفيدًا أيضًا لفهم أفضل للمخاطر التي تتعرض لها سلاسل الإنتاج الدولية والمخاطر التي يواجهها المستثمرون الأجانب في مختلف البلدان المضيفة. ينبغي دراسة الروابط بين ديناميات الاقتصاد الكلي والصحة. ففي المجتمعات المسنّة مثلً، التي عانت من جراء الجائحة، سيرتفع الإنفاق على الرعاية الصحية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وفي الصين، هناك كذلك، على المدى الطويل، مجموعة من الأدبيات التي تبحث في ديناميات الضمان الاجتماعي والتوظيف والنمو وعجز الميزانية، ولكن هناك مجالات مهملة من حيث تحليل النظام الصحي والاقتصاد الكلي الحديث. علاوة على ذلك، أُجريت أبحاث قليلة حول الاقتصاد السياسي لإصلاح الرعاية الصحية. قد تواجه المجتمعات المسنّة في الديمقراطيات صراعات معينة في التمويل الحكومي، وتحديدًا فيما يتعلق بمدى تصميم التحويلات الحكومية لصالح توسيع الرعاية الصحية أو توسيع أنظمة المعاشات التقاعدية. وثمة تضارب بنيوي في المصالح بين الأجيال الشابة والأجيال الأكبر سنًّا، يطرحُ إشكالً خاصة لدى الدول الغربية. فقد أظهر استطلاع (مركز بيو للأبحاث)2020 106 أن أولويات السياسة الرئيسة، أو لنقل أهم ستّة موضوعات؛ تشير إلى الاختلاف بين الكبار والصغار، باستثناء مجال تكلفة الرعاية الصحية. وفي مبحث ترتيبات التعاون الدولي، يجري - من المنظور الاقتصادي - تأكيد أن الحماية من الأوبئة مرتبطة بالمصلحة العامة الدولية؛ ما يجعل العمل في إطار المؤسسات الدولية ضروريًا. وقد حاولت هذه الدراسة أن تفسّ تباين السياسات الاقتصادية الوطنية بوصفها حجر عثرة أمام إمكانية التعاون الدولي، إلى جانب صعود الشعبويّة القومية في السنوات الأخيرة. لكن يمكننا أن نضيف عاملً آخر لا يقلّ أهمية، ويجدُر لفت الانتباه إليه. إنّ ما يصعّب تفعيل تعددية الأطراف وترتيبات الحوكمة العالمية، في ضوء الاختلاف الوظيفي في أدوار الدولة، هو عدم التمييز بين التهديدات الوجودية والتهديدات العالمية الأخرى التي لا يمكن التعامل معها إلا من خلال جهود دولية مشتركة. ولو نظرنا في استطلاع المؤشر الأوروبي Eurobarometer 107، لوجدنا أن أكبر المخاوف في الاتحاد الأوروبي هي الهجرة 34(في المئة)، وتغير المناخ 24(في المئة)، والوضع الاقتصادي 18(في المئة)، والإرهاب 15(في المئة.) وفي المقابل، إن المسح الذي أجراه مركز أبحاث بيو يلخّص ثلاثة مخاوف في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وأميركا اللاتينية: الهجمات الإلكترونية وتغير المناخ والإرهاب108، في حين تخشى منطقة أفريقيا الصعوبات الاقتصادية بنسبة أكبر. ووفقًا لمسح مبكر لمركز أبحاث بيو بعد تفشي الجائحة في الولايات المتحدة، كان الأميركيون يخشون الأمراض المعدية 79(في المئة) يليها الإرهاب 73(في المئة)، والأسلحة النووية 73(في المئة)، والهجمات الإلكترونية 72(في المئة)، وصعود الصين 62(في المئة)، وتغير المناخ 60(في المئة). هذه التحديات العالمية ليست مختلفة من حيث الجوهر فحسب، بل إنها تختلف من حيث النوع أيضًا؛ إذ لا تتعلق بعدد الضحايا ولا نوع الجاني (الدولة أو الفرد أو الطبيعة)، بل تتعلق بالقدرة على تهديد وجود البشرية؛ وتمثلها ثلاثة تهديدات، هي: تغير المناخ، والأمراض الشديدة العدوى، والأسلحة النووية. إن ما يهدد البشرية هو ما يستدعي حشد الجهود الدولية وجوبًا. أخيرًا، هناك حاجة إلى مزيدٍ من التعاون في السياسة الصحية الدولية – وهو مجال نادرًا ما يحظى بالاهتمام في العديد من البلدان –
