اتجاهات الرأي العام الجزائري نحو الثقة بمؤسسة الجيش

Belkacem Elguettaa بلقاسم القطعة |

الملخّص

يبحث هذا التقرير في اتجاهات الرأي العام الجزائري نحو الثقة بالجيش، بالاستناد إلى نتائج استطاعات المؤشر العربي في المدة 2011 - 2019 / 2020، ويحاول أن يفسر آراء المستجيبين، وذلك بوضعها في سياقها التاريخي الذي يغطّ ي تقريبًا النصف الثاني من مرحلة حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ومرحلة حراك 22 فبراير 2019، وما بعده. ويخلص إلى أن الجيش يحافظ على ثقة غالبية المستجيبين، وأن ارتفاع نسبة الثقة وتدنّيها محكومان بالتصور المجتمعي بوجود دورٍ يقوم به الجيش في عملية التغيير، إضافة إلى عامل غياب القمع الذي سيطر أساسًا على توجهات الرأي العام في استطاع 2019 / 2020. وفي سياق المقارنة بين الثقة بالجيش والمؤسسات الأخرى، يكشف التقرير أنّ المستجيبين يعبّرون عن عدم ثقتهم بالأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة والحكومة في مقابل ثقتهم بالقضاء. كلمات مفتاحية: الجيش، الجزائر، الثقة، حراك فبراير، المؤشر العربي. This report reviews Algerian public confidence in the army based on the results of the Arab Opinion Index from 2011 - 2019 / 2020 and places the respondents’ opin- ions in their historical context, which roughly spans the second half of President Abdelaziz Bouteflika’s rule and the rise of the Hirak popular movement in Febru- ary 2019. It concludes that the army still enjoys the confidence of the majority of respondents, and that levels of confidence are governed by the societal perception of a role played by the army in the transition process, in addition to the absence of repression. Comparing trust in the army with other institutions, the report reveals that respondents express a lack of confidence in political parties, elected institutions, and the government in contrast to high confidence in the judiciary. Keywords: The Army, Algeria, Public Confidence, The Hirak Movement, Arab Opinion Index.

Algerian Public Confidence in the Military as an Institution

مقدمة

تحظى مؤسسة الجيش في الجزائر بمكانة مميّزة على المستويين المجتمعي والسياسي؛ فمن جهة هو جيش شعبي يتمّ الانتساب إليه والترقي في هرميته عبر التجنيد الإجباري أو الالتحاق الطوعي المفتوح للراغبين في العمل في القوّات المسلحة من دون شروط طبقية أو سياسية أو جهوية. ومن جهةٍ أخرى، يُنظر إليه كونه مؤسس الدولة باعتباره امتدادًا لجيش التحرير الوطني الذراع العسكرية لجبهة التحرير الوطني اللذَين خاضَ ا معًا حرب الاستقلال ضدّ الاستعمار الفرنسي)1962-1954(1. ومع الدولة الوطنية قام الجيش بأدوار سياسية وتنموية2 وقمعية لحماية النظام الحاكم. على الرغم من الأدوار القمعية التي أدّاها الجيش الجزائري، خاصة في المدة 1999-1988؛ أي في سياق أحداث 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1988، وطوال سنوات العشرية السوداء التي أعقبت إقرار التعددية السياسية وسبقت وصول عبد العزيز بوتفليقة إلى السلطة)2019-1999(3، وعمل قياداته على كبح أيّ تغيير نوعي في طبيعة نظام الحكم4، فإنّ مؤسسة الجيش تحظى بمستويات عالية من الثقة يغذّيها عاملَ الشرعية التاريخية المحيطة بالجيش قبل بناء الدولة الوطنية، وطبيعته الشعبية في دولة الاستقلال التي كانت بمنزلة بوتقة انصهرت فيها الطبقات والخلفيات المجتمعية كافة (مجاهدون مدنيون ومنشقون عن جيش الاحتلال، مدِينيون وريفيون، فرنكوفونيون وناطقون بالعربية، أمازيغ وعرب، متعلمون وغير متعلمين، وغير ذلك.) يهدف التقرير إلى تحليل اتجاهات الرأي العام الجزائري نحو مسألة الثقة بالمؤسسة العسكرية بناء على نتائج استطلاعات المؤشر العربي للسنوات 2011 و 2013/2012 و 2014 و 2015 و 2016 و 2020/2019 (باستثناء نتائج استطلاع 2018/2017 كونه لم يتناول الجزائر)؛ وذلك بهدف تفسير آراء المستجيبين عبر وضعها في سياقها السياسي العام؛ وللكشف تحليليًا عن النمط الغالب من الإجابات خلال هذه المدة، والتي تشمل تقريبًا النصف الثاني من مرحلة حكم عبد العزيز بوتفليقة، إضافة إلى تغطيته آراء الناس في سياق حراك 22 فبراير 2019 وما بعده، وصولً إلى انتخاب عبد المجيد تبون أوّل رئيس بعد موجة الاحتجاجات في 12 كانون الأول/ ديسمبر.2019 يتضمن التقرير ثلاثة محاور؛ يتناول الأول العيّنة والمجال الزمني الذي تغطّيه الاستطلاعات. ويتتبع الثاني اتجاهات آراء المستجيبين نحو الثقة بالجيش قبل حراك فبراير 2019. أمّا المحور الثالث فهو تحليل لنتائج استطلاع 2020/2019، في سياق الحراك الاحتجاجي ومآلاته.

