المركزية واللامركزية في الإدارة والسياسة:
الملخّص
Globally, many countries are implementing decentralization programs as a means of promoting both democratic and developmental objectives. Unfortunately, however, scholarship has yet to offer a comprehensive framework within which to assess and reform central-local relations. This article seeks to overcome the "division of labor" that has long separated analyses of administrative and political structures, and to provide stronger conceptual vocabulary for describing and analyzing the complexities of centralization and decentralization in both administration and politics. After developing two distinct continua of administrative and political centralization/ decentralization, the paper then combines them in a single matrix able to highlight the wide range of strategies and outcomes that emerge from the complex interplay of the two spheres. Depending on where a country lies within the matrix, it is argued, decentralization strategies may do more harm than good. Devolution strategies are especially problematic in settings with strong local leaders, and should never be attempted without careful analysis of the preexisting character of central-local ties. Keywords: Centralization, Decentralization, Power, Authority, Concentration, Devolution, Max Weber.
تقييم الأبعاد المناطقية للسلطة والقوة ***
Centralization and Decentralization in Administration and Politics:
Assessing Territorial Dimensions of Authority and Power
في جميع أنحاء العالم، تعتمد دول متنوعة برامج الامركزية بوصفها وسائل لتعزيز الديمقراطية والأهداف الإنمائية في آن واحد. لكن لسوء الحظ، لم تقدّم الدراسات الأكاديمية حتى الآن إطارًا شاما لتقييم العاقات بين المركزية والمحلية وإصاحها. تسعى الدراسة إلى تجاوز "تقسيم العمل" الذي فصَ ل منذ فترة طويلة بين تحليات الهياكل الإدارية والسياسية، وتوفير مفردات مفاهيمية أكثر صابة لوصف تعقيدات المركزية والامركزية في الإدارة والسياسة وتحليلها. تبدأ الدراسة بتطوير متواليتين متمايزتين من المركزية/ الامركزية الإدارية والسياسية، ثم تُجمَعَ ان معًا بعد ذلك في مصفوفة واحدة تسمح بإلقاء الضوء على مجموعة واسعة من الاستراتيجيات والنتائج التي تنبثق من التفاعل المعق د بين المجالين. يمكن القول إنّ أضرار استراتيجيات الامركزية قد تكون أكثر من منفعتها بحسب موقع البلد المعني داخل المصفوفة، إذ إن استراتيجيات نقل السلطة تكون إشكالية، وبصورة خاصة في البيئات التي يوجد فيها زعماء محليون أقوياء، ويجب أل ا تجري تجربتها أبدًا دونما تحليل دقيق لطابع العاقات المركزية المحلية الموجود سلف ا.
كلمات مفتاحية: المركزية، الامركزية، القوة، السلطة، الاتركيز، نقل السلطة، ماكس فيبر.
مقدمة1
في العقود الأخيرة، اعتبُرت لامركزية الوظائف الحكومية وفي أحيان عدة "فكرةً عصريةً جدًا"، و"أحدثَ صيحات الموضة"، و"موضة عصرنا"2. ولأن هذا التوجه حظي بالتأييد في الأوساط الأكاديمية كما على مستوى السياسات، يسعى العديد من البلدان لتنفيذ برامج اللامركزية باعتبارها وسائل لتعزيز الأهداف الديمقراطية والإنمائية على حد سواء. ووفقًا لدراسة أجراها البنك الدولي عام 1994، فإن ثلاثًا وستين من أصل خمس وسبعين من الدول النامية في العالم وتلك التي تمر بمراحل انتقالية، والتي يزيد عدد سكانها على خمسة ملايين، أعلنت أنها انخرطت في جهود نقل السلطة السياسية إلى وحدات حكومية محلية3. ويوضح لاري دايموند أن هذه "الموجة من اللامركزية السياسية المنتشرة في جميع أنحاء العالم منذ السبعينيات نتجت من مجموعة متنوعة من الضغوط، منها الأداء الحكومي الضعيف، والتوسع الحضري، والانتقال الديمقراطي، والتحولات في استراتيجيات المانحين الدوليين، والمطالب المجتمعية"4.
ولسوء الحظ، يبدو أن العديد من هذه المبادرات تستند، في الغالب، إلى الإيمان بنجاعتها أكثر من استنادها إلى أسس مفاهيمية قوية أو تحليل دقيق للتجارب التاريخية والمقارنة. وفي حين كرّس المنظّرون الكلاسيكيون، أمثال ماكس فيبر Weber Max 1920-1864()، اهتمامًا كبيرًا للأبعاد المكانية للسلطة والقوة، نرى أن البحوث السياسية الحديثة ركزت جهودها على علاقات القوة داخل مؤسسات معينة وبين الطبقات الاجتماعية الرئيسة أكثر من تركيزها على علاقات القوة التي تمتد عبر الأقاليم. ويقدم الباحثون المختصون في دراسات تشكُل الدولة استبصارات قيّمة بشأن العمليات التاريخية للمركزية، لكن المفردات المفاهيمية المستخدمة لوصف تعقيدات المركزية واللامركزية في الدول القائمة تفتقر إلى صياغة جيدة. وفي ذلك أشار جيمس فيسلر في عام 1965 إلى أنه في حين "تبدو اللامركزية مصطلحًا بسيطًا، فإن هذا المظهر مضلل وغالبًا ما يؤدي إلى علاجات مبسطة يجري تعميمها على نطاق واسع جدًا، تبدأ من موقف نظري جامد يحدد إجابات مسبقة لمشكلاتٍ ملموسة الطابع[...]لا بد من أن تكون أدواتُ التحليل المستخدمة أكثر وضوحًا مما نريد"5. وبعد عقدين من الزمن، لاحظ باحث آخر أن "الجميع يعرف تقريبًا ما تعنيه 'اللامركزية'، لكن تعريفها بدقة يثير مشكلات، لأنه يمكن استخدامها بعددٍ من الطرائق المختلفة وفي سياقاتٍ شديدة الاختلاف"6. واليوم أيضًا، ولسوء الحظ، لم تقدم الدراسات الأكاديمية بعدُ إطارًا شاملً يساعد المحللين والممارسين في مجال التنمية في تقييم العلاقات المركزية - المحلية وإصلاحها. ومع استمرار الجهود المبذولة في إطار اللامركزية في جميع أنحاء العالم، يبدو من الأهمية أن يضع علماء السياسة إرشادات تحليلية أوضح لأجل إصلاحاتٍ حقيقية للعالم.
ودونما إنكار للنتائج الإيجابية الهائلة التي تتيحها اللامركزية، ليس الإيمان بنجاعتها وحده بكافٍ أساسًا للمبادرات السياسية الحالية. وفي الواقع، أظهرت التجارب الحديثة في أماكن متباينة كالبرازيل وروسيا أن استراتيجيات نقل السلطة إلى كيان أدنى يمكن أن يكون لها في بعض الأحيان عواقبُ معيبة جدًا7. ومثلما سنبيّ في هذه الدراسة، يجب
أن يحلّ التحليل الرصين محلّ الوصفات الجاهزة، لا سيما حين يتحدى زعماء محليون أقوياء سلطةَ الدولة المركزية بصورة فعّالة. سنسعى من خلال استخلاص استبصارات مهمة من الأدبيات التي تُعنى بتشكُل الدولة، والإدارة العامة، والعلاقات بين الدولة والمجتمع، والهياكل الديمقراطية، إلى توفير إطار تحليلي أوضح لفهم المركزية واللامركزية في الهياكل الإدارية والسياسية في الأنظمة السياسية التاريخية والمعاصرة معًا. وقبل التمكّن من صياغة مبادرات اللامركزية بالصورة المناسبة أو تقييم تأثيرها في التنمية والديمقراطية، من الضروري أولً تحديد المقصود بمصطلحَي "المركزية" و"اللامركزية" بصورة أوضح. وليس الهدف هنا تقديم دليل للسياسة، أو الحكم على تأثير اللامركزية في التنمية والديمقراطية، بل بناء مفردات مفاهيمية أقوى لوصف تعقيدات المركزية واللامركزية وتحليلها في الإدارة والسياسة. أبدأ تحليلي بالتمييز بين جانبين شائعين من المركزية واللامركزية: ما هو موجود منها في المجال الإداري؛ داخل البيروقراطيات المدنية والعسكرية، وما هو موجود منها في المجال السياسي؛ ضمن الهيئات التشريعية، والانتخابات، والأحزاب السياسية، وأنظمة المحسوبية... إلخ. يفحص القسم الأول من هذه الدراسة "تقسيم العمل" الذي فصَل منذ فترة طويلة بين التحليلات الخاصة بالهياكل الإدارية من جهة، والسياسية من جهة أخرى، ويطور التمييز الأساسي بين السلطة والقوة بوصفه وسيلة للدفع بتحليلٍ للأنظمة السياسية - الإدارية يكون أكثر اتساعًا. أما في القسم الثاني، فأبني إطار عملٍ أوليًا لدراسة المركزية واللامركزية في مجال الإدارة، في حين أبني في القسم الثالث إطارَ عملٍ أوليًا لفحص المركزية واللامركزية في مجال السياسة. وفي كل حالة من هذه، أُبرهن على وجوب مراعاة مجموعة متنوعة من العوامل عند تحديد الدرجة التي يمكن فيها اعتبار نظامٍ سياسي ما أكثر مركزية أو لامركزية. والنتيجة هي متواليتان متمايزتان تلخصان العوامل المختلفة المعنية، وتوفران وسائل إرشادية تساعد على إظهار المركزية واللامركزية في كل مجال. ويمكّن هذا التحليل من تجاوز التعميمات العامة المعتادة بشأن المركزية أو اللامركزية في النظام السياسي برمته، وتطوير وسائل أكثر تعقيدًا من الناحية المفاهيمية للتمييز بين أبعاد المجال الإداري المتعلقة بالإقليم من تلك الموجودة في المجال السياسي. يجمع القسم الرابع من هذه الدراسة بين المتواليتين، الإدارية والسياسية، في مصفوفة واحدة تسمح بتحليل التفاعل المعقّد الموجود بين المجالين، ونتابع فيه تقديم عرضٍ شاملٍ لإمكانية تطبيق هذا الإطار الأولي على نطاقٍ واسع من الأنظمة السياسية. وفي حين أنه من غير الممكن فحص جميع الطرائق التي تتفاعل بها هذه البنى، فإن المقاربة الواردة في تحليلي تتسم بشمولية أكبر، وتوفر أدوات تحليلية أكثر دقة لمن يسعون لتقييم الظروف التي تسهم فيها اللامركزية بصورة واقعية في تحقيق أهداف ديمقراطية وتنموية مهمة. وفي القسم الخامس، أعتمد على إطار العمل الخاص بي لأجادل بأن استراتيجيات نقل السلطة إلى مستويات لامركزية تنطوي على مشكلات، خاصةً في البيئات التي يتمتع فيها الزعماء المحليون بسلطة كبيرة في المقاطعات، ولا ينبغي أبدًا تجربتها من دون تحليل دقيق للطابع الموجود سلفًا للعلاقات المركزية المحلية. وسأقترح في الخاتمة مساراتٍ أخرى للبحث، وأؤكد على ضرورة استكمال الملاحظات العامة بفحص تاريخي معمق للديناميات الإقليمية للسياسة والإدارة في الحالات الفردية. وإني لآمل، من خلال تشجيع تطوير إطار مفاهيمي أوضح، أن أسهم في الجهود المبذولة لتحليل العلاقات بين العاصمة والمقاطعة وإعادة تشكيلها، في أماكن متباينة عبر العالم. قبل متابعة هذه الدراسة، ثمة من المحاذير اثنان مهمان أوردهما بالترتيب. أولً، في حين يقتصر تركيز هذا التحليل على التعقيدات المتصلة بالإقليم في المجالين الإداري والسياسي، أجدني مدركًا تمامًا أنّ فحص أي نظام سياسي يتطلب اهتمامًا رصينًا بالكيفية التي تمارس بها الروابط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بدورها، ضغوطَ جذبٍ وطردٍ مركزيين تختلف بصورة واسعة في كثير من الأحيان بمرور الزمن. قد يكون من الحكمة أن يتبنى الدارسون الحريصون لبلد معين وجهةَ نظرٍ أكثر اتساعًا، وعدم الاهتمام بالمجالات الإدارية والسياسية فحسب، بل أيضًا بمسائلَ كالتوزيع الإقليمي للنشاط الاقتصادي والقدرة على تحصيل الإيرادات8، والدرجة التي تتقاطع فيها الحدود السياسية الإدارية مع الفروق الإثنية، والأساس الإقليمي للمطالب الإثنية في الدول المتعددة القوميات والمجتمعات التعددية، والجوانب الإقليمية لمبادرات السياسة التي تهدف إلى التوفيق بين التنوع الإثني9. ثانيًا، لا تحاول هذه الدراسة، بالتأكيد، حل المشكلات التي غالبًا ما تكون بالغة
الصعوبة، والمرتبطة بتحديد الموقع الذي يجب أن يوضع فيه نظام حكم معين في المتواليتيَن (أو المصفوفة الواحدة.) ومثلما هو الحال مع مفاهيم استقلالية الدولة وقدرة الدولة10، يسعى هذا الإطار الأولي إلى رسم الخطوط المفاهيمية، لكنه لا يقترح مناهجَ للإتيان بقياس محدد. ونحن نرحب بمحاولات أخرى تقدّم مثل هذه الدقة، لكني أعتقد أن ب. س. سميث كان محقًا في تأكيده أن قياس اللامركزية (وينبغي أن نضيف المركزية أيضًا) "لا يمكن أن يكون تمرينًا يتسم بالدقة؛ بل ينبغي إصدار أحكام تقريبية فحسب"11.
