التدبير الدستوري للانتقال السياسي في الحالة الجزائرية: هل تلبي المسالك الدستورية القائمة مطالب الحراك الشعبي؟

Mouslem Babaarabi مسلم بابا عربي |

الملخّص

This study examines the constitutional management of political transition in Algeria following the popular protests of February 2019 (the Hirak). After setting out the basic tenets of Transitional Constitutionalism, the study investigates the extent to which peaceful political change can be achieved through constitutional mechanisms or arrangements derived from inherited texts. In contrast to similar Arab cases, the Algerian experience was characterized by the adoption of a political plan to manage the transitional phase, based on constitutional measures derived from the texts in force. But it was not convincing for a large segment of the Hirak, who believed that these arrangements would restrict the path of change to reproduce the existing system at the expense of achieving peaceful political change. In this sense, managing the transitional political phase according to the applicable constitutional texts did not set a precedent. Rather, in Algeria, a kind of precedent was set in the restriction of the concept of constitutional solution to the literal requirements of the functional constitutional text, without partial constitutional amendments, nor a fundamental revision of the inherited legislative structure. Keywords: Constitution, Hirak, Political Transition, Transitional Constitutionalism.

The Constitutional Management of Political Transition in Algeria: Do the Existing Constitutional Paths Meet the Demands of the Hirak?

تبحث هذه الدراسة في موضوع التدبير الدستوري لمرحلة الانتقال السياسي في الجزائر عقب الحراك الشعبي في 22 شباط/ فبراير 2019، فمن خ لاا تنزيل المقولات الأساسية للدستورانية الانتقالية، تهتمّ الدراسة بإشكالية مدى إمكانية إنجاز التغيير السياسي السلمي عبر الآليات أو الترتيبات الدستورية المستمدة من النصوص الموروثة. ومقارنة بحالات عربية مشابهة، تميزت التجربة الجزائرية باعتماد مخطط سياسي لإدارة المرحلة الانتقالية، مستندة إلى تدابير دستورية مستمدة من النصوص السارية. لكنها لم تكن مقنعة لقطاع واسع من مكونات الحراك الشعبي الذي قدَّر أن تلك الترتيبات تقيّد مسار التغيير، وترجح كفة إعادة إنتاج المنظومة القائمة على حساب إمكانية إنجاز التغيير السياسي السلمي. لم يشكل خيار تدبير المرحلة السياسية الانتقالية، وفق ما تتيحه النصوص الدستورية السارية، سابقة في هذا المجال، فما يعدّ نوعًا من السابقة في الحالة الجزائرية هو اقتصار مفهوم الحل الدستوري على المقتضيات الحرفية لمنطوق النص الدستوري، من دون تعديلات دستورية جزئية، ولا مراجعة جوهرية للبنية التشريعية الموروثة.

كلمات مفتاحية: الدستور، الحراك الشعبي في الجزائر، الانتقال السياسي، الدستورانية الانتقالية.

مقدمة

تبُرز تجارب تاريخية عديدة في العالم أن المسألة الدستورية غالبًا ما تحتل مكانة مهمة في النقاش العام خلال مراحل الانتقال السياسي. فباعتبار الدستور النص المرجعي المحدد لنمط الحكم، والمعرّف لقواعد العمل السياسي، وبوصفه أيضًا التعبير القانوني عن الميثاق أو العقد الاجتماعي القائم، من المتوقع أن تستحضر السجالات السياسية في السياق الانتقالي مضامين الوثيقة الدستورية الموروثة من المرحلة الماضية، سواء بالنظر إليها جزءًا من تركة النظام السابق وجب تجاوزها، أو باعتبارها، على مثالبها، ملاذًا يمكن أن يوفر بعض المسالك الشرعية لإنجاز التغيير السياسي. ليس هناك دلائل إمبريقية قطعية على أولوية المسألة الدستورية في السياق الانتقالي، وأسبقيتها مقارنةً بقضايا الانتقال الأخرى: كمجابهة الفساد، ومسار العدالة الانتقالية، والحوار الوطني. فكثير من تجارب الانتقال الديمقراطي الناجحة أُجّل فيها حسم المضامين الدستورية الجديدة إلى سنوات، واختلاف أنماط الانتقال بين المسلك الثوري الراديكالي والميثاقي التفاوضي لا يترك مجالً لتأكيد أن الانتقال المثالي هو ذلك الذي يُعمد فيه إلى تدابير دستورية مؤقتة، أو لذاك الذي يتم تماشيًا مع مقتضيات الدساتير القائمة. غير أن تجارب الانتقال القريبة في المنطقة العربية، خلال موجة الربيع العربي، قد تقاطعت تقاطعًا لافتًا للانتباه في نقطة مركزية التدابير الدستورية، وأهميتها في مسار الانتقال، سواء من خلال العناية بقضايا التنظيم المؤقت للسلطة في المرحلة الانتقالية؛ تفاديًا للفراغ القانوني والمؤسساتي، وسعيًا لتحييد رموز النظام السابق عن التدخل والتأثير في مخرجات عملية الانتقال، أو من خلال تدبير عملية صوغ النصوص الجديدة، بل إن بعض الطروحات ذهبت إلى حد المجادلة في أن العناية بجودة المسارات الدستورية الانتقالية قد باتت عاملً حاسمً في نجاح بعض التجارب، وفي فشل أخرى. وعمومًا، تُثار قضايا الدستور، أو القواعد الدستورية في السياق الانتقالي، من زوايا ثلاث على الأقل: أولاها رؤية القوى السياسية الفاعلة (القوى الثورية، السلطة القائمة) للنص الدستوري السابق، وكيفية التعامل معه، وثانيتها تصور تلك الأطراف كيفية إدارة مرحلة الانتقال، عبر تدابير انتقالية أو إعلانات مؤقتة. أما الزاوية الثالثة، فتتصل برؤيتهم للنص الدستوري المستقبلي؛ ما إذا كان تصميمه يعتبر أولوية، أم لم يكن كذلك، وكيفية إمكان الوصول إلى آلية متفق عليها لصوغه صوغًا معبرًا عن التطلعات. وفي سياق ما يمكن تسميته الموجة الثانية من الربيع العربي، وقد شملت بلدانًا كالسودان والعراق والجزائر ولبنان، تطرح الحالة الجزائرية، منذ 22 شباط/ فبراير 2019، من منظور مقاربات التحول الديمقراطي، موضوعًا مهمً لبحث طبيعة المقتضيات الدستورية التي يمكن من خلالها إدارة المرحلة الانتقالية؛ إذ شغلت الترتيبات الدستورية حيزًا مهمًّ في مساحة النقاش السياسي الذي دار منذ إعلان الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة 2019-1999()، استقالته تحت ضغط الحراك الشعبي المتصاعد. فعلى الرغم من أن الدساتير لا توضع في الأصل لتوقع حالة الانتقال السياسي، ولا لتنظيمها، وعلى الرغم من أن المنطق الثوري يفرض في الأغلب تجاوز الأطر الدستورية القائمة، بوصفها إحدى وسائل الشرعنة الشكلية للمنظومة السياسية المنهارة، فإنّ مسالك التغيير السياسي لا بد من أن تحتكم في هذا الطور الانتقالي إلى تخريجات دستورية خاصة، تضمن شرعية المسار، وتمنع حالة الفراغ المؤسساتي. ومن خلال المقارنة بحالات عربية مشابهة، تميزت التجربة الجزائرية الحالية بفرض المؤسسة العسكرية مخططًا سياسيًا لإدارة المرحلة الانتقالية، مستندًا إلى تدابير دستورية مأخوذة من النصوص السارية، مع التركيز على "توليفة" مكونة من المادتين: السابعة والثامنة (مواد نظرية غير إجرائية)، والمادة الثانية بعد المئة (مادة تنظم حالة شغور منصب رئيس الجمهورية) من الدستور. ولم تكن هذه التوليفة مقنعة لقطاع واسع من مكونات الحراك الشعبي الذي قدَّر أن تلك الترتيبات تقيّد مسار التغيير، وترجح كفة إعادة إنتاج المنظومة القائمة على حساب إمكانية إنجاز التغيير السياسي السلمي. غير أن تلك الخطة فُرضت بوصفها خريطة طريق، أديرت من خلالها المرحلة الانتقالية الفاصلة بين استقالة الرئيس السابق وانتخاب رئيس جديد. تناقش هذه الدراسة إشكالية مدى إمكانية إنجاز التغيير السياسي السلمي عبر الآليات، أو الترتيبات الدستورية المستمدة من النصوص الموروثة. ففي لحظة فارقة من مسار الحراك الشعبي السلمي في الجزائر، قررت المؤسسة العسكرية دعم المطالب الشعبية باقتراحها تفعيل المادة الثانية بعد المئة من الدستور، وهو قرار ساهم، من دون شك، في تعجيل استقالة الرئيس في 2 نيسان/ أبريل 2019، محققًا شطرًا مهمًّ من المطالب الشعبية. لكن مسار التغيير الذي تتطلع إليه مختلف القوى السياسية في البلاد ظل مرتبطًا بميزان القوة بين الحراك الشعبي والطرف الأقوى في السلطة القائمة، ومرتهنًا بمخرجات مخطط تسيير المرحلة الانتقالية.

ومن خلال تنزيل المقولات الأساسية للدستورانية الانتقالية على واقع التجربة القائمة في 1Transitional Constitutionalism الجزائر، في أعقاب الحراك الشعبي الذي كان سببًا في إلغاء مشروع ولاية جديدة للرئيس السابق، تسعى الدراسة، عبر فحص مدى ملاءمة التدابير الدستورية المنتهجة لطبيعة المرحلة السياسية، ومدى قدرتها على ضمان عملية انتقال سياسي فعلي، لإبراز أثر الترتيبات الدستورية المؤقتة في نتائج مسار الانتقال، وفرص تحقيق تغيير سياسي عميق للمنظومة القائمة. فخيار التمسك بالمسارات الدستورية المتاحة؛ استبعادًا لأخطار الفراغ، لم يكن بدعة أو سابقة في تاريخ تجارب الانتقال. لكنه قد ينطوي على مأزق محدودية فرص إنجاز التغيير، وقد يكون مدخلً إلى إعادة إنتاج المنظومة السابقة، لا سيما إذا لم يُسند بإجراءات سياسية مرافقة. وتتمثل إشكالية الدراسة في الإجابة عن التساؤلات الآتية: هل يمكن أن يتحقق مطلب الحراك السلمي في الجزائر بإحداث التغيير السياسي عبر مسار تحكمه آليات وتخريجات مستمدة من النصوص الدستورية السارية؟ وما طبيعة الترتيبات الدستورية المعتمدة؟ وما مدى استجابتها لطبيعة المرحلة السياسية ولمطالب الحراك الشعبي؟ أيخدم التمسك بالمسلك الدستوري فرص التغيير أم يُعظم إمكانية إعادة إنتاج المنظومة نفسها؟ أما الفرضية الرئيسة التي تسعى الدراسة لاختبارها، فهي أن المسار الذي فرضته المؤسسة العسكرية، باسم احترام الأطر الدستورية، لم يكن نتاج توافقات وتفاهمات سياسية يمكن أن تجعل منه وسيلة لتحقيق تغيير سياسي سلمي؛ ما أفقده القدرة على الاستجابة لتحديات اللحظة السياسية، خصوصًا في ظل ضعف الإجراءات السياسية المرافقة، ومحدودية إسهام المجلس الدستوري في تطوير الاجتهاد لتجاوز الإشكالات الدستورية المطروحة. تكمن أهمية الدراسة في أن موضوع الترتيبات الدستورية للمرحلة الانتقالية، من خلال التجربة الجزائرية، يناقش فرضية مستجدة نسبيًا، من حيث تمسك القوى السياسية الفاعلة في المشهد بالمسلك الدستوري الصرف، من دون اللجوء إلى ترتيبات خاصة؛ توافقًا مع متطلبات الانتقال، كالتعديلات الدستورية، أو الإعلان الدستوري. ومنه تناقش الدراسة مدى إمكانية أن يتحقق الانتقال السياسي من خلال المسالك الدستورية الموروثة من المرحلة السابقة. وتكمن الأهمية العلمية للدراسة أيضًا في أنها تحاول استقراء السياق الانتقالي في الحالة الجزائرية، في ضوء خبرة عربية تراكمت منذ تجارب الطور الأول من الربيع العربي، وهذا قد يفتح أفقًا لترسيم استنتاجات جديدة متعلقة بمنطق التدبير الدستوري لمراحل الانتقال السياسي. ففي إطار ما يسمى "الدستورانية الانتقالية"، ينبغي اختبار طبيعة العلاقة بين جودة الترتيبات الدستورية المؤقتة وجودة نتائج مسار الانتقال. وانطلاقًا من المقاربات النظرية للتحول الديمقراطي، تزاوج الدراسة منهجيًا بين أدوات التحليل القانوني الدستوري والتحليل السياسي في بحث مقتضيات التدبير الدستوري لعملية الانتقال السياسي. وذلك بتحليل طبيعة الحالة السياسية القائمة في الجزائر بعد 2 نيسان/ أبريل 2019، بين توصيف دستوري قانوني يعتبرها حالة شغور تنظمها أحكام المادة 102 من الدستور، ومنظور سياسي يصنفها وفق أدبيات التحول على أنها مرحلة سياسية انتقالية يمكن أن تكون أرضية لتحقيق انتقال سياسي، ويمكنها أن تسمح أيضًا بإعادة بعث المنظومة السابقة، في حال انتكاس مسار الانتقال. وتركز أدبيات التحول الديمقراطي على عمليات التفاوض ومسارات إنتاج الحلول الإجرائية المكرسة للتوافقات المرحلية. ومن خلال ذلك نسعى، في الحالة الجزائرية، للتركيز على طبيعة الإجراءات؛ لكونها سببًا مؤثرًا في نوعية المخرجات العملية. على الرغم من أن المنهج المقارن يتيح مجالً أفضل لبناء استنتاجات أوسع في مثل هذه الدراسات، فإن خيارنا باعتماد منهج دراسة الحالة مردّه خصوصية التجربة الجزائرية، وتعدد المتغيرات المتحكمة في مسار المرحلة الانتقالية. وفي كل الأحوال، فإن ما يتيحه منهج دراسة الحالة من إمكانية التوصل إلى نتائج تخص الحالة المدروسة، قد يعدّ إضافة إلى التراكم المعرفي في مجال فهم مسارات الانتقال السياسي وتجاربه عربيًا، لا سيما في الطور الثاني من الربيع العربي.

