شعبويو السلطة وجائحة كورونا بين اعتيادية التدابير وخصوصية الخطاب: حالة الولايات المتحدة تحت إدارة دونالد ترامب

Abdelkarim Amengay عبد الكريم أمنكاي |

الملخّص

منذ الأشهر الأولى التي أعقبت إعلان وباء كورونا جائحة عالمية، برز نقاش بين دارسي الشعبوية حول أثرها المحتمل في هذا التيار السياسي الذي حق ق خلال العشرية الماضية تقدمًا انتخابيًا غير مسبوق في العديد من دول العالم. من جهة، ثمة الموقنون أن الجائحة ستمث ل مفترق طرقٍ في هذا المنحى التصاعدي، وستكون بداية تقهقر الشعبويين، خصوصًا الماسكين منهم بالحكم في الديمقراطيات الليبرالية. ومن جهة أخرى، ثمة القائلون إن الشعبوية، بوصفها ظاهرة سياسية تتغذى بالأزمات لن تتأثر سلبيًا، هذا إن لم تخرج منها أكثر قوة. تنطلق هذه الدراسة من هذا النقاش، من خ لاا التركيز على حالة الحكومات الشعبوية اليمينية في الديمقراطيات الغربية، وخصوصًَا إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، لتبيّن محدودية الموقف ين. فعلى عكس التصور السائد، لا تختلف المقاربة التدبيرية ولا الحصيلة البشرية للحكومات الشعبوية في مواجهة جائحة كورونا، في مجملهما، عن تلك التي سجلتها حكومات تقليدية. ولكن لا يعني هذا عدم وجود خصوصية شعبوية في زمن جائحة كورونا تكمن، من وجهة نظرنا، في طبيعة الخطاب الموظً ف أثناء الجائحة الذي نقسمه إلى قسمين؛ أول ا، "خطاب الانفصام" الذي تميّز بالقدرة على الجمع بين التهوين من حقيقة الجائحة، واتخاذ الإجراءات التدبيرية العملية لمواجهتها، وثانيا، "خطاب الإثبات" الذي وُظفت فيه الجائحة لتعزيز مشروعية أحد أهم عناصر الخطاب الشعبوي وهو الخطر الخارجي.

The potential impact of the Covid- 19 pandemic on populist governments has been the subject of a heated debate among specialists. There are scholars for who the pandemic will negatively impact populist governments. Here, populist governments are perceived as ill-equipped to respond to the multifaced challenges risen by the complexity of the pandemic. Conversely, many scholars that argue that the pandemic will strengthen populist governments because populism flourishes during crises. This article contests these two narratives. It asserts that any evaluation of the impact of the pandemic on populist governments should distinguish between their actions and their discourse. Thus, the study undertakes an analysis of US president Trump’s discourse, demonstrating that during the first year of the pandemic, it is twofold. First appears a “disconnected discourse” that continuously questions the reality of the pandemic, despite the important proactive actions taken by his government to mitigate the pandemic's economic, social, and sanitary impacts. Second, a “demonstrative discourse” arises, in which the pandemic was instrumentalized to enhance the legitimacy of one of the most important and controversial elements of the populist discourse: the idea of external threat.

Populists in Government and the Covid- 19 Pandemic: Between the Normality of Measures and the Singularity of Discourse - The Case of the Trump Administration

كلمات مفتاحية: الشعبوية، جائحة كورونا، دونالد ترامب، الخطر الخارجي.

Keywords: Populism, Covid- 19 , Pandemic, Donald Trump, External Threat.

مقدمة

في أعقاب الانتشار العالمي لوباء كورونا، وإعلانه جائحةً عالمية من طرف منظمة الصحة العالمية، سارع عدد من الباحثين إلى اعتبار أن الجائحة "ستشكل مفترق طرق بالنسبة إلى الشعبوية"1 التي حققت خلال العقود الأخيرة تقدمًا انتخابيًا غير مسبوق في عدد من الديمقراطيات الغربية، كان أبرز تجلياته، على سبيل المثال لا الحصر، وصول أحزاب وزعماء شعبويين إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأميركية وهنغاريا واليونان. وفي هذا الإطار، ذهب البعض إلى أن أفول نجم الشعبوية سيكون أحد المخلّفات السياسية للجائحة، مستدليّن على ذلك بحجتين أساسيتين على الأقل؛ أولاهما أن الجائحة هي بمنزلة ذلك الاختبار الإمبريقي الذي سقط فيه الادعاء الشعبوي بتحوّل مؤسسات الدولة في الديمقراطيات الليبرالية إلى أداة خادمة لمصالح النخب الاقتصادية المعولمة المتحكمة في حكوماتها. بعبارة أخرى، من شأن الجائحة أن تمثّل "فرصة ذهبية" للتذكير بالدور المحوري للدولة، بوصفها إطارًا مؤسساتيًا راعيًا لمصالح المواطنين، على اعتبار أن "الجائحة سجلت عودة 'الدولة القوية"'2، "القادرة على حماية مواطنيها"3. فالقرارات التي اتخذتها الحكومات منذ مطلع عام 2020، تجاوزت التدابير الصحية الهادفة إلى الحد من انتشار الجائحة، بل شملت أيضًا حزمة من الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية التي استهدفت فئة المواطنين العاديين الذين دأبت القوى الشعبوية على القول إن النخب السياسية التقليدية لا تُعير أيّ اهتمام لمصالحها. أما الحجة الثانية، فمفادها أن تدبير الجائحة وتعقيداتها، والقدرة على تقديم حلول لها، يتطلبان مهارات تدبيرية ودراية بالأبجديات التي تحكم صياغة سياسات عامة ناجعة، قلمّا اشتملت عليها الأحزاب الشعبوية وقياداتها التي عُرف عنها رؤيتها التبسيطية لحل المشاكل المتشعبة التي تعانيها مجتمعات الدول المتقدمة. فكثير من الزعماء الشعبويين تنقصهم التجربة التدبيرية لمؤسسات الدولة، ولعل أهم تمظهرات انعدام الكفاءة، بحسب مارتن ماكي وآخرين، أن البلدان التي يُسيّ ها زعماء شعبويون كانت من أكثر البلدان تسجيلً للوفيات4 الناتجة من فيروس كورونا. وفضلً عن ذلك، ذهب بعض الباحثين إلى اعتبار أن وجود حكومة شعبوية في بلد معيّ يمكن اعتباره من العوامل التي ساعدت على انتشار الفيروس بين مواطنيه5. في حين شكّك فريق آخر في هذه المقولة، على أساس أن جائحة كورونا "لن تقتل الشعبوية [فمن جهة] لم تكن الطريقة التي تعامل بها الشعبويون مع فيروس كورونا موحدة"6. بعبارة أخرى، يصعب الحديث عن وجود ما يسمى "طريقة شعبوية للتعامل مع جائحة كورونا." ومن جهة أخرى، تبيّ استطلاعات الرأي أن مفترق الطرق الذي يشير إليه المتنبّئون بالأفول الحتمي للزعماء الشعبويين بسبب جائحة كورونا، ما يزال يبدو بعيدًا؛ فعلى الرغم من هزيمة دونالد ترامب Trump Donald 2021‑2017()، "نجم" الشعبويين الذين وصلوا إلى السلطة خلال العقد الأخير، خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، فإن كثيرًا منهم ارتفع سهمُ شعبيته خلال الجائحة7. تتبنى هذه الدراسة موقفًا مختلفًا في هذا الجدل، فلا هي تنطلق من النظرة المعيارية لأصحاب الموقف الأول التي تنظر إلى الشعبويين بوصفهم نسيجًا أيديولوجيًا متجانسًا ذا موقف لاعقلاني من الجائحة، ترتبت عليه عواقب كارثية على المواطنين في البلدان التي يمسكون فيها بزمام السلطة، ولا هي تَعتبر أنه إذا كان عدد من الشعبويين الماسكين بزمام السلطة تعاملوا مع الجائحة بالآليات التدبيرية نفسها التي تبنّتها الحكومات التقليدية يكفي للقول بغياب أي خصوصية لهم، مثلما يذهب إلى ذلك أصحاب الموقف الثاني. تحاجّ هذه الدراسة بأن أيّ تحليل للشعبوية في زمن جائحة كورونا يجب أن يميز بين مستويين من التحليل. المستوى الأول هو تحليل مقارن لطبيعة التدابير التي اتخذتها الحكومات الشعبوية لمواجهة الجائحة وحصيلتها في الدول التي تُسيّ ها هذه الحكومات، في مقابل الدول التي تُسيّ ها حكومات غير شعبوية. أما المستوى الثاني فهو

  1. Beatrice Magistro & Victor Menaldo, "Populism: A Tale of Political and Economic Catastrophe," APSA Comparative Politics , vol. 30, no. 2 (2020), p. 43.
  2. Hans-Georg Betz, "Covid-19, Deglobalization and the (Potentially) Bright Future of Radical Right-Wing Populism," (2020), p. 3, accessed on 5/7/2021, at: https://bit.ly/3xmRuQg
  3. Ibid., p. 7.
  4. Martin McKee et al. (eds.), "Are Populist Leaders Creating the Conditions for the Spread of COVID-19? Comment on 'A Scoping Review of Populist Radical Right Parties' Influence on Welfare Policy and Its Implications for Population Health in Europe," International Journal of Health Policy and Management , vol. 10, no. 10 (2020), p. 1.
  5. Ibid., p. 2.
  6. Giorgos Katsambekis & Yannis Stavrakakis, "Populism and the Pandemic: A Collaborative Report," POPULISMUS Interventions , no. 7 (June 2020), pp. 6-7.
  7. Gabriel Felbermayr & Holger Görg, "Implications of Covid-19 for Globalization," in: Gabriel Felbermayr (ed.), The World Economy after Coronavirus Shock: Restarting Globalization (Kiel, Germany: Kiel Institute for the World Economy, 2020), p. 91.

تحليل الخطاب الذي اعتمده الحكام الشعبويون أثناء فترة تفشّ الجائحة. ويؤدي التركيز على أحد المستويين دون الآخر، كما جنح إلى ذلك أغلب الدراسات السابقة، بالضرورة، إلى تكوين صورة جزئية عن الظاهرة قيد الدراسة؛ ومن ثم إلى استنتاجات منقوصة، إن لم تكن خاطئة. وللوصول إلى هذا المبتغى، قُسّمت هذه الدراسة إلى أربعة محاور. يناقش المحور الأول مفهوم الشعبوية والجدال القائم حول تعريفه، وخاصة ما بين أنصار المقاربة المتعلقة بالأفكار من جهة، وأنصار المقاربتين التواصلية ‑ الخطابية والاستراتيجية من جهة أخرى. ولا يكمن الهدف في الوقوف على الصعوبة التي يطرحها التعامل مع مفهوم الشعبوية فحسب، بل أيضًا في تأكيد أن أيّ تحليل يسعى إلى الخروج بتعميمات حول الشعبوية وجائحة كورونا سيكون محدودًا بالضرورة، لكون طبيعة التعريف المعتمد تؤثر بالضرورة في نوع الاستنتاجات المتوصَّل إليها. أما المحور الثاني فيقدّم تحليلً إمبريقيًّا للحصيلة البشرية لجائحة كورونا في مجموعة من الديمقراطيات المتقدمة اقتصاديًا، بهدف المقارنة بين حصيلة الدول التي تُسيّ ها حكومات شعبوية، وأخرى تُسيّ ها حكومات تقليدية من خلال معطيات تغطي سنة 2020 بأكملها، على خلاف جل الدراسات المنشورة إلى الآن التي تركز على الأشهر الأولى من سنة الجائحة. في حين يقف المحور الثالث على ما ميّز تعامل إدارة الرئيس ترامب مع جائحة كورونا، على اعتباره "النموذج المثالي"، بالمعنى الفيبيري للمصطلح، للزعماء الشعبويين الذين صادف انطلاق الجائحة وجودهم في السلطة في الديمقراطيات الغربية الليبرالية. ونبين في هذا الصدد أن ما ميّز تعامل ترامب مع الجائحة ليس طبيعة الإجراءات التدبيرية التي اتخذتها إدارته، بل عناصر الخطاب التي وظّفها؛ إذ كان ثمّة "خطاب منفصم" يناقض الإجراءات العملية التي استُخدمت لمواجهة الجائحة، من جهة. وكان ثمة، من جهة أخرى، "خطاب الإثبات" الذي وُظف فيه "الأصل الأجنبي" لجائحة كورونا لتعزيز المشروعية السياسية لبعض الأفكار الأكثر جدلً للشعبوية، على وجه الخصوص فكرة "الخطر الخارجي الوجودي المحدق بالوطن" المتمثل بالحالة الأميركية في "الخطر الصيني." هذا العنصر الأخير سيتم التطرق إليه بتفصيل في المحور الرابع الذي سيستعرض الطريقة التي جرى من خلالها توظيف عناصر "خطاب الإثبات" من جانب إدارة ترامب على مستوى السياسة الخارجية الأميركية تجاه الصين، والتي كان أحد تمظهراتها تهجّمه على منظمة الصحة العالمية.

أولا: ما الشعبوية؟

إذا كانت الشعبوية قد صارت من أبرز مفاهيم العلوم السياسية حضورًا في الإعلام الغربي في أعقاب وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سدة الحكم، وكذلك الصدمة التي شكّلها في كثير من الديمقراطيات الأوروبية تصويتُ الشعب البريطاني لمصلحة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سنة 2016، فإن هذا الحضور الإعلامي لا يمثل إلا نسبة قليلة جدًّا فيما يتعلق بالدراسة التي حظيت بها الشعبوية لدى علماء السياسة في الغرب خلال العقود الأربعة الأخيرة. فمنذ بروز ما اصطُلح عليه الموجة الثالثة من الشعبوية8 في ثمانينيات القرن العشرين9، خُصّص للشعبوية كمٌّ هائل من الكتب والمقالات المحكَّمة والأطروحات والمؤتمرات العلمية بلغ درجة التضخم فيما يشبه "الصناعة المصغرة"10. ورغم هذا الكمّ الهائل من الإنتاج العلمي، فإن الإشكالات البحثية، المطروحة إلى الآن حول الشعبوية، قلمّا تخرج عن إطارين أساسيين: إشكالية التعريف، وإشكالية المحددات البنيوية والفردية للنجاحات الانتخابية للشعبوية. فتعريف الشعبوية، ظلَّ أحد أهم التحديات التي يواجهها الباحثون في الموضوع، حيث إنَّ الوصول إلى تعريف متفق عليه ما يزال عصيًّا، والنقاشات الأكاديمية مستمرة بشأنه. ومع غياب الإجماع وتعدد التعريفات، فإن المتداول منها لا يكاد يخرج عن ثلاث مقاربات، نبيّنها فيما يلي.

