تصميم الدساتير وبناء الثقة: دراسة في تجارب الانتقال الديمقراطي من منظور مقارن **
الملخّص
تبحث هذه الدراسة في دور عملية تصميم الدساتير في دفع أطراف الانتقال الديمقراطي نحو التعاون، وليس نحو الصراع، في ضوء ما تت سم به عملية الانتقال الديمقراطي من قدر كبير من عدم اليقين في ما يت صل بالمستقبل. وتركز على أربع حالات ناجحة في تحقيق الانتقال الديمقراطي (بولندا، وتشيلي، وجنوب أفريقيا، وإندونيسيا) للوقوف على العوامل المشتركة التي ساهمت في هذا النجاح. وتوصلت الدراسة، عبر منهجها المقارن، إلى أن عملية تصميم الدستور عملية سياسية اجتماعية أكثر منها قانونية، تتطل ب قدرًا كبيرًا من المساومات والمفاوضات لإحداث التوازن والتوافق بين الفواعل السياسية والاجتماعية القائمة. وأوضحت الدراسة كيف أن إحدى الاستراتيجيات المستخدمة في ذلك كانت تبني ترتيبات تحدّ من السلطة المطلقة للأغلبية لتبديد الكثير من المخاوف ولبناء الثقة بين الأطراف السياسية. كلمات مفتاحية: تصميم الدساتير، الهندسة الدستورية، الانتقال الديمقراطي، الحدّ من السلطة المطلقة للأغلبية، نظرية المباريات.
Constitution Designing and Confidence Building: A Comparative Study of Democratic Transition Experiences
This paper examines the role of the constitution designing process in pushing the democratic transition towards cooperation, rather than conflict, in light of the great uncertainty that characterizes the democratic transition process regarding the future. The study focuses on four successful cases of democratic transition (Poland, Chile, South Africa, and Indonesia) to identify the common factors that contributed to their success. Through its comparative approach, the study concludes that the process of constitution designing more socio-political than legal as it requires a great deal of bargaining and negotiations to achieve balance and harmony between the existing political and social actors. The study shows how the adoption of arrangements that limit the absolute power of the majority (counter- majoritarian measures) was one of the strategies used to assuage any fears and build confidence among the various political actors.
Keywords: Constitution Design, Constitutional Engineering, Democratic Transition, Counter-Majoritarian, Game Theory.
مقدمة
تُعدّ فترات الانتقال من أكثر الفترات التي يسود فيها عدم اليقين عن المستقبل والشكوك حول الخاسرين والرابحين في النظم الجديدة. من هنا، تتعدّد وتتنوع أشكال التغيير السياسي المطروحة، وتراوح بين تغيير النظام كليًا وتغيير رموزه مع احتفاظه بجوهره. وتتجلّ الفلسفة الخاصة بالتغيير في شكل وطبيعة الدستور الذي يوضح ما إذا كان النظام القديم قد نجح في الاحتفاظ بمكتسباته، أم نجحت قوى المعارضة في انتزاع أكبر قدر من المكاسب وتأسيس نظام جديد كلّيًا، وذلك على اعتبار أن الدستور هو في النهاية نوع من الترتيب القانوني لأوضاع سياسية معيّنة. يحدّد الدستور من يتولّ السلطة في الدولة وكيفية ممارستها من خلال تحديد المبادئ والقواعد المتّبعة في النظام السياسي، والهياكل والمؤسسات السياسية القائمة. إلّ أن الدساتير لا تتشكل في فراغ، بل هي في الغالب نتاج صراعات أو اتفاقات ومساومات بين المصالح المتنافسة للأفراد والجماعات. كما تكون في الوقت نفسه وليدة سياق داخلي وخارجي معيّ. وتهتم الدساتير بمجموعة من الموضوعات، الشائكة في الأغلب، وتسعى لحلّها. ويعتمد استمرار القواعد التي يرسمها الدستور واستقرارها، على مدى تمتّعه بالشرعية، وتجذّره في المعايير والقيم الخاصة بالمجتمع، والتوازن الذي يحققه بين المصالح المختلفة للفواعل السياسية. ويرتبط هذا في النهاية بالعملية التي تم من خلالها تصميم الدستور. تنطلق الدراسة من أن فترات الانتقال يسودها عدم اليقين من جميع الأطراف. فمن ناحية، يحاول النظام القديم جاهدًا الاستمرار جزءًا من المعادلة السياسية الجديدة، إن لم يكن الانقلاب عليها، ومن ناحية أخرى، هناك المعارضة أو التحالف المناهض للنظام الذي يسعى لتأكيد مكانته بوصفه هو النظام الجديد. في ظل هذا الوضع، إما أن تتّخذ المباراة بين الجانبين شكل المباراة الصفرية، أو تنحو نحو التعاون، مباراة غير صفرية. ومن هنا يُطرح السؤال، كيف تؤدي عملية تصميم الدساتير دورًا في دفع أطراف معادلة الانتقال الديمقراطي إلى التعاون وليس إلى ال اررع؟1وتركز الدراسة على أربع حالات تُعدّ ناجحة في تحقيق الانتقال الديمقراطي. وتم اختيار الحالات من سياقات مكانية وظرفية مختلفة، للوقوف على العوامل المشتركة في نجاحها. تنتمي إحدى الحالات محل الدراسة إلى تجربة تحوّل دول أوروبا الشرقية عن النموذج الشيوعي السوفياتي، لا سيما في بولندا، وأخرى تمثل نموذج الانتقال عن الحكم العسكري في أميركا اللاتينية، لا سيما في تشيلي، وثالثة تعكس حالة الانتقال في سياق صراع داخلي عنيف وتفرقة عنصرية، لا سيما في جنوب أفريقيا، ورابعة حدث التحول الديمقراطي فيها عن نظام سلطوي في مجتمع متعدد الإثنيات والثقافات، لا سيما في إندونيسيا. وتركز الدراسة في الأساس على الترتيبات الدستورية التي أدارت فترة الانتقال، ولا تركز كثيرًا على فترة ترسيخ الديمقراطية في كل حالة من هذه الحالات. يتفرع من السؤال الرئيس للدراسة مجموعة من الأسئلة الفرعية، أولً، كيف اختلف، أو اتفق، سياق التحول الديمقراطي في كل حالة من الحالات الأربع؟ ثانيًا، ما أهم القضايا الخلافية التي برزت في سياق التحول؟ ثالثًا، ما أهم الحلول التي قدّمها الدستور لهذه القضايا؟ كما تختبر الدراسة مجموعة من الافتراضات: أولً، هناك علاقة ارتباطية بين طبيعة عملية تصميم الدستور ومسار عملية الانتقال؛ ثانيًا، هناك علاقة ارتباطية بين نجاح عملية التحول الديمقراطي والترتيبات الدستورية التي تحدّ من قوة الأغلبية المنتخبة؛ ثالثًا، هناك علاقة ارتباطية بين التمهّل في وضع الدستور وزيادة فرص تعزيز الثقة بين الأطراف. تعتمد الدراسة على مفهوم تصميم الدساتير2؛ بوصفه مفهومًا أوسع من مجرد المحتوى الذي تعكسه، فهو يشير إلى عملية دينامية تنطوي على بعدين أساسين: الأول، عملية صنع الدستور والأسس التنظيمية التي يتم من خلالها اختيار ما يلي: من يكتب الدستور؟ ومن ينخرط في المفاوضات؟ ومتى؟ وكيف تستمر الفواعل في تشكيل النص ومناقشته ثم الموافقة عليه؟3. ويتعلق البعد الثاني بالمحتوى الذي تعكسه الوثيقة الدستورية المقترحة، باعتبارها تفصل بين عصرين في الحياة السياسية وتدشّن عقدًا اجتماعيًا جديدًا بين الدولة والمواطنين، وتؤسس قواعد المنافسة السياسية في المستقبل، وتقدم معالجات للقضايا الملحّة محل الخلاف. وعلى الرغم من أن عملية تصميم الدستور تقع في قلب الصراعات السياسية في المرحلة الانتقالية، فإنها قد تتيح في الوقت نفسه فرصةً للجماعات المتنافسة للتغلّب على المخاوف المتبادلة وتأسيس المزيد من الثقة4.
تشير عملية تصميم/ بناء الدساتير، أو كما يطلق عليها البعض "الهندسة الدستورية"، إلى إلزام الفواعل السياسية نفسها بإقامة مجموعة من المعايير الخاصة بالحكم واحترامها. وتتخذ العملية خطوات عدة، كما حدّدها دليل بناء الدساتير الصادر عن المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، وهي: أولً، الاتفاق على الحاجة إلى التغيير الدستوري، ونطاق هذا التغير الذي يكون، عادةً، جزءًا من عملية أشمل من التغير التاريخي في دولة ما؛ ثانيًا، الاتفاق على مجموعة من المبادئ التي ترتكز عليها المؤسسات والقواعد والإجراءات التي تتولّ وضع دستور شامل وتشاركي أو صياغته، الأمر الذي قد يتضمن استخدام تدابير وإجراءات انتقالية؛ ثالثًا، منح الدستور، أو تعديله، الشرعية والأثر القانوني من خلال إقراره؛ رابعًا، مرحلة التطبيق والتنفيذ، وهي مهمة خاصة في السنوات القليلة التالية لإقراره5. وهكذا، فإن عملية تصميم الدساتير هي عملية سياسية في الأساس، طويلة المدى، يتخلّلها كثير من الجدال والنزاع وتعبئة المصالح والمصالح المضادة وكثير من التشاور والتفاوض، لا سيما في حالات الصراعات المحتدمة أو الانقسامات الاجتماعية العميقة لبناء التوافق قبل صنع الدستور6.