أولا: تفسير الانقسام بين السياسي والإداري (وتجسير الهوة بينهما)
لدى علماء الإدارة العامة وعلماء السياسة الكثير من المشتركات في موضوعات المركزية واللامركزية، لكنّ، ولسوء الحظ، ثمة تفاعلً ضعيفًا جدًا بين مجالات العمل في كلٍّ منهما. وقد أوضح جيمس فيسلر12، في تحليله الثاقب للامركزية عام 1965، أنّ "تقسيم العمل الذي تطوّر في تخصص العلوم السياسية يميل إلى الفصل بين من يدرسون الإدارة العامة والقانون الإداري من جهة، وأولئك الذين يدرسون الأحزاب السياسية والرأي العام والسلوك الانتخابي والمؤسسات والعمليات التشريعية، من جهة أخرى." وللأسف، يستمر هذا التقسيم في إظهار المشكلات نفسها التي لاحظها فيسلر قبل ثلاثة عقود، بحيث "تحجب كل مجموعة الأهميةَ التي يمكن أن تسهم فيها المجموعة الأخرى"، و"تثبط من إمكانية تكوين باحثين يمكنهم العمل على المزج، وعلى وجه التحديد، بين النتائج والمقاربات في المجالين"13. ولغرض تعزيز التحليل وجعله أكثر دقة واتساعًا عبر جانبي هذا الانقسام الطويل الأمد، من المهم إلقاء الضوء على التمييز الأساسي بين السلطة والقوة. بعبارة بسيطة، تشير الأولى إلى الأدوار الرسمية المسندة إلى الأفراد بصفتهم الرسمية، في حين تتجه الثانية إلى تحليل الوسائل غير الرسمية التي يسعى شاغلوها من خلالها إلى "القيم، والمصالح، والأهداف التي يختارونها"، والتي قد تتباين مع الهياكل الرسمية للسلطة14. وقد شدد تحليل ماكس فيبر للأنماط المثالية على أن الهياكل الرسمية للسلطة ستقوض من شبكات القوة مع الظهور التدريجي للدولة ذات السمة القانونية العقلانية، وتكون "البيروقراطية هي الوسيلة لتحويل الفعل الاجتماعي إلى عملٍ منظمٍ على نحو عقلاني[...]وحيثما تصير الإدارة بيروقراطية بالكامل، يكون نظام الهيمنة الناتج عمليًا غير قابل للتقويض"15. كما يزعم أن هذه الهيمنة فعّالة جدًا، بحيث "لا يستطيع [ال]بيروقراطي الفردي أن يخرج من الجهاز الذي جرى تسخيره فيه[...][و]هو خاضع لنشاطه خلال كينونته الاقتصادية والأيديولوجية برمتها"16. لكن العالم الحقيقي قائم على تفاعل مستمر بين السلطة والقوة. قد يمكن تصور الهياكل الإدارية بمفردات رسمية لأغراض تفسيرية، لكن الجلي أنها مشبعةٌ دومًا، وإن بدرجات متفاوتة، بشبكات غير رسمية تكشف عن دينامياتها الخاصة. لقد قدّم رودولف ورودولف تصويبًا لغياب الاهتمام بالأهداف الشخصية في تراث فيبر؛ فركّزا على الدرجة التي تتخلل بها شبكات القوة غير الرسمية والخصائص الباتريمونيالية Patrimonial، البنى الرسميةَ للسلطة الموجودة حتى في المنظمات البيروقراطية الحديثة؛ إذ في واقع الأمر، "يستوطن الصراع على السلطة[...]داخل العلاقات الإدارية"17. وكلما كانت الخصائص الباتريمونيالية أقوى، أدى هذا الصراع على القوة إلى تقويض العقلانية الرسمية لبنى السلطة18. ومنذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا، لاحظ
جيمس سكوت في جنوب شرق آسيا، أن ["ال]مؤسسات التي تبدو في ظاهرها حديثة، كالبيروقراطيات والأحزاب السياسية... إلخ، غالبًا ما تَخترقها، وعلى نحو كامل، شبكاتٌ غير رسمية من علاقات الراعي – الزبون، فينتهي الأمر إلى تقويض البنية الرسمية للسلطة"19. يتحمّل طرفَا الانقسام الإداري - السياسي المسؤوليةَ عن أوجه القصور في التحليل الحالي، إذ غالبًا ما يركّز علماء الإدارة العامة في البلدان النامية اهتمامهم على الهياكل الإدارية الرسمية، وليس لديهم الكثير ليقولوه عن الشبكات غير الرسمية للسلطة وتأثير المؤسسات الديمقراطية في طرائق الاشتغال الداخلي في البيروقراطية. وفي أقصى الاحتمالات الممكنة، لا يتيح هذا الأمر سوى فهمٍ لعمل الهياكل الإدارية التي تتمتع بدرجة عالية من السلطة القانونية العقلانية وتعمل في سياق سياسي تسلطي. ومن نافلة القول إن هذه ليست فئةً رئيسة تتميز بها البلدان النامية الحالية: فلا تزال العناصر الباتريمونيالية قوية جدًا في العديد من الأماكن، وقد قلصت "الموجة الثالثة" من الدمقرطة عدد الأنظمة التسلطية على نحو بعيد20. لكن، ومثلما سنوضحه في الصفحات التالية، أسهم المجال الفرعي للإدارة العامة، بصورة لافتة، في إلقاء الضوء على الفرق الواضح بين نوعين رئيسين من اللامركزية الإدارية؛ هما اللاتركيز Deconcentration ونقل السلطة.Devolution يدرك الدارسون المختصون في الهيئات التشريعية والانتخابات والأحزاب وأنظمة المحسوبية، عمومًا، أن مهماتهم تنطوي على إيلاء السلطة والقوة اهتمامًا دقيقًا، فضلً عن التفاعلات المعقدة بين الاثنين. لكنهم وإن أثبتوا نجاحًا في القبض على فكرة أنّ تحليل الهياكل الرسمية للسلطة لا يشتمل إلا على عنصر محدود من عالم النشاط السياسي (أي إن الحكومة لا تساوي السياسة على سبيل المثال)، فإن عدم الاهتمام العام الذي يواجهون به الأبعادَ الإقليمية للقوة والسلطة لا يدعو إلى الكثير من التثمين. لقد لاحظ آرثر ماس في عام 1959 أن هؤلاء إنما يميلون إلى التركيز على "التقسيم العام للسلطات" (أي كيف يقسَّم الحكم بين المسؤولين والهيئات الرسمية في المركز) بدلً من "التقسيم المناطقي" (أي كيف يُقسَّم الحكم بين الوحدات الإقليمية)21. باختصار، لم ينجح علماء الإدارة العامة ولا علماء السياسة حتى الآن في بناء أنماطٍ مقارنة واضحة لوصف كيفية تنظيم النظم السياسية – الإدارية (بوصفها مجموعات معقدة من هياكل السلطة وبنى القوة)، وإعادة تنظيمها على المستويات الإقليمية. في القسمين التاليين، سأعمل على تطوير متواليتيَن متمايزَتين من المركزية/ اللامركزية الإدارية والسياسية، وأشرع في القسم الذي يليهما في وضع المتواليتين معًا بطريقة تسمح بتحليل التفاعلات الشديدة التباين بين هذين المجالين. ومثلما سنرى، يمكن بناء متوالية من المركزية الإدارية مقابل اللامركزية، تستند إلى تقليدَين نظرييَن نادرًا ما يكونان مترابطين على الرغم من الصلة الوثيقة الكامنة بينهما؛ هما تكوين الدولة والإدارة العامة. وعلى النقيض من ذلك، فإن الأساس الذي يمكن من خلاله تقديم تصوُّر مفاهيمي لمتوالية عامة من المركزية واللامركزية السياسية يبدو غير متطور بصورة لافتة للانتباه.
ثانيًا: المركزية واللامركزية في الإدارة
شدد الباحثون في دراسات تشكُل الدولة على الصلة التي لا تنفصم بين عملية المركزة الإدارية وابتكار الدول الحديثة ذاتها. ويؤكد مان في مناقشة يعتمد فيها اعتمادًا كبيرًا على فيبر، كيف قامت الدولة الحديثة بمرور الزمن على ["تجسيد] المركزية، بالمعنى الذي يحيل إلى أنّ العلاقات السياسية تشعُّ من المركز وإليه، لتغطي[...]منطقة محددة إقليميًا تمارَس فيها[...]درجةٌ معينة من سنّ القواعد الملزمة والموثوقة، مدعومةً ببعض القوة المادية المنظمة"22. أما تشارلز تيلي، وفي معادلته الكلاسيكية عن صنع الحرب وبناء الدولة في أوروبا، فيلقي الضوء على نمط عام "أدى فيه استخراج وسائل الحرب والصراعُ
عليها إلى إنشاء الهياكل التنظيمية المركزية للدول"23. وفي مرحلة مبكرة في جنوب شرق آسيا الحديثة، يشرح فيكتور ليبرمان كيف يمكن ملاحظة "اتجاه تاريخي عالمي، وإنْ كان عرضيًا وغير متحققٍ بصورة كاملة[...]للنزول بمستوى الدول ذات الحدود المستقلة إلى وحدات فرعية، والوحدات الفرعية إلى مقاطعات، والمقاطعات إلى وضع إداري يمكن مقارنته بالمركز الإمبراطوري الخاضع لمراقبة كثيفة"24. تاريخيًا، غالبًا ما ثبت أن الفشل في تعديل الهياكل الإدارية لتلبية متطلبات المنافسة بين الدول كان مدمرًا؛ إذ في واقع الأمر، فاقت احتمالات الفشل بكثير احتمالاتِ النجاح (أي إن عدد الدول التي اختفت كان أكثر من تلك التي صمدت.) تُولي هذه المجموعة من الأدبيات أيضًا تقنيات تاريخية محددة لإنشاء أجهزة إدارية مركزية اهتمامًا دقيقًا25. لقد كانت الاستراتيجية الفعالة الوحيدة لمركزية الحكام هي نظام المحافظات، وهو نظام "تُقسّم فيه الحكومةُ الوطنية البلادَ إلى مناطق، وتضع حاكمً مسؤولً على رأس كلٍّ منها." ويوضح فيسلر أن المحافظ "يمثل الحكومة بأكملها، وجميعُ الفاعلين المتخصصين في الميدان داخل المنطقة هم تحت إشرافه"؛ "إنه 'ملك صغير"'26. وفي حين تميز نظام المحافظات بأنه أكثر ارتباطًا بالإصلاحات النابليونية، صار لاحقًا النمطَ السائدَ للإدارة في البيئات الاستعمارية، وقد عثُر عليه مؤخرًا في العديد من البيئات التسلطية ما بعد الكولونيالية، ويُعتبر أشد فاعلية في إنجاز المهمات الأساسية؛ كفرض وصيانة القانون والنظام العام واستخراج الإيرادات والموارد27. سواء أجَرى تبنّي أنظمة المحافظات أم لا، ثمة مجموعة من الطرائق الأخرى التي قد تسعى الدول الحديثة من خلالها إلى فرض سلطتها الإدارية في جميع أنحاء الإقليم؛ فغالبًا ما يشغل مكتبٌ مركزي، وهو عادة وزارة الداخلية، مكانةً رائدة بين الوكالات الوطنية الأخرى، بحكم اختصاصه الذي يفوق الوحدات الحكومية ذات المستوى الأدنى في جميع أنحاء البلاد. وحين تُجرى التعيينات للمناصب المحلية، فإن الدولة المركزية عادة ما تفضّ ل الأشخاص الذين ليس لديهم ارتباطاتٌ وثيقة بمجال مسؤولياتهم (وليس من المرجح لهم أن يكتسبوا مثلها.) ولضمان ولائهم للمركز، قد يتم اختيارهم من مناطق أخرى و/ أو تلقينهم ثقافةَ نخبةٍ بيروقراطية متميزةً جدًا من المجموعات المجتمعية التي سيديرونها. وستحاول الدولة المركزية أيضًا، وبوجه عام، إجراءَ تناوبٍ بين الأفراد على أساسٍ منتظم، وتحاول القيام بذلك عند أول ملمح يشير إلى أن المسؤول يسعى إلى بناء هيمنةٍ محلية. أخيرًا، ستسعى الدولة المركزية إلى توفير إشرافٍ منتظم ومكثف على الحكومات المحلية، وتبذل جهدًا خاصًا لضمان أنّ مسؤولين موالين للعاصمة يتحكّمون بعناية في أيّ شيء ذي صلة بالإيرادات والقدرة القسرية. ويُحتمل أن يتضمّن أحد عناصر هذا الإشراف سلطةَ عزل ومعاقبة المسؤولين المحليين الذين يُعتبر سلوكهم غير لائقٍ أو مهدِّدًا، لسبب أو لآخر. ومن الشائع أيضًا أن يطلب المركز من المسؤولين المحليين الحصولَ على إذنٍ مسبق لممارسة مجموعةٍ من المهمات التي يجري تنفيذها على المستوى المحلي، ويمكنه أن يصرّ على إلغاء الأحكام والإجراءات التي لا يوافق عليها أو نقضِ ها. في الطرف الآخر من المتوالية، ثمة أنواع مختلفة من الأنظمة السياسية غير الممركزة إداريًا. ويمكن لذلك أن ينتج، من الناحية الواقعية، من نقصٍ في التكامل داخل النظام السياسي، أو من تفكُّكه. ويقدم تحليل فيبر عن النزعة الباتريمونيالية توصيفاتٍ قيّمةً لبعض أكثر الطرائق شيوعًا التي يمكن أن تعاني بسببها الأنظمةُ السياسية الانقسام، وعلى نحو فعّال جدًا، بسبب المصالح الشخصية لمن يسيطرون على عمل الجهاز الإداري، مثلما هو الحال حين تكون النخب قادرة على احتكار السيطرة على المناصب الحكومية المحلية و"بسط السلطة التي تمارسها سلفًا على أتباعها لتشمل جميع السكان في منطقة معينة"28. إنّ أكثر ما يهدد أي حاكم مركزي، من الناحية المنطقية، هو اجتماع القوة الاقتصادية والعسكرية في يد مسؤول منطقة واحد؛ لا سيما في المناطق الطرفية، وقد يصير هذا الاستقلال محتملً على نحو متزايد، ويمكن في كثير من الأحيان توارثه من جيل إلى جيل29، وقد كتب فيبر أن "الحاكم في النظام الباتريمونيالي لا يجرؤ في كل الأحوال على تدمير هذه السلطات المحلية المستقلة الموروثة"30؛ وأنه للقيام
بذلك ينبغي له أن يمتلك "هيئة إدارية خاصة به يمكنها أن تحل محلها." وبصورة عامة، يؤدي الخوف من المقاومة والافتقار إلى جهاز بديل إلى اتجاه الحكام المركزيين إلى التسوية مع مثل هؤلاء الأعيان المحليين31.