1. المقاربة المتعلقة بالأفكار

تنطلق المقاربة المتعلقة بالأفكار Ideational Approach من تحليل البرامج الانتخابية والبيانات السياسية الصادرة عن الأحزاب الشعبوية وخطابات زعمائها، لترصد الأفكار التي يتميز بها الشعبويون من غيرهم من التيارات السياسية ذات المرجعية الليبرالية أو الاشتراكية. وتمثّل المقاربة المتعلقة بالأفكار التوجه الغالب اليوم بين دارسي الشعبوية، وتدور تعريفاتها المنبثقة من هذه المقاربة في فلك تعريف

  1. يجمع علماء السياسة والمؤرخون على أن الشعبوية ليست ظاهرة سياسية جديدة على المجتمعات السياسية، بل هي كما يشير إلى ذلك عزمي بشارة "من تجليات ما يمكن تسميته أزمة دائمة للديمقراطية"، أي إنها مرتبطة ارتباطًا عضويًا بطبيعة النظام الديمقراطي الليبرالي. سياسات عربية، العدد ينظر: عزمي بشارة، "الشعبوية والأزمة الدائمة للديمقراطية"، 40 (أيلول/ سبتمبر 2019)، ص 9.
  2. بدايةً في فرنسا مع حزب الجبهة الوطنية بقيادة جان ماري لوبين Jean-Marie Le Pen، والنمسا مع حزب الحرية النمساوي بزعامة يورغ هايدر Haider.Jörg
  3. Kai Arzheimer & Elisabeth Carter, "How (not) to Operationalise Subnational Political Opportunity Structures: A Critique of Kestilä and Söderlund's Study of Regional Elections," European Journal of Political Research, vol. 48, no. 3 (2009), p. 335.

كاس موده11 لها بأنها "أيديولوجيا محدودة " Ideology Thin ترتكز على فكرتين أساسيتين ومتلازمتين: أولاهما، كون المجتمع مقسمً إلى فريقين متعارضين في طبيعتهما ومصالحهما: "الشعب النقي" في مقابل "النخبة الفاسدة"، أي إن الركيزة الأساسية للشعبوية هي تلك النظرة المانوية لمجتمع سياسي منقسم إلى مجموعتين غير قابلتين للتوافق؛ نخبة لا تسعى إلا لخدمة مصالحها، مهملة ومتجاهلة للشعب وقيمه الأخلاقية الخيّة. وثانيتهما، ضرورة أن تكون السياسة تعبيرًا عن الإرادة الشعبية؛ فالشعب هو مصدر السيادة التي لا تقبل التفويض، وأيّ محاولة للالتفاف عليها هي خيانة للديمقراطية الحقيقية. فالشعبوية تقدّس الاستفتاء الشعبي بوصفه آليةً لاتخاذ القرارات السياسية، وتحتقر الديمقراطية الليبرالية القائمة على فكرة التمثيلية، على اعتبار أن ما تنتجه من منتخبين هم جزء من النخبة الفاسدة التي تسطو على الإرادة الشعبية، وتلتفّ عليها بدلً من أن تكون خاضعة لها. يؤكد موده أن الشعبوية، وإن كانت أيديولوجيا، فهي لا تعدو أن تكون "أيديولوجيا محدودة"، على اعتبار أن حمولتها الفكرية تبقى بسيطة جدًّا مقارنة بالأيديولوجيات التقليدية الأكثر تبلورًا، نحو الليبرالية والاشتراكية، التي ترتكز على تراث فكري طوّر مشروعًا سياسيًّا ومجتمعيًّا متكاملً. هذا الضعف الفكري للشعبوية، فرض عليها التزاوج، أو الارتباط، بعناصر من هاتين الأيديولوجيتين؛ إذ إنّ الشعبويين ينهلون من مفاهيم وأفكار مرتبطة باليمين أو باليسار في مشروعهم السياسي. بعبارة أخرى، لا وجود لما يسمى أيديولوجيا شعبوية بمعزل عن الأيديولوجيات التقليدية؛ فالشعبوية إما يمينية وإما يسارية12. وبناءً عليه، فإن الادعاء الذي تتبناه كثير من التيارات الشعبوية على أنها ليست من اليسار ولا من اليمين هو مجرد شعار لا أكثر. إن أهم اختلاف بين شعبوية اليمين وشعبوية اليسار يتمظهر في التصور الذي تبنّاه كل منهما لمفهوم الشعب، أو بمعنى أدق المعيار الذي يحكم انتماء الفرد إلى الشعب؛ فإما أن يتصور الشعب جسمً متجانسًا إثنيًّا وثقافيًّا، أي إن أساس الانتماء إليه هو السمات الموروثة، ويُقصَ منه بذلك الأشخاص ذوو الأصول الأجنبية والمهاجرون والجماعات الإثنوثقافية المخالفة لسمات الأغلبية، وإن كانت أصيلة في البلد، مثل جماعات الغجر في بعض الدول الأوروبية، وإما أن يكون الشعب هو تلك الطبقة الكادحة المغبونة حقوقها السوسيو- اقتصادية بغضّ النظر عن أصولها الإثنوثقافية. فالتصور الأول للشعب مرتبط بالشعبوية اليمينية القومية، أو ما يصطلح عليه غالبًا اليمين الراديكالي، وأحيانًا اليمين المتطرف؛ وهو يمين شعبوي ذو طابع إقصائي، ارتبط تاريخيًّا بظهور الشعبوية في أوروبا، مع أحزاب مثل الجبهة الوطنية في فرنسا وزعيمها مارين لوبان Pen Le Marine. في حين أن التصور الثاني للشعب مرتبط بالشعبوية اليسارية ذات الطابع الاشتراكي التي كانت دول أميركا اللاتينية مجالً خصبًا لنموها منذ أربعينيات القرن العشرين، مع زعماء شعبويين، مثل الرئيس الأرجنتيني خوان بيرون Perón Juan، وفي تسعينيات القرن نفسه مع الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز Hugo Chávez

ترتبط الشعبوية، إذًا، ارتباطًا وثيقًا بالتنديد بالمؤسسات الديمقراطية الليبرالية؛ ما يترتب عليه عداء للتعددية ورفض للتوافقات السياسية13. وتزيد عليها الشعبوية اليمينية عناصر "الشوفينية القومية" ومعاداة العولمة في تجلياتها المختلفة14. وبحسب روجرز بروبكر، فإنه "يصعب [في الواقع] الفصل بين الشعبوية والقومية [...]فكلتاهما تشكلان الشعبوية[...]وأي محاولة للتفريق بين العنصرين تضيّع الالتباس والتناقض الداخلي [الذي يميز] الخطاب الشعبوي"15. وفي الواقع، لا تقتصر القومية بالضرورة على الشعبوية اليمينية، وإنما هي حاضرة لدى كثير من الشعبويين اليساريين أيضًا، وخصوصًا في البلدان النامية. فلا غرابة، إذًا، في أن تلتقي تشكيلات يسارية شعبوية، مثل "بوديموس" الإسباني Podemos و"سيريزا" اليوناني Syriza مع تشكيلات يمينية شعبوية، مثل التجمع الوطني The Brexit Party " وحزبَ "البريكستNational Rally الفرنسي و"إصلاح المملكة المتحدة" البريطانيَيّن في مهاجمتهم الاتحاد الأوروبي على اعتباره سلطةً فوق وطنية تمسُّ سيادة الأمم وتقوّض الإرادة الشعبية، ويرون فيه أداة للمؤسسات المعولمة التي أفقرت المواطنين البسطاء وساهمت في تزايد الفوارق الطبقية؛ فكلا الفريقين ينظران إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه عدوًّا للسيادة الشعبية التي تسعى الأحزاب الشعبوية إلى استرجاعها.

  1. Cas Mudde, "The Populist Zeitgeist," Government and Opposition , vol. 39, no. 4 (2004), pp. 541‑563.
  2. ظهرت خلال الأعوام الأخيرة أحزاب وقيادات سياسية في بعض دول أوروبا الوسطى والشرقية توصف بتبنّيها خطابًا شعبويًا يتموقع في وسط المحور السياسي.
  3. Cas Mudde & Cristóbal Rovira Kaltwasser, "Exclusionary vs. Inclusionary Populism: Comparing Contemporary Europe and Latin America," Government and Opposition (London), vol. 48, no. 2 (2013), pp. 147-174.
  4. Magistro & Menaldo, p. 39.
  5. Alex Mason, "Europe's Future: The Impact of Covid-19 on Populism," International Development Research Network (May 2020), p. 4, accessed on 5/7/2021, at: https://bit.ly/3qSqJAG
  6. Rogers Brubaker (2020), p. 61, quoted in: Anna Casaglia et al., "Interventions on European Nationalist Populism and Bordering in Time of Emergencies." Political Geography , vol. 82 (2020), p. 1.

2. المقاربتان التواصلية والاستراتيجية

رغم أن المقاربة المتعلقة بالأفكار مكّنت الباحثين من تحديد الأسس الأيديولوجية التي تبني التياراتُ الشعبويةُ أطروحاتها السياسية عليها، فإنّها في الحقيقة لا تخلو من إشكاليات. إن التعريفات الفكرية للشعبوية، وإن انطلقت كلها من اعتبار التضاد بين "الشعب النقي" و"النخب الفاسدة" بمنزلة المبدأ الناظم للفكر الشعبوي، تنتهي - لا محالة - إلى التركيز على العناصر الأيديولوجية المرافقة لهذه الفكرة. فمن جهة، "يصعب اعتبار الإشارة إلى الشعب أيديولوجيا جديدة"16، يمكن على أساسها تعريف تيار سياسي. ومن جهة أخرى، من شأن التركيز على الأفكار التي تتغذى منها الشعبوية، سواء من اليمين أو اليسار، من قبيل القومية ومعاداة المهاجرين والتنديد بالعولمة والمطالبة بالعدالة الاجتماعية وغيرها، أن يؤدي لا محالة إلى جعل التضاد بين الشعب والنخبة عنصرًا هامشيًّا عند محاولة استعمال المفهوم في تفسير سبب نجاح هذه التيارات. بعبارة أخرى، إن التحليلات التي تنظر إلى الشعبوية بوصفها مجموعة أفكار ذات حمولة أيديولوجية، لا توفر إجابة مقنعة عن السؤال الأساسي التالي: هل نجاح الأحزاب الشعبوية مرتبط بالعنصر الشعبوي الكامن في جدلية الشعب مقابل النخب، أم في طبيعة المشروع السياسي والمجتمعي المرافق له؟ هذه الإشكالية هي ما تحاول الإجابة عنها المقاربةُ التواصليةُ التي تعتبر الشعبوية نمطًا خطابيًا17 يقوم على وجود ترابط مباشر بين زعيم سياسي مفوّه و"جماهير" ترى فيه تمظهرًا للإرادة الشعبية. تُعتبر الشعبوية، بحسب عزمي بشارة، "نمطًا من الخطاب السياسي [...]يقدم حمَلةُ [هذا] الخطاب أنفسهم بوصفهم الممثلين 'الحقيقيين' للشعب، باعتبار ما عداهم ممثلين زائفين"18. فالشعبوية، بوصفها نمطًا خطابيًا، تقوم على استخدام الزعيم السياسي "ذخيرة مكونة من مجموعة من الاستعارات والإيماءات والمواقف"19 بهدف تجييش العواطف، من قبيل الغضب والخوف والأمل، واستهداف اللاوعي بعيدًا عن النموذج التقليدي للمواطن العقلاني. صحيح أن توظيف مثل هذا النمط الخطابي لا يقتصر على الشعبويين، لكنهم، بخلاف الفرقاء السياسيين التقليديين، يقومون بذلك بمستوى يبلغ الممارسات التبشيرية20. فذلك الارتباط المنشود بين الزعيم والشعب تؤدي فيه العوامل السيكولوجية؛ من قبيل المَيل السلطوي للأفراد، والهالة الشخصية للزعيم الشعبوي، وتهييج مشاعر الخوف من "الآخر"، وتجييش الغضب وعناصر اللاوعي، دورًا محوريًا. وبحسب المقاربة التواصلية، يعتبر التوظيف الحادّ لهذه العناصر سمةً مشتركةً بين جميع الزعماء الشعبويين الذين نجحوا في التاريخ الحديث، والخاصية المميزة لهم من السياسيين التقليديين، مثل "البولوجنية" في فرنسا، وحزب الشعب الأميركي في القرن التاسع عشر، و"البيرونية" في الأرجنتين في أواسط القرن العشرين، و"التشافيزية" في فنزويلا، وزعامات شعبوية معاصرة، مثل الزعيم السابق لحزب البريكست البريطاني نايجل فراج Farage Nigel، والرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، أو حتى الرئيسين الحاليين للفلبين والبرازيل، رودريغو دويتيري Rodrigo Duterte وجايير بولسونارو Jair Bolsonaro، وما يجمع كل هؤلاء هو هذا النمط الخطابي الفريد الذي يُعَدُّ مفتاحًا لفهم النجاح الانتخابي والشعبية اللَّذين حققوهما في بلدانهم؛ لأن الأفكار التي يدافعون عنها، في نهاية المطاف، ليست جديدة أو محصورة في النطاقات الجغرافية التي برزوا ونجحوا فيها. فليس هناك أي شعبوية نجحت في غياب هذا النوع من النمط الخطابي، وليس هناك أي تيار شعبوي في التاريخ السياسي المعاصر لم يرتبط نجاحه بزعيم سياسي ذي كاريزما خاصة. والدليل على ذلك أنه بمجرد اختفاء أو غياب ذلك الزعيم الكاريزمي المفوّه، يكون مصير تياره السياسي التراجع الانتخابي، هذا إن لم يختفِ تمامًا من الساحة السياسية. انطلاقًا من المقاربة التواصلية للشعبوية، وبتأثير من مفكرين سياسيين يساريين، مثل إرنستو لاكلاو Laclau Ernesto وشانتال موف Mouffe Chantal، تطوَّر تصور جديد للشعبوية باعتبارها استراتيجيةً. وتعرّف موف الشعبوية بوصفها "استراتيجية تؤكد الحاجة إلى رسم حدود سياسية بين الشعب والأوليغارشية، وتتحدى وجهة نظر ما بعد السياسة التي تماثل بين الديمقراطية والإجماع"21. فهي، إذًا، "استراتيجية سياسية يستخدمها نوع خاص من الزعماء الذين يسعون إلى الحكم اعتمادًا على مساندة مباشرة من الشعب،