تعتمد الدراسة على الإطار النظري لنظرية المباريات الذي يركز على الخيارات الاستراتيجية للفواعل (اللاعبين.) ويُعدّ هذا الإطار مناسبًا لتحليل عملية الانتقال الديمقراطي الموسومة بقدر كبير من عدم اليقين في ما يتّصل بالمستقبل. وتُعرَّف المباراة بأنها موقف يقوم فيه لاعبان أو أكثر بالاختيار العقلاني بين استراتيجيات بديلة7. وهكذا، تنظر الدراسة إلى عملية التحول بصفتها سلسلة من القرارات التي يتّخذها النظام السلطوي والمعارضة المتحدّية له، ومباراة استراتيجية بين القوى السياسية المعنية ذات الأهداف السياسية المتباينة8. وينتج من كل توليفة من الحركات التي يجريها كل اللاعبين مجموعة من المنافع لكل لاعب، قد تكون أشياء ملموسة مثل المنافع الاقتصادية، أو غير ملموسة كالقيم والسلطة والنفوذ. وعلى هذا تتحدد عناصر المباراة في الآتي9: اللاعبون الأساسيون وأهدافهم وأسباب الصراع والخيارات والمعلومات والنتيجة التي يحصل عليها كل لاعب وفقًا للاستراتيجية التي اتّبعها11. من خلال التطبيق على حالة الانتقال الديمقراطي، فإن المباراة هنا تدور بين طرفين أساسيين: النظام السلطوي من جهة، والمعارضة المتحدّية له والساعية لتأسيس الديمقراطية من جهة أخرى. وترى أغلبية أدبيات التحول الديمقراطي12 وجود خيارين استراتيجيين أمام النظام السلطوي؛ هما القمع، ومن ثم التمسك بالسلطوية، أو الخضوع والقبول بمطالب المعارضة الخاصة بتبنّي الإصلاحات الديمقراطية. يزداد احتمال القمع إذا كانت المعارضة غير قوية بدرجة كافية، ومن ثم يبقى النظام سلطويًا مستقرًا. أما إذا كانت المعارضة قوية، فتزداد في هذه الحالة تكلفة القمع، ويصبح خيار الديمقراطية أفضل من خيار الاحتفاظ بالسلطوية13. إلّ أن الكثير من حالات الانتقال شهد تطورًا بديلً ثالثًا، وهو القبول بإقامة ديمقراطية تحدّ من السيطرة المطلقة للأغلبية Counter Majoritarian Democracy لتراعي مصالح النظام
القديم والفئات والطبقات المرتبطة به. ويرتبط التحول، في هذه الحالات، بقيود دستورية تحدّ من قوة الأغلبية وتجبر من يتولّ السلطة على مراعاة مصالح النخبة السلطوية المسيطرة قبل عملية التحول وخلالها، والجماعات المرتبطة بها، وتحمي في الوقت نفسه مصالح الأقليات من خطر تغوّل الأغلبية14. تظهر هنا أهمية عملية التصميم الدستوري الذي يحدّد معالم الصفقة الدستورية المحددة لمسار التحوّل الذي تنتج منه الديمقراطية. وهذا ما عبّ عنه عزمي بشارة ب "اللحظة الدستورية" التي هي "لحظة التوازن المطلوب لترجمة القيم السياسية والحقوقية التي يفترض الجميع أن من الأفضل أن تسود وأن تنص كتابة"15. ويفترض هنا أن ترفع المقايضة الدستورية من تكلفة الانحراف عن هذه الترتيبات، حيث يؤمن كل طرف بأنه أفضل حالً إذا استمر في التعاون مع أطراف الاتفاق والتزام الترتيبات المؤسسية الجديدة16. ويتطلّب هذا فهم دوافع كل طرف وأهدافه وما حصل عليه بالفعل، بناءً على هذه الترتيبات الجديدة؛ الأمر الذي بدوره يستوجب فهم السياق الذي استند إليه الفاعلون في صياغة أهدافهم، وحددوا استراتيجياتهم. وهي الأمور التي تعرضها الدراسة تباعًا.
أولا: سياق التحول الديمقراطي وخيارات الأطراف الفاعلة
عكست الحالات محل الدراسة سياقات مختلفة لعملية الانتقال الديمقراطي. ففي بعضها، أدّت العوامل الداخلية الدور الأساس في البدء في عملية التحول، وفي أخرى، كان العامل الخارجي هو الأبلغ تأثيرًا. وعلى الرغم من هذه الاختلافات، فإنها لا تخلو من بعض القواسم المشتركة، أهمها أن عملية التحول ارتبطت دائمًا بوضع أزمة النظام وتشككه في قدرته على الحفاظ على سلطويته. ويمكن استخلاص هذه القواسم المشتركة أو الاختلافات من خلال عرض السياقات المختلفة أولً. عكست تجربة جنوب أفريقيا التداخل بين العوامل الداخلية والخارجية في الدفع بعملية التحول. من ناحية، أيقن نظام الفصل العنصري القائم عدم قدرته على تحقيق الاستقرار السياسي، على الرغم من سيطرته الكاملة على الجيش وأجهزة الدولة، في ظل تصاعد حدّة المواجهات بينه وبين القوى الوطنية المناهضة للعنصرية، التي اتخذت أشكالً متفاوتة الحدّة مثل المظاهرات والمقاطعة الاقتصادية، وصولً إلى العمليات المسلحة ضد مصالح البيض. في الوقت نفسه، تصاعدت الضغوط الدولية، لا سيما الغربية، على النظام العنصري في جنوب أفريقيا من خلال فرض عقوبات عليه؛ إذ قامت الولايات المتحدة الأميركية، على سبيل المثال، بحظر استثماراتها في جنوب أفريقيا، وشهدت البلاد حركة نزوح لرؤوس الأموال، قُدّرت في عام 1989 بنحو 30 مليار راند 205(ملايين دولار أميركي) 17. ورفض أيضًا الكثير من المؤسسات الدائنة للدولة إعادة جدولة ديونها إلّ بعد تحقيق مصالحة سياسية في البلاد18. من جانب آخر، حصل حزب المؤتمر الوطني الأفريقي African National Congress على اعتراف أغلبية المجتمع الدولي بوصفه المؤهل للتفاوض مع النظام العنصري من أجل التوصل إلى تسوية للصراع19. وهكذا بدأت المفاوضات بين الأقلية البيضاء الحاكمة، ممثلة بالحزب الوطني Party National، والأغلبية السوداء المضطهدة، الممثلة أساسًا بحزب المؤتمر الوطني الأفريقي في عام 1991، عبر جلسات مؤتمر الديمقراطية في جنوب أفريقيا، وقد استمرت حتى إجراء أول انتخابات ديمقراطية بعد
القضاء على نظام الفصل العنصري في النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين20. كان الحراك الداخلي العامل الأساسي للبدء في عملية الانتقال الديمقراطي في بولندا، بينما أدّى العامل الخارجي دورًا حاسمً في حسابات الأطراف المنخرطة واختياراتها الاستراتيجية. فقد كان لسوء الأحوال الاقتصادية أثره في تعبئة موجة احتجاجات واسعة، بدءًا من عام 1987، وصلت إلى ذروتها في صيف 1989. وتمحورت المطالب حول زيادة الأجور وتحسين الخدمات وإعادة تقنين حركة تضامن وإطلاق سراح ناشطيها21. وهكذا، كان التحول الديمقراطي في بولندا نتاجًا لحركة اجتماعية، هي حركة تضامن، التي على الرغم من كونها حركة عمالية في الأساس، فإنها لاقت قبولً ومساندة من طبقات وشرائح وتوجهات مختلفة في المجتمع. أما في ما يتعلق بالسياق الخارجي، فقد توافر المحفّز الخارجي لتسهيل عملية الانتقال؛ إذ كان للسياسة الجديدة التي اتّبعها الرئيس السوفياتي آنذاك ميخائيل غورباتشوف Mikhail Gorbachev 1991-1990()، وقرار موسكو بعدم التدخل العسكري لإنقاذ احتكار الأحزاب الشيوعية للقوة في أوروبا الشرقية، أثرهما في الدفع بالنظام في بولندا إلى التفاوض مع حركة تضامن وبداية عملية التحول. وذلك على العكس مما حدث في عام 1981؛ إذ كان الخوف من تدخل عسكري سوفياتي دافعًا لقمع النظام حركة تضامن وإعلان الأحكام العرفية22. أدّت العوامل الداخلية أيضًا دورًا أساسيًا في تجربة تشيلي. فقد ضرب الكساد الكبير اقتصاد البلاد بين عامي 1982 و 1983؛ ما أدّى إلى بداية انتشار الاحتجاجات والمظاهرات. في الوقت نفسه، نشط الكثير من منظمات حقوق الإنسان في توجيه أصابع الاتهام إلى نظام الجنرال أوغستو بينوشيه Pinochet Augusto)1990-1974( 23. ونتج من هذه التطورات إعادة التفكير مرة أخرى في العودة إلى الحكم الديمقراطي الذي ميّز تشيلي سنوات عدة. وعزّز حركة المعارضة انضمامُ الكنيسة الكاثوليكية في سانتييغو إليها. وفي محاولته تخفيف حدّة أزمة الشرعية هذه، لجأ بينوشيه إلى تعديل كامل للدستور في عام 1980 الذي نص في أهم بنوده على إجراء استفتاء شعبي على بقاء النظام العسكري من عدمه كل ثماني سنوات. واستغل بينوشيه عنف بعض الجماعات المتشددة من المتظاهرين لتبرير استخدام القوة المفرطة ضدهم جميعًا. واستمرت المناوشات بين النظام والمتظاهرين حتى عام 1987، حينما نجحت الضغوط الدولية في انتزاع بعض الحقوق السياسية للمدنيين، مثل الاعتراف رسميًا بالأحزاب غير الماركسية. ومن هنا، بدأت حملة واسعة من هذه الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني تحث المواطنين على التصويت ب "لا" على ثماني سنوات أخرى لفترة الرئاسة في الاستفتاء المقبل. وعلى الرغم من تسخير إمكانات النظام لحثّ المواطنين على التصويت بالموافقة، فإن المعارضة استطاعت التكتل والترفّع عن خلافاتها السابقة والحشد للتصويت بالرفض، وهو ما حدث بالفعل. وبعد عام من الاستفتاء، فاز التحالف الديمقراطي Concertacion 24 بالانتخابات ومهّد الطريق أمام استعادة الديمقراطية25. أما في إندونيسيا، فقد كان العامل الخارجي المحفّزَ الأساسي لعملية الانتقال؛ إذ ضربت الأزمة الاقتصادية الآسيوية 1998-1997() البلاد بشدة، ونتج منها انهيار في قيمة العملة بما يعادل 75 في المئة، وارتفاع في نسبة البطالة وإفلاس الكثير من الشركات الكبرى وهروب رؤوس الأموال، لا سيما رأس المال الصيني - الإندونيسي والقدرات الإدارية الصينية، وزيادة متسارعة في الأسعار26. واضطر الرئيس الإندونيسي محمد سوهارتو Suharto 1998-1967()، الذي كان قد انُتخب لتوّه لولاية سابعة27، إلى تبني سياسات اقتصادية لم تلقَ قبولً شعبيًا، فاندلعت احتجاجات كثيرة. وأدّت الأزمة إلى أعمال شغب واسعة
وتصاعد تيار من حركة الإص حاا28 وتزايد احتجاجات الطلاب في العديد من الجامعات، التي طالبت في البداية بتعامل الحكومة مع الأزمة، ثم تطورت مطالبها لاحقًا إلى المطالبة باستقالة سوهارتو ونهاية الوظيفة المزدوجة للجيش وتأسيس نظام ديمقراطي سليم29. يبدو أن الجيش لم يكن مستعدًّا للتورّط على نطاق واسع لمساندة رئيس فقد شرعيته30، فقد احتل الطلاب البرلمان مدة ثلاثة أيام، واندلعت أعمال شغب. في اليوم التالي، دعا قادة المجلس التشريعي عددًا من قادة حركة الإصلاح للنقاش. ثم صوّت حزب غولكار Golkar، الذراع السياسية لنظام سوهارتو وصاحب الأغلبية في البرلمان، على طلب استقالة سوهارتو بأغلبية 160، في مقابل 125 صوتًا. وأدى ذلك إلى إعلان سوهارتو استقالته في 21 أيار/ مايو 1998، منهيًا حكمه الذي استمر مدة 23 عامًا، وتولّ السلطة نائبه بشار الدين يوسف حبيبي Habibie Jusuf (آذار/ مارس – أيار/ مايو)1998 31. وهكذا، حظيت القوى الاجتماعية والسياسية التي ترعرعت في ظل نظام سوهارتو بمكانة أفضل في المرحلة الانتقالية، واستحوذت على المؤسسات الديمقراطية الرسمية خلال الانتقال وبعده، وفرضت مصالحها على كل المستويات32. وهو الأمر الذي يثير التساؤل عن أسباب عدم انقلابها على المسار الديمقراطي. أفرزت سياقات التحول هذه مجموعة من الاستراتيجيات والبدائل أمام اللاعبين المعنيين. ويلاحظ في كل هذه الحالات، أن الاحتجاجات لم تُنتج انتصار طرف ما على نحوٍ حاسم؛ ما نتج منه قدر من التوازن بين النظام القديم والمعارضة، فرض عليهما التفكير في أفضل البدائل في ظل المعطيات الموجودة، كما سنناقش في المبحث التالي.