أولا: مدخل نظري إلى التدبير الدستوري للمراحل الانتقالية أو "الدستورانية الانتقالية"

لم تُولِ أعمال التحول الديمقراطي الكلاسيكية المسألة الدستورية في مسار التحول أهمية كبرى، بل غالبًا ما عُدّت جزئية هامشية في مرحلة من مراحل الانتقال، مع التركيز على عملية صوغ دستور جديد فحسب، بوصفها شكلً من أشكال تثبيت القواعد السياسية الجديدة. فمن الممكن أن تكون الطبيعة الثورية لمعظم التحولات، خلال سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، هي السبب في عدم طرح المسألة الدستورية في السياق الانتقالي، والتعامل مع الدستور، وحده،

  1. فضّ ل الباحث استخدام لفظ "الدستورانية" مقابل Constitutionalism، بدلً من لفظ "الدستورية" الذي يُستخدم عادة في مقابل Constitutional؛ تمييزًا للمعنيين المختلفين.

على أنه نتيجة لمسار التحول، أو أحد مخرجاته التي ترسم شكل المنظومة السياسية الجديدة، وقواعد العمل السياسي الديمقراطي2.

وعلى العكس من ذلك، بات الدستور، خلال التحولات التي عرفتها دول وسط أوروبا وشرقها، بعد سقوط جدار برلين في نهاية ثمانينيات القرن العشرين، والتحولات الجديدة في آسيا وجنوبي أفريقيا، في مركز النقاش السياسي، وموضوعًا أساسًا من مواضيع التحول الديمقراطي. ففي اتجاه مناقض لما درجت عليه الأدبيات التقليدية، من اعتبار مسار صوغ دستور جديد هو النهاية المتوجة للثورات الليبرالية، فإن التحولات في دول ما بعد الشيوعية جعلت موضوع الدستور في قلب التحولات التي أنجزت عبر دساتير موروثة من الحقبة الماضية3. فالتحولات الديمقراطية في دول أوروبا الشرقية، أو نظم ما بعد الشيوعية، أبرزت أن هناك حاجة إلى التعامل مع ما تثيره النصوص الدستورية القائمة من إشكاليات في مراحل التحول الإصلاحي أو التفاوضي. فإذا كانت التحولات الثورية قائمة على القطيعة التامة مع النظام السابق، برموزه ومؤسساته ومنظومته الدستورية والقانونية أيضًا، فإن كثيرًا من التحولات التي لم تمتلك فيها قوى التغيير القدرة على الحسم الكلي للمعركة في مواجهة النظام السابق جرت فيها عملية الانتقال عبر تسويات، أو تفاهمات، أفضت إلى عملية انتقال متدرج، أو متفاوض فيه. وفي هذه الحال، كان أمام قوى التغيير أن تتعامل مع جزء من تركة النظام السابق، لا سيما قواعده الدستورية؛ إذ تبرز تجارب كل من المجر وبولندا حالات نموذجية لمسارات انتقال كان عليها أن تتعامل مع مواثيق دستورية سنّتها الأغلبية البرلمانية للحزب الشيوعي، وأن تنجز التغيير الديمقراطي من خلالها4. كان لتجربة التحول في جنوب أفريقيا أيضًا، ذات الخصوصية الفريدة، ومسارها المبتكر في التعامل مع التركة الثقيلة لنظام الميز العنصري، ومع قضية صناعة الدستور الجديد عبر مسار طويل، دور مهم في بروز ما يُعرف بالدستورانية الانتقالية، أو التدبير الدستوري الانتقالي. لقد أصبحت فكرة سيادة القانون والحكم الدستوري مسألة ذات أولوية في مسارات الديمقراطية بعد عام 1989، وهو ما عُبّ عنه بميلاد دستورانية جديدة. فخلال التعامل مع النصوص الدستورية الموروثة من حقبة ماضية، كانت هناك حاجة إلى مراعاة تطبيق الدستور، والمبادئ المعلنة فيه، أكثر من الحاجة إلى نصوص جديدة.

1. في مفهوم الدستورانية الانتقالية

تشير الدستورانية الانتقالية إلى جملة التدابير التي يمكن من خلالها مأسسة العملية السياسية في المرحلة الانتقالية، ومعالجة مختلف القضايا المتعلقة بالقواعد الدستورية في لحظة الانتقال. ففي هذه اللحظة، تبرز رغبة قوية في القطيعة مع الماضي بممارساته ونصوصه، وبإرادة أقوى في صوغ قواعد مستقبلية مختلفة تعزز الحقوق وتكرس مزيدًا من الضمانات. وفي الوقت نفسه، هناك مشكلات آنية ملحّة، لا يتيح الدستور القائم حلولً لمواجهتها، إضافة إلى أن الحالة الاستثنائية التي يعيشها المجتمع لا تسمح بسنّ قواعد دستورية جديدة، وفق الترتيبات المعهودة. ومن المهم التعامل مع تلك المشكلات بحد أدنى من الاحترام لمعايير الشرعية والشكليات الإجرائية. في إمكان التدابير الدستورية الانتقالية أن تقدم حلولً ظرفية لتلك المشكلات، ويمكنها المساعدة أيضًا في مأسسة مسار الديمقراطية، وتقديم بدائل مؤسسية لإنجاز مزيد من التغيير السياسي5. ويُقصد بالدستورانية الانتقالية أيضًا مجموعة الترتيبات التي يمكن من خلالها التعامل مع القضايا الناتجة من عدم وجود نص دستوري بديل من النص القديم، وقد يحمل النص القديم، بطبيعته، من القيود ما يحدّ إرادة التغيير أو يعرقلها، فضلً عن أنّ جانبًا مهمًّ من مشكلات الدستور في تجارب الانتقال التي أُجّلت فيها عملية صوغ نصوص دستورية جديدة لم يكن يتصل بالحقوق والضمانات المكفولة دستوريًا، بقدر ما

  1. Ruti Teitel, "Post-Communist Constitutionalism a Transitional Perspective," Colombia Human Rights Law Review , vol. 26 (1994), p. 167.
  2. Gabor Halmai, "Silence of Transitional Constitution: The Invisible Constitution Concept of the Hungarian Constitutional Court," International Journal of Constitutional Law , vol. 16, no. 3 (November 2018), p. 970.
  3. Jiunn Rong Yeh & Wen Chen Chang, "The Changing Landscape of Modern Constitutionalism: Transitional Prospection," Taiwan University Law Review , vol. 4, no. 1 (March 2009), p. 149.

كان يتصل بالتخوف من خرق تلك القواعد، أو عدم إنفاذها، وكذلك من إمكانية هيمنة أغلبية برلمانية معينة في المستقبل على عملية صوغ القواعد التشريعية الناظمة للعمل السياسي هيمنةً أحادية. تجدر الإشارة كذلك إلى أن الاهتمام بأبعاد "الدستورانية الانتقالية" يعود أيضًا إلى أهمية تجارب ما أسماه لاري دايموند "النظم السياسية الهجينة"6، تلك النظم التي نتجت من تجارب التحول المتعثرة، نظم امتلكت ظاهريًا قواعد دستورية ليبرالية، وانتخابات تعددية شكلية، لكنها حافظت على جوهرها التسلطي، نظم تتعايش فيها المؤسسات والقوانين الديمقراطية مع ثقافة وممارسات سياسية غير ديمقراطية، أو نظم المنطقة الرمادية  Gray Zone 7، ذات الواجهات الديمقراطية والجوهر التسلطي. فبالقدر الذي عرف فيه العالم اتساعًا مطّردًا في عدد الديمقراطيات الدستورية، تزايدت أزمة الديمقراطية الدستورية، بحيث باتت القواعد الدستورية في كثير من الدول ترتيبات شكلية، فحسب، مفتقرة إلى الجوهر الديمقراطي. فاكتساب دستور مكتوب يقر الفصل بين السلطات، ويعزز دور حكم القانون، وحماية الحريات الفردية والجماعية، ويؤسس للانتخابات الحرة والتعددية، كان عنصرًا ضروريًا لشرعة وجود بعض النظم السياسية في نظر مواطنيها، وفي نظر المجتمع الدولي. لكنه لا يحمل بالضرورة مؤشرًا دالً على تعزيز الحكم الديمقراطي، بل على العكس؛ إذ عمَّق هذا المنحى الفجوة بين مسار كتابة الدساتير الليبرالية المتصاعد، وواقع الديمقراطية المتأزم8. لذلك، فالموجة الثانية من التحولات التي عرفتها تلك الدول لم تكن تهدف إلى صوغ قواعد دستورية جديدة، بقدر ما كانت تسعى لإنفاذ المبادئ والقيم الدستورية المعلنة في تلك النصوص. فما رُسّخ من حقوق على مستوى الدساتير كثيرًا ما كان عرضة للتحايل، عبر جملة من التشريعات والتنظيمات المنافية لمفهوم الديمقراطية الليبرالية، فضلً عن أن غياب ميكانيزمات عملية، وضعف التوازن بين السلطات، جعلا كثيرًا من النظم السياسية تمتلك المظهر الديمقراطي، بما هو جزء من استجابة لضغوط البيئة العالمية وإكراهاتها، من دون أن تنجز تغييرًا سياسيًا حقيقيًا على مستوى القواعد الفعلية للعملية السياسية. لذلك كان على قوى التغيير في مرحلة لاحقة أن تتعامل مع مشكلة تطبيق الدستور، وإنفاذ مبادئه في بداية الأمر، قبل التساؤل عن الحاجة إلى دستور جديد9. تتناول الترتيبات الدستورية للمرحلة الانتقالية أيضًا مسألة التداخل في الصلاحيات، والتنازع الذي قد يحدث بين مختلف المؤسسات أو السلطات. ففي مرحلة الانتقال، يبرز الصراع بين السياسة والقانون؛ ذلك أنّ التطلع إلى ترسيخ القيم الدستورية في المرحلة المقبلة يجعل من بين أهداف التدبير الانتقالي ضمان التحول من السياسة التي تصنع القانون وتوظفه لأهدافها وغاياتها إلى السياسة التي تلتزم حدود القانون10.

2. أهم مظاهر "الدستورانية الانتقالية"

قلمّا تتيح أحوال الحالة الانتقالية مجالً ملائمًا لكتابة نصوص جديدة، بل قد لا تكون ثمة حاجة إلى نصوص جديدة، بقدر الحاجة إلى تفعيل المبادئ المعلنة، وتنزيل الضمانات والحقوق المكفولة في النصوص القائمة على أرض الواقع؛ فيكون المعبر الآمن إلى تحقيق مطالب التغيير السياسي هو القيام بجملة من التدابير الدستورية المكملة التي تضمن استمرارية المؤسسات وتحقق مبدأ شرعية الإجراءات. تتجلى أهم مظاهر التدبير الدستوري لمرحلة الانتقال السياسي، من خلال التجارب المقارنة، في ثلاثة مظاهر أساسية:. أ التعديلات الدستورية الجزئية: تذلل بعض الصعوبات التنظيمية الناجمة عن قصور في النص الدستوري الساري. ففي بعض التجارب كان نجاح عملية الانتقال مرهونًا بنجاح أول انتخابات تعددية تنافسية، ولم يكن ممكنًا نجاح تلك الانتخابات في ظل أحكام دستورية تضيق تعسفًا حق الترشح، أو تحدّ من فاعلية الرقابة على نزاهة الانتخابات. من المهم مراعاة جانب الشرعية في تلك التعديلات، من حيث احترام إجراءات التعديل المقررة، خصوصًا في الحالات التي يقر فيها الدستور آليات مرنة لمراجعته، عبر إجراءات تشريعية عادية. وحتى مع الدساتير الجامدة، فإنّ تجارب الانتقال عرفت سوابق في التعامل مع حالات نُظّمت فيها استفتاءات شعبية على التعديلات الدستورية في المرحلة الانتقالية. إن معظم تجارب الانتقال التي حافظت على النصوص الدستورية الموروثة كالمجر، والأرجنتين، وكوريا الجنوبية، وتايوان، عمدت إلى مراجعات دستورية مختلفة في مستوياتها. لكنها احتفظت، عمومًا، بالنص السابق في لحظة الانتقال، والرهان بالنسبة إلى قوى التغيير كان يتمثل في كيفية تقليص هيمنة الرئيس على مؤسسات الحكم، أو تحييد الحزب

  1. Larry Diamond, "Elections without Democracy Thinking about Hybrid Regimes," Journal of Democracy , vol. 13, no. 2 (April 2002), pp. 21-35.
  2. Carothers, p. 9.
  3. Martin Loughlin, "The Contemporary Crisis of Constitutional Democracy," Oxford Journal of Legal Studies , vol. 39, no. 2 (2019), p. 436.
  4. Teitel, p. 173.
  5. Michael Hein, "Constitutional Conflicts Between Politics and Law in Transition societies: A Systems-Theoretical Approach," Studies of Transition States and Societies , vol. 3, no. 1 (2011), p. 8.

