دولة القانون الديمقراطية إشكالية المفهوم ومتطلبات الدسترة

ملف المسألة الدستورية والانتقال الديمقراطي

دراسة مترجمة Special Issue Constitutional Issues and Democratic Transitions

Translation

المؤشر العربي

التوثيق

مراجعات وعروض كتب Arab Opinion Index

Documentation

Book Reviews

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤسسة بحثية فكرية مستقلة، مختصة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، في جوانبها النظرية والتطبيقية، تسعى، عبر نشاطها العلمي والبحثي، إلى خلق تواصل في ما بين المثقفين والمتخصصين العرب في هذه العلوم، وبينهم وبين قضايا مجتمعاتهم، وكذلك بينهم وبين المراكز الفكرية والبحثية العربية والعالمية، في عملية تواصل مستمرة، من البحث، والنقد، وتطوير الأدوات المعرفية. يتبنى المركز رؤية نهضوية للمجتمعات العربية، ملتزمة بقضايا الأمة العربية، والعمل على رقيها وتطوّرها، انطلاقًا من فهم أنّ التطور لا يتناقض مع الثقافة والهوية، بل إنّ تطوّر مجتمعٍ بعينه، بفئاته جميعها، غير ممكنٍ إلا في ظروفه التاريخية، وفي سياق ثقافته، وبلغته، ومن خلال تفاعله مع الثقافات الأخرى. ومن ثمّ، يعمل المركز على تعزيز البحث العلمي المنهجي والعقلانية في فهم قضايا المجتمع والدولة، بتحليل السياسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في الوطن العربي. ويتجاوز ذلك إلى دراسة علاقات الوطن العربي ومجتمعاته بمحيطه المباشر، وبالسياسات العالمية المؤثّرة فيه، بجميع أوجهها. وفي ضوء هذه الرؤية، يعمل المركز على تحقيق أهدافه العلمية الأساسية، عن طريق نشاطاته الأكاديمية المختلفة، فهو ينتج أبحاثًا ودراسات وتقارير، ويصدر كتبًا محكّمةً ودوريات علميةً، ويبادر إلى مشاريع بحثية، ويدير عدة برامج مختصة، ويعقد مؤتمرات، وورش عمل وتدريب، وندوات أكاديمية، في مواضيع متعلقة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، وموجّهة إلى المختصين، والرأي العام العربي أيضًا، ويساهم، عبر كل ذلك، في توجيه الأجندة البحثية نحو القضايا والتحديات الرئيسة التي تواجه الوطن والمواطن العربي. وينشر المركز جميع إصداراته باللغتين العربية والإنكليزية. تأسّس المركز في الدوحة في خريف 2010، وله فرع يعنى بإصداراته في بيروت، وافتتح ثلاثة فروع إضافية، في تونس وواشنطن وباريس. ويشرف على المركز مجلس إدارة بالتعاون مع مديره العام المؤسِّس. أسّس المركز مشروع المعجم التاريخي للغة العربية، وما زال يشرف عليه بالتعاون مع مجلسه العلمي، كما أسّس معهد الدوحة للدراسات العليا، وهو معهد جامعي تشرف عليه إدارة أكاديمية ومجلس أمناء مستقل يرأسه المدير العام للمركز. يعمل في المركز باحثون مقيمون، وطاقم إداري. ويستضيف باحثين زائرين للإقامة فيه فترات محددة من أجل التفرّغ العلمي، ويكلّف باحثين من خارجه للقيام بمشاريع بحثية، ضمن أهدافه ومجالات اهتمامه. The Arab Center for Research and Policy Studies is an independent social sciences and humanities institute that conducts applied and theoretical research seeking to foster communication between Arab intellectuals and specialists and global and regional intellectual hubs. The ACRPS achieves this objective through consistent research, developing criticism and tools to advance knowledge, while establishing fruitful links with both Arab and international research centers. The Center encourages a resurgence of intellectualism in Arab societies, committed to strengthening the Arab nation. It works towards the advancement of the latter based on the understanding that development cannot contradict a people’s culture and identity, and that the development of any society remains impossible if pursued without an awareness of its historical and cultural context, reflecting its language(s) and its interactions with other cultures. The Center works therefore to promote systematic and rational, scientific research-based approaches to understanding issues of society and state, through the analysis of social, economic, and cultural policies. In line with this vision, the Center conducts various academic activities to achieve fundamental goals. In addition to producing research papers, studies and reports, the center conducts specialized programs and convenes conferences, workshops, training sessions, and seminars oriented to specialists as well as to Arab public opinion. It publishes peer-reviewed books and journals and many publications are available in both Arabic and English to reach a wider audience. The Arab Center, established in Doha in autumn 2010 with a publishing office in Beirut, has since opened three additional branches in Tunis, Washington and Paris, and founded both the Doha Historical Dictionary of Arabic and the Doha Institute for Graduate Studies. The ACRPS employs resident researchers and administrative staff in addition to hosting visiting researchers, and offering sabbaticals to pursue full time academic research. Additionally, it appoints external researchers to conduct research projects. Through these endeavours the Center contributes to directing the regional research agenda towards the main concerns and challenges facing the Arab nation and citizen today.

ملف:

المسألة الدستورية والانتقال الديمقراطي

Special Issue:

Constitutional Issues and Democratic Transitions

* Kamal Djalab كمال جعلاب |

دولة القانون الديمقراطية: إشكالية المفهوم ومتطلبات الدسترة

The State of Rule of Law and Democracy: The Concept and the Requirments of Constitutionalism

تبحث هذه الدراسة في إشكالية العلاقة على المستوى النظري بين مبدأ دولة القانون بوصفه مبدأ قانونيا شكليًا، والديمقراطية باعتبارها قيمة سياسية. وتسعى عبر منهج قانوني تأصيلي لبناء مفهومٍ لدولة القانون الديمقراطية قابل للدسترة، يمكن من خلاله تجاوز ذلك التوتر المستمر في الديمقراطية بين سلطة الأغلبية في وضع القانون، والحقوق والحريات الفردية. وتخلص إلى أن دولة القانون لا تعني سيادة القانون على الحقوق الفردية، ولا تعني الديمقراطية سيادة الأغلبية فحسب، بل إن احترام الحقوق الفردية ومنحها قيمة دستورية يمث لان متطلبًا أساسيًا في دسترة مبدأ دولة القانون الديمقراطية. مع ذلك، سيرتبط تحقيق هذا المبدأ، عمليًا، بدور القاضي الدستوري في التوفيق عبر الرقابة الدستورية بين سلطة الأغلبية التي تتجسّ د في مبدأ سيادة القانون، وبين الحقوق الدستورية التي تمث ل جوهر المبدأ الديمقراطي. كلمات مفتاحية: دولة القانون، الديمقراطية، الديمقراطية الدستورية، الحقوق الدستورية، القضاء الدستوري. This study problematises the theoretical dialectic between the rule of law as a formal legal principle, and democracy as a political value. Taking a fundamental legal approach, the paper builds a concept ofa constitutionalizable democratic state of rule of law, through which it is possible to overcome the constant tension in democracy between the authority of the majority in deciding the law, and individual rights and liberties. It concludes that the rule of law does not mean the supremacy of law over individual rights, and democracy does not mean the rule of the majority only, but that respect for individual rights and granting them a constitutional value are a prerequisite for constitutionalizing the principle of a democratic rule of law. However, the application of this principle, in practice, will be linked to the role of the constitutional judge in reconciling, through constitutional oversight, the power of the majority, which is embodied in the principle of the rule of law, and constitutional rights, which are the essence of the democratic principle. Keywords: Rule of Law, Democracy, Constitutional Democracy, Constitutional Rights, Constitutional Judiciary.

مقدمة

يُعدّ مبدأ دولة القانون أحد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدستورانية، ويقتضي تقييد سلطة الدولة وإخضاعها للقانون الذي يجب أن يكون فوق الجميع، ولذلك، صار مبدأ دولة القانون عنصرًا أساسيًا في تعريف الدولة الحديثة في القانون الدستوري. غير أن عملية صنع القانون، على الرغم من طابعها الإجرائي الذي يقوم على احترام أشكالٍ وإجراءات معيّنة ومحددة سلفًا، ليست مستقلة عن الجوانب الاجتماعية والسياسية؛ إذ إن طريقة وضع القاعدة القانونية يجب ألّ تكون أكثر أهمية من محتوى القاعدة نفسها، ومما يجب أن يعكسه هذا المحتوى من مبادئ وقيم مشتركة في مجتمع ما، حتى يتحقق الخضوع للدولة وقانونها. تُعدّ الديمقراطية إحدى القيم الأساسية التي ينبغي أن يجسّدها مضمون القانون، وإذا كان مفهومَا دولة القانون والديمقراطية منفصلين نظريًا، فإنه يمكن عدّهما من الأدوات القانونية والسياسية الضرورية لعملية الانتقال الديمقراطي، حيث إن بناء دولة القانون يُعدّ من أهداف العملية الديمقراطية، وبالمثل، فإن خضوع الدولة للقانون لن يكون فعالً إلّ حينما تكون قاعدة القانون معبّة في محتواها عن مبادئ الديمقراطية وقيم الحقوق والحريات. بناء على ذلك، تطرح هذه الدراسة إشكالية العلاقة بين دولة القانون بوصفها مبدأ قانونيًا، والديمقراطية بوصفها قيمةً سياسية، وتحاول، في هذا السياق، الإجابة عن أسئلة عدة، أهمها: كيف يمكن بناء مبدأ دستوري يجمع بين دولة القانون والديمقراطية؟ وما القيم المشتركة بين المفهومين التي يمكن من خلالها الوصول إلى صيغة لدولة القانون الديمقراطية قابلة للدسترة، وتصلح من ثم أن تكون أداة دستورية خادمة لعملية الانتقال الديمقراطي؟ تسعى الدراسة لإثبات أنّ الحقوق الدستورية هي تلك القيم المشتركة التي يمكن البناء عليها لصياغة مفهوم دولة القانون الديمقراطية في الدستور بما يحقق إدراج البُعد الديمقراطي في مبدأ دولة القانون، ويضمن في النتيجة خضوع الدولة لقانون يعبّ في محتواه عن المبادئ الأساسية للديمقراطية، ومن أهمها الحقوق الفردية. يتطلّب تحليل مفهوم مبدأ دولة القانون، وربطه بعملية الانتقال الديمقراطي، أدواتٍ منهجية مختلفة باختلاف مستويات التحليل وتعدّد قضايا البحث وانتمائها إلى مجالات مختلفة. ومع ذلك، ستكون المقاربة القانونية التأصيلية منهجَ التحليل الأساسي للإشكالية التي نسعى من خلال تحليلها لتأصيل مبدأ دولة القانون الديمقراطية بوصفه أحد المبادئ التي تنتمي إلى حقل القانون الدستوري، وذلك عبر تحليل مفاهيم القانون والديمقراطية والحقوق الدستورية، ودمجها كلها في صيغة دستورية واحدة. تحلّل الدراسة، أولً، إشكالية بناء مفهوم دولة القانون الديمقراطية عبر تأكيد الحقوق الدستورية بوصفها قيمة مشتركة يمكن أن تقارب مبدأ دولة القانون بفكرة الديمقراطية في بُعدها الدستوري؛ وتعرض ثانيًا متطلّبات دسترة دولة القانون الديمقراطية من خلال تثبيت القيمة الدستورية للحقوق الدستورية ضمن مجموعة المبادئ الدستورية، وتكريس ضمانتها المتمثلة في رقابة القضاء الدستوري.

