سياسة دولة قطر وتجربتها في الوساطة وتسوية المنازعات

Mutlaq Majed Al Qahtani مطلق بن ماجد القحطاني | ** Dana Mansoor AL-Thani دانه بنت منصور آل ثاني |

الملخّص

شهدت دولة قطر منذ عام 1995 تحول ا كبيرًا في سياستها الخارجية، حيث تبنت سياسة خارجية مستقلة ومحايدة نتيجة وقوعها في منطقة حيوية وجيوسياسية واقتصادية مهمة، وفي الوقت ذاته تشهد توترات بين القوى الإقليمية المؤثرة في المنطقة. ومن منطلق أهمية دور الوساطة في حل المنازعات وإحال السام في منطقة مشتعلة، انتهجت دولة قطر في سياستها الخارجية نهج الحوار والمساعي الحميدة والوساطة والدبلوماسية الوقائية والعمل على تسوية المنازعات والأزمات بالطرق السلمية وبكل حيادية واستقالية ووفق أحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وبذلك تأتي هذه الدراسة لتساهم في تسليط الضوء على سياسة دولة قطر وتجربتها في الوساطة وتسوية المنازعات وإبراز جهودها ومساهماتها ودورها الفاعل خال العشرين سنة الماضية، من خال توضيح سمات سياستها الخارجية واستراتيجيتها ومبادئها، وتسليط الضوء على دراسات حالة لبعض الوساطات القطرية السابقة. كلمات مفتاحية: قطر، الوساطة، القوة الناعمة، تسوية المنازعات. Beginning in 1995 , Qatar underwent a major transformation in its foreign policy, adopting an independent and neutral foreign policy as a result of being located in an important vital, geopolitical and economic region, with tensions between the influential regional powers. Given the importance of mediation in resolving disputes and bringing peace to a region raging in conflict, Qatar adopted a foreign policy approach of dialogue, good offices, mediation, and preventive diplomacy, and worked to settle disputes and crises peacefully, remaining impartial and independent, in accordance with the provisions of international law and the Charter of the United Nations. This study explores Qatar policy and experience in mediation and dispute settlement and highlights its active role and contribution over the past twenty years, by clarifying the features of its foreign policy, strategy, and principles, and highlighting case studies of previous Qatari mediation. Keywords: Qatar, Mediation, Soft Power, Conflict Resolution.

Qatar's Policy and Experience in Mediation and Dispute Settlement

مقدمة

تعتبر دولة قطر واحدة من أهم الدول الفاعلة على الساحتين الإقليمية والدولية في استعمال الدبلوماسية الوقائية والوساطة والمساعي الحميدة أداةً فاعلةً في تسوية المنازعات الإقليمية والدولية، ولا سيما خلال العقدين الأخيرين1. فقد تمكنت بهذه الجهود من المساهمة في حفظ الأمن والسلم الإقليميين والدوليين. ومنذ تولي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني 2013-1995() مقاليد الحكم في البلاد عام 1995، تبنت منهجًا مستقلً في سياستها الخارجية؛ ما وضعها في مكانة مميزة، ولا سيما على الصعيد الدبلوماسي، بل اعتبرت هذا النهج جزءًا لا يتجزأ من دستورها الدائم2. وبعد تولي الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مقاليد الحكم في البلاد عام 2013، أكد النهج الدبلوماسي نفسه، بل سعى لتعزيز هذا الدور من خلال دعم العديد من جهود مبادرات السلام في أماكن عديدة من العالم، وبذلِ كثيرٍ من المساعي الحميدة والوساطة لتسوية مجموعة من المنازعات والأزمات الدولية، آخرها توقيع اتفاق الدوحة للسلام في أفغانستان بين الولايات المتحدة الأميركية وطالبان في الدوحة في 29 شباط/ فبراير 2020. ومن ثمّ، أصبحت الوساطة ركنًا من أركان السياسة الخارجية لقطر. وهكذا، رسّخت قطر مكانتها بوصفها دولة صانعة للسلام في العالم، عبر استراتيجيات التحالفات والشراكات الإقليمية والدولية والدبلوماسية الوقائية، مستفيدة من قوتها الناعمة التي أكسبتها القوة على الصعيد الإقليمي، وكونت صورة ذهنية وعلامة مميزة لها في هذا المجال3. 4ومع دخول قطر مجلس الأمن عضوًا غير دائم في الفترة 2007–2006، أصبح دور الوساطة القطرية أكثر نشاطًا وحيويةً؛ فتنوعت بين التدخل في تسوية أزمات داخلية في لبنان، وأزمات وحروب أهلية في اليمن والسودان، ومنازعات حدودية في جيبوتي وإرتيريا، وحروب أهلية ذات طابع دولي كالحرب الدائرة في أفغانستان. فقد خلقت هذه الجهود وعمليات الوساطة التي عكفت عليها الدوحة صورة إقليمية ودولية لقطر بوصفها وسيطًا معتبرًا وموثوقًا به في تحقيق السلم والأمن الإقليميين والدوليين، على الرغم من كونها واحدة من أصغر دول الشرق الأوسط من حيث المساحة الجغرافية والتعداد السكاني. تعالج هذه الدراسة أدوار الوساطة القطرية من خلال مناقشة سياسة دولة قطر وتجربتها في الوساطة وتسوية المنازعات الدولية ومساهماتها في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين. وسيجري ذلك من خلال الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الفرعية، أهمها: ما استراتيجية الوساطة القطرية ودوافعها؟ وما آلية الوساطة القطرية في الدول المتنازعة؟ وما مستقبل الوساطة القطرية بعد الحصار؟ استند الباحثان في هذه الدراسة إلى معلومات من مصادر أولية، فضلً عن جمع وتحليل المعلومات المستندة إلى المراجعة الأدبية المكثفة والمتضمنة مجموعة من الكتب والمقالات حول الوساطة. وقد قُسمت الدراسة إلى خمسة أجزاء: يتناول الجزء الأول السياسة الخارجية القطرية، في حين يناقش الجزء الثاني دوافع استخدام الوساطة خيارًا استراتيجيًا لدولة قطر، ويركز الجزء الثالث على توضيح المبادئ الأساسية لوساطة قطر المتضمنة قوتها الناعمة والدبلوماسية الإنسانية والتنموية والمحافظة على سرية المفاوضات والالتزام بمبادئ القانون الدولي، بينما يتناول الجزء الرابع تحليلً لبعض نماذج الوساطة القطرية والتحديات التي واجهتها وكيفية التغلب عليها كاليمن، ولبنان، والسودان، وجيبوتي وإرتيريا، وأفغانستان. أما الجزء الخامس، فيوضح مستقبل الوساطة القطرية بعد الحصار.

أولا: سمات السياسة الخارجية القطرية

شهدت دولة قطر التي كانت ذات يوم إمارة ذات تأثير محدود على الساحة الإقليمية تحولً كبيرًا في شروط سياستها الداخلية والخارجية. فدفعت مصادر الدخل الحيوية والاستراتيجية التي تملكها، والتي تقع في منطقة حيوية واقتصادية وجيوسياسية مهمة وتمر في الوقت نفسه بحالة توتر شبه دائم بين بعض القوى الإقليمية المؤثرة بالمنطقة، إلى أن تتبنى سياسة مستقلة ومحايدة تؤمن بالحوار والمساعي الحميدة والوساطة والدبلوماسية الوقائية وتسوية المنازعات والأزمات بالطرق السلمية. كما أن قطر ليس لديها أطماع توسعية أو أجندة خفية، ومن ثمّ لجأت الكثير من الأطراف المعنية إلى قطر؛ نظرًا إلى نهجها البارز ودورها في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة البشرية. كما تعمل وساطة قطر وفق أحكام القانون الدولي مع المحافظة على سرية المفاوضات، وتقوم كذلك سياساتها الخارجية على

  1. تعتبر الدبلوماسية الوقائية من الجهود الهادفة إلى منع نشوب النزاعات بين الأطراف، ومنع أي خلافات قائمة من أن تتسع وتتحول إلى نزاعات.
  2. تنص المادة السابعة من الدستور الدائم لدولة قطر على ما يلي: "السياسة الخارجية لدولة قطر تقوم على مبدأ توطيد السلم والأمن الدوليين عن طريق تشجيع فض المنازعات الدولية بالطرق السلمية، ودعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والتعاون مع الأمم المحبة للسلام." يُنظر: دولة قطر، "الدستور الدائم لدولة الجريدة الرسمية قطر، 2004/6/8، العدد." 6، 2005/6/8، شوهد في 2021/9/7، في: https://bit.ly/3kXEN9C
  3. Sultan Barakat, "Qatari Mediation: Between Ambition and Achievement," Brookings, 10/11/2014, p. 58, accessed on 16/8/2021, at: https://brook.gs/3x8I8GK
  4. الأمم المتحدة، مجلس الأمن، "البلدان التي انتخبت لعضوية مجلس الأمن: قائمة بجميع الدول التي انتخبت لعضوية مجلس الأمن مرة واحدة على الأقل منذ عام "1946، شوهد في 2021/8/16، في https://bit.ly/36Xlmqz:

مبدأ الشفافية والصدقية واحترام العادات والتقاليد واللغة والدين والثقافة لأطراف النزاع5، إضافة إلى أن عدم حمل دولة قطر عبئًا تاريخيًا مضطربًا مع دول الصراعات ساهم في أن يُنظر إلى الوسطاء القطريين على أنهم وسطاء محايدون، ولا سيما في لبنان والسودان، وكذلك في أفغانستان واليمن اللتين عانتا علاقات مضطربة مع الدول ذات الثقل التقليدي بالمنطقة. كما أن قطر لا تتنافس على تسوية الصراعات، وإنما تدعم أو تكمل الأدوار السلمية التي يعكف المجتمع الدولي على معالجتها، فلا تؤمن بسياسة المحاور وحالة الاستقطاب السياسي التي لها تداعيات خطيرة على الاستقرار الإقليمي والعالمي، بل تسعى لإقامة الشراكات والتحالفات والتوافق الإقليمي والدولي في الصراع الذي تعكف على معالجته. ومن ثمّ، يعكس قرار وضع الوساطة في قلب السياسة الخارجية وعي القيادة القطرية التي سارت جنبًا إلى جنب مع نحت سياسة خارجية مستقلة ومبتكرة6. فقد كانت إحدى اللبنات الأولى لهذه الاستراتيجية تأسيس قناة الجزيرة التي ساهمت في دفع قطر إلى الأضواء الإقليمية والدولية؛ ما أدى إلى ضمان سمعة الدولة بصفتها لاعبًا مؤثرًا في سياسات الشرق الأوسط7. وبناء عليه، كسبت قطر ثقة المجتمع الإقليمي والدولي، وأصبحت وسيطًا مقبولً ولاعبًا أساسيًا في الأزمات والساحة الدولية والإقليمية ودون الإقليمية8.