ويمكن أن يكون نمط التعاون الأكثر رسمية كافيًا. إن دور منظمة الصحة العالمية حاسم، وهذا في الواقع جزء لا يتجزأ من النظام متعدد الأطراف الذي يجب أن يُدافع عنه في مجموعة العشرين وما بعدها. قد يكون من المفيد جدًّا إنشاء شبكة بحثية عابرة للتخصصات Interdisciplinary Research Network حول النظم الصحية الفعالة والمبتكرة، يمكن أن تُ ولها بصفة مشتركة مجموعة العشرين، على أن يُفتح مجال الحرية الكاملة للكادر العلمي في استحداث هذه الشبكة.
المراجع
العربية
أمنكاي، عبد الكريم. "شعبويو السلطة وجائحة كورونا: بين اعتيادية التدابير وخصوصية الخطاب، حالة الولايات المتحدة تحت إدارة سياسات عربية. العدد دونالد ترامب." 50 (أيار/ مايو 2021.) بشارة، عزمي. "الشعبوية والأزمة الدائمة للديمقراطية." سياسات عربية. العدد 40 (أيلول/ سبتمبر 2019.) _______. في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟ بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 حمشي، محمد. "المغرب العربي بوصفه إقليمً بلا إقليمية." سياسات عربية. العدد 43 (آذار/ مارس.)2020 _______. "نظريات العلاقات الدولية وجائحةكورونا: أ نْبِذَة سياسات عربية. العدد معتَّقة في قنانٍ جديدة ونبيذ لمَّا يُعتَّق" 50 (أيار/ مايو.)2021 روستوفسكي جاسيك، وأرناب داس. "هل تشهد أوروبا لحظة هاملتونية أم تخوض معركة فورت سمتر محتملة؟." ترجمة معاذ حجاج. مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة. 2020. في: https://bit.ly/32uh1ZZ سميث، جينا. عصر علوم ما بعد الجينوم: كيف تحول تكنولوجيا علوم دنا طريقة حياتنا وكيف تحول كينونتنا؟ ترجمة مصطفى إبراهيم. مصر: المركز القومي للترجمة،.2010 فيدلر، ديفيد ب. "الأمراض والفوضى المعولمة: مقاربات نظرية سياسات عربية. العدد للصحة العالمية." ترجمة سارة إسماعيل. 50 (أيار/ مايو.)2021 منظمة الصحة العالمية. "تحقيقات 2017." في: https://bit.ly/2SvlMB0 موده، كاس وكريستوبل روف ارر كالتواسر. مقدمة مختصرة في الشعبوية. ترجمة سعيد بكار ومحمد بكار. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020. موقع منظمة الصحة العالمية. في: https://bit.ly/2QSIbHl وانغ، ليندا. "كيف يمكن أن يغير فيروس كورونا سلاسل التوريد؟." https://bit.ly/3bUFATZ:. في شيرأميركا
وحدة الدراسات السياسية. "وباء فيروس كورونا المستجد: نماذج من استجابات الدول للوباء وتداعياته على الاقتصاد العالمي." تقارير. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2020/4/1. في: https://bit.ly/3syiGIj
الأجنبية