أولا: مفهوم دولة القانون الديمقراطية

لا يصحّ القول بوجود دولة قانون بالمطلق لأن الدولة تلتزم القانون الذي تسنّه فحسب؛ إذ ينبغي لهذا المفهوم الشكلي أن يُدعم بمفهوم جوهري يتعلق بمحتوى القاعدة القانونية ومدى استجابته لمعايير وقيم معيّنة، بما يسمح لمبدأ دولة القانون أن يستوعب فكرة الديمقراطية عبر تضمينه فكرة الحقوق الدستورية.

1. مبدأ دولة القانون: من المفهوم الشكلي إلى المفهوم الجوهري

على الرغم من أن مبدأ دولة القانون يُعدّ أحد أكثر المفاهيم شيوعًا في القانون الدستوري، ويحيل إليه، كثيرًا، الأكاديميون والسياسيون على حد سواء، فإنه لا يوجد أيّ تعريف محدّد له، بل كان مضمونه على الدوام محل اختلاف بين الباحثين، ويعود ذلك إلى الاختلاف في النظر إلى قاعدة القانون في حد ذاتها ومعايير صلاحيتها. يضاف إلى ذلك،

اتساع نطاق هذا المبدأ وتعلّقه بمبادئ فرعية متعددة ومختلفة في طابعها، لكنها تصب كلها في إمكان وصف دولة ما بأنها دولة قانون عند توافر معايير معيّنة. تعود أصول مفهوم دولة القانون إلى النظام القانوني في ألمانيا، وتعرّف بالريشتات Rechtsstaat، ويُعتبر الفقيه القانوني روبرت فون مول Mohl von Robert 1875-1799() أول من استعمل هذا المصطلح، حيث أشار في مؤلف له نشُر في عام 1831 إلى دولة القانون بوصفها شكلً من أشكال الدولة العقلانية Verstandesstaat التي يكون أساسها ضمان حريات المواطنين وحقوقهم في مواجهة محاولات تقييدها من مؤسسات الدولة1. ارتبط مفهوم دولة القانون، من الناحية التاريخية، في ألمانيا بمطالبة الطبقة البرجوازية بحريّة أكبر في مواجهة الملَكية في فترة ما قبل ثورة آذار/ مارس 1848، وكان هذا المفهوم مؤسَّسًا على نظرة موضوعية إلى القاعدة القانونية، بما يجب أن يكون عليه محتواها، وليس بشكلها أو بإجراءات وضعها فحسب، فالقانون يجب أن يكون مُلزمًا لمؤسسات الدولة كلها، بما فيها البرلمان نفسه الذي يضعه، ويجب أن تكون القاعدة متّسمة بخصائص موضوعية، كأن تكون صحيحة وعقلانية وعادلة، إضافة إلى العمومية والمساواة2. لاحقًا، بدأت فكرة خضوع الدولة للقانون في الشيوع، في أواخر القرن التاسع عشر، لدى فقهاء القانون العام الألمان الذين اعتمدوا على هذه الفكرة من أجل إيجاد أساس قانوني لرقابة القضاء على أعمال السلطات الإدارية، كما تم ربط هذا المفهوم بالحقوق الأساسية، لكن هذا المبدأ لم يتبلور ضمن المفاهيم المتعلقة بالقانون الدستوري إلّ مع بداية القرن العشرين. من المهم الإشارة إلى أن فكرة دولة القانون، كما تمت صياغتها في الفقه الدستوري الألماني في أواخر القرن التاسع عشر، كانت ضمن سياق محاولات بناء مَلكية دستورية في ألمانيا، يُراعى فيها ضمان حرية أكبر للمواطنين، وتتولى مؤسسات القانون كفالة هذه الحرية، وذلك من خلال التقييد الدستوري لمجال سلطة الدولة، كما ارتبط مفهوم دولة القانون في تلك الفترة بفكرة الدولة الدستورية العقلانية، والقانون العقلاني الذي يجب أن يكون مجرّدًا وعامًّا، وهي الأفكار التي أسّس لها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط Kant Immanuel 1804-1724()، وتُوّجت بصدور دستور فرانكفورت لعام، عقب 1849 ثورة آذار/ مارس.1848 تعزّزت مكانة مبدأ دولة القانون في النظام القانوني في ألمانيا مع صدور القانون الأساسي في عام 1949، وإنشاء المحكمة الدستورية الفدرالية التي منحته، في اجتهاداتها، قيمةً مهمة، حيث أشارت مبكرًا إلى طابعه الجوهري القوي المتمثل في الحقوق الأساسية في سوابقها القضائية بوصفه مبدأً مستمدًّا من القانون الأساسي الألماني3. انتقلت فكرة خضوع الدولة للقانون إلى الفقه الدستوري الأوروبي بصيغ مختلفة في كل من سويسرا وإيطاليا والنمسا، ثم إلى فرنسا، وأصبح هذا المبدأ يجمع عددًا من المبادئ الفرعية الأكثر تحديدًا، مثل مبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ سموّ القانون، ومبدأ حماية ثقة الأفراد بالنشاط الحكومي والحقوق الأساسية، ومبدأ الحماية القضائية لهذه الحقوق4. نقل الفقهاء الفرنسيون مبدأ دولة القانون من الفقه الألماني في نهاية القرن التاسع عشر، وكانت فرنسا تشهد في تلك الفترة جمهوريتها الثالثة، بموجب القوانين الدستورية لعام 1875، ولذلك كان هذا النظام إطارَ دراسة فقهاء القانون العام في فرنسا فكرةَ خضوع الدولة للقانون. ويُعتبر الفقيه الدستوري الفرنسي ريمون كاري دي مالبرغ 1935-1861() أول من ميّز بين دولة القانونdroit‎ de Etat‏ والدولة القانونية légale Etat في معرض دراسته نظام الجمهورية الثالثة، وانطلق دي مالبرغ في هذا التمييز من أن فرنسا كانت في مرحلة أولى دولة ضبطية إدارية للقانون، وتحوّلت في الجمهورية الثالثة إلى دولة قانونية، وترتبط هذه الدولة، في نظره، بمفهوم سياسي يتعلق بالتنظيم الأساسي للسلطات العامة، ويقتضي إخضاع الهيئة الإدارية في الحالات والمسائل كلها للهيئة التشريعية. يواصل دي مالبرغ تحليله فكرة الدولة القانونية في الجمهورية الفرنسية الثالثة، مشيرًا إلى أن التشريع يهيمن تمامًا على الإدارة التي لا يمكنها أن تمارس سوى صلاحية تنفيذ القوانين بموجب السلطة القانونية. أما في ما يتعلق بدولة القانون، فيعتبرها المرحلة الثالثة والأهم في تطوّر الدولة القانونية، وركّز في تعريفها على الحقوق الفردية بوصفها عنصرًا جوهريًا فيها5.

  1. 4  Albert Bleckmann, "L'Etat de droit dans la Constitution de la République fédérale d'Allemagne," Revue Pouvoir , no. 22 (Septembre 1982), p. 6.
  2. 5  Raymond Carré de Malberg, Contribution à la théorie générale de l'État , vol. 1 (Paris: CNRS, 1985), p. 496.
  3. Rainer Grote, "Rule of Law, Rechtsstaat and Etat de Droit," in: Christian Starck (ed.), Constitutionalism, Universalism and Democracy: A Comparative Analysis (Baden-Baden: Nomos Verlagsgesellschaft, 1999), p. 270.
  4. 1  Carlos-Miguel Herrera, "Quelques remarques à propos de la notion d'État de droit," L'Homme et la société , no. 113 (Juillet 1994), p. 91.
  5. 2  Carl Schmitt, Constitutional Theory (London: Duke University Press, 2008), p. 181.

يرى دي مالبرغ أنّ الدستور يحدّد ويضمن للمواطنين تلك الحقوق الفردية التي يجب أن تبقى أعلى من أن يمسّها المشرّع، ولذلك، لا تقيّد دولة القانون السلطات الإدارية، كما هي عليه الحال في الدولة القانونية، لكنها تقيّد أيضًا السلطة التشريعية. ووفقًا لذلك، يتم التحوّل من الدولة الضبطية إلى الدولة القانونية، عندما يضمن قاضٍ مستقلٌّ احترامَ القوانين في أعمال الإدارة، أما التحوّل من الدولة القانونية إلى دولة القانون، فيتم، فحسب، عندما يتولّ قاضٍ مستقلٌّ ضمانَ احترام السلطة التشريعية الدستور6. على خلاف السياق الألماني، وحتى الفرنسي الذي نشأ فيه مفهوم دولة القانون، تبلورت فكرة خضوع الدولة للقانون في الفقه البريطاني في سياق مختلف؛ إذ ينتشر لدى هذا الفقه مصطلح سيادة القانون أو حكم القانون Law of Rule، وقد أفضى التطور الذي شهده النظام البريطاني في إطار الصراع بين الملك والبرلمان، بدءًا من صدور الماغنا كارتا Carta Magna في عام 1215 7 إلى استقرار مبدأ السيادة البرلمانية بديلً من سيادة الملك، إلى سيادة برلمانية نتج منها مبدأ سموّ القانون الذي حدّده الفقيه الدستوري الإنكليزي ألبرت ديسي Dicey Venn Albert 1922-1835() من خلال ثلاثة معايير أساسية: السيادة المطلقة للقانون في مواجهة أي سلطة تعسفية، والمساواة في الخضوع للقانون أمام المحاكم، ووجوب تعبير قانون الدستور عن الحقوق الفردية، كما هي معرّفة ونافذة عن طريق المحاكم8. يمكن استنتاج مفهوم مماثل من خلال ما أورده قاموس أكسفورد للعلوم الاجتماعية في تعريفه حكم القانون بوصفه المبدأ الذي يعني أن السلطة يجب أن تُ ارَس تبعًا لقواعد وإجراءات يتم التفاهم عليها وتنطبق على جميع أعضاء الكيان السياسي، بمن في ذلك موظفو الدولة. ويقتضي حكم القانون وجود هيئة قضائية مستقلة قادرة على فرض القوانين حتى في مواجهة كبار المسؤولين في الدولة. ولهذا السبب، فإن هذا المفهوم وثيق الارتباط بمبدأ فصل السلطات في التقليد السياسي الغربي، ومع أن حكم القانون ليس مقتصرًا على الديمقراطية، فإنّه يُعدّ شرطًا مهمً من شروطها، وهو بذلك يقوم بدور كبير في الدراسات التي تتناول التحوّل الديمقراطي9. من الواضح، من خلال العرض السابق لسياقات تبلور مبدأ دولة القانون، أنّ هذا المفهوم تتجاذبه مقاربتان: الأولى، تتعلق بالمضمون الشكلي أو الإجرائي لهذا المبدأ، حيث ينصرف معناه إلى ضرورة أن تستجيب القاعدة القانونية لمتطلّبات إجرائية وقواعد شكلية، مثل الوضوح والعمومية، وأن تكون ذات أثر فوري لتكون صالحة، بغضّ النظر عن محتواها. أما الثانية، فتنطلق من تقييم محتوى القانون نفسه ومدى استجابته للقيم والمبادئ السائدة في مجتمع ما حتى يمكن تبرير خضوع الدولة له. يعتقد جوزيف راز الذي يُعدّ أحد أبرز المدافعين عن المذهب الشكلي في مقاربة مفهوم دولة القانون، أنه إذا كانت دولة القانون هي دولة القانون الصالح، فشرح طبيعتها يعني تقديم فلسفة اجتماعية كاملة، وهذا يتجاوز مجال التحليل القانوني، ولذلك يجب عدم الخلط بين مفهوم دولة القانون والديمقراطية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان من أي نوع. ويواصل راز استنتاجه في نظرته الشكلية إلى دولة القانون، ليصل إلى أن النظام القانوني غير الديمقراطي، القائم على إنكار حقوق الإنسان والفقر المدقع والتمييز العنصري وعدم المساواة بين الجنسين والاضطهاد الديني، قد يكون من حيث المبدأ متوافقًا مع متطلّبات دولة القانون على نحو أفضل من أي نظام قانوني من الديمقراطيات الغربية الأكثر استنارة، لكن هذا لا يعني أنه سيكون أفضل من تلك الديمقراطيات، بل سيكون نظامًا قانونيًا أسوأ بما لا يمكن قياسه، لكنه، بحسب استنتاج راز، سيتفوّق في جانب واحد هو امتثاله لسيادة القانون10. وهكذا، يتعلق المفهوم الشكلي لدولة القانون، أساسًا، بطريقة وضع القاعدة القانونية، وما إذا كانت صادرة عن الجهة المختصة بذلك، إضافة إلى مدى وضوحها؛ فاصلة منقوطة أي أنْ تكون واضحة بما يكفي حتى يمكنها ضبط سلوك المخاطَب بها11. ووفقًا لهذا المفهوم، يجب الفصل بين سيادة القانون بوصفها مبدأ قانونيًا صرفًا، والأفكار والقيم السياسية، مثل الديمقراطية والعدل والمساواة وحقوق الإنسان، حيث يصير هدف هذا المبدأ، فحسب، ضمان أن