ثانيًا: مباراة التحول واستراتيجيات اللاعبين
تكون مراحل الانتقال، عادةً، حافلة بالتباينات في وجهات النظر بين الأطراف المعنية. كما أنها مرحلة يسود فيها عدم اليقين بشأن المستقبل وملامح النظام الجديد ومقدار التسامح مع الماضي. وينتاب كثير من الأطراف الخوف على مصالحه في ظل الترتيبات الجديدة، وما إذا كان سيحظى باحترام الأغلبية أم لا. ومن ثم، يتوقف معيار النجاح على كيفية تحويل مباراة الانتقال من مباراة صفرية يفوز فيها الرابح بكل شيء، إلى أخرى غير صفرية تشعر الأطراف كلها بأنها حققت مكسبًا من الاتفاق، وأنها أفضل حالً مما لو كانت قد اختارت عدم التعاون. فما مناطق الخلاف بين الأطراف؟ وما حسابات المكسب والخسارة التي تحكم استراتيجيات كل طرف؟ بالنسبة إلى جنوب أفريقيا، دخل الحزب الوطني في المفاوضات بسبب الضغوط الداخلية الممثلة في المقاومة العنيفة من السود، وتفكك جبهة التحالف العنصري33، والضغوط الخارجية المتصاعدة، كما أشرنا. في الوقت نفسه، شهد الحزب انشقاقًا بين فريقين: فريق الإصلاحيين المعتدلين المطالبين بإدخال إصلاحات جوهرية على النظام واحتواء مطالب الجماعات الإثنية في المجتمع، وفريق المحافظين رافضي الإصلاح والمتمسكين باستمرار الوضع القائم. وكان الحزب قد حاول بالفعل الالتفاف على مطالب الأغلبية التي يمثلها حزب المؤتمر الوطني الأفريقي وتجاوزها، من خلال محاولة التوصل إلى تسوية مع تنظيمات بديلة للسود، كحزب الحرية "إنكاثا" Freedom Inkatha Party، إلّ أنه سرعان ما أدرك عدم جدوى هذا التحرك في تحقيق الاستقرار المنشود، إضافة إلى إدراك الأقلية البيضاء انعدام فرصتها في الانتخابات على المدى القصير، وصعوبة تحوّلها إلى معارضة ذات صدقية لحزب المؤتمر في المستقبل34. كان حزب المؤتمر الوطني الأفريقي مدركًا حقيقة سيطرة الحزب الوطني على الدولة ومواردها العسكرية، وتمتّعه بدعم القوى الاقتصادية القوية. لقد حظي حزب المؤتمر بدعم شعبي واعتراف دولي قوي، إلّ أن جناحه العسكري كان ضعيفًا نسبيًا، إضافة إلى
إلمامه بمحاولة النظام العنصري احتضان حركة "إنكاثا" لتصبح بديل من حزب المؤتمر. وشهد الحزب أيضًا انقسامًا وجدلً داخليًا في ما يتعلق بالاستراتيجية الأنسب في التعامل مع الأوضاع في البلاد. ففي حين طالب البعض باستمرار المقاومة السلمية وقبول المفاوضات، رأى آخرون ضرورة تصعيد الكفاح المسلح واعتبار أي تنازل بمنزلة خيانة للنضال الوطني. وفي الوقت الذي قدّمت البيئة الدولية بعض الدعم لحزب المؤتمر، فإنها حملت أيضًا عوامل إضعاف له، متمثلة في تراجع مكانة الاتحاد السوفياتي وانسحابه من مناطق الصراعات، وخفض مساندته حركات الكفاح المختلفة. وبهذا، فقدَ حزب المؤتمر الكثير من الدعم المادي والمعنوي الذي سبق أن تلقّاه من موسكو على المستوى الدولي35. وهكذا، وجد الطرفان نفسيهما مدفوعين نحو التقارب للتوصل إلى تسوية للوضع السياسي، وما يتطلّبه ذلك من تقديم بعض التنازلات لتحقيق الاستقرار النسبي للبلاد. وكان من أبرز الإشكاليات التي واجهها الطرفان ما يتعلق بكيفية تحقيق مطالب الأغلبية السوداء، التي كانت في عجلة من أمرها لاستعادة حقوقها وتأكيد وضعها في الدولة الجديدة، وللمزيد من المساواة في المنافع الاقتصادية. في المقابل، كان القلق يتملّك الأقلية البيضاء بشأن حماية مصالحها، لا سيما الاقتصادية، في ظل إدراكها أن أي هيئة منتخبة ستكون تحت سيطرة حزب المؤتمر والأغلبية السوداء تمامًا، ومن ثمّ يمكنها تمرير أي تشريعات، أو تصميم الدستور، كما ترغب. وبرزت أيضًا قضية المحاسبة على جرائم فترة التمييز العنصري حتى تُطوى صفحة الماضي36. أما في بولندا، فقد تكوّنت لعبة الانتقال من لاعبين أساسيين: النظام الحاكم، والمعارضة. عكس كل لاعب تفضيلات أساسية حول نتائج المباراة. كان النظام الحاكم يرى أن استمرار السلطوية هو أفضل الخيارات بالنسبة إليه، لكنه كان يفضّ ل، أيضًا، السلطوية المقيّدة على الديمقراطية الناتجة من التفاوض Democracy Pacted، كما فضل الأخيرة على التدخل السوفياتي المحتمل37. ويرجع ذلك إلى أن الحكومة في ظل السلطوية الكاملة حظيت بأغلبية القوة. أما في السلطوية المقيدة، فإنها تتنازل بعض الشيء، وإن كانت تحتفظ بالتحكم الفعال في الدولة. وأما في الديمقراطية الناتجة من التفاوض، فصحيح أن النظام يضمن أمنه المادي، لكن قوّته تعتمد على نتائج العملية الانتخابية، وتقل فرص الاحتكار السياسي. في حالة الغزو السوفياتي، تستبدل القيادة الحالية للنظام بأخرى أكثر كفاءة في التحكم في الأمور. فالمعارضة تضع تأسيس الديمقراطية، عبر التفاوض أو الثورة، أولوية أولى، تأتي بعدها السلطوية المقيَّدة، ويأتي أخيرًا سيناريو التدخل السوفياتي. في ظل الديمقراطية، يضمن قادة المعارضة أمنهم الشخصي، ولا يعتمد مستقبلهم السياسي على نزوات النظام أو نيّاته الحسنة، إنما على دعم الناخبين. تأتي السلطوية المقيَّدة الخيار التالي للمعارضة؛ كونها تسمح لقطاعات معينة من المعارضة بمشاركة محدودة في الحكومة، وإن كان مصيرها السياسي يعتمد على نيّات النظام الحسنة. في ظل السلطوية الكاملة، يجري قمع المعارضة وتنتهي الحال بأفرادها إما مطاردين من السلطات وإما في السجون. أخيرًا، يتمثل أسوأ احتمال أمام المعارضة في التدخل العسكري السوفياتي الذي يترتب عليه حتمً عقوبات سجن قاسية، أو نفي قادة المعارضة أو إعدامهم38. تكوَّن النظام الحاكم في بولندا من عناصر الحزب الاشتراكي، إضافة إلى الجيش. وكان الجنرالات مهتمين بشدة بالوضع الاقتصادي المتدهور؛ ما جعلهم منفتحين على إصلاح اقتصادي جاد، وما يتطلّبه من تحوّل سياسي ضروري. لكنهم في الوقت نفسه، كما أوضحنا، رغبوا في تجنّب تدخّل الاتحاد السوفياتي. ومن ثمّ، حين انخفضت احتمالية هذا التدخل، أصبح الجيش أكثر انفتاحًا على الإصلاحات السياسية المحسوبة39. على الرغم من استمرار تمتّعها بالدعم الشعبي وكونها رمزًا لنضال المجتمع المدني، فإن حركة تضامن كانت مدركةً أن موجة الاحتجاجات الأخيرة لم تكن في الأساس من تنظيمها، بل من تنظيم جيل أصغر من العمال الذين لم يعاصروا أحداث عام 1981، ومن هنا كانت مطالبهم أكثر ثورية وهادفة إلى تغييرات حقيقية في الدولة. ويعني هذا أن أي مفاوضات مع النظام قد لا تشمل ممثلي تضامن فحسب، لكن أيضًا الممثلين المستقلين للحركة الاحتجاجية40. يُضاف إلى هذا أنّ حركة تضامن نفسها كانت تعاني الانقسام وتضاءلت قدرتها على جذب العمال الأكثر راديكالية. ومن ثم، كان من مصلحتها أيضًا التفاهم