الحاكم المحتكر للعمل السياسي، أو تعزيز ضمانات شفافية. ج الانتخابات، أو تحرير القضاء من ضغوط السلطة التنفيذية، وهو ما تحقق عبر تعديلات دستورية جزئية، في نوع من الاستمرارية مع النص السابق11.. ب دور المحاكم الدستورية في الاجتهاد والرقابة الدستورية: من المظاهر المميزة للجيل الثاني من الدساتير في العالم بروزُ المجالس الدستورية والمحاكم الدستورية، بما هي هيئات رقابية مهمتها ضمان تطبيق الدستور والرقابة على دستورية القوانين، هيئات تعزز دورها على نحو بارز في سياق التحولات الديمقراطية في نهاية ثمانينيات القرن العشرين؛ إذ بات دورها في حماية النظام الدستوري، وفي تطوير الاجتهاد الدستوري، ملمحًا مهمًّ من ملامح الدستورانية الانتقالية منذ ذلك الحين12. يمكن المحاكم الدستورية أن تقدم الكثير في مجال التدابير الدستورية الانتقالية، عبر الاجتهاد الذي يستطيع أن يحل كثيرًا من الإشكاليات التي يطرحها النص الدستوري، سواء ما اختص بالقضايا التي صمت النص عن تفصيلها، أو بتقديم الأحكام للأوضاع السياسية المستجدة، لا سيما أن طور الانتقال السياسي يواجه أساسًا تحدي معالجة حالات غير منصوص عليها دستوريًا. فالدساتير في النظم غير الديمقراطية صيغ معظمها وفق منطق الهِبة أو "المنحة الملكية"؛ للمحافظة على الوضع القائم، وضمان استدامة منظومة الحكم. وفي تجربة مثل تجربة هنغاريا ما بعد الشيوعية، استمر سريان الدستور الموروث من الحقبة الماضية أكثر من عشر سنوات، وكان دور المحكمة الدستورية حاسمً في نجاح تجربة التحول، من خلال الاجتهاد الذي حقق سيادة القانون، وضمن استمرار الشرعية الدستورية13. بل إن بعض الدراسات اعتبرت الاجتهاد الذي طورته المحكمة الدستورية في هنغاريا، خلال عقد التسعينيات، لسد الفجوة التي تركها صمت دستور 1989 الانتقالي في بعض المسائل، حالة نموذجية، ومثال مهمّ دالّ على ما يمكن أن تقوم به المحاكم الدستورية في مراحل الانتقال؛ إذ صار نص الدستور الانتقالي، إضافة إلى اجتهاد المحكمة الدستورية، قاعدة دستورية للمرحلة الانتقالية14. الوثائق الدستورية المؤقتة: تختلف مسمياتها بين الإعلان الدستوري، الدستور المؤقت، أو الدستور الصغير، وهي تشير إلى تدبير دستوري انتقالي ظهر أول مرة في بولندا بعد الحرب العالمية الأولى، في عام 1919، ويجسد لحظة انتقالية بين المنظومة الدستورية والقانونية السابقة، والمنظومة الجديدة قيد التأليف. تعبر الوثائق الدستورية المؤقتة عن وضع قانوني ظرفي، كثيرًا ما يكون في مراحل ما بعد الحروب والنزاعات، أو في حال انتقال سياسي بين منظومة وأخرى، تفرضها غالبًا شرعية الأمر الواقع؛ من أجل وضع ترتيبات انتقالية بين النظام المنحل والنظام الوليد، وتتميز من الدساتير الدائمة بطابعها المحدود زمنيًا، واقتصار مضامينها على آليات تسيير المرحلة، وطرق صوغ الدستور الدائم15. ولا يستند وصف الدساتير الصغيرة أو المؤقتة إلى معايير الحجم، أو عدد موادها المحدود، أو الأمد الزمني، بل يستند إلى معيار طبيعتها القانونية وقيمتها، مقارنةً بالدساتير الدائمة التي تصاغ بأشكال وطرائق تمنحها شرعية النص القانوني الأسمى في المنظومة القانونية للدولة. فالدساتير المؤقتة قد تصدر في هيئة مراسيم، أو أوامر تشريعية، أو قد تكون إعلانات فحسب، صادرة من سلطة قائمة تسعى لضمان حدّ أدنى من الشرعية الإجرائية في المرحلة الوسيطة بين الدستور الملغى والدستور المستقبلي16. ويمثل اللجوء إلى الوثائق الدستورية المؤقتة نوعًا من القطيعة مع المنظومة الدستورية السابقة. لكنه في الوقت نفسه قد يحمل أبعاد الاستمرارية، استمرارية عمل مؤسسات الدولة في مرحلة الانتقال. فمن حيث المضمون تركز الوثائق الانتقالية على ثلاث قضايا أساسية: أولاها التنظيم المؤقت للسلطة في مرحلة ما قبل صدور النص الدستوري الجديد، وثانيتها وضعية المنظومة التشريعية السابقة؛ إذ غالبًا ما يُنصّ على إلغاء أحكام الدستور السابق، لكن مع استمرارية التشريعات إلى أن يصدر ما يلغيها أو يعوضها، وثالثتها آليات صوغ النص الدستوري المستقبلي وطرقه، على أن غاية الوثيقة الدستورية المؤقتة، في النهاية، هي توفير حد أدنى من الشرعية الشكلية أو الإجرائية لسير مرحلة الانتقال17.

  1. Yeh & Chang, p. 152.
  2. Teitel, p. 167.
  3. Paul Blokker, "Dilemmas of Democratization from Legal Revolutions to Democratic Constitutionalism?" Nordic Journal of International Law , vol. 81, no. 4 (2012), p. 444.
  4. Halmai, p. 973.
  5. Xavier Philippe, "Les Constitutions de transition entre universalisme et particularisme: Rôle et limites de l'ingénierie constitutionnelle comparée et internationale. Table ronde," Annuaire international de justice constitutionnelle , vol. 30, no. 2014 (2015), p. 641.
  6. Emmanuel Cartier, "Les Petites constitutions: Contribution à l'analyse du droit constitutionnel transitoire," Revue française de droit constitutionnel , vol. 71, no. 3 (2007), p. 515.
  7. Ibid., p. 534.

3. في دروس التدبير الدستوري الانتقالي المستفادة من تجارب الربيع العربي

قدّمت تجربتا الانتقال في تونس ومصر، بداية عام 2011، عرضين مختلفين من حيث طريقة هندسة المرحلة السياسية الانتقالية. لكنهما تعززان نتيجة واحدة، هي أن جودة التدابير الدستورية الانتقالية، من حيث تسلسل المراحل وعقلانية القرارات، لها تأثير مهم في شرعية مسار التغيير وجودة مخرجاته. وعلى الرغم من الاختلافات الجوهرية بين التجربتين، على مستوى مكانة مؤسسة الجيش ودورها في عملية الانتقال، ونوعية إسهامات قوى المجتمع المدني في بناء التوافقات، وطبيعة البنى الثقافية والنسيج الاجتماعي، فإن متغير نوعية التدابير الدستورية الانتقالية كان من الممكن قياس درجة تأثيره بوضوح في نجاح مسار الانتقال نسبيًا في تونس، وتعثّه الواضح في مصر. تحوز تونس ومصر تاريخيًا على الرصيد الأك رر ثراءً في التجربة الدستورية في المنطقة العربية؛ إذ شهدتا نهاية القرن التاسع عشر ظهور أولى الوثائق الدستورية المبكرة في المنطقة. وعلى الرغم من أن الممارسة السياسية لنظامَي الرئيس التونسي زين العابدين بن علي 2011-1987()، والرئيس المصري حسني مبارك 2011-1981()، قد شوّهتا، إلى حد ما، ذلك الرصيد الرمزي للقيم الدستورية، من خلال جعل الوثيقة الدستورية مطية لخدمة أغراض سلطوية، وتحقيق مطامح شخصية عبر تعديلات غير منتهية، أفقدت الدستور قيمته، بعدّه قاعدةً ناظمة للعمل السياسي ومقيدة للسلطة18، فقد جسّد النظامان مثالين عن الممارسة غير الدستورية الشائعة في النظم التسلطية العربية، حيث الدساتير موجودة بوصفها جزءًا لا غنى عنه من الديكور السياسي. لكن هدفها ليس تقييد الحكم، بل إخفاء الوجه الحقيقي للحكام المعادين لمبدأ الدستورية. ومع ذلك، فأحكام الدستور نادرًا ما كانت تُخترق اختراقًا صارخًا. فحينما تصبح مصدر إزعاج، أو سببًا لكبح الطموحات السلطوية، تُلغى ببساطة أو تُعدَّل19. على الرغم من ثقل الإرث السلبي الذي أحال وثيقة الحكم الأساسية إلى وسيلة فحسب؛ لتسويغ استمرار حكّام معادين للدستورية في الحكم باسم الدستور، فإن قضية الدستور كانت في صلب النقاش السياسي في مرحلة التحول، فالقاسم المشترك بين الحالتين هو أن كتابة دستور جديد كان دعامة للمرحلة الانتقالية، الأمر الذي بدا مفاجئًا نسبيًّا؛ فبدلً من النظر إلى الدساتير على أنها ابتذالات ورقية ووثائق منزوعة الصدقية، فقد عُدّت أشياء ضرورية لخلق نظام سياسي عادل ومستجيب20. يبين مسار الانتقال في تونس مركزية المسألة الدستورية التي كانت محور النقاش السياسي منذ اللحظة الأولى، من خلال جدل تكييف حالة تخلي الرئيس السابق عن مهماته بين الفصلين: 56 و 57 من الدستور الساري21، كما عبر المسار الدستوري الانتقالي المكون أساسًا من مرحلتين وفق وثيقتين أساسيتين عن نوع من التسلسل المنطقي، والانتقال المتدرج من حالة شغور منصب رئيس الجمهورية، منظمة بأحكام الفصل 57 من الدستور، إلى تنظيم دستوري مؤقت يحكمه المرسوم رقم 14 في 23 آذار/ مارس 2011، وهو يُعد بمنزلة "إعلان دستوري" تم إقراره بعد استنفاد الحلول الدستورية المتاحة22، وصولً إلى انتخاب مجلس وطني تأسيسي، تولى في المرحلة الأولى إعداد قانون التنظيم المؤقت للسلطات (القانون التأسيسي رقم 6 في 16 كانون الأول/ ديسمبر 2011)، قبل أن يؤسس منظومة دستورية جديدة بصدور نص دستور 27 كانون الثاني/ يناير. ويمكن وصف التدبير الدستوري المؤقت بالمتدرج والمنطقي المساير لمتطلبات المرحلة، وناتج من مسار تشاركي توافقي، حافظ في لحظة سياسية خطرة على استمرارية الدولة، وحسن سير مؤسساتها. ففي اللحظة التي بات فيها النص الدستوري السابق عاجزًا عن القيام بدوره التاريخي، وغير مستجيب للمطالب الثورية للشعب التونسي، اعتُمد إعلان 23 آذار/ مارس الذي أصبح، بغض الطرف عن قيمته القانونية في نظام معياري قيد التحول، فعلً تأسيسيًا مكونًا لنظام دستوري جديد منفصل عن النظام الدستوري لسنة 1959، ومستند أساسًا إلى شرعية توافقية إجرائية، مثلت قاعدة للمرحلة الانتقالية الأولى. فالنص المؤقت الذي جسد الشرعية الثورية كان مفتاح عمل المؤسسات في الفترة الثانية من التحول، عبَّ أيضًا عن نوع من التواصل مع النظام الدستوري القديم من خلال ارتكازه على نص المادة 57 من الدستور السابق23.

  1. حسن طارق، 18 دستورانية ما بعد انفجارات   2011: قراءة في تجارب المغرب وتونس ومصر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص.11
  2. ناثان براون، إعادة ميلاد دستورية: تونس ومصر تعيدان بناء نفسهما (نيويورك: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2011)، ص.5
  3. امحمد مالكي، "الأسس الدستورية للجمهورية التونسية الثانية"، في: امحمد مالكي [وآخرون]، ثورة تونس: الأسباب والسياقات والتحديات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.377
  4. وليد تركي، "الإشكالية الدستورية في تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس"، إيليزا، مج 1، العدد 1 2018()، ص.153
  5. Rafaa Ben Achour & Sana Ben Achour, "La transition démocratique en Tunisie: Entre légalité constitutionnelle et légitimité révolutionnaire," Revue Française de droit constitutionnel , vol. 92, no. 4 (2012), p. 723.