  1. Ibid., p. 488.
  2. هي وثيقة ملكية بريطانية، التزم بها الملك جون 1216-1199()، ملك بريطانيا، وتُعد الخطوة الأولى صوب الديمقراطية البرلمانية، وتنص على مبدأ أن لا أحد فوق القانون، ومن بينهم الملك، ويُنظر إليها بوصفها مَعلمً مهمً من معالم تطور الحكومة الدستورية في بريطانيا. ينظر: "ما هي ماغنا كارتا؟ وما هي أهميتها؟"، بي بي سي عربي، 2015/6/15، شوهد
  3. John W.F. Allison, "Turning the Rule of Law into an English Constitutional Idea," in: Christopher May & Adam Winchester (eds.),
  4. قاموس أوكسفورد للعلوم الاجتماعية، "كلمٌ إحدى عشرة في الدستور والدستورية "، تبيّ، العدد ترجمة ثائر ديب، 3 (شتاء 2013)، ص.254 10  Joseph Raz, "The Rule of Law and its Virtue," in: Joseph Raz (ed.), The Authority of Law: Essays on Law and Morality (Oxford: Clarendon Press, 1979), p. 211. 11  Brian Z. Tamanaha, On the Rule of Law: History, Politics, Theory (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), p. 91.
  5. في 2021/10/4، في https://bbc.in/3tJb6gn:
  6. Handbook on the Rule of Law (Cheltenham/ Northampton: Edward Elgar Publishing, 2018), p. 172.

يكون القانون قادرًا على توجيه سلوك المخاطبين وفق قواعد شكلية محددة مسبقًا، من دون أي اعتبارات موضوعية أخرى12. من الواضح أنّ مثل هذه النظرة الشكلية إلى سيادة القانون لا تستوجب أن يتم تقييد سلطة المشرّع بوساطة ميثاق حقوق أساسية دائمًا، فالهدف من هذا المبدأ لن يكون، وفق المعنى الشكلي، منع صور التعسف كلها التي قد تصدر من السلطة، ولكن فقط تلك التي من شأنها أن تخذل، على نحو غير عادل، توقعات المواطنين تجاه حقوقهم وواجباتهم القانونية، ولا يمانع أنصار المنظور الشكلي في وجود رقابة دستورية لفحص احترام القانون الشروط الشكلية، لكنها يجب أن تتم في أضيق نطاق ممكن13. على خلاف هذا المنظور الشكلي لمبدأ دولة القانون، يذهب بعض فقهاء القانون إلى أنّ تحليل هذا المبدأ ينبغي أن يراعي محتوى قاعدة القانون، وما ينبغي أن يكون عليه هذا المحتوى، حيث يجب الربط بين مفهوم مبدأ دولة القانون وعناصر ومبادئ أخرى، من أهمها الحقوق والحريات الأساسية. ينبغي لمضمون دولة القانون أن يقوم على الاقتناع بأنّ القانون يوفر أكثر من أي وسيلة أخرى حمايةً لكل مواطن من تعسّف مواطن آخر، ولذلك، عندما يكون الحاكم مقيّدًا بقواعد قانونية عامة، فإنه لا يستطيع تمييز فئة من المواطنين بمعاملة خاصة، ويُعتبر القانون بذلك بمنزلة حصن بين الحاكم والمحكوم، يحمي الفرد من التمييز والعدائية من أولئك الذين لديهم السلطة السياسية14. لا يجادل أنصار المفهوم الجوهري لمبدأ دولة القانون في أهمية العناصر الشكلية والإجرائية لهذا المبدأ، لكنهم يؤكدون، في الوقت نفسه، أنها غير كافية، وأنّ التركيز يجب أن يكون على محتوى هذا المبدأ وجوهره الذي يظهر أساسًا في الحقوق والحريات الأساسية التي تُعتبر معيارًا للتمييز بين القوانين "الجيدة" التي تتوافق مع هذه الحقوق، والقوانين "السيّئة" التي ليست كذلك15. وفقًا لهذا المفهوم الجوهري، لا يقوم مبدأ دولة القانون على الضمانات الشكلية للحرية في نشاط الدولة فحسب، بل على تحصيل العدالة وحمايتها ومنحها كجوهر في المجال العام للدولة، وكذلك في تلك المجالات التي تكون عُرضة لتأثير سلطتها، فالدستور لا يعتبر الدولة قيمةً في حد ذاتها، بل تستمدّ قيمتها من ضمان حرية الشعب16. تبنّت المحكمة الفدرالية في ألمانيا هذا المفهوم الجوهري لمبدأ دولة القانون عندما اعتبرت الحقوق الأساسية الجزء الأهم ضمن هذا المبدأ، وعملت المحكمة على توسيع نطاق هذه الحقوق، بالنظر إلى مفهوم مبدأ دولة القانون نفسه، واستنتجت من خلال ذلك العديد من المبادئ المتفرعة عنه، التي تعبّ في الوقت نفسه عن الحقوق الأساسية مثل مبدأ المحاكمة العادلة ومبدأ شرعية الجرائم والعقوبات وغيرها17. يجد المفهوم الجوهري لمبدأ دولة القانون أصوله في نظرية القانون الطبيعي التي تضع مبادئ القانون الطبيعي فوق القانون الوضعي وفوق الدولة، وهي تحكم على صلاحية القانون انطلاقًا من محتواه ومدى توافقه مع مبادئ العدالة والحرية. وهكذا، ينظر المفهوم الجوهري إلى القانون كما يجب أن يكون، خلافًا للمفهوم الشكلي الذي يجد أساسه في مذهب الوضعية القانونية، والذي يرى أصحابه أن الدولة تسمو على القانون، طالما أنها هي التي تضعه، ولا يمكن إلزام الدولة باحترام القانون إلّ من خلال مراعاة الإجراءات والأشكال بوصف ذلك شرطًا وحيدًا لسلامة القاعدة القانونية.

2. بناء مفهوم دولة القانون الديمقراطية عبر الحقوق الدستورية

على الرغم من أن الديمقراطية حافظت، بوصفها مفردة، على تركيبتها اللغوية الأصلية اليونانية القديمة حتى الآن، باعتبارها تشير إلى حكم الشعب Kratos Demos، فإن محتواها كان على الدوام محل تغيير وإضافة، إلى درجة أنه أصبح واسعًا جدًا وغير محدد. وبالنظر إلى هذا الانتشار للمصطلح وغناه وتجدّد مضمونه باستمرار، فإن مجرد تعريف الديمقراطية باعتبارها حكم الشعب، ما عاد سوى شعار لا يحدّد أيّ نطاق مفاهيمي واضح لها. يتّصف مصطلح الديمقراطية، إذًا، ب "سيولة مفهومية هائلة"؛ وقد يكون هذا راجعًا إلى محمولات المصطلح الفكرية والإجرائية التي طرأت طوال التاريخ الموغل في القِدَم. وتكشف هذه السيولة عن

  1. Raz, p. 214.
  2. Jeffery Goldsworthy, Parliamentary Sovereignty (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), p. 64.
  3. Trevor R.S. Allan, "Legislative Supremacy and the Rule of Law: Democracy and Constitutionalism," Cambridge Law Journal , vol. 44, no. 1
  4. Paul P. Craig, "Formal and Substantive Conceptions of the Rule of
  5. (March 1985), p. 112.
  6. Law: An Analytical Framework," Public Law , no. 3 (Autumn 1997), p. 467. 16  Nicholas Emiliou, The Principle of Proportionality in European Law: A Comparative Study (London: Kluwer Law International, 1996), p. 41. 17  Bleckmann, p. 10.

نفسها أحيانًا في اضطرارنا إلى إضافة صفة أخرى إلى المصطلح، تستبطن محمولً آخر18. بعيدًا عن تشعّبات المفهوم وتناثره عبر حقول معرفية متعددة، أصبحت الديمقراطية، من الناحية العملية، تُختزَل في صيغة الديمقراطية التمثيلية التي تقوم على أساس انتخاب ممثلين يتولون السلطة باسم الشعب. وتفترض الديمقراطية بهذه الصورة وبناءً على تحليل دستوري صرف، انتقال السيادة الشعبية إلى الممثلين المنتخبين الذين يشكلون مجلسًا نيابيًا يتولّ صلاحية التشريع باسم الشعب. يقدّم بعض أصحاب تيارات النظرية الديمقراطية انتقاداتٍ عميقة، على المستوى النظري، لمبدأ التمثيل، وفقًا للتحليل السابق. ويذهب)، الذي 1778-1712(Jean-Jacques Rousseau جان جاك روسو يُعد أحد أبكر هؤلاء النقّاد وأقواهم، إلى أنه لا يمكن للأفراد على نحو مشروع أن ينيبوا آخرين للتصرف في سيادتهم؛ وألحّ على أن الديمقراطية التمثيلية لا تفسح المجال إلّ أمام لحظة مقتضبة من السيادة الشعبية حين يختار المواطنون ممثليهم، أما بين الانتخابات، فإن المواطنين سيكونون خاضعين عمليًا لسلطةٍ سيّدة موجودة في غير مكان، ولا يزال نقد روسو حاضرًا لدى الكثير من الآراء التي تدافع عن ديمقراطية المشاركة والديمقراطية المباشرة، والتي ترى أن الانخراط المتواصل في العملية السياسية ضروري للحفاظ على استقلال الفرد وإمكان إخضاع الدولة للمحاسبة19. يرى بعض الباحثين أنّ الديمقراطية التمثيلية، بوصفها نمطًا شائعًا للحكم الديمقراطي، تمرّ بأزمة، ويتم تفسير هذه الأزمة الراهنة عمليًا من خلال تطور أساليب وأطر التمثيل في حد ذاته. وما عاد تمثيل المواطنين يتم من مؤسسة واحدة فقط في إطار الدولة، بل من خلال العديد من المؤسسات، وفي بيئات مختلفة. إذًا، يمكن أن يواجه المواطنون صعوبةً في تحديد ممثليهم، ما يولّد لديهم الشعور بتضاؤل سلطات المنتخبين وتقلّص مسؤوليتهم نتيجةً لذلك، ويعزّز هذا الشعور حقيقة أن السياسيين كثيرًا ما يذكرون حدود صلاحياتهم لتبرير عدم قدرتهم على تغيير حياة المواطنين20. إنّ أحد أهم الانتقادات التي يوجّهها خصوم النظام الديمقراطي هو انتشار عدم الثقة بالأحزاب والبرلمانات وغيرها من الأجسام الوسيطة بين المواطن وعملية صنع القرار؛ إذ تصبح هذه العملية، في نظر الجمهور، مسرحًا للمساومات وائتلافات المصالح والصفقات الحزبية وطبخ القرارات بناء على المصالح الحزبية والشخصية، وحلبةً للمتسلّقين الذين يبيعون مواقفهم وولاءهم في مقابل المناصب22. لذلك، أصبح الادّعاء بالتمثيل الشعبي، مبررًا لسيادة البرلمان المطلقة، غيرَ مقبول، لأن هذا التمثيل يجب ألّ يؤدي بالضرورة إلى افتراض التطابق التام بين إرادة الشعب وإرادة ممثليه المنتخبين، إنما الشعب يعبّ عن إرادته العليا في الدستور وليس في القانون الذي هو في الحقيقة تعبير عن إرادة الممثلين، ويجب أن تكون هذه الأخيرة ثانوية وخاضعة في الوقت نفسه لإرادة الشعب التأسيسية والأصيلة المعبّ عنها في الدستور23. على أي حال، لا ينبغي لتعريف الديمقراطية أن يقتصر على مجموعة من الضمانات القانونية الشكلية، أو حتى على مبدأ سيادة الأغلبية فحسب. إن الديمقراطية قبل كل شيء هي احترام التطلّعات الفردية والجماعية التي توفّق بين تأكيد الحرية الشخصية وحق التماهي مع جماعة اجتماعية أو قومية أو دينية خاصة24. بناءً على هذه الانتقادات كلها للنمط التمثيلي للديمقراطية، بادر بعض الباحثين إلى اقتراح صيغ بديلة، أو مصحّحة، للديمقراطية التمثيلية، مثل الديمقراطية السياسية باعتبارها نظامًا للحكم يجب أن يفي بالمتطلّبات الآتية25: منافسة حقيقية وواسعة بين الأفراد والجماعات المنظمة (خصوصًا الأحزاب السياسية) على المناصب كلها المؤثرة في سلطة الحكومة، وذلك في فترات دورية منتظمة وبعيدًا عن القوة.