ثانيًا: الوساطة بصفتها خيارًا استراتيجيًا لدولة قطر

على الرغم من أن ميثاق الأمم المتحدة نصّ على أن الوساطة هي أحد السبل الرئيسة لحل النزاعات الدولية9، فإن الكثير من المحللين والمتابعين والأكاديميين يتساءلون عن الأدوات التي استخدمتها الدوحة للوصول إلى هذه المنزلة العالمية في تسوية المنازعات الدولية بإحدى أهم وسائلها وهي الوساطة10، كما تساءلوا عن دوافع هذا الدور، وسبب النجاح القطري في كثير من هذه الملفات السياسية المعقدة11. ذلك أنه اتضح أن الدافع الرئيس لجهود الوساطة القطرية هو خليط بين عدة عوامل؛ وهي الإيمان القاطع بالقوة الناعمة وقوة القانون الدولي وسياسة الحياد الإيجابي وضرورة تحقيق السمعة الدولية المرموقة12، إضافةً إلى أسباب دينية وأخلاقية دفعت قطر نحو القيام بهذه الجهود الدبلوماسية والإنسانية لإصلاح ذات البين من أجل تحقيق السلام والاستقرار. ثمّ إن الموقع الجغرافي لدولة قطر ووقوعها بين قوتين متنافستين رئيستين: المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا يترك لها خيارًا سوى اتباع سياسة خارجية مستقلة ومحايدة. لذا يعتبر تبني الوساطة والمفاوضات والدبلوماسية الوقائية وبناء السلام خيارًا استراتيجيًا للمحافظة على سيادة قطر واستقلالها السياسي13. علاوة على ما سبق، سعت دولة قطر للاحتفاظ بسياسة خارجية مرنة تستند إلى حد بعيد إلى تعزيز السلام الدولي، ويشير هنا مهران كامرافا إلى أن الدبلوماسية القطرية جمعت بين القوتين الناعمة والصلبة في آن واحد لتصبح ما يسمى "القوة الذكية" التي توازن بين المنفعة البراغماتية والمبدأ الإنساني والأخلاقي14. في حين يشير عبد العزيز الحر وآخرون إلى أن الدبلوماسية القطرية تعمل بما يسمى "القوة المتداخلة"؛ من خلال اتباع نهجًا في علاقاتها الدولية يسمح لها باستخدام أدوات ووسائل متعددة على جميع المستويات (من النطاق المحلي إلى النطاق العالمي) لتأمين مصالحها الاستراتيجية وحماية سيادتها ومواردها. فمن أدوات القوة المستخدمة على سبيل المثال لا الحصر: "الاتفاقات الأمنية، وصفقات الأسلحة، والقواعد العسكرية، والاستثمارات الخارجية، والتجارة، والإعلام، والطيران، والأحداث الدولية، والرياضة، والتعليم، والوساطة، والمساعدات المالية، والتعاون والشراكات والتحالفات الدولية والإقليمية." وبذلك، تمكنت قطر من الاستفادة من مواردها، واستخدمتها على نحوٍ فعال لترسيخ الاعتراف الدولي وخلق علامة شهرة وطنية مميزة تدعم

  1. Sultan Barakat, "The Qatari Spring: Qatar's Emerging Role in Peacemaking," Kuwait Programme on Development, Governance and Globalisation in the Gulf States , no. 24 (July 2012), accessed on 16/8/2021, at: https://bit.ly/2TB96Jv
  2. Kristian Coates Ulrichsen, "Qatar's Mediation Initiatives," Policy Brief, Norwegian Centre for Conflict Resolution (NOREF) (February 2013), p. 3, accessed on 26/7/2021, at: https://bit.ly/3y4KQhW
  3. Qatar's Foreign Policy: Why It Matters for the Region," Fanack , 12/6/2017, accessed on 26/7/2021, at: https://bit.ly/374CsmF
  4. سعادة السفير الدكتور مطلق بن ماجد القحطاني يحاضر حول 'سياسة وتجربة دولة أخبار، معهد الدوحة للدراسات العليا قطر في الوساطة وحل النزاعات"'،، 2021/1/13، شوهد في 2021/8/16، في https://bit.ly/3kSWoRp:
  5. الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة، الفصل السادس: حل المنازعات سلميًا، شوهد في
  6. تُعرّف الوساطة بأنها عملية مفاوضات تطوعية تتبع نهجًا سلميًا لإدارة أو تسوية النزاع من خلال سعي الأطراف المتنازعة للحصول على المساعدة أو قبول عرض المساعدة من قبل فرد، أو منظمة، أو دولة محايدة للوصول إلى حل وسط في النزاع من خلال التأثير في تصور الأطراف وتغيير سلوكهم دون اللجوء إلى العنف.
  7. Mehran Kamrava, "Mediation and Qatari Foreign Policy," The Middle East Journal , vol. 65, no. 4 (Autumn 2011), p. 542.
  8. Ibid.
  9. Barakat, "The Qatari Spring." 14  Kamrava.
  10. 2021/8/17، في https://bit.ly/2UqYVYo:

تحقيق أهداف سياستها الخارجية، من خلال مزيج من أدوات القوة لتصبح جهة فاعلة إقليمية وعالمية مؤثرة15. علاوة على ما سبق، أوضح سلطان بركات أن ضمان نجاح استراتيجيات السياسة الخارجية القطرية تم من خلال ثلاثة عوامل أساسية: أولً، الثروة الهائلة والحوافز المادية التي تساهم في تقليل مستوى الصراع. ثانيًا، الإرادة القوية لسمو الأمير لممارسة هذا الدور. ثالثًا، رؤية الأمير لتكون دولة قطر بمنزلة جسر بين الشرق الأوسط والعالم الغربي16. كما تضمنت الجوانب الرئيسة لسياسة الدولة الحفاظ على علاقات مفتوحة مع مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة؛ ما يعني أن تبحر قطر باستمرار في حقل ألغام من العلاقات الصعبة، ولا سيما في فترة اضطرابات العالم العربي، ولكن سياسة العلاقات المفتوحة مع الجماعات المعادية لم تحظ دائمًا بدعم بعض دول العالم العربي. ويجادل بركات بأن الكثيرين يرون أن تصرفات قطر غالبًا ما تكون مثيرة للجدل ومتضاربة17. فقد اتضح أن الوسيط الناجح هو الذي يستطيع أن يتحدث مع الجميع. واتبعت قطر استراتيجية تشكيل شراكات مع عدة دول من بينها الولايات المتحدة الأميركية في تحقيق السلام والاستقرار باعتماد الوساطة والمساعي الحميدة18. وقد وصفها بركات بأنها استراتيجية المناورة، وهي تهدف إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع الجميع بغض النظر عن سياساتهم المتناقضة بعضهم تجاه بعض19، ولا سيما إيران والسعودية؛ إذ تمكنت الدوحة من سد الفجوة، داخل الخليج وخارجه، في الشرق الأوسط الذي يزداد اشتعالً بالنزاعات20. ويشير بركات إلى أن علاقات قطر مع مجموعة متضادة من الدول والجهات الفاعلة، مثل الولايات المتحدة الأميركية وإيران وإسرائيل وحزب الله وحماس ونظام الرئيس السوداني عمر البشير 2019-1989() في السودان، خلقت انطباعًا بأن الدوحة سعت للوقوف فوق الخلاف السياسي التقليدي وترسيخ نفسها بصفتها نوعًا مختلفًا من الفاعلين الدوليين. فعلى سبيل المثال كانت علاقات قطر معتدلة مع الفصائل المختلفة في لبنان، ومن ثمّ كان يُنظر إلى قطر على أنها الوسيط الأمثل لحل الأزمة اللبنانية عام 2008، مقارنةً بالدول الأخرى بالمنطقة21. كما يجادل البعض بأنه من التناقض أن توقع الدوحة على عدد كبير من الاتفاقيات والتبادلات العسكرية الودية مع إيران أثناء استضافتها القاعدة العسكرية الأميركية في العديد. لكنّ سياسة الباب المفتوح التي انتهجتها قطر تجاه طهران، بالحفاظ على علاقات تعاون قائمة على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المتبادلة مع الحكومة الإيرانية، ساهمت في تقليل التوترات الإقليمية عبر مواصلة القادة القطريين الحوار مع إيران والمساعدة في تحقيق التوازن بين المصالح الإيرانية والأميركية المتنافسة22؛ إذ وفر ذلك لقطر استقلالية معقولة في سياساتها الخارجية23.

وقد تُفسر أيضًا رغبة قطر في الانخراط في الوساطة الدولية بعدة أسباب منها زيادة التأثير، واكتساب القيمة والسمعة، وأن تصبح لاعبًا بارزًا في مجال الوساطة على الساحة الدولية، وفتح قنوات الاتصال، إضافة إلى تعزيز العلامة البارزة للدولة وبناء صورة دولية بصفتها وسيطًا محايدًا ونزيهًا24. ويرى روسلان مينيش أن جهود الوساطة القطرية تهدف أيضًا إلى صون الأمن في الجوانب المالية والاقتصادية للدولة، فعلى سبيل المثال استثمرت دولة قطر بعد وساطة دارفور

  1. Abdulaziz Al Horr et al., "Qatar's Global-Local Nexus: From Soft to Nested Power?" in: M. Evren Tok, Lolwah Alkhater & Leslie A. Pal (eds.), Policy-Making in a Transformative State (London: Palgrave Macmillan, 2016), pp. 347-365.
  2. Barakat, "The Qatari Spring."
  3. Ibid.
  4. Qatar's Foreign Policy."
  5. Barakat, "The Qatari Spring."
  6. Anders Gulbrandsen, "Bridging the Gulf: Qatari Business
  7. Barakat, "The Qatari Spring."
  8. Bernd Kaussler, "Tracing Qatar's Foreign Policy Trajectory and Its Impact on Regional Security," Research Paper , Arab Center for Research and Policy Studies (September 2015), accessed on 17/8/2021, at: https://bit.ly/3x2Rh4R
  9. Gulbrandsen. 24  Esra Cavusoglu, "From Rise to Crisis: The Qatari Leadership," Turkish Journal of Middle Eastern Studies , vol. 7, no. 1 (2020), accessed on 17/8/2021, at: https://bit.ly/3x5u3uZ; Barakat, "Qatari Mediation."
  10. Diplomacy and Conflict Mediation," Master Dissertation, Georgetown University, Washington, DC, 2010, pp. 26-32, accessed on 17/8/2021, at: https://bit.ly/3gjWFe7

بامتلاك الأراضي الزراعية لتحقيق برنامج الأمن الغذائي الوطني لدولة قطر، وبذلك تسعى لاكتساب القوة الناعمة التي تساهم في تقوية شرعيتها ومكانتها25. كما يجادل العديد من المؤلفين أن مبادرات الوساطة والسياسة الخارجية القطرية ودوافعها صممت عمدًا لوضع قطر على الخريطة العالمية26. ويبدو أن اتّباع نهج الوسيط المحايد ضمن سياسة قطر الخارجية قد آتى ثماره إلى حد بعيد، فيما يتعلق بأمن قطر خاصة أثناء فرض الحصار الجائر.

ثًالث ا: المبادئ الأساسية للوساطة القطرية

تؤكد قطر أنه غالبًا ما يجري حل الصراعات والنزاعات من خلال جهود متعددة الأطراف، تدعم تحقيق الأمن والعدالة والمصالحة على نحوٍ مستدام كالقوة الناعمة، والتنمية الإنسانية والبشرية، والإنعاش الاقتصادي، والالتزام بسرية المفاوضات وبمبادئ القانون الدولي، أثناء عملية الوساطة والمفاوضات.