العيّنة والمجال الزمني

يلاحظ من خلال البيانات الواردة في الجدول، أن التقرير يعتمد على للأعوام نتائج استطلاعات المؤشر العربي 2011 5 و  2013/20126 و 2014 7و  20158 و  20169 و  2020/201910، مع استثناء نتائج استطلاع 2018/2017 كونه لم يتطرق إلى الجزائر. ويبلغ حجم العيّنة الممثلة للجزائر 1200 مستجيب ومستجيبة في استطلاع 2011، وتوسّع بواقع 300 مستجيب ومستجيبة في باقي الاستطلاعات المذكورة في الجدول. وإن صحّ النظر إلى نتائج استطلاعات المؤشر العربي في المدة 2020/2019-2011 بعيون التحقيب التاريخي، فيمكننا تقسيم النتائج إلى خمسة سياقات رئيسة مؤثّرة في توجهات الرأي العام نحو الثقة بمؤسسة الجيش؛ هي سياق الموجة الأولى من الربيع العربي 2011()، وسياق مآلات ثورات الربيع العربي خارجيًا وإصلاحات بوتفليقة السياسية في الداخل 2013/2012()، وسياق الولاية الرئاسية الرابعة لبوتفليقة 2014()، وسياق الصراع بين الجيش والرئاسة من جهة والمخابرات من جهة أخرى 2015(2016() و)، وصولً إلى التحضير للولاية الخامسة لبوتفليقة وحراك فبراير ومآلاته 2020/2019(.) نعالج السياقات الأربعة الأولى في المحور الثاني، في حين نخصص المحور الثالث لتحليل استطلاع 2020/2019، الذي يعب عن آراء المستجيبين في سياقٍ احتجاجي.

  1. Flavien Bourrat, "L'Armée algérienne: Un État Dans l'État?" Les Champs de Mars , vol. 1, no. 23 (2012), p. 22.
  2. الطاهر سعود، "أدوار الجيش في مراحل الانتقال في الجزائر"، في: 2 الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص 807.
  3. رشيد تلمساني، "الجزائر في عهد بوتفليقة: الفتنة الأهلية والمصالحة الوطنية"، 3 أوراق كارنيغي، العدد 7، مركز كارنيغي الشرق الأوسط (كانون الثاني/ يناير 2008)، شوهد في
  4. ينظر: بلقاسم القطعة، "دور الجيش المتغير في المشهد السياسي الجزائري: من صعود
  5. ينظر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 5 المؤشر العربي 2011، آذار/ مارس 2012، شوهد في 2021/1/19، في https://cutt.ly/LjO6ryO:
  6. ينظر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 6 المؤشر العربي 2013/2012  ، حزيران/ يونيو 2013، شوهد في 2021/1/19، في: https://cutt.ly/sjO6hAA
  7. ينظر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 7 المؤشر العربي 2014  ، أيلول/ سبتمبر 2014، شوهد في 2021/1/19، في: https://cutt.ly/tjO6bdx
  8. ينظر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 8 المؤشر العربي 2015  ، كانون الأوّل/ ديسمبر 2015، شوهد في 2021/1/19، في: https://cutt.ly/ajO6RQP ينظر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 9 المؤشر العربي 2016  ، آذار/ مارس 2017، شوهد في 2021/1/19، في https://cutt.ly/BjO6P0e: ينظر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 10 المؤشر العربي 2020/2019   في نقاط، تشرين الأوّل/ أكتوبر 2020، شوهد في 2021/1/19، في: https://cutt.ly/ojO6LwZ المؤشر العربي المصدر: إعداد الباحث، اعتمادًا على بيانات.
  9. 2021/1/19، في http://bit.ly/2Xx3d0u:
  10. تحليل سياسات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بوتفليقة إلى رئاسة تبون"،، 2020/11/9، شوهد في 2021/1/14، في https://bit.ly/3hOSaXL:

جدول يوضح حجم العينة في الجزائر وتواريخ إجراء استطلاعات المؤشر العربي

تاريخ الانتهاءتاريخ البدءحجم العيّنةالسنة
2011/5/282011/5/1512002011
2012/12/152012/11/2815002013/2012
2014/3/82014/2/1915002014
2015/6/192015/6/715002015
2016/10/172016/9/2315002016
2020/7/202020/5/2515002020/2019

الثقة بالجيش ما قبل حراك فبراير 2019

يلتقط استطلاع المؤشر العربي، بناء على بيانات الشكل 1()، نمطًا من الاستجابة يسوده التغير والتذبذب11 في ثقة المستجيبين؛ يُعبَّ عنها إذا ما فهمت في سياقها التاريخي بثنائية الأمل - خيبة الأمل. ففي استطلاع 2011 قدّرت نسبة ثقة المستجيبين بالجيش ب %61 في مقابل %30 من الإجابات المعبرة عن عدم الثقة و%9 ممّن عبّ وا عن عدم معرفتهم أو رفضهم الإجابة؛ ولا يمكن فهم هذه الإجابات إلّ بقراءتها مصحوبةً باستطلاع 2013/2012 الذي انخفضت فيه نسبة الثقة بالجيش إلى %56، وعرفت نسبة عدم الثقة أعلى معدلاتها ضمن المجال الزمني 2020/2019-2011، أي %38، إضافة إلى تراجع نسبة الفئة المعبّة عن رفضها الإجابة من %9 إلى %6. وإذَا ما اعتبرنا أنّه ساد مناخ من الأمل في التغيير تشجعه إلى حدٍّ بعيد التجربة التونسية خلال عام 2011، قد يكون عن طريق تدخل الجيش، تُفهم مسألة انخفاض الثقة وارتفاع عدم الثقة بمؤسسة الجيش تعبيرًا عن خيبة أملٍ في هذا الدور، على اعتبار النظرة المجتمعية إلى الجيش بوصفه المؤسسة الأقوى في البلاد والقادرة على التأثير في الرئاسة والمخابرات والأحزاب الكبرى. يكشف استطلاعا 2011 و 2013/2012 عن قراءة مجتمعية لدور الجيش وموقعه في النظام السياسي، كما يكشفان عن توقعات المجتمع الشكل)1(ثقة المستجيبين الجزائريين بالجيش في استطلاعات 2011، و 2013/2012، و 2014، و 2015، و 2016، و 2020/2019

من هذه المؤسسة؛ خاصةً أنّ الجزائر عرفت حركة احتجاجية واسعة في سياق الموجة الأولى للربيع العربي عرفت إعلاميًا باحتجاجات "الزيت والسكّر" وانتهت بإصلاحات سياسية ومشاريع تنموية قام بها نظام بوتفليقة، إضافة إلى أنه أطلق وعودًا بتخلّيه عن السلطة السياسية وتسليمها لنخبة سياسية شابّة. وضمن ثنائية الأمل - خيبة الأمل عادت مستويات الثقة إلى الارتفاع من جديد وبوتيرة عالية في استطلاع 2014، الذي ارتفعت فيه نسبة الثقة بالجيش من %56 إلى %81، وانخفضت نسبة عدم الثقة من %38 إلى %18، والملاحظ إضافة إلى ما سبق انخفاض مثير للاهتمام في نسبة المستجيبين المعبّ ين عن عدم معرفتهم أو رفضهم الإجابة من %6 إلى %1. وتكررت هذه النسبة كذلك في استطلاع 2020/2019. تُفهم نسبة الثقة العالية بمؤسسة الجيش في استطلاع 2014 كذلك من منطلق التوقعات السياسية للمجتمع من الجيش، وقدرته على إحداث تغيير على مستوى نظام الحكم في سياق الولاية الرابعة لبوتفليقة، والتي اعتبرت كإخلافٍ للوعد الذي أطلقه بشأن التغيير؛ وقد ترافقت هذه المرحلة مع حركة احتجاجية واسعة تمركزت بالأساس في الجزائر العاصمة. كان من المنتظر في هذه المرحلة أن يبادر الجيش بدفع الرئاسة إلى إصلاح سياسي ينظّم خروج بوتفليقة من الساحة السياسية. وعلى عكس مشاعر الأمل المجتمعية من دورٍ كهذا تقوم به قيادة الجيش، عملت هذه الأخيرة على دعم بوتفليقة، ليس بالصمت عن ترشيح الأحزاب الكبرى له فقط، وإنّ ا أيضًا بإسناده بقوّة في معركته ضدّ قائد المخابرات الجنرال توفيق (محمد مدين) الذي أُقيل لاحقًا.