"A Year of US Public Opinion on the Coronavirus Pandemic." Pew Reasearch Center. 5/3/2021. at: https://pewrsr.ch/2RPsp0r Adam, Davis. "Special Report: The Simulations Driving the World's Response to COVIS-19: How Epidemiologists Rushed to Model the Coronavirus Pandemic." Nature Research journal , 2/4/2020. at: https://go.nature.com/3qaCuk6 Barnett, Michael & Raymond Duvall. Power in Global Governance. New York: Cambridge University, 2005. Basrur, Rajesh & Frederick Kliem. "Covid-19 and International Cooperation: IR Paradigms at Odds." SN Social Science. vol. 1 (2021). Bonfert, Bernd et al. "Political Economy and Politics – Covid-19, Critical Political Economy, and the End of Neoliberalism?" The European Sociologist , 2/6/2020. at: https://bit.ly/3qcmaPw Brand, Hall & Francis J. Gavin (eds.). COVID-19 and World Order: The Future of Conflict, Competition, and Cooperation. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 2020. Brown, Wendy. "American Nightmare: Neoliberalism, Neoconservatism, and De-Democratization." Political Theory. vol. 34, no. 6 (2006). "Climate Change Still Seen as the Top Global Threat, but Cyberattacks a Rising Concern." Pew Reasearch Center. 10/2/2019. at: https://pewrsr.ch/3gnm8TI Cooper, Ian et al. "A SIR Model Assumption for the Spread of COVID-19 in Different Communities." Chaos, Solitons & Fractals. vol. 139 (October 2020). at: https://bit.ly/3qaquir Handbook of Contemporary International Political Economy. London: Palgrave Macmillan, 2019. Elbe, Stefan. "Haggling Over Viruses: The Downside Risks of Securitizing Infectious Disease." Health Policy and Planning. vol. 25, no. 6 (2010). Farmer, Paul E. "Structural Violence and Clinical Medicine." PLOS Medicine. 24/10/2006. at: https://bit.ly/3062WRd Ferguson, Neil M. et al. "Report 9: Impact of Non- pharmaceutical Interventions (NPIs) to Reduce COVID19 Mortality and Health Care Demand." Imperial College of London. 16/3/2020. at: https://bit.ly/32mnc2b Friel, Sharon et al. "A new Generation of Trade Policy: Potential Risks to Diet-Related Health from the Trans Pacific Partnership Agreement." Globalization and Health. vol. 9, no. 46 (2013). at: https://cutt.us/XjckS Harman, Sophie. "Ebola and the Politics of a Global Health Crisis." E-International Relations. 20/10/2014. at: https://bit.ly/3rbrQup Hart, Robert. "Fauci Praises World Health Organization's Pandemic Leadership, Says U.S. Will Rejoin." Forbes. 21/1/2021. at: https://bit.ly/3fqp5CM Hien, Josef & Christian Joerges (eds.). Ordoliberalism, Law and the Rule of Economics. Oxford: Hart Publishing, 2017. Hoen, Ellen F.M. 't. The Global Politics of Pharmaceutical Monopoly Power: Drug Patents, Access, Innovation and the Application of the WTO Doha Declaration on TRIPS and Public Health. Diemen, The Netherlands: AMB Publishers, 2009. ________. "TRIPS, Pharmaceutical Patents and Access to Essential Medicines: Seattle, Doha and Beyond." Chicago Journal of International Law. vol. 27 (2002). Jarvis, Darryl S.L. (ed.). International Relations and the Third Debate. Westport: Greenwood Publishing Group, 2002.