مستوى مشاركة سياسية شامل، لاختيار القادة والسياسات، على الأقل من خلال انتخابات منتظمة ونزيهة. مستوى كافٍ من الحريات المدنية والسياسية، مثل حرية التعبير وحرية الصحافة وحرية تشكيل المنظمات والانضمام إليها، يضمن نزاهة المنافسة والمشاركة السياسيتين.

  1. عصام فاهم العامري، المأزق العالمي للديمقراطية: بلوغ نقطة التحول (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.44
  2. قاموس أوكسفورد للعلوم الاجتماعية، ص.252
  3. Marie-Anne Cohendet, "Une Crise de la Représentation Politique?" Cités , vol. 18, no. 2 (Juin 2004), p. 43.
  4. زهير شكر، النظرية العامة للقضاء الدستوري، مج 1 (بيروت: دار بلال للطباعة والنشر، 2014)، ص.38
  5. آلان تورين، ما الديمقراطية؟ ترجمة عبود كاسوحة (دمشق: منشورات وزارة الثقافة السورية، 2000)، ص.23
  6. غيورغ سورنسن، 24 الديمقراطية والتحول الديمقراطي: السيرورات والمأمول في عالم متغير، ترجمة عفاف البطاينة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 32.

تبدو الحاجة ملحّة، إذًا، إلى ضبط مفهوم دستوري للديمقراطية حتى يمكن تحديد المتطلّبات الأساسية التي من شأنها أن تسمح بوصف نظام دستوري ما بأنه نظام ديمقراطي، وأيضًا ضمان تلاقي هذا المفهوم نظريًا مع مبدأ دولة القانون بالمفهوم الجوهري الذي شرحناه سابقًا. وعلى الرغم من أن الديمقراطية تترجم دستوريًا من خلال عبارات تتضمنها الدساتير الحديثة، مثل "الشعب مصدر كل سلطة" وأن "الدولة تستمد سلطتها ومشروعيتها من الشعب" أو أن "السيادة للشعب"، فإن هذه الصياغات لا توضح أيّ محتوى دستوري للديمقراطية، خصوصًا أن بعض هذه الدساتير ينص على الديمقراطية طابعًا لنظام الحكم في الدولة، أو أساسًا لتنظيم ممارسة السلطة. في سبيل ذلك، انطلق عددٌ من الباحثين في تعريفهم الديمقراطية من معيار الفرد، وليس من معيار المجموعة، وهم يعتقدون أنّ الديمقراطية، بوصفها مفهومًا دستوريًا، لا يمكن أن تقوم إلّ على أساس حفظ الكرامة الإنسانية بما تتضمنه من حقوق فردية. في هذا السياق، يبني بيتر هابرلي، مثلً، نظريته القانونية للديمقراطية على قناعة بشأن طبيعة العلاقة بالآخرين. وفي كتابه الدولة الدستورية، يُخضع المؤلف الألماني أيّ تفاعل مشروع في المجموعة لشرط الاعتراف بالكرامة المتساوية للآخر، وهذه الكرامة الإنسانية تسبق بالضرورة أيّ تنظيم للسلطة، لأنها مرتبطة بطبيعة الإنسان ذاتها، ولا يتدخل إجراء تنظيم السلطة إلّ في مرحلة ثانية. ولذلك، يجب أن يحترم هذا الإجراء مبدأ أسمى موجودًا مسبقًا، يُعتبر شرطًا لشرعيته، وهو احترام الكرامة الضرورية لكل إنسان26. ساهم هذا التحليل المتعلق بمكانة الحقوق والحريات في النظام الديمقراطي في تغير مفهوم الديمقراطية في حد ذاتها من خلال بروز صيغة جديدة لها في حقل دراسات القانون الدستوري، وهي "الديمقراطية الدستورية"؛ ذلك أنه إذا كانت الديمقراطية تعبّ في الطرح التقليدي عن الديمقراطية بواسطة القانون، باعتباره نتاج هيئة تمثيلية منتَخبة هي البرلمان، فإنّ صيغتها الحديثة تتجسّد في الديمقراطية بوساطة الدستور27، وسيكون الدستور وفق هذا المفهوم الجديد للديمقراطية هو ذلك الذي يضمن حماية الحقوق الدستورية، خصوصًا في مواجهة إرادة الأغلبية. إنّ الدستور المشروع هو ذلك الذي يعبّ عن الإرادة أو الروح العامة للشعب، ويتم فيه التشديد الواضح على الحقوق والحريات؛ ذلك أنه إذا ما كانت الحرية هي الشرط الأساسي للكرامة الإنسانية والهدف الأسمى للدولة، وفق المبدأ الذي أتى به مونتسكيو Montesquieu 1755-1689)(واعتنقه روسو وفريدريش هيغل،) في ما بعد 1831-1770(Georg Wilhelm Friedrich Hegel فإنّ تحقيق الشعب هذه الحرية يقتضي أن يحكم نفسه عن طريق القوانين الصادرة عن إرادته مباشرةً والمعبّة عن مصلحته. إنّ الدستور المشروع من هذه الزاوية هو باختصار ذلك الدستور الذي يحمي حقوق المواطنين وحرياتهم التي لا يمكن من دونها تحقيق أيّ عملية تقدّم اجتماعي، خصوصًا تلك الحريات الفردية والجماعية المتعلقة بالضمير والاعتقاد والرأي والسرية والملكية والتجمع والتنقل والتصويت والسلامة... إلخ28. من الواجب الاع اررف، إذًا، أنّ هناك توافقًا طبيعيًا بين الحقوق الدستورية والديمقراطية؛ إذ إن هناك حقًا أساسيًا لازمًا للعملية الديمقراطية ذاتها، وهو الحق في المساواة لكل فرد في المشاركة في اتخاذ القرار، كما أن هناك حقوقًا أخرى يؤدي الاعتراف بها إلى توفير الشروط اللازمة لمشروعية أيّ عملية ديمقراطية تكون فيها سلطة الأغلبية مبررة، مثل الحق في التعبير، والحق في الاجتماع، وغيرهما. بذلك، فإنّ الحقوق الأساسية ضرورية لتوفير بيئة صالحة للعملية الديمقراطية ومشروعيتها29. لذلك، صار من الممكن تجاوز الانتقادات السابقة للديمقراطية التمثيلية من خلال توسيع مفهوم الديمقراطية باعتبارها قيمةً، ليصبح مفهومًا جوهريًا يعكس غنى محتواها وارتباطها بعناصر أخرى، من أهمها الحقوق الأساسية، حتى وإن اتخذت هذه الحقوق طابعًا فرديًا لا يتعلق بالضرورة بالحقوق الجماعية الضرورية للديمقراطية30. لا يعني منطق الديمقراطية الدستورية - كما يشرح منظّروها - منح سلطة وضع القرار للأقلية، إنما منحها إمكان الاستمرار في التدخل، بين لحظتين انتخابيتين، في عملية تشكيل الإرادة العامة من خلال إجبار الأغلبية على أخذ وجهات نظر الأقلية على محمل الجد والتداول، وإذا لزم الأمر، دمج هذه الوجهات في القرار النهائي31.

  1. 29  Cass R. Sunstein, Designing Democracy: What Constitutions Do (Oxford: Oxford University Press, 2002), p. 132.
  2. 30  Stéphane Pinon, "La notion de démocratie dans la doctrine constitutionnelle française," Revue Politeia , no. 10 (Décembre 2006), p. 452.
  3. فائق حويجة، "دولة القانون في الدستور السوري: قراءة في الدستور السوري الدائم تبيّ، العدد وتجديده المتطابق"، 4 (ربيع 2013)، ص.70
  4. Jeremy Waldron, Law and Disagreement (Oxford: Oxford University Press, 1999), p. 232.
  5. 25  Peter Häberle, L'État constitutionnel , Marielle Roffi (trad.) (Aix-en- Provence: Presses Universitaires d'Aix-Marseille, 2004), p. 142.
  6. 26  Dominique Rousseau, Droit du contentieux constitutionnel , 7 ème éd. (Paris: Montchrestien, 2010), p. 489.

إجمالً، تهدف نظريات الديمقراطية الدستورية، في الأساس، إلى قطع الصلة التلقائية بين الانتخابات والشرعية الديمقراطية. وتسعى هذه النظريات، عبر الاستناد إلى حجج مختلفة، لتأكيد أنّ الديمقراطية لا تقتصر على وسيلة لممارسة السلطة فحسب، بل إنّ لها معنىً ماديًا مرتبطًا بمكانة الفرد فيها. وسيؤدي هذا المحتوى القانوني المادي لمفهوم "الديمقراطية" إلى الاقتناع بأنه لا يمكن تغليف القرارات تلقائيًا في عباءة الشرعية الديمقراطية لمجرد أنها نابعة من منظومة ناتجة من الانتخابات. لقد صارت الدستورية هي النموذج الجديد للشرعية الديمقراطية، ومن ثم فإن الديمقراطية الدستورية هي بالفعل تصوّر ثوري، لأنه يسعى لتحديد التمثيل في إطار دستوري يُفترض أنه يضمّ قيمً أعلى32. هكذا صارت الحقوق والحريات الأساسية أهم الركائز التي يقوم عليها النظام الديمقراطي، ولذلك سعت الدساتير الحديثة للاعتراف بها صراحةً. وما عاد القانون الدستوري قانونًا للمؤسسات السياسية فحسب، بل أصبح ميثاقًا للحريات، وهذه الظاهرة المعبَّ عنها بدسترة الحقوق والحريات هي التي دفعت إلى إكساء مفهوم دولة القانون معنىً مكتملً، حيث أصبح هدفها الأول حماية الحقوق والحريات33. إنّ البناء على فكرة الحقوق الدستورية بوصفها عنصرًا في التعريف القانوني للديمقراطية، سيساهم في توسيع مفهوم الديمقراطية ليستوعب فكرة خضوع الدولة للقانون، حيث يصبح مبدأ دولة القانون، بمفهومه الجوهري، أحد المتطلّبات الجوهرية لأيّ حكم ديمقراطي.