1. القوة الناعمة

برزت سياسات قطر بوصفها مثالً ناجحًا للقوة الناعمة التي تمارسها الدول الصغيرة للتأثير في السياسة الدولية، بينما يمكن تفسير القوة الدولية لقطر بأنها "قوة متداخلة" أي مزيج من القوتين الصلبة والناعمة التي توضح قدرة الدولة على استخدام العديد من الأدوات والموارد على المستويات المحلية والإقليمية والدولية بهدف الاستفادة منها لتحقيق التأثير المطلوب. وفيما يتعلق بالوساطة القطرية، سمح كل ما سبق لدولة قطر وللمفاوضين القطريين بأن يتحلوا بالمرونة اللازمة والقدرة على التواصل مع أطراف الصراع كافة، من خلال دبلوماسية تسعى للمحافظة على مسافة متساوية من الجميع مع فهم ملحوظ للحساسية الثقافية لأطراف الصراع المختلفة27. واعتمدت الدوحة نوعًا آخر من الأسلوب الناعم، يتمثّل في العمل على تحقيق التوافق الإقليمي والدولي حول هذه النزاعات، وذلك من خلال العمل ضمن سياسات شاملة وتحالفات استراتيجية وشراكات دولية وإقليمية. فالدبلوماسية القطرية تعمل على حشد الدعم الدولي والتوافق الإقليمي، لحل هذه الأزمات، وإيجاد الضمانات اللازمة لتنفيذ اتفاقيات السلام واستدامتها28.

وفيما يتعلق بتأثير القوة الناعمة القطرية في مساعي الوساطة القطرية، تجدر الإشارة إلى أن أهم أنماطها تمثلت في قناة الجزيرة وخطوط الطيران القطرية والمبادرات الإنسانية القطرية والاستثمارات الخارجية والتجارة والتحالفات والشراكات الدولية. كما أن الشراكات في مجال الطاقة مع العديد من الدول خلقت أوجه ترابط منحت الجهات الخارجية الفاعلة سببًا رئيسًا للحفاظ على استقرار قطر وأمنها؛ ما سهل على الدوحة ممارسة دورها بوصفها وسيطًا، على الرغم من التحديات التي مرت بها. ويضاف إلى هذه الشراكات السياسة الخارجية المبنية على التعاون المتبادل، وإقامة التوازن بين العلاقات المتنافسة إقليميًا ودوليًا، والعمل بكل حيادية واستقلالية وفق أحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لقد مكّن جميع ما سبق قطر من الانخراط في مهمات الوساطة في العديد من الملفات بالمنطقة؛ إذ تعتمد الدوحة في وساطتها على الإقناع، ولا تلجأ إلى استغلال الوضع السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي الهش في مناطق الصراع. كما تأخذ وساطتها في الاعتبار الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والثقافية للأطراف؛ إذ تهدف هذه الجهود إلى تسوية الصراع وليس إدارته، من دون فرض أي إملاءات على طرف ما29. هذا فضلً عن الاستثمار في مشاريع التنمية المستدامة

  1. Ruslan Minich, "Conflict Mediation: The Qatari Experience," Historia i Polityka , vol. 21, no. 14 (2015), pp. 121-133.
  2. Stig Jarle Hansen (ed.), "Religion, Prestige and Windows of Opportunity? (Qatari Peace-Making and Foreign Policy Engagement)," Noragric Working Paper, no. 48, Department of International Environment and Development Studies NORAGRIC (October 2013), accessed on 17/8/2021, at: https://bit.ly/2OXdU9A
  3. الجمهورية التركية، منظمة التعاون الإسلامي، 27 تقرير موجز للمؤتمر الثالث للدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي حول الوساطة، 2019/11/1، شوهد في 2021/8/17،
  4. سعادة السفير الدكتور مطلق بن ماجد القحطاني يحاضر." 29 المرجع نفسه.
  5. فh يttps://bit.ly/3x0yAxn:

وبرامج إعادة الإعمار في مناطق النزاع. فأسفر اتباع هذا النهج عن نتائج مميزة، منحت قطر ثقة المجتمع الدولي بصفتها وسيطًا موثوقًا به، أهلها للحصول على المرتبة الأولى في مؤشر السلام العالمي على منطقة الشرق الأوسط والمرتبة السابعة والعشرين على مستوى العالم30.

2. الدبلوماسية الإنسانية والتنموية

تميزت قطر، كما أسلفنا، بقدرتها على الربط بين الوساطة والعمل الإنساني والتنمية المستدامة والدبلوماسية الإنسانية؛ فساعدتها إمكانياتها الاقتصادية والمالية على تحمل نفقات عمليات الوساطة والسلام والتنمية، وتوفير الضمانات اللازمة لتنفيذ اتفاقات السلام التي يتم التوصل إليها مع أطراف الصراع. ففي بعض الأحيان، لم تكتفِ قطر بدور الوساطة لتسوية النزاعات فحسب، بل امتد عملها لتنفيذ برامج تنموية مصاحبة لاتفاقيات السلام. وخير دليل على ذلك ما قامت به بعد اعتماد "وثيقة الدوحة للسلام في دارفور" عام 2011 التي وجدت ترحيبًا دوليًا واسعًا31؛ إذ واصلت الدوحة جهودها الإنسانية والتنموية بتنفيذ العديد من البرامج التنموية على الأرض السودانية لحصد ثمار هذا النجاح. ولم تقتصر البرامج التنموية على دارفور، بل أدّت قطر أيضًا الدور نفسه في العديد من مناطق النزاع في لبنان وفلسطين. فعلى سبيل المثال تملك الدوحة تجربة طويلة في فلسطين؛ ذلك أنها ساهمت عدة مرات في تخفيف حدة الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل، ولا سيما في قطاع غزة مع التعبير عن الاستعداد الكامل لمواصلة مسيرتها في تحقيق الوفاق الفلسطيني - الفلسطيني من أجل الوصول إلى اتفاق مصالحة شامل بينهم لتوحيد الصف الفلسطيني في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، والذي تأمل أن يتم من خلال العودة إلى حدود 1967 وحل الدولتين والقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين مع حق العودة للاجئين الفلسطينيين32. كما تدرس الدوحة مع شركائها الدوليين تنفيذ مشاريع تنموية واجتماعية في أفغانستان لدعم عملية السلام الداخلية بحسب الأولويات المحلية، عند الانتهاء من عملية السلام والتوصل لاتفاق بين الفرقاء الأفغان. وفيما يتعلق بدعم جهود السلام والوساطة والتنمية المستدامة في الدول التي تعاني الصراعات، فلدى قطر نهج واضح من عدة نواحٍ. فمن ناحية التعليم، يظهر دور مؤسسة التعليم فوق الجميع تحت رعاية سمو الشيخة موزا المسند، والمعنية بالدفاع عن الحق في التعليم، ولا سيما في مناطق النزاع بهدف التعافي من الأعمال العدائية وتعزيز الاستقرار والتنمية؛ فقد تم تصميم برنامج معني بحماية الحق في التعليم في ظل النزاعات وانعدام الأمن. وتعمل المؤسسة مع شركاء كالأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الأكاديمية العالمية والهيئات الحكومية وغير الحكومية؛ وقد نتج من ذلك التحالف أن تم في عام 2018 التصديق على إعلان المدارس الآمنة مع عدد من الدول، بهدف رفع الوعي والتأثير في السياسات الدولية لاتخاذ بعض الخطوات الملموسة لتقديم أفضل وسائل الحماية للطلاب والمعلمين في ظل النزاعات33.

3. سرية المفاوضات

تعتبر سرّية المفاوضات من المبادئ الأساسية الأخرى التي تعتمد عليها قطر في وساطتها ومساعيها الحميدة. فالسرية تعدّ عنصرًا رئيسًا في المفاوضات؛ لعدة أسباب، من أهمها عدم انكشاف الموقف التفاوضي لأي طرف، والذي قد يضعه في موقف سياسي حرج ويضعف من موقفه التفاوضي، ما قد يؤدي إلى انهيار العملية التفاوضية أو فشلها. ويصعب على الوسيط التحكم في منع تسريب المفاوضات أو انتهاك أحد أطراف النزاع مبدأ السرية أو التحكم في تجاوزاتهم تجاه العملية التفاوضية. ولكن من المهم أن لا يكون للوسيط أي دور في تسريب مثل هذه المعلومات؛ فعدم الحفاظ على سرية المفاوضات يضعف

  1. Institute for Economics and Peace (IEP), Global Peace Index 2020 , Measuring Peace in a Complex World , International Reports no. 21 (January 2021), accessed on 17/8/2021, at: https://bit.ly/3wZptx6
  2. Barakat, "The Qatari Spring."
  3. دولة قطر، وزارة الخارجية، "السفير العمادي يعلن نجاح جهود دولة قطر في التوصل لاتفاق تهدئة في قطاع غزة"، 2020/8/31، شوهد في 2021/8/17، في:
  4. https://bit.ly/3x2hj73 الجزيرة نت؛ "فتح وحماس توقعان إعلان الدوحة،"، 2021/2/6، شوهد في 2021/8/17، في https://bit.ly/3zvqD4U: 33 دولة قطر، وزارة الخارجية، "دولة قطر تجدد حرصها على حماية الأطفال في النزاعات المسلحة"، 2018/7/11، شوهد في 2021/8/17، في: https://bit.ly/3iPyVho

صدقية الوسيط. فقد أشار ديفيد هوفمان إلى ضرورة الحفاظ على السرية، وهي تقوم على أمرين: الأول، الحفاظ على سرية عملية الوساطة تجاه الأطراف خارج الوساطة. والثاني، عندما يجتمع الوسيط على انفراد مع أحد الطرفين في سلسلة الجلسات الخاصة، فإنه يكون محل ثقة عالية لديهما. وبذلك، يفترض الحفاظ على سرية كل ما يقال في الجلسة، حتى إن كان ثني الحقيقة سيعزز قضية التسوية، بمعنى آخر يجب أن يتجنب الوسيط إجراء العملية بطريقة قد تضر بالمشاركين أو تزيد النزاع سوءًا أو بطريقة قد تؤجج عداء الأطراف بعضها تجاه بعض34. أشار جيمس وال وتيموثي دُن إلى أنه على الرغم من بذل المشاركين في الوساطة أقصى جهدهم للحفاظ على السرية، فإن الوساطة قد لا تكون دائمًا كذلك؛ لهذا قد يحجب المتنازعون أحيانًا بعض المعلومات خوفًا من استخدامها لاحقًا ضدهم35. ويشير إبراهيم العناني إلى أن حرية اختيار أطراف النزاع للوسيط، والحفاظ على سرية النزاع، قد يساهمان في حث الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة في مواقفهما حتى يصلا إلى نقطة التقاء وتسوية توافقية ترضي جميع الأطراف36. وبناء عليه، يفترض أن تبدي الأطراف المتنازعة حسن النية والمرونة والتعاون لإنجاح الوساطة، ويتطلب ذلك الثقة في قدرة الوسيط المختار وخبرته ونزاهته ومهارته. ومن هذا المنطلق يتضح أن الدور الذي مارسته قطر بالحفاظ على سرية وساطتها بين الأطراف المتنازعة في الدول المعنية أكسبها هذه الصدقية. ومن ناحية أخرى، فإن الضغط الإعلامي على طرفي النزاع لتقديم تصريحات فيما يتعلق بالعملية التفاوضية، ولا سيما عندما يستدعي الأمر وقف العمليات القتالية أو خفض تصعيد حدة العنف، قد يؤدي إلى أن يخلط الطرفان بين ما يمكن التصريح به وما لا يمكن التصريح به، والذي قد يعتبر تسريبًا لسرية العملية التفاوضية. ومن ثمّ، قد تفشل العملية التفاوضية ويلقى اللوم على طرفي النزاع لعدم تحقيق التقدم المطلوب. وفي جميع الأحوال، يفترض أن يتحلى الوسيط بالمهنية والكفاءة العالية في معرفة كيفية التعامل مع وسائل الإعلام، ووضع خطة وآلية مشتركة مع طرفي المفاوضات للعمل بهذه الكيفية. فعلى سبيل المثال، تدخل الوسطاء القطريون في الكثير من النزاعات والمفاوضات من دون الإعلان عنها بصفة مباشرة أو غير مباشرة، كالحالة في غامبيا في عام 2017، وفي ميانمار في عام 2018، وفي منطقة آسيا الوسطى في عام 2019، وفي الخلاف التركي – اليوناني في عام 2020. فعلى الرغم من أن الدوحة هي عاصمة الإعلام المرئي من خلال قناة الجزيرة، لم تعطِ قطر أي تفاصيل عن كل هذه المساعي وغيرها من الجهود والمبادرات التي تعكف عليها وتجري إدارتها بهدوء وخلف الكواليس بعيدًا عن الدعاية الإعلامية37. يعزز ذلك مكانة قطر بوصفها وسيطًا نزيهًا ومحايدًا، يمكن الوثوق به أو اللجوء إليه أو القبول بدعوته للتوسط. ومن ثمّ يعدّ هذا البعد والانطباع العام عن دور قطر وتُعد وساطتها أمرًا مهمً، يجب ترسيخه والمحافظة عليه بشتى الوسائل، لتحقيق أكبر قدر من النتائج المرجوة منه على المديين المتوسط والبعيد.