لقد رُوِّج في العقود الأخيرة لنمطٍ مختلفٍ جدًا من اللامركزية الإدارية في مجموعة متنوعة من السياقات، لا سيما في الدول النامية؛ وهي لامركزية منظمة ومخطَّط لها بحكم القانون، لا بحكم الواقع. ويميز علماء الإدارة العامة عمومًا بين نوعين رئيسين من اللامركزية الإدارية على طول الخطوط الإقليمية (حتى لو كانت التعريفات الدقيقة تميل إلى الاختلاف من باحث إلى آخر.) النوع الأول هو اللاتركيز، وينطوي على نقل وظائف وأعباء عملٍ معينة داخل المنظمة من الحكومة المركزية إلى مكاتبها الإقليمية أو المحلية، وتحتفظ العاصمة بالجزء الأكبر من السلطة على مضمون السياسات حتى في حالة مُنحت المكاتب الميدانية والوكلاء بعض السلطة التقديرية بشأن كيفية تنفيذ هذه السياسات (كأنْ يكون لضابط الشرطة المحلي أن يقرر ما إذا كان سيُلقي القبض على متهمٍ أم لا على سبيل المثال.) أما النوع الثاني فهو نقل السلطة؛ ويتضمن نقلً أكثر اتساعًا لسلطة صنع القرار والمسؤولية إلى الوحدات المحلية في الحكومة (وهي في العادة المناطق، المقاطعات، و/ أو البلديات)، وعادةً ما يكون المركز الاعتباري لهذه الهيئات المحلية مضمونًا من الناحية الدستورية في النظام الفدرالي، وممنوحًا من الناحية التشريعية في نظام الحكم الموحد32. وكذلك يتطلّب تحليل نزع المركزية بحكم القانون، أيضًا، فهمَ الطريقة الأساسية التي جرى وسيجري بها تقسيم الهياكل الإدارية من الناحية الإقليمية. ويوضح فيسلر أن "كل الدول لديها حكومة وطنية وحكومات محلية باستثناء الدول الصغرى"، وأنّ لدى معظمها مستوى متوسطًا واحدًا على الأقل من المقاطعات، أو الولايات، أو المناطق33. وعلى هذا النحو، فإن المسألة المهمة ذات الصلة باللامركزية، سواء أكانت اللاتركيز أم نقل السلطة، إنما تتضمن تحديد المستوى الذي ينبغي تعزيزه، فيكون من الممكن تمامًا على سبيل المثال، أن يؤدي "اللاتركيز" إلى بناء المقاطعات على حساب المستويين الوطني والبلدي للحكومة. وهذه العملية قد تفتقر إلى اسم يصفها، لكنها موجودة بوصفها واقعًا إمبريقيًا34. يتعلق أحد الاعتبارات المهمة الأخرى في تقييم الجهود المبذولة لإضفاء اللامركزية على الهياكل الإدارية بما يشير إليه فيسلر بإيجاز على أنه "المنطقة" في مقابل "الوظيفة." ومثلما يجادل، ثمة توترات متأصلة وعالمية وغير قابلة للضبط بين "طريقتين مختلفتين على نحو لافت لتحديد الأجزاء التي يمكن تقسيم الكلّ وفقَها:" التخصص القائم على المنطقة (كما هو الحال في أنظمة المحافظات، حيث يكون المحافظون مسؤولين عن تنفيذ جميع جوانب السياسة الوطنية داخل وحداتهم دون الوطنية)؛ والتخصص القائم على الوظيفة (حين يحتفظ كل
قسم وطني بموظفيه الميدانيين من المتخصصين، والمسؤولين عن تنفيذ البرامج الخاصة بهذا القسم والمحددة وظيفيًا في جميع أنحاء البلاد)35. وتوجد أشكال تعارضٍ بين المنطقة والوظيفة داخل أي نظام (بقطع النظر عن أي اتجاه قد يكون مسيطرًا فيه)، كما يمكن العثور على تنويعات عدة تجمع بين عناصر كلا النموذجين الرئيسين36. وستناقش الآثار المترتبة على هذا التمييز بمزيد من التفصيل في الصفحات التالية؛ ومع حاجتنا إلى مزيد من البحث المقارن، أفترض هنا أن تأثير اللامركزية التي تتم بحكم القانون في نظامٍ يستند إلى المنطقة بصورة أساسية، يختلف، وفي نواحٍ جوهرية تمامًا، عن نظيره المستند في أساسه إلى الوظيفة. توفر هذه الاستبصارات المستمدة من أدبيات تشكُل الدولة والإدارة العامة، الأدواتِ المفاهيمية لبناء متوالية توضيحية، توضع من خلالها الأبعادُ الإقليمية للهياكل الإدارية في منظورٍ مقارن. ويشرح فيسلر أن ثمة قطبين نهائيين في طرفي المتوالية لا وجود لهما في العالم الحقيقي، بحيث "تنتهي اللامركزية الكاملة إلى تلاشي الدولة، في حين أن المركزية الكلية ستُعرّض قدرةَ الدولة على أداء وظائفها للخطر"37. ويلاحَظ كذلك أننا نفتقر إلى مصطلحٍ محدد يصف مركزَ المتوالية، اللامركزية" إج وكذا متوالية "المركزية -لا38. ومع ذلك، تكمن الفائدة في فكرة المتوالية في قدرتها على التقاط التنويعات القائمة في أنظمةٍ إدارية معينة (سواء أكانت عبر وطنية أم ذات طبيعة تاريخية في الدولة الواحدة.) ويمكن التغلب على أوجه القصور المعجمية هذه إلى حد بعيد من خلال ملاحظة أن أيَّ نظام، ومن منظور مقارن، هو إما مركزي إلى حدٍّ ما، أو لامركزي إلى حدٍّ ما. ولأنه من غير المحتمل أن تعبّ هذه الأحكام عن "تمرين دقيق" على النحو الذي سبق توضيحه، من الأهمية أن تُبنى هذه الأخيرة على دراسة متأنية للخصوصيات التاريخية في أي نظام سياسي. عند بناء متواليةٍ تلخص العوامل المختلفة التي نوقشت سابقًا، يمكننا القول إنه في الجانب المركزي تكمن أنظمة المحافظات، وتقع في اتجاه الجانب اللامركزي الأنظمةُ الإدارية ذات "سلطات باتريمونيالية محلية" قوية ومستقلة، و/ أو أنظمةٌ تتميز بمستويات عالية من نقل السلطة والمسؤولية (وليس محض لاتركيز) إلى المستوى المحلي (وليس فقط إلى مستوى المقاطعة.) وعند إجراء المزيد من التقييمات، لا بد من دراسة للدرجة الإجمالية التي تستطيع بها الحكومات المركزية فرض سلطتها الإدارية على المناطق والمحليات من خلال وسائلَ مثل: 1. إنشاء وزارات للداخلية تكون قوية وفعالة؛ 2. القدرةُ على تعيين الموظفين وتدويرهم وضمان ولائهم (ومن ثم الحيلولة دون نشوء أشكال هيمنة محلية)؛ 3. القدرةُ على التحكم في نشاطات الوحدات والمسؤولين الإقليميين والمحليين و/ أو الإشراف عليها، لا سيما في الأمور المالية ومجال القوة القسرية (أو بعبارة أبسط، يجب النظر في من يتحكم في الأموال والأسلحة.) ومن المهم التأكيد على أن وضع نظام إداري معين في المتوالية يتطلب تحليلً تاريخيًا مقارنًا دقيقًا. ولو كان العالم يتألف من الحكومات التسلطية فقط، لأتاحت المتوالية الإدارية إطارًا مناسبًا لتقييم الأبعاد الإقليمية لنظام سياسي معين عمومًا. لكن الحصول على صورة أكثر اتساعًا عن درجة المركزية أو اللامركزية في الأنظمة الحكومية الحالية في معظمها، يقتضي دراسةً تشمل عناصرها الإدارية والسياسية معًا.