بالفعل، يهدف مبدأ دولة القانون، أساسًا، إلى تحديد سلطة الدولة بوساطة القانون عبر تقييدها بقيم الحقوق الدستورية. ويذهب آلان تورين Touraine Alain في بحثه عن الديمقراطية، إلى أنه ليس لمبدأ ما أهمية مركزية في الفكر الديمقراطي، أكثر من مبدأ تحديد سلطة الدولة الذي ينبغي أن يحترم الحقوق الأساسية الإنسانية. إنّ الخصم الرئيس للديمقراطية في القرن العشرين ما عاد ملكية الحق الإلهي أو سيطرة أوليغارشية من الملّ ك العقاريين والإقطاعيين، إنما هو الحكم المطلق، وما من شيء يفوق أهمية الاعتراف بحدود سلطة الدولة من أجل محاربته34.

علاوةً على ذلك، يُعدّ مبدأ دولة القانون مؤشرًا من مؤشرات قياس جودة الديمقراطية في حد ذاتها، وفي هذا الصدد، فإنّ "دولة قانون ديمقراطية جيدة" هي تلك الدولة التي تضمن حقوقًا سياسية وحريات مدنية وآليات لتحقيق مبدأ المساءلة الذي يؤكد وجود المساواة السياسية المطلوبة بين المواطنين، ويقطع الطريق على أي تعسّف محتمل في ممارسة السلطة، وانطلاقًا من ذلك، تؤثّر دولة القانون، على نحو وثيق، إضافةً إلى أبعاد أخرى، في جودة الديمقراطية ونوعيتها35. لهذا، صار مبدأ دولة القانون يمثّل حجر الزاوية بالنسبة إلى الديمقراطية الدستورية المعاصرة كما تم تجسيدها من خلال دورها في ترسيخ التحولات الأخيرة من الأنظمة الاستبدادية أو الشمولية إلى الديمقراطية في أوروبا الشرقية خصوصًا. وتتطلّب دولة القانون، وفقًا لهذا التحليل، ألّ تُخضع الدولة المواطنين إلّ للقوانين التي يتم إصدارها علنًا، وأن تكون الوظيفة التشريعية للدولة منفصلة عن الوظيفة القضائية، وألّ يكون أحدٌ داخل النظام السياسي فوق القانون. وهكذا، صار الحدّ من سلطات الحكومة والتزام سيادة القانون وحماية الحقوق الأساسية الخصائص الأساسية للمذهب الدستوري الحديث36. يربط بعض الباحثين بين الديمقراطية الدستورية بوصفها مبدأً قانونيًا والليبرالية بوصفها مذهبًا سياسيًا، في محاولة لتعزيز الارتباط بين الديمقراطية ودولة القانون. وينطلق هؤلاء في بناء مفهوم "الديمقراطية الدستورية الليبرالية" من خلال ثلاثة عناصر أساسية منفصلة من حيث مفهومها، لكنها متشابكة من الناحية الوظيفية. وفي تفصيل ذلك، فإن "الديمقراطية الدستورية الليبرالية" تفترض37:

  1. Luc Klein, "Démocratie constitutionnelle et constitutionnalisme démocratique: Essai de classification des théories juridiques de la démocratie,"
  2. عبد المنعم كيوة، "القيود الدستورية في تحديد القانون لضوابط الحقوق والحريات الأساسية في الدساتير الحديثة بالبلدان العربية: دراسة مقارنة"، في: زيد العلي ومحمود
  3. تورين، ص.63
  4. Guillermo O'Donell, "Why the Rule of Law Matters," in: Larry Diamond & Leonardo Morlino (eds.), Assessing the Quality of Democracy (Baltimore: John Hopkins University Press, 2005), p. 3. 35  Michel Rosenfeld, "The Rule of Law and the Legitimacy of Constitutional Democracy," Southern California Law Review , vol. 74, no. 5 (July 2001), pp. 1307-1308. 36  Tom Ginsburg & Aziz Z. Huq, How to Save a Constitutional Democracy (Chicago: University of Chicago Press, 2018), p. 10.
  5. Revue française de droit constitutionnel , vol. 109, no. 1 (Mars 2017), p. 129.
  6. حمد ويوسف عوف (محررون)، الكتاب السنوي للمنظمة العربية للقانون الدستوري: 2016-2015 (تونس: المنظمة العربية للقانون الدستوري، 2017)، ص 123.

نظامًا انتخابيًا ديمقراطيًا، يسمح على وجه الخصوص بانتخابات دورية، حرة ونزيهة، حيث يقبل الطرف الخاسر نتيجتها لمصلحة الفائز. ضمان بعض الحقوق والحريات التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعملية الديمقراطية في حد ذاتها، مثل حق التعبير والتجمع. ضمان حدٍّ معيّ من النزاهة والسلامة في القانون وفي المؤسسات القانونية عمومًا، يسمح بالتزام الديمقراطية من دون خشية أو إكراه.

في الحصيلة، ستساهم الديمقراطية الدستورية بوصفها مبدأ من الناحية الدستورية في الوصول إلى نقطة التلاقي بين مفهومَي دولة القانون والديمقراطية؛ إذ يفترض هذا المبدأ التحوّل في مفهوم الدستور، ليصبح "دستور الحقوق والحريات"، وهكذا، تؤدي الحقوق الدستورية دورًا حاسمً في بلورة مفهوم الديمقراطية الدستورية، تمامًا وبالدرجة نفسها التي ساهم بها هذا المفهوم في إعادة تعريف مبدأ دولة القانون. لا بد من التأكيد هنا أنه لا تعارض بين الديمقراطية ودولة القانون بالمفهوم السابق، بل إنهما قيمتان يعتمد بعضهما على بعض. إن الدستور هو التصرف القانوني والديمقراطي الأساسي الذي يحدد إطار عمل المشرّع، والذي يحوّل السياسة بوساطة الأغلبية البرلمانية إلى قانون. ومن ثم، يكمل الدستور والتشريع بعضهما بعضًا. باختصار، فإن الحرية والديمقراطية دعامتان للقانون، يُنَصّ عليهما في الدستور، والغرض من الديمقراطية هو تحقيق حرية الفرد بصفته عضوًا في المجتمع من خلال منحه حق المشاركة السياسية38. إن الحقوق والحريات الأساسية هي العنصر المشترك الذي يجمع بين مفهومَي دولة القانون والديمقراطية، فيصبح مفهوم دولة القانون الديمقراطية ينصرف إلى تلك الدولة التي يكون نظامها الدستوري قائمًا على خضوع السلطات كلها للدستور المعبّ عن سموّ الحقوق والحريات، وعلى وجود ضمانة لهذا السموّ تتمثل في رقابة القضاء الدستوري. لذلك، فإنّ قيمً مثل الديمقراطية والحقوق والحريات الأساسية، وكذلك دولة القانون، تمثّل العناصر الأساسية للبنية الدستورية كما يقتضيه مذهب الدستورانية الحديثة، وستسمح هذه العناصر التي يقوم عليها النظام الدستوري بتهيئة البيئة القانونية المناسبة لمباشرة عملية الانتقال الديمقراطي. إذا كان الانتقال الديمقراطي عملية متعددة الأبعاد، فإنّ "الانتقال الدستوري" يمثّل إحدى الحلقات الأساسية والضرورية في عملية التحول إلى الديمقراطية باعتباره الإجراء القانوني المؤسس لهذا التحول. وكما أن الانتقال الديمقراطي يفترض الانتقال من نظام غير ديمقراطي إلى نظام ديمقراطي، فإنّ الانتقال الدستوري المرافق له يفترض التحوّل من دستور شكلي لا يراعي ضمانات الحقوق والحريات، إلى دستور ينصّ على صيغة ديمقراطية لمبدأ دولة القانون بمفهومها الجوهري الذي يقوم أساسًا على سموّ الحقوق الدستورية من دون الإخلال بسلطة الأغلبية المستمدة من المبدأ الديمقراطي نفسه.

ثانيًا: دسترة الحقوق الدستورية أساس بناء دولة القانون الديمقراطية

على اعتبار أن الحقوق الدستورية تشكّل الرابط الذي يجمع بين دولة القانون والديمقراطية، فإن النصّ عليها في الدستور وترتيبها بوصفها قيمً دستورية عليا، يمثلّان متطلّبًا أساسيًا في دسترة دولة القانون الديمقراطية. لكن، من الواجب التأكيد أن مجرد دسترة الحقوق لا يضمن عدم انتهاكها، ولذلك تُعدّ رقابة القضاء الدستوري متطلّبًا إجرائيًا لدولة القانون الديمقراطية من خلال ضمان "القيمة الدستورية" للحقوق وسموّها من جهة، وتحقيق التوفيق بينها وبين الأهداف العامة التي تسعى الأغلبية لتنفيذها عبر القانون استنادًا إلى مبدأ التمثيل، من جهة أخرى.

  1. Rainer Arnold, "L'État de droit comme fondement du constitutionnalisme européen," Revue Française de Droit Constitutionnel , vol. 100, no. 4 (Décembre 2014), p. 773.