4. الالتزام بقواعد القانون الدولي

تلتزم دولة قطر بتطبيق مبدأ الالتزام بقواعد القانون الدولي عندما تقوم بالتيسير أو التوسط بين الفرقاء وأطراف النزاع؛ إذ تراعي الإطار الذي تنشئه قواعد القانون الدولي التي تحكم الوضع المعين، وأهمها اتفاقيات القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان واللاجئين، والقانون الدولي الجنائي. ويسهم الاتساق مع القانون الدولي في تعزيز مشروعية العملية واستدامة اتفاق السلام، ويساعد كذلك في تعبئة الدعم الدولي لتنفيذ اتفاق السلام. وتنص المادة)4(من اتفاقية لاهاي لتسوية المنازعات الدولية38 على أن مهمة الوسيط تتمحور حول تهدئة مشاعر الاستياء، والتوفيق بين الادعاءات المتضادة بين المتنازعين، بينما تنص المادة 5() على أن مهمات الوسيط تنتهي حين يعلن أحد أطراف النزاع أو الوسيط نفسه بأن وساطته ومقترحاته للتوفيق بين الأطراف لم تلق القبول. ومن ثمّ، تتحلى السياسة القطرية في الوساطة بالوضوح والإعراب عن سياساتها وسيطًا وفق القبول الصريح من طرفي المفاوضات في التوسط؛ ذلك أن قطر لا تسعى لفرض إرادتها على الفرقاء وتلتزم بقواعد القانون الدولي، وتعمل على وضع خيارات أخرى لإنهاء المفاوضات من خلال دعوة الفرقاء إلى إحالة نزاعهم، ولا سيما عندما يغلب عليه الطابع الفني، إلى التحكيم أو القضاء الدولي وتسويته وفق أحكام القانون الدولي. وتقوم الدوحة عادةً بتوثيق مخرجات وساطتها، من خلال إحالة اتفاقيات السلام أو مذكرات التفاهم التي تم التوصل إليها إلى

  1. David A. Hoffman, "Ten Principles of Mediation Ethics," Alternatives to the High Cost of Litigation , vol. 18, no. 8 (September 2000), pp. 147–169.
  2. James A. Wall & Timothy C. Dunne, "Mediation Research: A Current Review," Negotiation Journal , vol. 28, no. 2 (April 2012), pp. 217-244.
  3. إبراهيم العناني، التسوية السلمية للنزاعات الدولية (الدوحة: دار نشر جامعة قطر،.)2020
  4. سعادة السفير الدكتور مطلق بن ماجد القحطاني يحاضر."
  5. Handbook on the Peaceful Settlement of Disputes between States," United Nation Digital Library (1992), accessed on 17/8/2021, at: https://bit.ly/3x5P6w7

مجلس الأمن بغية إصدارها كوثيقة رسمية من وثائق الأمم المتحدة، وبالنتيجة تضفي عليها الشرعية والقانونية الكاملة. كما تجدر الإشارة إلى أن دور الوسيط يتطور أثناء عملية الوساطة أو المفاوضات؛ فهو ينتقل من مستضيف للمفاوضات إلى مسهل ثم إلى وسيط وفي بعض الأحيان إلى مُحكّم. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن أهداف التيسير والوساطة تعتبر متشابهة إلى حد ما، ولكن يكمن الاختلاف في أدوارها. فضلً عن ذلك، يتمثل دور الميسّ في مساعدة مجموعة متنازعة على اتخاذ قرار وهدف مشترك، من خلال تسهيل وتحفيز المناقشة المثمرة لمشكلة استراتيجية بين الأطراف المتنازعة والعمل على أن تكون المناقشات بناءة قدر الإمكان، لمحاولة تحقيق تفاهمات أفضل وتقريب وجهات النظر لتجنب المزيد من النزاعات المستقبلية، فإن دور الوسيط يتمثل في مساعدة الأطراف المتنازعة للتوصل إلى حل طوعي للنزاع، من خلال التركيز على المصالح والخيارات العملية والقانونية39. فمدى الالتزام بمخرجات المفاوضات يقع على عاتق الأطراف المتنازعة وحدها؛ إذ تشير المادة 6() من اتفاقية لاهاي لعام 190740 إلى أن غاية الوساطة هي تقديم النصح من دون فرض أي قوة ملزمة على الطرفين، ومن ثمّ يجب أن تلتزم الأطراف بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه. ذلك أنّ دوافع المتنازعين ومدى استعدادهم والتزامهم للتوصل إلى تسوية تؤثر كثيرًا في نتائج الوساطة؛ فكلما زاد استعداد المتنازعين لتسوية النزاع، زادت احتمالية نجاح الوساطة وفاعليتها41.

رابعًا: دراسات حالة من الوساطات القطرية السابقة: التحديات وآليات الحل

تواجه العديد من الدول العربية صراعات داخلية معقدة وحقيقية، وبذلك سيتناول هذا الجزء بالتحليل أهم حالات ال اررع التي توسطت بها قطر، وآليات فض النزاع التي جرى التعامل بها في عدة دول منها: اليمن، ولبنان، والسودان، وأفغانستان، وإرتيريا وجيبوتي.

1. اليمن

اندلعت حرب متقطعة تسمى "الحروب الست" في محافظة صعدة شمال اليمن، وفي المناطق المجاورة منذ عام 2004؛ فقد بدأ الصراع بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي بعد مقتل 3 جنود في مواجهة مع أنصار "منتدى الشباب المؤمن"، حينها أصدرت الحكومة قرارًا بالقبض على رئيسها، حسين الحوثي، ومن ثمّ أحاطت المنطقة التي تحصن بها، واندلع بها القتال حتى تمكنت القوات الحكومية من قتله مع عدد من أنصاره. وفي عام 2005 اندلع الصراع مجددًا، ثم اشتد بين رجال القبائل الموالية للحكومة ضد المسلحين القبليين الحوثيين، وامتد القتال إلى خارج صعدة حتى وصل في عام 2008 إلى ضواحي العاصمة صنعاء. فجذور الصراع اليمني تتجسد في تركيبة النظام الاجتماعي القائم على البعد القبلي، والذي بدورة أثر في الحالة السياسية والأمنية في اليمن42. بدأت الجهود القطرية في إيجاد حل للخلاف بين حكومة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح 2012-1990() وجماعة الحوثيين في عام 2007، أي بعد أكثر من ثلاث سنوات من اندلاع القتال بين الجانبين في عام 2004. وقد أسفرت تلك الجهود عن التوصل إلى إعلان وقف إطلاق النار بين الجانبين في 16 حزيران/ يونيو 2007، وتم التوقيع على اتفاق السلام بينهما في الدوحة في 2 شباط/ فبراير 2008 43. ولكن عملت بعض القوى ضمن طرفي النزاع لصالح بعض دول الجوار لكي تراكم مكاسبها، وبالنتيجة سعت لإفشال الجهود القطرية لأهداف قد تكون شخصية؛ ما تسبب في استئناف القتال بين الجانبين حتى نهاية عام 2009. وعلى الرغم من انتهاء دور الدوحة في اليمن، فإنها حاولت البناء مرة أخرى على ما تم إنجازه واستأنفت جهود وساطتها مجددًا في صيف 2010. وبالفعل، كُلّلت تلك الجهود مرة أخرى بالنجاح في نهاية آب/ أغسطس 2010 بتوقيع الطرفين على اتفاق بتجديد التزامهما بهدنةٍ ووقفٍ للعمليات القتالية44، إلا أنه في الشهر نفسه وبالتزامن مع الجهود القطرية، أعلنت السعودية تعهدها باستثمار ما يقارب مليار دولار في المناطق التي تضررت بسبب الحرب بين الحكومة وجماعة الحوثيين45. وبحسب المراقبين، كان لهذا الإعلان السعودي تأثير سلبي في الوساطة القطرية، نتج منه تغير في الموقف اليمني من خلال إضافة نقطة سادسة جديدة إلى النقاط الخمس المتفق عليها مسبقًا، وهي العلاقة بين السعودية واليمن، أو بمعنى آخر أن يكون للسعودية حق نقض الاتفاق من

  1. Jacob Bercovitch & Su-Mi Lee, "Mediating International Conflicts: Examining the Effectiveness of Directive Strategies," The International Journal of Peace Studies (2013), accessed on 17/8/2021, at: https://bit.ly/3gjjQ8c
  2. البنود 6-4 من اتفاقية لاهاي للتسوية السلمية للخلافات الدولية، يُنظر: " Handbook on the Peaceful Settlement of Disputes between States."
  3. Bercovitch & Lee.
  4. حروب الحوثيين الست.. رؤية تاريخية"، 42 الجزيرة نت، 2009/10/21، شوهد في 2021/8/17، في https://bit.ly/3iPgrxG:
  5. اتفاق أولي بين اليمن والحوثيين"، 43 الجزيرة نت، 2010/8/26، شوهد في 2021/8/17، فh يttps://bit.ly/3zvuIGg:
  6. Lucas Winter, "Conflict in Yemen: Simple People, Complicated Circumstances," Middle East Policy , vol. 18, no. 1 (Spring 2011).
  7. Ginny Hill & Gerd Nonneman, "Yemen, Saudi Arabia and the Gulf States: Elite Politics, Street Protests and Regional Diplomacy," Briefing Paper , Chatham House (May 2011), accessed on 17/8/2021, at: https://bit.ly/371T8ew

فبغض النظر عما سيقوم به طرفا النزاع في مرحلة التنفيذ عدمه.، سواء في التراجع عما تم الاتفاق عليه أو بتأثير من دول الجوار في قرار الاتفاق، يعتبر توقيع اتفاق السلام في حد ذاته إنجازًا ونجاحًا للوساطة القطرية46. وبذلك توقفت جهود الوساطة القطرية عند هذا الحد، ودخل اليمن في نفق ثورات الربيع العربي عام 2011، ودعم الحوثيون الثورة اليمنية حتى سيطروا على صنعاء في أيلول/ سبتمبر 2014. وفي عام 2015، فرضت الإقامة الجبرية على الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي -2015()، وفرّ بعدها إلى عدن ومنها إلى الرياض. وتلا ذلك فرض مجلس الأمن ووزارة الخزانة الأميركية عقوبات على الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، وكبار قادة الحوثيين بسبب عرقلتهم المرحلة الانتقالية التي شهدها اليمن47. وفي العام نفسه وتحديدًا، مع نهاية آذار/ مارس 2015، أعلنت السعودية بدء عملية "عاصفة الحزم" "لاستعادة الشرعية"، وما زالت رحى الحرب مستمرة في اليمن، وقد أصبحت أكبر كارثة إنسانية بحسب تقديرات الأمم المتحدة؛ إذ تجاوزت حدود الدولة اليمنية، وأصبحت اليوم خطرًا حقيقيًا على أمن المنطقة وسلامتها48. ومن المهم أن تكون هناك مبادرة لفتح قنوات اتصال بين السعودية وإيران؛ لإيجاد حل لهذه الأزمة من ناحية سياسية بدعم من المجتمع الدولي.