ثًالث ا: المركزية واللامركزية في السياسة
شكّلت أطر الإدارة العامة عمومًا نقطةَ انطلاق في الحالات التي حاول فيها العلماء دراسة الجوانب السياسية للمركزية واللامركزية. وقد اشتغل علماء "اللامركزية الديمقراطية" على وجه خاص على تعديل المفاهيم الإدارية لتشمل الاهتمام بالهيئات المنتخَبة والمشاركة الشعبية على المستوى المحلي. ونعثر على مثل هذه المقاربة في تحليليَن سياسييَن حديثيَن للامركزية، أحدهما أُنجز لفائدة البنك الدولي، والآخر لفائدة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية United States Agency for International Development, USAID (وكلتاهما وكالتان مانحتان تولّتا زمام المبادرة في تعزيز
اللامركزية في البلدان النامية.) في النموذج الأول، استخدم جيمس مانور مصطلح "نقل السلطة" أو "اللامركزية الديمقراطية" لوصف "نقل الموارد والسلطة (والمهمات غالبًا) إلى السلطات ذات المستوى الأدنى التي تكون مستقلةً عن المستويات الحكومية العليا بصورة كبيرة أو كلية، و'ديمقراطية' على نحوٍ ما وإلى درجة معينة." ويعدّ انتخاب المسؤولين المحليين هو الشكل الاعتيادي للديمقراطية المحلية، لكنها قد تشمل أيضًا ترتيبات أخرى غير اعتيادية من شأنها أن تعزز من المشاركة الشعبية على المستوى المحلي39. في النموذج الثاني، عدّل هاري بلير مفاهيم الإدارة العامة، مثل اللامركزية ونقل السلطة، "لتشمل العناصر [الرئيسة] للديمقراطية"، وأهم عنصر منها هو الحكومات دون الوطنية التي تخضع للمساءلة الشعبية والقريبة من المواطن (سواء من خلال الانتخابات، أو جماعات الضغط، أو النشاطات الحقوقية)40. وقد كتب أن التصنيف التقليدي للامركزية "لا ينطوي بالضرورة على أيّ عنصرٍ ديمقراطي، وهذا أمرٌ مفهوم تمامًا بالنظر إلى أنها ظهرت إلى الوجود بوصفها جزءًا من النظرية والممارسة المرتبطة بالإدارة العامة، وحتى قبل وقتٍ طويل من ظهور الديمقراطية مكونًا رئيسًا في أجندة التنمية الدولية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي[...]وفي حين يحيل بديل نقل السلطة إلى درجةٍ معينة من الديمقراطية، فإنه لا يتطلب على الإطلاق أن تتشكّل بطريقة ديمقراطية، الهيئاتُ المحلية التي تتلقى سلطةً لامركزية جديدة41. ولغرض "تعديل" التصنيف القديم وتعزيز "صنع القرار داخل الحكومات المحلية المنتخبة ديمقراطيًا"، يستخدم بلير مصطلحَي "اللامركزية الديمقراطية" و"الحكم المحلي الديمقراطي"42. تمثل هذه التحليلات معًا، وبصورة منفصلة، قفزةً نوعية مقارنةً بالكثير من أدبيات الإدارة العامة التي سبقتها. لكنها وفيما يتصل بمسألة الدمج بين الأبعاد المكانية للهياكل السياسية وأدبيات أكثر تطورًا عن الأبعاد المكانية للهياكل الإدارية، تواجه ثلاث مشكلات أساسية. أولً، غالبًا ما ينتهي الهدف اللافت المتمثل في تعديل أطر الإدارة العامة لتتضمن الجوانب السياسية للامركزية إلى الخلط بين المجالات المتمايزة للمركزية/ اللامركزية الإدارية والسياسية (وإنْ كان بينها تفاعلاتٌ وثيقة.) ومثلما تسعى هذه الدراسة لتوضيحه، فإن الحلَّ التحليلي إنما يكمن أولً في تصوُّر متواليتيَن منفصلتيَن (إحداهما في المجال الإداري والأخرى في المجال السياسي)، ثم تقييم مجموعة واسعة من الاستراتيجيات والنتائج التي تنشأ من التفاعل المعقد بين هذين المجالين. وترتبط المشكلة الثانية ارتباطًا وثيقًا بالمشكلة الأولى؛ ففي الرغبة في تعزيز "اللامركزية الديمقراطية" يميل كلا التحليلين إلى التركيز على وجود الديمقراطية على المستوى المحلي وطابعها، ويتجاهلان إلى حدٍّ بعيد البيئة السياسية الوطنية التي توجد فيها مثلُ هذه الهياكل43. ومثلما أجادل في الصفحات التالية، يتطلب بناء متوالية من المركزية مقابل اللامركزية السياسية تحليلً دقيقًا للمؤسسات السياسية على المستويين المحلي والوطني. المشكلة الثالثة في أدبيات "اللامركزية الديمقراطية" هي في وجود ارتباط ضمني - وصريح أحيانًا - بين الديمقراطية واللامركزية. ويلخص أحد الباحثين في اللامركزية الديمقراطية هذا المنطق بالقول إنه "كلما كانت حكومةٌ تمثيليةٌ ما أقرب إلى مواطني المجتمع، مكانيًا وماديًا، اقتربت أكثر من الديمقراطية 'الحقيقية."' وعلى العكس من ذلك، "كلما كانت الحكومة التمثيلية أبعد عن المواطنين وأصعب في بلوغها، كانت أقل ديمقراطية"44. وإذا كان الهدف هو بناء تحليلٍ بدلً من إشاعة اعتقادٍ معين، فمن الضروري تجاوز الارتباط ما بين التسلطية والمركزية وبين الديمقراطية واللامركزية45، إذ يمكن على سبيل المثال أن يكون النظام التسلطي الذي يمزقه صراع أمراء الحرب أقل مركزية بكثير من الناحيتين الإدارية والسياسية، مقارنةً بالعديد من الديمقراطيات التي تعمل على نحو جيد. ومن المهم أيضًا أن نتذكر أن العمل المركزي كان ضروريًا في الجنوب الأميركي قبل جيلٍ مضى، لمواجهة المصالح المحلية
التي استخدمت خطاب "حقوق الولايات" للحدّ من الحقوق المدنية وإدامة الهياكل الانتخابية غير الديمقراطية46. وفي حين تؤدي عملية اللامركزية أحيانًا إلى تعزيز الديمقراطية، فإن من السهل جدًا تصوّر "اللامركزية التسلطية" في الأوضاع التي تُنقل فيها السلطة إلى جيوب تسلطية على المستوى المحلي. وعلى العكس من ذلك، قد تؤدي المركزية إلى تعزيز التسلطية أحيانًا، في حين يمكن أن تكون بعضُ التدابير المركزية (ومثلما سيجري تحليله بمزيد من التفصيل لاحقًا)، قوةً فعالةً لإرساء الديمقراطية في بعض الأحيان47. بعد توضيحنا قيود المقاربات السابقة على النحو المذكور، يمكن الآن دراسة أكثر الأنماط في الهياكل السياسية ارتباطًا بالمركزية وأكثرها ارتباطًا باللامركزية، ثم الشروع في بناء متوالية من المركزية واللامركزية السياسية تكون قادرة على تلخيص العوامل الرئيسة المتضمَّنة، ومن ثمّ تقديم عرضٍ بياني للتنويعات عبر الوطنية والتاريخية. وسأفعل ذلك من خلال تقديم سلسلةٍ من الأسئلة المفيدة في تحليل أنظمة سياسية خاصة، وفي التحرك نحو الهدف المقارن المتمثل في وضع الأنظمة السياسية على متوالية تمتد من الأشد مركزةً إلى الأشد لامركزة. ومن المهم التأكيد على الطابع الأولي لهذا التحقيق البحثي؛ إذ يستلزم ضعفُ التصور الحالي للأبعاد الإقليمية للسياسة الكثيرَ من التوضيحات النظرية، ولن يمكنني في النهاية سوى اقتراح إطار عمل للتحليل، سيكون أوليًا ويتطلب الاختبار والتنقيح عبر إجراء بحوثٍ مقارنة48. تبعًا للملاحظات السابقة، يتطلب تحليل مركزية نظام سياسي معين في مقابل لامركزيته فحصَ مجموعةٍ من العوامل السياسية المحلية والوطنية. وللبدء، يمكننا الاسترشاد بأفكار علماء "اللامركزية الديمقراطية" والتركيز الذي أولوه لطبيعة السياسة المحلية، وطرح الأسئلة التالية: هل يُعيَّ المديرون التنفيذيون المحليون من جانب المركز أم يُنتخبون عن طريق التصويت الشعبي؟ مما ذُكر في الصفحات السابقة، فإن الشاغل الرئيس للإدارة العامة هو درجة التفويض في سلطة اتخاذ القرار الممنوحة للمستوى المحلي. ومن وجهة نظرٍ سياسية، يجب استكمال ذلك باهتمامٍ دقيق بطابع الحكومة المحلية. ويُفترض أن يكون المسؤولون المحليون المعيّنون من جانب المركز جزءًا من التسلسل الهرمي الوطني الأوسع الذي يمتد من العاصمة إلى الأطراف، خاصةً إذا كانوا عرضةً لسهولة نقلهم من جانب المركز (في الواقع، قد تكون ذهنيتهم أقرب إلى البيروقراطي منها إلى السياسي.) وعلى النقيض من ذلك، يتمتع المسؤولون المنتخبون عن طريق التصويت الشعبي بقدرة أكبر على تمثيل المصالح المحلية. ومع ذلك، يمكن في كل حالة أن تعمل الديناميات السياسية الأخرى على مواجهة هذه التعميمات؛ فالموظف المعيَّ القادر على السيطرة على موارد انتخابية و/ أو قسرية مهمة، قد تكون لديه، على سبيل المثال، قدرة تفاوضية كبيرة في مواجهة المركز. وعلى العكس من ذلك، يمكن تحييد ميول المسؤولين المنتخبين نحو دعم المصالح المحلية من خلال التأثير ذي الطابع المركزي الذي يمارسه الحزب السياسي المنتَمى إليه49. هل ثمة آليات فعالة للمشاركة الشعبية على المستوى المحلي، سواء من خلال الانتخابات أو وسائل أقل تقليدية (كالابتكارات المؤسسية الهادفة إلى تشجيع المساهمة المتأتية عبر المنظمات غير الحكومية أو الشعبية على سبيل المثال)؟ يمكن أن نتوقع مستوياتٍ عاليةً من المشاركة بهدف المساعدة في الجهود المبذولة لتعزيز المصالح المحلية تجاه المركز، ويمكن لوسائل إعلام محلية مستقلة ومتطورة بطبيعة الحال أن تساعد على نحو بعيد في تنمية المشاركة الشعبية على المستوى المحلي. هل ثمة هيئات تشريعية، بلدية، وعلى مستوى المحافظات والولايات، و/ أو إقليمية، تتمتع بسلطة كبيرة لصنع القرار؟
إذ كلما زاد نطاق سلطات صنع القرار المحلية هذه، صارت هذه الهيئات مؤسسية، وزادت المصالح المحلية التي تؤكد لها احتياجاتها الخاصة في مقابل احتياجات المركز. في مستوى أقل رسمية، هل ثمة تركيز للقوة السوسيو-اقتصادية و/ أو القسرية في أيدي الأعيان المحليين والزعماء، وكيف يؤثر أصحاب السلطة هؤلاء في ما يبدو أنه الطابع الديمقراطي للمؤسسات؟ وعلى وجهٍ خاص، إلى أي حدّ يؤثر أصحاب السلطة المحليون في انتخاب أعضاء المجالس التشريعية، والمحافظين، ورؤساء البلديات وأعضاء المجالس المحلية؟ إذ كلما زاد تركيز السلطة المحلية، زادت صعوبة قيام المركز بفرض إرادته على المحليات والمناطق. وتجدر الإشارة إلى أن فيبر قد توقّع أن الجمع بين الأدوار الاقتصادية والقسرية لدى الأفراد يعزز الاتجاه نحو اللامركزية. وإضافة إلى التركيز على طبيعة السياسات المحلية والهياكل السياسية، من الضروري أيضًا النظر في الطابع الإقليمي للسياسة الوطنية. هل ثمة هيئة تشريعية وطنية تتمتع بسلطةٍ كبيرة في اتخاذ القرار؟ من الواضح تمامًا أن النظام السياسي الذي تتركز فيه السلطة في الهيئة التنفيذية هو أكثر مركزية من الناحية السياسية مقارنة بالنظام السياسي الذي تقتسم فيه السلطةَ الهيئتان التنفيذية والتشريعية. ومع أن مثل هذا المعيار، بطبيعته، لا يهتم بالأبعاد الإقليمية للسلطة، فإنّ إمكانية تمثيل المصالح الإقليمية المتنوعة تزداد بالتأكيد من خلال وجود هيئة تشريعية تؤدي وظيفتها. ويلاحظ فيسلر أن الحكومات الديمقراطية تُبدي على العموم "سمةً لامركزية ملحوظة" تظهر في أنّ "لأعضاء المجالس التشريعية 'الوطنية' قاعدتهم السياسية في الدوائر الانتخابية المحلية"50. ومن الضروري الذهاب إلى أبعد من ذلك وتقييم درجة "السمة المحلية" التي أضافتها الهياكل الديمقراطية الوطنية. وتستكشف الأسئلة الثلاثة التالية كيف يؤثر الشكل والطابع المميز للمجالس التشريعية والأنظمة الانتخابية في الروابط بين أعضاء المجالس التشريعية ودوائرهم الانتخابية. إذا كانت ثمة هيئات تشريعية فعّالة، فهل تعمل ضمن نظام برلماني أم رئاسي؟ فوفقًا للصحافي البريطاني والتر باغيهوت Bagehot Walter 1877-1826()، فإن النظام البرلماني البريطاني "يخضع لمبدأ سلطةٍ واحدة ذات سيادة كإطار عام"؛ في حين يقوم النظام الرئاسي الأميركي على "مبدأ وجود العديد من السلطات السيادية"51. ويوضح هنتنغتون أن البرلمان البريطاني، يُعتبر بالنتيجة، "التمثيلَ الجماعي للأمة"، في حين يُنظر إلى الكونغرس الأم كيرر على أنه "مجموعة من ممثلي الدوائر الفردية"52. ويمكن العثور أيضًا في النظام الرئاسي الأميركي ومنذ فترة طويلة على "سمةٍ محلية مكثفة" ترفضها البرلمانات في وستمنستر: حيث يُفترض أن يمثل الرئيس مصالح المجتمع برمّته، في حين ترتبط ولاءات أعضاء المجالس التشريعية أساسًا بدوائرهم الانتخابية53. وخلاصة القول: تزداد إمكانية تمثيل المصالح الإقليمية المتنوعة عمومًا من خلال نظامٍ رئاسي يقسّم السلطة التشريعية بين فروع مختلفة. هل أعضاء المجالس التشريعية الوطنية منتخبون أم معينون؟ يبدو من الواضح تمامًا أنه، ومع ثبات ما دون ذلك من العناصر الأخرى، سيكون لدى الذين يعيّنهم المركز ولاءٌ للشواغل المحلية أقل بكثير من أولئك الذين يتم انتخابهم. إلى أي حدّ ينص النظام الانتخابي على تمثيل المصالح المحلية أو الإقليمية في الهيئة التشريعية الوطنية؟ إذ لا يوفر نظام التمثيل النسبي الذي تكون فيه الدولة بأكملها دائرةًانتخابية واحدة أي نطاقٍ رسمي لتمثيل المصالح المحلية أو الإقليمية. (وإضافة إلى ذلك، تتم تقوية الميول تجاه المركز إلى درجة أن الحزب الوطني هو الذي يحدد اختيار المرشحين وترتيبهم في نظام التمثيل النسبي.) ويوفر نظام التعددية الانتخابية القائم على الدائرة الفردية، من جهة أخرى، إمكانية كبيرة لتمثيل المصالح المحلية والإقليمية. هل الأحزاب السياسية منظمة على أسس وطنية أم محلية/ إقليمية، وما مستوى تماسكها الداخلي؟ سيكون للأحزاب السياسية المنظمة على المستوى الوطني، خاصة إذا كانت متماسكة ومنضبطة بصورة جيدة، القدرةُ على العمل بوصفها قوة مركزية وكابحة للميول المحلية، وأحد الأمثلة على ذلك هو الاتحاد السوفياتي تحت رئاسة خروتشوف: فعلى الرغم من أن جمهوريات الاتحاد كانت مستقلة من الناحية الرسمية مع وجود اتجاه نحو اللامركزية الإدارية، ساعد الاعتماد على الحزب السياسي المهيمن على مستوى الاتحاد (الذي يعمل وفقًا لمبادئ
"المركزية الديمقراطية)" في "احتواء الميول نحو التفكك"54. وتقدم نيجيريا في وقت مبكر من مرحلة ما بعد الاستقلال تباينًا ملحوظًا، حيث ظلت "الهوية الوثيقة ما بين المنطقة، والحزب، والإثنية" التي تأسست في السنوات الاستعمارية المتأخرة، إرثًا إشكاليًا بعد عام 1960 55. ولم يتحقق الظهور النهائي لأحزاب قادرةٍ على المطالبة بدعمٍ إقليمي أوسعَ تدريجيًا إلا من خلال جهودٍ واعية جدًا لتغيير الأنماط التاريخية الراسخة56. إلى أي مدى تبدو الهياكل الإدارية في مأمن من سياسات المحسوبية الحزبية؟ حين تتغلغل محسوبية الحزب ومغانمه بصورة فعّالة في الهياكل الإدارية، قد تختلف طبيعة الروابط المركزية المحلية اختلافًا كبيرًا عن تلك الموجودة في البيئات "يدعم فيها الناخبون الاستقلاليةَ البيروقراطية التي "57. ويوضح بوتنام أن ممارسات المحسوبية في إيطاليا "سمحت للنخب المحلية والنواب الوطنيين بالمساومة على المصالح المحلية في مواجهة التوجيهات الوطنية نظير الدعم الانتخابي والبرلماني. وقد كانت القنوات السياسية نحو المركز أكثر أهميةً من القنوات الإدارية"58. وبالمثل، شجعت الأحزاب السياسية الأميركية القائمة على المحسوبية في أواخر القرن التاسع عشر على "التشتت الواسع للمنافع الخاصة نزولً في اتجاه المناطق المحلية، في وقت تزايدت فيه التفاعلات الاجتماعية والصراعات الاقتصادية الوطنية النطاق بصورة لافتة"59. باختصار، قد توفر الأنظمة السياسية الديمقراطية، التي تمثّل فيها المحسوبية مكوّنًا قويًا، سبلً غير رسمية مهمة لتعزيز المصالح المحلية، وتقوض في الوقت نفسه قدرة الإشراف المنوطة بالمركز. ويوضح شيفتر أن للتوقيت التاريخي لإنشاء البيروقراطيات الحديثة وظهور المشاركة السياسية الجماهيرية أهمية حاسمة في تحديد القوة النسبية ل "الدائرة الانتخابية ذات الاستقلالية البيروقراطية" في مقابل "دائرة انتخابية قائمة على المحسوبية." ولتوضيح حجته الدقيقة بعبارات أبسط، إذا كان تشكُّل "الدائرة الانتخابية ذات الاستقلالية البيروقراطية" قد سبق التعبئة الجماهيرية للناخبين (كما هو الحال في ألمانيا)، فمن غير المرجح أن تسيطر الأحزاب على الهياكل الإدارية عبر المغانم والمحسوبية؛ فإذا ما انعكس الترتيب الزمني (كما في إيطاليا)، كانت الهياكل الإدارية التي تعاني المحسوبية هي النتيجة المحتملة60. باستخدام هذا الإطار، يمكن فحص السمات الخاصة لنظام سياسي معين وتحديد موضعه تقريبًا في متوالية تمتد من شديد المركزية نسبيًا في مقابل شديد اللامركزية نسبيًا. وكما في حالة متوالية المركزية/ اللامركزية الإدارية، يتطلب هذا التحديد، بطبيعة الحال، تحليلً تاريخيًا مقارنًا دقيقًا61. بوجه عام، يمكن أن نتوقع أن النظام السياسي عالي المركزية ينطوي على الجمع بين مجموعة من الميزات كما يلي: 1. المسؤولون المحليون والإقليميون يعيّنهم المركز؛ 2. ثمة القليل من السبل للمشاركة السياسية على المستوى المحلي؛ 3. تفتقر الوحدات دون الوطنية إلى هيئات تشريعية خاصة بها؛.4 غياب رؤساء محليين يتحدَّوْن سلطة المركز؛ 5. تتركز سلطة اتخاذ القرار في السلطة التنفيذية في العاصمة (أو، في حالة ما إذا وُجدت هيئة تشريعية وطنية، فليس لها رأي حقيقي يُذكر)؛ 6. تُنشَأ الهيئة التشريعية (بافتراض وجودها) بوصفها جزءًا من بنية برلمانية لا رئاسية؛ 7. نسبة كبيرة من أعضاء المجالس التشريعية الوطنية يعيّنها المركز؛ 8. ثمة نظام انتخابي نسبي (حيث يحدد أسماءَ المرشحين ضمن هذا النظام حزبٌ سياسي وطني)؛ 9. جميع الأحزاب السياسية ذات نطاق وطني، وقادرة على تنفيذ القرارات والاستراتيجيات على المستوى الوطني في جميع أنحاء البلاد؛ 10. البيروقراطية في مأمن تمامًا من أنظمة المحسوبية. على العكس من ذلك، يمكن التوقّع أن النظام السياسي شديد اللامركزية سينطوي على مزيج كبير من الميزات التالية: 1. يُنتخب المسؤولون المحليون والإقليميون عبر التصويت الشعبي؛ 2. ثمة العديد من الوسائل المؤسسية الجيدة التي يمكن للمشاركة السياسية على المستوى المحلي أن تزدهر من خلالها؛ 3. لدى وحدات الحكم المحلي هيئاتٌ تشريعية راسخة قادرة على تأكيد مصالحها تجاه المركز؛.4 في جميع أنحاء المقاطعات، يتحدى الرؤساء المحليون ممن
تتُرك في أيديهم قدراتٌ اجتماعية واقتصادية وقسرية سلطةَ الدولة المركزية؛ 5. ثمة هيئة تشريعية وطنية تحظى بسلطة واسعة في اتخاذ القرار؛ 6. الهيئة التشريعية هي أحد فروع النظام الرئاسي؛ 7. جميع أعضاء المجالس التشريعية الوطنية منتخبون وليسوا معيّنين؛ 8. ثمة نظام انتخابي تعددي قائم على الدوائر الفردية؛ 9. جميع الأحزاب السياسية هي ذات نطاق محلي، وليس لديها سيطرة تُذكر على نظام العضوية فيها أو على المرشحين وأصحاب المناصب الذين يرشحون أنفسهم للانتخابات ويتولون مناصبَ باسمها؛ 10. تتعرض البيروقراطيات للاختراق من أنظمة المحسوبية62.
رابعًا: تحليل الإداري والسياسي (ودمجهما)
ومثلما حاججنا في بداية هذه الدراسة، تميل التحليلات الخاصة بالمجالات الإدارية والسياسية إلى التعايش معًا من دون أن يوجد بينهما اشتباك؛ فاليوم أيضًا لا يزال من الممكن العثور على ["إهمال] التفاعل بين الإدارة وعناصر أخرى من النظام السياسي" نفسه الذي تأسّف له فيسلر قبل ثلاثة عقود63. ومثالً على الحاجة إلى تحليل هذا التفاعل، يوضح فيسلر أنه "من المتصور أن الأجزاء التشريعية والسياسية اللامركزية من النظام تجعل السمات المركزية للجزء الإداري منه غير مهمة تقريبًا." ولا يبدو أن فيسلر قد تبنّى إطارًا يسمح بمقاربة أكثر اتساعًا، لكنه يؤكد أن الدراسةَ المحدودة لأجزاء معينة فقط من نظامٍ سياسي إداري محدد هو "طريقةٌ غير كافية بجلاء، لقياس درجة المركزية أو اللامركزية في النظام الحكومي برمته"64. بعبارة أخرى، على الرغم من أن فيسلر يُظهر وعيًا كبيرًا بالتفاعل المستمر الحاصل بين السياسة والإدارة، يبدو أنه لم يقدم نموذجًا قادرًا على الدمج بين الفاعلين الرئيسين كالمسؤولين المنتخبين (رؤساء البلديات، والمحافظون، وأعضاء المجالس التشريعية الوطنية والمحلية) والمؤسسات التمثيلية، والأحزاب السياسية وشبكات المحسوبية التي ترتبط بها65. إضافة إلى ذلك، يبدو أن تأكيداته القيّمة عن ضرورة إجراء دراسة متزامنة للمؤسسات الإدارية والسياسية معًا، لم تُدمج في استبصاراته الرائدة بشأن التمييز الأساسي بين المنطقة والوظيفة. بالانطلاق من حيث توقّف فيسلر، يوفر هذا التحليل إطارًا أكثر تكاملً يمكن من خلاله فهم الكيفية التي تسهم من خلالها الهياكل الإدارية والسياسية في الأبعاد الإقليمية للأنظمة السياسية. ومثلما أوضحتُ سابقًا، فإن الخطوة الأولى هي في تصوُّر متواليتين متمايزتين من المركزية في مقابل اللامركزية، تخص إحداهما المجال الإداري، وتخص الأخرى المجال السياسي. والخطوة التالية هي دمجهما، لأغراض توضيحية، في مصفوفة بسيطة مثنى مثنى (مع المركزية الإدارية في مقابل اللامركزية الإدارية على المحور الأفقي والمركزية السياسية في مقابل اللامركزية السياسية على المحور الرأسي.) وفي المتواليتين معًا، يتطلب وضع الحالات في مواقعها تحليلً تاريخيًا مقارنًا دقيقًا، وستكون ثمة صعوبات متأصلة في بلوغ الدقة. وبما أنه من غير الممكن فحص جميع الطرائق التي تتفاعل بها الهياكل الإدارية والسياسية، نقدم في هذه المصفوفة بعض الأمثلة التي تم تطويرها بإيجاز كما سيلي، وذلك بغرض توضيح الدرجة الواسعة من التباين القائم بينها. وحتى لو لم ينتهِ هذا التحليل إلى حلّ الصعوبات الإمبريقية، فإن تفكيك التحليل الخاص بالمجالين الإداري والسياسي ثم تجميعه لاحقًا يدفع ذلك في اتجاه وضوح مفاهيمي أكبر بشأن مسائل المركزية واللامركزية. ويمكن هذا التحليل أن يتجاوز التعميمات الشاملة الشائعة الاستخدام عن طبيعة النظام السياسي إجمالً، ويميز على نحو أوضح الأبعاد الإقليمية للمجال الإداري من تلك الموجودة في المجال السياسي. وباستخدام هذه المصفوفة، يمكن مناقشة نوعين متمايزين من نقاط التباين: ما يوجد منها بين الدول، وما يوجد داخل الدولة نفسها عبر فترات زمنية. وعند إجراء مثل هذه المقارنات، لا بد من ملاحظة أن هذه المصفوفة لا تدّعي القبضَ على جميع عناصر الاختلاف في الأنظمة السياسية - الإدارية. وإضافة إلى ذلك، ومثلما أكدتُ في بداية هذه الدراسة، فإن التحليل الشامل بحق، للأبعاد الإقليمية لأي نظام سياسي، من المهم ألّ يكتفي بفحص الهياكل الإدارية والسياسية، بل يفحص التأثير الذي تُحدثه البنى الاقتصادية والخصائص الاجتماعية والثقافية أيضًا.