  1. وهي الملاحظة ذاتها التي توصلت إليها الباحثة دانا الكرد في سياق نتائج تحليلها بيانات الجزائر والسودان؛ ينظر: دانا الكرد، "الجيش في الرأي العام: بيانات من الجزائر سياسات عربية، العدد والسودان"، 39 (تموز/ يوليو 2019)، ص 110. المؤشر العربي المصدر: إعداد الباحث، اعتمادًا على بيانات.

من البديهي أن تترافق نسبة الثقة العالية بمؤسسة الجيش في استطلاع 2014 مع انخفاضٍ في نسبة عدم الثقة %81(مقابل %18)، لكنّ المثير للاهتمام في هذا الصدد، هو ترافق ارتفاع مستوى الثقة مع انخفاض كبير في نسبة الإجابات المعبرة عن عدم المعرفة/ رفض الإجابة. ويعبّ ذلك عن ظاهرتين رئيستين؛ تتمثل الأولى بأنّ الفهم المجتمعي للتغيير يفترض دائمًا وجود دورٍ يقوم به الجيش، وتكمن الثانية في أنّ النّاس يكونون أشد ميلً للتعبير عن آرائهم في الوضع السياسي بوضوح (أثق/ لا أثق) في سياق الأزمات، علمً أنّ هذا النمط تكرّر، إضافة إلى سياق الولاية الرابعة لبوتفليقة عام 2014 وفي سياق صراع الرئاسة مع المخابرات عامَي 2015 و 2016، وكذا في سياق حراك فبراير.2020/2019 عادت خيبة الأمل تسيطر على آراء المستجيبين في استطلاع 2015؛ حيث انخفضت نسبة الثقة بالجيش من %81 إلى %67، وارتفعت نسبة عدم الثقة من %18 إلى %31، مع ارتفاع نسبة الإجابات المعبِّة عن عدم المعرفة/ رفض الإجابة من %1 إلى %2. وبعد قراءة شاملة لاستطلاعات 2011 و 2013/2012 و 2014 و 2015 و 2016 و 2020/2019، يُعدّ استطلاعَا 2014 و 2015 الأكثر تعبيرًا عن مشاعر خيبة أمل من دورٍ يؤديه الجيش في إحداث تغيير سياسي إيجابي، إذ عرفت الثقة أكبر نسبة انخفاض قدّرت ب 14 نقطة مقارنة ب 5 نقاط في الأعوام 2013/2012 و 2011، و 9 نقاط في عامَي 2016 و 2015. يترافق هذا مع تسجيل أهمّ ارتفاع في نسبة عدم الثقة، من %18 في استطلاع 2014، إلى %31 في استطلاع 2015، أي بواقع 13 نقطة، وهو أعلى مستوى انخفاض ضمن المجال الزمني 2020/2019-2011. أمّا الأصوات المعبّة عن عدم المعرفة/ رفض الإجابة فقد ارتفعت من %1 في عام 2014 إلى %2 في عام 2015، وهو ارتفاع طفيف يعزّز فرضية أنّ النّاس أشدّ ميلً إلى التعبير عن مواقفهم بوضوح بشأن الجيش أثناء الأزمات، باعتبار أنّ الولاية الرابعة لبوتفليقة وما رافقها من احتجاجات كانت بمنزلة أزمة سياسية. ارتفعت نسبة الثقة بالجيش في استطلاع 2016 مقارنة باستطلاع 2015، من %67 إلى %76، كما عرفت نسبة عدم الثقة انخفاضًا من %31 إلى %22؛ في حين بقيت نسبة الأصوات المعبِّة عن عدم المعرفة/ رفض الإجابة عند مستوى %2. ربما يُعزى هذا الارتفاع الملموس إلى المناخ السائد في الجزائر في مرحلة 2016-2015، والذي يتعلّق أساسًا بأن رئاسة الجمهورية أقالت مدير المخابرات الجنرال توفيق، وذلك بدعمٍ من قيادة الجيش في إعادة إنتاج للمدة 2006-1999 بصورة جديدة، حيث دعمت المخابرات الرئاسة في معركتها ضدّ "الجنرالات" النافذين. وفي هذا السياق الذي عرف استقطابًا حادًّا وحملات إعلامية غير مسبوقة قادها حزب جبهة التحرير نيابة عن الرئاسة والجيش ضدّ مدير المخابرات12، برز الجيش من جديد بوصفه قوّة وازنة وقادرة على إحداث تغيير في شكل النظام السياسي عبر إلحاق المخابرات بمؤسسة الرئاسة وتعيين الجنرال بشير طرطاق على رأسها13. لا شكّ في أنّ المستجيبين في الجزائر لا يملكون معلومات غزيرة عن جهاز المخابرات نظرًا إلى طبيعته الغامضة وابتعاد قياداته عن الإعلام؛ وبسبب سمعة مدير المخابرات مجتمعيًا، ينزع الناس إلى دعم الجيش وقيادته في مقابل قيادة جهاز المخابرات. وعلى عكس هذا الجهاز، يملك الناس معطيات ومعلومات وتصوّرات وتوقعات أكثر بشأن الجيش وقياداته؛ إذ إنّه حاضر في الإعلام والتعليم والرموز الوطنية والتاريخ أكثر من جهاز المخابرات على الرغم من اعتماد بوتفليقة عليه، إضافةً إلى الشرطة (وزارة الداخلية)14، في التدابير القمعية. يبدو أنّ تصوّرات الناس بخصوص الجيش والمخابرات وتوقعاتهم من كلّ مؤسسة هي التي تحدّد نسبة الثقة بالجيش في سياق صراعه مع المخابرات في المدة 2016-2015.