مع النظام قبل أن تفقد مكانتها بصفتها ممثلً للحركة الشعبية41. وهكذا، على الرغم من إدراك الجانبين، النظام وحركة تضامن، أنهما لا يمتلكان حلولً جاهزة للمشكلات المستعرة التي تواجهها الدولة، فإنهما احتاجا إلى العمل معًا لإنقاذ الاقتصاد البولندي، والتوصل إلى ترتيبات سياسية تضمن الاستقرار42. في ما يتعلق بتشيلي، كما أوضحنا في المبحث السابق، مهّدت هزيمة النظام في الاستفتاء الشعبي لتفاعلات استراتيجية عدة، بين تحالف المعارضة من جهة، والنظام العسكري والنخب المتحالفة معه من جهة أخرى. فقد كشفت الانتخابات عن الدعم الشعبي للمعارضة، إلّ أنها كانت مدركة قوة الجيش ومصالح اليمين الاقتصادي الذي كان سببًا أساسيًا لإطاحة الحكومة الديمقراطية؛ حكومة تحالف الوحدة الشعبية المناصرة للرئيس التشيلي سلفادور أليندي. وتمحورت 431973-1970(Salvador Allende في عام 1973) القضايا الشائكة حول ثلاثٍ أساسية: انتهاكات الجيش حقوق الإنسان منذ عام 1973، والسياسة الاقتصادية للدولة، والإصلاح الدستوري. كانت المؤسسة العسكرية لا تريد، هي وحلفاؤها، الظهورَ بمظهر غير مَرنٍ في التفاوض؛ حتى لا يفتح هؤلاء المجال أمام المعارضة في بناء حركة شعبية قوية يمكنها إطاحة الإطار الدستوري والمؤسسي لنظام بينوشيه. لكنهم في الوقت نفسه كانوا حريصين على حماية مصالحهم التي رعاها هذا النظام كثيرًا، وهي سيطرة العسكريين وحصانتهم، ومصالح النخب الاقتصادية واليمينية. وكانت المعارضة مدركة قوة الجيش وحقيقة أن أكثر من 40 في المئة من الناخبين في استفتاء عام 1988 قد أيدوا بالفعل استمرار الحكم العسكري، لا سيما من النخب الاقتصادية وأحزاب اليمين. ومن دون دعم هذه النخب عملية الانتقال، من الصعب تصوّر نجاحها، بل قد يحدث ارتداد عن مسار التحوّل إلى الديمقراطية إذا ما انحرفت الحكومة الجديدة بشدة عن النموذج الاقتصادي لبينوشيه. في الوقت نفسه، يحمل تجاهل حاجات القطاعات المتوسطة والدنيا في المجتمع الكثير من المخاطر. ولهذا لم يكن أمام المعارضة إلّ انتهاج استراتيجية معتدلة توفّق بين هذه المصالح المتعارضة44. ازداد هذا الاقتناع مع حرص الجيش في أكثر من مناسبة على تأكيد أنه لن يتردد في التدخل إذا ما تم أي انتهاك للدستور المعمول به. فعلى سبيل المثال، لوّح الجنرالات في حزيران/ يونيو 1989 بالاستخدام الشرعي للقوة ضد أي محاولة لتجاهل الدستور. وبعد شهور عدة، أرسلوا إشارة أخرى خاصة بتعامل الحكومة المقبلة مع أي تورّط عسكري في انتهاكات حقوق الإنسان في ظل الفترة الدكتاتورية. فقد أعلن بينوشيه معارضة الجيش لمحاسبة أي من أعضائه على أفعال كان دافعها حماية البلاد. وهكذا، أدركت المعارضة أن الدفع بإسقاط الدستور قد يكون أمرًا ضارًّا بشدة بمسار الانتقال45. في إندونيسيا، جاءت مباراة التحول الديمقراطي بين نظام سوهارتو والمؤسسة العسكرية من جهة، والمعارضة من جهة أخرى. فمن جهة، لم يدافع الجيش باستماتة عن سوهارتو، وكان قلقًا من التوترات التي شهدتها المرحلة، والتي اتخذت في كثير من الأحيان شكل عنف مجتمعي وتصاعد للهويات الدينية والعرقية والانفصالية الإقليمية، مثل حالات العنف في تيمور الشرقية وإقليم آتشيه وجافا، إضافة إلى تجدد النزاعات بين المسلمين والمسيحيين. في الوقت نفسه، اختلفت ردات الفعل داخل القوات المسلحة؛ فهناك من تورّط في العنف، وآخر التزم موقف المتفرج، وثالث رفض أوامر قمع التمرد46. أدى هذا التباين إلى تناقض التوجّهات تجاه الجيش في المرحلة الانتقالية بين التأييد الشعبي لعدم استخدام القوة المفرطة تجاه الاحتجاجات، من جهة. ومن جهة أخرى، استمرت نسبة كبيرة من الإندونيسيين غاضبة من تاريخ الفظائع التي ارتكبتها القوات المسلحة في السابق، ومن تدخّل الجيش في أجهزة الدولة المختلفة والاقتصاد وفقًا لعقيدة "الوظيفة المزدوجة"47. إضافة إلى ذلك، لم تتمكن قوى المعارضة الديمقراطية من إلحاق الهزيمة الكاملة بالقوى السياسية المهيمنة في نظام سوهارتو، لكنها كانت قادرة على الاستمرار والتفاوض بشأن تأمين مصالحها ووصولها إلى السلطة في النظام الجديد. في المقابل، حالت الانقسامات الاجتماعية في إندونيسيا دون ظهور قائد واحد للمعارضة، وطبعتها بطابع التفكك. ولهذا فقد افتقدت التخطيط والمطالب المحددة الخاصة بالمرحلة الانتقالية، ولم تتحرك سريعًا نحو نظام جديد. كما كانت القوى التي دعمت الديمقراطية، هي نفسها، منقسمةً بين قوميين علمانيين وإسلاميين معتدلين وآخرين تقليديين، بينها خلافات شخصية كبيرة، وبعضهم كان مشكوكًا
في صدقيته، نظرًا إلى تعاونه السابق مع نظام سوهارتو الذي برع في توظيف سياسة العصا والجزرة على نحوٍ ترك المعارضة ضعيفة ومفككة48. ولم تحقق المعارضة أيضًا انتصارًا حاسمً على النظام؛ فحينما سقط سوهارتو، عادت الأمور إلى طبيعتها. فخليفته كان نائبه وتم اختياره بناء على القواعد القديمة الخاصة باختيار الرؤساء. في الوقت نفسه، كان القادة السياسيون الديمقراطيون في ريبة من الاصطفاف مع المطالب الراديكالية للحركة الشعبية الإصلاحية، خوفًا من أن يفشلوا في كبح جماحها49. وكانت القوى الديمقراطية الليبرالية الحقيقية، وتلك التي تمثل مصالح الطبقات الدنيا، فقيرة تنظيميًا نتيجة إرث التدمير العنيف من الجيش للأحزاب الشيوعية وقوى اليسار في ستينيات القرن العشرين، الذي امتدت آثاره إلى الحاضر50. وتمركزت إشكاليات الانتقال حول قضايا عدة: العلاقات المدنية - العسكرية، لا سيما في ما يتعلق ب "الوظيفة المزدوجة للجيش"، والمركزية في مقابل اللامركزية، وصلاحيات السلطة التشريعية في مقابل السلطة التنفيذية، وكيفية بناء نظام انتخابي وترتيبات دستورية لا تشجع على سياسات الهوية. وهكذا، حتى إن تباينت القضايا محل الخلاف من حالة إلى أخرى، فإنّ تجارب الدول الأربع اشتركت في الاهتمام بمجموعة من القضايا، أهمها العلاقات المدنية - العسكرية والعدالة الانتقالية وطبيعة النظام السياسي. وهي كلها في النهاية مرتبطة بقضية محورية، هي: كيف يمكن تشجيع الأقلية (النظام الحاكم والقوى المتحالفة معه) على قبول الانتقال إلى الديمقراطية؟ نعرض في المبحث الثالث الأساليب المختلفة المتبنّاة لحل هذه الإشكالية.