أشد لامركزية نسبيًا الإدارة
الصين منذ 1979
الفلبين الديمقراطية
الصومال ما بعد عام 1991
ثمة عنصرٌ رئيس آخر أُغفل في هذه المصفوفة، وهو عنصرٌ مهم جدًا لكنه غالبًا ما يجري إهماله عند الحديث عن التمايز بين الأنظمة السياسية - الإدارية؛ الكائن بين أكثر الأنظمة الإدارية بيروقراطية نسبيًا وأكثرها باتريمونيالية نسبيًا. فإذا ما حاولنا إدراج كلٍّ من ألمانيا الحديثة ونيجيريا الحديثة معًا في هذه المصفوفة، فسيكون من الضروري عدم تجاهل هذا الاختلاف الأساسي في طبيعة أنظمتهما الإدارية66. ومثلما يؤكده التحليل السابق، تملك الدول القائمة على الشرعية العقلانية قدرةً أكبر على مراقبة الأطراف والتحكم فيها مقارنة بتلك التي تتمتع بسمات باتريمونيالية قوية67. أشد مركزية نسبيًا
أشد مركزية نسبيًا إندونيسيا في حقبة سوهارتو
بريطانيا في حقبة تاتشر السياسة البرازيل التسلطية أشد المركزية نسبيًا تايلند الديمقراطية
مع اليسر الذي يتيحه إدراك هذه الصعوبات، من الممكن الآن إجراء مسحٍ موجز للأمثلة الواردة في المصفوفة68. في الربع العلوي الأيسر، ثمة حالات تكون فيها الهياكل الإدارية والسياسية شديدة المركزية. وإذا ركزنا على الفترة التي أعقبت توطيد سوهارتو ل "النظام الجديد"69 في السبعينيات، فمن الواضح تمامًا أن إندونيسيا يمكن أن توضع في الربع الأعلى من الجهة اليسرى: فنجد هياكل تتكون من محافظات تعمل تحت إشراف وزارة قوية للداخلية (حيث خدم العديد من ضباط الجيش كمحافظين) والتي تضمن درجةً عالية من الرقابة الإدارية انطلاقًا من جاكرتا، يرافقها ولاء الموظفين المدنيين قسريًّا للنظام. كما أن ثمة العديد من جوانب النظام السياسي تتوجه بقوة نحو طرف النهاية في المتوالية حيث المركزية الشديدة: فنعثر على مسؤولين محليين وإقليميين معيّنين (أي غير منتخبين)،
وفرصٍ ضعيفة للمشاركة الشعبية، ومجالسَ محلية ضعيفة، ودرجة منخفضة من سلطة الأعيان، وسلطة قرار هشة يحظى بها برلمانٌ وطني به أقلية معتبرة من الأعضاء المعينين ونظام التمثيل النسبي بالنسبة إلى المنتخبين، وأحزاب سياسية مقيدة وشديدة المركزية70. ولتوضيح غياب ارتباط سببيّ واضح بين المركزية والتسلطية، من المهم أيضًا الإشارة إلى أن بريطانيا العظمى الديمقراطية في عهد مارغريت تاتشر تبدو مناسبة تمامًا للربع الأيسر العلوي، حتى لو لم تشكّل حالةً تقع في أقصى الطيف. ومن الناحية التاريخية، كانت العناصر الرئيسة للنظام السياسي البريطاني شديدة المركزية، بدءًا من المبدأ الأساسي ل "السيادة البرلمانية" امتدادًا إلى الأحزاب السياسية المتماسكة والمركزية، إضافة إلى "الدائرة الانتخابية ذات الاستقلالية البيروقراطية" التي استبق ظهورها تمديد حق الاقتراع العام71. وقد جرت موازنة ذلك بتقليد قوي من المشاركة السياسية المحلية، ومسؤولين محليين منتخبين، ومجالس محلية راسخة. وعلى المستوى الإداري، لا تحظى بريطانيا كلها بتراث قوي يقوم على نظام المحافظات، وتتمتع الحكومات المحلية بدور راسخ وسلطة تقديرية كبيرة بشأن الإيرادات والإنفاق المحلي. ومع ذلك كله، شرعت لندن، خلال الثمانينيات، في التدخل على نطاق أوسع في العديد من المسائل التي كانت تخضع للسيطرة على المستوى المحلي في السابق، لا سيما في الشؤون المالية72. وكجزء من هذا "الهجوم على الحكومة المحلية"، فقد أُلغي ثلثها73. وفي صلة ذلك بالمصفوفة، فإن إصلاحات تاتشر نقلت بريطانيا أعلى وإلى جهة اليسار في آن واحد. ومن الأمثلة على دولٍ تقع في الربع الأيمن العلوي نجد الصين ما بعد عام 1979، حيث استمر وجود مستوى عالٍ من المركزية السياسية وسط عملية اللامركزية الإدارية؛ إذ يحتفظ مسؤولو الحزب الشيوعي بدورٍ مهيمن في تحديد السياسة الوطنية، وثمة قيودٌ مستمرة على المشاركة السياسية المحلية، ولا يزال نطاق سلطة الهيئات التشريعية مقيدًا جدًا. وفي حين نعثر على العديد من الطرائق التي يتغير بها النظام السياسي على المستويين الوطني والمحلي، تظل الأولويةُ الرئيسة للقيادة هي بناء قوة الحزب مع الحفاظ على إحكام السيطرة على طبيعة الإصلاح السياسي وسرعته74. لكن وعلى المستوى الإداري، نعثر على درجة عالية من اللامركزية ["دفعت] السلطةَ التقديرية في اتخاذ القرار والمسؤولية المالية إلى أسفل، بعيدًا عن الوزارات والمكاتب المركزية في بكين، وفي اتجاه المستويات المتوسطة والدنيا من التسلسل الهرمي في الدولة"75. إن العلاقات بين المستوى المركزي والمستويات دون الوطنية للحكومة "لم تتغير بشكل كبير فحسب، بل تغيرت أيضًا بطرائق يصعب التراجع عنها"76. بالانتقال إلى الربع السفلي الأيسر، نعثر على مزيج من المركزية الإدارية واللامركزية السياسية. وهذه ليست حالةً غير عادية؛ فمثلما لوحظ سابقًا، يستخدم فيسلر هذا المثال في حثه على مزيد من الاهتمام بالتفاعل بين الإدارة والسياسة داخل "النظام الحكومي الشامل." وضمن هذا الربع، يمكن العثور على البلدان التي يقوم فيها المسؤولون المركزيون بتعزيز الإجراءات الرسمية التي تسعى لتشجيع المزيد من المسؤولية أمام المركز، لكن الصلاحيات التي تحظى بها هيئةٌ تشريعية ذات أساسٍ إقليمي قوي ونظام راسخ للمحسوبية السياسية تعني هيمنةً للأنماط اللامركزية للسلطة، وتقدم البرازيل في عهد التسلطية 1985-1964() مثالً مفيدًا في هذا الصدد. فمن الناحية الإدارية، شهدت هذه المرحلة مركزيةً على مستوى التمويل وصنع السياسات وزيادة تدخل برازيليا على مستوى الدولة77. لكن القصة تبدو أشد تعقيدًا على المستوى السياسي؛ فعلى عكس بعض النظراء التسلطيين الآخرين في أي مكان آخر في القارة، أبقى الحكام العسكريون البرازيليون على الهيئات التشريعية، وأجروا انتخابات لجميع المكاتب المحلية والعديد من المناصب الحكومية والوطنية. ومع أن القيود الصارمة على سلطة المسؤولين والهيئات المنتخبة استمرت بطبيعة الحال، فإنّ وجودها المستمر وفّر العديد من الفرص التي صمدت من خلالها النخبةُ السياسية التقليدية. ومثلما يوضح هاكوبيان، فإن هذه النخبة "سيطرت على الشبكة الانتخابية الوطنية للحزب الموالي للحكومة، والذي كان في حد ذاته مزيجًا تخترقه
شبكات الدعم الخاصة للزعماء المحليين وأوليغارشية الدولة." لقد عززت جوانب مهمة من استراتيجيات القادة العسكريين في واقع الأمر من موقع الأوليغارشية78. أما الحالة الثانية فهي تايلند الديمقراطية في الوقت الحالي، حيث أدى الصعود الأخير للزعامة المحلية إلى تحريك البلاد من أعلى اليسار إلى الربع السفلي الأيسر. ففي أواخر القرن التاسع عشر، جعل الملك شولالونغكورن Chulalongkorn) 1910-1868(من المملكة مركزيةً من خلال اعتماد نظام المحافظات، وسيطر البيروقراطيون المدنيون والعسكريون في بانكوك على المملكة إلى حدٍ بعيد في أوائل سنوات ما بعد الحرب، إلى درجة أن البلاد وُسمت ب "النظام البيروقراطي"79. وفي حين ظلت الهياكل الإدارية مركزيةً تمامًا، فقد أدت قدرةُ "العرابين الريفيين" على اغتنام فرص برلمانية جديدة في السنوات الأخيرة إلى تحويل سلطة سياسية كبيرة بعيدًا عن بانكوك وفي اتجاه المقاطعات80، بل حتى المواقع المعزولة سابقًا في وكالات صنع السياسة الاقتصادية لامسها تغلغل التأثير الذي يمارسه البرلمانيون ورجال الأعمال الإقليميون81. أخ ا، في الربع الأيمن السفلي من المصفوفة، نجد البلدان التي لامركزية فيها في كل من السياسة والإدارة. وأقصى مثال في هذه الحالة هو الصومال ما بعد عام 1991، حيث فشلت الدولة المنهارة في تجسيد المركزية (يمكن العودة إلى مناقشة مان عن الدولة الحديثة) وهي تواجه بشدة قوة العشائر المدججة بالسلاح، حتى إن العاصمة نفسها طغت عليها "الفوضى واللانظام"82. وضمن هذا الربع أيضًا، ولكن ليس في أقصاه بأي حال (أي إنها تقع إلى أعلى وإلى اليسار إلى حد بعيد) نجد الفلبين بعد عام 1986 تاريخ سقوط فرديناند ماركوس؛ إذ غالبًا ما تطلّبت الهياكل الإدارية الفلبينية في فترة ما بعد الحرب موافقةً مركزية حتى على أقل القرارات المحلية أهمية، لكن ما مِن تراث في نظام المحافظات، ولدى المركز قدرةٌ ضعيفة على الإشراف على المسؤولين الإقليميين والمحليين83. وحتى مع هذا التراث الضعيف للمركزية، فقد نقلت مبادرة اللامركزية الشاملة منذ عام 1991 مسؤوليةً وسلطةً معتبرة من مانيلا إلى وحدات الحكومة المحلية. وفي الجانب السياسي، تتمتع الفلبين بالعديد من السمات الرئيسة للنظام اللامركزي: كانتخاب المسؤولين المحليين، ومجالس مقاطعات راسخة، وتقليد قوي من الزعامة المحلية، وهيئة تشريعية حازمة في كثير من الأحيان تعمل في نظام رئاسي، ونظام تعددية انتخابية قائم على الدائرة الفردية (لمجلس النواب)، وأحزاب ذات مؤسسية ضعيفة (لكنها تنتظم أغلب الوقت تقريبًا على أساس الخطوط الوطنية بدلً من الإقليمية)، ونظام قائمٍ على المحسوبية طويل الأمد يمارس الكونغرس من خلاله قدرًا كبيرًا من السيطرة على البيروقراطية84.
خامسًا: الكشف عن اللامركزية
سعيتُ من خلال هذا المسح للأجزاء الأربعة في المصفوفة إلى توضيح درجة التباين الكبير الموجود في التفاعل بين الأنظمة الإدارية والسياسية. وفي الوقت نفسه، ثمة درس أكثر عمومية ينبثق من إطار العمل هذا؛ إذ اعتمادًا على موقع الدولة داخل المصفوفة، قد يكون ضرر استراتيجيات اللامركزية أكثر من نفعها؛ فتكون استراتيجيات اللامركزية منطقية جدًا، بطبيعة الحال، في السياسات التي سبق أن عرفت المركزية إداريًا وسياسيًا. لقد كان من شأن نقل السلطة إلى الحكومات المحلية الذي أحدثته حكومة العمال برئاسة توني بلير أن دفع بريطانيا العظمى إلى يمين المصفوفة؛ وأدى إنشاء المجالس الإقليمية إلى تحريكها في اتجاه أسفل المصفوفة (إلى موقع أكثر لامركزية من الناحية السياسية مما كانت عليه في سنوات ما قبل تاتشر. وأدت الإصلاحات الإدارية في أواخر سنوات حكم سوهارتو إلى نقل إندونيسيا إلى يمين المصفوفة إلى حد ما، ومن شأن الإصلاحات
الواسعة التي اعتُمدت في فترة ما بعد سوهارتو تحريك البلاد نحو موقع أقل مركزية بكثير على المتوالية السياسية85.