تحليل النتائج في سياق حراك فبراير 2019 ومآلاته

وفقًا للتوقعات المجتمعية ذاتها من مؤسسة الجيش، عرفت نسبة الثقة ارتفاعًا ملحوظًا في استطلاع 2020/2019؛ إذ بلغت أعلى مستوياتها ضمن المجال الزمني 2020/2019-2011 أي ما يعادل %87 من المستجيبين، في حين عرفت نسبة عدم الثقة أدنى مستوياتها ضمن المجال ذاته بما يعادل %12؛ يضاف إلى ذلك تقلّص نسبة الإجابات المعبّة عن عدم المعرفة/ رفض الإجابة إلى %1، وهي النسبة ذاتها التي سجّلها المؤشر العربي في سياق الولاية الرابعة لعبد العزيز بوتفليقة عام 2014. تعزّز نتيجة استطلاع 2020/2019 فرضية ميل الناس إلى تقديم إجابات واضحة في سياقات الأزمة والاحتجاجات. ولعلّ المحدد الرئيس لهذه النسبة العالية من الثقة طوال عشر سنوات هو مسألة القمع؛ حيث إنّ المجتمع اختبر خلال حراك فبراير 2019 استعداد الجيش لممارسة أدوارٍ قمعية بهدف حماية السلطة القائمة كما حدث في سياق احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر 1988 وطوال سنوات العشرية السوداء. وعلى عكس التوقّعات التي ينتجها

  1. سعيداني يتهم الجنرال توفيق بمحاولة منع بوتفليقة من الترشح"، 12 الخبر، 2014/2/3، شوهد في 2020/9/9، في https://bit.ly/3imep6x:
  2. ينظر: "من هو الجنرال 'طرطاق' رئيس المخابرات الجزائرية الجديد؟"، 13 فرانس 24  ، 2015/9/14، شوهد في 2021/1/19، في https://cutt.ly/CjPkokr:
  3. Rachid Tlemçani, "Policing Algeria under Bouteflika: From Police State to Civil State," in: Yahia H. Zoubir (ed.), The Politics of Algeria: Domestic Issues and International Relations (Oxfordshire/ New York: Routledge, 2020). المصدر: المرجع نفسه. المصدر: المرجع نفسه. المصدر: المرجع نفسه.

التحالف الظاهري بين قائد هيئة الأركان أحمد قايد صالح وعبد العزيز بوتفليقة، فإنّ قيادة الجيش لم تتمسّك بالرئاسة، ولم تمارس أدوارًا قمعية مباشرة تجاه المحتجين. إضافة إلى مسألة القمع، تتحدّد النسبة العالية من الثقة التي حصل عليها الجيش بدوره الإيجابي إلى حدّ ما في الحراك؛ وكذا غياب مؤسسات قادرة على منافسة الجيش في عملية تحشيد الناس وجمعهم على موقف متماسك من قضية معينة؛ حيث إنّ المجلس الشعبي الوطني والأحزاب السياسية، التي تعبّ في الأنظمة الديمقراطية عن مطالب النّاس وتوقعاتهم، لا تحظى بثقة المستجيبين كما يظهر في الشكلين 2(3() و.) الشكل)2(ثقة المستجيبين الجزائريين بالمجلس الشعبي الوطني (النواب) في استطلاعات 2011، و 2013/2012، و 2014، و 2015، و 2016، و 2020/2019