  1. Jan Jagers & Stefaan Walgrave, "Populism as Political Communication Style: An Empirical Study of Political Parties' Discourse in Belgium," European Journal of Political Research , vol. 46, no. 3 (2007), p. 322.
  2. في المقاربة التواصلية، يمكن كذلك إدراج تعريف يان ياغر وستيفان فالغريف اللذين يعتبران أن الشعبوية هي "نمط تواصل سياسي توظف فيه الإشارة إلى الشعب." ينظر: Ibid.,.p. 3
  3. عزمي بشارة، في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟ (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.17
  4. Rogers Brubaker, "Paradoxes of Populism during the Pandemic," Thesis Eleven , vol. 164, no. 1 (2021), p. 2.
  5. Klaus Wahl, The Radical Right: Biopsychosocial Roots and International Variations (Cham: Springer International Publishing, 2020), p. 24.
  6. Chantal Mouffe, For a Left Populism (London/ New York: Verso Books, 2018), p. 82.

من دون حاجة إلى هيئات وساطة"22 من قبيل المؤسسات التمثيلية. بهذا المعنى، تصير الشعبوية أداةً لتحقيق مكاسب انتخابية من خلال توظيف العناصر التي حدّدتها المقاربة التواصلية بوصفها مميزات للنمط التواصلي الشعبوي.

بعبارة أخرى، تتقاطع المقاربة التواصلية والاستراتيجية من حيث تمظهرهما في الممارسة السياسية. ففي حين أن الأولى تعتبر العناصر المشار إليها سابقًا مرتبطة بتيارات سياسية معيّنة تميزها من التيارات التقليدية، فإن الثانية لا تستبعد إمكانية استخدام هذه العناصر الخطابية في طرف أي فاعل سياسي بمجرد الوعي بفاعليتها لتحقيق مكاسب سياسية، وخصوصًا دور العواطف في التأثير في التفضيلات الانتخابية للأفراد. أي إن الشعبوية، بوصفها استراتيجية، هي لائحة من الأدوات فحسب، يمكن أي سياسي واعٍ بقدرته على توظيفها أن يقوم بذلك لتحقيق أهدافه. ويدخل في هذا الإطار مجموعة من الزعماء السياسيين الذين لم يُعرَف عنهم بالضرورة أنهم شعبويون، ولكن في مرحلة معينة من حكمهم أو في خضمّ سعيهم إلى الحكم عملوا على تجنيد الشعبوية لبلوغ مُناهم. يُستخلص مما سبق أن النقاش الدائر حول تعريف الشعبوية لم يُحسم بعد. فمن جهة، اكتسبت المقاربة المتعلقة بالأفكار مكانة مركزية في الدراسات الحديثة عن الشعبوية، رغم أنها لا تخلو من إشكالات متعددة، تبرز بمجرد محاولة فهم نجاح التيارات الشعبوية أو فشلها عبر العالم؛ أي بمجرد محاولة تحديد وزن الشعبوية، بوصفها فكرةً جوهرها التضاد بين الشعب والنخب، في النجاح الانتخابي للشعبويين، مقابل دور العناصر الأيديولوجية الأخرى التي يدفعون بها لاستمالة الناخبين. ومن جهة أخرى، يلاحظ أن الباحثين، وإن اختلفوا حول ماهية الشعبوية، فإنهم، في المقابل، قلمّا يختلفون في تحديد التيارات والزعامات التي يمكن وضعها ضمن لائحة الشعبويين. بعبارة أخرى، في مقابل ضبابية المفهوم، ثمة شبه إجماع على من يمكن اعتباره شعبويًا23.

ثانيًا: أداء الشعبويين في مواجهة جائحة كورونا: محدودية التعميم

رغم أن وصول الشعبويين إلى الحكم ليس ظاهرةً سياسيةً جديدة، فإنه لم يسبق أن حصل أن تزامن هذا الكمّ من الحكومات الشعبوية في الأنظمة الديمقراطية (الشكل 1.) ولعل أبرز تجليات ذلك هو انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. فعند إعلان منظمة الصحة العالمية وباء كورونا جائحةً عالمية، كان ما لا يقل عن سبع عشرة ديمقراطية انتخابية في أوروبا والأميركتين وآسيا مُسيَّة من طرف حكومات شعبوية يسارية أو يمينية24، في حين أن عددها لم يكن يتجاوز أربع دول في مطلع تسعينيات القرن الماضي. المنحى التصاعدي للقوة الانتخابية للشعبويين خلال الثلاثين سنة الأخ ةرر، واتساع المجال الجغرافي لحضورهم القوي، جعلا ألكسندر سميث Smith Alexander يصف العصر الذي نعيشه ب "عصر الشعبوية"25. وفي هذا المناخ السياسي الخاص، ومع بدء الانتشار السريع لفيروس كورونا، ونظرًا إلى التحديات التي فرضها ذلك على جميع الحكومات عبر العالم، سارعت بعض التحليلات إلى اعتبار أن الجائحة ستكبح هذا الصعود المطّرد

  1. 26  Alexander Smith, "Divided Nations: Democracy in an Age of Populism: A Special Collection of Articles for The Sociological Quarterly," The Sociological Quarterly , vol. 59, no. 1 (2018), pp. 3-4. المصدر: Jordan Kyle & Brett Meyer, "High Tide? Populism in Power, 1990-2020," Tony Blair Institute for Global Change (February 2020), accessed on 5/7/2021, at: https://bit.ly/3ywK1hK
  2. يطرح هذا الأمر، في الواقع، تحديات إبستيمولوجية ومنهجية حقيقية.
  3. يتضمن هذا العدد الحكومات التي يرأسها زعماء شعبويون أو تشارك فيها أحزاب شعبوية بوصفها شريكة أساسية في الحكومة. يتعلق الأمر بالولايات المتحدة الأميركية، وإيطاليا، والمكسيك، ونيكاراغوا، وفنزويلا، والبرازيل، وبيلاروسيا، وبولندا، وجمهورية التشيك، وهنغاريا، وصريبا، وبلغاريا، وتركيا، والهند، وإسرائيل، وسريلانكا، والفلبين. ينظر: Brett Meyer, "Populists in Power: Perils and Prospects in 2021," Tony Blair Institute for Global Change (January 2021), accessed on 21/6/2021, at: https://bit.ly/3dQZ6CQ
  4. 23  Patrick Tandoh-Offin & Wisdom Kofi Adzakor, "Covid-19 Exposes the Limits of Political Populism and Parochial Nationalism," Africa Journal of Public Sector Development and Governance , vol. 3, no. 1 (2020), p. 158.

الشكل)1(زيادة عدد الدول التي يُسيّ ها زعماء شعبويون في المدة 2020-1990

للشعبوية، على الأقل، فيما يصطلح عليه بالديمقراطيات الليبرالية، هذا إن لم تكن الجائحة إعلانًا عن تحولٍ تاريخي، سيؤدي إلى أفول نجمها في هذه البلدان. وحجّتهم الرئيسة في ذلك أن جائحة كورونا ستكشف مكامن قصور الشعبوية، الفكرية والتدبيرية. منذ الإعلان عن ظهور الحالات الأولى للإصابة بفيروس كورونا خارج الصين في كانون الثاني/ يناير 2020 26، راوحت مواقف الشعبويين عبر العالم بين إنكار وجوده أو التهوين من خطورته تارة، ومهاجمة خبراء الصحة العامة وتحذيراتهم من الكارثة الوبائية التي سيكون على الإنسانية مواجهتها إذا لم تتحرك الحكومات بسرعة لفرض القيود الصحية اللازمة للحد من انتشاره تارة أخرى. وذهب بعضهم أبعد من ذلك فروّجوا لنظرية المؤامرة، نحو القول إن جائحة كورونا كذبة إعلامية تقف وراءها أجهزة "الدولة العميقة"27. بينما اعتبر أقلّ الشعبويين إنكارًا لحقيقة الجائحة أنها صنيعة مختبرات صينية لا وليدة طفرة فيروسية ناتجة من انتقال الفيروس من الحيوان إلى الإنسان كما ذهب إلى ذلك المختصون، أي إنها مؤامرة صينية تدخل في إطار صراع النفوذ الدولي بين القوى الكبرى. اعتبر بعض المحللين أن هذا الموقف اللاعقلاني لغالبية الشعبويين تجاه جائحة كورونا، المناقض للحقيقة المادية الملموسة للجائحة التي يراها المواطنون في حياتهم اليومية، سيضرب في الصميم صدقية الشعبويين، وسيضعف - لا محالة - الدعم الانتخابي الذي يحظون به، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أن دولً، مثل إيطاليا والبرازيل والولايات المتحدة التي تسيّ ها حكومات يتحكم فيها شعبويون بدرجات متفاوتة، كانت من أولى الدول التي تُحصي آلاف الوفيات من جراء الجائحة. بعبارة أخرى، إن القائلين بأفول الشعبويين بوصفه أثرًا حتميًّا لجائحة كورونا، يعتبرون أن الطريقة التي تعامل بها الحكام الشعبويون مع الجائحة، والحصيلة البشرية الكارثية لهذا التعامل، ستكشفان لمن دأبوا على مساندتهم والتصويت لهم عن عدم قدرتهم على تقديم حلٍّ عمليٍّ لهذه الأزمة الحادة التي تواجهها مجتمعاتُهم. رغم أن الموقف القائل بالتضرر الحتمي للشعبوية من جائحة كورونا يبدو جذّابًا، فإنه في الحقيقة لا يخلو من التهافت. وتبرز عناصر

  1. تم الإع ناا رسميًّا عن أول حالة إصابة بفيروس كورونا خارج الصين في 13 كانون الثاني/ يناير 2021، وقد سجلت في تايلند. ينظر: " Archived: WHO Timeline – COVID-19," World Health Organization, 27/4/2020, accessed on 21/6/2021, at: https://bit.ly/2T11L5F
  2. Jakob-Moritz Eberla, Robert A. Huberb & Esther Greussingc, "From Populism to the 'Plandemic': Why populists believe in COVID-19 conspiracies," Journal of Elections, Public Opinion and Parties, vol. 31, no. sup. 1 (2021), p. 273. المصدر: من إعداد الباحث اعتمادًا على: "Data on 14-Day Notification Rate on New COVID-19 Cases and Deaths," European Centre for Disease Prevention and Control (2020), accessed on 21/6/2021, at: https://bit.ly/2TVbomC

قصور هذا الموقف في ثلاثة مستويات: أولها، أن مجمل التحليلات التي تنبّأت بتضرر الشعبوية من جائحة كورونا تنطلق من فكرة أساسها أن الخطاب الشعبوي المنفصم عن الواقع الذي تبنّاه عدد من الزعامات الشعبوية تجاه الجائحة هو بالضرورة تمظهر لغياب تدابير عملية، أي إنه انطلاقًا من طبيعة الخطاب الذي تبنّوه، يمكن الحكم على حصيلتهم الفعلية في مواجهة الجائحة. ويؤدي عدم التمييز بين الخطاب والفعل بالضرورة إلى استنتاج أن الحصيلة التدبيرية للحكومات الشعبوية في مواجهة جائحة كورونا هي بالضرورة كارثية، على اعتبار أن خطاب التهوين من خطورة الجائحة الذي اعتمده الشعبويون يعني بالضرورة عدم التعامل الجدّي معها. ويضاف إلى ذلك، أنه حتى في حالة ما إذا توافرت هذه الرغبة، فإن افتقار أغلب القيادات الشعبوية للخبرة السياسية والتدبيرية سيؤدي إلى النتيجة نفسها. ولكن واقع الحال أن مقارنة إمبريقية بين حصيلة الحكومات الشعبوية والحكومات غير الشعبوية تبيّ أن الصورة ليست بهذه البساطة، وأن العلاقة السببية التي تُبنَى عليها التنبّؤات السالفة الذكر تنقصها الدقة، إن لم نقل إنها مغلوطة تمامًا. الشكل)2(المعدل التراكمي للإصابات بفيروس كورونا لكل ألف نسمة في نهاية سنة 2020

يقدّم الشكلان 2(3() و) الحصيلة البشرية لجائحة كورونا في الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إضافة إلى البرازيل28، اعتمادًا على مؤشرين، هما: المعدل التراكمي لعدد الإصابات بفيروس كورونا لكل ألف نسمة، والمعدل التراكمي للوفيات لكل عشرة آلاف نسمة حتى نهاية سنة 2020. إن الاقتصار على دول هذه المنظمة، التي تُقدَّم عادة على أنها تجمُّعٌ للدول الأكثر تقدمًا في العالم، تبرره الرغبة في حصر المقارنة بين بلدان لها قدرات اقتصادية متقاربة؛ أي التحكم في مستوى النماء الاقتصادي الذي يمكن أن يكون متغيرًا مستقلً مهمًّ في تحديد قدرة أيّ حكومة على التعامل الفعال مع الجائحة. ومن جهة أخرى، تتشابه هذه الدول إجمالً فيما يخص هرم الأعمار فيها، على اعتبار أن ارتفاع نسبة الشيخوخة يُعتبر من العوامل التفسيرية القوية لارتفاع نسبة الوفيات الناجمة عن جائحة كورونا في كل بلد.