Jo, Tae-Hee et al. (eds.). The Routledge Handbook of Heterodox Economics: Theorizing, Analyzing, and Transforming Capitalism. London/ New York: Routledge, 2018. Katzenstein, Peter J. et al. "International Organization at Its Golden Anniversary." International Organization. vol. 52, no. 4 (1998). at: https://bit.ly/3sGWZGC Klein, N. & N. Smith. "The Shock Doctrine: A Discussion." Environment and Planning D: Society and Space. vol. 26, no. 4 (2008). at: https://bit.ly/3e9tcCB Krotz, Ulrich & Lucas Schramm. "An Old Couple in a New Setting: Franco-German Leadership in the Post-Brexit EU." Politics and Governance. vol. 9, no. 1 (2021). Labont´e, Ronald et al. Globalization and Health: Pathways, Evidence and Policy. New York: Routledge, 2009. Le Dictionnaire des Citations. at: https://bit.ly/2Qo22hj MacLean, Sandra J. et al. Health for Some: The Political Economy of Global Health Governance. London/ New York: Palgrave Macmillan, 2009. Marmot, Michael et al. "Closing the Gap in a Generation: Health Equity Through Action on the Social Determinants of Health." the Commission on Social Determinants of Health. 8/11/2008. https://bit.ly/381QXZ6 Mauro, Bertani & J. Claude Zancarini. Lectures de Michel Foucault. vol. 1: A Propos de "Il Faut Défendre la Société". Lyon: ENS Editions, 2001. Murphy, Craig N. & Douglas R. Nelson. "International Political Economy: A Tale of Two Heterodoxies." British Journal of Politics and International Relations. vol. 3, no. 3 (2001). Palan, Ronen. Global Political Economy: Contemporary Theories. London/ New York: Routledge, 2000. Petersand, M.A. & P. Venkatesan. "Biocapitalism and the Politics of Life." Geopolitics, History and International Relations. vol. 2, no. 2 (2010). Pevehouse, Jon C.W. "The COVID-19 Pandemic, International Cooperation, and Populism." International Organization. vol. 74, no. S1 (2020). Pugatch, Meir Perez. The International Political Economy of Intellectual Property Rights. Cheltenham, U.K.: Edward Elgar Cheltenham, 2004. Read, Colin. Global Financial Meltdown: America Sneezes and the World Catches a Cold. London: Palgrave Macmillan, 2009. Rodrik, Dani. "Populism and the Economics of Globalization." Journal of International Business Policy. (2018). at: https://bit.ly/3foDm2E Rosenau, James & Ernst-Otto Czempiel. Governace Without Government: Order and Change in World Politics. Cambridge, England/ New York: Cambridge University Press, 1992. Rushton, Simon & O.D. Williams. "Frames, Paradigms and Power: Global Health Policy-making Under Neoliberalism." Global Society. vol. 26, no. 2 (2012). at: https://bit.ly/2Po8mEV Sell, Susan K. & Owain D. Williams. "Health under Capitalism: A Global Political Economy of Structural Pathogenesis." Review of International Political Economy. 9/9/2019. at: https://bit.ly/3bSUMRH Murphy, Craig N. et al. (eds.), The New International Political Economy. Basingstoke: Macmillan,1991. Šumonja, Miloš. "Neoliberalism is not dead – On political implications of Covid-19." Sage Journals. 28/12/2020. at: https://bit.ly/303gnRY Verduyn, Malcolm Campbell et al. "The Covid-19 Pandemic: Continuity and Change in the International Political Economy." Research Gate. (August 2020). at: https://bit.ly/3bZgNOP
Verduyn, Malcolm Campbell. "Towards Post-Pandemic International Political Economy." Political Economy and Economic Recovery. at: https://bit.ly/3bWJUlD Vieten, Ulrike M. "The 'New Normal' and 'Pandemic Populism': The COVID-19 Crisis and Anti-Hygienic Mobilisation of the Far-Right." School of Social Sciences. 22/9/2020. at: https://bit.ly/3we2e31 Welfens, Paul J.J. "Macroeconomic and Health Care Aspects of the Coronavirus Epidemic: EU, US and Global Perspectives." PMC US National Library of Medicine. 23/5/2020. at: https://bit.ly/3uPZQis Williams, Caitlin R. et al. "Populist Nationalism Threatens Health and Human Rights in the COVID-19 Response." PMC US National Library of Medicine. 12/2020. at: https://bit.ly/3lxhZgN World Health Organization. "International Health Regulations." 2005. at: https://bit.ly/2NyQtCQ