2. لبنان

تحول لبنان إلى ساحة مكشوفة للصراع الإقليمي والدولي، وقد بلغ الأمر ذروته في 2 كانون الأول/ ديسمبر 2004، حينما تبنى مجلس الأمن القرار رقم 1559 2004()، والذي بموجبة دعا إلى إجراء انتخابات الرئاسة اللبنانية بصفة حرة وعادلة مع انسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان49؛ ومن ثمّ أنهى ذلك القرار الوصاية السورية على لبنان. وفي 14 شباط/ فبراير 2005، اغتيل رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري الذي تولى رئاسة الحكومة خلال سنوات 1998-1992() و 2004-2000()؛ ما أدى إلى تبني مجلس الأمن بعدها بشهرين القرار رقم 1595 2005()، والذي بموجبة تم إرسال فريق تحقيق دولي من المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في الاغتيال50. قدّم الفريق بقيادة القاضي الألماني ديتليف ميليس Detlev Mehlis نتائجه الأولية لمجلس الأمن في 20 تشرين الأول/ أكتوبر؛ فأشار التقرير إلى تورط مسؤولين سوريين ولبنانيين في الاغتيال. ومع دخول قطر مجلس الأمن عضوًا غير دائم في كانون الثاني/ يناير 2006، اسُتبدل ميليس بالمدعي العام البلجيكي سيرج براميرتس Brammertz Serge. وبعدها بعدة أشهر، شنت إسرائيل حربها على لبنان في صيف عام 2006، وأدّت قطر دورًا رئيسًا لوقف تلك الحرب، من خلال التفاوض مع الولايات المتحدة وفرنسا والأطراف اللبنانية الأخرى. فبذلت الدوحة جهودًا حثيثة من خلال قيادتها ودبلوماسيتها مع الأطراف اللبنانية كافة، وبعض القوى الإقليمية والدولية الأخرى للتوصل إلى اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 1701 2006()، والذي بموجبه أوقفت الحرب الإسرائيلية على لبنان51. وبعدما اتفقت الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة على إنشاء محكمة خاصة في لبنان عام 2007، أحيلت الاتفاقية إلى مجلس النواب اللبناني للتصديق عليها، إلا أن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري رفض دعوة المجلس إلى التصويت عليها، وبناءً على طلب أغلب أعضاء المجلس ورئيس الوزراء، أحيل الموضوع مرة أخرى إلى مجلس الأمن، والذي بدوره اعتمد الاتفاق بموجب القرار رقم 1757 2007()، ومن ثمّ أُنشئت المحكمة الخاصة بلبنان. ومع انتهاء تمديد ولاية الرئيس اللبناني إميل لحود 2007-1998() في تشرين الثاني/ نوفمبر 2007، والتي كانت السبب في الأزمة التي بدأت عام 2004 52، دخل لبنان في حالة من الفراغ الرئاسي مع عجز الفرقاء اللبنانيين عن انتخاب رئيس جديد، وبلغ التوتر ذروته في أيار/ مايو بين معسكري 8 و 14 آذار53. استمرت حالة الاحتقان السياسي والاعتصام والفراغ الرئاسي والأزمة الحكومية في لبنان من دون حل؛ فعلى الرغم من محاولات بعض الجهات العربية والإقليمية والدولية لإقناع الفرقاء اللبنانيين بالجلوس إلى طاولة الحوار، فإن كل تلك الجهود لم يحالفها الحظ. وبذلك وبعد مشاورات حثيثة مع الأطراف الدولية والإقليمية الأخرى، دخلت الدوحة بثقلها السياسي في مبادرة بدعوة الأطراف اللبنانية كافة لعقد

  1. سعادة السفير الدكتور مطلق بن ماجد القحطاني يحاضر."
  2. مجلس الأمن يفرض عقوبات على الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح وقياديين حوثيين"، فرانس 24، 2014/11/8، شوهد في 2021/8/17، في: https://bit.ly/3zAFUlg
  3. United Nations Children's Fund (UNICEF), "Yemen Crisis," accessed
  4. United Nations, Security Council, Resolution 1559 (2004) , Adopted by the Security Council at its 5028th meeting, on 2 September 2004 , accessed on 17/8/2021, at: https://bit.ly/3i5X04q
  5. الأمم المتحدة، مجلس الأمن، 50 القرار   1595 2005() الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته 5160، المعقودة في 7 نيسان/ أبريل 2005، شوهد في 2021/8/17، في: https://bit.ly/3ry6Gbb
  6. United Nations, Security Council, Resolution 1701 (2006) , Adopted by the Security Council at its 5511th meeting, on 11 August 2006 , accessed on 17/8/2021, at: https://bit.ly/3x5vcBm إميل لحود"، 52 الجزيرة نت   "، 2011/5/10، شوهد في 2021/8/17، في: https://bit.ly/3i4s6JF
  7. on 17/8/2021, at: https://uni.cf/3yccGJe
  8. زياد ماجد، "الاستنزاف القاتل: آفاق حزب الله في المستنقع السوري"، 53 ورقات تحليلية، مركز الجزيرة للدراسات، 2015/6/11، شوهد في: 2021/8/17، في: https://bit.ly/3BHoNzN

مؤتمر للحوار الوطني في الدوحة خلال الفترة 21-16 أيار/ مايو 2008، بمشاركة أعضاء لجنة جامعة الدول العربية وأمينها العام بحكم العلاقات القطرية مع الأطراف اللبنانية كافة، ولا سيما خلال حرب لبنان، إضافة إلى علاقة الدوحة مع طهران ودمشق اللتين كان لهما ثقل سياسي في الشأن اللبناني. وبعد مشاورات ومفاوضات مضنية وحثيثة، اتفق في نهاية المطاف الفرقاء اللبنانيون على انتخاب رئيس جديد، وإقرار قانون الانتخاب، وتشكيل حكومة جديدة. فقد رحب اللبنانيون والكثير من القوى الإقليمية والدولية، ومنها إيران والولايات المتحدة، بهذا الاتفاق الذي وظفت فيه قطر إمكانياتها السياسية والاقتصادية وعلاقاتها الإقليمية والدولية لحل تلك الأزمة. وبذلك تم طي شهور من الاحتقان السياسي في لبنان، وتجنب اندلاع حرب أهلية كادت أن تقع. كما زار الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أحياء بيروت التي يسيطر عليها حزب الله والمناطق المتضررة في جنوب لبنان بعد حرب 2006، وخصص نحو 300 مليون دولار أميركي في مشاريع إعادة الإعمار القطرية لإصلاح وإعادة بناء المنازل والمرافق المتضررة. ولا شك في أن الدعم المادي والمعنوي القطري للبنان على مر تلك السنوات، ولا سيما بعد هذه الحرب، ساهم في القبول بدولة قطر وسيطًا محايدًا يسعى لإنهاء الأزمات السياسية التي كانت تعصف بلبنان54. فمن المهم العمل على إعادة الاستقرار وإنهاء حالة الاستقطاب وسياسة المحاور في المنطقة. ولعل تسوية الصراع الإقليمي بين طهران والرياض ستكون له آثار إيجابية في استقرار لبنان والمنطقة. ونرى، اليوم وبعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا تقريبًا، تكرار حالة الاحتقان السياسي السابقة في لبنان، ولكن في ظل ظروف وسياقات إقليمية وسياسية مختلفة، ومع ذلك ما زالت الدوحة تدعو جميع الأطراف اللبنانية إلى تغليب المصلحة الوطنية، والتعجيل بتشكيل الحكومة، مؤكدةً أنها ستدعم رأب الصدع بين الأطراف السياسية كافة، تمهيدًا لفتح الباب أمام مساهمات إعادة الإعمار والمساعدات الاقتصادية لحل الأزمة الراهنة في لبنان55.

3. السودان

يعتقد البعض أن الدور القطري في التوسط لحل النزاع القائم في السودان، وتحديدًا في إقليم دارفور، بدأ في عام 2008 56، بينما بدأ هذا الدور يتشكل منذ عام 2006، أي منذ دخول دولة قطر في مجلس الأمن عضوًا غير دائم. وعلى الرغم من العلاقة الشعبية القطرية - السودانية الحميمة، منذ استقلال قطر في عام 1971 57، فإن هذه الجهود ظهرت رسميًا وللعلن في عام 2008، أي بعد بعض المحاولات للتوصل إلى اتفاق في أديس أبابا في عام 2004، وأبوجا في عام 2006 58. فانطلقت هذه الجهود بحشد الدعم الدولي في عواصم الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن وبعض عواصم الدول الأفريقية والمنظمات الدولية والإقليمية، وكللت بتوقيع "وثيقة الدوحة للسلام في دارفور"59 في تموز/ يوليو 2011، حيث اعتمدها مجلس الأمن والدستور السوداني60. وقد تلا ذلك إطلاق صندوق دعم دارفور عام 2012، وبدأت بذلك لجنة متابعة تنفيذ "وثيقة الدوحة للسلام في دارفور" لعقد اجتماعاتها بين الدوحة والخرطوم دوريًا برئاسة قطر والأمم المتحدة61. استمرت الجهود القطرية بالتعاون مع ألمانيا والاتحاد الأفريقي لحث الفصائل التي لم توقع بعد على اتفاق الدوحة في الدخول في مفاوضات بينها وبين الحكومة السودانية على أساس وثيقة الدوحة مع إمكانية إثارة أي مواضيع أخرى لم تشملها الوثيقة62. وبالفعل كللت هذه الجهود بالنجاح، من خلال التوقيع على اتفاق إطاري بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان، وبحضور الوسيط القطري في برلين في 6 كانون الأول/ ديسمبر 2018، حيث التزمت الأطراف الموقعة باستئناف المفاوضات في الدوحة63. بدأت المشاورات في الدوحة على هذا الأساس وتم الاستعداد لوضع اللمسات الأخيرة لاستئنافها بصفة رسمية في 15 كانون الثاني/ يناير 2019، إلا أنه اندلعت موجة من الاحتجاجات ضد حكم الرئيس السوداني عمر البشير، وتطورت الأحداث وامتدت المظاهرات لتصل