  1. تم إدماج البرازيل في المقارنة، بوصفها من أكبر القوى الاقتصادية في العالم - وإن لم تكن عضوًا في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية - في حين تم استبعاد كولومبيا من اللائحة؛ لكونها لم تنضمّ إلى هذه المنظمة إلا سنة 2020، علمً أن عدم إضافة الصين يرجع إلى الطبيعة غير الديمقراطية لنظامها السياسي، عكس كل الدول الواردة في المقارنة التي رغم اختلافها في مؤشر الديمقراطية، فإن حكوماتها منتخبة شعبيًّا. المصدر: المرجع نفسه.

الشكل)3(المعدل التراكمي للوفيات الناتجة من فيروس كورونا لكل عشرة آلاف نسمة في نهاية 2020

تشير الأعمدة في الشكلين 2(3() و) باللون الأسود إلى الدول التي تُسيّ ها حكومات شعبوية، في حين تشير الأعمدة باللون الأخضر29 إلى الدول التي تُسيّ ها حكومات تقليدية (غير شعبوية.) يتبين من خلال تحليل المعطيات الواردة في الشكلين أنه من الصعب الجزم بأن الدول التي تُسيّ ها حكومات شعبوية كانت لها، بالضرورة، حصيلة أكثر سلبية في مواجهة الجائحة مقارنةً بالدول التي تُسيّ ها حكومات غير شعبوية. فمثلً، فيما يخص المعدل التراكمي لعدد الإصابات بفيروس كورونا، نلاحظ أنّ من بين الدول التي تحتل المراتب الخمس عشرة الأولى دولتين فحسب تُسيّ هما حكومتان شعبويتان؛ هما، على التوالي، جمهورية التشيك في أوروبا، والولايات المتحدة في أميركا الشمالية. في حين أن المعدل التراكمي للوفيات مع نهاية عام 2020 يبرز أن قائمة الدول العشر الأولى، ذات الحصيلة البشرية الأسوأ نتيجة الجائحة، مقسمة بالتساوي بين الدول التي تُسيّ ها حكومات شعبوية (إيطاليا، والتشيك، والولايات المتحدة، وهنغاريا، والمكسيك) والدول التي تُسيّ ها حكومات غير شعبوية (بلجيكا وسلوفينيا والمملكة المتحدة وإسبانيا والسويد.) بل أبعد من ذلك، إنّ الدولتين اللتين سجّلتا أكبر معدل تراكمي للوفيات مع نهاية عام 2020 من بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أي لوكسمبورغ وبلجيكا، لا تُسيّ هما أيّ حكومة شعبوية. وتبيّ هذه المعطيات أن الارتباط السببي بين الطبيعة الشعبوية للحكومة والفشل في تدبير جائحة كورونا، على الأقل فيما يتعلق بحصيلتها البشرية، إن لم يكن مغلوطًا، ليس بذلك الترابط القوي أو التلقائي، بل من المحتمل أن تكون ثمة متغيرات مستقلة أخرى لها قوة تفسيرية أكبر من الطبيعة الشعبوية أو غير الشعبوية للحكومة الماسكة بزمام الأمور خلال تفشي الجائحة. أكثر من ذلك، حتى بعض الباحثين الذين دافعوا عن وجود مثل هذا الارتباط السببي، أقرّوا بضعفه30. عنصر القصور الثاني الذي يغلب على التحليلات القائلة بالتأثير السلبي لجائحة كورونا في الشعبوية هو مقاربة الشعبويين بوصفهم وحدة أيديولوجية منسجمة ومتسقة سلوكيًا. بعبارة أخرى، عدم

  1. كما ورد في المحور الأول من الدراسة، رغم أن مسألة تعريف الشعبوية موضوع نقاش كبير بين المختصين، فإنه عندما يتعلق الأمر بتحديد الفرقاء السياسيين الذين يقعون تحت خانة الشعبوية، يؤول الخبراء إلى نوع من الإجماع. اعتمدنا في هذه الدراسة تصنيف كايل وماير الذي لا يصنف رئيس الحكومة البريطاني بوريس جونسون ضمن لائحة الحكام الشعبويين، وهو التوجه الغالب لدى الدارسين للشعبوية الذي نعتبره صائبًا. ينظر:
  2. Jordan Kyle & Brett Meyer, "High Tide? Populism in Power, 1990-2020," Tony Blair Institute for Global Change (February 2020), accessed on 5/7/2021, at: https://bit.ly/3ywK1hK 31  Kerim Can Kavakli, "Did Populist Leaders Respond to the COVID-19 Pandemic More Slowly? Evidence from a Global Sample," Working Paper (June 2020), p. 2, accessed on 5/7/2021, at: https://bit.ly/3xpzCE7

الأخذ في الاعتبار التنوع الذي يميّز الشعبويين على الأقل فيما يتعلق بمسألتين جوهريتين لهما تأثير حاسم فيما يتعلق بتدبير الجائحة: الموقف من الخبرة العلمية، ومسألة الحرية الفردية. فقد أثبتت دراسات عديدة في الولايات المتحدة أن القاعدة الانتخابية اليمينية للحزب الجمهوري التي هي الحاضنة الشعبية لترامب تتميز بمستوى عالٍ من الارتياب وعدم الثقة بالعلم والخبرة العلمية، وخصوصًا تلك المتعلقة بالصحة والبيئة. وقد بيّنت الدراسات نفسها أن الأشخاص ذوي الميول اليسارية أو الليبرالية لديهم مستوى أعلى من الثقة بالعلم وآراء الخبراء31. ويترتب على هذا الأمر أن الثقة برأي الخبراء القائلين بوجود الجائحة بصفتها حقيقةً علميّة، وبشرعية الإجراءات التي يقترحونها للتعامل معها، مرتبطة بالقناعات الأيديولوجية المزاوجة للأفكار الشعبوية، وخصوصًا إذا ترتب على هذه التدابير القائمة على الحجج العلمية إجراءاتٌ تحدّ من الحريات الفردية، مثل حرية التنقل. فموقف الأفراد من هذه القضية غالبًا ما يكون ذا خلفية أيديولوجية بلا منازع، وذلك لارتباطها بمسألة حدود سلطة الدولة. فاليمينيون الشعبويون الليبرتاريون، مثل ترامب وقاعدته الانتخابية، يقدسون الحرية الفردية، وهم في سعي دائم للحدّ من تدخّل الدولة في الحياة الفردية، في حين أن غالبية اليمينيين الشعبويين في أوروبا، مثل رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان Orbán Viktor وحزب القانون والعدل الحاكم في بولندا، هم من أنصار الدولة القوية، ومن المحتقرين للحريات الفردية التي يعتبرونها تمظهرًا للقيم الليبرالية المنحطة لمجتمعات غرب أوروبا. فمثلً، منذ بداية الجائحة، جنح أوربان إلى تقوية سطوته الأمنية على البلاد32، الأمر الذي كان متوقعًا على اعتبار أنَّ كثيرًا من الدراسات السابقة حول طريقة تدبير الحكومات للأوبئة أظهرت تفضيل الأنظمة السلطوية للإجراءات الردعية، مثل الحَجْر أو حتى الاعتقال، في حين أن الأنظمة الليبرالية تفضّ ل إجراءات من قبيل الحثّ على احترام التدابير الصحية33. خلاصة القول، من يسمون الشعبويين هم تيارات مختلفة، وهذه الاختلافات تجعل بالضرورة أي تعميم مرتبط بأثر الجائحة في المستقبل السياسي للشعبوية محاولةً يجب أن يحكمها قدرٌ كبيرٌ من الحذر المعرفي. أما عنصر القصور الثالث الذي تعانيه التنبؤات بنهاية الشعبوية بوصفه نتيجةً حتميةً لجائحة كورونا، فهو عدم التمييز بين الشعبويين في السلطة والشعبويين في المعارضة. وستكون أيّ محاولة لتحديد معالم تعامل الشعبويين مع الجائحة لا تأخد في الاعتبار هذا العنصر، بالضرورة، تبسيطية. فمن ناحية، الديناميات التي تحكم مواقف أيّ إطار حزبي حول القضايا العامة تتأثر بمحله في اللعبة السياسية، وخصوصًا موقعه في السلطة: ماسك بها، أو مساند لها، أو معارض لها. ومن ناحية أخرى، ليس ثمة أي سبب، على الأقل نظريًا، يدعو إلى اعتبار أن عمل الأحزاب الشعبوية داخل المنظومة السياسية لنظام ديمقراطي تحكمه ديناميات مغايرة لتلك التي تحكم عمل الأحزاب الأخرى. وانطلاقًا من هذا، من البديهي أن يتوقع المرء وجود نوع من الاختلاف بين الطريقة التي تجاوب بها شعبويو السلطة مع الجائحة، والمواقف التي تبنّاها الشعبويون القابعون في مواقع المعارضة، بغضّ النظر عن الوزن السياسي لهذه المعارضة الشعبوية الذي يمكن أن يختلف من بلد إلى آخر؛ فالصنف الأول من الشعبويين، أولئك الماسكون بزمام الحكم في دولهم، وجب أن يتعاملوا مع الجائحة باتخاذ قرارات عملية لها تأثير مباشر في حياة المواطنين، بهدف الحد من آثارها الصحية والاقتصادية والاجتماعية، وإن في بعض الحالات على نحو متأخر، مقارنةً بما جرى في دول أخرى. في حين أنه يسهل على الصنف الثاني، المتكون من الشعبويين المعارضين لحكومات بلدانهم، تبنّي خطاب الإنكار أو التهوين، وحتى المؤامرة في مواجهة الجائحة، من دون الخوف من أي تبعات سياسية أو انتخابية. فموقعهم في المعارضة يجعلهم غير مطالبين بالتعامل اليومي مع الجائحة أو بتحقيق التغيير الفوري الذي يُنتظر من الحاملين للمسؤولية، أي الحكومة، على اعتبار أن منطق الممارسة السياسية في الديمقراطيات الانتخابية يقتضي أن الفرقاء السياسيين يحركهم هاجس البقاء في السلطة؛ ما يدفعهم، في كثير من الأحيان، إلى اتخاذ قرارات مغايرة لقناعاتهم الفكرية والشخصية ما دامت هذه القرارات مطلبًا مجتمعيًا يمكن أن يضمن لهم المحافظة على شعبيتهم، فقلمّا يمكن لحكام انتُخبوا ديمقراطيًا أن يتجاهلوا هذه الخاصية الناظمة للديمقراطيات. إن أخذ عنصر الاختلاف هذا في الاعتبار هو ما يمثّل، في اعتقادنا، مدخلً لفهم السؤال: لماذا كانت استطلاعات الرأي، بحلول منتصف عام 2020، أي بعد مرور نحو ستة أشهر على بدء تفشّ الجائحة، تشير إلى أن شعبية كثير من الحكام الشعبويين عبر العالم - باستثناء الرئيس البرازيلي غايير بولسونارو - ازدادت بنسب متفاوتة، مثل ترامب في الولايات المتحدة

  1. Laurence C. Hamilton, "Conservative and Liberal Views of Science: Does Trust Depend on Topic?" Carsey School of Public Policy, University of New Hampshire, Regional Issue Brief , no. 45 (2015), pp. 1-10.
  2. حول هذا الموضوع ينظر: Elisabeth Zerofsky, "How Viktor Orbán Used the Coronavirus to Seize More Power," The New Yorker , 9/4/2020, accessed on 21/6/2021, at: https://bit.ly/3hBDJ9q
  3. Zylberman, p. 37.

وناريندرا مودي Modi Narendra -2014() في الهند، وأوربان في هنغاريا؟34

مما تقدم، يمكن الوصول إلى خلاصة مفادها أن أيّ محاولة للخروج باستنتاجات عامة حول "المصير المحتوم" الذي ستواجهه الشعبوية من جرّاء تفشي جائحة كورونا، ستكون لا محالة ذات محدودية كبيرة، إن لم نقل خاطئة بالجملة؛ لعدم أخذها في الاعتبار التعدد الذي يميز الشعبويين حول العالم؛ من حيث التعدد في توجهاتهم الأيديولوجية، واختلاف في وزنهم داخل النظام السياسي لبلدانهم، وتباين في القدرة الفعلية على التأثير في قرارات الدولة، وتفاوت في حجم الإكراهات المرتبطة بالممارسة الفعلية للسلطة والناجمة عن مستوى الضغط الشعبي الذي يتعين على الحكام مواجهته. وفي الحصيلة، فالأَولى بأيّ بحث يسعى إلى الوقوف على ما يميز الشعبوية من غيرها من التيارات السياسية في زمن جائحة كورونا أن يركّز على دراسة حالة معينة للشعبوية، بعيدًا عن أيّ ادعاءات تعميمية. انطلاقًا من هذا، نحرص في المحور الثالث على الوقوف على حالة دونالد ترامب، باعتباره "النموذج المثالي" (بالمعنى الفيبيري للمصطلح) للحكام الشعبويين في الديمقراطيات الليبرالية خلال العقد الماضي الذي صادف انطلاق الجائحة مع فترة حكمه، ووجب أن يتعامل معها طوال السنة الأخيرة من فترته الرئاسية.