ثًالث ا: الترتيبات والمعالجات الدستورية
شهدت الحالات محل الدراسة معالجات دستورية مختلفة للقضايا الشائكة المثارة في المرحلة الانتقالية. لكنها كلها ارتبطت بطريقة ما بوضع مجموعة من الضمانات الدستورية التي تحدّ من قدرة الأغلبية المنتخبة على الاستئثار بالسلطة. ويرجع ذلك إلى الميل الطبيعي للأقلية، وفي هذه الحالة النخبة السلطوية الحاكمة والقوى المتحالفة معها، إلى محاولة الالتفاف على المخرج الديمقراطي، أو الحدّ من تحكّم الأغلبية قدر الإمكان. في المقابل، فإن لدى الأغلبية، وفي هذه الحالة المعارضة المتحدية النظام، حافزًا قويًا للسعي للمزيد من الدمقرطة51. في حالة جنوب أفريقيا، كان الخيار الاستراتيجي للطرفين هو الانتقال السلمي من خلال تقاسم السلطة، لكن كان من الضروري رسم ملامح هذه المشاركة وضمان عدم إخلال أي طرف بالصفقة المعقودة52. ولذلك تفاوض الطرفان على دستور انتقالي يؤسس لدولة ديمقراطية وحكم أغلبية بسيطة في المجلس الوطني الذي سينتخب الرئيس. كما تم الاتفاق على تبني صيغة حكم فدرالية للبلاد53. أعطى هذا الترتيب حزب الأقلية قدرًا من الثقة للانخراط في العملية، وطمأنةً بأن مصالحه الأساسية ستُحترم. كما اتفق المتفاوضون على تشكيل حكومة وحدة وطنية جزءًا من إجراءات بناء الثقة التي تحدّ من السلطة المطلقة للأغلبية54. نصّ الدستور الانتقالي على مجموعة من المبادئ الأساسية التي ترسم الملامح العامة للديمقراطية الجديدة، والتي تم الاتفاق على ضرورة تضمينها في الدستور الدائم ولا يجوز مخالفتها. وكان هذا طمأنة أخرى للأقلية بأن الدستور الدائم الذي ستكتبه جمعية تأسيسية منتخبة شعبيًا سيحترم الحقوق والمصالح الأشد أهمية. عزّز من صدقية هذه الضمانات أنها كانت مصحوبة بآلية للتنفيذ متعلقة بإنشاء محكمة دستورية لمراجعة الدستور الدائم والتأكد من عدم مخالفته أيًا من المبادئ التي سبق الاتفاق عليها. ومن ضمن المبادئ التي نص عليها الدستور الانتقالي: تعدد الأحزاب، وإقامة نظام فدرالي يقوم على التمثيل الديمقراطي، وتحكّم الأقليات المختلفة في الموارد، وصنع السياسة في إقليم واحد على الأقل، والفصل بين السلطات، مع وجود قضاء مستقل، وإقامة نظام سياسي غير عنصري وغير منحاز55. دخل الدستور النهائي حيّز التنفيذ بعد سبع سنوات من المفاوضات، خلال المدة 1996-1989. وكانت العملية تشاركية بدرجة كبرى، حيث تلقّت الجمعية التأسيسية التي جرى انتخابها من بين نواب الشعب وبشكل ممثل لفئات المجتمع، على الرغم من سيطرة حزب المؤتمر على البرلمان، مقترحات الأفراد التي وصلت إلى ما يزيد على مليونَ
اقتراح، إضافة إلى الدور الكبير الذي قامت به وسائل الإعلام في تثقيف الأفراد وتوعيتهم بالعملية56. ولمزيد من بثّ الثقة، أجرت المحكمة الدستورية مراجعة للمسودة النهائية للتأكد من التزام المبادئ التي نصّ عليها الدستور الانتقالي. وقد أعلنت المحكمة بالفعل عن مادتين وجدتهما مخالفتين لهذه المبادئ، وأعادت مسودة الدستور مرة أخرى إلى الجمعية التأسيسية للمراجعة57. وعكس الدستور النهائي الصادر في عام 1996 هذه المبادئ، مؤكدًا قيمة المشاركة النسبية للسلطة؛ فأيّ حزب يفوز بعشرين مقعدًا على الأقل في المجلس التشريعي يكون له مشاركة في الحكومة. كما نصّ الدستور النهائي على أن تعديل دستور البلاد يتطلب أغلبية الثلثين في مجلسَ البرلمان58. أما في ما يتعلق بجرائم الماضي، فقد ارتأت النخبة السياسية في جنوب أفريقيا أنّ الاتفاق على مبدأ العفو عن مرتكبي الجرائم السابقة ضروري لتحقيق تقدّم في الاتفاق حول الدستور الانتقالي وإجراء انتخابات ديمقراطية تعددية. وعملت النخب المتفاوضة على تحقيق التوازن بين اعتبارات العدالة من ناحية، والمصالحة ودفع التحول الديمقراطي من ناحية أخرى، انطلاقًا من مبادئ أساسية جوهرها جبر الضرر بدلً من الانتقام، والشعور بالتضامن بدلً من الإحساس بالمظلومية. ولئن كان هذا لم يمنع من الاعتراف بأن العدالة الانتقالية قد لا تحقق العدالة الجنائية القائمة على تطبيق العقوبة على مرتكبي الجرائم السياسية، فإنها تساهم في العدالة السياسية التي تركز على تحقيق التعايش بين قوى المجتمع59. لم تكن مفاوضات الانتقال في بولندا وترتيباته بلا عقبات. وكانت المفاوضات بين الجانبين قد امتدت من منتصف عام 1988 حتى أوائل عام 1989، بوساطة من رجال الكنيسة الكاثوليكية. واتخذت اللقاءات في البداية طابعًا سرّيًا خوفًا من تدخل الاتحاد السوفياتي، ثم تم الإعلان عنها رسميًا من خلال افتتاح مفاوضات المائدة المستديرة التي امتدت من 3 شباط/ فبراير إلى 5 نيسان/ أبريل 1989 لمناقشة قضايا الإصلاح السياسي والقضايا الاقتصادية والاجتماعية. وأنهت هذه المائدة عملها بالإعلان عمّ يُعرف ب "اتفاقيات المائدة المستديرة"، وتشكيل "اللجنة التوفيقية" المؤلفة من ممثلين عن القوى المشاركة لمتابعة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، والنظر في أي مسائل مستجدة، وكذلك القيام بدور الوساطة في حالة الخلافات. ومثّلت هذه الاتفاقيات نقطة البداية التي مهّدت الطريق أمام إجراء أول انتخابات برلمانية ورئاسية حرة في تاريخ بولندا منذ عام 1947، وتحقيق الانتقال الديمقراطي60. اعتمدت اتفاقيات المائدة المستديرة دستور عام 1952 إطارًا للعمل خلال المرحلة الانتقالية، مع تمرير البرلمان عدة تعديلات لتناسب حاجات المرحلة. وتمثّلت أهم النقاط التي تم الاتفاق عليها في ما يلي: أولً، رفع الحظر عن الاتحادات العمالية المستقلة؛ ثانيًا، حل الغرفة الوحيدة لمجلس النواب، والسماح بعقد أول انتخابات في بولندا لا يكون فيها تقديم المرشحين لعضوية البرلمان حكرًا على الحزب الشيوعي. إلّ أن النظام لم يسمح وقتها بالتنافس الانتخابي إلّ على ثلث مقاعد مجلس النواب فقط واحتفاظ الحزب الحاكم بنحو 65 في المئة من المقاعد. ثالثًا، في مقابل هذا التنازل من المعارضة، تم الاتفاق على تشكيل مجلس شيوخ منتخب ديمقراطيًا مكوّن من مئة عضو. رابعًا، إطلاق حرية الصحافة. خامسًا، استحداث مكتب جديد للرئيس وإلغاء سلطة الأمين العام للحزب الحاكم. هدفت كل هذه الاتفاقيات إلى حماية الحزب الحاكم، وفي الوقت نفسه تمكين المعارضة من المشاركة في العملية السياسية61. وافق مجلس النواب في كانون الأول/ ديسمبر 1989 على برنامج الإص حاا الحكومي الداعي إلى تبنّي اقتصاد السوق بديلً من التخطيط المركزي. وجرى أيضًا إلغاء مواد الدستور التي تشير إلى الدور القيادي للحزب الشيوعي. وفي كانون الثاني/ يناير 1990، حلّ الحزب الشيوعي البولندي The Polish United Workers' Party نفسه، وتغير اسمه إلى حزب الديمقراطية الاجتماعية لجمهورية بولندا . وفي نهاية العام Social Democracy of the Republic of Poland نفسه، جرى انتخاب ليخ فاونسا Wałęsa Lech)1995-1990(،
زعيم حركة تضامن، رئيسًا لبولندا، ليصبح بذلك أول رئيس يتول المنصب عن طريق الانتخاب الحر. دفعت هذه الخطوات إلى ظهور الحديث عن الحاجة إلى صياغة دستور جديد للبلاد بديلً من دستور عام 1952. وخلال المدة 1991-1989، اتخذ مجلس النواب عدة خطوات في طريق استبدال دستور عام 1952 كليًا. وبناء على ذلك، أسس مجلسا النواب والشيوخ، كل على حدة، لجانًا هدفها تطوير مسودة دستور، إلّ أن المجلسين رفضا التعاون. في المقابل، أُجريت عدة تعديلات على دستور عام 1952، ما بين عامي 1989 و 1992، أزالت الكثير من الصياغة الأصلية والعديد من مؤسسات النظام القديم62. في محاولة لدفع عملية صياغة دستور جديد، أصدرت غرفتا البرلمان للقانون الدستوري في نيسان/ أبريل 1992 قرار إنشاء لجنة دستورية واحدة تضم أعضاء من مجلسي النواب الشيوخ، إضافة إلى عدد من الأعضاء الذين لا يحق لهم التصويت، مثل الرئيس وأعضاء مجلس الوزراء والمحكمة الدستورية، على أن يجري اعتماد المسودة الأخيرة من الجمعية الوطنية (مجلسا الشيوخ والنواب)، ثم التصديق عليها في استفتاء وطني، على أن تقدم اللجنة مسودة مشروع الدستور خلال ستة شهور من بدء عملها. ويحق لرئيس الجمهورية خلال ستين يومًا إضافة تعديلات، ثم إعادة المسودة للنظر فيها، وتقدمه اللجنة للجمعية الوطنية مرة أخرى للتصويت عليه في صورته النهائية استعدادًا لطرحه للاستفتاء63. وافقت الجمعية الوطنية على المسودة النهائية للدستور في آذار/ مارس 1997، وعلى التعديلات المقترحة من الرئيس في نيسان/ أبريل 1997. وطرح الدستور للاستفتاء العام في أيار/ مايو 1997، وشارك فيه نحو 43 في المئة من الهيئة الناخبة، وتمت الموافقة عليه بنسبة 52.7 في المئة، ليدخل حيّز النفاذ في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 1997، مؤسسًا بذلك ديمقراطية شبه رئاسية ومتخلّصًا من أي آثار غير ديمقراطية شابت المرحلة الانتقالية64. تتشابه حالتا تشيلي وبولندا، في ما يتعلق بضمان الترتيبات المتفق عليها لتمثيل النظام السابق، والحفاظ على مكتسباته. وكما أوضحنا، لوّح الجيش أكثر من مرة بالتدخل لمنع أي محاولة للانقلاب على مقوّمات نظام بينوشيه. ولذلك حرصت المعارضة في المفاوضات على ألّ تعطي بينوشيه أي فرصة للتراجع عن الصفقة الدستورية التي أُبرمت، ولهذا قبلت بعودة الحكم المدني في ظل دستور مقيّد لسلطة الأغلبية65. تضمّن دستور عام 1980 قواعد انتخابية مصممة بطريقة تزيد