وعلى النقيض من ذلك، كشف التدبير الدستوري الانتقالي في مصر حالة من التخبط والتناقض لقرارات المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي انفرد بإدارة المرحلة الانتقالية، ممارسًا سلطة إملائية مهيمنة على المشهد السياسي، من خلال عدد الإعلانات الدستورية التي أصدرها، وعمقت حالة الاستقطاب في مرحلة سياسية حساسة، وأربكت مسار التحول من البداية، وكانت متسببًا مباشرًا في تعثره. سواء كان ذلك التصرف بحسن نية، سببها قلة خبرة المجلس بالشؤون السياسية24، أو من أجل الحرص على استمرارية دور المؤسسة العسكرية المتحكم في المرحلة الانتقالية؛ بغرض تحصين مكانتها المستقبلية في البناء الدستوري الجديد25، فإن المسار المتذبذب للإعلانات الدستورية، والإعلانات المكملة، والتعديلات الدستورية والمتوالية، أفقد المؤسسة العسكرية الثقة اللازمة في نظر من يراها ضامنة لتحقيق أهداف الثورة26. دفع التخبط المجلس العسكري الشديد، وقراراته العشوائية، إلى الدخول في متاهات قانونية على حساب إمكانية تفعيل الحياة السياسية، وإجراء المفاوضات، وبناء التوافقات الممكنة. فالمجلس الذي قدّم نفسه حاميًا للثورة، كان في صدارة القوى المحافظة التي لا تدفع إلى التغيير، وانتهج آليات عمل سياسية، تعيد ثوابت النظام السابق، بحسب فلسفة نظام مبارك نفسه27. والمستفاد من الدرسين، التونسي والمصري، هو أن جودة الترتيبات الانتقالية عامل مهمّ ومؤثر في نوعية مخرجات مسار الانتقال. فأي قصور إجرائي قد يكون سببًا مباشرًا في عيوب جوهرية على مستوى نتائج عملية الانتقال، وشكل المنظومة الدستورية الجديدة؛ لذلك فإن الاهتمام بسلامة الإجراءات ليس مسألة تفصيلية في مثل هذه المراحل، بل هو في مركز عملية الانتقال، ومعركة الإجراءات والأشكال الدستورية، هي أيضًا معركة تحييد القوى المعادية للتغيير، ومعركة بناء شرعية المنظومة الجديدة.

ثانيًا: طبيعة المرحلة السياسية في الجزائر بعد 2 نيسان/ أبريل 2019 ومقتضياتها الدستورية

افتتح الحراك الشعبي في الجزائر منذ 22 شباط/ فبراير 2019 مرحلة سياسية جديدة، متجاوزًا وضع الجمود السياسي النسبي الذي كان حالةًاستثنائية في منطقة عربية حافلة بالتحولات، منذ انفجار انتفاضات الربيع العربي. لقد كسرت التظاهرات الشعبية، وكان سببها المباشر إطلاق مشروع الولاية الرئاسية الخامسة لرئيس "مقعد وغائب عن الأحداث"، حاجز الخوف، وأنهت وضع الترقب الذي ساد منذ إعلان موعد الانتخابات الرئاسية في 18 نيسان/ أبريل 2019. منذ ذلك التاريخ، تعيش البلاد وضعًا سياسيًا انتقاليًا، تتجاذبه نظرتان: الأولى تعتبر الحراك الشعبي ردة فعل ظرفية على مشروع سياسي لجناح داخل السلطة يمكن استيعابه ضمن الأطر السياسية والدستورية القائمة، والثانية تعتبره حركة ثورية تتطلع إلى التغيير الشامل لمنظومة الحكم.

1. حركة 22 فيفري [شباط/ فبراير] 2019: أهي "حالة ثورية" أم احتجاج ظرفي؟

اجتمع عشية الموعد الانتخابي الرئاسي، في 18 نيسان/ أبريل 2019، عدد من العوامل التي ساهمت في دفع الجزائريين إلى اختيار مسلك الاحتجاج السلمي عبر التظاهر؛ للتعبير عن رفضهم الوضع السياسي القائم، وهو اختيار كان أقرب إلى الحتمية في ظل غياب بدائل مؤسسية أخرى:

  1. جمال جبريل، "ندوة الدستور المصري ومراحل الانتقال نحو الديمقراطية"، في: محمد طه عليوة [وآخرون]، جدل الدستور والمرحلة الانتقالية في مصر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص.266
  2. تامر مصطفى، "صياغة الدستور في مصر: هل يمكن لإطار قانوني أن يعيد إحياء موجز السياسة، مركز بروكنجز عملية الانتقال"، - جامعة ستانفورد للتحولات العربية (آذار/ مارس 2012)، ص.4
  3. للاستزادة بشأن الإعلانات والتعديلات الدستورية، ينظر: محمد شريف بسيوني الجمهورية الثانية في مصر (القاهرة: دار الشروق ومحمد هلال،، 2012)، ص.470-441

منظومة حكم تجسد نموذجًا مثاليًا لنظام سياسي تسلطي ذي مظهر ديمقراطي. فوجود دستور يقرّ مبادئ التعددية السياسية، وسيادة الشعب في الاختيار، والفصل بين السلطات، وتوالي الدورات الانتخابية "التعددية" لم تكن كلّها إلا واجهة لمنظومة حكم معادية للديمقراطية؛ ذلك أنّ التلاعب بنتائج الانتخابات أفقدها القدرة على أن تكون قناة للمشاركة الفعلية، أو وسيلة للتغيير السياسي السلمي، وتعدد التعديلات الدستورية حال دون أن تصبح تلك الوثيقة مرجعًا ضابطًا للعمل السياسي، أو قيدًا يمنع النزوع نحو شخصنة الحكم28. مجال عمومي محكم الإغ قاا، عبر حياة حزبية متحكم في مكوناتها أمنيًا؛ إذ يخضع اعتماد الأحزاب لرغبة السلطة التنفيذية، على الرغم من كل الضمانات التي يقرّها الدستور29. وتعرف الأحزاب السياسية تدبير انقلابات داخلية على نحو متكرر، واختلاق أزمات شرعية داخلها، على خلفية مواقفها من السلطة. أما المسيرات أو التظاهرات في الشارع، فممنوعة منذ عقدين من الزمن في عاصمة البلاد، بموجب قرار حكومي؛ إذ يُستحضر دومًا الخطر الإرهابي، ويجري التذرع به؛ لتسويغ التضييق المستمر على الحريات العامة30. تعاظم دور رجال المال والأعمال في الحياة السياسية تعاظم متزايدًا، لا سيما من كان منهم مرتبطًا بمحيط الرئيس؛ إذ بات تأثيرهم البارز في المشهد السياسي أحد أهم مظاهر العلاقات المشبوهة بين المال الفاسد والسياسة، وهي ممارسات عززت منحى استبعاد المواطن الجزائري من دائرة القرار السياسي، مقابل سيطرة شبكات الولاء والزبائنية. فترشيح رئيس غائب ذهنيًا عن مجرى الأحداث بسبب وضعه الصحي المتدهور، كان السبيل الملائم لاستمرار شبكات الفساد في الاستفادة من الريع31. حالة من الانسداد السياسي تعيشها البلاد تقريبًا، منذ أن فرضت ولاية الرئيس الرابعة عام 2014، في انتخابات فاز بها من دون أن يخاطب المواطنين، أو أن يشارك في تنشيط حملته الانتخابية، وهي حالة تعاظمت بتزايد الشكوك بين الحلفاء المشاركين في الحكم، وعجزهم عن طرح بدائل لاستمرارية المنظومة، خارج مشروع استمرارية "بوتفليقة في الحكم." فعلى الرغم من درجة المخاطرة العالية التي كان يشكلها هذا المشروع، فإنّه كان الخيار المتاح لأجنحة الحكم للمحافظة على التوازن الهش القائم بينها32. لقد دفعت كل تلك العوامل وغيرها إلى اللجوء إلى الشارع من أجل وقف هذا المسار، فتوالت التظاهرات السلمية الشعبية في عاصمة البلاد، وفي مختلف المدن، دوريًا (الجمعة من كل أسبوع) بأعداد متزايدة. وكما هي الحال في كل حركة ثورية، تصاعد المطلب الشعبي من رفض ترشيح الرئيس المريض إلى المطالبة بإسقاط النظام، توازيًا مع التنازلات التي قدّمها النظام؛ إذ أقدم جناح الرئاسة على مناورة أخيرة بعد أسبوعين من بداية الاحتجاجات، فألغى الانتخابات، وأقال الحكومة، ودعا إلى ندوة وطنية للحوار حول خطوات الإصلاح اللازمة؛ تحضيرًا لتعديلات دستورية، ثم انتخابات تديرها هيئة مستقلة لا يترشح لها الرئيس33. شكّلت اللحظة التي عبرت فيها قيادة الجيش عن دعمها مطالب المتظاهرين المشروعة نقطةَ تحوُّل مهمة في مسار الأحداث. ففي تقدير زولتان باراني، يكون انحياز الجيش إلى مطالب المحتجين شرطًا أساسًا لنجاح أي انتفاضة: "قد نستمر في الاختلاف حول أسباب إثارة غضب الجماهير ودفعهم نحو الثورة، إلا أننا ربما نتفق على شيء واحد في غاية الأهمية: بمجرد أن تبدأ الثورة فإنها نادرًا ما تنجح من دون دعم أجهزة الدولة القمعية لا سيما الجيش النظامي، لذلك فإن إحدى النقاط الرئيسة التي يؤكد عليها هذا الكتاب أن رد فعل الجيش تجاه الانتفاضة يقرر إلى حد كبير نتائجها النهائية"34. ففي أغلب الأحيان، تتخذ الجيوش موقفًا من ثلاثة مواقف في مواجهة الانتفاضات الشعبية: إما أن تنحاز إلى المحتجين، أو تعارض مسعاهم وتحمي النظام، أو تنقسم على نفسها. وبالطبع يعتبر الخيار الأول، بحسب باراني، هو الأنسب لنجاح الحركة الثورية35، وهو الخيار الذي عبر عنه موقف مؤسسة الجيش في 26 آذار/ مارس؛ أي بعد نحو شهر

  1. يمكن اعتبار التعديلات التي أحدثها نظام "بوتفليقة" على الدستور مخلة بمبدأ عمومية القاعدة القانونية، ففي عام 2008 عدل الدستور؛ ليرفع القيد أمام تجديد ولايته للمرة الثانية، ثم عاد في 2016، في نهاية ولايته الرابعة، ليعدل الدستور، واضعًا من جديد القيد على إمكانية تجديد ولاية الرئيس أكثر من مرة ضمن المواد الصماء، فنظريًا كان في وسع الرئيس الجزائري،
  2. 33  " الانتخابات الرئاسية في الجزائر: جدل التأجيل وفرص التغيير"، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019/3/14، شوهد في 2021/10/4، في: https://bit.ly/3vuE6c4 34 زولتان باراني، كيف تستجيب الجيوش للثورات ولماذا؟ ترجمة عبد الرحمن عياش (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017)، ص.39
  3. أُصدر في 23 شباط/ فبراير 2011 مرسوم برفع حالة الطوارئ التي استمرت في البلاد
  4. 35 المرجع نفسه، ص.41
  5. عبد العزيز بوتفليقة، أن يترشح لولاية خامسة وسادسة، باعتبار أن الولاية الخامسة كانت ستعدّ الأولى في ضوء دستور عام 2016، بينما لن يتمكن غيره من الحكم مدة تزيد على ولايتين.
  6. مارتا سمبليثي ونسيما فرفيشي ورمزي لكريم، 29 إصلاح سياسي أم تقييد إضافي للمجتمع وللمجال السياسي في الجزائر؟ (كوبنهاغن: الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان، 2012)، ص.43
  7. منذ 9 شباط/ فبراير 1992، لكنّ مَنْع المسيرات بقي مفروضًا في العاصمة، وفي باقي المدن يخضع الأمر لتصريح مسبق من السلطات.
  8. 31 بشير فريك، حكم بوتفليقة جنون أم خيانة؟ (الجزائر: دار الأمة، 2019)، ص.318 عابد شارف، "الجزائر: انسداد سياسي وصعوبات ترتيب المرحلة الانتقالية"، 32 تقارير، مركز الجزيرة للدراسات، 2014/10/28، شوهد في 2021/10/4، في: https://bit.ly/3lk8MrO