  1. Barakat, "Qatari Mediation," p. 58.
  2. مصادر خاصة للجزيرة نت: وزير الخارجية القطري التقى باسيل وهاتف الحريري الجزيرة نت لإيجاد توافق لبناني"،، 2021/2/10، شوهد في 2021/8/17، في: https://bit.ly/3i4tqMD
  3. Kamrava.
  4. دولة قطر، الديوان الأميري، "تأسيس الدولة"، شوهد في 2021/8/17، في: https://bit.ly/370Asf7
  5. أبرز نقاط اتفاق سلام دارفور الموقع"، 58 الجزيرة نت، 2006/5/6، شوهد في 2021/8/17، في https://bit.ly/2UIfNtU:
  6. الأمم المتحدة، مجلس الأمن، "وثيقة الدوحة للسلام في دارفور"، شوهد في 2021/9/8، فh يttps://bit.ly/2YCB89F:
  7. United Nations, Security Council, Resolution 2024 (2011) , Adopted by the Security Council at its 6683rd meeting, on 14 December 2011 , accessed on 17/8/2021, at: https://bit.ly/3eYXiIi
  8. اجتماع بالدوحة لمناقشة سلام دارفور"، 61 الجزيرة نت، 2018/7/12، شوهد في 2021/8/17، في https://bit.ly/3kX0ecc:
  9. عبد الحميد عوض، "الحكومة السودانية الجديدة تشكل فريقًا لمواجهة الانفلات العربي الجديد الأمني والضائقة المعيشية"،، 2021/2/10، شوهد في 2021/8/17، في: https://bit.ly/3y5furp
  10. دولة قطر، وزارة الخارجية، "قطر تشارك في مراسم توقيع اتفاق ما قبل التفاوض بين حكومة السودان وحركتي العدل والمساواة وتحرير السودان"، 2018/12/7، شوهد في 2021/8/17، في https://bit.ly/372ciB2:

إلى العاصمة السودانية، وأدت في نهاية المطاف إلى عزل البشير في 11 نيسان/ أبريل 2019 وتشكيل مجلس انتقالي لحكم السودان. وعلى الرغم من عزل البشير، فإن الفرقاء السودانيين لم يتمكنوا من الجلوس إلى طاولة المفاوضات في الدوحة بحسب اتفاق برلين، ودخل السودان في نفق آخر اتضح فيما بعد أن قوى إقليمية لم تكن مرحبة بالدور القطري وتطمح إلى أن تكون السودان مغذية لبعض صراعات المنطقة، ومنها الحرب في اليمن وليبيا. بعد ذلك، قام المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة بتشكيل مجموعة اتصال دولية، ضمت مجموعة محددة من الدول لدعم السودان، لاستئناف العملية السلمية السودانية وبمشاركة قرابة عشرين دولة ومنظمة، من بينها أربع دول عربية فقط، وهي السعودية والإمارات ومصر وقطر. وبذلك استمرت قطر في المشاركة في هذا المشاورات والجهود بكل فاعلية، بل قام أيضًا المسؤولون القطريون بزيارة الخرطوم وجوبا وأديس أبابا لهذا الغرض إلى حين تم التوقيع على اتفاق سلام السودان في جوبا في 31 آب/ أغسطس 2020، وكانت قطر من ضمن الدول القليلة التي شهدت توقيع هذا الاتفاق64. وقد تلا ذلك الاتفاق زيارة مسؤولي جنوب السودان للدوحة، إضافة إلى المسؤول السوداني الأول عن المفاوضات، والنائب الأول للمجلس السيادي السوداني محمد حمدان دقلو "حميدتي" في أول زيارة لمسؤول سوداني للدوحة بعد سقوط نظام البشير خلال شباط/ فبراير 2021 65. وعقدت عدة مشاورات مع القيادة والمسؤولين القطريين حول تنفيذ اتفاق جوبا، إدراكًا منهم للدور القطري الفعال الذي ساهم في تعزيز السلام والتنمية في السودان وفي إقليم دارفور.

4. جيبوتي - إرتيريا

نشب نزاع حدودي مسلح ب ننجيبوتي وإرت يررا في 10 حزيران/ يونيو 2008، وعلى وجه الخصوص في منطقه استراتيجية مطلة على باب المندب وهي جبل وجزيرة دم ةرر66. وقد تطور الصراع حتى أصبح ضمن أجندة مجلس الأمن؛ ما أدى إلى عقد المجلس جلسة خاصة لهذا الغرض، ترتب عليها إرسال بعثة تابعة للأمم المتحدة إلى المنطقة المتنازع عليها لتقصي الحقائق. وقد أصدرت البعثة تقريرًا بعد عودتها، أكدت فيه أن المواجهة بين جيبوتي وإرتيريا قد يكون لها تأثير سلبي كبير في المنطقة بأكملها والمجتمع الدولي الأوسع، مشيرةً إلى أن جيبوتي انسحبت من المنطقة المتنازع عليها بينما لم تفعل إرتيريا ذلك؛ إذ لم تسمح الحكومة الإرتيرية لبعثة تقصي الحقائق بالدخول إلى إرتيريا. وبناء عليه، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1872 في 14 كانون الثاني/ يناير 2009، يحث فيه الطرفين على تسوية النزاع سلميًا67. ولكن بسبب تعنت الجانب الإرتيري، فرض مجلس الأمن عقوبات على إرتيريا في 23 كانون الثاني/ ديسمبر 2009؛ لتقديمها الدعم للجماعات المسلحة التي تقوض السلام والمصالحة في الصومال، ولأنها لم تسحب قواتها في أعقاب الاشتباكات مع جيبوتي، وفرضت تلك العقوبات حظرًا على الأسلحة، وقيودًا على السفر، وتجميدًا لأصول قياداتها السياسية والعسكرية68. إضافة إلى ما سبق، بجهود غير معلنة وبمساعٍ بين الطرفين خلال تلك الفترة، وافق الطرفان في بداية حزيران/ يونيو 2010، على طلب الوساطة القطرية، ونتج من هذه الوساطة إرسال قوات حفظ سلام قطرية في المنطقة المتنازع عليها؛ ما أدى إلى انسحاب القوات الإرتيرية من المناطق التي كانت تسيطر عليها. وبذلك نجحت الوساطة القطرية في الحفاظ على تحقيق الأمن والسلم الإقليمي في منطقة حيوية، تقع أمام مسار بحري دولي حيوي للتجارة الدولية والاقتصاد العالمي69. ومن هذا المنطلق، استمرت قوات حفظ السلام القطرية في عملها واستمر المفاوضون القطريون في مشاوراتهم مع الجانبين لترسيم الحدود بين الدولتين، والنظر في إمكانية الموافقة على اللجوء إلى التحكيم أو إلى القضاء الدولي، وكذلك تبادل أسرى الحرب بين الجانبين. وفي آذار/ مارس 2016، أفرجت إرتيريا عن أربعة أسرى حرب جيبوتيين70، وزار المسؤولون القطريون أسرى الحرب الإرتيريين لدى جيبوتي في شباط/ فبراير 2017، تمهيدًا لنقلهم إلى المكان المناسب لهم. لكن نظرًا إلى اندلاع الأزمة الخليجية في حزيران/ يونيو 2017 بعدها بثلاثة أشهر، ووقوف جيبوتي مع دول الحصار، لأسباب مجهولة وغير مبررة أدت إلى قطع علاقتها مع الدوحة، سحبت دولة قطر قوات حفظ السلام التابعة لها من المنطقة المتنازع عليها، وهي نتيجة منطقية لهذا الموقف الجيبوتي الخطير، وحتى لا تتعرض

  1. السلام في السودان: توقيع اتفاق لتقاسم السلطة بين الحكومة وجماعات مسلحة بي بي سي عربي متمردة"،، 2020/10/3، شوهد في 2021/8/17، في: https://bbc.in/3zs8Pb4
  2. حميدتي يصل إلى الدوحة في أول زيارة رسمية له لقطر،" 65 الجزيرة نت، 2021/1/30، شوهد في 2021/8/17، في https://bit.ly/3BJzUrY:
  3. التسلسل الزمني للنزاع على الحدود بين جيبوتي وإريتريا"، 66 الجزيرة نت، 2017/6/17،
  4. United Nations, Security Council, Resolution 1862 (2009) Adopted by the Security Council at its 6065th meeting, on 14 January 2009 , accessed on 17/8/2021, at: https://bit.ly/3y6LyLy
  5. Ibid.
  6. التسلسل الزمني للنزاع على الحدود بين جيبوتي وإريتريا." 70 المرجع نفسه.
  7. شوهد في 2021/8/17، في https://bit.ly/2Veut3v:

القوات القطرية للخطر71. ومن ثمّ، أدى انسحاب القوات القطرية إلى احتلال القوات الإرتيرية للمنطقة المتنازع عليها. وقد أعرب مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي عن قلقهما من التوتر الناجم عن عودة الخلاف بين جيبوتي وإرتيريا بعد انسحاب القوات القطرية؛ فقد دعا رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي Faki Moussa -2017() في بيان له إلى "الهدوء وضبط النفس"، كما دعا مجلس الأمن إلى ضرورة تسوية النزاع سلميًا وفق أحكام القانون الدولي72. في حين قالت جيبوتي في مؤتمر صحافي إن "جيبوتي بلد مسالم ويعطي الأولوية للحلول الدبلوماسية"، و"إذا واصلت إريتريا السعي إلى حلول عسكرية فإن جيبوتي جاهزة لهذا الاحتمال"73. واستجابة لدعوة السعودية، التقى رئيسا كل من إرتيريا وجيبوتي في مدينة جدة في 17 أيلول/ سبتمبر 2018، ولكن لم يكن اللقاء حاسمً للنزاع، ولم يعالج جذور الأزمة القائمة بين الطرفين وأتت تلك الجهود لدعم سياقات مختلفة في ظل الأزمة الخليجية والحرب الدائرة في اليمن وأزمة الموانئ74. وعلى الرغم من اجتماع جدة، فإن رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيلي -1999() استمر في الإشارة إلى أن إرتيريا تعدّ مصدرًا لعدم الاستقرار في المنطقة. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2020، رفض جيلي الدعوة التي وجهها إليه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد -2018() للقاء الرئيس الإرتيري، أسياس أفورقي)-1993(، نتيجة عدم تحقيق تقدم في الخلاف الحدودي بين البلدين75.