من تمثيل داعمي النظام، إضافة إلى النص على حق النظام في تعيين ممثلين في مجلس الشيوخ 9(من أصل 26.) وكلها ترتيبات تصبّ في النهاية في زيادة سلطة الحكومة، وحماية مصالح الجماعات الداعمة السلطوية، من خلال تقييد سلطة المسؤولين المنتخبين66. وسيطر العسكريون على مجلس الأمن القومي الذي يتمتع بصلاحيات واسعة. ووضع دستور عام 1980 أيضًا قيودًا على سلطات الرئيس في تعيين رؤساء الخدمات العسكرية وإقالتهم، وفتح المجال أمام استبعاد أي فرد أو حزب أو حركة "معادية للديمقراطية"، الاتهام الذي كان يوجّهه النظام إلى المعارضة المعادية له ولفلسفته الاقتصادية النيوليبرالية، من العملية السياسية. وتطلّب تعديل الدستور أيضًا أغلبية خاصة، وأن تمر هذه التعديلات من خلال مجلسين تشريعيين متتاليين67. كما أعدّ الدستور نفسه خطة خروج المؤسسة العسكرية من ممارسة السلطة بصفة مباشرة من خلال النص على آلية للخلافة من شأنها ضمان استمرارية القادة العسكريين والقائد العام للقوات المسلحة في السلطة حتى عام 1997، وضمان ميزانية مستقلة للقوات المسلحة68. وكلها أمور أدركت القوى المدنية صعوبة تعديلها؛ نظرًا إلى ضعفها أمام سطوة الجيش. وهكذا لم تكن قدرة هذه القوى على المناورة كبيرة، على الرغم من قدرتها على إزاحة بينوشيه عن الرئاسة في عام.1989 لم تستطع القوى الديمقراطية إلغاء المواد المتشددة في الدستور، لكنها استطاعت تحسين بعض الشروط وتخفيفها. فعلى سبيل المثال، تم الاتفاق على زيادة العدد الإجمالي للنواب المنتخبين من 26 إلى 38 عضوًا، الأمر الذي يخفف أثر النواب المعيّنين. كما تم خفض الأغلبية الخاصة المطلوبة لتعديل الدستور وإسقاط مطلب أن تمر التعديلات الدستورية من خلال مجلسين متعاقبين. وجرت إزالة المواد الخاصة بمنع الجماعات المعادية للديمقراطية من المشاركة السياسية. في المقابل، جرى الحفاظ على استقلالية القوات المسلحة واحتفاظها بالآليات التي تمكّنها من الإشراف على المؤسسات السياسية للدولة،
. أخ واستمرار بينوشيه قائدًا للجيش حتى عام 1997 ا، حمى الدستور مصالح الجناح اليميني، من خلال إقامة بنك مركزي مستقل يتحكم في معدلات الفائدة والتبادل، من دون تدخّل الحكومة69، وتأكيد قدسية الملكية الخاصة التي كانت مصدرًا أساسيًا للصراع في فترة ما قبل عام 1973 70. لم يجر تمرير أيّ إصلاحات شاملة حتى عام 2005 في ظل إدارة الرئيس الاشتراكي ريكاردو لاجوس Lagos Ricardo 2006-2000(.) تعاملت هذه الإصلاحات مع العديد من القضايا الإشكالية في العلاقات المدنية – العسكرية، من خلال إلغاء حق الجيش في حماية النظام المؤسسي، ومنح الرئيس حق ترشيح قادة القوات المسلحة وعزلهم، وإنهاء سيطرة الجيش على مجلس الأمن القومي، وجعله هيئة استشارية. وألغت الإصلاحات، أيضًا، مسألة أعضاء مجلس الشيوخ المعيّنين الذين كانوا في الأساس من القادة المتقاعدين من الجيش71. اتّسمت تجربة إندونيسيا، أيضًا، بقدر كبير من الاستمرارية الدستورية خلال المرحلة الانتقالية. وكما سبق أن أوضحنا، كان التخوّف من التفكك والعنف المجتمعي من أكثر العوامل المؤثرة في قرارات اللاعبين الأساسيين في مباراة الانتقال الديمقراطي واختياراتهم. فقد حاول الإندونيسيون تجنّب الصراع الذي يمكن أن ينشب بين أنصار النظام القديم والآخرين المطالبين بالإصلاح الجذري، لا سيما أن الخبرة التاريخية لإندونيسيا مثّلت ما يشبه العقدة الثقافية في ما يتعلق بالخلافات على وضع الدستور. فقد كانت الخلافات حول وضع دستور في خمسينيات القرن العشرين سببًا أساسيًا في حل سوكارنو الجمعية التأسيسية وتأسيس الدكتاتورية72. لذلك، اختار الإندونيسيون مسار الإصلاح الانتخابي، ثم الانتخابات الحرة، قبل البدء في عملية طويلة من الإصلاح والتغيير الدستوري استمرت حتى عام 2002. أمّن هذا التدرج قبول المؤسسة العسكرية بدلً من السعي وراء التغيير دفعة واحدة. ومع ذلك، فكما عكس مسار الانتقال طبيعة السياق الذي وجدت الأطراف نفسها فيه، عدّل الكثير من الخيارات المؤسسية الإصلاحية الأولى بعض عناصر هذا السياق، وساعد على تهدئة الكثير من النقاط الشائكة في العلاقات بين الأطراف73. كان من أهم هذه الإصلاحات الدستورية74 تلك التي تدعم التعددية والدفع بالفواعل السياسية لتشكيل تحالفات عابرة لخطوط الانقسام المجتمعي، ومن هنا كان الاهتمام بمراجعة قوانين تنظيم الأحزاب والانتخابات وتعديلها. ويبدو أن افتقاد يوسف حبيبي الدعم السياسي قد دفعه إلى طريق الإصلاح. فقد أعلن، بعد تولّيه السلطة عقب استقالة سوهارتو، عن انتخابات تشريعية مبكرة في خلال عام، ووضع آلية لتعديل قوانين الأحزاب والانتخابات والهيئة التشريعية، ورفض طلب الجيش تقليص عدد الأحزاب السياسية الإسلامية75. تطلّب إجراء انتخابات عامة مبكرة، كما وعد حبيبي في عام، عقد دورة استثنائية للجمعية الاستشارية 1999 الشعبية. للانتخابات للتمهيد 76 People's Consultative Assembly وتطلّب الأمر إلغاء قرارات تتعلق بالسلطات الخاصة للرئيس، في مقابل زيادة تلك المخصصة للبرلمان. كما ألغيت النصوص المعوّقة تعديل دستور عام 1945 لفتح المجال أمام تعديله بحضور ثلثي أعضاء الجمعية وتصويتهم على مقترح التعديل. وجرى تمرير قرارات لتحديد ولاية الرئيس بمدتين فقط، إضافة إلى دعم الاستقلال الذاتي الإقليمي وإطلاق حرية الصحافة والمزيد من احترام حقوق الإنسان والسماح بالتعددية الحزبية77. ومع ذلك، فقد كان مفاد الرسالة التي تضمنتها هذه الخطوات أن الإصلاح الدستوري سيكون محدودًا، وأن الحادث هو تعديل دستور عام 1945 وليس تغييره. فقد كانت المؤسسة العسكرية والنخب القومية العلمانية متحفظة بشدة على
فتح الباب أمام تغيير دستور عام 1945، خوفًا من المساس بأساسين مهمين فيه: رفض الدولة الإسلامية، وتبني أيديولوجية الدولة القومية التي عبّ عنها سوكارنو والواردة في ديباجة الدستور. ومن ثمّ، فإن كانت النخب العسكرية والقومية قد قبلت بتفكيك دكتاتورية سوهارتو، فإنها لم ترغب في المساس بهذه المبادئ التي تعتبرها أساس هوية البلاد78. وقد اضطلع البرلمان بالدور الأساس في تقديم التعديلات المطلوبة؛ ما أثار انتقادات شديدة من المجتمع المدني الذي لم تجرِ استشارته إلّ قليلً. ويجعل هذا تجربة إندونيسيا شاملة لعدم استبعادها أيًا من القوى السياسية، لكنها ليست تشاركية لعدم انفتاحها على المجتمع79. على الرغم من الحفاظ على مؤسسات النظام القديم، وأهمها دستور عام 1945، وتخصيص 38 مقعدًا من أصل 500 لأفراد من الجيش والشرطة في تطبيق فعلي لمبدأ الوظيفة المزدوجة، بما يخالف القواعد الديمقراطية، فإن المعارضة ثمّنت هذه التعديلات، نظرًا إلى ما تتيحه لها من تمثيل داخل البرلمان يمكّنها من الاستفادة منه لإنفاذ المزيد من الإصلاح والتغيير80. خلال المدة 2002-1999، توجّه الاهتمام إلى التجديد الدستوري، حيث وافقت دورة عام 2002 للبرلمان على مجموعة من التعديلات الدستورية التي تضع اللمسات الأخيرة على عملية الإصلاح الدستوري. وفقًا لهذه التعديلات، يجري انتخاب رئيس الدولة باعتماد الاقتراع السرّي المباشر. كما حددت التعديلات انتخاب الرئيس ونائبه فترتين متتاليتين كحد أقصى، وتدوم كل فترة خمسة أعوام81، أضف إلى ذلك عدة تعديلات وتشريعات مرتبطة بالأحزاب السياسية والانتخابات واللامركزية؛ حيث إن المنتج النهائي كان بمنزلة نظام جديد. إضافة إلى التعديلات الانتخابية82، تبنّت إندونيسيا في عام 1999 نظامًا لامركزيًا على نطاق واسع في الإدارة، على الرغم من كونها رسميًا دولة موحدة83. ولا تقتصر هذه اللامركزية على المستوى الإقليمي فحسب، بل تمتد إلى المستوى المحلي أيضًا. فقد جرى تحويل عدد من الوظائف المالية والإدارية إلى المدن، ومنح البرلمانات المحلية المزيد من التحكم في ميزانياتها وتقسيم الموارد بين المركز والإقليم84. في ما يتعلق بالعلاقات المدنية - العسكرية، أدّت المؤسسة العسكرية دورًا رئيسًا في المفاوضات التي أسفرت عن استقالة سوهارتو، وحافظت في المقابل على الكثير من امتيازات الجيش. وخلال فترة رئاسة يوسف حبيبي، اتُّخذت عدة خطوات للحدّ من تسييس الجيش، وإبعاد الضباط العاملين في الحكومة. وتمّ تقليص التمثيل التشريعي للقوات المسلحة من 75 إلى 38 مقعدًا في البرلمان، و 10 في المئة في المجالس التشريعية المحلية، واحتفظ الجيش بسلطة تحديد مجالات الإصلاح في القوات المسلحة واستقلاله بدرجة كبيرة عن تمويل الحكومة المركزية والمراقبة المدنية85. كما فتحت التوترات بين النخب المدنية المجال أمام القوات المسلحة للحصول على نفوذ غير رسمي في اللعبة السياسية، حيث أحجمت الأحزاب السياسية في حملاتها الانتخابية عن تقديم برنامج للإصلاح العسكري، أملً في كسب دعم الجنرالات86. تعتبر فترة رئاسة عبد الرحمن واحد Abdurrahman Wahid) من أكثر الفترات التي حققت فيها 2001-1999(العلاقات المدنية - العسكرية تقدمًا لمصلحة المزيد من السيادة المدنية. إل أن اندلاع الصراع السياسي بين النخب المدنية، دفع به إلى الحصول على دعم القوات المسلحة من خلال تقديم بعض التنازلات التي أدت فعليًا إلى توقف الإصلاح العسكري87. وبعد عزله من البرلمان، انتهجت النخبة الإندونيسية مواقف محافظة تجاه الإصلاح العسكري في ظل الانقسام السياسي والتهديدات الأمنية88.