الشكل)3(ثقة المستجيبين الجزائريين بالأحزاب السياسية في استطلاعات 2011، و 2013/2012، و 2014، و 2015، و 2016، و 2020/2019 يوضح الشكلان 2(3() و) أنّ النسب العالية للثقة بالجيش في سياق حراك فبراير ترافقت مع نسب متدنية في الأصوات المعبّة عن ثقتها بالمجلس الشعبي الوطني والأحزاب السياسية؛ ففي الوقت الذي حصل فيه الجيش على %87 من الأصوات المعبّة عن الثقة، حصل المجلس الشعبي الوطني على %39، في حين حصلت الأحزاب السياسية على %36. أمّا نسبة الأصوات المعبّة عن عدم الثقة فتقدّر ب %12 بالنسبة إلى الجيش و%59 و%62 بالنسبة إلى المجلس الشعبي الوطني والأحزاب السياسية على التوالي. وفي ما يخصّ الإجابات المعبّة عن عدم المعرفة/ رفض الإجابة فهي متقاربة %1(بالنسبة إلى الجيش، و%2 بالنسبة إلى المجلس الشعبي الوطني والأحزاب السياسية.) ينظر الرأي العام إلى الأحزاب السياسية والبرلمان بوصفها امتدادًا لنظام بوتفليقة وتجسيدًا مؤسسيًا للفساد؛ حيث تسيطر أحزاب التحالف الرئاسي الداعم التقليدي لبوتفليقة على البرلمان؛ وقد كشفت محاكمات بعض رموز هذه الأحزاب عن حجم الفساد المرتبط بعمليات إعداد القوائم الانتخابية والانتخاب. وعلى الرغم من الارتباط التاريخي بين الجيش وحزب جبهة التحرير الوطني الحزب الحاكم في الجزائر، والتقاء موقف الأحزاب الكبيرة مع موقف الجيش طوال سنوات حكم بوتفليقة السابقة للحراك 2019-1999، فإنّ المستجيبين يفصلون بين موقفهم الإيجابي من مؤسسة الجيش والموقف السلبي من المجلس الشعبي الوطني والأحزاب السياسية. وعلى عكس التباين الملحوظ في مستويات الثقة بين الجيش والنوّاب والأحزاب، تترافق نسب الثقة العالية بمؤسسة الجيش في سياق حراك فبراير مع نسب قريبة تخصّ الثقة بجهاز القضاء، كما يوضح الشكل.)4(

الشكل)4(ثقة المستجيبين الجزائريين بجهاز القضاء في استطلاعات 2011، و 2013/2012، و 2014، و 2015، و 2016، و 2020/2019

رفع الجيش في سياق الاحتجاجات وما بعدها شعار محاربة الفساد وملاحقة رموز نظام بوتفليقة لأسباب تتعلق بتهم بالفساد وأخرى أمنيّة؛ الأمر الذي يجعل الجيش والقضاء في الموقع نفسه بالنسبة إلى المستجيبين، إذ حصل كلاهما على نسب عالية من الثقة في استطلاع 2020/2019. ويلاحظ أنّ جهاز القضاء حصل على نسبة ثقة تقدّر ب %79، وهي أعلى نسبة ثقة يسجّلها ضمن المجال الزمني 2020-2011، في حين قدّرت الإجابات المعبّة عن عدم الثقة بنحو %21، وهي أقل نسبة حصل عليها القضاء ضمن المجال نفسه. والمثير للاهتمام في مسألة الثقة بجهاز القضاء في استطلاع 2020/2019 هو غياب الإجابات المعبّة عن عدم المعرفة/ رفض الإجابة، وتبرّره مشاعر التفاؤل التي سادت الشارع حول مكافحة الفساد الذي يعدّ السمة الغالبة على إدارة بوتفليقة؛ والتي تحوّل رموزها إلى ملاحقين تبثّ وسائل الإعلام الرسمية والخاصّة أنباء محاكماتهم. في ما يخصّ النسبة المعبّة عن عدم الثقة بالقضاء %12()، فهي تعكس إلى حدٍّ ما الأصوات الرافضة للملاحقات الأمنية التي تعرّض لها بعض رموز حراك فبراير. الشكل)5(ثقة المستجيبين الجزائريين بالحكومة في استطلاعات 2011، و 2013/2012، و 2014، و 2015، و 2016، و 2020/2019