من بداية التظاهرات الشعبية:[...]" يتعين بل يجب تبني حل يكفل الخروج من الأزمة ويستجيب للمطالب المشروعة للشعب الجزائري، وهو الحل الذي يضمن احترام أحكام الدستور واستمرارية سيادة الدولة، حل من شأنه تحقيق توافق رؤى الجميع يكون مقبولً من كافة الأطراف وهو الحل المنصوص عليه في الدستور في مادته "10236. وعلى الرغم من أن تدخّل قائد أركان الجيش ونائب وزير الدفاع، أحمد قايد صالح 2019-2004()، في الشأن السياسي بهذه الصورة كان خارج مقتضيات الدستور، خصوصًا حين استعمل مجددًا في الثاني من نيسان/ أبريل لغة الأمر المباشر، مؤكدًا ضرورة التطبيق الفوري للحل المقترح، بتفعيل المادة 102، فإنه يشدد في المضمون على أن هذا هو الحل الممكن لتلبية المطالب المشروعة، وضمان احترام أحكام الدستور. يمكن أن نفهم ذلك على أنه صورة من صور الحالة الثورية التي تلتبس فيها المشروعية الثورية بالشرعية الدستورية، وأن الوضع السياسي بات، وفق منظور التحولات السياسية، حالة ثورية. بيد أن النتائج الثورية يظل تحقيقها مرتبطًا بمسلك الإجراءات والمخارج العملية التي يفترض أن تبلورها المفاوضات والتسويات بين مختلف القوى الفاعلة. غير أن قيادة الجيش التي كانت قد عبّ ت في الأسبوع الأول من الاحتجاجات عن رفضها ما أسمته "نداءات مشبوهة، ظاهرها التغني بالديمقراطية، وباطنها جر هؤلاء المغرر بهم إلى مسالك غير آمنة"38، قبل أن تغير بعد ذلك نحو دعم مطالب الحراك، ستحتكر في المرحلة المقبلة حق تفسير مطالب المحتجين وتأويلها، وترسم منفردة طرق تحقيقها، وستحاول استثمار رمزية انحيازها إلى المتظاهرين، وعدم استعمال العنف ضدهم، وحماية سلمية المسيرات، وكذلك دورها في تحييد "القوى غير الدستورية"39 التي استأثرت بمؤسسة الرئاسة، لتملي مخطط المرحلة السياسية الانتقالية. لقد كان ممكنًا أن تكون استقالة الرئيس بوتفليقة، في الثاني من نيسان/ أبريل، بداية تفكك منظومة الحكم. ففي حالات مماثلة، تعبّ تلك اللحظة عن بداية انهيار النظام المتمركز حول رئيس ماسك بزمام منظومة الحكم. لكن في نظام سياسي، على غرار ما عرفته الجزائر مدة طويلة نسبيًا، مرتكز على ثنائية السلطة الظاهرة والسلطة الخفية، قد تكون تلك اللحظة محدودة التأثير في مسار التحول. فمنذ تعثّ مسار التحول الديمقراطي بداية التسعينيات، لم تتغير كثيرًا مكونات السلطة الخفية، في حين استهلكت المنظومة خمسة رؤساء يعدّون واجهة سياسية. قد يكون "بوتفليقة" سعى خلال عقدين من الحكم لتغيير بعض قواعد اللعبة الخفية40، لكن طريقة خروجه من الحكم تشبه كثيرًا طريقة مغادرة سابقيه. فحين يصبح استمرار الرئيس يهدد بقاء المنظومة، يضحَّى به لضمان استمرار المنظومة نفسها. إنّ الخلاصة التي توصّل إليها الباحث طيبي غماري، في دراسته حول الجيش والثورات العربية (دراسة شملت بلدان: مصر، وتونس، وسورية، وليبيا، واليمن)، تفيد أنّ التمييز بين الثورة والانقلاب أمرٌ صعب جدًّا؛ نظرًا إلى التداخلات الممكنة بينهما، ونظرًا إلى إمكانيات الاستثمار والمناورة المتاحة لجميع الفاعلين في أثناء الاحتجاجات. وتبدو تلك الخلاصة واقعية جدًّا، وقابلة للإسقاط على الحالة الجزائرية؛ إذ ينبغي بحسبه التمييز بين المعايير المؤسسة للثورة، والمعايير الناتجة لها، فكثير من العوامل قد تسهم في تحوّل الثورة التي استوفت معايير البدايات إلى انقلاب يتمرد تمردًا ذكيًا وسلميًا، وفقًا لمنطق الثورة، على معايير النهايات، ثم يعيد النخب الحاكمة إلى مكانها، مع بعض التغييرات؛ لامتصاص الغضب الشعبي41. فالأجنحة التي سيّ ت تلك الثورات تمكّنت، بحسب غماري، من ضرب "سرب عصافير بحجر واحد"؛ إذ انقلب أحد الأجنحة على الأجنحة الأخرى، من دون سقوط في مخالفة القوانين والأعراف الوطنية والدولية. وفي الوقت نفسه، فإنّ الجناح الذي استثمر في الثورة لبّى ظاهريًا مطالب التغيير، متجاوزًا الضغط الشعبي الذي ولّدته الثورة بأقل جهد وخسائر ممكنة42.

2. الترتيب الدستوري للمرحلة الانتقالية

أنتجت استقالة الرئيس بوتفليقة، وانتقال السلطة وفق مقتضيات المادة 102 من الدستور، حالة من الخلاف بين من اعتبرها إنجازًا مهمًّ يمكن أن يحقق اختراقًا في بنية النظام، ومن اعتبرها عملية التفاف على مطالب الشارع. وقد تولّ رئيس مجلس الأمة، عبد القادر بن صالح 2019-2002()، رئاسة الدولة بالنيابة مدة 90 يومًا جسدت، في نظر قطاع عريض من المحتجين، استمرارًا

  1. 37 رياض صيداوي، نهاية زمن بوتفليقة: صراعات النخب السياسية والعسكرية، ط 2 (جنيف: المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية، 2019)، ص.53
  2. حميد ولد أحمد ولمين شيخي، "قائد الجيش الجزائري يطالب بإعلان بوتفليقة غير رويترز لائق للرئاسة،"، 2019/3/27، شوهد في 2021/10/26، في: https://reut.rs/3vKsKBf
  3. وصف "القوى غير الدستورية" ورد أكثر من مرة في خطاب المؤسسة العسكرية؛ للإشارة إلى الفريق الذي يقوده سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس بوتفليقة ومستشاره الشخصي على مستوى رئاسة الجمهورية، بحيث تنسب إليه العديد من القرارات التي اتخذها من دون الرجوع إلى شخص الرئيس العاجز بحكم وضعه الصحي، وهو وصف أريد به نزع صفة
  4. صيداوي، ص.39
  5. طيبي غماري، الجندي والدولة والثورات العربية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.80 41 المرجع نفسه، ص.81
  6. الشرعية عن قرارات محتملة بعزل قائد الأركان.

لمنظومة الحكم القائمة في غياب شخص بوتفليقة فقط، الأمر الذي ترجمته الشعارات المرفوعة المنادية برحيل كل رموز النظام، لا سيما من وصفهم المحتجون، ب "الباءات الثلاث:" عبد القادر بن صالح الرئيس المؤقت، ونور الدين بدوي رئيس الحكومة (آذار/ مارس – كانون الأول/ ديسمبر 2019)، والطيب بلعيز رئيس المجلس الدستوري (شباط/ فبراير – نيسان/ أبريل.)2019 تلك المطالب وصفها قائد أركان الجيش بأنها تعجيزية، وأنها تهدف إلى دفع البلاد نحو الفراغ الدستوري، وواضح في المرحلة الانتقالية أنّ الطرف الفاعل، وصاحب القرار الحقيقي خلف ستار الرئاسة المؤقتة، هو قيادة الجيش التي اعتبرت، من منظور تفسيرها الخاص للمادة 28 من الدستور، أنها تحوز الحق في مرافقة المسار الانتقالي: "أؤكد أن سير المرحلة الانتقالية المخصصة لتحضير الانتخابات الرئاسية، سيتم بمرافقة الجيش الذي سيسهر على متابعة سير هذه المرحلة"43. إن هذا التفسير جعلها أيضًا تحتكر حق ترجمة المطالب الشعبية، وتحديد المشروع منها وغير المشروع، وتفصيل طريقة تجسيدها، بحيث انتقل خطاب المؤسسة العسكرية من اعتبار تفعيل المادة 102 أفضل الحلول إلى الحديث عن أنه الحل الوحيد الذي لا يمكن تصور الحل خارجه. إذًا، تستند مؤسسة الجيش في دورها السياسي الحاسم في هذه المرحلة إلى نص المادة 28 من الدستور، وهي المادة الوحيدة (إضافة إلى الإشارة الواردة في ديباجة الدستور، في الفقرة السادسة عشرة) 44 التي تحدد دور الجيش في دستور البلاد، وهي مادة لم يشملها التعديل منذ 1989، ولا تخوّل الجيش، منفصلً عن قيادته العليا المجسدة في رئيس الجمهورية، أيّ صلاحية خاصة في أوضاع سياسية تعتبر وفق خطاب الجيش نفسه أوضاعًا دستورية45. تواترت الدعوات في المسيرات الشعبية إلى تطبيق المادتين السابعة والثامنة من الدستور، في حين كانت المطالب بتفعيل المادة الثانية بعد المئة محل أخذ وردّ، كما أسلفنا. وفي المقابل، أصبح خطاب قيادة الجيش، منذ الثلاثين من آذار/ مارس، يركز على المواد الثلاث، وهذا يوحي بأن المواد مجتمعة تعدّ توليفة للحل السياسي الدستوري. فما طبيعة الحل الذي تتضمنه المواد: 7، و 8، و 102، من الدستور؟ من حيث الشكل لا يمكن اعتبار المواد الثلاث بمنزلة إعلان دستوري، أو دستور صغير؛ لأن هذا الأخير يتطلب إصدار إعلان منفصل، يوضح كيفية تجسيد هذه الأحكام، ويبين نطاق تطبيق الإعلان والنتائج المترتبة على تطبيقه، وخصوصًا بالنسبة إلى باقي أحكام الدستور، وهو الأمر الذي لم يحصل على الرغم من وجود عدة مقترحات حول إعلانات دستورية مكملة، وتصورات عملية لإجراءات يمكن أن تكفل تلبية مطالب الحراك، من دون الوقوع في مخالفة صريحة لأحكام الدستور كالدفع، مثلً، نحو انتخاب شخصية توافقية على رأس مجلس الأمة، ثم استقالة رئيس الدولة بالنيابة؛ لتؤول الرئاسة إلى رئيس مجلس الأمة الجديد46. تنص المادة السابعة من دستور البلاد على أن "الشعب مصدر كل سلطة، السيادة الوطنية ملك للشعب وحده." أما المادة الثامنة، فتقر بأن "السلطة التأسيسية ملك للشعب، يمارس الشعب سيادته بواسطة المؤسسات الدستورية التي يختارها، يمارس الشعب هذه السيادة أيضًا عن طريق الاستفتاء وبواسطة ممثليه المنتخبين، لرئيس الجمهورية أن يلتجئ إلى إرادة الشعب مباشرة"، وهما مادتان وردتا في فصل المبادئ العامة للحكم، ولا تفصلان في أي آليات إجرائية، ما عدا ما تعلق بممارسة الشعب سيادته عبر المؤسسات المنتخبة، أو بإمكانية لجوء الرئيس لاستفتاء الشعب مباشرة، وهي صلاحية لا يملكها الرئيس المؤقت، ولم يُلجأ إليها عمليًا. أما المادة 102، فتتعلق بتنظيم حالة شغور منصب رئيس الجمهورية؛ بسبب العجز أو الوفاة أو الاستقالة، بحيث يكلف رئيس مجلس الأمة برئاسة الدولة مؤقتًا مدة تسعين يومًا، تخصص لإجراء انتخابات رئاسية. والتفسير الممكن للجمع بين المواد الثلاث المذكورة، هو أن تفعيل حالة الشغور المنصوص عليها إجرائيًا في المادة 102، قد تم استجابة لمطالب الشعب صاحب السيادة؛ بغرض تمكينه من أن يختار مجددًا من يحكمه. لكن التفسير الإيجابي الآخر الذي يمكن فهمه من التوليفة، أنه تحقيقًا لمفهوم سيادة الشعب في الاختيار يمكن تجاوز بعض القيود الواردة على حالة الشغور، فهو التفسير المهمل وغير

  1. الفريق قايد صالح: سير المرحلة الانتقالية لتحضير الرئاسيات سيتم بمرافقة الجيش إذاعة الجزائر الدولية الوطني الشعبي"،، 2019/10/4، شوهد في 2021/10/26، في: https://bit.ly/3nugHEz
  2. نص الفقرة السادسة عشرة من ديباجة دستور الجمهورية الجزائرية لسنة 2016 على ما يلي: "تسهر الدولة على احترافية الجيش الوطني ‬الشعبي ‬وعلى عصرنته بالصورة التي ‬تجعله ‬يمتلك القدرات المطلوبة للحفاظ على الاستقلال الوطني، ‬والدفاع عن السيادة الوطنية،‬ ووحدة البلاد وحرمتها الترابية،‬ وحماية مجالها البري‬ والجوي ‬والبحري"
  3. نص المادة 28 من دستور الجمهورية الجزائرية لسنة 2016 على ما يلي: "تنتظم
  4. الطاقة الدفاعية للأمة ودعمها وتطويرها حول الجيش الوطني الشعبي. تتمثل المهمة الدائمة للجيش الوطني الشعبي في المحافظة على الاستقلال الوطني والدفاع عن السيادة الوطنيّة. كما يضطلع بالدفاع عن وحدة البلاد وسلامتها الترابية وحماية مجالها البري والجوي ومختلف مناطق أملاكها البحرية." 45 قدّم مختصون وناشطون مقترحات كثيرة؛ من أجل تلبية مطالب الحراك، من دون تجاوز المحاذير الدستورية، ويمكن على سبيل المثال العودة إلى بعض المساهمات، ينظر: خالد شبلي، "الحراك الشعبي والحلول الدستورية: صياغة نموذج جزائري في الانتقال الديمقراطي" يومية الشعب، العدد 17914 3(نيسان/ أبريل 2019)، ص 12.