في المقابل، ثمة أهمية خاصة لاستراتيجيات اللامركزية في البلدان التي تقع في الجزء السفلي من المصفوفة، وخاصة إذا كانت: 1. في الربع الأيمن السفلي؛ و/ أو 2. تُظهر هياكلُها سماتٍ باتريمونياليةً على نحو بعيد. بعبارة بسيطة "لا يمكن أن تكون ثمة لامركزية سليمة حتى تسبقها مركزية في البداية"86. وحيث يمارس الزعماء المحليون سلطةً قسرية كبيرة، قد ينتهي الأمر إلى تعزيز القوى المعادية للديمقراطية، في حين قد تعزز بعض إجراءات المركزية (كتقييد الجيوش الخاصة) الديمقراطيةَ في واقع الحال. وبالمثل، قد تعوق البرامج التي لا تنتهي إلّ إلى تقوية أولئك الذين يحتكرون الموارد المحلية إلى إعاقة الأهداف التنموية، بحيث تكون الحكومة المركزية هي المؤسسة الوحيدة في الدولة بأكملها القادرة على إضفاء الطابع الديمقراطي على مسألة بلوغ الموارد على المستوى المحلي. إن قرار اللامركزية، إداريًا و/ أو سياسيًا، في نظام سياسي، هو عملية سياسية بطبيعتها، تشمل عمومًا مصالحَ متنوعة كالقادة على المستوى الوطني، والسياسيين المتنافسين، والبيروقراطيين المركزيين، والقادة المحليين، والمانحين الخارجيين. لكن من الناحية المثالية، ينبغي أن تستند استراتيجيات اللامركزية إلى فهمٍ قوي للطابع الموجود سلفًا للروابط ما بين العاصمة والريف. ولسوء الحظ، غالبًا ما تؤدي "الموضة" الحالية للامركزية إلى الافتراض أنها هدفٌ ذو قيمة في حد ذاته، ويكون ثمة، في الغالب، فشلٌ في التقييم المناسب للنظام السياسي – الإداري الخاضع للإصلاح، ويعود سبب ذلك جزئيًا إلى ضعف المفردات المفاهيمية السائدة. وللأسف، يجب أن يكرَّر اليوم تعليق فيسلر الساخر بشأن بعض الدوافع غير المحسوبة؛ إذ يقول: "إن اللامركزية ليست مطلقة تمامًا، وليست خالصة تمامًا، ولا هي بالخير الذي يُعفي عالم السياسة من مسؤوليته متبنيًّا مبدأ أنه 'كلما زادت اللامركزية، كان ذلك أفضل"'87. وبالنسبة إلى المصفوفة، من المهم معرفة الربع الذي تقع فيه الدولة قبل تحديد ما إذا كان ينبغي المضي في اللامركزية؛ فإذا ما تقرر العمل بها (وثمة بالتأكيد العديد من المواقع التي يمكن فيها لتوليفات مختلفة من اللامركزية الإدارية والسياسية أن تعزز أهدافًا ديمقراطية وتنموية قيّمة)، فلا بد حينها من تحديد أفضل طريقة لإنجازها. سيجد الكثيرون، بطبيعة الحال، أن التأكيد على أن المركزية يمكنها في بعض الحالات أن تعزز بالفعل من الديمقراطية هو فكرة تنطوي على إشكالية. يقدم دايموند في كتابه تطوير الديمقراطية Developing Democracy ما يمكن اعتباره "حالة اللامركزية" الأفضل حجية والأكثر وضوحًا ضمن الأدبيات السائدة، وفيه يستعرض خمس طرائق يمكن من خلالها "تعميق اللامركزية وترسيخ الديمقراطية في الدول الكبرى" وذلك من خلال: رعاية القيم الديمقراطية، وزيادة المساءلة والاستجابة للمصالح المحلية، وتوفير قنوات جديدة للوصول إلى أولئك الذين تعرّضوا للتهميش في السابق، وتعزيز قدرة الحكومة المركزية على الرقابة، وإتاحة الفرص للمعارضة للحصول على جزء من السلطة السياسية88. ثم ينتقل بعد ذلك إلى الاعتراف بخمسة "مآزق للامركزية"89، منها قدرتها على: إنشاء الجيوب المحلية للتسلطية أو تعميقها، وتشجيع التعصب تجاه الأقليات، وتفاقم اللامساواة، والتشجيع على الهدر والتبذير، وتنمية وعي عرقي أو وطني أكبر90. ويشير أيضًا إلى أن اللامركزية تواجه العديد من التحديات المهمة، منها ضعف قدرات الدولة على جميع المستويات، والجدوى المالية الهشة لوحدات الحكومة المحلية، وصعوبات في تحديد الحجم الأمثل للحكومة المحلية، ومشكلات تتعلق بالتغلب على موروثات
التسلطية91. وفي خضم هذا التحليل المتوازن بعناية، يُجلي بوضوح شديد كيف أن اللامركزية ليست دواء لكل داء، مركّزًا على حالة البرازيل بعد عام 1985 باعتبارها مظهرًا بارزًا للفشل92. ومع ذلك، فإن تحليل دايموند برمته يقوم بوضوح على افتراض أن اللامركزية هي الاستراتيجية الصحيحة. وحتى مع اعترافه بأن اللامركزية قد تؤدي إلى تفاقم مشكلات كبيرة ك "جيوب التسلطية"، فإن الحجة العكسية التي يقدمها (وهي أن تدابير المركزية قد تؤدي في واقع الأمر إلى نتائج فضلى في بعض الحالات) تحظى مع الأسف بحجية ضعيفة. بعبارة أخرى، يصل دايموند بالتحليل إلى ما هو أبعد من مقولة الإيمان بالصلاحية التامة الذي يتبناه غيره من دعاة اللامركزية، إلا أن وصفاته تصطبغ ببعض ألوان هذا الطابع الاعتقادي. فهو يشير ضمنًا إلى أن "الثقافة والسياسة" قد لا تتآلفان دومًا مع نقل السلطة، لكنه يؤكد عمومًا أن "الحل لمزالق اللامركزية وأمراضها ليس المركزية، بل التمكين"، وذلك من خلال مشاركة محلية أوسع وإجراءات حكومية شفافة وصحافة حرة، وكذلك "التوازن" لضمان أن الحكومات المركزية يمكن أن تتدخل على المستوى دون الوطني لحماية حقوق الأقليات وسيادة القانون93. كما يخلص إلى أن "الحكومة المركزية قد تكون فعالة أو لا تكون، لكنها في جوهرها أقل ديمقراطية. ويمكن للحكومة أن تكون قادرة على الاستجابة، وتمثيلية، وخاضعة للمساءلة حقًا؛ فقط إذا جرى نقل السلطة السياسية فيما يخص بعض القضايا والوظائف الحكومية إلى مستويات أدنى، منتخبة بطريقة ديمقراطية94". صحيح أن جوانب معينة من المركزية تتلاءم بوضوح مع التسلطية (مثلما توضحه الحالة القصوى للمركزية السياسية المذكورة سابقًا.) ومع ذلك، تتوافق جوانب أخرى من المركزية تمامًا مع المبادئ الديمقراطية، كطابع المركز السياسي الذي تمثله الحكومة البرلمانية، والنظم الانتخابية النسبية، والأحزاب السياسية الوطنية المتماسكة. وإضافة إلى ذلك، قد يُظهر نظامٌ سياسي شديد اللامركزية، من الناحية السياسية، سماتٍ غير ديمقراطية بصورة لافتة، أبرزها انتشار الزعامات المحلية. وفي هذه الحالات، قد يكون من الضروري معارضة الاعتقاد النظري السائد والاع اررف بأن بعض إجراءات المركزية ضرورية لعملية الدمقرطة. ويؤكد فيسلر أن العمل المركزي هو مفتاح النجاح حتى حين تكون اللامركزية هي الاستراتيجية المختارة: "من أكثر جوانب اللامركزية إثارةً للفضول هي المسؤولية التي يجب أن تتحملها الحكومة الوطنية لضمان تحقيق الأهداف التي من المفترض أن تخدمها اللامركزية، وفق ما تقول به النظرية. فغالبًا ما يكون التشريع الوطني، الذي يعلو على الاعتراضات المحلية ويتم تنفيذه عبر إجراءات إدارية وطنية، مطلوبًا لإضفاء الطابع الديمقراطي على اختيار المسؤولين المحليين، وإنشاء وحداتٍ حكومية محلية قابلة للحياة وفق الحجم والموارد وتنوُّع المصالح التي تُعد شروطًا مسبقة للحكم الذاتي المحلي الفعال، وتعيين الموظفين المهرة وتدريبهم للإدارة المحلية، والحدّ من الفساد وتنظيم الممارسات المالية، وتوفير الإعانات من الإيرادات الوطنية قصد المساعدة في تمويل الجماعات الأشد فقرًا. وغالبًا ما يجري تجاوز التناقض القائم هنا من خلال فكرة الاحتفاء بأن الأمر كله هو من أجل هدف جيد هو اللامركزية"95. وقد يصعب التغلب على المهمات المطروحة في حالة البلدان التي بدأت استراتيجيات اللامركزية دونما قاعدة صلبة من المركزية المسبقة96. ومن ناحية تقنية إلى حدٍّ ما، تتطلب الصياغة الاستراتيجية لمبادرات اللامركزية أيضًا النظر في تمييز فيسلر الأساسي بين المنطقة والوظيفة؛ فتأثير اللامركزية الإدارية في نظام قائم على المنطقة في المقام الأول سيوفر فرصًا لآليات المشاركة السياسية المحلية تختلف عن اللامركزية الإدارية في نظام يقوم على الوظائف. ولنتذكر أن نظام المحافظات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتسلطية: إذ يمثل المحافظ الحكومة بأكملها داخل منطقة ما، والمهمات الرئيسة التي يضطلع بها عمومًا هي استخراج الإيرادات والحفاظ على القانون والنظام العام. ويوفر نقل السلطة داخل نظام المحافظات وسائل جاهزة يمكن من خلالها للهياكل الديمقراطية المحلية أن تتولى المسؤوليات "العامة" التي كان يشرف عليها المحافظ في السابق؛ ولا تمنع اللامركزية في النظام القائم على الوظيفة المشاركة السياسية المحلية، لكنها ستشمل بالضرورة شريحة أضيق من المواطنين (على نحو ما يوجد في مجالس المواطنين التابعة لمحافظات الأراضي في الولايات المتحدة على سبيل المثال.) ومن المفارقات الملاحظة أن نظام المحافظات قد يكون الشكل الأكثر
تطورًا للمركزية الإدارية ويوفّر أساسًا ممتازًا لظهور الديمقراطية المحلية لاحقًا. وبقطع النظر عن الظروف التاريخية الدقيقة التي سبقت عملية اللامركزية، يجب الاعتراف بأن ظهور الهياكل المحلية للحكم لا يمكن تحليله بصورة منفصلة عن تلك التي نشأت في المركز. ومثلما يجادل فرانسيسكو كيالبيرغ في تحليله للديمقراطيات الغربية، فإن تطوير الحكومة المحلية وكذلك زيادة اهتمام الحكومة المركزية بالشؤون المحلية كانا جزءًا من التوسع التاريخي العام لهياكل الدولة. وفي هذه العملية، "صارت الحكومة المحلية أشد ارتباطًا بمجال الحكومة المركزية"97، إذ يَعتبر العلاقات بين الحكومة المركزية والجماعات المحلية نظامًا مترابطًا للحكم، ليشرع في إلقاء الضوء على ثلاث مجموعات من القيم التي تكمن وراء مفهوم الحكم الذاتي: 1. منح المجتمعات المحلية الحرية - أو الاستقلالية - لتحديد أولوياتها الخاصة؛ 2. تشجيع المشاركة النشطة للمواطنين في الشؤون المحلية، ["كهدف] في حد ذاته و[كأداة] لتعزيز الديمقراطية في المجتمع إجمالً "؛ 3. تعزيز الكفاءة بالاعتماد جزئيًا على مبدأ أن المجتمعات المحلية سيكون لديها قدرة أكبر على التعامل مع القضايا ذات الطابع المحلي98. ومع ذلك، فإن هذه القيم تتنافس باستمرار مع الحاجة إلى "توجيه مركزي" لدعم الأهداف الوطنية: كدعم سيادة القانون، وضمان استخدام الأموال العامة بكفاءة، وتعزيز المساواة بين المناطق، والحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي (أي مواجهة الإسراف المتأتي من الحكومات المحلية)99. ويذكرنا كيالبيرغ، من ثمّ، أنه فيما يتصل بتشكيل العلاقات بين العاصمة والريف لا توجد إجابات سهلة، وما من نقطة يمكن عندها تحقيق توازن ثابت بين السلطة والقوة100.