على العكس من تجربة تشيلي التي شهدت ظهور ائتلاف واسع للمعارضة، منعت الخلافات الكبيرة بين النخبة السياسية الحاكمة تكوين موقف موحّد حول طبيعة العلاقات المدنية – العسكرية، التي تعتبر شرطًا أساسًا لإنهاء تدخل الجيش في السياسة وتأسيس علاقات مدنية - عسكرية ناجحة. ولذلك، حققت إندونيسيا نجاحات ملحوظة في ما يطلق عليه "الجيل الأول من الإصلاحات العسكرية"89، الذي يتضمن تغييرات أساسية في الإطار المؤسسي للدولة والنظام القضائي والآليات الانتخابية وتشكيل الهياكل التمثيلية ومسؤوليات الهيئات الأمنية. وقد أخرجت هذه الإصلاحات القوات المسلحة من السياسة الرسمية، وأنتجت نظامًا سياسيًا لا يملك فيه الجيش، من الناحية النظرية، قوة الاعتراض على قرارات الحكومة المدنية. وهناك من يرى أن خضوع الجيش لخطة سلام الحكومة في إقليم آتشيه، على الرغم من الكثير من الاعتراضات داخل صفوفه، أكبر مثال على هذا التغيير90. كما أن التعديلات دخلت في عام الدستورية التي أ 2004، أنهت تمثيل الجيش في البرلمان ومنعت تقلّد أعضاء المؤسسة العسكرية المناصب الحكومية في حال احتفاظهم بوظيفتهم في الجيش91. يقابل هذه النجاحات مجموعة إخفاقات، نتيجة عدم تمسّك صنّاع القرار بمبادرات إصلاح هياكل القيادة الإقليمية؛ حيث جرى الإبقاء عليها، على الرغم من كونها مصادر القوة الأساسية للجيش، لأنها تسمح له بالاستفادة من الموارد الاقتصادية على المستوى المحلي، وممارسة دور مهم في السياسة المحلية. كما لم ينظر أيٌّ من الحكومات التي أعقبت سوهارتو جديًا في مسألة التمويل الذاتي للجيش؛ وهذه قضية مهمة، لأنها تزيد من استقلالية الجيش نظرًا إلى عدم اعتماده على المخصصات المالية من ميزانية الدولة، ما يعوّق عملية السيطرة المدنية على العسكريين92.
خاتمة: دروس مستفادة
تسلّط تجارب الدول الأربع السابقة الضوء على مجموعة من الدروس التي ميزت خبرة كل منها، مع الإقرار، بالطبع، باختلاف درجة النجاح من حالة إلى أخرى. وينبغي لنا التأكيد هنا أن أي نتائج تناقشها الدراسة تنطلق في الأساس من هذه الخبرات المختلفة التي، على الرغم من تنوعها، فإنها لا تمثل كل حالات الانتقال الديمقراطي. كما أن التركيز في هذا السياق جرى على سياق الانتقال وترتيباته، من نظام سلطوي إلى ديمقراطي، من دون التركيز كثيرًا على قضية ترسيخ الديمقراطية التي قد تكون موضع دراسات أخرى. مع الإقرار بأن لحظة الانتقال هي لحظة فريدة في تجارب الدول الأربع، فإنها تفتح المجال أمام قدر من التأمل والاستفادة من هذه التجارب. وتكشف عن أهمية عملية تصميم الدساتير من حيث تحديدها الفواعل الأساسية ووضع الأسس والترتيبات المؤقتة التي سيتم العمل بها حتى الانتهاء من الدستور النهائي، وتحديد الإطار الزمني (طال أو قصر) لوضع الدستور في بعض الحالات93. يتضح أيضًا من الحالات الأربع أن عملية تصميم الدستور هي عملية سياسية اجتماعية أكثر منها قانونية، فهي تتطلب قدرًا كبيرًا من المساومات والمفاوضات وتحقيق التوازن والتوافق والمواءمة بين الفواعل والتكوينات السياسية والاجتماعية القائمة94. ونناقش في ما يلي النتائج الأساسية للدراسة. أولً: عكست الحالات محل الدراسة، باستثناء حالة جنوب أفريقيا، اختيار مسار الاستمرارية الدستورية خلال الفترة الانتقالية. فقد استمر العمل بالدستور القديم والقواعد والإجراءات والمؤسسات الخاصة بالنظام القديم خلال الفترة الانتقالية. ولا ينفي هذا أن قدرًا من التعديل والتغيير قد شمل هذه الترتيبات والقواعد الحاكمة القديمة، لكنه كان تعديلً محدودًا ليعكس حقائق المرحلة الانتقالية التي تمهّد لمرحلة جديدة في النظام السياسي. واتخذت عملية التصميم الدستوري في الحالات محل الدراسة أشكالً مختلفة. بعض الحالات كان اتفاقًا بين الفاعلين الرئيسين، وفي حالات أخرى كان من خلال التشريع، القائم بذاته أو الدستور المؤقت، أو اتفاقية، جزءًا من ترتيبات أخرى. لكنها تتشارك كلّها في وجود إطار قانوني وقواعد محددة، جرى من خلالها إدارة عملية الانتقال. وقُدمت الانتخابات على الدستور النهائي في هذه الحالات، لكن لم تترك نتيجة الانتخابات وحدها تحدد الدستور النهائي. كما اتخذ الانتقال في كل هذه الحالات مسارًا تدرجيًا لا ثوريًا في الانتقال الديمقراطي، اتسم بالتوافق بدرجة كبرى. ولا يعني التوافق هنا أن مسار التحول كان سهلً وبلا عقبات، فقد كانت المفاوضات
صعبة ومعقدة، وبعضها توقف فترات نتيجة لانسحاب أحد الأطراف اعتراضًا على سياسات أو أحداث معيّنة. لكن ما يقصد بالتوافق هنا أن الترتيبات والتعديلات والتغييرات الموضوعة، وصولً إلى صيغة الدستور النهائي، كانت تجري في الأساس بالاتفاق والتوصل إلى حلول وسط بين الأطراف المعنية التي تحلّت بروح المسؤولية السياسية، لا من خلال عملية التصويت والمغالبة أو الانتصار للمصالح السياسية أو الحزبية الضيقة القصيرة الأجل. ولهذا تكون الدساتير في الحالة الأولى عاملً لاستقرار النظام الجديد وتدعيم الديمقراطية، بينما تكون في الحالة الثانية مصدرًا للمزيد من عدم الاستقرار والانقسام المجتمعي، وقد تؤدي إلى العودة إلى السلطوية مرة أخرى. ويعني هذا أنه كلما زاد توافق الآراء حول عملية تصميم الدستور، زادت فرص نجاح المسار الديمقراطي. يلاحظ أيضًا في الحالات محل الدراسة أن عملية تصميم الدستور كانت شاملة؛ فلم يتم استبعاد أو تهميش أي من الفواعل السياسية الأساسية، بما فيها عناصر النظام القديم والقوى المتحالفة معه، بغض النظر عن الجرائم أو الفظائع التي جرى ارتكابها في الماضي. وهذا ما أدّى في أغلبية الحالات إلى التعامل مع العدالة الانتقالية، بعيدًا عن منطق الانتقام أو تصفية الحسابات. ثانيًا: تضمّنت ترتيبات المرحلة الانتقالية في الحالات الأربع مجموعة من السمات التي تحدّ من السلطة المطلقة للأغلبية، والتي من شأنها إزالة الكثير من الشكوك والمخاوف وتعزيز الثقة بين الأطراف. ويمكن تصنيف هذه الشروط مجموعتين، بناء على معيارَي الشكل والنطاق. يشير معيار الشكل إلى مجموعة الهياكل والإجراءات الموضوعة التي تحدّ من سلطة الأغلبية المنتخبة. على سبيل المثال، يُعدّ إنشاء محاكم دستورية لها حق المراجعة القضائية واحدًا من هذه الشروط، وكذلك ما يتعلق بوضع مجموعة من المبادئ، لا يجوز مخالفتها في الدستور النهائي، واشتراط أغلبية خاصة لتمرير قوانين معينة، مثل التعديلات الدستورية. ويُدرج تحت ذلك أيضًا تمثيل الأقاليم في المجالس التشريعية، واعتماد شكل فدرالي للدولة لحماية المصالح في الأماكن القليلة السكان من خلال إعطاء أصواتهم وزنًا مساويًا للأماكن ذات الكثافة السكانية، وتفويض سياسات مهمة للمستوى الإقليمي للحماية ضد إعادة التوزيع أو المصادرة والتحيّز إلى الاهتمامات المحلية95. أما من حيث النطاق، فيشير إلى مجموعة الإجراءات التي تستهدف جماعات أو أقاليم بعينها، مثل سن قواعد انتخابية تعطي بعض الجماعات تمثيلً أكبر من حجمه، والنص على تقاسم السلطة حال توافر شروط معينة، وإقرار حماية خاصة لبعض الجماعات، كالمؤسسة العسكرية، ووضع قيود على الملاحقة القانونية لمسؤولي النظام السابق عن انتهاكات حقوق الإنسان وغيرها96. ثالثًا: الفترة الزمنية: في كل الحالات محل الدراسة، لم يوضع الدستور الجديد بين عشيّة وضحاها بعد انهيار النظام. بل تطلّب الأمر قدرًا من التفاوض والمساومة، استغرق سنوات في كل الحالات. وبصفة عامة، تتّسم فترات ما بعد سقوط النظام القديم بقدر كبير من عدم اليقين والتشكك في المستقبل وعدم الثقة بين الأطراف الفاعلة. في ظل مناخ عدم الثقة هذا، من غير المحتمل أن يُنتج دستور يتمتع بالتوافق. ومن هنا تظهر أهمية استخدام الفترة الانتقالية لترسيخ الثقة بين الخصوم السياسيين. ولهذا، فإن عدم التسرّع في البدء في عملية كتابة الدستور النهائي يتيح فرصة لتعزيز الثقة وروح التعاون بين الأطراف السياسية المختلفة. فإذا كان المطلوب في عملية وضع الدستور أن تكون تشاركية وشاملة وتوافقية، فهذا يتطلّب إتاحة الوقت الكافي لبناء الثقة. ويحقق هذا الأمر قدرًا من الإجماع/ التوافق بين القوى السياسية المؤثّرة ومراكز النفوذ، مثل المؤسسة العسكرية والنخب الاقتصادية والسياسية والثقافية، على احترام الدستور؛ لاقتناعها بأنه غير معوّق لمصالحها وأدوارها، وأن أيّ تحايل عليه قد يؤدي إلى اختلال التوازن الذي قد ينتج منه تأثيرات لا يرغب فيها الجميع. تقع عملية تصميم الدساتير في القلب من عملية التحول الديمقراطي، وتحدّد مسار نجاحه أو فشله. فكلما كانت العملية أكثر استيعابًا للمصالح المختلفة للأطراف الفاعلة وأشد تعزيزًا للثقة بينها، قلّلت من تكلفة التمسك بالصفقة الديمقراطية ورفعت تكلفة الانقلاب عليها؛ لأنها تحوّلها من مباراة صفرية إلى أخرى غير صفرية، فيها الجميع أفضل حالً حتى لو كان ذلك بدرجات متفاوتة. ويبقى التحدي الأساسي هو كيفية استفادة الفاعلين السياسيين في حالات أخرى من هذه التجارب والبحث والتدقيق، والنقد الذاتي لتقديم عقد سياسي واجتماعي جديد يعكس خصوصيتهم بتنويعاتها المختلقة، من حيث السياق والثقافة والنظم السياسية والاجتماعية، من دون الاعتماد على النماذج المستوردة.