المعمول به في سير المرحلة الانتقالية. وقد طرح تفعيل المادة 102 جملة من القيود المقررة، بموجب المادة 104، أمام تجسيد الإرادة الشعبية في الاختيار الحر، عبر انتخابات شفافة تعددية وتنافسية: عدم إمكانية إقالة الحكومة أو تعديل تشكيلتها؛ إذ تتمتع الحكومة بصلاحية الإشراف على كل مراحل الانتخابات، وكثيرًا ما واجه رموز تلك الحكومة تهمً بالتلاعب بنتائج الانتخابات. عدم إمكانية مباشرة تعديل الدستور لتوفير شروط أفضل للمسار الانتخابي، سواء بمبادرة من الرئيس المؤقت أو من أعضاء البرلمان. عدم امتلاك الرئيس المؤقت صلاحية حل المجلس الشعبي الوطني (المكون من أغلبية موالية للرئيس المستقيل.) لم تكن تسمح تلك القيود في نظر المتظاهرين بتوفير شروط انتخابات تنافسية يمكن أن تشكّل مدخلً لتغيير سياسي متدرج لمنظومة الحكم. فانتخابات تشرف عليها الحكومة التي نصّبها الرئيس السابق، وفي ظل أغلبية سياسية من أحزاب الموالاة، تسيطر على المجالس المحلية المنتخبة والبرلمان، وجهاز بيروقراطي يقوده موالون للرئيس المنتهية مهماته، لا يمكنها إلا أن تكون انتخابات غير تنافسية، إضافة إلى أن الصلاحيات الواسعة لرئيس الجمهورية، في ظل الدستور القائم، تهدد باختزال مسار التغيير أو انتكاسه في حال فوز قوى محافظة في الانتخابات. وزيادة على أن التوجه إلى الانتخاب في أوضاع سياسية انتقالية، من دون تنظيم حوار وطني، وصوغ ميثاق سياسي جامع محدد لخطوات الإصلاح المستقبلية، لا يمكن أن يضمن نجاح المسعى الإصلاحي؛ إذ حتى في حال وصول شخصية إصلاحية إلى سدة الرئاسة، عبر انتخابات تنافسية، يمكن أن تكون ضحية لتغوّل القوى المحافظة داخل أجهزة الدولة. إن حالة الرفض الواسع للمسار المحدد من السلطة القائمة، تجلَّت في عدم تقدم مرشحين لانتخابات 4 تموز/ يوليو 2019؛ إذ سجلت الجزائر سابقة سياسية باستدعاء الرئيس لانتخابات تنقضي آجالها من دون تقدّم مرشحين48، وهو وضعٌ دفع المجلس الدستوري إلى إعلان استحالة إجراء انتخاب رئيس الجمهورية خلال أجل التسعين يومًا المحددة دستوريًا49، وأحال إلى رئيس الدولة المؤقت مهمة العمل لتوفير شروط تنظيمها من جديد، وخوّله صلاحية استدعاء الهيئة الناخبة من جديد، متى توافرت شروطها، وهو ما يعني ضمنيًا تمديد ولايته إلى أجل يحدده تنصيب رئيس جديد للبلاد.

3. ملاحظات حول المسلك الدستوري المنتهج

يتضح من خلال مقتضيات المواد الدستورية المنظمة لحالة شغور منصب رئيس الجمهورية أنّ الأجل الدستوري قد انقضى بمرور التسعين يومًا المقررة؛ لذلك فإن انقضاء تلك الآجال أفقد المرحلة الانتقالية الممددة سندها الدستوري؛ بمعنى أن تصاعد المطلب السياسي في الشارع قد بلغ حدًّا لم يعد في إمكان النص الدستوري التجاوب معه، وأن الوضع بات في حاجة إلى إجراءات خاصة، أو إلى تدابير دستورية انتقالية تضمن مستوى مقبولً من شرعية المسار السياسي. كان ينبغي أن تستند الخطوات السياسية المتخذة بعد تاريخ انقضاء عهدة الرئيس المؤقت إلى نتائج حوارات وتفاهمات سياسية، تساعد في توفير شرعية ظرفية لمزيد من الإجراءات التي تمكّن من سد الخلل، أو تستند إلى فتوى كاملة من المجلس الدستوري، يحدد فيها سبل تجاوز أسباب عدم جدوى المسار الانتخابي، فضلً عن أن المسار الذي أديرت وفقه المرحلة الانتقالية الموصوفة ب "الدستورية" يتضمن العديد من الإجراءات التي خالفت صراحةًالأحكام السارية، وهذا ما يعكس نوعًا من الانتقائية في احتكام المؤسسات القائمة إلى الدستور: إلغاء الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، في 11 آذار/ مارس 2019، الانتخابات، من دون أي سبب وجيه، ومن دون أي سند دستوري؛ فكان يحق للرئيس السابق أن يسحب ترشّحه، لكنه لم يكن يمتلك صلاحية التراجع عن استدعاء الهيئة الناخبة. حلّ بوتفليقة، في التاريخ نفسه، الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات التي تشرف على رقابة مختلف مراحل العملية الانتخابية، وهو إجراء كان من شأنه أن يضع انتخابات 4 تموز/ يوليو تحت طائلة البطلان، لو أجريت؛ إذ استدعى الرئيس المؤقت الهيئة الناخبة إلى الموعد ذاته في غياب الهيئة المنحلة، التي تخوّلها المادة 194 من الدستور السهر على نزاهة مختلف مراحل العملية الانتخابية. تعيين رئيس المجلس الدستوري تعيينًا مخالفًا لأحكام الدستور؛ فبعد استقالة الرئيس السابق للمجلس الدستوري، الطيب بلعيز (يعتبر أحد رموز حكم بوتفليقة)، في 16 نيسان/ أبريل، أقدم

  1. 47 الجمهورية الجزائرية، المجلس الدستوري، "قرار رقم 20/ ق. م. د/ 19، مؤرخ في 27 رمضان عام 1440 الموافق أوّل يونيو سنة 2019"، شوهد في 2021/10/4، في: https://bit.ly/2NohcCb
  2. قدمت شخصيتان مغمورتان ملفَّي ترشحهما، لكن المجلس الدستوري رفضهما؛ لعدم استيفاء الشروط المطلوبة.

الرئيس المؤقت، عبد القادر بن صالح، على تعيين أحد أعضاء المجلس بطريقة مخالفة لما تقرّه المادة 183 من الدستور، في منصب رئيس المجلس، وهو أمر خَطِر بالنظر إلى أهمية دور المجلس الدستوري في السهر على احترام الدستور، وبالنظر أيضًا إلى الفرصة التي فُوِّتت بعدم تعيين شخصية مستقلة في هذا المنصب يمكنها أن تؤثر إيجابيًّا في مسار التغيير السياسي، بزيادة دور المجلس وحضوره في المسار الانتقالي. عدم التزام الحكومة التي عيّنها الرئيس السابق، قبل تنحيته، بالتوجه إلى المجلس الشعبي الوطني لطلب ثقته، وفق ما يفرضه الدستور، وهو شرط ضروري لمباشرة عملها50، وهو إجراء لو احترم لفتح منفذًا لتلبية بعض المطالب، من خلال دفع نواب المجلس إلى الامتناع عن منح الثقة للحكومة، ومن ثم سقوطها، من دون تجاوز أحكام الدستور التي تمنع الرئيس المؤقت من إقالة الحكومة. على الرغم من وجود قيد دستوري على الرئيس المؤقت يمنعه من تعديل الحكومة أو إقالتها، وهو القيد الذي اتُّخذ ذريعةً لرفض تلبية مطلب إقالة الحكومة، فإن الرئيس المؤقت أقدم في مناسبتين على تعديل وزاري جزئي، شمل في الأولى حقيبة العدل؛ وذلك بعزل وزير العدل وتكليف شخصية جديدة بدلً منه، في 31 تموز/ يوليو 2019 51، وقبول استقالة وزيرة الثقافة في الثانية، وإسناد مهمات الوزارة إلى وزير الاتصال52. يتضح مما تقدم أن عدة قرارات اتخذها الرئيس المؤقت تعكس نوعًا من الانتقائية في احترام أحكام الدستور؛ إذ تجاوز أحكام الدستور تجاوزًا غير مسوغ (أي خارج سياق الأحداث، أو بعيدًا من الاستجابة لمتطلبات المرحلة)، في حين تذرّع بالمحاذير الدستورية لرفض كثير من المطالب الشعبية المشروعة، وهي الممارسة الانتقائية التي تمس في الصميم شرعية المسار السياسي الموصوف بالدستوري، في غياب تام لمؤسسة المجلس الدستوري التي كان يُنتظر منها أن تؤدي أدوارًا مهمة في مرحلة سياسية انتقالية دقيقة جدًّا.

ثالث ا: الإجراءات السياسية المرافقة للمسار "الدستوري" الانتقالي

تستمد التدابير الدستورية الانتقالية، في أغلب الأحيان، مشروعيتها من الحوارات والمفاوضات التي تفضي إلى بناء توافقات مرحلية، ومن مختلف الإجراءات المرافقة التي تساعد في إضفاء صدقية على المسارات التي قد تكون متجاوزة، بطبعها، المنطق الدستوري العادي؛ فالنص الدستوري بحرفيته لا يستطيع استيعاب اللحظة الانتقالية بكل تعقيداتها.

ويعتبر بعض المتابعين أن الحراك الشعبي في الجزائر لم يقدم ممثلين عنه، ولم يفرز قوى ثورية يمكنها أن تفاوض السلطة القائمة، وتفتك مزيدًا من التنازلات53، أو تسهم في بناء تفاهمات مرحلية لتجاوز المأزق، وهو قول فيه جانب من الصواب، على اعتبار أن أهم العوامل التي ساعدت في تجنيد عدد أكبر من المتظاهرين هو غياب جهة محددة تنظم أو تنسق المسيرات الشعبية، وعدم هيمنة تيار سياسي أو فكري معين على الحراك الشعبي. فقد كان التوجس من محاولات تصدّر الحراك سببًا في إفشال كثير من المساعي لتشكيل لجان تنسيق، أو بروز متحدثين باسم المتظاهرين. وفي المقابل، كان للحراك الشعبي ومختلف الفعاليات المجتمعية مقترحات وبدائل للحل، جرى تداولها على نطاق واسع، ونوقشت في الساحات العامة، وكان لتكتلات المجتمع المدني إسهامات معتبرة في بلورة تصورات عملية، إلى جانب

  1. تنص المادة 94 من الدستور الجزائري لسنة 2016 على أن الوزير الأول يقدم استقالته إلى رئيس الجمهورية في حال عدم موافقة المجلس الشعبي الوطني على مخطط عمل حكومته.
  2. الجمهورية الجزائرية، "مرسوم رئاسي رقم 219-19 مؤرخ في 28 ذي القعدة عام 1440 الموافق 31 يوليو سنة 2019، يتضمن إنهاء مهام عضو في الحكومة"، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، العدد 48، 2019/7/31، شوهد في 2021/10/4، في: https://bit.ly/30Ky2OG
  3. الجمهورية الجزائرية، "مرسوم رئاسي رقم 238-19 مؤرخ في 28 ذي الحجة عام 1440 الموافق 29 غشت سنة 2019، يتضمن إنهاء مهام عضو في الحكومة"، الجريدة الرسمية
  4. للجمهورية الجزائرية، العدد 52، 2019/8/29، شوهد في 2021/10/4، في: https://bit.ly/3eLkoTp 51  " الجزائر من الحراك إلى الانتخابات"، تقارير 2019، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020/2/20، ص 23، شوهد في 2021/10/4، في: https://bit.ly/38KXo3n