5. أفغانستان

حينما استولت حركة طالبان على كابل في أيلول/ سبتمبر 1996، وأعلنت قيام إمارة أفغانستان الإسلامية، اعترفت بها ثلاث دول فقط، هي السعودية والإمارات وباكستان. استمرت هذه العلاقة حتى سقوط طالبان بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، ورفضها تسليم قادة تنظيم القاعدة للولايات المتحدة، وترتب على ذلك غزو واحتلال قوات التحالف الدولية بقيادة الولايات المتحدة لأفغانستان. وبناء عليه، تواصلت الأمم المتحدة، وخصوصًا أمينها العام كوفي عنان Kofi Annan 2007-1997() ومبعوث الأمم المتحدة لأفغانستان الأخضر الإبراهيمي مع قطر، وطلب الطرفان أن تستضيف الدوحة المفاوضات، إلا أن القيادة القطرية اقترحت أن يكون المؤتمر الأفغاني شاملً، بمعنى أن يشمل الفرقاء الأفغان كافة. إلا أن الإبراهيمي رفض ذلك، ومن ثمّ انتقل إلى بون في ألمانيا، وأعقب ذلك توقيع الاتفاق بها في كانون الأول/ ديسمبر 2001 76، بمشاركة الفرقاء الأفغان، باستثناء طالبان. وفي عام 2006، اعترف الإبراهيمي بأنه أخطأ بعدم دعوة طالبان لمؤتمر بون؛ إذ بدأت طالبان مع عام 2007 ببسط سيطرتها على أماكن واسعة من الأراضي الأفغانية. وتبع ذلك تغيير في المواقف المتشددة الرافضة للحوار مع طالبان؛ فبدأت تنفتح قنوات خلفية للحوار مع طالبان في عام 2010، إلا أنها توقفت بسبب القبض على عبد الغني برادار Abdul Ghani Baradar أحد قادة طالبان في باكستان77. كما استمرت هذه الجهود بصفة سرية في الدوحة، إلى حين الإعلان عنها رسميًا عام 2013؛ إذ تواصلت المحاولات والمساعي القطرية لرأب الصدع الأفغاني إلى حين وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب Trump Donald 2021-2017() إلى السلطة في عام 2017. وفي بداية عام 2018، بدأت تلوح في الأفق آمال جديدة وحركة نحو الرغبة في تحقيق السلام في أفغانستان؛ فكللت جهود الدوحة بالتعاون مع إسلام أباد باتفاق وقف إطلاق النار في تموز/ يوليو 2018 78. وفي أيلول/ سبتمبر 2018، عين الرئيس ترامب، زلماي خليل زاد Khalīlzād Zalmay، مبعوثًا خاصًا للولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان، وعقد اجتماعه الأول مع طالبان وبصفة علنية ورسمية في الدوحة في تشرين الأول/ أكتوبر 2018. في حين كانت الإمارات والسعودية تسعيان لعقد هذه المفاوضات لديها بالتعاون مع باكستان، ولا سيما أن هذه الدول هي نفسها التي كانت تعترف بطالبان قبل سقوط حكمها في 2001. وعلى الرغم من تلك المحاولات، استأنفت المفاوضات مجراها مرة أخرى في الدوحة في تشرين الأول/ نوفمبر، واتفق على عقد جولة ثالثة في الدوحة في كانون الأول/ ديسمبر، إلا أن الدوحة فوجئت برغبة الجانب الأم كيرر في عقد المحادثات في أبوظبي، ولا سيما بعدما تلقت واشنطن تأكيدات من الرياض وأبوظبي وإسلام أباد تفيد أنها قادرة على إقناع طالبان بالجلوس مع وفد الحكومة الأفغانية. وبالفعل شاركت طالبان في ذلك الاجتماع، إلا أنها رفضت الجلوس مع وفد الحكومة الأفغانية؛ ما أدى إلى فشل تلك الجولة وعودة طالبان والوفد الأميركي إلى الدوحة في

  1. تأجج الخلاف بين جيبوتي وإريتريا بعد انسحاب كتيبة قطرية والأمم المتحدة تدعو لحل سلمي"، فرانس 24، 2017/6/20، شوهد في 2021/8/17، في: https://bit.ly/3BGAK97
  2. United Nations, Security Council, Resolution 1862 (2009).
  3. قلق أفريقي من تصاعد التوتر بين جيبوتي وإريتريا"، 73 الجزيرة نت، 2017/6/17، شوهد في 2021/8/17، في https://bit.ly/3rBK7C8:
  4. السعودية: الملك سلمان يشرف على توقيع اتفاق سلام 'إضافي' بين إثيوبيا وإريتريا بجدة"، فرانس 24، 2018/9/16، شوهد في 2021/8/17، في: https://bit.ly/2WnhTzJ
  5. الرئيس الجيبوتي يرفض مقابلة الرئيس الإرتري"، 75 إيرينا، 2020/10/21، شوهد في 2021/8/17، في https://bit.ly/3eVeui7:
  6. Bruce Riedel, "The mess in Afghanistan," Brookings, 4/3/2020, accessed on 17/8/2021, at: https://brook.gs/3xRavJN
  7. الملا برادر أحد مؤسسي حركة طالبان من السجن إلى مفاوضة الأمريكيين"، 77 بي بي سي، 2019/2/25، شوهد في 2021/8/17، في https://bbc.in/3zxV4Yk: عربي
  8. حميد الله محمد شاه، "مفاوضات 'طالبان' وواشنطن: السيناريوهات المتوقعة"، مركز الجزيرة للدراسات، 2019/4/8، شوهد في 2021/8/17، في: https://bit.ly/3l0zO9B

الشهر التالي. وبناء عليه، توصلت الإدارة الأميركية في ذلك الوقت إلى أنه لا مفر من العودة إلى الدوحة واعتماد النهج والأسلوب القطري في المفاوضات، وعندها بدأت المفاوضات الحقيقية والرسمية بين الجانبين في 21 كانون الثاني/ يناير 2019. فقد اتفق الطرفان على تصور عام حول شكل الاتفاق أو عناصره العامة، كما صاحب المفاوضات انتقال عبد الغني برادار إلى الدوحة وترؤسه المكتب السياسي79. وبذلك، استمرت المفاوضات عدة جولات، وكللت بنجاح اتفاق الأطراف على عقد سلام تاريخي بين الجانبين في الدوحة في 29 شباط/ فبراير 2020. وتبع ذلك إطلاق سراح آلاف الأسرى من الجانبين، ووقفٌ لإطلاق النار خلال عيدي الفطر والأضحى. مهد ذلك الاتفاق الطريق للمفاوضات الأفغانية – الأفغانية، التي بدأت في الدوحة في 12 أيلول/ سبتمبر 2020. فالتقي الفرقاء الأفغان، للمرة الأولى خلال العشرين سنة الماضية، إلا أن هذه المفاوضات توقفت بعد عام كامل من التفاوض بين الجانبين بمغادرة الرئيس الأفغاني، أشرف غني، ودخول طالبان وسيطرتها على كابل في 15 آب/ أغسطس.2021

خامسًا: مستقبل الوساطة القطرية بعد الحصار

عانت قطر عدة أزمات مع جيرانها؛ نتيجة اتباعها سياسات مستقلة، فُهمت على أنها تتعارض مع توجهات دول المنطقة، فوجدت نفسها وسط حملات مقاومة لممارسة دورها الإقليمي. فمنذ عام 2013، واجهت الدوحة أزمة سحب السفراء المتكررة وصولً إلى الحصار الذي فرض عليها في حزيران/ يونيو 2017. فكان الحصار مثالً حيًا اختبرت من خلاله دولة قطر مرونتها في مواجهة التحديات ودحض الافتراءات المختلقة عليها. واستطاعت قطر أن تتغلب على الآثار السلبية للحصار، وفتح آفاق جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي مع كثير من الدول80. فتبنت قطر بسرعة نهجًا استراتيجيًا لتحويل الظروف الصعبة إلى مزايا، من خلال تمكين قدرات الدولة بعدة طرق منها: تنويع الاقتصاد، والعلاقات الأمنية، وتحسين قدرتها في مجال الطاقة الذي ساهم في تطوير علاقاتها التجارية مع عدة حلفاء إقليميين مثل تركيا وإيران وباكستان، إضافةً إلى أنها حظيت بدعم عدد من الدول الأوروبية كالمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا لشراء المواد والاستثمارات الضخمة. كما استطاعت الدوحة الحصول على مكانة حتمية؛ بسبب قوتها في مجال الطاقة وقدرتها المالية واستثماراتها التجارية في الغرب. وبذلك، واصلت قطر مسيرتها في الوساطة وتسوية المنازعات من خلال مساعيها الحميدة، فتمكنت كما ذكر سابقًا من التوسط بين طالبان والولايات المتحدة وجمع الفرقاء الأفغان تحت مظلة واحدة في الدوحة في عام 2020. وبناء عليه، واصلت قطر مسارها وسيطًا معتبرًا، يمكن الوثوق به حتى خلال الأزمة التي مرت بها. بمعنى آخر، أثبتت أن سياستها المحورية والبراغماتية ساعدت في معالجة الكثير من الأزمات الإقليمية والدولية، حتى وهي واقعة تحت الحصار.

كما أشرنا سابقًا إلى أننا نعيش في منطقة ملتهبة تعاني توترًا شبه دائم، وكذلك بسبب الموقع الجغرافي لدولة قطر بين قوتين متنافستين رئيستين هما السعودية وإيران، فقد يستدعي ذلك أن تكون هناك مصلحة استراتيجية لدولة قطر للدخول بصفة وسيط بين الجانبين، ولا سيما بالعمل بسياسة الحياد الإيجابي التي تتبعها الدوحة في علاقاتها الخارجية. وبذلك قد تقوم اليوم قطر بدور محوري لمعالجة التناحر الإقليمي بين الرياض وطهران. ستستمر الدوحة في تبني موقف محايد وبنّاء في الوقت نفسه من الصراع الإيراني – السعودي، ولعل الموقف القطري من بيان الأمين العام لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، نايف فلاح الحجرف -2020()، حول طلب دول المجلس من الأمم المتحدة تمديد الحظر الدولي للأسلحة على إيران، خير دليل على ذلك81. فقد بينت قطر موقفها بأن موقفًا مثل هذا خاصةً تجاه القضايا الحيوية يصدر عادة من خلال اجتماعات وزراء خارجية المجلس وليس عبر بيانات الأمين العام، والتي تمثل رأي الأمانة العامة. كما أن دولة قطر لا ترى أن العقوبات الأحادية تسفر عن نتائج إيجابية لحل الأزمات، وإنما ترى

  1. المرجع نفسه.
  2. Abdullah Baabood, Qatar's Resilience Strategy and Implications for State-Society Relations (Roma: Istituto Affari Internazionali, 2017), p. 28.
  3. مسؤول قطري: مواقف مجلس التعاون تتخذ في اجتماعات وزراء الخارجية وعلاقاتنا الجزيرة نت مع إيران يحكمها حسن الجوار"،، 2020/8/11، شوهد في 2021/8/17، في: https://bit.ly/3kXbK7q

أن حل الأزمات يجب أن يكون من خلال الحوار. فدولة قطر أكدت أنها تعتبر إيران دولة جارة تربطها بها علاقات حسن الجوار ولها موقف تثمنه الدوحة، ولا سيما خلال أزمة الحصار، وبذلك تتطلع قطر إلى علاقات جيدة مع الجميع وبين الجميع؛ لأن قضية الأمن الإقليمي تتطلب حوارًا شاملً وحقيقيًا يضم كل الأطراف المعنية بالمنطقة وخاصةًالسعودية وإيران. كما أن الحوار يجب أن يكون مبنيًا على أحكام القانون الدولي واحترام سيادة الدول بعدم التدخل في شؤونها الداخلية، إضافة إلى أن قطر ملتزمة بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة وبمبدأ الحد من التسلح وجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، مع مراعاة حق الدول في الاستخدام السلمي للطاقة النووية82. ونعتقد أن الولايات المتحدة من الممكن أن تستفيد من استمرار دولة قطر في عقد تحالفات استراتيجية وبراغماتية مع كل من تركيا وإيران، بما ينبئ أنّ الدوحة قد تكون لها أدوار دبلوماسية تقوم بها في المستقبل لتعزيز الأمن الإقليمي والدولي.