وكما يفصل المستجيبون في استطلاع 2020/2019 بين الثقة بالجيش والثقة بحلفائه من الأحزاب المسيطرة على البرلمان، يلاحَظ فصلٌ بينه وبين الحكومة التي يدعمها كما يوضح الشكل 5()؛ حيث تحظى الحكومة بنسبة ثقة تقدّر ب %57، بينما حصلت على نسبة %43 من الأصوات المعبّة عن عدم الثقة، مع غياب الأصوات المعبّة عن عدم المعرفة/ رفض الإجابة. نلاحظ أنّ الحراك رفع نسبة الثقة بالحكومة مقارنةً باستطلاعَي 2015 و 2016 (من %52 و%50 إلى %57) في حين تدنّت نسبة المستجيبين غير الواثقين بالحكومة من %47 و%50 في استطلاعَي 2015 و 2016 على التوالي إلى %43 في استطلاع 2020/2019. ومع ذلك، تبقى ثقة المستجيبين بالحكومة منخفضة مقارنةً بالثقة بمؤسسة الجيش على الرغم من كون هذا الأخير يعدّ الداعم الأهمّ والوحيد لها نظرًا إلى موازين القوى في النظام السياسي الجزائري الحالي مقارنةً بفترة حكم بوتفليقة الذي كانت تحظى حكوماته بدعم الجيش والمخابرات أو أحدهما وفقًا للسياق التاريخي وتوازن السلطة، إضافة إلى دعم الأحزاب الكبرى لها (أحزاب التحالف الرئاسي.) تُفسَّ نسب الثقة المتدنية بالحكومة مقارنةً بالجيش بالاعتقاد السائد مجتمعيًا في تبعية أوّل حكومة بعد الحراك للجيش بسبب دعم الأخير المسار الانتخابي من دون مساحة للنقاش السياسي الحزبي أو التأسيس لقواعد تنافس ديمقراطي بين النخب؛ وبنزوع النّاس إلى رفع سقف توقعاتهم من الحكومات التي تتشكّل عقب حركة احتجاجية مطالبة بالتغيير السياسي. يسيطر على توقعات الناس الهواجس السوسيو-اقتصادية وقضايا التنمية والولوج إلى سوق العمل، إضافة إلى الانطباع بحدوث تغييرات إيجابية في الصحة والتعليم والسكن والخدمات؛ هذا فضلً عن اعتقادهم في حدوث وثبة نحو مستويات متقدّمة من الحريات الفردية والجماعية وفكّ القيود عن الإعلام. أُوإذا أخذنا في الاعتبار أنّ استطلاع 2020/2019 جريَ في الفترة 25 أيار/ مايو - 20 تموز/ يوليو 2020، فإنّ انطباعات المستجيبين حول الحكومة تضع نصب عينيها استجابتها لجائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19-) والقرارات التي اتخذتها في إطار ذلك، من غلق الحدود وفرض القيود على الحركة؛ إضافةً إلى تأثير الجائحة وإدارتها في الفئات الاجتماعية الهشّة خاصةً تلك التي لا تملك دخلً ثابتًا، أو تعتمد على مداخيل يومية. تفسّ هذه المعطيات إذًا (التبعية للجيش، وتوقعات ما بعد الحراك، والجائحة وإدارتها)، إلى حدٍّ ما، موقف المستجيبين من الحكومة.

نتائج

يحافظ الجيش على ثقة أغلبية المستجيبين طوال الفترة 2020-2011؛ لكنّ هذه الثقة محكومة، إضافة إلى التاريخ ومسألة الشرعية، بتصوّرٍ مجتمعي واقعي حول وجود دورٍ يمكن أن يؤدّيه الجيش في أي عملية تغيير على مستوى بنية النظام الحاكم. وكما توضح الاستطلاعات، يتشكّل نمط غالب من الإجابات يُفهم ضمن ثنائية الأمل - خيبة الأمل؛ إذ تعبّ استطلاعات 2011 و 2014 و 2016 و 2020/2019 عن وجود تطلعٍ إلى أدوارٍ تغييرية إيجابية للجيش، في حين يعبّ استطلاعا 2013/2012 و 2015 عن خيبة أملٍ حيث إنّ الجيش أدّى دورًا في