النداءات والرسائل التي وجهتها شخصيات عمومية عديدة، مطالبة السلطة بضرورة الاستجابة للمطالب المشروعة المعبّ عنها. يكمن مصدر الضعف في المقاربة المعتمدة لإدارة المرحلة، في تقديرنا، في منحاها المختزل بشأن كيفية تنظيم انتخابات رئاسية فقط، وفي مقاربتها القائمة على احتكار قيادة الجيش، خارج الأطر الرسمية، لسلطة تقرير مقتضياتها وخطواتها منفردة، بحيث عبّ المسلك الإجرائي عن إرادة منفردة لجهة سيادية محتكرة للقرار، بدلً من المسلك التشاركي التوافقي. والتدابير المرافقة لم تسهم في تشكيل قاعدة داعمة للمسار الإجرائي، فقرارات إدارة المرحلة الانتقالية لم تكن في النهاية مستندة إلى شرعية دستورية سليمة، ولا إلى توافقات وتفاهمات سياسية. ويمكننا تحديد مصادر ضعف التدابير الخاصة بالمسار الانتقالي، على مستوى استجابته لمقتضيات المرحلة، وعدم تلبيتها تطلعات المواطنين في إنجاز التغيير السياسي السلمي، في ما يلي: الدور المهيمن لمؤسسة الجيش في المرحلة الانتقالية: من المنتظر في حالات الانتقال السياسي أن تشغل المؤسسة العسكرية دورًا مؤثرًا في عملية الانتقال. وفي الجزائر، بالنظر إلى التجربة التاريخية والمكانة الخاصة لمؤسسة الجيش، لم يكن من المتوقع أن تكون هذه المؤسسة على الحياد في لحظة سياسية حاسمة. لقد أسهم موقفها الإيجابي في تحقيق أول اختراق من خلال استقالة الرئيس السابق. لكن ذلك لا يعفي قيادة الجيش من كونها كانت طرفًا أساسًا في منظومة الحكم، وداعمً للمنظومة المنهارة، فالانحياز إلى مطالب الشارع قد يخوّل المؤسسة مكانة مهمة في المسار، لكنه لا يمنحها حق احتكار تصور الحلول، وإملاء مخطط العمل. تميزت المرحلة الانتقالية بحضور مكثف لقيادة الجيش في المجال العام، فقد تجاوز عدد تدخلات قائد الجيش في مدة ثمانية أشهر أربعين تدخلً (بين خطاب، أو كلمة، أو بيان) 54، وتميز دور قيادة الجيش بسلطة إملائية مفرطة، متجاوزًا المؤسسات الرسمية القائمة. ويبرز الدور المؤثر لقيادة الجيش في صوغ ملامح المرحلة الانتقالية أيضًا من خلال ممارسة سلطة التعقيب على القرارات المتخذة من المؤسسات الرسمية55، وهو دور يقع تحت طائلة التناقض مع تعريف المرحلة، بكونها مرحلة انتقالية دستورية؛ أي وفق الأحكام السارية التي لا تمنح هذه المؤسسة سلطة الوصاية على المؤسسات القائمة. فعلى عكس التجربة المصرية، تبرز الحالة الجزائرية نموذجًا آخر من التدخلات في المشهد السياسي الانتقالي المستتر خلف غطاء المؤسسات الانتقالية. ضعف إسهام المجلس الدستوري: حدد الدستور الجزائري المهمة الأساسية للمجلس الدستوري بالسهر على احترام الدستور، وعزز تعديل عام 2016 دوره في مجال الفصل في الدفع إلى عدم الدستورية. تعدّ مؤسسة المجلس الدستوري، بحسب مكانتها، أعلى مؤسسة رقابية تسهر على تطبيق الدستور، وتحوز مهمة أخرى أهم، وهي تطوير الاجتهاد الدستوري، فقد نص نظامها الداخلي، في مادتيه: 81 و 82، صراحة على إمكانية أن يستشار المجلس في إطار تطبيق المادة 104 من الدستور (تتعلق بالقيود الواردة على صلاحيات الرئيس المؤقت)، ووجوب اجتماعه في هذه الحالات ليبدي رأيه56. وكان ممكنًا أن يسهم دور نشط للمجلس بهذا الصدد في تقديم البدائل والحلول، لا سيما في ظل رفض الشارع انتخابات الرابع من تموز/ يوليو، وتجاوز الرئيس المؤقت حدود ولايته الدستورية المقررة. يتمثل الاجتهاد أساسًا في استنباط أحكام غير منصوص عليها صراحة في النص؛ لمواجهة حالات طارئة لم يتعرض لها المؤسس الدستوري؛ إذ كان في الإمكان أن يعمل المجلس لتقديم آراء تفصيلية، تراعي طبيعة المرحلة ومشروعية المطالب الشعبية. غير أن مساهمته المقتصرة على إعلان استحالة إجراء الانتخابات في موعدها، وتمديد ولاية الرئيس المؤقت إلى أجل غير محدد زمنيًا، وإحالة أمر استدعاء الهيئة الناخبة مجددًا إلى رئيس الدولة، باتت ملمحًا مميزا لضعف التدبير الدستوري الانتقالي في الحالة الجزائرية. وقد يرتبط ضعف إسهام المجلس الدستوري بنوعية تركيبته البشرية الموروثة من حقبة الرئيس السابق (كان الولاء هو المؤهل الأساس لتولي المناصب)، وقد يكون سببه هيمنة قوى أخرى على القرار، ومنعها مثل تلك المساهمات. في كل الأحوال، فإن دور المجلس لم يرقَ إلى الدور المؤثر المنتظر منه في مرحلة مهمة من تاريخ البلاد. غياب حوار وطني حقيقي، وتهميش مبادرات المجتمع المدني: لم يرقَ دور المجتمع المدني في الحالة الجزائرية إلى مستوى الإسهام

  1. الجمهورية الجزائرية، وزارة الدفاع الوطني، 52 خلاصة خطب ورسائل الفريق أحمد قايد صالح قائد أركان الجيش نائب وزير الدفاع الوطني (كانون الأول/ ديسمبر.)2019
  2. نصب رئيس الدولة المؤقت لجنة كلفها بإدارة الحوار الوطني، وقال إن هذه اللجنة سيدة في عملها، وأوضح رئيس هذه اللجنة، عقب تكليفه، ضرورة اتخاذ إجراءات تهدئة. غير أن قائد الأركان سارع إلى رفض ما اعتبره شروطًا مسبقة.
  3. الجمهورية الجزائرية، المجلس الدستوري، "النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري (المعدّل والمتمّم بموجب المداولة المؤرخة في 18 صفر عام 1441 الموافق 17 أكتوبر سنة ")2019، 2019/5/12، شوهد في 2021/3/15، في: https://bit.ly/3ltHwHG

الذي قدّمه نظيره في التجربة التونسية، من حيث إدارة الحوار وبناء التسويات في مرحلة الانتقال. لكنه قدّم في المقابل إسهامًا معتبرًا من خلال عدد من الأوراق والمقترحات التي طرحت حلولً وتصورات، تجمع بين الحل الدستوري والحل السياسي لتجاوز المأزق. ويمكن اعتبار وثيقة "المنتدى الوطني للحوار" الصادرة في 6 تموز/ يوليو 2019 عن ندوة وطنية، ضمت زهاء 700 مشارك ممثل عن فعاليات المجتمع الوطني والأحزاب السياسية، باختلاف أطيافها (باستثناء أحزاب الموالاة) 57، أكثر المبادرات نضجًا من حيث التصور التفصيلي لمراحل إنجاز الحوار الوطني المؤدي إلى توفير عوامل نجاح الانتخابات، أو من حيث مستوى تمثيلية الجمعيات الوطنية والنقابات المستقلة، وثقل الأحزاب المشاركة فيها، فالخريطة التي اقترحتها الأرضية وضحت شروط الحوار الوطني ومبادئه، وتديره شخصيات مستقلة غير متورطة في المرحلة السابقة، وتشارك فيه أيضًا كل القوى المؤمنة بمبادئ ثورة 22 شباط/ فبراير السلمية، وغير المنخرطة في مشروع العهدة الخامسة، وحددت أولوياته ببحث سبل تنظيم انتخابات رئاسية في آجال مقبولة، في حدود ستة أشهر، بوصفها خطوة أولى في مسار التحول الديمقراطي، يُفصل ميثاق وطني جامع أهم مكوناته. وعلى الرغم من التنازل الذي عبرت عنه الوثيقة، من خلال التغاضي عن مطلب تنحي جميع رموز النظام السابق قبل إجراء الانتخابات، وتعويضه بقصر مطلب الرحيل على من ثبت تورطهم في قضايا الفساد، فإنّ السلطة القائمة لم تتجاوب مع هذه المبادرة أيضًا، كغيرها من المبادرات الأخرى. ومن ناحية أخرى، عمدت السلطة بأسلوب منفرد إلى تنصيب لجنة للحوار والوساطة، ضمّت في عضويتها رموزًا من النظام السابق، لإدارة حوار قالت إنها لن تشارك فيه وستلتزم بمخرجاته. لكن يكفي للتدليل على شكلية هذا المسعى، بل وعبثه، الإشارة إلى أن عمل هذه اللجنة الذي قاطعته معظم فعاليات الحراك الشعبي كان يفترض أن يخلص، بحسب القائمين عليها، إلى تحديد شروط وضع موعد انتخابي جديد، يكفل التعبير الحر والنزيه للجزائريين، ووضع ميثاق شرف يلتزم به المشاركون في الانتخابات، باعتباره ضمانة لاستمرارية مسار التغيير السياسي بعد الانتخابات، قبل أن يأتي الرد من السلطة الفعلية بأن "محاولة فرض شروط تعجيزية وإملاءات مرفوضة جملة وتفصيلً[...]، إضافة إلى محاولة بث أفكار مسمومة ترهن الرئيس القادم، وتفرض عليه تطبيق أجندات معدة مسبقا"58. وفي الوقت الذي كانت فيه اللجنة المعينة من الرئيس المؤقت لإدارة الحوار تخطط لعقد ندوة وطنية تناقش كل المقترحات، وتحدد كيفية اختيار أعضاء هيئة وطنية تشرف على الانتخابات، جرى التعجيل باقتراح استدعاء الهيئة الناخبة من قيادة المؤسسة العسكرية؛ حتى قبل أن تنتهي اللجنة من إعداد تقاريرها وتقديم خلاصة عملها. إن شكلانية الحوار واختصاره في نقطة اقتراح تعديلات جزئية على قانون الانتخابات، وتقديم مشروع قانون لإنشاء سلطة مستقلة لتنظيم الانتخابات، فضلً عن عدم صدقية مجرياته، من حيث عدم معرفة كيف جرت أطواره، ومن هم المشاركون فيه، زيادة على عدم إلزامية نتائجه للسلطة، كلها مظاهر لضعف الإجراءات السياسية المرافقة للمرحلة. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن مسار المرحلة الانتقالية قد ترافق مع تضييق كبير على حرية التظاهر والمسيرات، وكذلك تعتيم إعلامي شديد على الحراك، فقد توقفت التغطيات الإعلامية في القنوات الحكومية والخاصة لفعالياته، وهي عوامل لم تسمح بتوافر أجواء إيجابية باعثة على الثقة، لا سيما في ظل حملة من المتابعات التي شملت المتظاهرين.

رابعًا: تأثير التدابير الانتقالية في نتائج المسار السياسي

اعتمدت السلطة القائمة في مرحلة ما بعد استقالة بوتفليقة، في تدبير المرحلة الانتقالية، على حصر مسارها في كيفية سد الفراغ في مؤسسة الرئاسة بأسرع وقت وأقل تكلفة ممكنة؛ ما جعل مسار الانتقال مختزلً في تصورها في عملية الانتخاب التي بدا مسارها مفتقرًا إلى مقومات الصدقية اللازمة لاستحقاق كان ينتظر منه أن يفتتح عهد التغيير السياسي. إن اختزال المسار السياسي الانتقالي في إعادة إجراء انتخابات، سقط موعدها في مناسبتين سابقتين؛ بسبب الرفض الشعبي، من دون عقد

  1. عُرفت المبادرة بوثيقة "عين البنيان"، وجاءت في أعقاب نهاية العهدة الرئاسية الانتقالية للرئيس المؤقت، ينظر: سليم محمدي، "بن خلاف: هذه هي الوثيقة الرسمية والحصرية المنبثقة عن المنتدى الوطني للحوار المنعقد اليوم وكل وثيقة أو بيان عدا هذه
  2. الفريق قايد صالح ينوه بالنتائج المشجعة المحققة من قبل الهيئة الوطنية للوساطة وكالة الأنباء الجزائرية والحوار"،، 2019/8/26، شوهد في 2021/10/26، في: https://bit.ly/3GmmjcD " كريم يونس: طلبنا الإسراع بإجراءات تهدئة"، 57 الخبر، 2019/8/8، شوهد في 2021/10/4، في http://bit.ly/3bNeUFS:
  3. الوثيقة فهو باطل ولا أساس له من الصحة"، الجزائر الآن، 2019/7/7، شوهد في 2021/10/4، فh يttp://bit.ly/3qLj45D:

حوار وطني جدي وملزم النتائج، يساعد في بناء وفاق وطني، ومن دون مراجعة المنظومة التشريعية مراجعة واسعة، وعدم السماح بميلاد كيانات سياسية جديدة، أو اعتماد أي نوع من تدابير العزل السياسي، واستبعاد رموز النظام السابق من المناصب القيادية في الدولة، أفقدت المسار الانتخابي رهانه الحقيقي، بما هو استحقاق يمكِن القوى المجتمعية من استرجاع المبادرة في لحظة الانتقال،