1. سموّ الحقوق الدستورية بوصفها مبادئ جوهرية في دولة القانون الديمقراطية

أصبح تجسيد المبدأ الديمقراطي يفرض أن ينصبَّ الاهتمام في النص الدستوري على ضمان حقوق المحكومين وحمايتها، أكثر من تنظيم مركز الحكام وصلاحياتهم، وسوف يؤدي ذلك في النتيجة إلى تغيير مفهوم الدستور، ليصبح "ميثاقًا للحقوق والحريات"39. يجد مصطلح الحقوق والحريات الأساسية أصوله في النظام الألماني الذي يتضمن عددًا من الحقوق والحريات المحمية دستورًا، وتُعرَّف لدى الفقه الألماني بمصطلح الحق الأساسي  Grundrecht 40. وفي الحقيقة، فإن الحقوق الأساسية والديمقراطية هي قيم ترتبط بمبدأ الدولة الاجتماعية التي يتم التعبير عنها في ألمانيا من خلال بند موضوعي من الدستور، هو الحق في الكرامة الإنسانية، وفي البلدان الأخرى من خلال وجود حزمة من الحقوق الاجتماعية المحددة التي تهدف إلى تعزيز رفاهية الفرد، وتشكّل في الوقت نفسه مبادئ توجيهية للمشرّع41. كان يُنظر إلى الحقوق الدستورية في ألمانيا في القرن التاسع عشر باعتبارها مبادئ توجيهية للمشرّع، ومع ذلك نصّ دستور فرانكفورت لعام 1849 على طرائق طعن دستورية لتفعيل حماية الحقوق الدستورية باعتبارها حقوقًا شخصية في مواجهة المشرّع. بالمثل، أنشأ الدستور النمساوي لعام 1867 وسيلة انتصاف دستورية لتنفيذ الحقوق الأساسية القليلة المنصوص عليها في الدستور، وفي القرن التاسع عشر، استقرّ مبدأ عدم التدخل في الحريات والحق في الملكية، خصوصًا، إلّ بموجب القانون، وقام الافتراض على أن المشرّع "الديمقراطي" هو ذلك المشرّع الذي يحترم الحقوق الأساسية42. فُهم النظام القانوني للحقوق الأساسية عبر التاريخ الدستوري الألماني، والأوروبي عمومًا، باعتباره حمايةً للأفراد من تدخّل الدولة، لكن، ينظر المفهوم الجديد إلى هذه الحقوق أيضًا باعتبارها وسيلة للحماية من أيّ تدخّل أو مساس بها حتى من مؤسسات أو هيئات أخرى، الأسرة مثلً. وإجمالً، صارت الحقوق الأساسية تؤسس لنظام القيم الذي يوجّه تفسير النظام القانوني الألماني بأكمله43. يعود هذا التكريس لمكانة الحقوق والحريات ضمن الدستور، في أصوله، إلى إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي لعام 1789، الذي أكد ضمانة الحقوق والحريات معيارًا لوجود دستور؛ إذ جاء في المادة 16 منه، أنّ "كل مجتمع لا تُضمن فيه الحقوق ولا الفصل بين السلطات بشكل محدد ليس له دستور." بما أن للدستور قيمة أعلى من القانون، فإنه حينما توضع القواعد ضمن الدستور، فإنها تحظى بأعلى المراتب في النظام التسلسلي، ما يجعل القواعد الأخرى أقل منها شأنًا، وتوافرت لديها حماية أكثر، ولهذا دأبت الدولة الدستورية على إلحاق مجال الحقوق والحريات بالاختصاص التأسيسي، أكثر منه بالاختصاص التشريعي، ضمانًا منها لهذه الحقوق والحريات44. في هذا السياق، من الواجب التأكيد أن الحقوق والحريات يجب أن تكون "أساسية"، بمعنى أن تكون مستمدة مباشرةً من القاعدة الأساسية في النظام القانوني، أي الدستور، وتُعرّف هذه الحقوق كذلك بالحقوق الدستورية، نسبة إلى مصدرها القانوني، وهي تختلف عن الحقوق والحريات العامة التي يعود اختصاص تنظيم ممارستها إلى المشرّع. وبناء عليه، يعتمد التمييز بين العبارتين على معيار تأسيسي يتمثل في مصدر الاعتراف بالحريات والنظام الذي يتضمّن قواعد حمايتها. إن الحريات الأساسية أو الحقوق الدستورية إنما تضمنها القواعد الأعلى في النظام القانوني، وهي قواعد الدستور، ومن ثم، فإنّ لها وضعًا دستوريًا مستمدًّا من الاع اررف بها وحمايتها عن طريق القضاء الدستوري، وتكون مضمونة في مواجهة الدولة والسلطات العامة كلها، بما فيها السلطة التشريعية، أما الحريات العامة، فيكون مصدرها التشريع الصادر عن البرلمان، ويتضمن عددًا من القواعد القانونية التي تنظم ممارسة الحق وضماناته، وهذا النظام التشريعي مُلزم للهيئات الإدارية كونه يتعلق بمبدأ المشروعية الإدارية الذي يضمنه القضاء الإداري. يختلف الباحثون في الأساس الذي تقوم عليه فكرة سموّ الحقوق الدستورية، ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى العديد من النظريات التي تُبنى على فكرة سموّ هذه الحقوق على غيرها من القيم الدستورية الأخرى، مثل نظرية "الأوراق الرابحة" التي أسّس لها

  1. Rousseau, p. 399.
  2. Michel Fromont, "Les droits fondamentaux dans l'ordre juridique de la République Fédérale d'Allemagne," in: Marcel Waline (ed.), Recueil d'études en hommage à Charles Eisenmann (Paris: Cujas, 1975), p. 64.
  3. Rainer, p. 772.
  4. Sommermann Karl-Peter, "Droits fondamentaux constitutionnels
  5. Bleckmann, p. 10. 43 يوسف حاشي، في النظرية الدستورية (بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية،)2009،
  6. et droits fondamentaux européens," Annuaire international de justice constitutionnelle , vol. 15 (Septembre 2000), p. 354. ص.420

الفيلسوف القانوني الأميركي رونالد دوركين 2013-1931()، وذهب فيها إلى أن الحقوق يجب أن يُنظر إليها بوصفها أوراقًا رابحة في مواجهة أي تبريرات لتقييدها تتعلق بقرارات سياسية تحدد هدفًا ما لمصلحة المجموعة بأكملها، وأن الحكومة التي تأخذ الحقوق على محمل الجد، لا يمكن أن تلجأ إلى تقييدها لمصلحة أي اعتبارات أخرى، ولا يمكن اعتبار الأهداف الجماعية مبررًا كافيًا لحرمان الأفراد مما يرغبون في القيام به، ولا حتى مبررًا للمساس بحقوقهم والإضرار بها. يشرح دوركين أساس مقاربته للحقوق السياسية بوصفها أوراقًا رابحة، كما يصفها، بقوله: "إن معظم الأعمال المشروعة لأي حكومة، ينطوي على مقايضة لمصالح الناس المختلفة، وتعود هذه الأعمال بالنفع على بعض المواطنين وتحرم الآخرين، وذلك من أجل تحسين رفاهية المجتمع برمته، غير أن هناك مصالحَ معيّنةً لعدد من الأفراد مهمة جدًا، حيث يكون من الخطأ - من الناحية الأخلاقية - أن يضحّي بها المجتمع لأجل تأمين فائدة شاملة فحسب، فالحقوق السياسية تميز هذه المصالح وتحظى بحماية خاصة، والحق السياسي هو ورقة رابحة تتجاوز أي حجة للمقايضة التي تبرّر عادةًالعمل السياسي"45. أما الفيلسوف القانوني الألماني روبرت ألكسي، فيذهب في تحليله طبيعة الحقوق الدستورية وتبرير سموّها إلى أن هذه الحقوق تُعتبر مبادئ وليست قواعد، وهو ينطلق في هذا التحليل من تمييز معياري بين القواعد والمبادئ؛ فالقواعد تتطلب شيئًا ما على نحو نهائي، إنها أوامر نهائية، ولذلك إذا كانت القاعدة صالحة، واكتملت شروط تطبيقها، فهي تتطلّب قطعًا تنفيذ ما تأمر به، فإذا تم القيام بما تأمر به، فإنه قد تمّ الامتثال لها، وإذا لم يتم ذلك، فهذا يعني أنّ القاعدة لم تُنفّذ ولم تُطبّق كلّيًا. على خلاف القواعد، تتطلب المبادئ في تحليل ألكسي تنفيذ أفضل ما هو ممكن، وهذا يعني بالنسبة إلى المبادئ أن هناك شيئًا ما يجب تحقيقه ب "القدر الأكبر الممكن أو الأفضل"، نظرًا إلى الإمكانات القانونية والواقعية46. هكذا يسعى ألكسي للتأكيد أن المبادئ لا يشترط فيها أن تُطبّق، أو لا تُطبّق فوريًا وعلى نحو كامل، بل إن نطاق تطبيقها مرن ومتحرك؛ حيث إنها تعبّ عن متطلّبات الأفضلية التي تقاس هنا، بحسب ألكسي، بالمدى الذي وصل إليه تطبيق المبدأ ذاته، أما القاعدة القانونية، فهي على خلاف ذلك، نقطة ثابتة، حيث إنها إما أن تطبّق أو لا تطبّق، ولا مجال في الحديث عن القواعد عن "مدى أفضل أو ممكن" للتطبيق، وبالنسبة إلى الحقوق الدستورية فإنها تعتبر، وفقًا للتحليل السابق، مبادئ دستورية يجب ضمان تطبيقها إلى أقصى قدر ممكن، وهذا ما يعني أن الحق لا يمكن أن يكون مطلقًا في الأصل؛ ولذلك فإن سموَّ الحقوق الدستورية مرتبطٌ بالقدر الذي يصل إليه التمتّع بالحق. أيًا كانت الأسس النظرية التي تبرر هذه المكانة للحقوق الدستورية في الدستور، فإن ضمان قيمتها الدستورية يجب أن يحلَّل باعتباره أحد المبادئ الضرورية في النظام الديمقراطي، ولن تتحقق هذه القيمة بدايةً إلّ عبر دسترة الحقوق الأساسية ومنحها، من ثم، قيمتها الدستورية حتى تبقى هذه الحقوق مرتبة في أعلى الهرم القانوني باعتبارها تنتمي إلى مرتبة القواعد الدستورية العليا. كانت الإعلانات والمواثيق الشكل الأكثر شيوعًا في تجسيد القيمة العليا للحقوق والحريات، ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى الماغنا كارتا في بريطانيا لعام 1215 وما تلاها من عهود ومواثيق، وكذلك إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789. أما في الوقت الحالي، فإن دسترة الحقوق والحريات تتم غالبًا من خلال تخصيص فصل كامل لها في وثيقة الدستور، على أن يتم تحديد تلك الحقوق الدستورية غير القابلة للمساس بها من المشرّع، التي تحظى بحماية القضاء الدستوري. ويُعتبر النموذج الألماني أهم مثال على ذلك، حيث يضم الفصل الأول من القانون الأساسي الألماني الصادر في عام 1949 عشرين مادة تتضمن الحقوق الأساسية، وقد نصّت الفقرة الثالثة من مادته الأولى على أنّ "الحقوق الأساسية المنصوص عليها أدناه تُلزِم السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية باعتبارها تشريعات نافذة مباشرة"ً47.

2. القضاء الدستوري بوصفه ضمانة لمبدأ دولة القانون الديمقراطية

على الرغم من تكريس الحقوق والحريات الأساسية باعتبارها قواعد عليا في الدستور، فإنها تبقى في حاجة إلى الحماية الفاعلة، ولذلك تشكل العدالة الدستورية بوجه عام ضمانة لنفاذ القاعدة الدستورية وجعلها قاعدة ذات جزاء؛ ففي غياب العدالة الدستورية يصبح الدستور، بما فيه تلك القواعد المتعلقة بالحقوق والحريات الأساسية، مجرد برنامج سياسي ليست له إلزامية إلّ من الناحية الأخلاقية،

  1. Ronald Dworkin, Is Democracy Possible Here? Principles for a New Political Debate (Princeton: Princeton University Press, 2008), p. 31.
  2. Robert Alexy, A Theory of Constitutional Rights , Julian Rivers (trans.) (Oxford: Oxford University Press, 2010), p. 47.
  3. Deutscher Bundestag, Basic Law for the Federal Republic of Germany , 23 May 1949, Last amended on 29 September 2020, Christian Tomuschat et al. (trans.) (Berlin: Deutscher Bundestag, 2021).