ثًالث ا: ترامب وجائحة كورونا: ما بين التدابير الاعتيادية وخصوصية الخطاب

شاءت المصادفات أن تتزامن أكبر جائحة صحية تعرفها الإنسانية خلال السنوات المئة الأخيرة مع فترة رئاسة دونالد ترامب، الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الذي يصعب أن يختلف اثنان على كونه يدخل في خانة الرؤساء الأميركيين الأكثر إثارة للجدل الذين عرفهم هذا البلد35. ولكن رغم الجدال الذي أثارته رئاسته، أو بالأحرى، شخصيته الفريدة من نوعها، فإنه لا يمكن القول إن التدابير التي اتخذتها إدارته للتعامل مع جائحة كورونا تميزت بخصوصية معينة. وحجتنا في ذلك مبنيّة على تتبّع الخط الزمني لزمرة القرارات التي اعتمدتها الحكومة الأميركية خلال الأشهر الأولى من الجائحة، وخصوصًا إذا ما قورنت بالإجراءات التي اعتمدتها حكومات تقليدية في ديمقراطيات مشابهة، ذات نظام فدرالي تقتسم فيه الحكومة الاتحادية وحكومة الولايات المسؤوليات التدبيرية.

  1. Michael Bayerlein & Győző Gyöngyösi, "The Impact of COVID-19 on Populism: Will It Be Weakened?" in: Felbermayr (ed.), p. 91.
  2. على عكس الاعتقاد الشائع، فإن ترامب ليس أول رئيس شعبوي للولايات المتحدة، ولا الشعبوية هي ظاهرة سياسية مستجدة في هذا البلد. وبرزت أولى تمظهرات الشعبوية في أميركا، بوصفها قوة سياسية وازنة، منذ العقد الثالث من القرن التاسع عشر؛ إذ يعتبر كل من الرئيس الأميركي السابع أندرو جاكسون 1837-1829() وحزب الشعب المثالين التقليديين على التأصل التاريخي للشعبوية في الولايات المتحدة. فالأول، الذي انتخب خلال ولايتين رئاسيتين متتاليتين – والذي علَّق ترامب صورة له في المكتب البيضاوي – يقدَّم على أنه الأب الروحي للخطاب المعادي للحكومة الفدرالية ومؤسساتها، والذي بات متجذرًا في أوساط قواعد اليمين الأميركي. ويعتبر جاكسون أيضًا أول من تبنى أسلوب الحملات الانتخابية الموجهة إلى العامة. ينظر: Walter Russell Mead, "The Tea Party and American Foreign Policy: What Populism Means for Globalism," Foreign Affairs , vol. 90, no. 2 (2011), p. 33. كما يعتبر جاكسون المدافع الشرس عن مبدأ سمو "السيادة الشعبية" في الديمقراطية الأميركية إلى حدّ لم يسبقه إليه أحد من الرؤساء قبله. ينظر: Sean Wilentz, Andrew Jackson: The American Presidents Series: The 7 th President, 182 9-1 837 (New York: MacMillan, 2007), p. 11. أما حزب الشعب، فهو المنهل التاريخي للشعبوية اليسارية في أميركا. ففي أواخر القرن التاسع عشر، تمكن حزب الشعب من تجييش العمال والفلاحين حول مطالب اقتصادية، محققًا بذلك انتصارات انتخابية ذات أهمية، ثمّ أفل نجمه في بضع سنوات. ينظر: Joseph Lowndes, "Populism in the United States," in: Rovira Kaltwasser et al. (eds.), The Oxford Handbook of Populism (Oxford: Oxford University Press, 2017), p. 233.

1. تمظهرات اعتيادية القرارات لدى حكومة ترامب

بعد مرور عشرة أيام فقط على إعلان السلطات الصينية عن أول وفاة من جراء فيروس كورونا في 11 كانون الثاني/ يناير 2020، سجلت الولايات المتحدة أول حالة إصابة بفيروس كورونا في 21 من الشهر نفسه، لمواطن أميركي مقيم في ولاية واشنطن، على الساحل الغربي للبلاد، كان قادمًا من مدينة ووهان الصينية من حيث بدأ الوباء في الانتشار انطلاقا من خريف 2019. وفي اليوم نفسه، ظهر ترامب على وسائل الإعلام مصرحًا بأنها حالة واحدة فحسب، وأن الوضع الوبائي في البلاد تحت السيطرة. وبعد أسبوع فقط من ذلك، أي في 29 كانون الثاني/ يناير، عيّ ترامب ما سمي "فريق عمل البيت الأبيض لمواجهة فيروس كورونا The White House Coronavirus Task Force " الذي حُددت مسؤوليته في التعامل مع الأزمة. ووضع على رأس هذا الفريق كاتب الدولة للصحة أليكس عازار Alex Azar وعيّ فيه أحد أكبر الخبراء الأميركيين المختصين في الأمراض المعدية الذي يحظى باحترام كبير في الأوساط العلمية والسياسية الأميركية، العالم أنطوني فاوتشي Fauci Anthony. وفي 31 كانون الثاني/ يناير، أي في الشهر نفسه الذي ظهرت فيه أول إصابة بفيروس كورونا داخل التراب الأميركي، وفي حين لم يتجاوز عدد الإصابات المسجلة رسميًا ستّ حالات36، تمّ فرض حالة الطوارئ الصحية وحظر دخول الأجانب جميعًا الذين زاروا الصين خلال الأربعة عشر يومًا الأخيرة، وإلزام كل المواطنين الأميركيين والمقيمين القادمين من ولاية ووهان الصينية بالعزل الصحي مدة أسبوعين. كان هذا القرار، الذي أعلنه ترامب شخصيًا، الأولَ من نوعه خلال الخمسين سنة الأخيرة37، وتزامن مع قرارات مشابهة اتخذتها دول تُسيّ ها حكومات تقليدية، مثل أستراليا وألمانيا، كما أن حالة الطوارئ الصحية Public Heath Emergency دخلت حيز التنفيذ في البلاد في 3 شباط/ فبراير 2020، أي بعد ثلاثة أيام فقط من إعلان منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ الصحية العالمية38. عقب تزايد عدد الإصابات الناتجة من فيروس كورونا، أعلن ترامب حالة الطوارئ الوطنية في 13 آذار/ مارس 2020 بعد أن كانت الولايات المتحدة قد سجلت أولى الوفيات الناجمة عن الإصابة بفيروس كورونا في 29 شباط/ فبراير. وقد مكّن هذا القرار من توجيه مليارات الدولارات لمواجهة الجائحة، وترتب عليه توسيع حظر ولوج الأراضي الأميركية، ليشمل مواطني ستة وعشرين بلدًا أوروبيًّا؛ فقد أصبحت أوروبا بحلول شباط/ فبراير 2020 أهم بؤرة عالمية للوباء بعد أن تربّعت عدة دول، مثل إيطاليا وبعدها إسبانيا، على رأس قائمة الدول الأكثر تسجيلً للإصابات والوفيات في العالم. بحلول 17 آذار/ مارس، طلب ترامب من الكونغرس بدء صرف المنح المالية لمساعدة الأميركيين المتضررين اقتصاديًا من الجائحة. وفي اليوم التالي، حثّ ترامب مواطنيه على تجنّب التجمعات التي يفوق عددها عشرة أشخاص، وتلا ذلك توقيعُه على "قانون المساعدة والإغاثة والأمن الاقتصادي لمواجهة فيروس كورونا" Coronavirus Aid, Relief, and Economic Security Act CARES)(في 27 آذار/ مارس. ومع توالي تفاقم الجائحة، وحين بدأ يتأكد أن الطريق الوحيدة للقضاء على الجائحة نهائيًّا لن تكون إلا عن طريق التلقيح، شكّلت إدارة ترامب في 15 أيار/ مايو 2020 فريقًا خاصًا للسهر على تسريع عملية تطوير لقاح مضاد لفيروس كورونا وإنتاجه وتوزيعه39. وقد وضع ترامب لهذا الفريق هدف البدء في تلقيح الأميركيين مع مطلع سنة 2021؛ وهو ما تحقّق فعلً؛ إذ إنّ عمليات التلقيح الواسعة النطاق بدأت قبل ذلك في الولايات المتحدة بحلول كانون الأول/ ديسمبر 2020 40. إن التدابير والإجراءات العملية التي اتخذتها حكومة ترامب الشعبوي لا تختلف في حقيقة الأمر عن تلك التي اتخذتها حكومات غير شعبوية في ديمقراطيات غربية أخرى؛ لا من حيث طبيعتها، ولا من حيث الحيز الزمني الذي اتُّخذت فيه. فكما يبين الجدول 1()، الذي يلخِّص أهم القرارات التي اتخذتها حكومة ترامب خلال الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 2020، مقارنة بتلك المعتمدة من طرف حكومتَي كندا وأستراليا الفدراليتين، يصعب الجزم أن الطبيعة الشعبوية لإدارة ترامب قد أدت إلى اختلاف ضمني، أو تلقائي في نوع القرارات التي جرى تفضيلها عند بروز الجائحة. بل أكثر من ذلك، كانت الولايات المتحدة سبّاقة إلى إغلاق حدودها في وجه غير

  1. DC Health Department, "Update and Interim Guidance on Novel Coronavirus (2019-Cov) Outbreak," Government of District of Colombia, 31/1/2020, accessed on 21/6/2021, at: https://bit.ly/36k5Pkw
  2. David Jackson, "Trump Administration Declares Coronavirus Emergency, Orders First Quarantine in 50 Year," USA Today , 31/1/2020,
  3. حول التدابير التي اتخذتها إدارة الرئيس ترامب للتعامل مع الجائحة، ينظر: "تعامل ترامب مع جائحة فيروس كورونا المستجد وتأثيرها المحتمل في حظوظه الانتخابية"، تقدير
  4. accessed on 21/6/2021, at: https://bit.ly/3wL1Nx7
  5. موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وحدة الدراسات السياسية، 2020/3/23، شوهد في 2021/7/5، في https://bit.ly/3wRUzY3: 40  " Trump Administration Announces Framework and Leadership for 'Operation Warp Speed'," Health and Human Services, 15/5/2020, accessed on 21/6/2021, at: https://bit.ly/3wRSPOK 41  " Covid-19: First Vaccine Given in US as Roll-out Begins," BBC , 14/12/2020, accessed on 21/6/2021, at: https://bbc.in/3qop59B المصدر: من إعداد الباحث اعتمادًا على ما يلي: "First Travel-Related Case of 2019 Novel Coronavirus Detected in United States," Centers for Disease Control and Prevention, 22/1/2020, accessed on 21/6/2021, at: https://bit.ly/3hP0dny; "Prime Minister Creates Committee on COVID-19," Prime Minister of Canada, 4/3/2020, accessed on 22/6/2021, at: https://bit.ly/3hp7aNf; Stephen Duckett & Anika Stobart, "Australia's COVID-19 Response: The Story So Far," Grattan Institute, 11/6/2020, accessed on 22/6/2021, at: https://bit.ly/3zJFU3f; Rebecca Storen & Nikki Corrigan , "COVID-19: A Chronology of State and Territory Government Announcements," Research Papers 202 0-2 021 , Parliament of Australia, 22/10/2020, accessed on 22/6/2021, at: https://bit.ly/3gLKRRE; "A Timeline of Canada-19 in Canada," The National Post , 24/1/2021, accessed on 23/6/2021, at: https://bit.ly/2SkbT9c

مواطنيها، رغم أن أولى الحالات سُجّلت تقريبًا في الأسبوع نفسه في الدول الثلاث. ومن دون الذهاب إلى حدّ ادعاء أن الاستنتاجات التي وصل إليها ماكي [وآخرون]، التي مفادها أن "الحكومات التي يرأسها زعماء شعبويون كانت تدابيرها لمواجهة جائحة كورونا أقل قوة من تلك التي اتخذتها الحكومات غير الشعبوية"41، يمكن القول إن ما قدّمناه يحدّ من قوة التعميم الذي جنحوا إليه حول وجود اختلاف جوهري في تعامل الحكومات الشعبوية مع جائحة كورونا في مقابل الحكومات التقليدية. ففي كثير من الحالات كانت "استجابة بعض الزعماء الشعبويين للأزمات جدّ فعالة"42 مقارنة بعددٍ كبير من حكومات غير شعبوية فيما يسمى الديمقراطيات العريقة. فمثلً، يكفي ذكر الخيارات غير التقليدية في الأشهر الأولى للجائحة التي اتبعتها الحكومة السويدية المكونة من تحالف يهيمن عليه الحزب الاجتماعي الديمقراطي، والتي فضلت استراتيجية تسمح بانتشار المرض بين مواطنيها قصد الوصول إلى المناعة الجماعية، أو ما يعرف ب "مناعة القطيع." وقد تبينت محدودية هذا الخيار مع توالي الشهور، لما كان له من تكلفة بشرية على مستوى عدد الوفيات؛ ما اضطرَّها في النهاية إلى اعتماد التدابير الاعتيادية نفسها التي لجأت إليها غالبية الدول الأوروبية الأخرى منذ بداية الجائحة. الجدول)1(مقارنة الخط الزمني للتدابير المتخذة لمواجهة جائحة كورونا في كندا وأستراليا في مقابل الولايات المتحدة

الحدثالولايات المتحدةكنداأستراليا
الإعلان عن أول حالة21 كانون الثاني/ يناير 202027 كانون الثاني/ يناير 202025 كانون الثاني/ يناير 2020
تشكيل لجنة حكومية خاصة29 كانون الثاني/ يناير 20204 آذار/ مارس 202013 آذار/ مارس 2020
حظر دخول الأجانب31 كانون الثاني/ يناير 202016 آذار/ مارس 202020 آذار/ مارس 2020
فرض العزل الصحي على المسافرين31 كانون الثاني/ يناير 202025 آذار/ مارس 202027 آذار/ مارس 2020
إعلان حالة الطوارئ الصحيةكانون الثاني/ يناير 202025 آذار/ مارس 202018 آذار/ مارس 2020
تسجيل أول وفاة29 شباط/ فبراير 20208 آذار/ مارس 20201 آذار/ مارس 2020

تسجيل أول وفاة 29 شباط/ فبراير 2020

2. تدبير الجائحة بين حكومة ترامب الفدرالية وحك ام الولايات

إن طبيعة النظام الفدرالي الأميركي هي بمنزلة عنصر إضافي يدفع إلى التريث قبل الخروج بأي استنتاجات حول وجود علاقة سببية بين الطبيعة الشعبوية للإدارة الأميركية، خلال فترة حكم ترامب، والحصيلة البشرية التي خلّفتها الجائحة في هذا البلد. فبحسب أغنيو، يعتبر حكام الولايات الأميركية الخمسون أصحابَ القرار الفعليين في قضايا الصحة العامة، وفرض الحجر الصحي المحلي والإغلاق، وفرض ارتداء الأقنعة، إلى غير ذلك من التدابير الصحية. وتنحصر قدرة الحكومة الاتحادية على فرض مثل هذه التدابير عمليًا في الأشخاص الوالجين إلى التراب الأميركي عبر المنافذ الحدودية، أو الموجودين داخل المؤسسات الحكومية الفدرالية، أو الأراضي الخاضعة للسلطة الفدرالية، مثل المحميات الوطنية؛ بمعنى أن الرئيس الأميركي يمكن أن يُصدر قرارًا تنفيذيًا يلزم كل شخص يعمل أو يريد الولوج إلى بناية تابعة لسلطة الحكومة الفدرالية ارتداء الكمامات أو التزام قواعد التباعد الاجتماعي، ولكن هذا الشخص غير ملزم بقرارات الرئيس فور خروجه من المبنى الفدرالي إذا كانت حكومة الولاية التي يقع فيها ذلك المبني لا تفرض هذا الإجراء في الفضاء العام. هذا العنصر هو الذي يفسر التباين الكبير في الإجراءات بين الولايات التي يُسيّ ها حكام

  1. McKee et al. (eds.), p. 9.
  2. Mir Mohd Mustafa Shahjhan, "COVID-19: Global Implications and Response," International Journal of Research and Analytical Reviews , vol. 7, no. 2 (2020), pp. 156-157.