خاتمة
تواجه جميع الدول الديمقراطية المعضلة ذاتها، وهي: كيفية تشكيل أنظمتها السياسية - الإدارية بطرائق تعزز قيم الحكم المحلي وأهداف المجتمع الوطني في الوقت ذاته. وصارت اللامركزية بالنسبة إلى الكثيرين وصفةً موحدة لا بد من الاعتماد عليها عبر مجموعة واسعة ومتنوعة من السياقات الوطنية. لقد سعيتُ في هذه الدراسة إلى تطوير إطار عمل مبدئي ينقل النقاش بعيدًا عن مقولات الإيمان بالصلاحية وما تخلّفه من أفكار، نحو تقييم أدقّ للأبعاد الإقليمية لكل من السلطة والقوة. وبالاعتماد على مجالات علمية متنوعة، بدأتُ ببناء متواليتين متمايزتين من المركزية في مقابل اللامركزية، إحداهما خاصة بالمجال الإداري، والأخرى تتعلق بالمجال السياسي. لقد حاولتُ التغلب على ما اعتبُر تقسيمً قديم الأمد للعمل بين دراسة كل من النظم الإدارية والنظم السياسية، وذلك من خلال دمج المتواليتين في إطار واحد قادر على إظهار العناصر الحاسمة في التفاعل بين هذين المجالين. ولا يشجع هذا الإطار على إجراء مقارنة أكثر دقة للاختلافات الهائلة الموجودة في الأبعاد الإقليمية للأنظمة السياسية - الإدارية فحسب، بل يلقي الضوء أيضًا على الحاجة البسيطة (والمهمَلة في الغالب) إلى تشكيل استراتيجيات للإصلاح تتوافق بعناية مع طابع العلاقات الموجودة سلفًا بين المركز والجماعات المحلية. وفي هذا أوضح تحليليًا أنه حين يمارس الزعماء المحليون قدرًا كبيرًا من القوة القسرية والسوسيو - اقتصادية في المقاطعات، لا بد حينها من التعامل مع استراتيجيات نقل السلطة بحذر شديد. إن قضايا المركزية واللامركزية معقدة بالفعل، ومن المستحيل إثبات الطرائق غير القابلة للحصر التي تتفاعل بها الهياكل الإدارية والسياسية فعليًا على طول الخطوط الإقليمية. لذلك، لا يسعى التحليل الذي تقدمه هذه الدراسة إلى إنكار هذه التعقيدات عبر إنشاء نموذج شحيح لا علاقة له بالواقع الإمبريقي؛ بل كانت استراتيجيتي بدلً من ذلك هي إنشاء إطار عمل مفاهيمي أولي يهدف إلى توفير مفردات مفاهيمية أوضح لتحليل التباين الكبير الموجود فعليًا. وإضافة إلى ذلك، انصبّ هدفي على تعزيز التقييم الدقيق للظروف التي يمكن أن تسهم فيها اللامركزية على نحو واقعي في تحقيق أهداف ديمقراطية وتنموية مهمة. وثمة حاجة إلى مزيد من البحث من أجل تحديد أفضل للوزن والأهمية النسبية لعناصر التباين على المتواليتين وبمزيد من التفصيل (حتى مع احتمال أن يظل القياس الدقيق هدفًا بعيد المنال)، ولفهم طابع التفاعل المتباين جدًا بين المجالين على نحو أفضل. والأهم من ذلك كله، يتطلب هذا الإطار الأولي للتحليل اختبارًا وتنقيحًا يتيحه بحثٌ دقيق قائم على أسس
تاريخية وعلى جهد مقارِن يبحث في العلاقات بين المركز والجماعات المحلية في مختلف الدول. وحيث لا يزال ثمة الكثير مما يتعين القيام به، يهدف هذا الإطار إلى توفير أساس مفيد لمزيد من العمل؛ فإذا أريد للإصلاحات المعاصرة أن تنجح، لا ينبغي أن تستند إلى الإيمان بالصلاحية فحسب، بل إلى التحليل المتبصّ أيضًا. فلا ينبغي للعلوم السياسية أن تستمر في التعثر بسبب فشلها في تقديم إطار مفهومي واضح للأبعاد الإقليمية للسلطة والقوة، لا سيما مع التقدم الذي تشهده مبادرات اللامركزية في جميع أنحاء العالم.
المراجع
Anderson, Benedict R. O'Gorman. "Murder and Progress in Modern Siam." New Left Review. vol. 181 (May- June 1990). Appleby, Paul H. Big Democracy. New York: Alfred E. Knopf, 1945.
Barkan, Joel. Decentralization, Democratization, Deja Vu?
Lessons from Anglophone Africa. Unpublished manuscript.
Bennett, R.J. Geography of Public Finance: Welfare Under Fiscal Federalism and Local Government Finance. London/ Methuen: Routledge Kegan & Paul, 1980. Blair, Harry. "Assessing Democratic Decentralization: A CDIE Concept Paper." Paper prepared for U.S. Agency for International Development. Bureau for Policy and Program Coordination. Center for Development Information and Evaluation. Program and Operations Assessment Division (1995). _______. "Supporting Democratic Local Governance: Lessons from International Donor Experience- Initial Concepts and Some Preliminary Findings." Paper prepared for the annual meeting of the American Political Science Association. San Francisco, 29/8-1/9/1996. Callaghy, Thomas M. The State-Society Struggle: Zaire in Comparative Perspective. New York: Columbia University Press, 1984. Cohen, John & Stephen Peterson. "Methodological Issues in the Analysis of Decentralization." Development Discussion Paper. no. 555. Harvard Institute for International Development (1996).
Connor, Walker. Ethnonationalism: The Quest for Understanding. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1994.
Conyers, Diana. "Decentralization: The Latest Fashion in Development Administration?" Public Administration and Development. vol. 3, no. 2 (April-June 1983).
Diamond, Larry, Juan Linz & Seymour Martin Lipset (eds.). Politics in Developing Countries. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 1995. _______. Developing Democracy: Toward Consolidation. Baltimore, MD: The Johns Hopkins University Press, 1999. Dillinger, William. Decentralization and Its Implications for Urban Service Delivery. Urban Management Programme. Washington, DC: The World Bank, 1994. Ertman, Thomas. Birth of the Leviathan: Building States and Regimes in Medieval and Early Modern Europe. Cambridge: Cambridge University Press, 1997. Evans, Peter B., Dietrich Rueschemeyer & Theda Skocpol (eds.). Bringing the State Back In. Cambridge: Cambridge University Press, 1985. Fainsod, Merle. How Russia Is Ruled. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1963. Fesler, James W. "Approaches to the Understanding of Decentralization." The Journal of Politics. vol. 27, no. 3 (August 1965). Grosenick, Leigh E. (ed.). The Administration of the New Federalism: Objectives and Issues. Washington, DC: American Society for Public Administration, 1973. Hale, Henry. "The Regionalization of Autocracy in Russia." Policy Memo. no. 42. Ponars Eurasia. 23/7/2012. at: https://bit.ly/3xUULWq Heady, Ferrel & Sybil L. Stokes (eds.). Papers in Comparative Public Administration. Ann Arbor, MI: University of Michigan, 1962. Holmes, Stephen & Cass R. Sunstein. The Cost of Rights: Why Liberty Depends on Taxes. New York: Norton & Company, 1999. Horowitz, Donald L. Ethnic Groups in Conflict. Berkeley, CA: University of California Press, 1985. Human Rights Watch. The Struggle for Land in Brazil: Rural Violence Continues, An Americas Watch Report. New York: Human Rights Watch, 1992. at: https://bit.ly/3ARxsOS Huntington, Samuel P. Political Order in Changing Societies. New Haven, CT/ London: Yale University Press, 1968. _______. The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century. Norman, OK: University of Oklahoma Press, 1991. Hutchcroft, P.D. "Colonial Masters, National Politicos, and Provincial Lords: Central Authority and Local Autonomy in the American Philippines, 1900- 1913." Journal of Asian Studies. vol. 59, no. 2 (2000). Jones, George W. (ed.). New Approaches to the Study of Central-Local Government Relationships. Cambridge: Cambridge University Press, 2008. King, Desmond & Gerry Stoker (eds.). Rethinking Local Democracy. London: MacMillan Press, 1996. Kjellberg, Francesco. "The Changing Values of Local Government." The Annals of the American Academy of Political and Social Science. vol. 540, no. 1 (1995). Kohli, Atul. Democracy and Discontent: India's Growing Crisis of Governability. Cambridge: Cambridge University Press, 1990. Kristol, Irving. "Decentralization for What?" The Public Interest. vol. 11 (Spring 1968). Lieberman, Victor. "Local Integration and Eurasian Analogies: Structuring Southeast Asian History, c. 1350-c. 1830." Modern Asian Studies. vol. 27, no. 3 (July 1993). Maass, Arthur (ed.). Area and Power: A Theory of Local Government. Glencoe, IL: Free Press, 1959.
Malley, M. "Resource Distribution, State Coherence, and the Changing Level of Political Centralization in Indonesia, 1950-1997." Ph.D. Dissertation. University of Wisconsin-Madison. Wisconsin, 1999. (Unpublished) Mann, Michael. The Sources of Social Power , vol. 1: A History of Power from the Beginning to AD 1760. Cambridge: Cambridge University Press, 1986. Manor, James. The Political Economy of Democratic Decentralization. Washington, DC: The World Bank, 1999. Migdal, Joel Samuel, Atul Kohli & Vivienne Shue (eds.). State Power and Social Forces: Domination and Transformation in the Third World. Cambridge: Cambridge University Press, 1994. Montinola, Gabriella, Yingyi Qian & Barry R. Weingast. "Federalism, Chinese Style: The Political Basis for Economic Success in China." World Politics. vol. 48, no. 1 (1995). Parry, G. (ed.). Participation in Politics. Totowa, NJ: Rowan & Littlefield; Manchester: Manchester University Press, 1972. Phongpaichit, Pasuk & Chris Baker. Thailand: Economy and Politics. Kuala Lumpur: Oxford University Press, 1995. Putnam, Robert D. Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1993. Riggs, Fred W. Thailand: The Modernization of a Bureaucratic Polity. Honolulu: East-West Center Press, 1966. Roett, Riordan. Brazil: Politics in a Patrimonial Society. Westport, CT/ London: Praeger Publishers, 1999. Rondinelli, Dennis A. "Implementing Decentralization Programmes in Asia: A Comparative Analysis." Public Administration and Development. vol. 3, no. 3 (1983). Rudolph, Lloyd I. & S.H. Rudolph. "Authority and Power in Bureaucratic and Patrimonial Administration: A Revisionist Interpretation of Weber on Bureaucracy." World Politics. vol. 31, no. 2 (January 1979). Scott, James C. "Patron-Client Politics and Political Change in Southeast Asia." American Political Science Review. vol. 66, no. 1 (March 1972). _______. Seeing Like a State: How Certain Schemes to Improve the Human Condition. New Haven, CT: Yale University Press, 1998. Shah, Anwar. "The Reform of Intergovernmental Fiscal Relations in Developing and Emerging Market Economies." Policy and Research Series. no. 23. The World Bank (June 1994). at: https://bit.ly/3sql85p Shefter, Martin. Political Parties and the State: The American Historical Experience. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1994. Sidel, John T. "Siam and Its Twin? Democratization and Bossism in Contemporary Thailand and the Philippines." IDS Bulletin. vol. 27, no. 2 (April 1996). _______. Capital, Coercion, and Crime: Bossism in the Philippines. Stanford, CA: Stanford University Press, 1999. Sills, D.L. (ed.). International Encyclopedia of the Social Sciences. New York: Macmillan, 1968. Skowronek, Stephen. Building a New American State: The Expansion of National Administrative Capacities, 1877-1920. Cambridge: Cambridge University Press, 1982.
Smith, Brian C. Decentralization: The Territorial Dimension of the State. Winchester: George Allen & Unwin, 1985. Snyder, Richard. "After Neoliberalism: The Politics of Reregulation in Mexico." World Politics. vol. 51, no. 2 (1999). Stewart, John. "Developments in Central-Local Relations in England and Wales." International Review of Administrative Sciences. vol. 53, no. 4 (1987). Stoner-Weiss, Kathryn. "Central Weakness and Provincial Autonomy: Observations on the Devolution Process in Russia." Post-Soviet Affairs. vol. 15, no. 1 (1999). Tilly, Charles. Coercion, Capital, and European States, AD 990-1992. Cambridge: Blackwell Publishers, 1992. Weber, Max. Economy and Society. Berkeley, CA: University of California Press, 1978. Willis, Eliza, Christopher da C.B. Garman & Stephan Haggard. "The Politics of Decentralization in Latin America." Latin American Research Review. vol. 34, no. 1 (1999). Young, Crawford (ed.). Ethnic Diversity and Public Policy: A Comparative Inquiry. New York: St. Martin's Press, 1998. Zartman, William (ed.). Collapsed States: The Disintegration and Restoration of Legitimate Authority. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 1995.