بل يُعتبَ في غياب أيّ نظام للعدالة الدستورية مجرد مجموعة من النصائح الجيدة ليستخدمها المشرّع، لكنه حرٌّ من الناحية القانونية في الأخذ بها أو تجاهلها48. لم يُعتبر غياب ضمانات الحقوق والحريات مشكلةً في بداية القرن العشرين، لأنّ تدخّل الدولة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي كان محدودًا جدًا، لكن، أصبح البرلمان، في النصف الثاني من القرن العشرين، يضع عشرات القوانين سنويًا، بل المئات أحيانًا، نتيجةً لتوسع وظائف الدولة وتعدّدها وتدخّلها في شؤون المجتمع، ما أدّى إلى زيادة احتمال التعرّض في هذه القوانين للحقوق والحريات، وما عاد منطق البرلمانية المطلقة المستند إلى مبدأ أن لممثلي الشعب سلطةً غير مقيّدة، قادرًا على الصمود، فتهاوى هذا المنطق تدريجيًا، كونه ينطوي على تهديد محتمل للحقوق والحريات الأساسية49. مع ذلك، ما زال النقاش بشأن مشروعية الرقابة الدستورية حاضرًا؛ إذ يرى بعض الفقهاء أنّ المصدر النهائي للقانون في الديمقراطية يكمن في إرادة أغلبية الشعب أو ممثليه المنتخبين، والأصل أن التشريع الذي يوضع بناء على قاعدة الأغلبية مشروعٌ بصورة ديمقراطية. ومن ناحية أخرى، تؤدي الرقابة القضائية على سلطة القضاة إلى إلغاء التشريع، على الرغم من أن هؤلاء القضاة لا ينتخبهم الشعب، وهم بذلك لا يمثلون المواطنين وغير مسؤولين أمامهم، ويترتب على ذلك، بحسب الرأي نفسه، أنّ الرقابة القضائية غير شرعية من حيث المبدأ، وأنّ على من يدّعي شرعيتها إثبات ذلك50. لا شك في أن رقابة القضاء الدستوري تمثل متطلّبًا إجرائيًا لبناء دولة القانون الديمقراطية بوصفها ضمانةً لثبات القيمة الدستورية للحقوق وعدم انتهاكها من المشرّع، ويجب التأكيد هنا أن مهمة القاضي الدستوري تنحصر في ضمان قواعد الدستور ومبادئه العليا التي تسمو على القانون، ولذلك، فإن الرقابة الدستورية هي رقابةٌ لمدى خضوع القانون للدستور ومبادئه، وليست رقابة مباشرة على القانون. إن التأسيس على مبدأ الإرادة العامة التي يعبّ عنها المشرّع من خلال القانون لمعارضة الرقابة الدستورية، لا ينبغي له أن يتجاهل أن هذه الإرادة العامة إنما تعلوها إرادة تأسيسية تفرز منظومة من القيم المُثبتة في وثيقة الدستور، وتشكل الحقوق الدستورية أهم هذه القيم التي يعود إلى القضاء الدستوري ضمان قيمتها الدستورية وحمايتها من أي تدخّل تشريعي يمسّ بها. في الأحوال كلها، من الضروري تجاوز هذا الجدل بشأن أساس الرقابة الدستورية والبحث عن مجال للتوفيق بين سلطة المشرّع المستمدّة من الديمقراطية، وسلطة القضاء التي تُستمدّ من حماية الدستور وسموّه، ولذلك فإن ما يبدو صراعًا بين السلطتين القضائية والتشريعية في هذا الصدد، يمكن أن يتحوّل إلى حوار بينهما وفق ما يذهب إليه بعض الباحثين في إطار نظرية حوار السلطتين التشريعية والقضائية، التي تعتبر الرقابة القضائية، من حيث الواقع العملي، جزءًا من عملية حوار ضمني بين القضاة والمجلس التشريعي المنتخب. يتجسّد هذا الحوار في أن القرارات القضائية التي تهدف إلى حماية الدستور، والتي تلغي التشريعات المخالفة له، تكون دائمًا قابلة لنقضها على نحو غير مباشر، أو تعديلها أو تفاديها لاحقًا من خلال العملية التشريعية العادية، في حين أنه يمكن القضاة تقييم مدى سلامة القوانين وملاءمتها وفقًا لمبادئ الدستور، ويمكن بذلك الهيئات التشريعية احترام الأحكام القضائية أو تصحيحها، سواء من خلال إعادة صياغة قوانينها، أو سنّ تشريعات جديدة لتنفيذ الأهداف التشريعية السابقة نفسها51. لا تعني نظرية الحوار، بالضرورة، أن يكون للمشرّع والقاضي دورٌ متساوٍ، لكن يجب التأكد من أنه لا يكون لأيّ سلطة القدرة على فرض حلولها في كل الأحوال على باقي السلطات الأخرى. لذلك، يحتاج هذا الحوار إلى حدٍّ أدنى من المساواة حتى يمكن الجمع بين تحصيل المزايا وتقليل السلبيات الناجمة عن الحماية السياسية والقانونية للحقوق والحريات، ومن ثم، الموازنة بين المصالح المتنازعة. وهنا، فإن مدى تطبيق الحل الذي خَلصت إليه كل سلطة إنما يتعلق بقدرتها على استنتاج خلاصة أفضل من ناحية مشروعيتها، وأكثر ملاءمةً في ما يخص نطاق الحقوق وتطبيقها52. يضاف إلى ذلك أنه يمكن تبرير الرقابة القضائية في مجال الحقوق الدستورية، أيضًا، من خلال دور القاضي في ملاحظة ما إذا كانت هناك عيوب إجرائية جسيمة قد تضع مشروعية العمل التشريعي على المحك، وهناك العديد من المؤشرات التي تدل على فساد العملية

  1. Charles Eisenmann, La justice constitutionnelle et la haute cour constitutionnelle d'Autriche (Paris: Economica, 1986), p. 22.
  2. عصام سليمان، "دور القضاء الدستوري في مجال الحقوق والحريات"، في: الجمهورية اللبنانية، المجلس الدستوري، لبنان: دراسات في العدالة الدستورية، الكتاب السنوي السابع
  3. Luc B. Tremblay, "The Legitimacy of Judicial Review: The Limits of Dialogue between Courts and Legislatures," International Journal of Constitutional Law , vol. 3, no. 4 (October 2005), p. 619. 50  Tremblay, p. 623.
  4. للمجلس الدستوري (بيروت: المجلس الدستوري، 2013)، ص.93
  5. Alison L. Young, "Dialogue and its Myths," in: Geoffrey Sigalet, Grégoire Webber & Rosalind Dixon (eds.), Constitutional Dialogue: Rights, Democracy, Institutions (Cambridge: Cambridge University Press, 2019), p. 54.

التشريعية، مثل الإهمال الجسيم للقيم الدستورية الأساسية، أو إساءة تطبيقها، خصوصًا تلك المتعلقة بالحقوق الانتخابية أو الحق في التعبير بوصفها عناصر أساسية في النظام الديمقراطي، كما يمكن أن يكون تجاهل المشرع، على نحو ممنهج، مصالح فئات معيّنة، أو التمييز ضدّها، مؤشًّا على عيوب جسيمة في إجراءات التشريع، تتطلّب تدخّل الرقابة القضائية لتصحيحها53. لا جدال في أن مفهوم الحقوق الدستورية بوصفها قيمً دستورية عليا، لا يمنع سلطة الأغلبية من فرض قيود على هذه الحقوق بدعوى سموّ هذه الأخيرة وعدم قابليتها للتقييد؛ إذ إن دور القضاء الدستوري في هذا الشأن سيسمح بالبحث عن التوفيق بين المصالح الدستورية المتنازعة، سواء تلك المتعلقة بالحقوق التي لها قيمة دستورية، أو تلك التي تتعلق بالأهداف التشريعية التي تملك الأغلبية البرلمانية تقديرها بناء على التمثيل الشعبي الذي تحوزه. من الواضح أن للقاضي الدستوري دورًا حاسمً في ضمان سموّ الحقوق الدستورية، وتُعدّ الرقابة الدستورية عمومًا أحد العناصر الدستورية لتحقيق مبدأ الديمقراطية الدستورية من جهة، وضمان دولة القانون من جهة أخرى، وفي مجال الحقوق الدستورية، تظهر مهمة القاضي الدستوري من خلال مستويين للفحص: فحصٌ أول يهدف إلى تحديد مضمون الحق الدستوري من خلال تعريف المجال الذي يغطيه هذا المضمون، والثاني يتضمن تقييم المبررات التي من شأنها السماح بتقييد حق دستوري ما، أي بتحديد ما إذا كان الحق يتمتع بحماية كاملة، أم أن مجال هذه الحماية محدد54. علاوةً على ذلك، يتولّ القضاء الدستوري فحص التقييد التشريعي للحقوق الدستورية من الناحية الشكلية والإجرائية، ويهدف هذا الفحص، في الأساس، إلى التأكد من مطابقة الإجراءات التشريعية للدستور الذي نصّ على الأوضاع الإجرائية والشروط الشكلية التي تقيّد المشرّع في تنظيمه ممارسة الحقوق الدستورية. يلاحَظ أنّ المحاكم الدستورية في عدد من الدول الأوروبية، وكذلك في كندا، تجاوزت هذا الدور التقليدي للقضاء الدستوري في مراقبة مدى دستورية القوانين التي تتضمن مساسًا بالحقوق الدستورية، إلى فحص مدى ملاءمتها. وتعتبر المحكمة الدستورية الألمانية، إضافة إلى نظيرتها الكندية، سبّاقة إلى اعتماد رقابة ملاءمة القوانين التي تمسّ الحقوق، وهذه الرقابة عبارة عن فحص مهيكَل يهدف إلى التأكد من أن التقييد التشريعي للحقوق مناسب وضروري، ولا ينتهك الحق المستهدف على نحو يخلّ بالتوازن المفترض بين منافع القانون التي يهدف إليها وأضراره التي قد تنتج من المساس بالحق. يتأكد القاضي الدستوري عند فحصه دستورية القوانين التي تتضمن تقييدًا لحق دستوري في أول فحص لرقابة الملاءمة، من أنّ الوسائل التي اختارها المشرّع، والتي اقتضت تقييد حق من الحقوق، مناسبة وفاعلة في تحقيق أهدافه. وفي مرحلة ثانية يفحص القاضي ما إذا كانت هذه الوسائل ضرورية، أي لا توجد أي وسائل أخرى لدى المشرّع يتمكن من خلالها من أن يحقّق الأهداف نفسها من دون المساس بالحق الدستوري. وفي المرحلة الثالثة من رقابة الملاءمة، فإن على القاضي الدستوري البحث في مدى التوازن بين منافع تقييد الحق والأضرار الناجمة عن ذلك، وهنا يتأكد القاضي من أن المنافع العامة التي تتحقق من تقييد الحق الدستوري تفوق، في أهميتها، الأضرار الفردية الناجمة عن هذا التقييد، وعبر كل هذه المراحل، يمكن أن يصل القاضي الدستوري في النهاية إلى استنتاج ما إذا كان القانون الذي يقيّد الحقوق الدستورية ملائمًا. على الرغم من أهمية الانتقادات الموجّهة إلى رقابة الملاءمة، بسبب أنها تمنح القضاء سلطة تقديرية غير محددة في الرقابة على تقديرات المشرّع المنتخب ديمقراطيًا، فإنّ هناك من يذهب إلى أن رقابة الملاءمة تجد مبرّرها في مجال القضاء الدستوري المتعلق بالحقوق، انطلاقًا من أنّ تضمين مفهوم الحقوق الدستورية فكرة قابلية تقييدها لتحقيق مصالح عامة بواسطة القانون، يفرض منطقيًا رقابة الملاءمة، حيث سيتمّ، من خلال هذه الرقابة، التحقق ممّ إذا كان الهدف المنافس المتعلق بالمصلحة العامة يتجاوز في أهميته حقًا دستوريًا مطالبًا به، وفي هذه الحالة، تصير الملاءمة جزءًا أصيلً في المفهوم العام للحق الدستوري. لا شك في أن الدستور نفسه يتضمن فكرة الملاءمة، ما دام ينص على الحقوق الدستورية ويقرّر أولويتها باعتبارها قيمً دستورية، لكنه يمنح المشرّع المنتخَب ديمقراطيًا، في الوقت نفسه، سلطة تحقيق الأهداف التي ترسمها الأغلبية وتنفّذها بوساطة القانون، وإذا ما اقتضى تنفيذ هذه الأهداف تقييد حق دستوري معيّ، فإن مستوىً معينًا من الملاءمة والتوفيق بين هذه القيم الدستورية المتنازعة يبدو ضروريًا. وفي هذه النقطة تحديدًا يظهر دور القاضي الدستوري الذي يعود إليه في إطار دوره الطبيعي في ممارسة الرقابة الدستورية، أن يضمن مبدأ الملاءمة باعتباره أحد المقتضيات التي يفرضها استمرار نفاذ الدستور عبر إجراء فحص للتقييد التشريعي للحقوق، والتأكد

  1. John Hart Ely, Democracy and Distrust: A Theory of Judicial Review (Cambridge: Cambridge University Press, 1980), p. 103.
  2. Alexy, p. 196.
  3. Stephen Gardbaum, "A Democratic Defense of Constitutional Balancing," Law & Ethics of Human Rights Revue , vol. 4, no. 1 (April 2010), p. 82.