جمهوريون من جهة، الذين مالوا إلى عدم فرض التدابير الاحتياطية، والحكام الديمقراطيين، من جهة أخرى، الذين جنحوا إلى فرض مثل تلك التدابير واتهمهم في ذلك خصومهم السياسيون "باستغلال أو خلق أزمة جائحة كورونا لتوسيع سلطات الولاية وتجميد الحقوق وتعميم المراقبة بطريقة غير شرعية"43 على المواطنين، على نحو يتعارض مع الثقافة السياسية الأميركية التي تمجّد الحريات الفردية، وتتوجس من أي تغوّل لسلطة الدولة. صحيح أن أشد الانتقادات التي وُجهت إلى الحكومة الفدرالية الأميركية على هذا المستوى هي غياب رؤية استراتيجية واضحة للتعامل مع الجائحة على المستوى الوطني، وعدم توفير الدعم المالي المحلي الكافي للولايات والمقاطعات لتمكينها من مواجهة الجائحة كما يجب44، ولكن هذا لا يكفي في نظرنا لاستنتاج أن هذا التهاون، أو التحفظ المالي، مرتبط بالطبيعة الشعبوية لإدارة ترامب. فالرئيس الأميركي وأعضاء حكومته هم أيضًا من أنصار الليبرالية الاقتصادية التي يعتمدها الحزب الجمهوري، والتي تعتبر الإنفاق الحكومي على القطاعات الاجتماعية، وخصوصًا الصحة، مسؤوليةً فردية لا حكومية. لكن هل يعني عدم اختلاف التدابير العملية التي اتخذتها إدارة ترامب للتعامل مع الجائحة عن تلك التي اتخذتها حكومات غير شعبوية، وصعوبة اعتبار إدارته المسؤولة الوحيدة عن تدبير الجائحة، أنه لم يكن ثمة أي خصوصية في المقاربة "الترامبية" للجائحة؟ الحقيقة أننا نجد في مقابل اعتيادية الإجراءات المتبعة من طرف الحكومة الأميركية الرئيسَ ترامب قد تميّز بخطاب منفصم في كثير من الأحيان عن الواقع، أو بصورة أدق، بخطاب مفعم بالتناقضات على طريقته المعتادة بين الحقيقة والزيف45. فمنذ الأيام الأولى للجائحة، وترامب ينتقل بين تصريح رسمي يدعو فيه الأميركيين إلى الالتزام بالإجراءات الاحترازية، كما أشرنا إلى ذلك سابقًا، وبين تغريدة في اليوم نفسه على منصات التواصل الاجتماعي، يقلل فيها من حقيقة خطورة الوضع؛ فها هو يصرّح، في 7 شباط/ فبراير 2020، في حوار صحافي، بأن فيروس كورونا "شيء قاتل"، وبعدها بثلاثة أيام فقط، يسوّق لفرضية مفادها أن الفيروس سيختفي من تلقاء نفسه، لأن الحرارة ستقضي عليه46. وفي 26 شباط/ فبراير 2020، وصف ترامب فيروس كورونا بأنه "عبارة عن زكام؛[...]مجرد زكام"47، واستطرد بعدها بيوم بالقول: "إنه سيختفي. في يوم من الأيام، سيختفي، مثل المعجزة." ومع مطلع آذار/ مارس، أعرب عن شكّه في قدرة أيّ لقاح على القضاء على الفيروس، قبل أن يُنشئ لجنة للعمل على مواجهته. وبعدها بيومين إذا به يصرح بأن وضعية المصابين بالفيروس، في كثير من الحالات، ستتحسن بمجرد العودة إلى وظائفهم، قبل أن ينكر في 5 آذار/ مارس أنه قال مثل ذلك أصلً! هوس الرجل بصحة الاقتصاد الأميركي، ومسألة توفير الوظائف - وهي المفتاح لإعادة انتخاب أي رئيس أميركي - لم يتغيرا مع تفشي الجائحة؛ ما الذي جعل بعضهم يتهمه بكونه "أكثر اهتمامًا بالأنشطة الاقتصادية من اهتمامه [بالحفاظ] على الأرواح"48. سواء كان ذلك صحيحًا أم لا، حقيقة الأمر أن المتتبع لتصريحات ترامب لا يمكن إلا أن يقف على قدرة الرجل على الجمع بين التناقضات. هذا الأمر لم يكن خاصًّا بفترة الجائحة، بل يُعتبر من سمات فترة حكمه، ومن السمات المميزة لترامب بوصفه زعيمً شعبويًا. يضاف إلى هذا تزامن الجائحة مع فترة الحملة الانتخابية في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وهو ما جعل بعضهم يعيب عليه أنه أمام "أكبر تحدٍّ يواجه رئيسًا أميركيًا خلال جيل من الزمن[...]ظل مركّزًا على إعادة انتخابه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، بدلً من التعامل مع الأزمة التي بين يديه"49. وبناءً عليه، إذا كان ثمة شيء يميز إدارة ترامب في زمن جائحة كورونا، فهو وجود عناصر خطاب خاصة، وهي نوعان: أولهما، "الخطاب المنفصم"، وهو الذي وقفنا عليه في الفقرات السابقة، متمثلً بالقدرة على الجمع بين التصريحات المتعارضة والتدابير العملية الاعتيادية. ولا يمكن فهم هذا الخطاب من دون الأخذ في الاعتبار "الطبيعة الفريدة" لشخصيته، وكون الجائحة صادفت عام الانتخابات الرئاسية، وسعيه منذ الأيام الأولى للجمع بين قبعة الرئيس التي أوجبت أن يتخذ الإجراءات العقلانية اللازمة لمواجهة الجائحة، وقبعة المرشح الرئاسي الذي يبعث الرسائل لقواعده الانتخابية التي يُعدّ أكثرها من

  1. Brubaker, "Paradoxes of Populism," p. 7.
  2. John Agnew, "American 'Populism' and the Spatial Contradictions of US Government in the Time of COVID-19," Geopolítica(s): Revista de estudios sobre espacio y poder , vol. 11 (2020), p. 2.
  3. A Timeline of COVID-19 Developments in 2020," The American Journal of Managed Care , 2/1/2021, accessed on 23/6/2021, at: https://bit.ly/3jiKnUT; Derrick Bryson Taylor, "A Timeline of the Coronavirus Pandemic," The New York Times , 17/3/2021, accessed on
  4. Eugene Kiely et al., "Timeline of Trump's COVID-19 Comments," FactCheck.org, 2/10/2020, accessed on 23/6/2021, at: https://bit.ly/3qifdyj
  5. United States Congressman Lloyd Dogget, "Timeline of Trump's Coronavirus Responses," 6/4/2021, accessed on 23/6/2021, at: https://bit.ly/3jTHWbj
  6. Shahjhan, p. 155. 50  Agnew, p. 11.
  7. 23/6/2021, at: https://nyti.ms/3jVWpDU

أنصار الإنكار والتهوين وتقديم صحة الاقتصاد على صحة المواطنين. ثانيهما، "خطاب الإثبات"، وهو التوظيف السياسي للجائحة لتثبيت مشروعية فكرة الخطر الخارجي الوجودي الذي يهدد الوطن، والتي نعتقد أنها هي المميز الأساسي لخطاب الشعبويين في زمن جائحة كورونا على اختلاف مشاربهم.

رابعًا: خطاب سياسة ترامب الخارجية في زمن جائحة كورونا: الصين، ومنظمة الصحة العالمية، والمهاجرون

إذا كان النظر إلى العالم عبر مسبار التضاد بين "نحن" و"هم" هو ركيزة الشعبوية في الزمن السياسي العادي، فإن حضور هذا التضاد في الخطاب الشعبوي يزداد حدة في زمن الأزمات. وبحسب بينجمان موفيت، يسعى الزعماء الشعبويون إلى استغلال الأزمات عبر عدة آليات، لعل أهمها على الإطلاق، على الأقل في نظرنا، تحميل "الآخر" المسؤولية عن المعاناة التي يواجهها الشعب50 من جراء الأزمة. هذا "الآخر" المسؤول عن الأزمة في الخطاب الشعبوي، ليس فقط النخب الحاكمة المتَّهمة بالتقصير في توفير الحل، بل كذلك كل العناصر التي لا تنتمي إلى "الشعب الخالص"، سواء أكانت داخلية أم محلية أم خارجية، والتي يخضع مدى التركيز على أحدها للسياقات المكانية والزمانية الخاصة بالأزمة، وكذلك طبيعة الأيديولوجيا التي ترافق الخطاب الشعبوي. فالآخر إما أن يكون عدوًا داخليًا كالطبقة البرجوازية، أو ملّ ك الأراضي، أو فئات إثنية معينة، كالمهاجرين أو اللاجئين المقيمين في البلد أو المسلمين أو الغجر، وإما أن يكون عدوًا خارجيًا من قبيل دولة أو مجموعة دول أجنبية أو منظمات دولية، وخصوصًا تلك التي تحظى بنفوذ كبير داخل الدول (مثل صندوق النقد الدولي)، أو تعتبر تمظهرًا للمبادئ الليبرالية على الصعيد الدولي، سواء أكانت ليبرالية اقتصادية أم اجتماعية، من دون نسيان الشركات المتعددة الجنسيات الوازنة والمؤسسات فوق الوطنية (الاتحاد الأوروبي مثلً)، حيث إن معاداة مظاهر العولمة صارت إحدى الأفكار الحاضرة بقوة في الأدبيات الشعبوية خلال العقدين الأخيرين. يكتسي التركيز على هذا "الآخر"، من غير النخب الحاكمة، أهمية خاصة لدى الشعبويين حين يكونون في السلطة، لأن هذا الأمر في كثير من الحالات يكون السبيل الوحيدة لتحويل الانتباه عن المساءلة التي قد يتعرضون لها، على اعتبار أنهم، بحكم مسؤولياتهم الحكومية، هم المطالبون بإيجاد حلول، واتخاذ تدابير صائبة للخروج من الأزمة. ومن هذا المنطلق، وفّرت جائحة كورونا فرصة ذهبية أمام الشعبويين، وخصوصًا اليمينيين منهم الماسكين بزمام السلطة في عدد من الديمقراطيات الليبرالية الغربية، لتوظيف الجائحة في إثبات صلاحية نظرتهم المثنوية إلى العالم، وخاصة فكرة الخطر القادم من الخارج التي اتَّخذت في السياق الأميركي شكل الخطاب المعادي للصين.

لقد منحت فكرةُ أن الصين هي مصدر الجائحة الرئيسَ ترامب مجالً لمناكفتها خارجيًا وتوظيف حضورها القوي في سردية جائحة كورونا داخليًا. وليست مهاجمة ترامب لهذا العملاق الآسيوي وليدة ظرفية الجائحة، فقد دأب على بناء صورة الخطر الصيني المحدق بالولايات المتحدة منذ حملته الانتخابية الأولى سنة 2016، وجعلَ من العداء لها، أو على الأقل الجنوح للتوتر الدائم معها، أحدَ أكثر عناصر سياسته الخارجية استقرارًا، رغم ما هو معروفٌ عنه من تقلبات مستمرة في مواقفه. داخليًا، وظّف ترامب التوجس من التنامي المطّرد للقوة الاقتصادية والسياسية الصينية في العالم، وجعل من "استعادة فرص الشغل في قطاع الصناعة التي سرقتها الصين"51 أحد أهم الوعود الانتخابية في طريقه إلى البيت الأبيض وحجر الزاوية في مشروعه القاضي ب "جعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، وهو الأمر الذي يفسر، إلى حد بعيد، دخول الولايات المتحدة في حرب تجارية مع الصين تقريبًا طوال فترة رئاسته. وبناءً عليه، لا عجب أن ترامب - بمجرد تأكد الحالات الأولى للوباء في الولايات المتحدة - لم يعمد هو وإدارته إلى الإمعان في استعمال "مصطلح الفيروس الصيني لربط الصين بانتشار الوباء"52 فحسب، بل أيضًا إلى التشكيك في الرواية الصينية حول المصدر الحيواني لفيروس

  1. Benjamin Moffit (2015), cited in: Dennis Tourish, "Introduction to the
  2. Agnew, p. 7. 53  Florian Bieber, "Global Nationalism in Times of the COVID-19 Pandemic," Nationalities Papers (2020), p. 6.
  3. Special Issue: Why the Coronavirus Crisis Is Also a Crisis of Leadership," Leadership , vol. 16, no. 3 (2020), pp. 265-266.