حماية النظام، فهو قد قام في عام 2014 بدعم الولاية الرابعة لعبد العزيز بوتفليقة، وساند الرئاسة في معركتها ضدّ المخابرات في عامَي 2015 و 2016. لا تتحدّد نسبة الثقة العالية بالجيش المعبّ عنها في استطلاع 2020/2019 بمسألتَي الشرعية المجتمعية للجيش والتوقعات حول دوره في الحياة السياسية فقط، وإنّ ا بمسألة التاريخ القمعي الذي مارسته قيادة الجيش تاريخيًا تجاه المجتمع في سياق منعها التغيير وحماية النظام الحاكم. اختبر المجتمع في سياق حراك فبراير استعداد الجيش لأداء أدوارٍ قمعية تجاه الاحتجاجات والحؤول دون منع انتخاب بوتفليقة للولاية الخامسة؛ وعلى عكس ما يوحي به تاريخ الجيش الجزائري سياسيًا، والتحالف الناشئ بين الرئاسة وهيئة الأركان بعد عام 2006، والذي تعزز بإقالة مدير المخابرات في سياق الولاية الرابعة لبوتفليقة، فإنّ الجيش منع سيناريو الولاية الخامسة وعبّ عن دعمه الحراك، كما لم يؤدِّ أدوارًا قمعية على شاكلة الدور الذي أدّاه في احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر 1988. وعلى الرغم من تعبير قيادة الجيش عن دعمها الحراك ومساهمتها في إسقاط بوتفليقة وطبقته السياسية، فإنّ دورها الفعلي تمثّل في منع حدوث تغيير نوعي على مستوى التوازنات الداخلية للنظام الحاكم من شأنه أن يُخرج النخب العسكرية من دائرة التأثير والنفوذ، ويدفع نحو قيام نظام حكم ديمقراطي فعلي. كما تكشف الاستطلاعات المتعاقبة عن وجود فصلٍ لدى المستجيبين بين الجيش وشركائه من الأحزاب والمؤسسات. ففي الوقت الذي يحظى فيه الجيش بمستويات ثقة عالية، لا تحظى الأحزاب والمجالس المنتخبة التي تسيطر عليها الأحزاب الكبرى، والحكومة التي يدعمها الجيش أساسًا بالثقة ذاتها. ويرتكز هذا الفصل على تصوّرٍ مجتمعي غالب يعتقد بنزاهة الجيش في مقابل فساد المؤسسات الأخرى. ووفقًا لمعيار النزاهة/ الفساد يحظى جهاز القضاء بنسبة أقل من الجيش بثقة المستجيبين خاصّةً في استطلاع 2020/2019 حيث ساد شعور عامّ بسعي الجيش والحكومة للعمل على محاربة الفساد وملاحقة رموز نظام بوتفليقة. وإن صحّ التحليل السابق، ستشهد الاستطلاعات القادمة تدنّيًا ملموسًا في نسبة الثقة بالجيش شبيهًا بالتدني الحاصل في الأعوام 2013/2012 و 2015، مع احتمال الحفاظ على مستويات غير عالية من الثقة بفعل تأثير الدعاية الأمنية في سياق التطبيع المغربي - الإسرائيلي والتوتر الدائر في إقليم "الصحراء الغربية" بين الجيش المغربي وجبهة البوليساريو.

المراجع

العربية

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. المؤشر العربي 2011. https://cutt.ly/LjO6ryO:. في 2012 آذار/ مارس ________. المؤشر العربي 2013/2012. حزيران/ يونيو 2013. في: https://cutt.ly/sjO6hAA ________. المؤشر العربي 2014. أيلول/ سبتمبر 2014:. في https://cutt.ly/tjO6bdx ________. المؤشر العربي 2015. كانون الأول/ ديسمبر 2015:. في https://cutt.ly/ajO6RQP ________. المؤشر العربي 2016. آذار/ مارس 2017:. في https://cutt.ly/BjO6P0e ________. المؤشر العربي في 2020/2019 نقاط. تشرين الأول/ أكتوبر 2020:. في https://cutt.ly/ojO6LwZ تلمساني، رشيد. "الجزائر في عهد بوتفليقة: الفتنة الأهلية والمصالحة أوراق كارنيغي، العدد الوطنية." 7. مركز كارنيغي الشرق الأوسط (كانون الثاني/ يناير 2008.) في: http://bit.ly/2Xx3d0u الجيش والسياسة في مرحلة التحول الديمقراطي في الوطن العربي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 القطعة، بلقاسم. "دور الجيش المتغير في المشهد السياسي الجزائري: من صعود بوتفليقة إلى رئاسة تبون." تحليل سياسات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2020/11/9. في: https://bit.ly/3hOSaXL الكرد، دانا. "الجيش في الرأي العام: بيانات من الجزائر والسودان." سياسات عربية. العدد 39 (تموز/ يوليو 2019.)

الأجنبية

Bourrat, Flavien. "L'Armée algérienne: Un État Dans l'État?" Les Champs de Mars. vol. 1, no. 23 (2012). Zoubir, Yahia H. (ed.). The Politics of Algeria: Domestic Issues and International Relations. Oxfordshire/ New York: Routledge, 2020.