من أن الأهداف التي يسعى المشرّع لتحقيقها عبر تقييد الحق تفوق في أهميتها ووزنها قيمة الحق في حد ذاته.

خاتمة

يفترض بناء دولة القانون سنّ قاعدة قانونية ملزمة ومُعدّة وفق إجراءات محددة وواضحة سلفًا، لكن هذا المعنى الإجرائي لدولة القانون غير كافٍ؛ إذ يجب أن يستجيب محتوى قاعدة القانون نفسها لمعايير وقيم يؤمن بها المجتمع ويجد فيها تعبيرًا عنه، وهنا يندمج البعد الديمقراطي في مسألة بناء دولة القانون بما يضمن فائدة مزدوجة: الأولى، تكريس دولة القانون بقواعدها الإجرائية والشكلية التي لا غنى عنها لضمان صلاحية القاعدة القانونية؛ والفائدة الثانية، تسخير القانون الذي تضعه الدولة وتحويله إلى أداة لدعم عملية التحوّل الديمقراطي، ما دام يحمل في مضمونه مبادئ الديمقراطية نفسها. وهكذا، يمكن الاستنتاج من خلال تحليل مفهوم دولة القانون والديمقراطية أن المفهوميَن يشتركان في أنهما يُعتبران من مبادئ الدستورانية الحديثة، ولذلك من الممكن جمعهما ضمن مفهوم دولة القانون الديمقراطية في صيغة دستورية قادرة على أن تجمع في محتواها بين المبادئ القانونية من جهة، والقيم السياسية من جهة أخرى. إجمالً، تُعتبَ الحقوق الدستورية العنصر المشترك بين مفهومَي دولة القانون والديمقراطية، ولذلك فإن هذه الحقوق هي القيمة التي يمكن من خلالها نقل المفهومين المنفصلين نظريًا إلى مفهوم واحد يعبّ عن مبدأ دستوري يتمثل في دولة القانون الديمقراطية التي يمكن تحقيقها بواسطة معايير دستورية تضمن خضوع الدولة للقانون، وتضمن في الوقت نفسه ممارسة الحقوق والحريات الفردية في ظل نظام ديمقراطي يحفظ سلطة الأغلبية. من المهم التأكيد، في هذا السياق، أنّ دولة القانون الديمقراطية تتضمن صيغة متوازنة تجمع بين البعد القانوني الشكلي الذي تجسّده عملية التشريع، وما تتطلّبه من أشكال وأوضاع إجرائية معيّنة، والبعد الديمقراطي الذي تجسّده مجموعة الحقوق الدستورية. وهكذا، من الممكن الوصول إلى صيغة دستورية لدولة القانون الديمقراطية يمكن أن تشكّل أحد المسارات الأساسية في تحقيق عملية انتقال ديمقراطي شامل. مع ذلك، فإنّ فاعلية مبدأ دولة القانون الديمقراطية في دعم هذه العملية متوقفة على دور القضاء الدستوري في تفسير وتحديد المعايير الأساسية التي تحدّد مضمون هذا المبدأ، وتضمن في الوقت نفسه استمرار عمل السلطات الدستورية وثباتها من خلال التوفيق بين سلطة المشرّع وممارسة الحقوق الدستورية. يمثّل التوفيق بين سلطة الأغلبية المستمدة من المبدأ الديمقراطي وممارسة الحقوق والحريات الفردية أحد التحديات الأساسية التي يمكن أن تواجه أيّ عملية تحوّل ديمقراطي في مسارها الدستوري، ولسوف تساهم دولة القانون الديمقراطية باعتبارها مبدأ دستوريًا في ضمان أن يكون القانون الذي يُفترض أن تخضع له الدولة مجسّدًا للبعد الشكلي للقاعدة القانونية باعتبارها نتاج عملية تشريعية تحتكرها الأغلبية، وأن يكون جوهره متعلقًا في الوقت نفسه بالقيم والمبادئ الدستورية العليا، لا سيما تلك التي تتعلق بالحقوق الدستورية. وحتى لا يكون تصادم الأغلبية والأقلية عقبة يتعثّ عندها التحوّل الديمقراطي في كل مرة، فإن من الواجب في نظرنا تأكيد دسترة مبدأ دولة القانون الديمقراطية من خلال تحديد حزمة الحقوق الدستورية ذات القيمة الدستورية التي تُلزم السلطات كلها في الدولة، بما فيها البرلمان، وأيضًا، تأسيس قضاء دستوري تكون مهمته الأساسية ضمان التوفيق بين الأهداف العامة التي تملك الأغلبية تقديرها وتنفيذها عن طريق القانون، والمبادئ الدستورية الأعلى المتجسّدة في الحقوق الدستورية باعتبار أنّ ضمانها يُعدّ أحد الأهداف الأساسية للمجتمع الديمقراطي الذي تتجسّد إرادته في الدستور.

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. "الشعبوية والأزمة الدائمة للديمقراطية." سياسات عربية. العدد 40 (أيلول/ سبتمبر.)2019 تورين، آلان. ما الديمقراطية؟ ترجمة عبود كاسوحة. دمشق: منشورات وزارة الثقافة السورية،.2000 الجمهورية اللبنانية. المجلس الدستوري. لبنان: دراسات في العدالة الدستورية، الكتاب السنوي السابع للمجلس الدستوري. بيروت: المجلس الدستوري،.2013 حاشي، يوسف. في النظرية الدستورية. بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية،.2009 حويجة، فائق. "دولة القانون في الدستور السوري: قراءة في الدستور تبيّ. العدد السوري الدائم وتجديده المتطابق." 4 (ربيع.)2013 سورنسن، غيورغ. الديمقراطية والتحول الديمقراطي: السيرورات والمأمول في عالم متغير. ترجمة عفاف البطاينة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 شكر، زهير. النظرية العامة للقضاء الدستوري. بيروت: دار بلال للطباعة والنشر،.2014 العامري، عصام فاهم. المأزق العالمي للديمقراطية: بلوغ نقطة التحول. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 العلي، زيد ومحمود حمد ويوسف عوف (محررون.) الكتاب السنوي للمنظمة العربية للقانون الدستوري: 2016-2015. تونس: المنظمة العربية للقانون الدستوري،.2017 "كَلمٌ إحدى عشرةَ في الدستور والدستورية." ترجمة ثائر ديب. تبيّ. العدد 3 (شتاء.)2013

الأجنبية

Alexy, Robert. A Theory of Constitutional Rights. Julian Rivers (trans.). Oxford: Oxford University Press, 2010. Allan, Trevor R.S. "Legislative Supremacy and the Rule of Law: Democracy and Constitutionalism." Cambridge Law Journal. vol. 44, no. 1 (March 1985). Arnold, Rainer. "L'État de droit comme fondement du constitutionnalisme européen." Revue Française de Droit Constitutionnel. vol. 100, no. 4 (Décembre 2014). Bleckmann, Albert. "L'Etat de droit dans la Constitution de la République fédérale d'Allemagne." Revue Pouvoir. no. 22 (Septembre 1982). Deutscher Bundestag. Basic Law for the Federal Republic of Germany. 23 May 1949. Last amended on 29 September 2020. Christian Tomuschat et al. (trans.). Berlin: Deutscher Bundestag, 2021. Cohendet, Marie-Anne. "Une Crise de la Représentation Politique?" Cités. vol. 18, no. 2 (Juin 2004). Craig, Paul P. "Formal and Substantive Conceptions of the Rule of Law: An Analytical Framework." Public Law. no. 3 (Autumn 1997). De Malberg, Raymond Carré. Contribution à la théorie générale de l'État. Paris: CNRS, 1985. Diamond, Larry & Leonardo Morlino (eds.). Assessing the Quality of Democracy. Baltimore: John Hopkins University Press, 2005. Dworkin, Ronald. Is Democracy Possible Here? Principles for a New Political Debate. Princeton: Princeton University Press, 2008. Eisenmann, Charles. La justice constitutionnelle et la haute cour constitutionnelle d'Autriche. Paris: Economica, 1986. Ely, John Hart. Democracy and Distrust: A Theory of Judicial Review. Cambridge: Cambridge University Press, 1980. Emiliou, Nicholas. The Principle of Proportionality in European Law: A Comparative Study. London: Kluwer Law International, 1996. Gardbaum, Stephen. "A Democratic Defense of Constitutional Balancing." Law & Ethics of Human Rights Revue. vol. 4, no. 1 (April 2010).

Ginsburg, Tom & Aziz Z. Huq. How to Save a Constitutional Democracy. Chicago: University of Chicago Press, 2018. Sovereignty. Parliamentary Jeffery. Goldsworthy, Cambridge: Cambridge University Press, 2010. Häberle, Peter. L'État constitutionnel. Marielle Roffi (trad.). Aix-en-Provence: Presses Universitaires d'Aix- Marseille, 2004. Herrera, Carlos-Miguel. "Quelques remarques à propos de la notion d'État de droit." L'Homme et la société. no. 113 (Juillet 1994). Karl-Peter, Sommermann. "Droits fondamentaux constitutionnels et droits fondamentaux européens." Annuaire international de justice constitutionnelle. vol. 15 (Septembre 2000). Klein, Luc. "Démocratie constitutionnelle et constitutionnalisme démocratique: Essai de classification des théories juridiques de la démocratie." Revue française de droit constitutionnel. vol. 109, no. 1 (Mars 2017). May, Christopher & Adam Winchester (eds.). Handbook on the Rule of Law. Cheltenham/ Northampton: Edward Elgar Publishing, 2018. Pinon, Stéphane. "La notion de démocratie dans la doctrine constitutionnelle française." Revue Politeia. no. 10 (Décembre 2006). Raz, Joseph (ed.). The Authority of Law: Essays on Law and Morality. Oxford: Clarendon Press, 1979. Rosenfeld, Michel. "The Rule of Law and the Legitimacy of Constitutional Democracy." Southern California Law Review. vol. 74, no. 5 (July 2001). contentieux du Droit Dominique. Rousseau, constitutionnel. 7 ème éd. Paris: Montchrestien, 2010. Schmitt, Carl. Constitutional Theory. London: Duke University Press, 2008. Sigalet, Geoffrey, Grégoire Webber & Rosalind Dixon (eds.). Constitutional Dialogue: Rights, Democracy, Institutions. Cambridge: Cambridge University Press, 2019. Starck, Christian (ed.). Constitutionalism, Universalism and Democracy: A Comparative Analysis. Baden-Baden: Nomos Verlagsgesellschaft, 1999. Sunstein, Cass R. Designing Democracy: What Constitutions Do. Oxford: Oxford University Press, 2002. Tamanaha, Brian Z. On the Rule of Law: History, Politics, Theory. Cambridge: Cambridge University Press, 2004. Tremblay, Luc B. "The Legitimacy of Judicial Review: The Limits of Dialogue between Courts and Legislatures." International Journal of Constitutional Law. vol. 3, no. 4 (October 2005). Waldron, Jeremy. Law and Disagreement. Oxford: Oxford University Press, 1999. Waline, Marcel (ed.). Recueil d'études en hommage à Charles Eisenmann. Paris: Cujas, 1975.