المراجع
العربية
إسماعيل، محمد صادق. التجربة الإندونيسية: الإصلاح السياسي والفصل بين السلطات. القاهرة: العربي للنشر والتوزيع،.2015 بشارة، عزمي. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 توفيق، راوية. "هل الدولة والمجتمع في مصر مستعدان للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية: دروس من جنوب أفريقيا." سياسات عربية. العدد 6 (كانون الثاني/ يناير.)2014 Non- الرباع، جواد. "المسألة الدستورية وإشكالية الانتقال الديمقراطي: تبين. مج حالة المغرب." 2، العدد 8 (ربيع.)2014 الرنتاوي، عريب [وآخرون.] الإسلام -الدولة والمواطنة: نحو خطاب إسلامي ديمقراطي مدني 2(). ع ن: مركز القدس للدراسات السياسية؛ مؤسسة كونراد أديناور،.2008 عبد الناصر، وليد. "جنوب أفريقيا وتصفية الأبارتيد." السياسة الدولية. العدد 105 (تموز/ يوليو.)1991 فكري، مروة. "الربيع العربي من منظور مقارن: دراسة في أثر نمط التحول على الانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية." مجلة التنوير. العدد 15 (كانون الأول/ ديسمبر.)2014 ليبهارت، إريند. "التخطيط الدستوري في مجتمعات منقسمة." تبيّ. مج ترجمة ثائر ديب. 1، العدد 4 (ربيع.)2013 مهدي، محمد عاشور. "الديمقراطية في أفريقيا: تجربة التحول دفاتر السياسة والقانون. مج الديمقراطي في جنوب أفريقيا." 1، العدد 1 (جانفي [كانون الثاني/ يناير].)2009 ميشيل براندت [وآخرون.] وضع الدستور والإصلاح الدستوري: خيارات عمليّة. لبنان: إنتربيس،.2012 هاشم، حامد أحمد مرسي. نظرية المباريات ودورها في تحليل الصراعات الدولية مع تطبيق على الصراع العربي الإسرائيلي. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1984 واهيو، وينلاك. دليل عملي لبناء الدساتير: مقدمة. استوكهولم: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات،.2011
الأجنبية
Acemoglu, Daron & James A. Robinson. "A Theory of Political Transitions." American Economic Review. vol. 91, no. 4 (2001). Aspinall, Edward. "Popular Agency and Interests in Indonesia's Democratic Transition and Consolidation." Indonesia: Special Issue: Wealth, Power, and Contemporary Indonesian Politics. no. 96 (October 2013). Banasinski, Cezary. "Poland." The International Lawyer. vol. 29, no. 1 (January 1995). Bartkowsi, Maciej. "Poland's Solidarity Movement on Center International Violent Conflict (ICNC). (December 2009). at: http://bit.ly/3bNI47N Bochenforde, Markus et al. A Practical Guide to Constitution Building. Stockholm: International IDEA, 2011. Boix, Carles. Democracy and Redistribution. Cambridge: Cambridge University Press, 2003. Carnegie, Paul. "Democratization and Decentralization in Post-Soeharto Indonesia: Understanding Transition Dynamics." Pacific Affairs. vol. 81, no. 4 (Winter 2008). Chandra, Siddharth & Douglas Kammen. "Generating Reforms and Reforming Generations: Military Politics in Indonesia's Democratic Transition and Consolidation." World Politics. vol. 55, no. 1 (October 2002). Cipkowski, Peter. Revolution in Eastern Europe: Understanding the Collapse of Communism in Poland, Hungary, East Germany, Czechoslovakia, Romania and the Soviet Union. New York: John Wiley&sons Inc., 1991. Dressel, Bjoern & Marco Bunte. "Constitutional Policies in Southeast Asia: From Contestation to Constitutionalism." Contemporary Southeast Asia. vol. 36, no. 1 (April 2014). Encyclopedia Britanica. at: https://bit.ly/3FaeEgV
Fijalkowski, Agata. From Old Time to New Europe: The Polish Struggle for Democracy and Constitutionalism. London: Routledge, 2010. Ghai, Yash & Guido Galli. "Constitution Building Process and Democratization." IDEA (2006). Ghoshal, Baladas. "Democratic Transition and Political Development in Post-Soeharto Indonesia." Contemporary Southeast Asia. vol. 26, no. 3 (December 2004). Giliomee, Hermann. "Democratization in Africa." Political Science Quarterly. vol. 110, no. 1 (1995). Ginsburg, Tom (ed.). Comparative Constitutional Design. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Glenn, J.K. Framing Democracy: Civil Society and Civic Movements in Eastern Europe. Stanford/ CA: Stanford University Press, 2001. Guo, Sujian. "Democratic Transition: A Critical Overview." Issues & Studies. vol. 35, no. 4 (April 1999). Horowitz, Donald L. Constitutional Change and Democracy in Indonesia. Cambridge: Cambridge University Press, 2013. Huntington, Samuel P. The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century. Norman: University of Oklahoma Press, 1993. Constitutional Indonesian Denny. Indrayana, Reform 1999-2002: An Evaluation of Constitution- Making in Transition. Jakarta: Kompas Book Publishing, 2008. Inman, Robert & Daneil Rubinfeld. "Understanding the Democratic Transition in South Africa." American Law and Economics Review. vol. 15, no. 1 (Spring 2013). Jung, Jai Kwan & Christopher Deering. "Constitutional Choices: Uncertainity and Institutional Design in Democratising Nation." International Political Science Review. vol. 36, no.1 (2015). Kockesen, Levent & Efe A. Ok. An Introduction to Game Theory. S.I: N.P., 2007. at: https://bit.ly/3lsv9vl Loveman, Brian. "Mision cumplida? Civil Military Relations and the Chilean Political Transition." Journal of Interamerican Studies and World Affairs. vol. 33, no. 3 (Fall 1991). Macdonald, Geoffery. "Indonesia's Path to Liberal Democracy: Lessons for the Middle East." IEMed (2016). Maravall, José M. & Ignacio S. Cuenca (eds.). Controlling Governments: Voters, Institutions, and Accountability. Cambridge: Cambridge University Press, 2008. Masipa, Tshepo. "South Africa's Transition to Democracy and Democratic Consolidation: A Reflection on Socio-Economic Challenges." Journal of Public Affairs. vol. 18, no. 4 (2018). Mietzner, Marcus. Military Reform in Post- Suharto Indonesia: Elite Conflict, Nationalism, and Institutional Resistance. Washington: East-West Center, 2006. Mittal, Sonia & Barry Weingast. "Self-Enforcing Constitutions: With an Application to Domestic Stability in America's First Century." Journal of Law, Economics & Organiation. vol. 29, no. 2 (2013). Nagel, Stuart S. (ed.). African Development and Public Policy. London: MacMillan Press LTD, 1994. Rapaczynski, Andrzej. "Constitutional Politics in Poland: A Report on the Constitutional Committee of the Polish Parliament." The University of Chicago Law Review. vol. 58, no. 2 (Spring 1991). Renwick, Alan. "Why Hungary and Poland Differed in 1989: The Role of Medium-Term Frames in Explaining the Outcomes of Democratic Transition." Democratization. vol. 13, no. 1 (2006). Reynolds, Andrew (ed.). The Architecture of Democracy: Constitutional Design, Conflict Management, and Democracy. Oxford: Oxford University Press, 2002. Schwarz, Adam. A Nation in Waiting: Indonesia's Search for Stability. Colorado: Westview Press, 2000.
Scott, Sam D. "Transition to Democracy in Chile: Two Factors." Graduate Student Theses, Dissertations & Professional Papers (2001). at: https://bit.ly/3FdfkC5 Stokes, Gale. The Walls Came Tumbling Down: The Collapse of Communism in Eastern Europe. Oxford: Oxford University Press, 1993. Szewczak, Andrzej. "The Polish Round Table 1989: Negotiating the Revolution." Journal of Dialogue Studies. vol. 3, no. 2 (Autumn 2015). at: https://bit.ly/2ZIV4bi United Nations Development Programme (UNDP). "The Political Economy of Transition: Comparative Experiences. " UNDP Discussion Paper (March 5, 2013). at: https://bit.ly/3D9wsXA Warburton, Eve & Edward Aspinall. "Explaining Indonesia's Democratic Regression: Structure, Agency, and Popular Opinion." Contemporary Southeast Asia. vol. 41, no. 2 (August 2019). Welsh, David. "Africa's Democratic Transition." The Brown Journal of World Affairs. vol. 2, no. 1 (Winter 1994). Zielinski, Jakub. "The Polish Transition to Democracy: A Game-Theoretic Approach." European Journal of Sociology. vol. 36, no. 1 (1995).