خاتمة

لا شك في أن سياسة دولة قطر وتجربتها في الوساطة وتسوية المنازعات حافلة بالكثير من التجارب والإنجازات، وكذلك التحديات. كما أن الدافع الرئيس لجهود الوساطة القطرية هو خليط بين عدة عوامل: الإيمان الراسخ بالقوة الناعمة وقوة القانون الدولي وتحقيق السمعة الدولية المرموقة في هذا المجال. كما أنه لا شك في أن المبادرات والمساعي التي قامت وما زالت تقوم بها الدوحة، في منازعات معقدة ومركبة، قد زادت من تعقيدها وصعوبتها الظروف التي مرت وتمر بها منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى سياسة المحاور وحالة الاستقطاب والاعتقاد أن دولة قطر تعتبر دولة منافسة، كمصر في الحالة السودانية أو السعودية والإمارات في الحالة اليمنية أو غيرها من القوى الإقليمية الأخرى كباكستان والهند في الحالة الأفغانية. كما اتضحت تداعيات حصار قطر السلبية على النزاع الجيبوتي - الإرتيري التي أدت إلى توقف الوساطة القطرية في النزاع الحدودي بينهما وسحب قواتها من المناطق المتنازع عليها بين الجانبين. إضافة إلى سعيها الدؤوب لتحقيق السلم والأمن الدوليين في المنطقة، أعلنت قطر من خلال مسؤوليها عن استعدادها للتوسط بين إيران والسعودية من جهة، وبين تركيا والسعودية من جهة أخرى، وكذلك بين طهران وواشنطن متى توافرت الإرادة السياسة لدى الجانبين. فقد أدت دولة قطر دورًا دبلوماسيًا مهمً بين الولايات المتحدة وتركيا لتهدئة التوترات التي حصلت بين البلدين، مع التأكيد أنه من مصلحة الجميع أن تكون العلاقات ودية بين هذه الدول، خاصة بين دول أساسية ورئيسة، مثل السعودية وتركيا وإيران. لهذه الأسباب مجتمعةً، عادة ما تتغلب دولة قطر على التحديات التي تواجهها وتنجح في أن تكون أكثر فاعلية عند معالجة النزاعات الإقليمية ودون الإقليمية، ولا سيما في السياقات التي تتشارك فيها الأطراف جميعها الثقافة واللغة و/ أو الدين. فيمكن القول إن ما يميز جهود دولة قطر هو تمتعها بدرجة كبيرة من الصدقية والجدارة والثقة المتجذرة في حيادها نتيجة عدم حملها لإرث تاريخي (مثل الاستعمار) أو استخدام القوة والتهديد. أضف إلى ذلك غياب القوة الصلبة واستخدام القوة الناعمة في السياسة الخارجية. بمعنى آخر، تقوم الوساطة القطرية على قوة الإقناع والثقة المتبادلة بين الأطراف المعنية لتحقيق نتائج ناجحة وسليمة. فقد بذلت الدوحة العناية اللازمة لتحقيق السلام والتنمية في الدول وبين الأطراف المتنازعة بشهادة الجميع. في حين يجادل البعض بأن الوساطة القطرية غير حاسمة أو ينقصها عنصر مراقبة التقدم بعد نجاح الوساطة وصعوبة اتباعها آلية المتابعة بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بين المتنازعين. ولكن هناك فرق بين نجاح المفاوضات ونجاح الوسيط في التقريب بين الفرقاء وبين مدى التزام أطراف الصراع بتنفيذ الاتفاق على الأرض؛ فذلك يقع على عاتق الفرقاء أنفسهم وليس على الوسيط، فعدم الالتزام باتفاقات السلام التي تتوصل إليها الدول الوسيطة تعكس ضعف الإرادة السياسية للفرقاء أو وجود تدخلات من دول خارجية لعرقلة مسيرة السلام. وقد اهتمت قطر أيضًا بتطوير مؤسسات الدولة للتعامل مع جهود الوساطة، وذلك عبر الاستثمار في تدريب كوادر دبلوماسية لإدارة المفاوضات والوساطة بحرفية وفاعلية أكبر، ويشمل ذلك التوثيق وأرشفة عمليات الوساطة؛ إذ سيساهم ذلك في فتح تاريخ بعض هذه الملفات بخدمة الباحثين في هذا المجال. كما أنه لأسباب سياسية أو استراتيجية قد لا يفصح المفاوضون القطريون عن كثير من التحديات والعقبات التي واجهت الوساطة القطرية والوسطاء القطريين؛ بسبب بعض العراقيل التي وضعتها بعض الدول وخاصةً دول الجوار سواء قبل حصار قطر أو في أثنائه لأسباب قد تكون معروفة وبعضها غير معروف. فقد لا تدرك بعض هذه الدول حقيقتين هما أن نجاح الدول في مساعي المفاوضات لا يقاس بحجمها الجغرافي والديموغرافي، وإنما بقدرتها وإيمانها بدور المساعي الحميدة والوساطة أداةً ناجحةً في تحقيق السلام والأمن الإقليميين والدوليين.

  1. المرجع نفسه.

كما لا يخفى على أحد أن دولة قطر واجهت خلال الحصار أو الأزمة الخليجية تحديات جمة على مستويات عديدة سياسيًا واقتصاديًا، إلا أنها تمكنت من تخطي هذه الصعوبات بمرونة وفاعلية، وتمكنت خلال الأزمة من إيقاف سفك الدماء في أفغانستان وجمع الفرقاء الأفغان في مفاوضات السلام إلى جانب التدخل الدبلوماسي الناجح في حل عدد من القضايا الإقليمية بعضها مُعلن وبعضها غير مُعلن. وبناءً على ذلك، يجدر القول إن لانتهاء الأزمة (المصالحة الخليجية) آثارًا إيجابية لا يستهان بها، حيث سيعزز ذلك جهود الدبلوماسية القطرية التي تأثرت بعض قضاياها جراء التوترات والتدخلات الإقليمية التي مرت بها بعض الدول في المنطقة. وبذلك، وبعد أن تم تسليط الضوء على بعض ملامح تجربة قطر وسياساتها في الوساطة، فقد تساعد تلك الحقائق الباحثين والمهتمين على فهم بعض الجوانب المتعلقة بهذا الدور الذي قامت به الدوحة في عالم متغير ومليء بالتحديات الإقليمية والدولية.

المراجع

العربية

الأمم المتحدة. ميثاق الأمم المتحدة، الفصل السادس: حل المنازعات https://bit.ly/2UqYVYo: في سلميًا. الأمم المتحدة، مجلس الأمن. القرار 1595 2005() الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته، المعقودة 5160 في 7 نيسان/ أبريل 2005. في https://bit.ly/3ry6Gbb:

____.___ "وثيقة الدوحة للسلام في دارفور." في: https://bit.ly/2YCB89F

____.___ "البلدان التي انتخبت لعضوية مجلس الأمن: قائمة بجميع الدول التي انتخبت لعضوية مجلس الأمن مرة واحدة على الأقل منذ عام 1946:." في https://bit.ly/36Xlmqz الجمهورية التركية، منظمة التعاون الإسلامي. تقرير موجز للمؤتمر الثالث للدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي حول 2019/11/1. في https://bit.ly/3x0yAxn:. الوساطة دولة قطر، الديوان الأميري. "تأسيس الدولة." في: https://bit.ly/370Asf7 العناني، إبراهيم. التسوية السلمية للنزاعات الدولية. الدوحة: دار نشر جامعة قطر،.2020 ماجد، زياد. "الاستنزاف القاتل: آفاق حزب الله في المستنقع السوري." ورقات تحليلية. مركز الجزيرة للدراسات. 2015/6/11. في: https://bit.ly/3BHoNzN محمد شاه، حميد الله. "مفاوضات 'طالبان' وواشنطن: السيناريوهات المتوقعة." ورقات تحليلية. مركز الجزيرة للدراسات. 2019/4/8 في https://bit.ly/3l0zO9B:.

الأجنبية

Baabood, Abdullah. Qatar's Resilience Strategy and Implications for State-Society Relations. Roma: Istituto Affari Internazionali, 2017. Barakat, Sultan. "Qatari Mediation: Between Ambition and Achievement." Brookings. 10/11/2014. at: https://brook.gs/3x8I8GK _______. "The Qatari Spring: Qatar's Emerging Role in Peacemaking." Kuwait Programme on Development, Governance and Globalisation in the Gulf States. no. 24 (July 2012). at: https://bit.ly/2TB96Jv

Bercovitch, Jacob & Su-Mi Lee. "Mediating International Conflicts: Examining the Effectiveness of Directive Strategies." The International Journal of Peace Studies (2013). at: https://bit.ly/3gjjQ8c Cavusoglu, Esra. "From Rise to Crisis: The Qatari Leadership." Turkish Journal of Middle Eastern Studies. vol. 7, no. 1 (2020). at: https://bit.ly/3x5u3uZ "Global Peace Index 2020 - Measuring Peace in a Complex World." Islamic Military Counter Terrorism Coalition. no. 21 (January 2021). at: https://bit.ly/3wZptx6 Gulbrandsen, Anders. "Bridging the Gulf: Qatari Business Diplomacy and Conflict Mediation." Master Dissertation. Georgetown University. Washington, DC, 2010. at: https://bit.ly/3gjWFe7 "Handbook on the Peaceful Settlement of Disputes between States." United Nation Digital Library (1992). at: https://bit.ly/3x5P6w7 Hansen, Stig Jarle (ed.). "Religion, Prestige and Windows of Opportunity? (Qatari Peace-Making and Foreign Policy Engagement)." Noragric Working Paper, no. 48. Department of International Environment and Development Studies NORAGRIC (October 2013). at: https://bit.ly/2OXdU9A Hill, Ginny & Gerd Nonneman. "Yemen, Saudi Arabia and the Gulf States: Elite Politics, Street Protests and Regional Diplomacy." Briefing Paper. Chatham House (May 2011). at: https://bit.ly/371T8ew Hoffman, David A. "Ten Principles of Mediation Ethics." Alternatives to the High Cost of Litigation. vol. 18, no. 8 (September 2000). Kamrava, Mehran. "Mediation and Qatari Foreign Policy." The Middle East Journal. vol. 65, no. 4 (Autumn 2011). Kaussler, Bernd. "Tracing Qatar's Foreign Policy Trajectory and Its Impact on Regional Security." Arab Center for Research and Policy Studies (September 2015). at: https://bit.ly/3x2Rh4R Minich, Ruslan. "Conflict Mediation: The Qatari Experience." Historia i Polityka. vol. 21, no. 14 (2015). Riedel, Bruce. "The mess in Afghanistan." Brookings. 4/3/2020. at: https://brook.gs/3xRavJN Tok, M. Evren, Lolwah Alkhater & Leslie A. Pal (eds.). Policy-Making in a Transformative State. London: Palgrave Macmillan, 2016. Ulrichsen, Kristian Coates. "Qatar's Mediation Initiatives." Policy Brief , Norwegian Centre for Conflict Resolution (NOREF) (February 2013). at: https://bit.ly/3y4KQhW United Nations. Security Council, Resolution 1559 (2004) , Adopted by the Security Council at its 5028th meeting, on 2 September 2004. New York: 2/9/2004. at: https://bit.ly/3i5X04q United Nations Children's Fund (UNICEF). "Yemen crisis." at: https://uni.cf/3yccGJe United Nations. Security Council. Resolution 1701 (2006). Adopted by the Security Council at its 5511th meeting, on 11 August 2006. New York: 11/8/2006. at: https://bit.ly/3x5vcBm _______. Resolution 1862 (2009). Adopted by the Security Council at its 6065th meeting, on 14 January 2009. New York: 14/1/2009. at: https://bit.ly/3y6LyLy _______. Resolution 2024 (2011). Adopted by the Security Council at its 6683rd meeting, on 14 December 2011. New York: 14/12/2011. at: https://bit.ly/3eYXiIi Wall, James A. & Timothy C. Dunne. "Mediation Research: A Current Review." Negotiation Journal , vol. 28, no. 2 (April 2012). Winter, Lucas. "Conflict in Yemen: Simple People, Complicated Circumstances." Middle East Policy. vol. 18, no. 1 (Spring 2011).