كورونا، وهي الرواية التي أقرتها منظمة الصحة العالمية. كان هذا الأمر كافيًا لمهاجمة ترامب منظمةَ الصحة العالمية واتهامها بالانحياز إلى الرواية الرسمية الصينية. وقد جنح إلى تبنّي نظرية المؤامرة التي مفادها أن فيروس كورونا طُوِّر في مختبرات تابعة للحكومة الصينية، وأنه ليس نتاج طفرة جينية لفيروس حيواني حصلت بمحض المصادفة، ثمّ انتقل إلى البشر. أدى هذا بترامب إلى اتخاذ قرار انسحاب بلاده من منظمة الصحة العالمية، وتجميد التمويل الأميركي لها في فترة كانت في أمسّ الحاجة إليه، الأمر الذي ردت عليه الصين بتقديم هبة بقيمة 86 مليون دولار لهذه المنظمة53. ويرى وودس [وآخرون] أنّ التصعيد في التنافس الصيني الأميركي، الذي زادت حدته أثناء الجائحة، هو تعبير عن صراع تؤدي فيه الأيديولوجيا القومية دورًا أساسيًّا، وهو لا يقل ضراوةً عن النزاع القومي أيام الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي54. إلى أي حد يمكن اعتبار هذه المقارنة صائبة؟ هذه مسألة قابلة للنقاش، لكن الأكيد هو أن ترامب عمل على توظيف الجائحة لإثبات مشروعية أحد أهم مكونات خطابه الشعبوي المتمثّل في "الخطر الصيني" بصفته تمظهرًا لذلك "الآخر"، أو "الشمّ عة" التي تعلّق عليها كل الأزمات، والتي تحتاج إليه كل أنماط الشعبوية، بغضّ النظر عن الحقائق الإمبريقية التي تحدّد في ضوئها المسؤوليات. لم يكن جعْل الصين هي ذلك "الآخر" في سياق الجائحة أمرًا يتطلب مجهودًا كبيرًا من ترامب؛ ليس لأنها منشأ الفيروس فحسب، بل أيضًا لتوافر عناصر عداء تاريخية في البلاد تجاه الآسيويين تعود إلى القرن التاسع عشر، في إثر هجرة آلاف العمال الصينيين للعمل في بناء خطوط السكة الحديدية، فضلً عمَّ مثَّلته الحرب العالمية وحرب الولايات المتحدة ضد اليابانيين من عداء وعنصريةٍ ضد "ذوي العيون الضيقة" بغضّ النظر عن جنسياتهم، وهو ما كان يصطلح عليه ب "الخطر الأصفر." تبدو محاولة استغلال الجائحة لشرعنة العنصرية، أو تعزيز الخطاب المعادي للمهاجرين بمعنى أدق، ثاني عناصر خطاب الإثبات الذي ميّز شعبويّي السلطة منذ الأسابيع الأولى للجائحة؛ فقد وجد كثير منهم في الجائحة، وخصوصًا المتشبعين بأفكار اليمين الراديكالي، فرصةً لتحقيق أحد أقرب الأشياء إلى قلوبهم، ألا وهو إغلاق الحدود. وكما هو معلوم؛ أثناء سعيها لمنع الفيروس من ولوج أراضيها، اتخذت معظم حكومات العالم قرارات إغلاق حدودها في وجه الوافدين من الدول الأكثر تضررًا بوصف هذا الإجراء مرحلةً أولى، قبل أن يصبح خيار الإغلاق التام للدخول أو الخروج من البلد هو القاعدة. هذا القرار الذي اتخذته معظم الحكومات بغضّ النظر عن تركيباتها الأيديولوجية، اعتبره الشعبويون اليمينيون "دليلً على مشروعية مطلبهم التقليدي"55 بضرورة وقف "سياسة الأبواب المشرعة" أمام حركة الأفراد الذين يمثّلون مصدرَ كل الأخطار التي تواجهها دولهم؛ إذ لم يتردد مثلً، أوربان، أحد أكثر رؤساء الحكومات الشعبوية إثارة للجدل في أوروبا، في "ادعاء أن انتشار الوباء مرتبط بالهجرة"56. كانت مهاجمة سياسة الحدود المفتوحة أكثر حضورًا لدى الشعبويين في دول الاتحاد الأوروبي، وخصوصًا في البلدان المشكّلة لفضاء شنغن، باعتباره فضاءً جغرافيًا يسمح بحرية التنقل للأشخاص بين دوله ويلغي آليات المقاربة الأمنية والجمركية على الحدود بين أعضائه. وقد مثّل تعطيل العمل باتفاقية شنغن، وإعادة فرض المراقبة على الحدود أحد أهم المطالب السياسية للتيارات الشعبوية اليمينية في أوروبا منذ دخول هذه الاتفاقية حيز التنفيذ في تسعينيات القرن الماضي، ويُذكر أنه زادت حدة هذه المعاداة لفضاء شنغن وما يمثله من حرية تنقل مع وصول أفواج اللاجئين السوريين منذ عام 2012. جرى استغلال الجائحة، إذًا، لترسيخ هذا الخطاب، وتقديمها على أنها الحجة الدامغة على رجاحة الموقف المطالب بالتحكم في ولوج الأراضي الأوروبية. بطبيعة الحال، لم يجرؤ شعبويو أوروبا على تبنّي خطاب معادٍ للعملاق الصيني كما فعلت الحكومة الأميركية؛ ليس بالضرورة لأنهم أقل توجسًا من صعود الصين أو أقل إيمانًا بفكرة "الخطر الأصفر"، بل لأن العدو المباشر في تصورهم هو أقرب إليهم، وهو متمثل - من جهة - بالاتحاد الأوروبي نفسه، بوصفه منظومةً مؤسساتيةً فوق وطنية تهيمن عليها نخب غير منتخبة ذات توجهات ليبرالية وغير خاضعة للإرادة الشعبية، وهي المسؤولة في نظرهم عن

  1. Shahjhan, p. 156. الرئيس ترامب ليس الشعبوي الوحيد الذي انتقص من دور منظمة الصحة العالمية؛ إذ هدد رئيس البرازيلي الشعبوي، جايير بولسونارو، في حزيران/ يونيو 2020، بالانسحاب من المنظمة، متهمً إياها بأنها منظمة "سياسية"، قائلً: "لقد انسحبت الولايات المتحدة. فإما أن تعمل منظمة الصحة العالمية من دون أي تحيزات أيديولوجية وإمّا أننا سنخرج منها"، فنحن "لسنا في حاجة إلى أي شخص من الخارج ليقدم لنا نصائح حول الصحة هنا." ينظر: " Bolsonaro Calls WHO 'Political,' Threatens Brazil Exit," Reuters , 6/6/2020, accessed on 6/12/2021, at: https://reut.rs/3wOpLHC; "Bolsonaro Threatens Brazilian Withdrawal from WHO, Following US," Deutsche Presse-Agentur International , 6/6/2020, accessed on 6/12/2021, at: https://bit.ly/3q5mxgm وفي السياق نفسه، سبق أن دعا تارو أسو Aso Taro، رئيس وزراء اليابان السابق ورئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي (مع أنه لا يُصنَّف شعبويًا)، إلى إعادة تسمية منظمة الصحة العالمية كما يلي: "منظمة الصحة الصينية"، متهمً إياها بالانصياع للرواية الصينية بشأن فيروس كورونا. ينظر: " Rename WHO as Chinese Health Organization: Japan Slams UN Body for 'Giving into China's Spin'," The Print , 4/2/2020, accessed on 6/12/2021, at: https://bit.ly/3xvhwAl
  2. Eric Taylor Woods et al., "COVID‐19, Nationalism, and the Politics of Crisis: A Scholarly Exchange," Nations and Nationalism , vol. 26, no. 4
  3. Ibid., p. 7. 57  Bieber, p. 6.
  4. (2020), p. 809.

فقدان السيادة القومية، بما في ذلك التحكم في الحدود، ومتمثل - من جهة أخرى - بخطر "الغزو الثقافي" الذي يمثله المهاجرون القادمون من شمال أفريقيا وال قرر الأوسط وأفريقيا جنوب الصحراء. فخلف خطاب جائحة كورونا والتحكم في الحدود، تتخفى المعاداة التقليدية للمهاجر؛ ذلك "الآخر" التي تتغذى الشعبويةُ بالخوف منه، والتي سعى الزعماء الشعبويون اليمينيون لتوظيف جائحة كورونا لإثبات مشروعيته. سواء أخذنا فكرة الخطر الخارجي المتربص بالوطن في زمن جائحة كورونا المتمثلة بالعداء للصين، كما هو الشأن في الحالة الأميركية، أم أخذنا الانتقاد الحاد للاتحاد الأوروبي كما حصل في أوروبا، فإن الحصيلة تظل واحدة؛ هي أن مواقف الشعبويين هذه التي تمظهرت في السياسات الخارجية لدولهم، مثّلت ضغطًا على آليات التعاون الدولي في مواجهة الجائحة. هذا الأمر ليس غريبًا، على اعتبار أن وجود مؤسسات للتعاون الدولي يبقى مرتبطًا بالتصور الليبرالي للعلاقات الدولية57. فمن جهة، تنظر المقاربة الليبرالية إلى العلاقات بين الأمم إلى المنظمات الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية والاتحاد الأوروبي58، على أنها إحدى أهم أدوات الدفع بالتعاون بين الدول وفضاءٌ مستمر للمفاوضات المتعددة الأطراف الهادفة إلى التوفيق بين المصالح المتضاربة للبلدان، وآلية لتحقيق المصالح المشتركة، بعيدًا عن المنظور الهوبزي (نسبة إلى توماس هوبز) للعلاقات الدولية، الذي تتبناه النظرية الواقعية التي ترى في القوة أهم ناظم للفضاء الدولي. ومن جهة أخرى، يعتبر الشعبويون، على اختلاف مشاربهم، المنظمات والترتيبات الدولية المنبثقة من التقليد الليبرالي عدوًا للشعوب، وإن اختلفوا في تبريرهم لهذا العداء على أسس أيديولوجية تتأرجح بين اعتبارات قومية يمينية وأخرى سوسيو‑اقتصادية يسارية، مثلما يفعل ذلك المتأثرون بأطروحات نظرية التبعية. يتفق ذلك مع ما ذهب إليه فرانك ستنجل وآخرون، فقد جادلوا بأن العديد من الشعبويين (وليس كلهم)، على الرغم من الاختلافات الجلية في آرائهم، "يتقاربون بشأن ضرورة تقويض التعاون والتكامل الدوليَيّن، والأنظمة الإقليمية والعالمية." ومن هنا، تأتي دلالة الشعارات الشعبوية من قبيل "أميركا أولً " (شعار حملة ترامب الانتخابية) و"نيوزيلندا أولً " (اسم حزب قومي شعبوي في نيوزيلندا)، حيث تقوم استراتيجية "أميركا أولً " على مبدأ أن الولايات المتحدة يجب أن تتوقف عن دعم الحكومات الأخرى "بلا مقابل"؛ ما يعني "تغييرًا حاسمً في الرؤية الأميركية التقليدية القائمة على أن التعاون الدولي غايةٌ في حد ذاته، ودوره في توفير المنافع العامة العالمية بهدف ضمان هيبة الولايات المتحدة وهيمنتها." لذلك، فإن الشعبوية، وإن اعتبُرت خطابًا أو أيديولوجيا محدودة فحسب، قد يكون لها تأثيرٌ في محتوى المفاوضات الدولية ونتائجها، مثلما حدث في اجتماع قمة مجموعة السبع G7 عام 2018 في كندا، ومثلما حدث مع اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ في عهد الرئيس باراك أوباما، في سنة 2016 (حيث تزامنت المفاوضات حول هذه الاتفاقية مع هجمة شعبوية مزدوجة شنّها عليها ترامب من اليمين وبارني ساندرز من اليسار، وانتهت بعدم تقديمها للكونغرس للتصديق عليها:) "وفي وقت سابق، أدت انتقادات ترامب الاقتصادية القاسية لحلفاء الناتو، واحتقاره الترتيبات التجارية طويلة الأمد كاتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، إلى شقاقٍ إقليميٍّ وعبر أطلسيّ كبير"59.