والإسهام في صوغ قواعد اللعبة السياسية من جديد. لقد كان من النتائج المباشرة للتدبير المنفرد للمرحلة الانتقالية، ولإجراءاتها المفتقرة إلى الحد الأدنى من التوافق، افتقاد الاستحقاق الانتخابي رهاناته الفعلية في لحظة تاريخية حاسمة، فكانت المشاركة فيه، على ضعفها، تعبيرًا عن رغبة في تجاوز حالة المؤقت نحو مؤسسات دائمة، وإن تحقق ذلك على حساب فرص التمكين لمنظومة سياسية جديدة، أو حتى مراجعة قواعد اللعبة القائمة، فالاعتبار الأساس لفرض الانتخابات بتلك الطريقة، كان هو سد الشغور في المنصب الرئاسي، من دون اعتبار لأولوية مراجعة شروط العملية السياسية، أو فتح فرصة لتجديد البناء السياسي. فالمترشحون الذين تقدّموا إلى موعد 12 كانون الأول/ ديسمبر 2019 الانتخابي، كانوا في معظمهم يمثلون وجوه الحقبة الماضية، مع غياب كلي لمرشحين من خارج الصندوق، أو شخصيات يمكن أن تصنع قطيعة مع النظام السابق، وهو ما انعكس في ضعف خطاب الحملة الانتخابية، وفتور مستوى الحضور الشعبي فيها، على عكس ما كان يؤمل في انتخابات يفترض أنها مفصلية، وتعدّ مدخل انتقال لمرحلة جديدة. لم يحظ مشروع قانون إنشاء السلطة المستقلة للانتخابات بالنقاش اللازم في وسائل الإعلام، ولا في جلسات عامة، ولا تحت قبة البرلمان، فقد قدم المشروع مع النص المتضمن تعديلات القانون الانتخابي، وجرى تصديقهما في زمن قياسي جدًّا. والغريب أن هذه السلطة جرى تنصيبها يوم صدور قانونها تنصيبًا مخالفًا لأحكام قانونها الذي ينص صراحة على ضرورة القيام بمشاورات؛ للوصول إلى اختيار أعضائها، وصادف التاريخ ذاته موعد استدعاء الهيئة الناخبة أيضًا، مع كل الترتيبات التي كان يجب على السلطة المستحدثة القيام بها لتنصيب هياكلها المركزية والمحلية، وإعداد نظامها الداخلي، واستلام قوائم الناخبين من وزارة الداخلية التي كانت تتولى العملية قبل ذلك. كل تلك الترتيبات كان ينبغي الفراغ منها قبل استدعاء الهيئة الناخبة؛ لأن توقيع مرسوم الاستدعاء يعني عمليًا انطلاق العمليات التحضيرية للانتخابات، من استقبال للراغبين في الترشح لسحب استمارات اكتتاب التوقيعات، ومباشرة المراجعة الاستثنائية للقوائم الانتخابية، وهي المهمات المسندة إلى الهيئة المستحدثة. لقد ساهمت التدابير غير التوافقية للمرحلة السياسية الانتقالية، والخطوات المتسرعة نحو برمجة الانتخابات، في إضعاف الثقة بالمسار السياسي، وجعل الموعد الانتخابي محطة استقطاب حاد بين من اعتقد بإمكانية حدوث التغيير من خلالها، بشرط تصحيح الاختلالات الإجرائية وتدارك النقص، ومن اعتبرها محطة مشابهة لانتخابات العهد الماضي، ومحطة ضائعة في استحقاقات التغيير السياسي، ولم تلق الترحيب والإشادة القوية، إلا من أحزاب الموالاة التي باركت بقوة المسار، وعملت في تجنيد وعائها وشبكاتها التقليدية لإنجاح الانتخابات. وأدى إجراء الانتخابات، على الرغم مما شابها من نقائص إجرائية، وما عرفته من مستوى إقبال متواضع؛ إذ بلغت نسبة المشاركة نحو 39.88 في المئة، إلى إنهاء المرحلة الانتقالية. غير أن افتقار الموعد الانتخابي إلى رهان التغيير الذي يفترض أن يكون الرهان الأساس لعملية انتخابية، تمثل بداية الانتقال الديمقراطي، لم يسمح باستيعاب المسار الانتخابي للآمال المشروعة في افتتاح مرحلة سياسية جديدة. فقد عبّ بوضوح حصول الوزير الأول الأسبق في حكومة

  1. 59 الجمهورية الجزائرية، المجلس الدستوري، "إعلان رقم 03// أ. م د 19 مؤرخ في 19 ربيع الثاني عام 1441 الموافق 16 ديسمبر سنة 2019، يتضمن النتائج النهائية لانتخاب رئيس الجمهورية"، شوهد في 2021/10/4، في: https://bit.ly/3cAb7Lm
  2. سُجلت خروق قانونية كثيرة في عملية اختيار أعضاء الهيئة، وفي طريقة تزكية رئيسها الذي شغل في وقت سابق منصب وزير العدل، في مناسبتين في عهد الرئيس بوتفليقة. ينظر: بيان الحزب السياسي قيد التأسيس "حركة عزم" الذي ندد بالخروق التي شابت العملية؛ "مقترحات لتقويم مسار إجراءات المضي إلى الانتخابات الرئاسية"، حركة عزم، 2019/10/12، شوهد في 2021/10/4، في http://bit.ly/3cDB24M:

بوتفليقة على الأغلبية الصريحة من الدور الأول عن المستوى المتواضع لتنافسية الانتخابات، وعبّ أيضًا عن تمكن القوى المحافظة الرافضة للتغيير من فرض منطق تحجيم نطاق التغيير السياسي، عبر إعادة تدوير شخصيات نظام بوتفليقة، لتكون أقرب إلى الاستمرارية منها إلى القطيعة مع العهد الماضي.

خاتمة واستنتاجات

منذ بداية التحولات الجارية في الجزائر، في أعقاب تنحي الرئيس السابق، كان هناك استحضار متزايد للتجربة التاريخية السيئة التي عرفتها البلاد، عقب تعثر مسار التحول الديمقراطي في بداية عقد التسعينيات، وقيست كل دعوة إلى إطلاق مرحلة سياسية انتقالية بمقياس المرحلة الانتقالية في سنوات التسعينيات. وعلى الرغم من أن مفهوم المرحلة الانتقالية ليس مرتبطًا بفكرة الانقلاب العسكري، وبإدارة البلاد خارج مقتضيات الشرعية الدستورية والمشروعية السياسية، فإنّ الخطاب الحكومي الرسمي، وكذلك خطاب كثير من الفاعلين قد استخدم، بقصد أو بغير قصد، المرحلة الانتقالية والمسار التأسيسي استخدامًا مكرورًا على أنهما مرادفان لمسارات مجهولة، وعنوانان مقترنان بالفوضى والفراغ المؤسساتي. وهو منحى ساهم في حصر النقاش منذ البداية في زاوية كيفية إحداث تغيير سياسي في ضوء المخارج الدستورية المتاحة، ووفق التدابير الممكنة المستمدة من دستور البلاد المعدل عام.2016 لا يُعدّ خيار تدبير المرحلة السياسية الانتقالية بين استقالة الرئيس السابق وانتخاب الرئيس الجديد، وفق ما تتيحه النصوص الدستورية السارية، سابقةً في هذا المجال، فعدد من تجارب الانتقال السياسي رُجحت فيها خيارات العمل ضمن ما يتيحه النص الموروث من العهد السابق، فما يُعدّ نوعًا من السابقة في الحالة الجزائرية هو اقتصار مفهوم الحل الدستوري على المقتضيات الحرفية لمنطوق النص الدستوري، من دون تعديلات دستورية جزئية، ولا مراجعة جوهرية للبنية التشريعية الموروثة، وكذلك من دون توظيف ما تتيحه التدابير الدستورية الانتقالية من أدوات؛ لتجاوز المأزق الذي صنعه عجز النص عن استيعاب تحديات اللحظة السياسية. ويمكن القول إن القوى المحافظة الرافضة للتغيير السياسي العميق داخل منظومة الحكم قد تمكنت، عبر التحكم في مسار إدارة المرحلة الانتقالية، من اختزال مسار العملية السياسية؛ لتكون محصورة في سد الشغور القائم في منصب رئيس الجمهورية، باستخدام انتقائي للمقتضيات الدستورية التي استعملت نصوصها الحرفية ذريعة؛ لكبح مطالب التغيير وتحجيمها، بينما جرى تجاوزها في مناسبات عدة؛ لتنفيذ أجندة سياسية تخدم حصر مجال التغيير في مستوى محدود. لقد فرض منطق التسيير الأحادي لأجندة المرحلة الانتقالية تدابير فاقدة للشرعية الدستورية التامة، وغير حائزة على حد أدنى من القبول والتوافق بين مختلف الفواعل، وأهم من ذلك أنها غير مستجيبة لمقتضيات المرحلة، فانعكس هذا على طبيعة النتائج المحققة التي رجحت كفة إعادة إنتاج المنظومة نفسها على تطلعات التغيير السياسي الحقيقي. وتبرز تجربة تدبير المرحلة الانتقالية في الجزائر أهمية مسارات الحوار والتفاوض في بناء تسويات تتمم شرعية الإجراءات والتدابير الانتقالية، ففي غياب ميثاق سياسي جامع، وغياب توافق سياسي على أولويات المرحلة، تصبح العملية الانتخابية وسيلة لتجديد الشرعية القانونية للمنظومة القائمة، فاقدة لرهانها الحقيقي، رهان بناء العملية الديمقراطية، وغير مستوعبة مطالب التغيير في مرحلة سياسية فارقة. ولا تصاغ الدساتير لتوقع لحظة الانتقال، ولا لتفصل مسالك التغيير السياسي الثوري، بل على العكس؛ إذ غالبًا ما تكون النصوص الدستورية، لا سيما في النظم التسلطية، تعبيرًا عن ميزان القوى القائم، وترجمة لرغبة السلطة في المحافظة على الوضع؛ لذلك ليس من المنتظر أن تتمكن تلك الأطر الدستورية من الوفاء بمتطلبات مرحلة الانتقال السياسي. ولتجاوز ذلك النقص، فإن التوافقات السياسية في إمكانها أن تحقق المشروعية السياسية لبعض التدابير المؤقتة. كذلك في إمكان الاجتهاد الدستوري أن يوفر، من خلال قراءة إيجابية لمبادئ الدستور، حلولً وبدائل تضمن شرعية المسار. أما في غياب تلك الحلول المرحلية، فإن خيار التمسك بأحكام الدستور قد يصبح مطية، فحسب؛ للمحافظة على الوضع القائم، وتأجيل مطالب التغيير.

المراجع

في م

العربية

"الانتخابات الرئاسية في الجزائر: جدل التأجيل وفرص التغيير." تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2019/3/14. فh يttps://bit.ly/3vuE6c4: من الحراك إلى الانتخابات." تقارير "الجزائر 2019. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2020/2/20https://bit.ly/38KXo3n:. في باراني، زولتان. كيف تستجيب الجيوش للثورات ولماذا؟. ترجمة عبد الرحمن عياش. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2017 براون، ناثان. إعادة ميلاد دستورية: تونس ومصر تعيدان بناء نفسهما. نيويورك: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي،.2011 ________. دساتير من ورق: الدساتير العربية والسلطة السياسية. ترجمة محمد نور فرحات. القاهرة: سطور جديدة،.2010 بسيوني، محمد شريف ومحمد هلال. الجمهورية الثانية في مصر. القاهرة: دار الشروق،.2012 تركي، وليد. "الإشكالية الدستورية في تجربة الانتقال الديمقراطي إيليزا. مج في تونس." 1، العدد 1.)2018(الجمهورية الجزائرية، وزارة الدفاع الوطني. خلاصة خطب ورسائل الفريق أحمد قايد صالح قائد أركان الجيش نائب وزير الدفاع الوطني (كانون الأول/ ديسمبر).2019 سمبليثي، مارتا، ونسيما فرفيشي ورمزي لكريم. إصلاح سياسي أم تقييد إضافي للمجتمع وللمجال السياسي في الجزائر؟ كوبنهاغن: الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان، 2012. شارف، عابد. " الجزائر: انسداد سياسي وصعوبات ترتيب المرحلة تقارير. مركز الجزيرة للدراسات الانتقالية.". 2014/10/28. في: https://bit.ly/3lk8MrO صيداوي، رياض. نهاية زمن بوتفليقة: صراعات النخب السياسية والعسكرية. ط 2. جنيف: المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية،.2019 طارق، حسن. دستورانية ما بعد انفجارات 2011: قراءة في تجارب المغرب وتونس ومصر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 عليوة، محمد طه [وآخرون.] جدل الدستور والمرحلة الانتقالية.رر الدوحة/ ب وررت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 غماري، طيبي. الجندي والدولة والثورات العربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019 فريك، بشير. حكم بوتفليقة جنون أم خيانة؟ الجزائر: دار الأمة،.2019 مالكي، امحمد [وآخرون.] ثورة تونس: الأسباب والسياقات والتحديات. الدوحة/ ب وررت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 مصطفى، تامر. "صياغة الدستور في مصر: هل يمكن لإطار قانوني أن موجز السياسة. مركز بروكنجز يعيد إحياء عملية الانتقال." - جامعة ستانفورد للتحولات العربية (آذار/ مارس.)2012

الأجنبية

Ben Achour, Rafaa & Sana Ben Achour. "La transition démocratique en Tunisie: Entre légalité constitutionnelle et légitimité révolutionnaire." Revue Française de droit constitutionnel. vol. 92, no. 4 (2012). Blokker, Paul. "Dilemmas of Democratization from Legal Revolutions to Democratic Constitutionalism?" Nordic Journal of International Law. vol. 81, no. 4 (2012). Carothers, Thomas. "The End of Transition Paradigm." Journal of Democracy. vol. 13, no. 1 (January 2002). Cartier, Emmanuel. "Les petites constitutions: contribution à l'analyse du droit constitutionnel transitoire." Revue française de droit constitutionnel. vol. 71, no. 3 (2007). Diamond, Larry. "Elections Without Democracy Thinking about Hybrid Regimes." Journal of Democracy. vol. 13, no. 2 (April 2002). Halmai, Gabor. "Silence of Transitional Constitution: The Invisible Constitution Concept of the Hungarian Constitutional Court." International Journal of Constitutional Law. vol. 16, no. 3 (November 2018).

Hein, Michael. "Constitutional Conflicts between Politics and Law in Transition Societies: A Systems-Theoretical Approach." Studies of Transition States and Societies. vol. 3, no. 1 (2011). Loughlin, Martin. "The Contemporary Crisis of Constitutional Democracy." Oxford Journal of Legal Studies. vol. 39, no. 2 (2019). Philippe, Xavier. "Les Constitutions de transition entre universalisme et particularisme: Rôle et limites de l'ingénierie constitutionnelle comparée et internationale. Table ronde." Annuaire international de justice constitutionnelle. vol. 30, no. 2014 (2015). Teitel, Ruti. "Post-Communist Constitutionalism a Transitional Perspective." Colombia Human Rights Law Review. vol. 26 (1994). Yeh, Jiunn Rong & Wen Chen Chang. "The Changing Landscape of Modern Constitutionalism: Transitional Prospection." Taiwan University Law Review. vol. 4, no. 1 (March 2009).