ويخلص ستنجل [وآخرون] إلى أنّ الشعبويين الموجودين في السلطة يمكنهم التأثير في عدد كبير من الظواهر الدولية، مثل تسييس السلطة الدولية وتقويض شرعية المنظمات والترتيبات الدولية60؛ حتى إن كان هذا التأثير لا يبدو فوريًا (لا يحدث بمجرد تبنّي الشعبويين خطابًا معاديًا للتعاون الدولي) ولا شاملً (لا يمس كل جانب من جوانب التعاون الدولي.) وهذا لا ينفي، من ناحية أخرى، أنّ اتجاهات التعاون الدولي الكبرى تظل قوية رغم الضغط الذي يمارسه شعبويو

  1. ينظر في هذا العدد: محمد حمشي، "نظريات العلاقات الدولية وجائحة كورونا: سياسات عربية، العدد أنْبذة معتَّقة في قنان جديدة ونبيذ لمَّا يُعتَّق"، 50 (أيار/ مايو)2021،
  2. بغضّ النظر عن مدى صحة توصيف الاتحاد الأوروبي بالمنظمة الدولية والجدال الدائر حول طبيعته. ينظر: فرانك أ. ستنجل وديفيد ب. ماكدونالد وديرك نابرس (محررون)، 60 الشعبوية والسياسة العالمية، ترجمة محمد حمشي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021 [يصدر قريبًا.)] 61 المرجع نفسه.
  3. ص 38-17؛ شهرزاد خيَّ، "الاقتصاد السياسي الدولي وجائحة كورونا: تأملات نظرية ومساءلات سياسات عربية، العدد مبكرة"، 50 (أيار/ مايو 2021)، ص.85-58

السلطة على المنظمات والترتيبات الدولية من خلال الاستثمار في خطاب الإثبات الذي استعرضناه سابقًا. ففي حالة منظمة الصحة العالمية مثلً، لم يحُل تجميد التمويل الأميركي للمنظمة والهجوم القوي الذي تعرضت له من ترامب وإدارته، وكذلك تجييش موجة دولية منتقدة لها وتشكك في أهميتها أو شرعيتها، دون منعها من مواصلة عملها، رغم الصعوبات التي واجهتها في ذلك. وقد أظهرت الجائحة أنه على الرغم من النزوع الفرداني لعدد من الديمقراطيات الغربية الغنية في التعامل مع الجائحة، وخصوصًا في مسألة الاستئثار باللقاحات المضادة لفيروس كورونا، فإن مجمل صانعي القرار عبر دول العالم وصلوا إلى قناعة مفادها أن الحل النهائي للأزمة الناجمة عن تفشي الجائحة لا يكون إلا عبر خروج جماعي لدول العالم منها؛ أي إن انحسار الجائحة لا يمكن أن يتم إلا عبر التعاون الدولي وفق مقاربة شاملة تؤدي فيها منظمة الصحة الدولية دورًا محوريًا، وخصوصًا أن ما اصطُلح عليه "دبلوماسية اللقاحات" المتمركزة حول الدول State-Centric التي كانت الهند والصين أبرز روادها، أظهرت محدوديتها وقدرتها على توفير ما يكفي من اللقاحات للدول النامية لمواجهة الجائحة وغلق أبوابها بصفة نهائية. في المقابل، صار يُنظر إلى آلية كوفكس  COVAX 62، التي سهرت على إنشائها منظمة الصحة العالمية من أجل توفير اللقاح للدول النامية بتمويل من الدول الغنية، باعتبارها الحل الوحيد القادر على ضمان وصول عادل للقاحات المضادة لفيروس كورونا في الدول غير القادرة على ذلك. وهكذا، يمكن القول إنه يصعب الجزم بأن شعبويّي السلطة تمكّنوا من تقويض آليات التعاون الدولي لمواجهة الجائحة كاملً، رغم الضغط الذي مارسوه عليها؛ وإن الضعف الذي حل بهذه الآليات مرتبط بعناصر تفسيرية عديدة، الشعبوية أحدها، لكنها ليست الوحيدة.

خاتمة

سعينا من خلال هذه الدراسة إلى المساهمة في النقاش الدائر حول الشعبوية في زمن جائحة كورونا، وبينَّا أن أي محاولة تحليلية لا تأخذ في الاعتبار التنوعَ الكبيرَ في التيارات الشعبوية، سواء من حيث الأيديولوجيا المرافقة للخطاب الشعبوي أو من حيث موقعها في السلطة، ستقع بالضرورة في تعميمات تعارضها الحججُ الإمبريقية. بعد ذلك، اعتبرنا أنه إذا كان ثمة شيء يميز الزعماء الشعبويين في التعامل مع هذه الجائحة، فيجب البحث عنه على مستوى الخطاب، وليس على مستوى التدابير المتخذة لمواجهتها. ثم طبّقنا هذه المقاربة على حالة الرئيس دونالد ترامب للوقوف على عناصر الخطاب الترامبي خلال الجائحة، وتبين أنها تتأرجح بين نوعين من الخطاب: "خطاب الانفصام" الذي حمل سردية تخالف واقع الإجراءات العملية التي اتخذها لمواجهة الجائحة، و"خطاب الإثبات" الذي وُظفت فيه الجائحة لتعزيز مشروعية فكرة الخطر الخارجي. إلى أي مدى يرتبط النوع الثاني من الخطاب بكل الزعامات الشعبوية في زمن جائحة كورونا؟ هذا سؤال يحتاج إلى دراسة أعمق من خلال تحليل حالات إضافية. ولكن المؤشرات الأولية الآتية من دول الاتحاد الأوروبي تصبّ في هذا الاتجاه. فقد واجه الاتحاد الأوروبي، منذ بداية الجائحة، انتقادات حادة من طرف الشعبويين باعتباره مسؤولً عن سياسة الحدود المفتوحة، وقد زادت حدة هذه الاتهامات مع الصعوبات المتعلقة بتوفير اللقاحات وتوزيعها لكل دوله الأعضاء، في الوقت الذي كان محددًا لذلك. لم يكن مفاجئًا أنَّ أشد الانتقادات حدة أتت من حكومات دول يرأسها شعبويون، مثل هنغاريا وجمهورية التشيك اللتين كانتا سبّاقتين إلى اللجوء إلى اقتناء اللقاح خارج الآليات الأوروبية، وخصوصًا اللقاح الصيني الذي كانت هنغاريا أولى دول الاتحاد الأوروبي التي استعملته. وبالنسبة إلى كثير من الشعبويين الماسكين بزمام الحكم في دول الاتحاد الأوروبي، وخاصة في دول المعسكر الشرقي السابق، ليست الصين بتلك الخطورة التي نجدها في الخطاب الشعبوي الأميركي، إنما الخطر الخارجي الحقيقي هو الذي يكمن في سياسات فتح الحدود وعرّابها الاتحاد الأوروبي، وما يترتب عليها من حرية تنقل الأشخاص بين الدول الأعضاء، وتسهيل مرور المهاجرين، وتقسيم العبء الناجم عن استقبال آلاف اللاجئين.

  1. حول هذه الآلية، ينظر: "كوفاكس: العمل من أجل إتاحة لقاحات كوفيد 19- على الصعيد العالمي بشكل منصف"، منظمة الصحة العالمية، شوهد في 2021/6/5، في: https://bit.ly/3qiqGxP

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. "الشعبوية والأزمة الدائمة للديمقراطية." سياسات عربية. العدد 40 (أيلول/ سبتمبر 2019.) ________. في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 "تعامل ترامب مع جائحة فيروس كورونا المستجد وتأثيرها المحتمل في حظوظه الانتخابية." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وحدة الدراسات السياسية. 2020/3/23. في: https://bit.ly/3wRUzY3 حمشي، محمد. "نظريات العلاقات الدولية وجائحة كورونا: أنْبذة سياسات عربية. العدد معتَّقة في قنان جديدة ونبيذ لمَّا يُعتَّق." 50 (أيار/ مايو 2021.) خيَّ، شهرزاد. "الاقتصاد السياسي الدولي وجائحة كورونا: تأملات نظرية سياسات عربية. العدد ومساءلات مبكرة." 50 (أيار/ مايو.)2021 ستنجل، فرانك أ.، وديفيد ب. ماكدونالد وديرك نابرس (محررون.) الشعبوية والسياسة العالمية. ترجمة محمد حمشي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021 [يصدر قريبًا.]

الأجنبية

"A Timeline of Canada-19 in Canada." The National Post. 24/1/2021. at: https://bit.ly/2SkbT9c "A Timeline of COVID-19 Developments in 2020." The American Journal of Managed Care. 2/1/2021. at: https://bit.ly/3jiKnUT Agnew, John. "American 'Populism' and the Spatial Contradictions of US Government in the Time of COVID-19." Geopolítica(s): Revista de estudios sobre espacio y poder. vol. 11 (2020). "Archived: WHO Timeline – COVID-19." World Health Organization. 27/4/2020. at: https://bit.ly/2T11L5F Arzheimer, Kai & Carter, Elisabeth. "How (not) to Operationalise Subnational Political Opportunity Structures: A Critique of Kestilä and Söderlund's Study of Regional Elections." European Journal of Political Research. vol. 48, no. 3 (2009). Betz, Hans-Georg. "Covid-19, Deglobalization and the (Potentially) Bright Future of Radical Right-Wing Populism." (2020). Bieber, Florian. "Global Nationalism in Times of the COVID-19 Pandemic." Nationalities Papers (2020). Brubaker, Rogers. "Paradoxes of populism during the pandemic." Thesis Eleven. vol. 164, no. 1 (2020). Casaglia, Anna et al. "Interventions on European Nationalist Populism and Bordering in Time of Emergencies." Political Geography. vol. 82 (2020). "Data on 14-Day Notification Rate on New COVID-19 Cases and Deaths." European Centre for Disease Prevention and Control (2020). at: https://bit.ly/2TVbomC DC Health Department. "Update and Interim Guidance on Novel Coron avirus (2019-CoV) Outbreak." Government of District of Colombia. 31/1/2020. at: https://bit.ly/36k5Pkw Duckett, Stephen & Stobart, Anika. "Australia's COVID-19 Response: The Story So Far." Grattan Institute. 11/6/2020. at: https://bit.ly/3zJFU3f Eberla, Jakob-Moritz, Huberb, Robert A. & Greussingc, Esther. "From Populism to the 'Plandemic': Why populists believe in COVID-19 conspiracies." Journal of Elections, Public Opinion and Parties, vol. 31, no. sup. 1 (2021). Felbermayr, Gabriel (ed.). The World Economy after Coronavirus Shock: Restarting Globalization. Kiel, Germany: Kiel Institute for the World Economy, 2020. "First Travel-Related Case of 2019 Novel Coronavirus Detected in United States." Centers for Disease Control and Prevention. 22/1/2020. at: https://bit.ly/3hP0dny Hamilton, Laurence C. "Conservative and Liberal Views of Science: Does Trust Depend on Topic?" Carsey School

of Public Policy. University of New Hampshire. Regional Issue Brief. no. 45 (2015). Jagers, Jan & Walgrave, Stefaan. "Populism as Political Communication Style: An Empirical Study of Political Parties' Discourse in Belgium." European Journal of Political Research. vol. 46, no. 3 (2007). Kaltwasser, Rovira et al. (eds.). The Oxford Handbook of Populism. Oxford: Oxford University Press, 2017. Yannis. Stavrakakis, Giorgos Katsambekis, "Populism and the Pandemic: A Collaborative Report." POPULISMUS Interventions. no. 7 (June 2020). Kavakli, Kerim Can. "Did Populist Leaders Respond to the COVID-19 Pandemic More Slowly? Evidence from a Global Sample." Working Paper (June 2020). at: https://bit.ly/3xpzCE7

Kiely, Eugene et al. "Timeline of Trump's COVID-19 Comments." FactCheck.org. 2/10/2020. at: https://bit.ly/3qifdyj

Kyle, Jordan & Meyer, Brett. "High Tide? Populism in Power, 1990-2020." Tony Blair Institute for Global Change (February 2020). at: https://bit.ly/3ywK1hK Magistro, Beatrice & Menaldo, Victor. "Populism: A Tale of Political and Economic Catastrophe." APSA Comparative Politics. vol. 30, no. 2 (2020). Mason, Alex. "Europe's Future: The Impact of Covid-19 on Populism." International Development Research Network (2020). at: https://bit.ly/3qSqJAG McKee, Martin et al. (eds.). "Are Populist Leaders Creating the Conditions for the Spread of COVID-19? Comment on 'A Scoping Review of Populist Radical Right Parties' Influence on Welfare Policy and Its Implications for Population Health in Europe." International Journal of Health Policy and Management. vol. 10, no. 10 (2020). Mead, Walter Russell. "The Tea Party and American Foreign Policy: What Populism Means for Globalism." Foreign Affairs. vol. 90, no. 2 (2011). Meyer, Brett. "Populists in Power: Perils and Prospects in 2021." Tony Blair Institute for Global Change (January 2021). at: https://bit.ly/3dQZ6CQ Mouffe, Chantal. For a Left Populism. London/ New York: Verso Books, 2018. Mudde, Cas & Kaltwasser, Cristóbal Rovira. "Exclusionary vs. Inclusionary Populism: Comparing Contemporary Europe and Latin America." Government and Opposition (London). vol. 48, no. 2 (2013). Mudde, Cas. "The Populist Zeitgeist." Government and Opposition. vol. 39, no. 4 (2004). "Prime Minister Creates Committee on COVID-19." at: Canada. of Minister Prime https://bit.ly/3hp7aNf Shahjhan, Mir Mohd Mustafa. "COVID-19: Global Implications and Response." International Journal of Research and Analytical Reviews. vol. 7, no. 2 (2020). Smith, Alexander. "Divided Nations: Democracy in an Age of Populism: A Special Collection of Articles for The Sociological Quarterly." The Sociological Quarterly. vol. 59, no. 1 (2018). Storen, Rebecca & Corrigan, Nikki. "COVID-19: A Chronology of State and Territory Government Announcements." Research Papers 202 0-2 021. Parliament of Australia. 22/10/2020. at: https://bit.ly/3gLKRRE Tandoh-Offin, Patrick & Wisdom Kofi Adzakor. "Covid-19 Exposes the Limits of Political Populism and Parochial Nationalism." Africa Journal of Public Sector Development and Governance. vol. 3, no. 1 (2020). "Timeline of Trump's Coronavirus Responses." United States Congressman Lloyd Dogget. 6/4/2021. at: https://bit.ly/3jTHWbj Tourish, Dennis. "Introduction to the Special Issue: Why the Coronavirus Crisis Is Also a Crisis of Leadership." Leadership. vol. 16, no. 3 (2020).

Wahl, Klaus. The Radical Right: Biopsychosocial Roots and International Variations. Cham: Springer International Publishing, 2020. Wilentz, Sean. Andrew Jackson: The American Presidents Series: The 7 th President, 182 9-1 837. New York: MacMillan, 2007. Woods, Eric Taylor et al. "COVID‐19, Nationalism, and the Politics of Crisis: A Scholarly Exchange." Nations and Nationalism. vol. 26, no. 4 (2020). Zerofsky, Elisabeth. "How Viktor Orbán Used the Coronavirus to Seize More Power." The New Yorker. 21/6/2020. at: https://bit.ly/3hBDJ9q